← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وقد أنكر (١) القاضي عياض ﵀ هذه القصة، وقال: إن معنى ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ابتليناه، وابتلاؤه ما حكي عن النبي ﷺ : "أنه قال: لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأة، أو تسع وتسعين امرأة، كلُّهن يأتينَ بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحملْ منهن إلا امرأة واحدة جاءت بِشِقِّ رَجُل"، قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله" (٢)، قال أصحاب المعاني: والشقُّ: هو الجسد الذي أُلقي على كرسيه حين عرض عليه، وهي عقوبته ومحنته، قال القاضي عياض (٣) ﵀: وإن سئل: لِمَ لَمْ يقلْ سليمانُ في القصة المذكورة: إن شاء الله؟ فعنه أجوبة، أَسَدُّها ما روي في الحديث الصحيح: أنه نسي أن يقولها، وذلك لينفذ مراد الله، والثاني: أنه لم يسمع صاحبه، وشغل عنه. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع إلى ملكه بعد أربعين يومًا. ... ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ . [٣٥] فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي﴾ لا يكون.

стр. 2837

﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ المراد: أراد أن يفرده في البشر؛ ليكون خاصة له وكرامة، ولم يفعل هذا غيرةً على الدنيا، ولا نفاسةً بها. قال ابن عطية: وهذا هو الظاهر من قول النبي ﷺ في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته، وقيل: أراد: لا ينبغي لأحد من بعدي مدة حياتي؛ أي: لا أُسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (مِن بَعْدِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المعطي ما تشاء لمن تشاء. ... ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ فذللناها لطاعته إجابةً لدعوته. قرأ أبو جعفر: (الرِّيَاحَ) بألف بعد الياء على الجمع، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد (٣). ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ حال من ضمير (تجري)؛ أي: رخوة لينة. ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: قصد.

стр. 2838

﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ عطف على ﴿بَنَّاءٍ﴾ وتبدل من الشياطين. ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ فكانوا يبنون له الأبنية العجيبة، ويغوصون في البحر يستخرجون له اللؤلؤ. ... ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ . [٣٨] وتعطف على ﴿وَغَوَّاصٍ﴾: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ بالقيود، فكان يأخذ مَرَدَةَ الشياطين، فيجمع أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع، ويتركهم كذلك. ... ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ الذي لا يقدر عليه غيرنا. ﴿فَامْنُنْ﴾ فأعطِ منه مَنْ شئت. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ امنع عن الإعطاء من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: غيرَ محاسَبْ على الإعطاء والمنع، وكان إذا أعطى أُجر، وإن منع لم يأثم، بخلاف غيره. ... ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ لقربى في الآخرة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو الجنة.

стр. 2839

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ . [٤١] ثم أمر ﷺ بذكر - أيوب ﵇ وما ابتلي به؛ ليأتم به (١) الصابرون، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني (٢) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ مشقة ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم المرض. قرأ حمزة: (مَسَّنِي الشَّيْطَانُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها، وقرأ أبو جعفر: (بِنُصُبٍ) بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب: بفتحهما (٣)، وقرأ الباقون: بضم النون وإسكان الصاد (٤)، وكلها لغات بمعنى البلاء والشدة، والمراد: ما قاساه في مرضه قال: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ تأدبًا مع الله تعالى، وإن كانت الأشياء كلها منه تعالى، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه كان بسببه ووسوسته، وتقدم ذكر القصة في سورة الأنبياء. ... ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ . [٤٢] فعوفي، وقيل له: ﴿ارْكُضْ﴾ اضرب الأرض ﴿بِرِجْلِكَ﴾ فركض، فنبعت عين ماء، فقيل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ أي: موضع غسل. ﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي: ماء تغتسل به، وتشرب منه فتبرأ.

