← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

من الصدق والوفاء ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ﴾ جازاهم ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر بعد انصرافه من مكة. ... ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ من أموال اليهود، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله بينهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالبًا ﴿حَكِيمًا﴾ مراعيًا مقتضى الحكمة. ... ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي: مغانم خيبر. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ هم قبائل من أسد وغطفان هموا أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة في غيبتهم في غزوة خيبر، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على صدقك. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يثبتكم على الإسلام. ولما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعضَ المحرم، ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع من الهجرة إلى خيبر، وهي على ثماني بُرُد من المدينة، فأشرف عليها، وقال لأصحابه: "قفوا،

стр. 3152

ثم قال: اللهمَّ ربَّ السمواتِ وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأَرَضِينَ وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطينِ وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله"، ونزل عليها ليلًا، وكان إذا غزا لم يُغر حتى يصبح, فإن سمع أذانًا، كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا، أغار عليهم، فلما أصبحوا، خرجوا إلى عملهم بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوه عادوا وقالوا: محمدٌ والخميس، يعنون: الجيش، فقال النبي ﷺ : "الله أكبرُ خربتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساءَ صَباحُ المنذَرين"، ثم حاصرهم وضيق عليهم، فخرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: قدْ علمتْ خيبرُ أَني مَرْحَبُ ... شاكي السلاح بطلٌ مجرَّبُ أطعنُ أحيانًا وحينًا أضربُ ... إذا الليوثُ أقبلتْ تلتهب فبرز إليه عامر وقال: قد علمتْ خيبرُ أني عامرُ ... شاكى السلاح بطلٌ مغامرٌ فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسُه، فمات ﵁ فقال النبي ﷺ : "له أجرُه مرتين"، وكان علي بن أبي طالب ﵁ قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما أصبحوا، جاء علي، فتفل النبي ﷺ في عينيه، فما (١) اشتكى رمدًا بعدها، فلما مات عامر، برز علي لمرحب بعد أن أعطاه رسول الله ﷺ الراية، وقال ﵁:

стр. 3153

أنا الذي سمتني أُمِّي حَيْدَرَهْ ... أَكِيلُهم بالسيفِ كيلَ السَّنْدَرهْ ليثٌ بغابات شديدُ القسوره واختلف بينهما ضربتان، فسبقه علي ﵁ وضرب رأسه فقتله، فسقط عدو الله ميتًا (١). وكان فتح خيبر في صفر على يد علي ﵁، فأخذ رسول الله ﷺ الأموال، وفتح الحصون، ورجع إلى المدينة، وأصاب سبايا منهن صفية بنت حيي، فاصطفاها ﷺ لنفسه، وجعل عتقها صداقها، وهو مذهب الإمام أحمد ﵁ مستدلًا بذلك، فإذا قال الرجل لأمته القن، أو المُدَبَّرة، أو المكاتبَة، أو أم ولده، أو المعلق عتقُها على صفة: أعتقتُك وجعلتُ عتقَك صداقَك، أو جعلت عتقَ أمتي صداقَها، أو صداق أمتي عتقها، أو قد أعتقتها (٢) وجعلت عتقها صداقها، أو أعتقتك على أن أتزوجك وعتقك صداقك، صح إن كان متصلًا (٣) بحضرة شاهدين، وينعقد النكاح والإعتاق، ويصح جعل صداق مَنْ بعضُها رقيق عتقَ ذلك البعض، وإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف قيمتها، فإن لم تكن قادرة، أجبرت على الاستسعاء، ولو أعتقها بسؤالها على أن تنكحه، أو قال: أعتقتك على أن تنكحيني، ورضيت، صح، ثم إن نكحته، وإلا لزمتها قيمة نفسها، وهذا من مفردات مذهب أحمد؛ خلافًا للثلاثة ﵃.

стр. 3154

وفي غزوة خيبر أهديت للنبي ﷺ (١) الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة ولاكها، ثم لفظها، وقال: "تخبرني هذه الشاة أنها مسمومة" (٢). ... ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَأُخْرَى﴾ أي: وعدكم فتح بلدة أخرى ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بلاد فارس والروم، وقيل: الإشارة إلى مكة، قال ابن عطية: وهذا هو القوي الذي يتسق معه المعنى ويتأيد (٣)، وقيل: ومعنى (وَأُخْرَى)؛ أي: مغانم هوازن في غزوة حنين، ومعنى (لَمْ تقدِرُوا عَلَيْهَا)؛ لما كان فيها من اضطراب المسلمين. ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ بالقدرة والقهر لأهلها؛ أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء. ...

