← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ . [١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ المعنى: أَختارَ تعالى ﴿الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾. ... ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ . [١٥٤] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد. قرأ أبو جعفر: (لَكَاذِبُونَ اصْطَفَى) بوصل الهمزة على لفظ الخبر، فيبتدئ بهمزة مكسورة حذف حرف الاستفهام، وهو مراد، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة وقطعها مما قبلها وصلًا (١)؛ لأنها همزة استفهام دخلت على همزة الوصل، فحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، وبقيت همزة الاستفهام مفتوحة. ... ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ . [١٥٥] ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذْكُرُونَ) بتخفيف الذال، والباقون: بتشديدها (٢). ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾ . [١٥٦] ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ حجة واضحة أن لله ولدًا.

стр. 2802

﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ . [١٥٧] ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي لكم فيه حجة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم. ... ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ . [١٥٨] ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: الملائكة المشركون ﴿بَيْنَهُ﴾ تعالى. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الملائكة ﴿نَسَبًا﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ يعني: قائلي هذه المقالة. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ في النار، والملائكة سميت بذلك؛ لأنها مستجنة؛ أي: مستترة من الأبصار. ... ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ . [١٥٩] ثم نزه الله تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا. ... ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ . [١٦٠] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء من (يَصِفُونَ)؛ لأن المخلصين يصفونه بصفاته العلا.

стр. 2803

﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)﴾ . [١٦١] ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ يعني: المشركين ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام. ... ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾ . [١٦٢] ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الضمير في (عليه) لله سبحانه. ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ مضلين على الله بالإغواء. ... ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ . [١٦٣] ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ إلا الذين سبق في علمه تعالى أنهم يصلونها. وقف يعقوب (صالي) بإثبات الياء (١). ... ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ . [١٦٤] ثم أخبر جبريل ﵇ أن لكل واحد منهم مقامًا مختصًا به، وأنهم عبيد مربوبون مسبحون، فقال: ﴿وَمَا مِنَّا﴾ أحد. ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ في السموات يَعبد فيه، ولا يتجاوزه إلا بإذن.

стр. 2804

﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ . [١٦٥] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أقدامَنا للصلاة. ... ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ . [١٦٦] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ المنزهون الله تعالى عما لا يليق به. ... ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾ . [١٦٧] ولما قال الكفار: لو كان لنا كتاب كالتوراة والإنجيل، لآمنا وخضعنا، فلما جاءهم ﵇ بالقرآن، كفروا به، نزل: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (١). ... ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ . [١٦٨] ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾ كتابًا ﴿مِنَ﴾ كتب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ التي نزلت عليهم. ... ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ . [١٦٩] ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ له، ولم نخالف مثلَهم.

стр. 2805

﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ . [١٧٠] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: فلما أتاهم ذلك الكتاب، وهو القرآن، كفروا به. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم. ... ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾ . [١٧١] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ عِدَتنُا بالنصر ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي: ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وسميت جماعة الحروف كلمة؛ لأنها في معنى واحد. ... ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ . [١٧٢] ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ على من ناوأهم. ... ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ . [١٧٣] ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ المؤمنين ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ المظفرون بإرادتهم، المستوجبون الفلاحَ في الدارين. ... ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾ . [١٧٤] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرضْ عن كفار مكة وعن أذاهم.

стр. 2806

﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: حين نأمرك بقتالهم، فالآية محكمة. ... ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾ . [١٧٥] ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إذا نزل بهم العذاب ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما ينكرون. ... ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾ . [١٧٦] فثَمَّ قالوا استهزاء واستعجالًا: متى نزول العذاب؟ فنزل: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١)؟ ... ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾ . [١٧٧] ﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾ العذاب ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ هي الرحبة التي يديرون أخبيتهم حولها ﴿فَسَاءَ﴾ فبئس ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ الذين أنذروا فلم يؤمنوا، والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب. ولما كثرت فيهم الهجوم والغارة في الصباح، سموا الغارة: صباحًا، وإن وقعت في وقت آخر. ... ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)﴾ . [١٧٨] وكرر: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾.