стр. 2840

روي أنه ركض باليمنى (١)، فخرجت عين حارة، وركض باليسرى، فخرجت عين باردة، فاغتسل من الحارة، وشرب من الباردة، فزال عنه كل ألم كان بظاهره وباطنه (٢). وروي أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على مَلِكهم، فكلَّموه في ظلمه، وأغلظوا له، إلا أيوب؛ فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه الله على ذلك ببلائه (٣). ... ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ روي أن الله سبحانه وهب له أهله وماله في الدنيا، فأحيا الله (٤) مَنْ مات منهم، وما هلك من ماشيته وماله (٥). ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ بارك في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعف الحال.

стр. 2841

﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: لرحمتنا عليه. ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: وتذكيرًا لذوي العقول. ... ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ . [٤٤] روي أن أيوب ﵇ كانت زوجته مدة مرضه تختلف إليه، فيتلقاها الشيطان في صورة طبيب، ومرة في هيئة ناصح، فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني، لبرئ، ولو ذبح عناقًا للصنم الفلاني، لبرئ، ويعرض عليها وجوهًا من الكفر، فكانت هي ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: أَلَقيتِ عدوَّ الله في طريقك؟ فلما أغضبته ونحوه (١)، حلف إن عوفي ليجلدنها مئة جلدة (٢)، فلما عوفي، لطف الله تعالى بها؛ لخدمتها أيوب، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو قبضة من الشجر فيها مئة قضيب. ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك لتبرَّ بيمينك ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: لا تدع الضرب فتحنث، فأخذ مئة عود، وضربها ضربة واحدة، فحلل الله يمينه، وهي رخصة في الحدود. واختلف الأئمة فيها، فمذهب الشافعي إذا وجب الحد على مريض، وكان جلدًا، أُخِّر للمرض، فإن لم يرج برؤه، جُلد بعثكال عليه مئة غضن،

стр. 2842

فإن كان خمسون، ضرب به مرتين، وتمسه الأغصان، أو ينكس بعضها على بعض ليناله بعض الألم، فإن برئ، أجزأه، ومذهب أبي حنيفة: يؤخر فلا يجلد حتى يبرأ؛ كمذهب الشافعي، فإن كان ضعيف الخلقة يخاف عليه الهلاك لو ضرب ضربًا (١) شديدًا، يضرب مقدار ما يتحمله من الضرب، ومذهب مالك: لا يضرب إلا بالسوط، ويفرق الضرب، وعدد (٢) الضربات مستحق لا يجوز تركه، فإن كان مريضًا، أخر إلى أن يبرأ؛ كمذهب الشافعي وأبي حنيفة، ومذهب أحمد: يقام الحد في الحال، ولا يؤخر للمرض، ولو رجي زواله، ويضرب بسوط يؤمن معه التلف؛ كالقضيب الصغير، فإن خشي عليه من السوط، أقيم بأطراف الثياب، وعثكول النخل، فإن خيف عليه من ذلك، جمع ضغث فيه مئة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة؛ كقول الشافعي. وأما إذا كان الحد رجمًا، فلا يؤخر بالاتفاق، ولا يقام الحد على حامل حتى تضع بغير خلاف، فأبو حنيفة إن كان حدها (٣) الجلد، فحتى تتعالى؛ أي: تخرج من نفاسها، وإن كان الرجم، فعقيب الولادة، وإن لم يكن للصغير من يربيه، فحتى يستغني عنها، والشافعي: حتى ترضعه اللبأ ويستغني بغيرها، أو فطام لحولين، ومالك وأحمد: بمجرد الوضع. ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ على البلاء، وقول أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ لم يكن جزعًا؛ لأنها شكاية إلى المحبوب، فدل على أنه في غاية الصبر.

