← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

المؤمن والكافر، وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات؛ كالشجاعة والسخاوة؛ لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى، وبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية، وهي التّوحيد، دون الآخر. * * * ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معنى يولج: يُدْخِل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من اللّيل زاد في النهار، فكأنّه دخل فيه، وكذلك كلّ ما نقص من اللهار يدخل في اللّيل. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هي مدة دوره. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ الإشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى من الأصنام. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ هي القشرة الرّقيقة الملتفة على النواة، وتقدم تفسير الفتيل والنقير في سورة النِّساء [الآية: ٥٣ و ٧١]. * * * ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنّهم جماد.

стр. 2697

﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل الفرض والتمثيل ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لعجزهم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم، ويتبرؤون منكم. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ بأحوال الدارين ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ عالمٍ به، وهو الله تعالى. * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ بكل حال. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن جميع خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود على صنعه. واختلاف القراء في الهمزتين من (الْفُقَرَاءُ إِلَى) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) في سورة الحجِّ [الآية: ٥]. * * * ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بإهلاككم. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بدلَكم. * * * ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بمتعذر. * * *

стр. 2698

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب غيره، وأمّا قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فالمراد: الضالون والمضلون، وإضلال تابعيهم من جملة ذنوبهم، فلذلك حملوه. ﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ وبالذنوب ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ الّذي عليها من الذنوب. ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ من حملها ﴿شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ ذا قرابة؛ كأم وأب وأخ. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ إنّما ينتفع بإنذارك ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافونه، ولم يروهُ، وخص الخاشون بالإنذار. لأنّهم هم المنتفعون به ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ خص من الأعمال إقامة الصّلاة؛ تنبيهًا عليها، وتشريفًا لها، ثمّ أومأ تعالى إلى غناه عن خلقه بقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تَطهَّر عن دنس المعاصي، وأصلح العمل. ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ فصلاحُه مختصٌّ به. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازيهم على تزكيتهم. * * * ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمن والكافر، وقيل: الجاهل والعالم.

стр. 2699

﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ أي: الشرك والإيمان؛ أي: لا تساوي بينهما، وقوله: (وَلَا النُّورُ) دخول (لَا) فيها وفيما بعدها إنّما هو على نيّة التكرار؛ كأنّه قال: ولا الظلمات والنور، ولا النور والظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودل مذكور الكلام على متروكه. * * * ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَلَا الظِّلُّ﴾ الجنَّة. ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾ النّار، وقال ابن عبّاس: الحرور: الريح الحارة ليلًا، والسموم نهارًا (١). * * * ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾ المؤمنون ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ الكفار، وقيل: العلماء والجهال، كلها أمثال ضُربت للمؤمن والكافر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ﴾ الإنذارَ سماعَ هداية (٢) ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إيمانَه. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يعني: الكفار، شبههم في عدم الانتفاع بالمقبور.

стр. 2700

﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ ما أنت إِلَّا منذر تخوفهم بالنار، ونُسخ معناها بآية السيف. * * * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ محققين (١) ﴿بَشِيرًا﴾ بالوعد ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالوعيد. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية ﴿إِلَّا خَلَا﴾ مضى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي يُنذر من عذاب الله، واكتفى بنذير هنا عن ذكر بشير؛ لدلالته عليه؛ لأنّ النذارة قرينة البشارة، وهما مذكوران قبل، وأمّا فترة عيسى، فلم يزل فيها من هو على دينه، وداعٍ إلى الإيمان. * * * ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقد. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ كصحف إبراهيم ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الواضح، وهو التوراة والإنجيل، والبينات والزبر والكتاب المنير شيء واحد، لكنه أكد

стр. 2701

أوصافه بعضها ببعض، وذكره بجهاته، والزبور من زبرت الكتاب: إذا كتبته. * * * ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ . [٢٦] ثمّ توعد قريشًا بذكر الأمم الكافرة فقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري بالعقوبة، وتقدم اختلاف القراء في (نَكِيرِ) في آخر سبأ [الآية: ٤٥]. * * * ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ المراد: رؤية القلب ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة؛ لأنّه أهيبُ في العبارة. فقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ كالخضرة والصفرة والحمرة والبياض والسواد، وغير ذلك، وقيل: المراد: أجناسها وأصنافها، قدم النعت على الاسم، فلذلك نصب. ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾؛ أي: طرق تكون في الجبال ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ واحدتها جُدَّة. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ بالشدة والضعف.