стр. 3155

﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أسد وغطفان وأهل خيبر. ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ لانهزموا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحرسهم. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم. ... ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ تغييرًا. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يعني: كفار قريش. ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ بداخلها. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾ أي: أظهركم عليهم، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمس مئة إلى الحديبية يطلبون غِرَّة في عسكر رسول الله ﷺ ، فلما أحسَّ بهم المسلمون، بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وسماه سيف الله في جملة من الناس، فهزمهم حتى أدخلهم مكة،

стр. 3156

وأسر منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله ﷺ ، فمنَّ عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب، وكف أيدي المسلمين عنهم بدخولهم مكة، تلخيصه: حجز بينكم بعد ظفركم بهم. ﴿عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فيجازيهم. قرأ أبو عمرو: (يَعْمَلُونَ) بالغيب على ذكر الكفار وتمردهم، وقرأ الباقون: بالخطاب للكفار (١). ... ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار مكة ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ منعوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عن دخوله والوصول إليه ﴿وَالْهَدْيَ﴾ أي: وصدُّوا الهديَ، وكانت سبعين بدنة ﴿مَعْكُوفًا﴾ محبوسًا، نصب على الحال. ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ مكانه الذي ينحر فيه عادة، وهو الحرم، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في محل النحر للمُحْصَر في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [الآية:١٩٦]. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ يعني: المستضعفين بمكة. ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ لم تعرفوهم؛ لاختلاطهم بالمشركين ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾

стр. 3157

بالقتل. قرأ أبو جعفر: (تَطَوْهُمْ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز مضمومًا (١). ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ﴾ من جهتهم ﴿مَعَرَّةٌ﴾ مشقة وإثم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾، أي: تطؤوهم غيرَ عالمين بهم، وجواب (لَوْلاَ) محذوف، تقديره: لأذنَ لكم في دخولها، ولكنه حالَ بينكم وبين ذلك. ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ في دين الإسلام. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل مكة بعدَ الصلح قبل أن تدخلوها. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: تميزوا؛ يعني: المؤمنين من الكفار، وجواب (لَوْ تزَيَّلُوا): ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ بدخولكم مكة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بالسبي والقتل بأيديكم. ... ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ الأَنَفَة حين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت، ولم يقروا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأنكروا محمد رسول الله، قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا

стр. 3158

وإخواننا، ثم يدخلون علينا، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه. ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ التي دخلت قلوبهم. قرأ أبو عمرو، وهشام: (إِذ جَّعَلَ) بإدغام الذال في الجيم، والباقون: بالإظهار (١). ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي: الثبات والوقار ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ﷺ . ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى لم يدخلهم ما دخل المشركين من الحمية، فيعصوا الله في قتالهم. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ هي كلمة الشهادة؛ أي: يثبتهم عليها ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ ممن أباها من المشركين ﴿وَأَهْلَهَا﴾ في علم الله وسابق قضائه لهم، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن الكفار من قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أضعاف ما كان قبل ذلك، ويقتضي ذلك أن رسول الله ﷺ كان في عام الحديبية في أربع عشرة مئة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بنحو عامين في عشرة آلاف فارس ﷺ . ...

стр. 3159

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ . [٢٧] روي أن رسول الله ﷺ رأى في منامه قبل خروجه إلى الحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين، ويحلقون ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا، وظنوا أنه يكون في ذلك العام، فلما انصرفوا ولم يدخلوا، قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ التي رآها في النوم ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق. قرأ الكسائي، وخلف: (الرُّؤْيَا) بالإمالة، والباقون: بالفتح (١). ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ اللام لام القسم الذي يقتضيه (صدق)؛ لأنها من قبيل تبين وتحقق ونحوها مما يعطي القسم، تقديره: والله لتدخلن. ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ودخول الاستثناء في إخبار الله فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة؛ تعليمًا لعباده أن يقولوا في عِداتهم مثلَ ذلك متأدبين بأدب الله، ومقتدين بسنته، أو يريد: لتدخلن جميعًا إن شاء الله، ولم يمت منكم أحد، أو: كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك إن شاء الله، أو: هي حكاية ما قال رسول الله ﷺ لأصحابه، وقص عليهم، وقيل: هو متعلق بـ (آمِنِينَ)، وقيل: (إنْ) بمعنى (إذْ)؛ فكأنه قال: إذ شاء الله، قال ابن عطية: وهذا أحسن في معناه، لكن كون (إن)

стр. 3160

بمعنى (إذ) غير موجود في لسان العرب، انتهى (١). ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حال من (آمِنِينَ) مفعوله ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ أي: جميعَ شعورها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بعض شعورها، وتقدم حكم الحلق والتقصير في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [الآية:١٩٦]. ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ أبدًا ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة في تأخير الفتح. ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: فتح مكة ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل، فكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة. ... ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ ملتبِسًا به ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ليعليَه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقًّا، وإظهار فساد ما كان باطلًا، وهذا موجود الآن في دين الإسلام؛ فإنه قد عم أكثر الأرض، وظهر على كل دين. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: شاهدًا بهذا الخبر، ومعلمًا به، وعلى هؤلاء الكفار المنكرين أمرَ محمد ﷺ الرادين في صدره، ومعاقبًا لهم بحكم الشهادة. ...