стр. 2843

﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوبُ ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رجاع إلى الله تعالى. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قرأ ابن كثير: (عَبْدَنَا) بفتح العين وإسكان الباء بغير ألف على الإفراد، فيجعل (إِبْرَاهِيمَ) عطفَ بيان، ويعطف عليه (وَإِسْحَاق وَيَعْقُوبَ)، وقرأ الباقون: (عِبَادَنَا) بكسر العين وفتح الباء وألف بعدها على الجمع (١)، جعلوا الأسماء الثلاثة بعده عطفَ بيان، ولم يذكر إسماعيل معهم؛ لأنه لم يُبتل كهؤلاء، تلخيصه: أخبر يا محمد عن هؤلاء. ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ القوة على العبادة والأفعال الجميلة، وعبر باليد عنها؛ لأنها غالبًا تفعل باليد ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ البصائر في الدين والعلم. ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ اصطفيناهم ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: (بِخَالِصَةِ) بغير تنوين على الإضافة؛ أي: أخلصناهم بذكر الدار الآخرة؛ أي: يعملون لها، والذكرى بمعنى الذكر، وقرأ الباقون: بالتنوين (٢)؛ أي: بخالصةٍ هي ذكرى الدار، فتكون (ذِكْرَى الدَّارِ) بدلًا عن (الْخَالِصَةِ).

стр. 2844

﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ المختارين، جمع مصطفى. ﴿الْأَخْيَارِ﴾ جمع خَيِّر. ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم ﵉. ﴿وَالْيَسَعَ﴾ هو ابن أخطوب بن العجوز [استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثم استنبئ، وتقدم ذكره في سورة الأنعام، وكان هو وإلياس قبل زكريا ﵈] (١). قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وَاللَّيْسَعَ) بتشديد اللام وإسكان الياء، والباقون: بإسكان اللام مخففة وفتح الياء (٢)، وهما لغتان، فمن قرأ بلامين، فأصل الاسم لَيْسَع، ثم أدخلت الألف واللام [للتعريف، ومن قرأ بلام واحدة، فالاسم يَسَعُ، ودخلت الألف واللام] (٣) زائدتين؛ كزيادتهما في نحو الخمسة عشر. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ تقدم ذكره (٤) في سورة الأنبياء.

стр. 2845

﴿وَكُلٌّ﴾ تنوينُه عوض من محذوف؛ أي: كلهم ﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾. ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿هَذَا﴾ أي: الذي يتلى عليكم ﴿ذِكْرٌ﴾ شرف وثناء جميل للأنبياء. ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ مَرْجِع. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان لحسن مآب. ﴿مُفَتَّحَةً﴾ نعمت للجنات ﴿لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ رفع، بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ على الأرائك ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ لا ينظرن إلى غير أزواجهن.

стр. 2846

﴿أَتْرَابٌ﴾ جمع تِرْب، وهم الأصفياء على سن واحد، فكأن التراب (١) قد مسهم في وقت واحد عند الولادة، وهن بنات ثلاث وثلاثين سنة، لا يتباغضن ولا يتغايرن. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (يُوعَدُونَ) بالغيب؛ أي: المتقون، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)؛ أي: قيل لهم ثَمَّ: هذا ما توعدون. ﴿لِيَوْمِ﴾ أي: لأجل يوم (٣) ﴿الْحِسَابِ﴾ كادخر هذا ليوم كذا. ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور ﴿لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي: انقطاع. ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿هَذَا﴾ أي: الأمر هذا. ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ للكافرين ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ مرجع.

стр. 2847

﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من (لَشَرَّ) ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها. ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش. ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿هَذَا﴾ أي: العذاب ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾ وهو الماء الحار الذي انتهى حره ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ الزمهرير، وقيل: هو ما يسيل من صديد أهل النار وفروج الزناة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (وَغَسَّاقٌ) بتشديد السين، والباقون: بتخفيفها (١)، ومعناهما واحد. ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿وَآخَرُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: بضم الألف من غير مد على الجمع؛ أي: مذوقات أخر، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة مشبعة على التوحيد (٢)؛ أي: وعذاب آخر ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي: مثله. ﴿أَزْوَاجٌ﴾ أجناس تماثل العذاب؛ أي: يعذبون بأنواع مختلفة.