стр. 2702

﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أي: وطرق سود كالغرابيب؛ تشبيهًا بالغراب، يقال: أسود غِرْبيب؛ أي: شديد السواد. * * * ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلاف الثمرات والجبال، وتم الكلام هاهنا، ثمّ ابتدأ. فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن عبّاس: "يريد: إنّما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني (١) "، وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن بأنّه لا يخشى اللهَ تعالى إِلَّا العلّماءُ، ولو عكس، لكان المعنى: أن العلماءَ لا يخشون الله (٢) نحو ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب عباده. واختلاف القراء في الهمزتين من (العُلَمَاءُ إِنَّ) كاختلافهم فيهما من ﴿الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) [فاطر: ١٥]. * * *

стр. 2703

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يداومون على قراءة القرآن، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ بجميع شروطها. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ في الصدقات ووجوه البرّ، فالسر من ذلك هو التطوع، والعلانيّة هو المفروض، وخبر (إِنَّ): ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: تكسد ويتعذر ربحها. * * * ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ بالإنفاق ﴿أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثواب التلاوة وإقامة الصّلاة وإنفاقهم. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ سوى الثّواب ما لم تر عين، ولم تسمع أذن. ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لهم ذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ مثيب لأعمالهم. * * * ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن، و (مِن) للتببين. ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ حال مؤكدة. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدمه من الكتب المنزلة.

стр. 2704

﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ عالم بالبواطن والظواهر. * * * ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ أي: أعطيناه ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن، و (ثُمَّ) للترتيب، تقديره: والذي أوحينا إليك، ثمّ أورثناه ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هم أمتك يا محمّد، ثمّ قسمهم. فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ هو الّذي رجحت سيئاته ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هو الّذي ساوت حسناته سيئاته ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾ إلى الجنَّة ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾ بالأعمال الصالحة، وهو الّذي رجحت حسناته ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتوفيقه، والأصناف الثّلاثة في الجنَّة، قال ﷺ : "سابقُنا سابق، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالمنا مغفورٌ له" (١).

стр. 2705

﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيراثهم الجنَّة ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. * * * ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ . [٣٣] ومما يدلُّ على دخولهم جميعهم الجنَّة قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مبتدأ، خبره ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ قرأ أبو عمرو: بضم الياء وفتح الخاء مجهولًا، فالواو قام مقام الفاعل، والباقون: بنصب الياء وضم الخاء معلومًا (١)، فالواو الفاعل. ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ نساءً ورجالًا ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنَّة ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع أسورة، و (مِنْ) تبعيض ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ روي أن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ (٢)، هذه حليتهم. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر: (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب على معنى: ويحلَّون لؤلؤًا، فأبو جعفر يترك الهمزتين، فيسكن الواو الأولى، وينصب الثّانية، وأبو بكر عن عاصم يترك الأولى فقط، وقرأ

стр. 2706

الباقون: بالخفض عطفًا على (أَسَاوِرَ)، وأبو عمرو يترك الهمزة الأولى (١)، وتقدم في سورة الحجِّ اختلاف الأئمة في حكم الحرير والجلوس عليه عند تفسير نظير هذه الآية. * * * ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: ويقولون إذا دخلوا الجنَّة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أي: أزال عنا كلّ شيء يوجب الحزن. ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للمذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ مثيب للمطيعين. * * * ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ بمعنى: الإقامة. ﴿مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب. ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ إعياء ومشقة، فاللغوب: نصب وزيادة؛ لأنّه نتيجة النصب.