стр. 2807

﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ . [١٧٩] ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يُفعل بهم؛ تهديدًا لهم، وتسلية له ﷺ . ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ . [١٨٠] ثم نزه نفسه تعالى فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبةِ والقدرةِ؛ أي: مالكها ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من اتخاذ الأزواج والأولاد. ... ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ . [١٨١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين بلَّغوا عن الله الشرائع والتوحيد، تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم. ... ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ . [١٨٢] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على نصر أنبيائه، وإهلاك أعدائه، وعلى كل حال. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سَلَّمتم عليَّ، فسلموا على المرسلين؛ فإنما أنا أحدُهم" (١)، والله أعلم.

стр. 2808

فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد السادس اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

стр. 2809

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2810

فَتْحُ الرَّحْمَن

стр. 2811

حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 2812

سُورَةُ ص مكية بإجماع من المفسرين، وآيها: ثمان وثمانون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وتسعة وستون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وائنتان وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ . [١] ﴿ص﴾ أبو جعفر على أصله في السكت، فيقف على ص، والقراء العشرة متفقون على أن قراءة (صَادْ) بسكون الدال (١)؛ لأنها لا تستحق حركة بناء؛ لأن سكونها عارض؛ لأنها لفظ محكي (٢) كألفاظ الأعداد، ولا إعراب؛ لعدم مقتضيها، والجمهور على أنه حرف المعجم المعروف، ويدخله ما يدخل سائر السور من الأقوال. واختلف في معناه على وجوه، منها: أنه مفتاح أسماء الله تعالى التي أولها صمد، وصادق الوعد، ومنها: أن معناه صدق الله، ومنها: أنه إشارة

стр. 2813

إلى صدود الكفار عن القرآن، وعن ابن عباس: معناه: "صدق محمد" (١)، وقيل غير ذلك. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾ أي: ذكر البيان، وهو قسم جوابه محذوف، تقديره: إنه لكلام معجز. قرأ ابن كثير: (وَالْقُرَانِ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢) . ... ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾. [٢] ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة. ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ تكبر عن الإيمان ﴿وَشِقَاقٍ﴾ عداوة للنبي ﷺ . ... ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ . [٣] ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من الماضين ﴿فَنَادَوْا﴾ استغاثة عند حلول النقمة، ﴿وَلَاتَ﴾ بمعنى ليس، واسمها تقديره: ولاتَ الحينُ. ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ والمناص: المفر، ناص ينوص: إذا فات، المعنى: ليس وقت فرار. ووقف الكسائي: (وَلاَهْ) بالهاء (٣).

стр. 2814

﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ . [٤] ولما قال النبي ﷺ للكفار: إن إلهكم إله واحد، نفروا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هو محمد ﷺ . ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ فيما يقوله على الله. ... ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ . [٥] ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ كيف يسعُ الخلقَ كلَّهم إلهٌ واحد. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ بليغ في العجب. ... ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ وهم أشراف قريش بعد اجتماعهم في مجلس أبي طالب، وشكواهم إليه: أن رسول الله ﷺ يسب آلهتهم، فبكَّتهم النبي ﷺ ، وأمرهم بالتوحيد، فنفروا من ذلك، وانطلقوا من ذلك (١) الجمع قائلين بعضهم لبعض: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ سيروا على طريقتكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى﴾ عبادة ﴿آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تلتفتوا إلى قول محمد. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي نراه من زيادة أصحاب محمد ﷺ .

стр. 2815

﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: لأمر يريده الله، وقيل: يريدون: ظهورَ محمد ﷺ وعلوه بالنبوة؛ أي: يراد الانقياد منا إليه، وذلك أن عمر ﵁ لما أسلم، وحصل للمسلمين قوة بمكانه، قالوا ذلك. ... ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ التوحيد ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: دين قريش. ﴿إِنْ هَذَا﴾ القولُ بالتوحيد والبعث ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ كذب، اختلقه محمد من تلقاء نفسه. ... ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ . [٨] ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أَخُصَّ بالقرآن من دوننا؟ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (أَانْزِلَ) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، وفصل بينهما بألف: أبو جعفر، واختلف عن أبي عمرو وقالون، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق الهمزتين، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل مع تحقيق الهمزتين (١).