стр. 2848

﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ . [٥٩] فإذا دخل القادة النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة إشارة إلى الأتباع: ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ جمع. ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ داخل ﴿مَعَكُمْ﴾ النار، والاقتحام: الدخول بشدة. روي أن الزبانية تضربهم بالمقامع في النار، فثم يقول القادة دعاءً منهم على أتباعهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا سعة عليهم في عيشهم، والمرحبة والرحبة: السعة، تقول العرب: مرحبًا، وأهلًا وسهلًا؛ أي: أتيت رحبًا وسعة، وتقول: لا مرحبًا بك؛ أي: لا رحبت عليك الأرض. ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ داخلوها مثلنا. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع للقادة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ بل أنتم أحق بما قلتم. ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: الكفر، وشرعتموه. ﴿لَنَا﴾ فلنا ولكم النار ﴿فَبِئْسَ﴾ الدارُ ﴿الْقَرَارُ﴾ جهنم. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أي: هذا الدين، وهو الكفر ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفًا ﴿فِي النَّارِ﴾.

стр. 2849

﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ . [٦٢] ولما دخل الكفار من صناديد قريش النار، تحيروا ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى﴾ هنا ﴿رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾؟ يعنون: فقراء المسلمين، وهم عمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وسلمان ﵃ (١). ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ . [٦٣] ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من هؤلاء، فقالوا: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف: (مِنَ الأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ) بوصل همزة (اتَّخذْنَاهُمْ) على الخبر؛ أي: إنا اتخذناهم، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة على استفهام توبيخ أنفسهم (٢). ﴿سِخْرِيًّا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: بضم السين؛ من التسخير، وهو العمل بلا أجر، وقرأ الباقون: بكسرها؛ من الهزء (٣).

стр. 2850

﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: هم معنا ولا نراهم. ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي وصفنا ﴿لَحَقٌّ﴾ لصدق. ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ سمي تخاصمًا؛ لتقاولهم. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ مخوِّف. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ الذي لا شريك له ﴿الْقَهَّارُ﴾ لكل شيء. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فهو مالك جميع العالم. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْغَفَّارُ﴾ لمن تاب. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿هُوَ﴾ أي: القرآن.

стр. 2851

﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يتضمن وعظُه: أن التصديق فيه نجاة، والتكذيب فيه هلكة. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ لتمادي غفلتكم، هو توبيخ لهم. ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ هم الملائكة ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم حين قال اللهُ لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]. قرأ حفص عن عاصم: (مَا كَانَ لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿إِنْ يُوحَى﴾ أي: ما يوحى ﴿إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ أبو جعفر: (إِنَّمَا) بكسر الهمزة على الحكاية، كأنه قيل له: إنما أنت نذير مبين، فحكى هو المعنى، وهذا كما يقول إنسان: أنا عالم، فيقال له: لم قلت: إِنك عالم؟ فيحكي المعنى، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ كأنه

стр. 2852

يقول: إلا الإنذار، والمعنى: ما علمت هذا إلا بوحي. ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ يعني: آدم. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أتممت خلقه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وأحييته بنفخ الروح فيه ﴿فَقَعُوا﴾ خروا ﴿لَهُ سَاجِدِينَ﴾ تكرمةً وتبجيلًا، لا عبادة، ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، وإنما كان الانحناء، فلما جاء الإسلام، أبطله. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء من الساجدين. ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ عن السجود ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ باستكباره.

стр. 2853

﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بنفسي من غير توسيط كأب وأم؟ واليدان صفة من صفات الله تعالى نؤمن بها كما جاءت، ونكل العلم فيها إلى الله، ثم أدخلت همزة استفهام التوبيخ على همزة الوصل، فحذفت وبقيت مفتوحة، فقيل: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ عن السجود لآدم ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ المتكبرين من غير استحقاق؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ . [٧٦] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ تقدم الكلام عليه في سورة الأعراف، والحجر، والإسراء. ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مطرود. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (لَعْنَتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).

стр. 2854

﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ . [٨١] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ هي النفخة الأولى. ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ فبسلطانك وقهرك ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ . [٨٣] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع. وتقدم اختلاف القراء في (الْمُخْلَصِينَ)، وتوجيه قراءاتهم في سورة الصافات [الآية: ٤٠].