стр. 2707

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى﴾ لا يحكم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالموت. ﴿فَيَمُوتُوا﴾ نصب جواب النَّفْي. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الجزاء. ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مبالغ في الكفر والكفران. قرأ أبو عمرو: (يُجْزَى) بالياء وضمها وفتح الزاي مجهولًا، ورفع (كُلُّ) مفعول المجهول، وقرأ الباقون: بالنون وفتحها وكسر الزاي، ونصب (كُلَّ) مفعولًا صريحًا (١)، المعنى: الكفار معذبون أبدًا. * * * ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: يستغيثون في جهنم بشدة وعويل، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ منها ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ لأنّهم كانوا يعتقدون صلاح عملهم في الدنيا، فأجيبوا توبيخًا:

стр. 2708

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ المعنى: ألم نطل أعماركم وقتًا يتذكر فيه التوبة من تذكر، وتعطف على معنى (١) ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ما بعد؛ لأنّ لفظه استخبار، ومعناه إخبار، تقديره: عمرناكم. ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ محمّد ﷺ ، وقيل: القرآن، وقيل: الشيب، ويجوز أن يراد: كُلُّ ما يؤذن بالانتقال. ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم العذاب. * * * ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والغيب: ما غاب عن البشر؛ أي: لا يخفى عليه خافية. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: ما فيها من المعتقدات، تعليل لهم؛ لأنّه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى ما يكون، علم كلّ غيب، و (ذَاتُ) تأنيث (ذو). * * * ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ جمع خليف؛ أي: يخلف بعضكم بعضًا.

стр. 2709

﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: وبَالُ كفره. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بغضًا (١) واحتقارًا. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ أي: خسروا آخرتهم ومعادهم. * * * ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا﴾ أيَّ شيء. ﴿خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ أي: شركة مع الله تعالى. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: في خلقها، المعنى: أخبروني عن هؤلاء الشركاء بزعمكم، أَستبدوا بخلق شيء، أم شاركوه تعالى في شيء من خلقه. ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ هل أعطينا كفار مكّة أو الأصنام. ﴿كِتَابًا﴾ ينطق بأنّهم شركاؤه. ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ أي: على حجة وبرهان من ذلك الكتاب. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (بَيِّنَةٍ) بغير ألف على التّوحيد إرادة الجنس، وقرأ الباقون: (بَيِّنَاتٍ) بالألف على الجمع (٢)؛

стр. 2710

لكثرة ما جاء به ﷺ ، ورسمها بالتاء، تلخيصه: هل لمعبوديكم ما يستحقون أن يعبدوا بسببه؟ ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ﴾ الرؤساء ﴿بَعْضًا﴾ الأتباع. ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا، وهو ما يغر الإنسان. * * * ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ . [٤١] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ﴾ يَضْبِط ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: كي لا ﴿تَزُولَا﴾ رُوي أنّه لما قالت النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، كادت السموات والأرض أن تزولا وتعدما، فأمسكهما الله تعالى (١). ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي: ما ﴿أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ من بعد إمساكه. ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حيث أمسكهما عن الزَّوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة. * * * * ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ . [٤٢] ولما بلغ قريشًا أن أهل الكتاب كذبوا رسلَهم، حلفوا إنَّ جاءهم

стр. 2711

رسول، اتبعوه، فنزل: ﴿وَأَقسَمُوا﴾ أي: كفار مكّة. ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ منصوب على المصدر؛ أي: بغاية اجتهادهم. ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يعني: من اليهود والنصارى؛ لأنّ كلّ واحدة منهما أمم، وليس المراد: إحدى الأمتين دون الأخرى، بل هما جميعًا؛ لأنّ (إحدى) شائعة فيهما تصلح لكل واحدة منهما، ولم يقل: الأمتين، [ولا الأمم بلا إحدى؛ ليعم جميع أفراد الأمتين] (١)؛ لأنّ (إحدى) تأنيث (أحد)؛ كأنّه قال: ليكونن أهدى من كلّ واحدة من الأمم، ولو حذف إحدى، لجاز أن يراد: بعض الأمم. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ هو محمد ﷺ ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ مجيء النذير من الإيمان. ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: تباعدًا عن الهدى. * * * ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من (نُفُورًا)، ثمّ تعطف على (نُفُورًا)، أو (استكبارًا)، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ العمل القبيح، وأضيف المكر إلى السيئ وهو صفته كما قيل: دار الآخرة، ومسجد الجامع، وجانب الغربي. قرأ حمزة: (السَّيِّءْ) بإسكان الهمزة في الوصل؛ لتوالي الحركات تخفيفًا، كما

