﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ .
[٤] ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في المحاربة ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ مصدر بمعنى الفعل؛ أي: فاضربوا الرقاب ضربًا، المعنى: إذا لقيتموهم، فاقتلوهم، وعَيَّنَ من أنواع القتل أشهرَه وأعرفه، فذكره.
﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل، وأوهنتموهم به.
﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فَأْسِروهم، واحتفظوا بهم حتّى لا يُفلتوا منكم، ولما قوي الإسلام، نزل:
﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أي: تمنون عليهم منًّا بإطلاقهم بعد أسرهم.
﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي: تفادوهم فداء؛ أي: أنتم مخيرون في ذلك.
﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ﴾ أي: أصحابها.
﴿أَوْزَارَهَا﴾ سلاحها، فيمسكوا عن الحرب، وأصل الوزر: ما يحمله الإنسان.
واختلفوا في حكم الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وبقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهو قول أبي حنيفة، وذهب آخرون إلى أنّها محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم، أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض، أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين، وهو قول الشّافعيّ ومالك وأحمد؛ لأنّه
стр. 3118
عمل به رسول الله ﷺ ، والخلفاءُ بعده، ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتّى يدخل أهل الملل (١) كلّها في الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى بن مريم ﵇.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : "الجهادُ ماضٍ منذُ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أُمتي الدجَّالَ" (٢).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ فأهلكهم بغير قتال.
﴿وَلَكِنْ﴾ أمركم بالقتال ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ليختبر المؤمنين بالكافرين؛ بأن يجاهدوهم، فيستوجبوا (٣) الثّواب، والكافرين بالمؤمنين؛ بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم؛ ليرتدع بعضهم عن الكفر.
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (قُتِلُوا) بضم القاف وكسر التاء من غير ألف بينهما؛ يعني: الشهداء، وقرأ الباقون: بفتح القاف والتاء وألف بينهما (٤)؛ يعني: المجاهدين.
стр. 3119
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ روي أنّها نزلت يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل.
* * *
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾ .
[٥] ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات.
﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم.
* * *
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: عرفهم منازلَهم فيها.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ .
[٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أي: دينَه.
﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على أعدائكم.
﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ عند القتال.
* * *
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: تَعِسوا، يدلُّ عليه: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي: عِثارًا وسقوطًا، ودخلت الفاء للجزاء، وتعطف على تعسوا المحذوف.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ليس لهم همة إِلَّا بطونهم وفروجهم، ولا يفكرون في مآلهم ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: موضع إقامتهم.
* * *
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ﴾ أهل (١) ﴿قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْك﴾ أي: أخرجك أهلُها، المعنى: كم رجال هم أشدُّ من أهل مكّة.
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُم﴾ من إهلاكنا. وتقدم اختلاف القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورة الحجِّ عند قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ قال ابن عبّاس: لما خرج رسول الله ﷺ من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة وقال: "أنت أحبُّ بلاد الله إلى الله، وأحبُّ بلاد الله إليَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني، لم أخرجْ منك"، فأنزل الله هذه الآية (٢).
* * *
قال ابن عبّاس (١): قال أنس: ما أُخفيَ على النّبيّ ﷺ شيء من أمر المنافقين بعد نزول هذه الآية (٢).
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فحواه، المعنى: أنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمور المسلمين، فكان لا يتكلم عنده ﷺ منافق إِلَّا عرفه، والأكابر يعرفون صدق المريد من كذبه بسؤاله وكلامه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ فيجازيكم بها.
* * *
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنعاملنكم معاملة المختبرين؛ بأن نأمركم بالجهاد والقتال ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ والمراد: علم الظهور؛ أي: نبلوكم حتّى يظهر ما نخبر به عنكم من أفعالكم؛ من جهاد وصبر وغيرهما ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ نظهرها بسبب طاعتكم وعصيانكم (٣). قرأ أبو بكر عن عاصم: (وَلَيَبْلُوَنَكمْ حَتَّى يَعْلَمَ)، (وَيَبْلُوَ) بالياء في الثلاثة؛ لقوله تعالى: (وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)، وقرأهن الباقون: بالنون، لقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ونزل في أصحاب القَليب ومَنْ جرى مجراهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ويدلُّ بمفهومه على أنّه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه.