стр. 3161

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ، خبره ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ شهد له بالرسالة، وتقدم تفسير (محمد) في سورة آل عمران، وفي الأحزاب، ثم قال مبتدئًا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ﴾ صفة الصحابة خاصة، فلا يكون ﷺ داخلًا مع الصحابة في الشدة ﴿عَلَى الْكُفَّارِ﴾ غلاظ عليهم كالأسد في فريسته. ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ متعاطفون بعضهم على بعض كالوالد مع الولد. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ لأنهم مشغولون في الصلاة في أكثر أوقاتهم. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ أن يدخلهم الجنة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أن يرضى عنهم. قرأ أبو بكر عن عاصم: (رُضْوَانًا) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١). ﴿سِيمَاهُمْ﴾ علاماتهم ﴿فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ وهو نور وبياض يُعرفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا، وروي أن مواضع السجود تكون في وجوههم كالقمر ليلة البدر.

стр. 3162

﴿ذَلِكَ﴾ الوصف المذكور ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: صفة محمد ﷺ وأصحابه. ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ وتعطف عليه. ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ أي: ذلك مثلهم في الكتابين ﴿كَزَرْعٍ﴾ تمثيل مستأنف؛ أي: هم كزرع ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ فرخه؛ يقال: أشطأ الزرع: إذا فرخ. قرأ ابن كثير، وابن ذكوان عن ابن عامر: بفتح الطاء، والباقون: بإسكانها (١)، وهما لغتان كالنهْر والنهَر، وقرأ أبو عمرو: (أَخْرَج شَّطْاَهُ) بإدغام الجيم في الشين (٢). ﴿فَآزَرَهُ﴾ قرأ ابن ذكوان: بقصر الهمزة، والباقون: بالمد (٣)؛ أي: قواه؛ من المؤازرة، وهي المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ غلظ ذلك الزرع. ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق؛ أي: قوي واستقام على أصوله، وهذا مثل ضربه الله لنبيه، خرج وحده، فآزره بأصحابه. قرأ قنبل عن ابن كثير: (سُؤْقِهِ) بهمزة ساكنة، وعنه وجه ثان: بهمزة مضمومة، وقرأ الباقون: بغير همز (٤). ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ الذين زرعوه، وهذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام وقوته

стр. 3163

بالصحابة بأن يكونوا قليلًا فيكثروا وضعفاء، فيقوون، يوضح ذلك أن علله بقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ أي: إنما كثرهم وقواهم؛ ليكونوا غيظًا للكافرين. قال عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي بن أبي طالب. ومن غيظ الكفار قولُ عمر بمكة: "لا أعبد (١) الله سرًّا بعد هذا اليوم" (٢). وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقُهم حياءً عثمان، وأقضاهم عليٌّ، وأقرؤهم أُبي بن كعب، وأفرضهم زيدُ بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وما أظلت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدقَ من أبي ذر، ولكل أمة أمين، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ﵃ أجمعين (٣).

стр. 3164

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ و (مِنْهُمْ) لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ لأنه وعد للجميع. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة، وقد اجتمع حروف المعجم التسعة والعشرون في هذه الآية، وهي ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة، أول حروف المعجم فيها ميم من (محمد)، وآخرها صاد من (الصالحات)، وتقدم نظير ذلك في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [الآية: ١٥٤]، وليس في القرآن آيتان كل آية حوت حروف المعجم غيرهما (١) من دعا الله بهما, استجيب له، والله أعلم. ...

стр. 3165

سورة الحجرات مدنية بإجماع من أهل التأويل، وآيها: ثماني عشرة آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وستة وسبعون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وثلاث وأربعون كلمة، وهذا أول المفصل على الراجح من مذهب الشافعي، وبعض (١) الأقوال المعتمدة عند أبي حنيفة، وعنه قول آخر معتمد: أن أوله (ق). قال ﷺ : "فضلني ربي بالمفصل" (٢)، وتقدم في أول التفسير أن المفصل من القرآن هو ما بعد الحواميم وقصار السور إلى آخر القرآن، وسميت مفصلًا؛ لكثرة الفصولات فيها بسطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لأنها سور قصار يقرب تفصيل كل سورة من الأخرى، فكثر التفصيل فيها، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾.