стр. 2816

﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ من القرآن، فلم يؤمنوا ﴿بَلْ لَمَّا﴾ أي: بل (١) لم. ﴿يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ فلذلك شكوا، فإذا عذبوا، زال شكهم، وآمنوا, فلا ينفعهم إيمانهم. قرأ يعقوب: (عَذَابِي) بإثبات الياء (٢). ... ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ . [٩] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ المعنى: أيملكون مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا؟! ... ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فإن زعموا ذلك. ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: ليصعدوا في الطرق التي توصلهم إلى السماء، وليأتوا منها بالوحي لمن يختارون. ... ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ . [١١] ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ (ما) زائده بمعنى النفي، و (هُنَالِكَ) إشارة إلى حيث وضعوا أنفسهم من الكفر ومعاداة

стр. 2817

رسول الله ﷺ ، المعنى: ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله ﷺ مكسورٌ عن قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهية؟! فلا يضيق صدرك، فإني ناصرك. ... ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢)﴾ . [١٢] ثم ذكر المتحزبين قبلهم فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ أي: البناء المحكم، وكان أيضًا يعذب الناس بالأوتاد. ... ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب، وتقدم تفسير (الأيكة)، واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون ﴿الْأَحْزَابُ﴾ الذين تحزبوا على الأنبياء. ... ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: ما كل واحد من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ لأنهم إذا كذبوا واحدهم، فقد كذبوا جميعَهم؛ لأن دعوتهم واحدة. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ وجب عليهم عذاب. قرأ يعقوب: (عِقَابِي) بإثبات الياء (١).

стр. 2818

﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَمَا يَنْظُرُ﴾ أي: ينتظر ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: كفار مكة ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تحل بهم العذاب سريعًا، وهي النفخة الأولى. واختلاف القراء في الهمزتين من (هَؤُلاَءِ إِلَّا) كاختلافهم فيهما من (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣] ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ أي: ليس بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (فُوَاقٍ) بضم الفاء، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم. ... ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ . [١٦] ولما نزل في الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الآية: ٢٥]، استهزأ المشركون ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ كتابنا (٢) في الدنيا. ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ والقِطُّ: الصحيفة التي أحصت كل شيء. ... ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ . [١٧] قال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يا محمد فيك مما يؤذيك، فإني ناصرك، ولما أُمر بالصبر، أُمر بذكر داود ﵇، وما جرى

стр. 2819

له؛ ليعلم الكفار أن داود وإن كان عظيمًا عند الله تعالى، لما صدرت عنه المعصية (١)، لم يزل مستغفرًا إلى أن فارق الدنيا، فلعلهم يؤمنون؛ لأن كفرهم أعظم من ذنب داود، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ ذا القوة في الدين والعبادة. قال ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاةُ داود، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وكان ينام نصف الليل الأول، ويقوم ثلثَه، وينام سدسَه" (٢) مع سياسته الملك، وكان قد قسم الدهر ثلاثة أيام يومًا: يقضي فيه بين الناس، ويومًا يخلو في عبادة ربه، ويومًا لنسائه وأشغاله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رَجَّاع إلى الله. ... ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ بتسبيحه ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ وقت العشاء. ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ حين تشرق الشمس.