стр. 2855

﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ يا إبليس وذريتك ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي: من ذرية آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير في (مِنْهُمْ). قرأ عاصم، وحمزة، وخلف: (فَالْحَقُّ) بالرفع في الأول، معناه: أنا الحقُّ، وأقول الحقَّ، والباقون: بالنصب فيهما (١)، فنصب الأول على الإغراء؛ كأنه ألزم الحق، والثاني بإيقاع الفعل عليه؛ أي: أقول الحقَّ، ومن رفعهما على القراءة الشاذة، فمعناه: أنا الحقُّ، والحقُّ أقوله، والمراد بالحق: اسمه تعالى في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعل. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ المتقوِّلين القرآنَ من تلقاء نفسي.

стр. 2856

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ للخلق أجمعين. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيها المشركون ﴿نَبَأَهُ﴾ صدقَ ما أخبرتُكم به في القرآن من الوعيد ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ بعد مدة، وهو يوم القيامة، والله أعلم.

стр. 2857

سُوْرَةُ الزُّمَرِ مكية إلا ثلاث آيات، نزلت في شأن وَحْشي قاتلِ حمزة بن عبد المطلب، وهي: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيات الثلاث (١) ، وقالت فرقة: بل إلى آخر السورة مدني، وقيل: فيها مدني سبع آيات، وآيها: خمس وسبعون آية، وحروفها: أربعة آلاف وسبع مئة وثمانية أحرف، وكلمها: ألف ومئة واثنتان وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾. [١] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، وإن شئت جعلته مبتدأ، وخبره ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ في قدرته ﴿الْحَكِيمِ﴾ في إرادته (٢)، والإشارة إلى القرآن أنه تنزيل من الله لا من غيره.

стр. 2858

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ . [٢] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيه، وفي أحكامه وأخباره. ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ حالٌ من العابد ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ نصب به؛ أي: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ . [٣] ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ أي: من حقه، ومن واجباته. ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ من الشرك، لا يقبل غيره. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ والعائد إلى (الَّذِينَ) محذوف؛ أي: والذين اتخذهم الكفار آلهة من دون الله؛ كالأصنام، وعيسى، والعزير، والملائكة، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ تقريبًا، مصدر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بين العابد والمعبود، والمسلم والكافر. ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين، فيدخل المؤمن الجنة، والكافر النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى الإسلام ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في أن الآلهة تشفع

стр. 2859

له، أو تقربه ﴿كَفَّارٌ﴾ وهذه المبالغة إشارة إلى المتوغل في الكفر، العاتي فيه. ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ . [٤] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما زعموا ﴿لَاصْطَفَى﴾ لاختار. ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ولم يخص (١) مريم ولا عيسى بذلك، ولخلق أشرف منه، واتخذه ولدًا (٢) ثم نزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له. ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ المنفرد عن الصاحبة والولد ﴿الْقَهَّارُ﴾ اتصاف على الإطلاق؛ لأن أحدًا من البشر إن اتصف بالقهر، فمقيد في أشياء قليلة، وهو في حيز قهره لغيره مقهور لله تعالى على أشياء كثيرة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾ . [٥] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالواجبِ الواقعِ موقعَه، الجامعِ للمصالح. ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ يذهب أحدهما،

стр. 2860

ويغشي مكانه الآخر، فيكون كأنه قد غشيه، ولف عليه، وأصل التكوير: اللفُّ والجمع، ومنه كور العمامة التي تلوى بعضها على بعض. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ وتسخيرهما: دوامهما على الجري لمصالح العباد. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مدة الدنيا ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادر على كل ممكن ﴿الْغَفَّارُ﴾ لذنوب التائبين. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: نفس آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حواء خلقت من ضلعه القصيرى، و (ثم) لترتيب الأخبار، لا لترتيب المعاني؛ لأنه لما كان خلق حواء من آدم غريبًا عادة، عطفت (ثم) ما بعدها على ما قبلها لفظًا، فكأنه قال: ثم كان من أمره قبل ذلك أن جعل منها زوجها. ﴿وَأَنْزَلَ﴾ أحدث ﴿لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ هي المذكورة في سورة الأنعام. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنْزَل لَّكُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثانية (١).