стр. 3166

[١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ يعقوب: (تَقَدَّمُوا) بفتح التاء والدال؛ من التقدم؛ أي: لا تتقدموا، على حذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بضم التاء وكسر الدال؛ من التقديم (١)؛ أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه، المعنى: لا تفعلوا ولا تقولوا شيئًا حتى يحكما به، ويأذنا فيه، ولا تفتاتوا عليهما، وقد كانت عادة العرب الاشتراك في الآراء، وأن يتكلم كل بما شاء، ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس مع النبي ﷺ على بعض ذلك، فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا، ولو فعل الله كذا، أو ينبغي أن يكون كذا، وأيضًا فإن قومًا ذبحوا ضحاياهم قبل النبي ﷺ ، وقومًا فعلوا في بعض خروجه وغزواته أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وتحقيق معنى الآية الأمرُ بتعظيم النبي ﷺ وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته، وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ﷺ ، وكره بعضهم رفع الصوت في مجالس الفقهاء؛ تشريفًا لهم؛ إذ أنهم (٢) ورثة الأنبياء. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالكم. ...

стр. 3167

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ . [٢] ونزل فيمن رفع صوته لدى النبي ﷺ ، وهو ثابت بن قيس (١) بن شماس، وكان جهوري الصوت، وربما كان يكلم رسول الله ﷺ فيتأذى بصوته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ (٢) إذا نطقتكم. ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إذا نطق ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ إذا ناجيتموه ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: لا تغلظوا له الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمد يا أحمد كما ينادي بعضكم بعضًا، ولكن فخموه، وقولوا له قولًا لينًا: يا رسول الله! يا نبي الله! نظيره: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦ ٣] . ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾ أي: مخافة أن تبطل ﴿أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾. [٣] فلما نزل، دخل ثابت في بيته، فجعل يبكي، وقال لامرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول: لا أخرج حتى يتوفاني الله، أو يرضى عني رسوله، إني رفيع الصوت، وإني أخاف أن يحبط عملي، وأكون من أهل

стр. 3168

النار، فدعاه النبي ﷺ ، وقال "أما (١) ترضى أن تعيش حميدًا وتموتَ شهيدًا وتدخلَ الجنة؟ "، فقال؛ رضيتُ ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (٢) إجلالًا له. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: اختبرها بأنواع المحن ﴿لِلتَّقْوَى﴾ أي: لتظهر التقوى بالاختبار وصد النفس عن مرادها ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ واستُشهد ثابت يوم القيامة في حرب مسيلمة الكذاب في خلافة أبي بكر ﵁. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ . [٤] ونزل في وفد بني تميم حين وفدوا على رسول الله ﷺ , فدخلوا المسجد، ودنوا من حُجَر أزواج النبي ﷺ ، وهي تسعة، فعجلوا، ولم ينتظروا، ونادوا بجملتهم: يا محمد! اخرج إلينا؛ فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فتربص مدة، ثم خرج ﷺ وهو يقول: "إنما ذلكم اللهُ الذي مدحُه زَيْن وذمُّه شَيْن": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (٣) جمع حجرة، وهو ما يحجر عليه من الأرض بحائط، والمراد: حجرات نساء النبي ﷺ . قرأ

стр. 3169

أبو جعفر: (الحُجَرَاتِ) بفتح الجيم، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، فكان كل واحد ينادي من وراء حجرة؛ لأنهم لم يتحققوا مكانه، والإنكار إنما وقع لأنهم نادوه من ظاهر الدار بجفاء وغلظة مناداةَ الأعرب. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ جهال ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل يقتضي حسنَ الأدب، وسئل رسول الله ﷺ عنهم فقال: "هم جُفاةُ بني تميم، لولا أنهم من أشدِّ الناسِ قتالًا للأعور الدجَّال، لدعوتُ الله عليهم أن يُهلكهم" (٢). ... ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ أي: ولو ثبت صبرهم وانتظارهم. ﴿حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ﴾ الصبر. ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وأحسنَ لأدبهم، والصبر: حبسُ النفس عن أن تنازع إلى هواها.