стр. 2820

﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على الجبال. ﴿مَحْشُورَةً﴾ حال؛ أي: مجموعةً إليه. ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ مطيع رجَّاع بصوته، فكان إذا سبح، سبحت الجبال، وجمعت له الطير، فسبحت معه. ... ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَشَدَدْنَا﴾ قَوَّينا ﴿مُلْكَهُ﴾ بالعدل والتأييد. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ النبوة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ علم القضاء، والخطاب: قول يفهم منه من سمعه شيئًا مفيدًا. ... ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ . [٢١] روي أن داود لما صار له ثمان وخمسون سنة، وهي السنة الثانية والعشرون من ملكه، كانت قصته مع أوريا وزوجته، وملخصها: أنه رأى في الكتب ما أُعطي إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء - صلوات الله عليهم -، فقال: يا رب! أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه أنهم ابتلوا فصبروا، فقال: يا رب! لو ابتليتني، لصبرت، فأوحي إليه أنك تبتلى في شهر كذا في يوم كذا، فاحترس، فلما جاء الموعد، دخل محرابه، وأغلق عليه بابه، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فأراد أخذها

стр. 2821

ليري بني إسرائيل قدرة الله تعالى، فذهبت إلى كوة هناك، فأراد أخذها، فذهبت، فنظر في الكوة، فإذا بامرأة من أجمل النساء تغتسل، فعجب داود من حسنها، فالتفتت فأبصرت ظله، فنقضت شعرها، فغطى جميع بدنها، فزاد عجبًا، فسأل عنها، فقيل: هي تيشارع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غَزاة في البلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا، وقدمه قبل التابوت (١)، وكان من قدم على التابوت، لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه، أو يستشهد، فبعثه وقدمه، ففتح عليه [ثم أرسل إليه أن قدمه إلى جيش كذا، أعظم من الأول، فقدمه، ففتح عليه] (٢)، فأمره أن يقدمه ثالثة إلى جيش أعظم من الأولين، ففعل، فقتل، وانقضت عدتها، فتزوجها داود، وهي أم سليمان ﵇، فلما دخل بها، لم يلبث إلا يسيرًا حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته، وهما جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما الحرس، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا بهما بين يديه جالسين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ مفرد يعم الذكر والأنثى، والقليل والكثير، والمراد: الملكان ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ تصعدوا سور ﴿الْمِحْرَابَ﴾ صدر المسجد. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (الْمِحْرَابَ) بالإمالة (٣)، والاستفهامُ هنا بمعنى الإخبار، المعنى: قد وصل إليك خبرهما.

стр. 2822

﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ بغتة من غير الباب. ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ حين هجما عليه بغير إذنه، فقال: ما أدخلكما علي؟ ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ نحن. ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ جئناك لتقضي بيننا، فرضا ذلك فرضًا. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ لا تَجُرْ في حكمك. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أرشدنا إلى طريق الصواب. ... ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ . [٢٣] فقال داود: تكلما، فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي: في الدين. ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ تمييز، يعني: امرأة ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ والعرب تكني بالنعجة عن المرأة. قرأ حفص عن عاصم (وَلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ ضُمَّها إلي (٢)؛ أي: طلقها لأتزوجها.

стр. 2823

﴿وَعَزَّنِي﴾ غلبني ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ أي: في القول، المعنى: له الغلبة علي بكل حال، وإن كان الحق لي؛ لضعفي، وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود؛ حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولأوريا امرأة واحدة، فضمَّها إلى نسائه. ... ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ . [٢٤] فبعد اعتراف المدعى عليه ﴿قَالَ﴾ داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قرأ أبو عمرو، وورش، وحمزة، والكسائي، وخلف: (لَقَد ظَّلَمَكَ) بإدغام الدال في الظاء، واختلف عن هشام في هذا الحرف، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ أي: بسؤاله إياها ليضيفها. ﴿إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الشركاء. ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يظلم بعضهم بعضًا (٢). ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء من (بَعْضُهُمْ)؛ أي: لا يظلمون أحدًا.