стр. 2712

أسكنها أبو عمرو في (بَارِئْكُمْ) لذلك، قال الكواشي: وزعم بعضهم لجهله بكلام العرب أنّه لحن، وهو اللاحن، ونصر العلّامة ابن الجزري في "النشر" صحتها، وقرأ الباقون: بكسرها، وإذا وقف حمزة، أبدلها ياء خالصة، وكذلك هشام إذا خفف من طريق الحلواني، إِلَّا أنّه يزيد على حمزة بالروم بين بين (١). ﴿وَلَا يَحِيقُ﴾ يحيط (٢) ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ أي: وَبالُ الشرك مختص بمن أشرك. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّيِّئُ إِلَّا) كاختلافهم فيهما من (نشاءُ إِلَى) في سورة الحجِّ. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينتظرون هؤلاء إِلَّا نزول العقاب بهم كما نزل بمن تقدمهم. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾ في نزول العذاب بالكفار. ﴿تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ للعذاب إلى غير مستحقه، ورسمت (لِسُنَّتِ) في الموضعين بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٣). * * *

стр. 2713

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أي: المشركون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إلى متاجرهم. ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾ هلكوا. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لما كذبوا الرسل. ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فأُهلكوا مع ذلك. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالأشياء كلها ﴿قَدِيرًا﴾ عليها. * * * ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: لو جازى على الذنوب في الدنيا ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ أي: على ظهر الأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يعني: لأهلك الجميع، وقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ مبالغة، والمراد: بنو آدم؛ لأنّهم المجازون. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقتٍ معلوم، وهو القيامة.

стр. 2714

﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ توعد، وفيه للمتقين وعد. واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥]، والله أعلم. * * *

стр. 2715

سُوْرَة يس ﵇ - مكية، وآيها: ثلاث وثمانون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وعشرون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وسبع وعشرون كلمة. روى أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لكل شيء قلبًا، وإن قلبَ القرآن يس" (١) ، وروي: "من قرأ يس، كتب الله له بقراءتها قراءةَ القرآن عشرَ مرات" (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١)﴾. [١] ﴿يس﴾ أمال الياء: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب، وفتحها الباقون، وأبو جعفر يقطع الحروف

стр. 2716

على أصله، وأدغم نون السين في الواو بغنة: الكسائي، ويعقوب، وخلف، وهشام راوي ابن عامر، واختلف عن نافع، وعاصم، والبزي راوي ابن كثير (١) وابن ذكوان راوي ابن عامر، وقرأ الباقون: بالإظهار وجهًا واحدًا، وهم أبو عمرو، وحمزة، وأبو جعفر، وقنبل راوي ابن كثير، والخلاف في معنى (يس) كما تقدّم في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتختص هذه بأقوال، منها: أن سعيد بن جبير قال: "إنّه من أسماء محمّد ﷺ (٢) دليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وعن ابن عبّاس: "معناه: يا إنسان! بلغة طيء"، وقال أبو بكر الورَّاق: معناه: يا سيد البشر. * * * ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾. [٢] ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ أي: المحكم. قرأ ابن كثير: (وَالْقُرَانِ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٣). * * *

стр. 2717

﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ . [٣] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ المعنى: أنّه تعالى أقسم بالقرآن أن محمدًا من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤ ٣]. * * * ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾. [٤] ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق هدى، ومهيع: رشاد لا اعوجاج فيه، ولا عدول عن الحق، ولم يقسم الله ﵎ لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إِلَّا له ﷺ ، وهو خبر بعد خبر إنّه من المرسلين، وإنه على صراط مستقيم. قرأ قنبل عن ابن كثير، ورويس عن يعقوب: (السِّرَاط) بالسين، وأشم الصاد الزاي: حمزة، والباقون: بالصاد (١)، وكلها لغات صحيحة. * * * ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ . [٥] ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَنْزِيلَ) بنصب اللام بإضمار أعني، أو فعله؛ أي: نزله تنزيلَ، وقرأ الباقون: بالرفع (٢)؛ أي: هو تنزيلُ. * * *

стр. 2718

﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ﴾ نفي؛ أي: لم تنذَرْ ﴿آبَاؤُهُمْ﴾ لأنّ قريشًا لم يأتهم نبي قبل محمّد ﷺ ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ عن الإيمان والرشد. * * * ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ . [٧] ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ أي: أهل مكّة بالكفر. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لما سبق في علمه تعالى من عدم إيمانهم. * * * ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ . [٨] ولما حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النّبيّ ﷺ بحجر إنَّ رآه يصلّي، فرآه ساجدًا، فأراد أن يلقي عليه حجرًا، فلزق في يده، وتشبثت يده في عنقه، نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ (١) أراد: في أعناقهم وأيديهم؛ لأن الغُلَّ لا يكون في العنق دون اليد. ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيين؛ أي: فأيديهم مجموعة إلى أذقانهم.