стр. 2861

﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا﴾ مصدر ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي: نطفًا، ثم علقًا، ثم مضغًا، ثم عظامًا، ثم خلقًا سويًّا. قرأ حمزة: (إِمِّهَاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم، وقرأ الكسائي: بكسر الهمزة فقط، وكل منهما بشرط الوصل، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وفتح الميم، واتفقوا على الابتداء كذلك (١). ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ هي ظلمة البطن، والرحم، والمشيمة. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الذي خلق هذه الأشياء ﴿رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ فكيف تعدلون عن طريق الحق، وبأي سبب تضلون؟! ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ . [٧] ثم بين أن لا حاجة به إليهم، فقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى﴾ مع ذلك. ﴿لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ رحمة لهم إذا وقعوا فيه ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ لله تعالى، فتؤمنوا ﴿يَرْضَهُ﴾ أي: يرضى الشكر ﴿لَكُمْ﴾ لأنه سبب فلاحكم. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (يَرْضهُ) بإشباع ضمة الهاء، وقرأ السوسي عن أبي عمرو: بإسكان الهاء، وقرأ نافع، وحمزة، ويعقوب، وحفص عن

стр. 2862

عاصم: باختلاس ضمة الهاء، وروي عن كل من الدوري راوي أبي عمرو، وابن جماز راوي أبي جعفر: وجهان: الإسكان، والإشباع، وروي عن كل من هشام راوي ابن عامر، وأبي بكر راوي عاصم: وجهان: الإسكان، والاختلاس، وروي عن كل من ابن ذكوان راوي ابن عامر، وابن وردان راوي أبي جعفر: وجهان: الاختلاس والإشباع (١). ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالمحاسبة والمجازاة. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعًا إليه مستغيثًا. ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ أعطاه ﴿نِعْمَةً مِنْهُ﴾ من الله. ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه.

стр. 2863

﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يعني: الأوثان ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ليصد عن دين الإسلام. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس بخلاف عنه: (لِيَضِلَّ) بفتح لياء، والباقون: بضمها (١). ﴿قُلْ﴾ لهذا الكافر: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ في الدنيا إلى انقضاء أجلك. ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ . [٩] ونزل في كل مؤمن: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ مصلّ ساعاتِه. قرأ نافع، وابن كثير، وحمزة: (أَمَنْ) بتخفيف الميم دخلت همزة الاستفهام على (مَنْ)، تقديره: أمن هو قانت كغيره؟ وقرأ الباقون: بتشديدها (٢)، دخلت (أَمْ) على (مَنْ)، فأدغمت فيها الميم، فـ (أم) منقطعة، تقديره: الكافر خير أم المطيع؟ فمن خفف، اتبع المصحف؛ لأنها فيه بميم واحدة، ومن شدد، فعلى الأصل. ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني: في الصلاة، ونصبهما حال من ضمير (قَانِتٌ) ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ هي المغفرة، ثم بين أَنْ

стр. 2864

لا مساواة بين من نزلت فيه هذه الآية، وبين من نزلت فيه الآية التي قبل بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ التوحيدَ، ويعملون بمقتضاه، وهم المؤمنون. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، وهم الكفار؟ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ بأمثال هذه البيانات. ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ بطاعته. أجمع القراء على الوقف على (يَا عِبَادِ) بالحذف، إلا ما انفرد به الحافظ أبو العلاء عن رويس. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ أي: للمحسنين بالطاعات في الدنيا مثوبة ﴿حَسَنَةٌ﴾ في الآخرة. ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال ابن عباس: "يعني: ارتحلوا من مكة" (١)، وفيه حث على الهجرة من البلد الذي تظهر فيه المعاصي. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ الذين صبروا على دينهم، فلم يتركوه للأذى. ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: مكيال، قيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب

стр. 2865

وأصحابه؛ حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء، وصبروا (١). ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ . [١١] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ التوحيدَ، لا أشرك به شيئًا. قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ) بفتح الياء (٢)، والباقون: بإسكانها (٣). ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من أمتي، و (أُمِرْتُ) الثاني معطوف على (أُمِرْتُ) الأول، وإن كان لفظهما واحدًا؛ لأن الأول أمر بالعبادة مع الإخلاص، والثاني بالسبق، فلاختلاف جهتيهما تنزَّلا منزلةَ المختلفين، وصح عطف أحدهما على الآخر. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ عبدتُ غيره ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا حين دُعي إلى دين آبائه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير،

стр. 2866

وأبو عمرو (١): (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ . [١٤] ﴿قُلِ اللَّهَ﴾ نصب بقوله: ﴿أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أُمر بالإخبار عن إخلاصه، وأن يكون مخلصًا له دينه بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورًا بالعبادة والإخلاص، خائفًا على المخالفة من العقاب. ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أمر توبيخ وتهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ المبالغين في الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بدخول النار ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ المعدين لهم في الجنة من الحور والولدان لو آمنوا؛ بعدم وصولهم إليهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حين يدخلون النار بدل الجنة. ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ مبالغة في خسرانهم.

стр. 2867

﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أطباق وسرادقات من النار (١) ودخانها. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لمن تحتهم، وهي فرش لهم ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ المؤمنين؛ ليتقوه، يوضحه: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِي) بإثبات الياء فيهما، وافقه روح في الثاني (٢). ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)﴾ . [١٧] ونزل في أبي ذر، وسلمان، وزيد بن عمرو بن نفيل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) أي: الأوثان، وتذكر وتؤنث، وهو من الطغيان، وزيدت التاء فيه مبالغة؛ كالرحموت.

стр. 2868

﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ رجعوا إلى عبادته ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ في الحياة الدنيا بالثواب، وفي الآخرة بحسن المآب على ألسنة الرسل ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: قول الله. قرأ السوسي عن أبي عمرو: (عِبَادِي) بإثبات الياء ساكنة وقفًا، مفتوحة وصلًا، وافقه يعقوب وقفًا (١) ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: أفضله، وهو ما في القرآن من عفو وصفح، واحتمال على صبر، ونحو ذلك. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون مبتدأ، خبره ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لأنهم كانوا يأخذون بعزائم القرآن، وهو أحسنه بالنسبة إلى أخذه؛ لأنه كله حسن، لا أن فيه حسنًا وأحسن. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ العقول السليمة. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ أي: ثبت ﴿عَلَيْهِ﴾ من الكفار ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ وهي: هَؤُلاَءِ لِلنَّارِ وَلا أُبَالي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ هذه الآية جملة

стр. 2869

واحدة من شرط وجزاء، فالشرط (مَنْ)، وجيء بالفاء قبله للعطف على محذوف، والهمزة قبلها للإنكار، والفاء في (أَفَأَنْتَ) جزاء الشرط، والهمزة قبلها زيادة في الإنكار، تقديره: أأنت المتصرفُ، فمن وجب عليه العذاب، فأنت منقذه؟ أي: لا تقدر على هداية الكافرين، والمراد: أبو لهب وولده، قاله ابن عباس (١). ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قرأ أبو جعفر: (لَكِنَّ) بتشديد النون، والباقون: بتخفيفها (٢). ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ علالي ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ كبناء المنازل في الأرض، بعضُها فوق بعض. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت المنخفضة والمرتفعة من غير تفاوت بين العلو والسفل. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد. ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ لأن الخلف نقص، وهو تعالى منزه عنه.