* * *
﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ لا تضعفوا ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: لا تدعوا إلى الصلح ابتداءً إذا لقيتم الكفار. قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (السِّلْمِ) بكسر السين، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان بمعنى.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْن﴾ الغالبون ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة.
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ ينقصكم ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: ثواب أعمالكم.
* * *
﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور، لا ثباتَ لها، فلا
стр. 3135
تهنوا في الجهاد بسببها ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ الفواحشَ.
﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ثوابَ إيمانكم وتقواكم ﴿وَلَايَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم﴾ جميعَها، بل الزَّكاة المفروضة، وهي ربع العشر، فَطَيِّبوا أنفسَكم.
* * *
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ يُلِحّ عليكم ﴿تَبْخَلُوا﴾ بها ﴿وَيُخْرِجْ﴾ البخل ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾ أحقادَكم ومعتقداتكم السوء. قرأ يعقوب: (وَنُخْرِجْ) بالنون، والباقون: بالياء (١).
* * *
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، ونافع: بتسهيل الهمزة بين بين، وقرأ الكوفيون، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: بتحقيق الهمزة بعد الألف، وروي عن ورش: (هَآنْتُمْ) مدًّا بلا همزة، وعنه وجه ثان (هَئَنْتُمْ) بهمزة مقصورة بين الهاء والنون؛ مثل: سَأَلْتُم، وروي عن قنبل: كالوجه الثّاني عن ورش، أصلها أَأَنْتُمْ، قلبت الهمزة الأولى هاء؛ كقولهم هَرَقْتُ، وأَرَقْتُ (٢).
стр. 3136
﴿هَؤُلَاءِ﴾ أصلُه: أولاء، دخلت عليه هاء التنبيه، وهو في موضع النِّداء، يعني: أنتم يا هؤلاء المخاطبون، ثمّ استأنف فقال:
﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما فرض عليكم.
﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ بالزكاة المفروضة، و (يَبْخَلُ) رفع؛ لأنّ (مَنْ) هذه ليست بشرط؛ لاستئنافك ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بالصدقة والمفروض، و (يَبْخَلْ) جزم، لأنّ (مَنْ) هذه شرط، جوابه ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ﴾ رفعٌ أيضًا.
﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: عليها، المعنى: جزاءُ بخله مختص به.
﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ عنكم وعن صدقتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عن الطّاعة ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم، وهم الأنصار.
﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ في البخل والتولي ونحوهما، بل يكونوا خيرًا منكم، وأطوعَ لله، والله أعلم.
* * *
стр. 3137
سُوْرَةُ الفَتح
مدنية، نزلت على النّبيّ ﷺ منصرَفَهُ من الحديبية (١) ، وهي بهذا في حكم المدني، وآيها: تسع وعشرون آية، وحروفها: ألفان وأربع مئة وثمانية وثلاثون حرفًا، وكلمها: خمس مئة وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾.
[١] ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ الأكثرون على أنّه صلح الحديبية (٢)، ونزلت السورة مؤانسة للمؤمنين، لأنّهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم، ومن تلك (٣) المهادنة الّتي هادنهم النّبيّ ﷺ ، فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت، ومذهِبَة ما كان في قلوبهم.
وملخص القصة: أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة معتمرًا، لا يريد حربًا، وساق الهدي، وأحرم بالعمرة، وسار حتّى وصل إلى ثنية المزار مهبط الحديبية أسفل مكّة، والحديبية بئر،
стр. 3138
ووقع من معجزاته ﷺ آية الماء في بئر الحديبية؛ حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتّى كفى الجيش.