стр. 2719

﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ رافعو رؤوسهم مع غض الأبصار لا يستطيعون الإطراق؛ لأنّ من غُلَّت يده إلى ذقنه، ارتفع رأسه. * * * ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ . [٩] فلما عاد أبو جهل إلى أصحابه، وأخبرهم بما رأى، وسقط الحجر من يده بعد أن فكوه عنها بجهد، قال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلّي ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتّى نادوه، وأخبرهم بالحال فنزل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (سَدًّا) بفتح السين فيهما، وقرأ الباقون: بالضم (١)، وهما لغتان، والسدُّ: ما سدَّ وحال. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أعميناهم؛ من التغشية. ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ طريقَ الهدى، أو محمدًا ﷺ حيث أرادوه بالسوء. * * * ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مستوٍ عندهم. ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ أعلمتهم محذِّرًا.

стр. 2720

﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذه مخاطبة لمحمد ﷺ ، وضمنها تسلية له عنهم؛ أي: إنهم قد ختم عليهم بالكفر، فسواء إنذارك وتركه، والألف في قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) ألفُ التسوية؛ لأنّها ليست كالاستفهام، بل المستفهم والمستفهم مستويان في علم ذلك. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون عن نافع، ورويس عن يعقوب: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثّانية بين الهمزة والألف، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون: يفصلون بين الهمزتين بألف، وورش: يبدلها ألفًا خالصة، وروي عنه التسهيل بين بين، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن ذكوان راوي ابن عامر، وروح راوي يعقوب: بتحقيق الهمزتين من غير فصل بينهما، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل بألف مع تحقيق الهمزتين، واختلف عنه أيضًا في تسهيل الثّانية بين بين وتحقيقها. * * * ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ . [١١] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي: إنّما ينفع إنذارك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآنَ، وعمل به ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالخلوات عند (١) مغيب الإنسان من عيون البشر. ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ وحد الضمير مراعاة للفظ. ﴿بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنَّة.

стр. 2721

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ عند البعث ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أسلفوا من الأعمال من خير وشر؛ ليجازوا عليه ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما سَنُّوا من حسنة وسيئة. * * * ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ حفظناه وبيناه. ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ هو اللوح المحفوظ. قال ﷺ : "مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنةً حسنةً يُعمل بها من بعده، كان له أجرُها ومثلُ أجر من عمل بها من غير أن ينقصَ من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّةً سَيِّئة يُعمل بها مِنْ بعده، كان عليه وِزْرُها ووزرُ من عمل بها مِن غير أن يَنْقُصَ من أوزارهم شيئًا" (١). * * * ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ أي: مَثِّل للمشركين مثلًا من قصة أصحاب القرية، وهي أنطاكية. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ رسلُ عيسى ﵇.

стр. 2722

﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ أي: أَرسل عيسى بأمرنا ﴿إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ هما يوحنا ويونس؛ ليدعواهم إلى الإسلام، فقربا منها، فرأيا شيخًا، وهو حبيب النجار، فأخبراه خبرهما، فقال: هل من آية؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص والمريض، فأبرأا خلقًا كثيرًا، فدعاهما الملك، واسمه أنطيخس، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، فقال: لم جئتما؟ قالا: ندعوك إلى عبادة الرّحمن، فقال: أَلَنا رَبٌّ سوى آلهتنا؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك، فقال: قُوما حتّى أنظر في أمركما، فذهبا عنه. ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ وضربوهما وحبسوهما. ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: بتخفيف الزاي؛ من عزه: غلبه، فالمفعول محذوف؛ أي: غلبنا أهل المدينة ﴿بِثَالِثٍ﴾ وقرأ الباقون: بتشديدها (١)؛ من القوة، والمفعول محذوف أيضًا؛ أي: قوينا المرسلين برسول ثالث، وهو شمعون الصفا رأس الحواريين؛ لأنّ عيسى بعثه بعد الرسولين تقويةً لهما، فتوصل إلى أن أَنِسَ به الملك، فقال له يومًا: سمعتُ إنك حبست رجلين، فهل سمعت ما يقولان؟ قال: لا، فأحضرهما، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله، قال: صِفاه وأوجزا، قالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة، فدعوا الله، فانشق له بصره، فقال شمعون للملك: ادع إلهك