стр. 2870

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو المطر ﴿فَسَلَكَهُ﴾ أدخله ﴿يَنَابِيعَ﴾ عيونًا وركايا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ فكل ما في الأرض من السماء ينزل منها إلى صخرة بيت المقدس، ثم يقسمه الله تعالى في الأرض كالعروق في الأجساد. وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "المياه العذبةُ، والرياح اللواقحُ من تحتِ صخرةِ بيتِ المقدس" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأنهار الأربعةُ سيحانُ وجيحانُ والنيلُ والفراتُ"، فأما سيحان، فنهر بلخ، وأما جيحان، فدجلة، وأما النيل، فنيل مصر، وأما الفرات، ففرات الكوفة، فكل ما يشرب ابن آدم، فهو من هذه الأربعة، وتخرج من تحت الصخرة (٢). ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من أخضر وأحمر وغيرهما.

стр. 2871

﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يتم جفافه ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد خضرته وحسنه. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فتاتًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إذ لا يتذكر به غيرهم، وهذا مثل الدنيا. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ أي: وسعه ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ فقبله، وأقبل عليه. ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ هدى ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ وجواب (مَنْ) محذوف، تقديره: أفمن شرح صدره، فاهتدى، كمن طبع على قلبه فضل؟ يدل عليه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المعنى: إذا ذكر عندهم، ازدادت قلوبهم قسوة. ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ والآية نزلت في حمزة وعلي ﵄، وأبي لهب وولده، قال مالك بن دينار: "ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع منهم الرحمة" (١).

стр. 2872

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن، وتبدل من (أَحْسَن) ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ يشبه بعضه بعضًا حسنًا ونظمًا ﴿مَثَانِيَ﴾ أي: مردَّد ومكرَّر في أحكامه ﴿تَقْشَعِرُّ﴾ تضطرب وتشمئز ﴿مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خوفًا وإجلالًا لله تعالى، والقشعريرة: تغير في جسد الإنسان عند الوجد والخوف. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فهي تقشعر عند الوعيد، وتلين عند الوعد. عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اقشعر جلدُ العبد من خشية الله، تَحاتَّتْ عنه ذنوبُه كما تتحاتُّ عن الشجرة اليابسة وُرقها" (١). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الكتاب ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بخذلانه. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ينقذه من الضلال. قرأ ابن كثير: (هَادِي) بإثبات الياء

стр. 2873

حالة الوقف، وروي ذلك عن قنبل، ويعقوب (١). ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي﴾ معناه: أفمن يدخل النارَ فيتقي ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشدَّه، كمن هو آمن منه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ المعنى: أن الإنسان إذا عرض له ما يخافه، اتقاه بيده، وطلب أن يتقي بها وجهه؛ لأنه أعز أعضائه، والذي يلقى في النار مغلولةً يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه ﴿وَقِيلَ﴾ أي: ويقول الخزنة. ﴿لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا﴾ جزاء. ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ثم حذر كفار مكة بعذاب من تقدمهم، فقال: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ رسلَهم. ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من جهة لا يخطر ببالهم أن العذاب يأتيهم منها.

стр. 2874

﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذلَّ والهوان، والمسخ والقتل والسبي، وغيرها. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ المعَدُّ لهم ﴿أَكْبَرُ﴾ لشدته ودوامه. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، لاعتبروا به. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتاج إليه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة؛ كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا، وإنسانًا عاقلًا، ويجوز أن ينتصب على المدح. ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ بريئًا من التناقض. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الكفر.

стр. 2875

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ بدل من (مَثَلًا) ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقُهم. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (سَالِمًا) بألف بعد السين وكسر اللام؛ أي: خالصًا، لا مشاركَ له فيه، وقرأ الباقون: (سَلَمًا) بغير ألف وفتح اللام (١)؛ أي: لا تنازع فيه، وهذا مثل ضربه الله لأهل التوحيد، ومثَّل الذي عبد الآلهة كمثل الشركاء. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ في الصفة ﴿مَثَلًا﴾ نصب على التمييز، وهذا توقيف لا يجيب عنه أحد إلا بأنهما لا يستويان، فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد أجابوا، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه، فأضرب عن مقدر محذوف يقتضيه المعنى، تقديره: الحمد لله على ظهور الحجة، وأن الأمر ليس كما يقولون، بل أكثرهم لا يعلمون.
следующие страницы →