стр. 3170

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب (١)، والتاركين تعظيم الرسول. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ . [٦] روي أن رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه إلى بني المصطلق مُصَدِّقًا، وكان بينه وبينهم عدواة في الجاهلية، فلما سمع به القوم، خرجوا يتلقونه تعظيمًا لأمر رسول الله، فخافهم، فرجع من الطريق هاربًا، فجاء النبيَّ ﷺ ، وقال: إنهم قد منعوا الصدقة، وهموا بقتلي، فغضب رسول الله ﷺ ، وهَمَّ بغزوهم، فأتوا رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! خرجنا نتلقاه، فرجع، فخشينا أن يكون قد رده كتاب أتاه منك، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم في قولهم، وأرسل إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالد بن الوليد، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ (٢) يعني: الوليد بن عقبة ﴿بِنَبَإٍ﴾ بخبر ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (فَتَثَبَّتُوا) بالتاء والثاء؛ من التثبت؛ أي: توقفوا، وقرأ الباقون: بالياء والنون؛ من التبين (٣)؛ أي:

стр. 3171

تفحصوا، وتنكير (فَاسِقٌ) يؤذن بالاحتراز من كل فاسق. ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ كيلا تصيبوا بالقتل ﴿قَوْمًا﴾ برآء ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ جاهلين بحالهم. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ فتصيروا ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ مغتمين. ... ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إن كذبتم، أخبره الله، فتفتضحوا. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ يقبل منكم ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الذي تخبرونه به، فيحكم برأيكم ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ لأثمتم وهلكتم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ فجعله أحبَّ الأديان إليكم. ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حَسَّنه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ بالبرهان، وثبته فيها. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ الكذبَ ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ الخروجَ عن الطاعة ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ جميع معاصي الله، ومعنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، ثم عاد من خطاب المؤمنين إلى الإخبار عنهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ الثابتون على دينهم. ...

стр. 3172

﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ . [٨] ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن ما قبله هو بمعناه؛ إذ التحبيب والتزيين هو نفس الفضل. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ بإنعامه عليهم بالتوفيق. ... ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ . [٩] روي أن رسول الله ﷺ توجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، وركب حمارًا، فمر بعبد الله بن أبي بن سلول، فقال عبد الله بن أبي (١) لما غشيَه حمارُ رسول الله ﷺ : لا تغبروا علينا، والله لقد آذاني نتنُ حمارك، فقال عبد الله بن رواحة لابن أبي: واللهِ لحمارُ رسولِ الله ﷺ أطيبُ ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، وكان فيمن غضب لابن أبي مؤمنون، وقيل غير ذلك، فنزل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٢) جُمع نظرًا إلى المعنى؛ لأن كل

стр. 3173

طائفة جماعة ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالنصح والدعاءِ إلى حكم الله تعالى، وثُني نظرًا إلى اللفظ. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بأن كانت الباغية مبطلة، والأخرى محقة. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ترجع إلى حكمه المذكور في كتابه من الصلح. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (تَفِيءَ إِلَى) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية بين اللفظين، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين (١). ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ رجعت عن البغي ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ بالإنصاف ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ اعدلوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ والقَسْط بالفتح الجور؛ من القسط: اعوجاج في الرجلين، و -بالكسر-: العدل، وفعله أقسط، وهمزته أصلية (٢)؛ أي: أزيلوا الجور، يقال: قسط: جار، وأقسط: عدل، والباغي في الشرع: هو الخارج على إمام العدل. وأما حكم قتال أهل البغي، فقد اتفق الأئمة على أن نصب الإمام فرض كفاية، وتنعقد الإمامة بالبيعة، وباستخلاف (٣) الإمام، وقهرِ قرشيٍّ حر ذكر، ويحرم قتاله بالاتفاق، فإذا خرج على الإمام طائفة ذات شوكة بتأويل

стр. 3174

سائغ، ونصبوا إمامًا، وقالوا: الحق معنا، دعاهم، وكشف شبهتهم التي استندوا إليها في خروجهم عن طاعته، وأزال ما يذكرونه من مظلمة؛ فإن فاؤوا، وإلا أبيح قتالهم بالاتفاق حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإذا فاؤوا، كف عنهم، فإن لم يكن لهم شوكة، أو لم يكن تأويل، أو لم ينصبوا إمامًا، فقطاع طريق تقدم حكمهم في سورة المائدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]. واختلفوا في اتباعِ مدبرِ البغاةِ، وقتلِ جريحهم، فقال أبو حنيفة: إن كان لهم فئة يرجعون إليها، جاز ذلك، وإلا فلا، وقال الثلاثة: لا يجوز. واتفقوا على أن أموالهم يحرم أخذها، وهي باقية لهم. واختلفوا هل يجوز أن يستعان على حربهم بسلاحهم؟ فقال الشافعي، وأحمد: لا يجوز، وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز مع قيام الحرب، فإذا انقضت، ردت إليهم. واتفقوا على أن البغاة إذا أخذوا خراجًا أو جزيةَ ذمي، فإنه يلزم أهل العدل أن يحتسبوا بذلك، بخلاف عن مالك. واتفقوا على أن ما يتلفه أهل العدل على أهل البغي وعكسه من نفس ومال حالَ الحرب، فلا ضمان فيه، وتقبل شهادة البغاة (١) وقضاء قاضيهم فيما يقبل فيه قضاء قاضينا بالاتفاق بخلاف عن مالك، ويحرم سبي ذراريهم بالاتفاق، ومن أسر منهم من رجل أو امرأة أو صبي، حُبس حتى ينقضي الحرب، ثم يرسل بالاتفاق، ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه؛ كنار