стр. 2723

حتّى يصنع كذلك، فيكون لك وله الشرف، فقال له: ليس لي دونك سر، إنَّ إلهي لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضر، ثمّ قال لهما شمعون: إنَّ قدر إلهكما على إحياء ميت، آمنا به، فجيء بميت من سبعة أيّام، فدعوا علانية، وشمعون سرًّا، فحيي الغلام فقال: دخلت في سبعة أودية من نار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السَّماء، فرأيت شابًا يشفع لهؤلاء الثّلاثة، قال الملك: ومن هم؟ قال: شمعون، وهذان، فآمن الملكُ وبعض أصحابه بعد أن أخبره شمعون بالحال، وكفر آخرون. ﴿فَقَالُوا﴾ أي: رسل عيسى. ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾ أي: أهل أنطاكية ﴿مُرْسَلُونَ﴾ (١). * * * ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ لا مزيةَ لكم علينا. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وحوي ورسالة. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ في دعواكم. * * * ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وقوله: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ جرى مجرى القسم في التوكيد، وكذلك: شهد الله، وعلم الله، ولم يأت باللام

стр. 2724

في (مرسلين) الأوّل، وأتى بها في الثّاني؛ لأنّ الأوّل ابتداء إخبار، والثّاني جواب إنكار. * * * ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ الظّاهر الأدلة الواضحة؛ لأنّه لو ادعى إنسان شيئًا، وقال: والله إنِّي لصادق بلا بينة، استُقبح ذلك، ولم يُسمع قولُه. * * * ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ . [١٨] فثم ﴿قَالُوا﴾ للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾ تشاءمنا ﴿بِكُمْ﴾ وذلك أن المطر حُبس عنهم، ثمّ قالوا للرسل: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عن مقالتكم ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم بالحجارة. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * * * ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم ﴿مَعَكُمْ﴾ بكفركم، ثمّ أدخل همزة الاستفهام على الشرط توبيخًا لهم، فقال: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعظتم، وجواب الشرط محذوف؛ أي: أئن ذُكِّرتم تطيرتم بنا وكفرتم؟! قرأ أبو جعفر: (أَأَنْ) بفتح الهمزة الثّانية وتسهيلها بين

стр. 2725

بين، ويفصل بين الهمزتين بالف، وقرأ (ذُكِرْتُمْ) بتخفيف الكاف، وقرأ الباقون: بكسرها، وهم في التسهيل والتحقيق والفصل وعدمه على أصولهم كما تقدّم في (أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا) في سورة الشعراء [الآية: ٤١]، وقرؤوا (ذُكِّرْتُمْ): بتشديد الكاف (١). ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مشركون مجاوزون الحدَّ. * * * ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وهو حبيب النجار، وكان قد آمن بالرسل، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة. ﴿يَسْعَى﴾ يشتد عَدْوًا؛ ليعلِمَ الرسلَ بذلك. ثمّ ﴿قَالَ﴾ لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. * * * ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ على تبليغ الرسالة. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى خير الدارين. * * *

стр. 2726

﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ . [٢٢] فقالوا: أنت على دينهم، وكان يكتم إيمانه، فقال عاتبًا على نفسه؛ تنبيهًا لهم، وإثباتًا للحجة عليهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت فيجازيكم. قرأ حمزة، ويعقوب، وخلف: (وَمَا لِي) بإسكان إلياء، والباقون: بفتحها (١)، أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم؛ لأنّ الفطرة أثر النعمة، وكان عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر، وكان بهم أليق. وقرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم. * * * ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا أتخذ من دونه آلهة. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَتَّخِذُ) كاختلافهم فيهما من (أَأَنْذَرْتَهُمْ). ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ بسوء ﴿لَا تُغْنِ﴾ لا تدفِع ﴿عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ أي: شفاعة الأصنام ﴿شَيْئًا﴾ أي: لا شفاعة لها فتغني ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ من مكروه ما. قرأ أبو جعفر: (يُرِدْنِي) بإثبات الياء ساكنة وقفًا، مفتوحة