وتأهبت قريش للقتال، وبعثوا رسولهم إلى النّبيّ ﷺ ، فبعث إليهم عثمان بن عفان ﵁ يعلمهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائرًا ومعظمًا لهذا البيت، فلما وصل إليهم، أمسكوه وحبسوه، وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قتل، فدعا النَّاس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فبايع النَّاس على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتّى قال سلمة بن الأكوع وغيره: "بايعنا رسول الله ﷺ على الموت" (١)، ثمّ أتاه الخبر أن عثمان لم يقتل، ثمّ وقع الصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش؛ فإنهم بعثوا سهيل بن عمرو في الصلح، فأجاب النّبيّ ﷺ ، ثمّ دعا علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "اكتب: بسم الله الرّحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهُمَّ، فقال رسول الله ﷺ : اكتب: باسمك اللَّهُمَّ، ثمّ قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله ﷺ ، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، قال: فأرنيه، فأراه إياه (٢)، فمحاه النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن النَّاس عشر سنين، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش
стр. 3139
وعهدهم دخل فيه"، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالًا من المسلمين والمشركين، ثمّ نحر رسول الله ﷺ هديه، وحلق رأسه، وفعل النَّاس كذلك (١)، ثمّ عاد إلى المدينة، حتّى إذا كان بين مكّة والمدينة، نزلت سورة الفتح.
ودخل في (٢) هذه السُّنَّة في الإسلام مثل من دخل فيه قبل ذلك وأكثر، فكان هذا الفتح الأعظم، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المسلمين خيرًا، واتفقت في ذلك الوقت (٣) ملحمة عظيمة بين الروم وفارس، ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله ﷺ ، وسر بها والمؤمنون؛ لظهور أهل الكتاب على المجوس، وانحصاد الشوكة العظمى من الكفرة، والفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا.
﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي: قضينا لك قضاء بيِّنًا.
* * *
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾.
[٢] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ هى لام (كي)؛ لكنها تخالفها في المعنى. قرأ
стр. 3140
أبو عمرو: (لِيَغْفِر لَّكَ) بإدغام الراء في اللام (١)، والمراد هنا: أن الله فتح لك؛ لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك؛ فكأنّها لام صيرورة، ولهذا قال ﷺ : "لقد أنزلت عليَّ اللَّيلة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا" (٢).
﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك.
﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ذنوب أمتك بدعوتك، وقيل: مقصد الآية: أنك مغفور لك، غير مؤاخذ بذنب أن لو كان.
﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإظهارك وتعليتك على عدوك، والرضوان في الآخرة.
﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: إلى صراط؛ أي: يثبتك على الدِّين، فجمع الله لنبيه ﷺ في هذه السورة نعمًا مختلفة من الفتح المبين، وهو من أعلام الإجابة، والمغفرة، وهي من أعلام المحبة، وتمام النعمة، وهي من أعلام الاختصاص، والهداية، وهي من أعلام الولاية، فالمغفرة تبرئة من العيوب، وتمام النعمة بلاغ (٣) الدرجة الكاملة، والهداية هي الدّعوة إلى المشاهدة.
* * *
﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وهو الّذي معه غلبة العدو، والظهور عليه،
стр. 3141
والنصر غيرُ العزيز: هو الّذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط.
* * *
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة والوقار ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتّى اطمأنوا وعلموا أن وعد الله على لسان رسول الله ﷺ حق.
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ يقينًا ﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الأوّل، ويكثر تصديقهم.
قال ابن عبّاس: بعث ﷺ بشهادة أن لا إله إِلَّا الله، فلما صدقوه، زادهم الصّلاة، ثمّ الزَّكاة، ثمّ الصِّيام، ثمّ الحجِّ، ثمّ الجهاد (١).