стр. 2824

﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ يعني: الصالحين الذين لا يظلمون قليلٌ، و (ما) زائدة، فلما قضى بينهما داود، تحولا في صورتيهما، وصعدا إلى السماء وهو ينظر، ويقولان: مضى الرجل على نفسه. ﴿وَظَنَّ﴾ أي: أيقن. ﴿دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أنا ابتليناه بالذنب، ونبهناه على خطئه بتلك الحكومة. ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ لذنبه ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [حال؛ أي: ساجدًا، على تسمية السجود ركوعًا، لأنه مبدؤه؛ لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع] (١). ﴿وَأَنَابَ﴾ رجع عن جميع المخالفات، ثم مكث أربعين يومًا ساجدًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة ضرورية، أو لصلاة مكتوبة، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو يجهد نفسه بالبكاء الدائم، والتضرع والاستغفار حتى كاد يهلك (٢)، وهذه السجدة من عزائم السجود

стр. 2825

عند أبي حنيفة ومالك، وكل منهما على أصله، فأبو حنيفة يقول: هي واجبة، ومالك يقول: هي فضيلة؛ كما تقدم ذكره عند سجدة مريم، وعند الشافعي وأحمد: هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، فلو سجد بها في الصلاة، بطلت عندهما. ... ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ . [٢٥] فلما مكث داود أربعين يومًا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه، نودي: يا داود! أجائع فتطعم، أو ظمآن فتسقى، أو عار فتكسى؟ فأجيب في غير ما طلب، فنحب نحبة هاج العود فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل الله التوبة والمغفرة، وأتاه نداء: إني قد غفرت لك، قال: يا رب! كيف وأنت (١) لا تظلم أحدًا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا، فناده، وأنا أُسمعه نداءك، فتحللْ منه، فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره، ثم نادى أوريا، فقال: لبيك، من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: ما حاجتك يا نبي الله؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إلي؟ قال: عَرَّضتك للقتل، قال: عرضتني للجنة، فأنت في حل، فأوحى الله إليه: يا داود! ألم تعلم أني حكم عدل، لا أقضي بالتعنت؟ ألا أعلمته أنك قد

стр. 2826

تزوجت امرأته؟ فرجع إليه فناداه، فأجابه، فقال: من هذا الذي قطع علي لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله! أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك لمكان امرأتك، وتزوجتها، فسكت فلم يجبه، ودعاه فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط، سبحان خالق النور، الويل لداود، ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء: يا داود! قد غفرت لك ذنبك، ورحمت بكاءك، واستجبت دعاءك، وأقلت عثرتك، قال: يا رب! كيف وصاحبي لم يعف عني؟ قال: يا داود! أُعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم تر عيناه، وما لم تسمع أذناه، فأقول له: رضي عبدي؟ فيقول: يا رب! أنى لهذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول: هذا عوض من عبدي داود، فأستوهبك منه، فيهبك لي، قال: يا رب! الآن عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ الذنب. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا﴾ بعد المغفرة يوم القيامة ﴿لَزُلْفَى﴾ لقربى ومكانة. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ حسن مرجع ومنقلب يوم القيامة. ولما تاب الله على داود، قال: يا رب! قد غفرت لي، فكيف لي ألَّا أنسى خطيئتي، فأستغفر منها لي وللخاطئين إلى يوم القيامة؟ فوسم الله خطيئته في يده اليمنى، فما رفع طعامًا ولا شرابًا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس إلا بسط راحته، فاستقبلَ الناسَ ليروا وسم خطيئته، واستغفر للخطائين قبل نفسه، وكان إذا ذكر عقاب الله، تخلعت أوصاله، وإذا ذكر رحمة الله، تراجعت.

стр. 2827

وقد أنكر القاضي عياض ﵀ ما نقله المؤرخون والمفسرون في هذه القصة، ووهَّى قولهم فيها، ونقل عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: "ما زاد داود على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأكفلنيها"، فعاتبه الله على ذلك (١)، ونبهه عليه، وأنكر عليه شغله بالدنيا، قال: وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره، وحكى قولًا أنه خطبها على خطبته، وقيل: بل أحب بقلبه أن يستشهد، ونقل عن الداودي أنه ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، انتهى (٢). ... ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿يَادَاوُودُ﴾ في الكلام حذف يدل عليه ظاهر الكلام، تقديره: وقلنا له: يا داود ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تدبر أمر العباد بأمرنا، والخليفة: من استُخلف مكان من كان قبله، مأخوذ من أنه خلف لغيره،