стр. 3175

ومنجنيق إلا لضرورة عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة: يجوز، وعند مالك: للإمام العدل في قتالهم ما له في الكفار بعد أن يدعوهم إلى الحق. ... ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ المتنازعين، وثُني؛ لأن النزاع إنما يكون أولًا بين اثنين، ثم يتعدى إلى الجماعة، ويجوز أن يراد: الحزبان؛ كقوله: (طَائِفَتَانِ). قرأ يعقوب: (إِخْوَتِكُمْ) بكسر الهمزة وإسكان الخاء وتاء مكسورة على الجمع، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة والخاء وياء ساكنة على التثنية (١). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تعصوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين، مع كونهم باغين، يدل عليه ما روي عن علي ﵁: أنه سئل، وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا (٢).

стр. 3176

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ . [١١] ونزل في ثابت بن قيس حين سأل رجلًا: من أنت؟ فقال: ابن فلان، فقال ثابت: أنت ابن فلانة، فخجل الرجل؛ لأنه كان يُعير بها في الجاهلية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (١) أي: رجال من رجال، والقوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوام على النساء، جمع قائم، ويسخر معناه: يستهزئ. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ المعنى: اجتنبوا السخرية، فربما كان المستسخَر به خيرًا عند الله من الساخر. ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ونكر (قَوْمٌ) و (نِسَاءٌ)؛ ليعم النهي (٢) قبيلهما (٣)، ولم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة؛ أي: فرد من فرد؛ لأن السخرية تكون غالبًا بين جمع. عن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها: "هَلَّا قلتِ: إن أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد" (٤).

стр. 3177

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يعيب بعضكم بعضًا. قرأ يعقوب: (تَلْمُزُوا) بضم الميم، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ النبز: اللقب، واللقب: ما يسمى به الإنسان بعد اسمه العَلَم، يعم المدح والذم، والتنابز: هو أن يدعى الإنسان بغير ما سُمي به مما يكرهه، المعنى: لا تلقبوا غيركم بالألقاب القبيحة؛ كالفاسق ونحوه، ولا تنادوه بها. قرأ البزي عن ابن كثير: (وَلاَ تَّنَابَزُوا) ﴿وَلَا تَّجَسَّسُوا﴾ (لِتَّعَارَفُوا) بتشديد التاء في الثلاثة، والباقون: بالتخفيف (٢). ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس الذكرُ المرتفع للمؤمنين أن يُذكروا بالفسق بعد دخولهم بالإيمان، واشتهارهم به. ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ عما نُهي عنه ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي: الساخرون واللامزون. ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بوضع العصيان موضع الطاعة. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وخلاد عن حمزة بخلاف عنه: (يَتُب فَّأُولَئِكَ) بإدغام الباء في الفاء، والباقون: بالإظهار (٣).

стр. 3178

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ . [١٢] ونزل في رجلين اغتابا رفيقهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (١) أي: أَبعِدوه عنكم، واجعلوه جانبًا منكم. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ يستحق عليه العقاب، وذلك البعض كثير؛ لأنه ظن السوء بالمؤمنين، والتبعيض يؤذن باجتناب بعض الظن، ولا يقدم عليه إلا بعد النظر في حال الشخص، فإن كان موسومًا بالصلاح، فلا يظن به السوء بأدنى توهم، بل يحتاط في ذلك، ولا تظنن سوءًا إلا بعد ألا تجد إلى الخير سبيلًا، وأما ظن الصلاح بالصلحاء والعلماء بالله والشرع، فمندوب إليه، وأما الفساق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ ولا تتبعوا عورات الناس، ولا تبحثوا عن أخبارها حتى لا يظهر ما ستره الله منها ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الغيبة: أن يقول في الرجل ما فيه مما يكرهه. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ أي: أن ما يناله من عرض أخيه كأكل لحم ميت. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مَيِّتًا) بكسر الياء مشددة (٢)، والباقون: بإسكانها مخففة (٣)، ونصبه على الحال من (لَحْمَ).