واختلف الأئمة في زيادة الإيمان ونقصانه، فقال أبو حنيفة: لا يزيد ولا ينقص، ولا استثناء فيه، وقال الثّلاثة: يزيد وينقص، ويجوز الاستثناء فيه.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلو أراد نصر دينه بغيركم، لفعل.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَكِيمًا﴾ في صنعه، وقوله: (وَكَانَ)؛ أي: كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصِّفَة، لا معينة وقتًا ماضيًا.
* * *
стр. 3142
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ .
[٥] روي أنه لما أنزلت: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، تكلم فيها أهل الكتاب، وقالوا: كيف نتبع من لا يعرف ما يفعل به وبالناس معه؟ فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، فلما سمعها المؤمنون، قالوا: هنيئًا مريئًا، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزل: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. قال أهل المعاني: وإنما كررت اللام في قوله: (لِيُدْخِلَ) بتأويل تكرير الكلام، مجازه: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، إنا فتحنا لك؛ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار (١).
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ يسترها ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإدخال والتكفير.
﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ .
[٦] روي أن النبي ﷺ أتي بجماعة، فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزل: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أن الله لا ينصر محمدًا ﷺ .
стр. 3143
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالعذاب والهلاك. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (دَائِرَةُ السُّوءِ) بضم السين، وقرأ الباقون: بفتحها كالحرف الأول (١)، وهما لغتان، غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، والمضموم جرى مجرى الشر الذي هو نقيض الخير، يقال: أراد به السُّوْء، وأراد به الخير، وسَمَّى المصيبة التي دعا بها عليهم: (دائِرَة) من حيث يقال في الزمان: إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب على ترتيب، وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي ﷺ : "إن الزمانَ قد استدار كهيئته يومَ خَلَق الله (٢) السمواتِ والأرضَ" (٣)، ويحسُن أن تسمى المصيبة دائرة؛ من حيث إنها تدير: تحيط بصاحبها كما يحيط شكل الدائرة على السواء من النقطة.
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أبعدهم من رحمته.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ جهنم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾ الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الغزاة في سبيل الله.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
стр. 3144
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾ .
[٨] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك يوم القيامة.
﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة مَنْ عمل خيرًا من أهل الإيمان.
﴿وَنَذِيرًا﴾ منذرًا أعداءَ الله بالنار، ومن عمل سوءًا.
...
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ يُقَوُّوه وينصروه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ يعظِّموه ويفخِّموه، والهاء في (يُعَزِّرُوهُ ويُوقِّرُوهُ) للنبي ﷺ ، وهاهنا وقف، والهاء في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ لله أي: يصلوا له.
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ بالغداة والعشي. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (ليُؤْمِنُوا) (وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوه وَيُسَبِّحُوهُ) بالغيب في الأربعة على استمرار الخطاب للنبي ﷺ ، وقرأ الباقون: بالخطاب للناس (١)، على معنى: قل لهم.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ يا محمد بيعةَ الرضوان بالحديبية على ألَّا
стр. 3145
يفروا، وخبر (إِنَّ) ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: حولُه وقُوَّتُه فوق حولهم وقوتهم؛ أي: في نصرك ونصرهم، وهذا تعديد نعمة عليهم مستقبَلة مخبر بها.
﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ نقضَ البيعةَ ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ﴾ فإنما يرجع وبالُ نقضه.
﴿عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ ثبت على البيعة. قرأ حفص عن عاصم: (عَلَيْهُ الله) بضم الهاء، حذفت الواو لسكونها، وبقيت الضمة تدل عليها، وقرأ الباقون: بكسر الهاء، أبدلوا من الضمة كسرة (١)، يقال: أوفى بالعهد، ووفَّى به: إذا لم ينقضه.
﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجنة فما فوقها. قرأ أبو عمرو، والكوفيون، ورويس عن يعقوب: (فَسَيُؤْتيِه) بالياء؛ أي: فسيؤتيه الله، وقرأ الباقون: بالنون التي للعظمة (٢).
...
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾ .
[١١] ولما سار ﷺ إلى مكة عام الحديبية، طلب ناسًا من الأعراب
стр. 3146
ليرتحلوا معه، فتخلفوا عنه جبنًا، واعتلُّوا بالأموال والأولاد، فنزل: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عنك ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إذا رجعت من الحديبية.
﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ اللهَ ليغفر لنا تخلُّفَنا عنك، فكذبهم الله في اعتذارهم، فقال: ﴿يَقُولُونَ﴾ يُظهرون.
﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنهم لا يبالون باستغفارك.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ سوءًا ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر ولا جلب نفع إلا هو تعالى. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ضُرًّا) بضم الضاد، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي ﷺ يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم أنه إن أراد شيئًا من ذلك، لم يقدر أحد على دفعه ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيعلم تخلفكم وقصدَكم فيه.
...
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ لظنكم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون. قرأ الكسائي، وهشام: (بَل ظَّنَنْتُمْ) بإدغام اللام في الظاء، والباقون: بالإظهار (٢).
﴿لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر، وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضًا من غنائم أهل مكة؛ لأنهم انصرفوا منها على صلح، ولم يصيبوا منها (١) شيئًا، قال الله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (كَلِمَ اللهِ) بكسر اللام من غير ألف، جمع كلمة، وقرأ الباقون: بفتح اللام وألف بعدها (٢)، والمعنى فيه متقارب، ومعناه: يريدون أن يغيروا وعده لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر.
﴿كَذَلِكُمْ﴾ أي: كقولي لكم ﴿قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلِ عَوْدِنا.
﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ فلذلك قلتم هذا القول.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ﴾ من الدين ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم، وهم المؤمنون.
...
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ عن الحديبية، وكرر ذكرهم بهذا الاسم
стр. 3149
مبالغةً في الذم، وإشعارًا بشناعة التخلف؛ أي: قل لهم إن كنتم تريدون الغزو:
﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وهم فارس والروم، أو هم بنو حنيفة والمرتدون، قال منذر بن سعيد: يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر وعمر ﵄؛ لأن أبا بكر قاتل أهل الردة، وعمر قاتل فارس والروم (١).
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي: يكون أحد الأمرين لا غير، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم، أو يعطي الجزية.
وعن رافع بن خديج قال: واللهِ لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم مَنْ هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم أريدوا (٢).
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ تُعْرِضوا ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عامَ الحديبية.
﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو النار.
...
стр. 3150
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ .
[١٧] فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ في التخلف عن الجهاد.
﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ هذا عذر لهم في تخلفهم عن الحديبية.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (نُدْخِلْهُ) (نُعَذِّبْهُ) بالنون فيهما للعظمة، والباقون: بالياء فيهما؛ لقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ) (١).
...
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كانوا ألفًا وثلاث مئة، وقيل غير ذلك.
﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانت سَمُرة ﴿فَعَلِمَ﴾ الله ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾
стр. 3151
من الصدق والوفاء ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ﴾ جازاهم ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر بعد انصرافه من مكة.
...
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ من أموال اليهود، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله بينهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالبًا ﴿حَكِيمًا﴾ مراعيًا مقتضى الحكمة.
...
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي: مغانم خيبر.
﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ هم قبائل من أسد وغطفان هموا أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة في غيبتهم في غزوة خيبر، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم.
﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على صدقك.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يثبتكم على الإسلام.