стр. 2828

يقوم مقامه في الأمر الذي أُسند إليه فيه؛ كما قيل: أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ ، فأما الإمام، فمأخوذ من التقدم على غيره في سائر الأمور الشرعية، وعلى الرعية كلها أن يطيعوه في أمره، ويتدبروا بتدبيره، فهو المقدم عليهم إذا انعقد له ذلك بالحجة التي يجب على الجماعة التسليم لها، والانقياد لمن دعا إليها. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، والحكم لغةً: الفصل، وشرعًا: أمر ونهي يتضمن إلزامًا ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ هوى النفس ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ نصب جواب، أو جزم جواب النهي، وفتحت اللام للساكنين ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن الدلائل الدالة على الوحدانية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي: بتركهم الإيمان به، والإعداد له. ... ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ خلقًا. ﴿بَاطِلًا﴾ إلا لغرض صحيح. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكة، ظنوا أنهما خلقا لغير شيء، وأنه لا بعث ولا حساب. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.

стр. 2829

﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ . [٢٨] ولما قال الكفار (١) للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة مثلَ أجركم، نزل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أي: لا نجعل الصالحين كالطالحين، ولا المتقين كالكافرين. ... ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا كتاب. ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ لينظروا في معانيها فيؤمنون. قرأ أبو جعفر: (لِتَدَبَّرُوا) بالخطاب بتاء واحدة مع تخفيف الدال، وقرأ الباقون: بالغيب وتشديد الدال؛ أي: ليتدبروا، فأدغمت التاء (٢). ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ويتعظ ذوو العقول السليمة. ... ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمانُ؛ لأنه المخصوص بالمدح.

стр. 2830

﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رَجَّاع عن المخالفات. ... ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ . [٣١] ولفظة (أَوَّاب) هي العامل في: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ وهو ما بعد الزوال، وكان لسليمان ألف فرس، فصلى الظهر، وكان يريد جهادًا، فجلس على سريره، فأمر أن تُعرض عليه ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع صافن من الخيل، وهو القائم على ثلاثة قوائم، ويثني الرابعة، والصفون يختص به عِتاقُ الخيل. ﴿الْجِيَادُ﴾ جمع جواد، وهو الخيار، إن استوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت. ... ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ . [٣٢] فعرضت عليه تسع مئة، فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت، ولم يُعلم بذلك هيبةً له، فندم ﴿فَقَالَ﴾ اعترافًا بذنبه: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: آثرت حبَّ الخيل، والعرب تعاقب بين الراء واللام، وسميت بذلك؛ لأن الخير معقود بنواصيها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، المعنى اشتغلت بنظري إلى الخيل.

стр. 2831

﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ الشمس. ﴿بِالْحِجَابِ﴾ ظلمة الليل. ... ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ . [٣٣] ثم قال: ﴿رُدُّوهَا﴾ أي: الخيل ﴿عَلَيَّ﴾ فرَدُّوها. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ فجعل يقطع سوقها وأعناقها بالسيف، وكان الذبح على ذلك الوجه مباحًا في شريعته، فذبحها وتصدق بلحومها، فأبدله الله خيرًا منها الريح. روي أنه قتلها إلا مئة، فجميع خيل الدنيا من تلك المئة. قرأ قنبل عن ابن كثير: (بِالسُّؤُقِ) بهمز الواو مضمومًا، وعنه وجه ثان بالهمز مجزومًا، وقرأ الباقون: بإسكان الواو بغير همز (١). ... ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه (٢)، وسببه أنه