стр. 3179

﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ المعنى: إن صح ذلك، أو عرض عليكم هذا، فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ لمن اتقى ما نهي عنه، وتاب مما فرط منه. ... ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ . [١٣] ونزل نهيًا عن التفاخر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ من آدم وحواء. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ جمع شعب -بفتح الشين-، وهو أكبر من القبيلة؛ لأنه يجمع القبائل مثل: ربيعة ومضر، والأوس والخزرج، سموا شعوبًا؛ لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجر ﴿وَقَبَائِلَ﴾ وهي دون الشعوب، واحدتها قبيلة، والقبيلة تجمع العمائر، [والعمائر تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل] (١) مثاله: خزيمة شعب، كنانة قبيلة، قريش عمارة، قصي بطن، هاشم فخذ، العباس فصيلة، المعنى: خلقناكم من أصل واحد، ثم فرقناكم. ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ ليعرف بعضكم بعضًا، ويعطيه حقه، لا للتفاخر، ثم بين ما به (٢) الفخر فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فإن التقوى بها تكمل

стр. 3180

النفوس، وتتفاضل الأشخاص، قال ﷺ : "من أحبَّ أن يكونَ أكرمَ الناس، فليتق الله" (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بكم ﴿خَبِيرٌ﴾ ببواطنكم. ... ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ . [١٤] ونزل في طوائف من الأعراب قَدِموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الإسلام ليأمنوا بذلك على نفوسهم وأموالهم، ومَنُّوا بذلك على النبي ﷺ : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ يا محمد: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، وأوقع ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ موقع كذبتم؛ لأنه نفي ما ادعوه تأدبًا. ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ انقدنا واستسلمنا؛ مخافةَ القتل والسبي. ﴿وَلَمَّا﴾ أي: لم ﴿يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فالإسلام: الخضوع والقبول لأمر رسول الله ﷺ ، فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فهو إيمان، وتقدم ذكر الإيمان واختلاف الأئمة فيه أول سورة البقرة. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالإخلاص وترك النفاق.

стр. 3181

﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (يَأْلِتكُمْ) بهمزة ساكنة بين الياء واللام، ويبدلها أبو عمرو على أصله؛ من ألت يألت؛ كضرب يضرب، لقوله تعالى: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ)، وقرأ الباقون: بكسر اللام من غير همز (١)؛ من لات يليت؛ كباع يبيع، وهما لغتان، معناهما: لا ينقصكم. ﴿مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي: من ثوابها ﴿شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما (٢) فرط من المطيعين ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتفضل عليهم. ... ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ . [١٥] ثم بين المؤمنين حقيقة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ لم يشكوا. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم. ... ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾ . [١٦] فلما نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسولَ الله ﷺ يحلفون

стр. 3182

بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعلم الله غير ذلك منهم، فأنزل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (١) التعليم بمعنى الإعلام؛ أي: أتخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يحتاج إلى إخباركم. ... ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ . [١٧] ثم أمر تعالى نبيه ﷺ أن ينفي مِنَّةَ الأعراب، فقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ أي: بإسلامكم، فنصب بنزع الخافض. ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ على ما زعمتم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إيمانكم، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله؛ أي: فلله المنة عليكم لا لكم. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما غاب فيهما.

стр. 3183

﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في سركم وعلانيتكم. قرأ ابن كثير: (يَعْمَلُونَ) بالغيب؛ لما في الآية من الغيبة عن النبي ﷺ ، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)، والله أعلم. ...

стр. 3184

سورة ق مكية بإجماع من المتأولين، وقيل: إلا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، فمدني، وآيها: خمس وأربعون آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وأربعة وسبعون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وخمس وسبعون كلمة. روي عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ : أنه قال: "مَنْ قرأ سورةَ ق هَوَّنَ الله عليه الموتَ وسَكَراتِه" (١) . وهذا أول المفصل عند الإمام أحمد، وأحد الأقوال المعتمدة عن أبي حنيفة، وتقدم التنبيه عليه في أول الحجرات عند ذكر الأقوال الأخرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾. [١] ﴿ق﴾ أبو جعفر على أصله في السكت يقف على (ق)، والكلام فيه كالكلام في (ص)؛ لأنهما في أسلوب واحد، واختلف في معناه، فقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، أو من أسماء القرآن، أو هو مفتاح

стр. 3185

أسماء الله تعالى التي هي القدير والقادر والقاهر والقريب والقابض، وقيل: هو جبل محيط بالأرض من زُمردة خضراء منه خضرة السماء، والسماء مقبيَّةٌ عليه، وعليه كنفاها، وقيل: معناه: قضي الأمر، وقضي ما هو كائن، كما قالوا في (حم)، وقيل: هو اسم السورة. ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ الكريم في أوصافه، ومن عمل بالقرآن مَجُدَ؛ أي: شَرُف على الناس، و (ق) مُقْسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم محذوف (١) تقديره: لَتبعَثُنَّ؛ لأنهم أنكروا البعث. قال ابن عطية (٢): و (٣) هذا قول حسن، ثم قال: وأحسنُ منه أن يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب بـ (بل)؛ كأنه قال: والقرآنِ المجيدِ ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان. ... ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾. [٢] ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ كفار مكة (٤) ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ مخوِّف ﴿مِنْهُمْ﴾ يعرفون نسبه وصدقه. ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي: قولُ محمد: إنا نحيا بعد الموت، وقيل: الضمير في (عَجِبُوا) لجميع الناس، مؤمنِهم وكافرِهم؛ لأن كل مفطور عجبَ من بعثة بشرٍ رسولَ الله، لكن المؤمنون نظروا واهتدوا،