ولما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعضَ المحرم، ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع من الهجرة إلى خيبر، وهي على ثماني بُرُد من المدينة، فأشرف عليها، وقال لأصحابه: "قفوا،
стр. 3152
ثم قال: اللهمَّ ربَّ السمواتِ وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأَرَضِينَ وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطينِ وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله"، ونزل عليها ليلًا، وكان إذا غزا لم يُغر حتى يصبح, فإن سمع أذانًا، كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا، أغار عليهم، فلما أصبحوا، خرجوا إلى عملهم بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوه عادوا وقالوا: محمدٌ والخميس، يعنون: الجيش، فقال النبي ﷺ : "الله أكبرُ خربتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساءَ صَباحُ المنذَرين"، ثم حاصرهم وضيق عليهم، فخرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قدْ علمتْ خيبرُ أَني مَرْحَبُ ... شاكي السلاح بطلٌ مجرَّبُ
أطعنُ أحيانًا وحينًا أضربُ ... إذا الليوثُ أقبلتْ تلتهب
فبرز إليه عامر وقال:
قد علمتْ خيبرُ أني عامرُ ... شاكى السلاح بطلٌ مغامرٌ
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسُه، فمات ﵁ فقال النبي ﷺ : "له أجرُه مرتين"، وكان علي بن أبي طالب ﵁ قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما أصبحوا، جاء علي، فتفل النبي ﷺ في عينيه، فما (١) اشتكى رمدًا بعدها، فلما مات عامر، برز علي لمرحب بعد أن أعطاه رسول الله ﷺ الراية، وقال ﵁:
стр. 3153
أنا الذي سمتني أُمِّي حَيْدَرَهْ ... أَكِيلُهم بالسيفِ كيلَ السَّنْدَرهْ
ليثٌ بغابات شديدُ القسوره
واختلف بينهما ضربتان، فسبقه علي ﵁ وضرب رأسه فقتله، فسقط عدو الله ميتًا (١).
وكان فتح خيبر في صفر على يد علي ﵁، فأخذ رسول الله ﷺ الأموال، وفتح الحصون، ورجع إلى المدينة، وأصاب سبايا منهن صفية بنت حيي، فاصطفاها ﷺ لنفسه، وجعل عتقها صداقها، وهو مذهب الإمام أحمد ﵁ مستدلًا بذلك، فإذا قال الرجل لأمته القن، أو المُدَبَّرة، أو المكاتبَة، أو أم ولده، أو المعلق عتقُها على صفة: أعتقتُك وجعلتُ عتقَك صداقَك، أو جعلت عتقَ أمتي صداقَها، أو صداق أمتي عتقها، أو قد أعتقتها (٢) وجعلت عتقها صداقها، أو أعتقتك على أن أتزوجك وعتقك صداقك، صح إن كان متصلًا (٣) بحضرة شاهدين، وينعقد النكاح والإعتاق، ويصح جعل صداق مَنْ بعضُها رقيق عتقَ ذلك البعض، وإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف قيمتها، فإن لم تكن قادرة، أجبرت على الاستسعاء، ولو أعتقها بسؤالها على أن تنكحه، أو قال: أعتقتك على أن تنكحيني، ورضيت، صح، ثم إن نكحته، وإلا لزمتها قيمة نفسها، وهذا من مفردات مذهب أحمد؛ خلافًا للثلاثة ﵃.
стр. 3154
وفي غزوة خيبر أهديت للنبي ﷺ (١) الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة ولاكها، ثم لفظها، وقال: "تخبرني هذه الشاة أنها مسمومة" (٢).
...
﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَأُخْرَى﴾ أي: وعدكم فتح بلدة أخرى ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بلاد فارس والروم، وقيل: الإشارة إلى مكة، قال ابن عطية: وهذا هو القوي الذي يتسق معه المعنى ويتأيد (٣)، وقيل: ومعنى (وَأُخْرَى)؛ أي: مغانم هوازن في غزوة حنين، ومعنى (لَمْ تقدِرُوا عَلَيْهَا)؛ لما كان فيها من اضطراب المسلمين.
﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ بالقدرة والقهر لأهلها؛ أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء.
...
стр. 3155
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أسد وغطفان وأهل خيبر.
﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ لانهزموا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحرسهم.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم.
...
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ تغييرًا.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يعني: كفار قريش.
﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ بداخلها.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾ أي: أظهركم عليهم، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمس مئة إلى الحديبية يطلبون غِرَّة في عسكر رسول الله ﷺ ، فلما أحسَّ بهم المسلمون، بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وسماه سيف الله في جملة من الناس، فهزمهم حتى أدخلهم مكة،