стр. 2727

وصلًا، وافقه يعقوب وقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١)، وقرأ ورش: (يُنْقِذُونِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢). * * * ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ إن عبدت غيره. * * * ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾ . [٢٥] ثمّ أظهر إيمانه بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي: أطيعون. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّي إِذًا) (إِنِّي آمَنْتُ) بإسكان الياء فيهما، وافقهما ابن كثير في الأوّل، وقرأ يعقوب: (فَاسْمَعُوني) بإثبات الياء (٣). * * * ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] فلما قال ذلك، وثب إليه القوم وثبة رجل واحد، فقتلوه، فمات

стр. 2728

وهو يقول (١): اللَّهُمَّ اهدِ قومي، وقبره بأنطاكية، فلما قتله قومه ﴿قِيلَ﴾ له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فلما أفضى إلى الجنَّة ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾. * * * ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بالذي غفر لي من الذنوب. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ليؤمنوا، أراد بذلك الإشفاق والنصح لهم؛ أي: لو علموا ذلك، لآمنوا بالله تعالى، وفي ذلك قال النّبيّ ﷺ : "نصحَ قومَه حيًّا وميتًا" (٢)، وقال قتادة: نفعهم على حالة الغضب والرضا، وكذلك المؤمّن لا يكون إِلَّا ناصحًا للناس. * * * ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾ . [٢٨] فلما قُتل حبيب، غضب الله له، وعجل لهم النقمة، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة واحدة، فهلكوا عن آخرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: قوم حبيب ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إهلاكهم ﴿مِنْ

стр. 2729

جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [أي: إنَّ الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جند من السَّماء] (١). ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ملائكةً بعد إهلاك هؤلاء لتعذيب أحد، و (ما) في هذين الحرفين نافية. * * * ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ثمّ بين عقوبتهم فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ رُوي أن جبريل أخذ بعضادتي باب المدينة، ثمّ صاح بهم صيحة واحدة ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ميتون، شبهوا بالرماد الّذي خمدت ناره وطفئت. قرأ أبو جعفر: (صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) بالرفع فيهما على أن (كان) تامة، و (صيحةً) فاعل؛ أي: ما وقعت إِلَّا صيحة واحدة، وقرأ الباقون: بالنصب على أن (كان) ناقصة (٢)؛ أي: ما كانت هي؛ أي: الأخذة، إِلَّا صيحةً واحدة. * * * ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ والحسرة: أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرًا، ونصب (حَسْرَةً) منادى، ومعنى النِّداء: احضري، فهذا

стр. 2730

موضع حضورك، المعنى: يا حسرة من العباد على أنفسهم، وتندمًا وتلهفًا في استهزائهم برسل الله، وعدم إيمانهم بهم، ثمّ بين سبب الحسرة والندامة. فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تمثيل لفعل قريش. * * * ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ أهل مكّة رؤيةَ البصر ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ وهم أهل كلّ عصر، سُموا بذلك؛ لاقترانهم بالوجود، و (كَمْ) هنا خبرية ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: الماضين ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى المكبين ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: من مات لا يعود إلى الدنيا، أفلا يعتبرون؟! * * * ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر بخلاف عنه: (لمَّا) بالتشديد، جعلوا (إِنْ) بمعنى الجحد، و (لَمَّا) بمعنى إِلَّا، تقديره: وما كلٌّ إِلَّا جميع، وقرأ الباقون: بالتخفيف (١)، جعلوا (إِنْ) للتحقيق، و (ما) صلة، مجازه: وكلٌّ لَجميع لدينا، المعنى: كلّ الخلائق يجتمعون لدينا في الموقف للحساب. * * *