стр. 3186

والكافرون بقوا في عمايتهم، وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. ... ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ . [٣] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ استفهام إنكار جوابه محذوف؛ أي: أنرجع إذا متنا وصرنا ترابًا؟ ثم أنكروا ذلك أصلًا، فقالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ﴾ إلى الحياة ﴿بَعِيدٌ﴾ عن العادة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (أَئِذا) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء، وفصل أبو جعفر، وأبو عمرو، وقالون بين الهمزتين بألف، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين، واختلف عن هشام في الفصل (١)، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِتْنَا) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢). ... ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ . [٤] قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ ما تأكل من لحومهم، وهو رَدٌّ لاستبعادهم.

стр. 3187

﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ محفوظ من الشياطين، جامع لم يفته شيء، وهو اللوح المحفوظ. في الحديث: "كلُّ ابنِ آدمَ يَبْلى إلا عَجْبَ الذَّنَب" (١)، وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم. قال ابن عطية: وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو الحق، وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، قال ابن عطية: وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله تعالى، ولو كانت غيرها، فكيف كانت تشهد الجلود والأيدي والأرجل على الكفرة؟ إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود (٢). وسئل شيخ الإسلام ابن حجر: هل الأجساد إذا بليت وفنيت، وأراد الله إعادتها كما كانت أولًا، هل تعود الأجساد الأول، أم يخلق الله للناس (٣) أجسادًا غير الأجساد الأول؟ فأجاب: إن الأجساد التي يعيدها الله هي الأجساد الأول، لا غيرها، قال: وهذا هو الصحيح، بل الصواب ومن قال غيره عندي، فقد أخطأ فيه؛ لمخالفته ظاهر القرآن والحديث.

стр. 3188

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ . [٥] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مضطرب، قالوا مرة: شعر، ومرة: كهانة، فلم يثبتوا على حال. ... ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ . [٦] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ معتبرين حين أنكروا البعث. ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ ظرف لـ (يَنْظُرُوا). ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ بلا عمد ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالكواكب. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ شقوق وصدوع، فهي مزينة سليمة من العيب. ... ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَالْأَرْضَ﴾ نصبٌ بمضمر يفسره ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ دَحَوْناها على وجه الماء. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من كل صنف حسن. ... ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ . [٨] ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي: جعلنا ذلك تبصرة ﴿وَذِكْرَى﴾ أي: تذكيرًا. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ رَجَّاع إلى طاعة الله تعالى.

стр. 3189

﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ كثيرَ البركة، وهو المطر. ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أشجارًا وثمارًا ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أي: وحب الزرع الذي من شأنه أن يُحصد. ... ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا في السماء ﴿لها طَلْعٌ﴾ ثمر، والطلع: أول ظهور (١) الثمر في أكمامه قبل أن ينشق، وهو أبيض كحب الرمان ﴿نَضِيدٌ﴾ أي: منضود بعضُه فوق بعض، فما دام ملتصقًا كذلك، فهو نضيد، فإذا خرج من أكمامه وتفرق، فليس بنضيد. ... ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ . [١١] ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ نصب على المصدر ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرضًا جدبة أنبتنا فيها الكلأ. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (٢). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإحياء ﴿الْخُرُوجُ﴾ من القبور.

стр. 3190

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبلَ قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قومٌ كان لهم بئر عظيمة، وهي الرس، وكل ما لم يُطْوَ من بئر أو معدن أو نحوه، فهو رَسٌّ، وتقدم ذكرهم في سورة الحج، وفي سورة الفرقان ﴿وَثَمُودُ﴾. ... ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ﴾ والمراد بفرعون: إياه وقومه. ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ وأخواته؛ لأنهم كانوا أصهاره. ... ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قوم شعيب ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تُبَّع الحِمْيَرِيُّ، ذم الله قومه، ولم يذمه؛ لأنه أسلم، وتقدم ذكر قصته في سورة الدخان. ﴿كُلٌّ﴾ من هؤلاء المذكورين ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كقريش ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ وجب نزول العذاب عليهم، وفيه تسلية للنبي ﷺ وتهديد لهم. قرأ ورش عن نافع: (وَعيِدِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١). ...
следующие страницы →