стр. 2832

غزا مدينة حصينة في البحر يقال لها: صيدون، فقتل ملكها، وأخذ ابنته جرادة، فاصطفاها لنفسه لحسنها، فعملت تمثال أبيها في بيتها بإذن سليمان لتأنس به، فجعلت هي وجواريها يسجدون له بكرة وعشيًّا أربعين يومًا، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك، وبلغ ذلك آصفَ بنَ برخيا، وكان صِدِّيقًا، وكان مقرَّبًا عند سليمان، فقال: يا نبي الله! كبرت سني، ورق عظمي، ونفد عمرى، ولقد حان مني ذهابه، وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله، وأُثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر من مضى من أنبياء الله، فأثنى على كل نبي بما فيه (١)، فذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأفضلك في صغرك (٢)، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك! ثم انصرف، فوجد سليمانُ في نفسه من ذلك حتى ملأه غيظًا، فلما دخل سليمان داره، أرسل إليه، فقال: يا آصف! ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني، جعلت تثني علي بخير

стр. 2833

في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري، فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحًا في هوى امرأة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهدم التمثال، وعاقب النساء، ثم أتى الخلاء ووضع خاتمه عند امرأته الأمينة، وكان ملكه في خاتمه، وكان لا يمسه إلا وهو طاهر، فأتاها الشيطان صاحب البحر، واسمه صخر، على صورة سليمان، فأعطته الخاتم، فلبسه، وجلس على كرسي سليمان يحكم بين الناس، وعكفت عليه الطير والوحش والإنس والجن، فخرج سليمان فأتى الأمينة, وقد غيرت حاله وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة! خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت، فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج، فكان يقول لمن مر به: أنا سليمان بن دواد، فيهزؤون منه، ويحثون التراب في وجهه، فعمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان (١) لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى، باع إحدى سمكتيه بأرغفة، وشوى الأخرى فأكلها، فمكث كذلك أربعين صباحًا عِدَّةَ ما كان عُبد الوثنُ في داره، فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حكم (٢) عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، ثم استخبر آصف نساء سليمان، فأخبرنه بأمور قبيحة يعتمدها ذلك الشيطان، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم خرج على بني إسرائيل، وأخبرهم بالحال، فاجتمع القراء والعلماء، وأقبلوا حتى أحدقوا به ونشروا التوراة

стр. 2834

فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، وألقى الخاتم في البحر، فابتلعه حوت، فأخذه بعض الصيادين، وقد عمل له سليمانُ صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشي، أعطاه سمكتيه، فباع إحداهما بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فوجد الخاتم في جوفها، فلبسه، وخر ساجدًا شكرًا لله تعالى، وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس، وعاد إلى حسنه وبهائه وملكه كحاله الأول، ثم جلس على كرسيه، وطلب صخرًا، فجيء به، فجعله في صخرة، وأطبق عليه أخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه، وألقاه في البحر، وكانت فتنته بعد عشرين سنة من ملكه، وملك بعدها عشرين سنة (١).

стр. 2835

وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن عفريتًا من الجن تفلَّت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددتُه خاسئًا" (١). ولما رد الله على سليمان ملكه وبهاءه، وحامت عليه الطير، وعرف الناس أنه سليمان، قاموا يعتذرون إليه مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر كان لا بد منه. وأطاعَ سليمانَ جميعُ ملوك الأرض، وحملوا إليه نفائس أموالهم، واستمر على ذلك حتى توفي، وتقدم ذكر وفاته في سورة سبأ، ومحل قبره في سورة البقرة، ومعنى الآية: اختبرنا سليمان بن داود بزوال ملكه. ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني: العفريت الذي أخذ خاتمه، وجلس على كرسيه، وهو صخر صاحب البحر على أشهر الأقاويل، وسمي جسدًا؛ لأنه قد تمثل في جسد سليمان، وليس به.