стр. 2731

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ اليابسة. قرأ نافع، وأبو جعفر: (الْمَيِّتَةُ) بتشديد الياء، والباقون: بتخفيفها ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالماء. ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ جنسَ الحب؛ كالحنطة والشعير وما أشبههما. ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ وخص الحب بالذكر؛ لأنّه أكثر المطلوب. * * * ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (الْعِيُونِ) بكسر العين، والباقون: بضمها (١). * * * ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ثمّ علل تفجير العيون فقال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ثُمُرِهِ) بضم الثاء والميم؛ أي: الأموال الكثيرة

стр. 2732

المثمرة من كلّ صنف، جمع ثمار، وقرأ الباقون: بفتحها (١)؛ أي: ليأكلوا من الثمر الحاصل بالماء ممّا يخرجه الشجر (٢). ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (عَمِلَتْ) بغير هاء ضمير، حذفت من صلة الاسم، وهي مرادة، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وقرأ الباقون: بالهاء، ووصلها ابن كثير على أصله، وهي في مصاحفهم كذلك (٣)؛ أي: يأكلون من الّذي عملته أيديهم من الزّرع والغرس، والهاء عائدة إلى (ما) الّتي هي بمعنى الّذي. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَ الله عليهم؟ * * * ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأصناف ﴿كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من الحبوب والثمار ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من الذكور والإناث ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ من دوابِّ البرّ البحر. * * *

стр. 2733

﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ تدلُّ على قدرتنا ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ نُزيل ضوءه، ونخرج ﴿مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فنجيء بالظلمة؛ لأنّ الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها، فإذا غربت الشّمس، سلخ النهار من اللّيل. ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام. * * * ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي: موضع تستقر فيه، وهو مغربها لا تجاوزه، ومستقرها تحت العرش، ورد به الحديث عن النّبيّ ﷺ (١). قرأ أبو جعفر بخلاف عنه: (لِمُسْتَقِرٍّ) بكسر القاف، وقرأ الجمهور: بالفتح (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ السيرُ ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ المحيطِ علمُه بكل معلوم. * * * ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَالْقَمَرَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وروح عن

стр. 2734

يعقوب: برفع الراء على الابتداء، والباقون: بنصبها (١) بفعل يفسره ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ حال؛ أي: قدرنا القمر ذا منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، وهي السرطان إلى الرشاء، وهو بطن الحوت، وهي مقسومة على اثني عشر برجًا، وهي الحمل إلى الحوت، فينزل القمر كلّ ليلة منزلًا من منازله، ويسير سيرًا غير متفاوت، ويستسر ليلتين إنَّ كان الشهر ثلاثين، وليلة إنَّ كان تسعًا وعشرين، فإذا قطع منازله، دَقَّ في رأي العين وتقوس ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ﴾ كعذق النخلة ﴿الْقَدِيمِ﴾ لأنّ العذق إذا عتق، دَقَّ وتقوَّسَ واصفرَّ، فشبه القمر به، وتقدم في سورة يونس ذكرُ منازل القمر، والكلام عليه بأتمَّ من هذا. * * * ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أي: لا يصح لها ولا يستقيم. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أن تجتمع معه فتطمسَ نوره؛ لأنّ فلكها غيرُ فلكه، ولأنّها تقطع فلكها كلّ سنة مرّة، والقمر كلّ شهر مرّة. ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وإن كان سير القمر أسرعَ من سيرها، فهما يتعاقبان بحساب معلوم، لا يجيء أحدهما قبل وقته، ولا يجتمعان حتّى يبطل الله سبحانه هذا التأليف، ويطلع الشّمس من مغربها، ويجمع بين

стр. 2735

الشّمس والقمر، وهو من أشراط السّاعة. ﴿وَكُلٌّ﴾ تنوين عوض من المضاف إليه؛ أي: كلّ واحد من النيرين والنجوم. ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لأنّ كلّ واحد يجري في فلكه. * * * ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية قوم نوح، والمراد بالذرية: الآباء والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بالألف على الجمع مع كسر التاء؛ لكثرة من حمل معه في السفينة، وقرأ الباقون: (ذُرِّيَّتَهُمْ) بغير ألف على التّوحيد مع فتح التاء إرادة الجنس (١). ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ المملوء، والمراد: سفينة نوح ﵇، وهؤلاء من نسل من حُمل معه، وكانوا في أصلابهم. * * * ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ للذرية ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: في الفلك ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ من الإبل، وهي سفن البرّ.
следующие страницы →