стр. 2836

وقد أنكر (١) القاضي عياض ﵀ هذه القصة، وقال: إن معنى ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ابتليناه، وابتلاؤه ما حكي عن النبي ﷺ : "أنه قال: لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأة، أو تسع وتسعين امرأة، كلُّهن يأتينَ بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحملْ منهن إلا امرأة واحدة جاءت بِشِقِّ رَجُل"، قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله" (٢)، قال أصحاب المعاني: والشقُّ: هو الجسد الذي أُلقي على كرسيه حين عرض عليه، وهي عقوبته ومحنته، قال القاضي عياض (٣) ﵀: وإن سئل: لِمَ لَمْ يقلْ سليمانُ في القصة المذكورة: إن شاء الله؟ فعنه أجوبة، أَسَدُّها ما روي في الحديث الصحيح: أنه نسي أن يقولها، وذلك لينفذ مراد الله، والثاني: أنه لم يسمع صاحبه، وشغل عنه. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع إلى ملكه بعد أربعين يومًا. ... ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ . [٣٥] فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي﴾ لا يكون.

стр. 2837

﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ المراد: أراد أن يفرده في البشر؛ ليكون خاصة له وكرامة، ولم يفعل هذا غيرةً على الدنيا، ولا نفاسةً بها. قال ابن عطية: وهذا هو الظاهر من قول النبي ﷺ في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته، وقيل: أراد: لا ينبغي لأحد من بعدي مدة حياتي؛ أي: لا أُسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (مِن بَعْدِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المعطي ما تشاء لمن تشاء. ... ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ فذللناها لطاعته إجابةً لدعوته. قرأ أبو جعفر: (الرِّيَاحَ) بألف بعد الياء على الجمع، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد (٣). ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ حال من ضمير (تجري)؛ أي: رخوة لينة. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: قصد.

стр. 2838

﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ عطف على ﴿بَنَّاءٍ﴾ وتبدل من الشياطين. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ فكانوا يبنون له الأبنية العجيبة، ويغوصون في البحر يستخرجون له اللؤلؤ. ... ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ . [٣٨] وتعطف على ﴿وَغَوَّاصٍ﴾: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ بالقيود، فكان يأخذ مَرَدَةَ الشياطين، فيجمع أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع، ويتركهم كذلك. ... ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ الذي لا يقدر عليه غيرنا. ﴿فَامْنُنْ﴾ فأعطِ منه مَنْ شئت. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ امنع عن الإعطاء من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: غيرَ محاسَبْ على الإعطاء والمنع، وكان إذا أعطى أُجر، وإن منع لم يأثم، بخلاف غيره. ... ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ لقربى في الآخرة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو الجنة.

стр. 2839

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ . [٤١] ثم أمر ﷺ بذكر - أيوب ﵇ وما ابتلي به؛ ليأتم به (١) الصابرون، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني (٢) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ مشقة ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم المرض. قرأ حمزة: (مَسَّنِي الشَّيْطَانُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها، وقرأ أبو جعفر: (بِنُصُبٍ) بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب: بفتحهما (٣)، وقرأ الباقون: بضم النون وإسكان الصاد (٤)، وكلها لغات بمعنى البلاء والشدة، والمراد: ما قاساه في مرضه قال: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ تأدبًا مع الله تعالى، وإن كانت الأشياء كلها منه تعالى، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه كان بسببه ووسوسته، وتقدم ذكر القصة في سورة الأنبياء. ... ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ . [٤٢] فعوفي، وقيل له: ﴿ارْكُضْ﴾ اضرب الأرض ﴿بِرِجْلِكَ﴾ فركض، فنبعت عين ماء، فقيل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ أي: موضع غسل. ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي: ماء تغتسل به، وتشرب منه فتبرأ.

стр. 2840

روي أنه ركض باليمنى (١)، فخرجت عين حارة، وركض باليسرى، فخرجت عين باردة، فاغتسل من الحارة، وشرب من الباردة، فزال عنه كل ألم كان بظاهره وباطنه (٢). وروي أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على مَلِكهم، فكلَّموه في ظلمه، وأغلظوا له، إلا أيوب؛ فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه الله على ذلك ببلائه (٣). ... ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ روي أن الله سبحانه وهب له أهله وماله في الدنيا، فأحيا الله (٤) مَنْ مات منهم، وما هلك من ماشيته وماله (٥). ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ بارك في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعف الحال.
следующие страницы →