← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: الأرض (١) ﴿فَانٍ﴾ هالك. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (فانِي) و (آنِي) و (دانِي). * * * ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ﴾ أي: ذات ﴿رَبِّكَ﴾ ويعبر بالوجه عن الجملة. ﴿ذُو﴾ صفة (وَجْهُ)، ومعنى ذي ﴿الْجَلَالِ﴾ الذي يعظمه ويجله المؤمنون (٢) عن سمات المحدثات ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ الذي يكرم عبيده بالنعمة عليهم. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (والإِكْرامِ) بالإمالة حيث وقع (٣). ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يبقى وهو وجه ربك. * * * ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الكلُّ محتاجون إليه ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾

стр. 3292

نصب على الظرف ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي: كل حين ووقت يُحدِث أمورًا ويُجدد أحوالًا. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يسعف به سؤالكما. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾. [٣١] ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَيَفْرُغُ) بالياء؛ لقوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، و (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، و (وَلَهُ الْجَوَارِ)، فأتبع الخبر الخبر، وقرأ الباقون: بالنون (١) إخبارًا منه تعالى عن نفسه، وهو وعيد من الله سبحانه للخلق بالمحاسبة، وليس المراد منه الفراغ عن شغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الجن والإنس، سميا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياءً وأمواتًا، وكتب (أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ) في النور [الآية: ٣١] و (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ) في الزخرف [الآية: ٤٩]، و (أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ) هنا بغير ألف، وما سواها: (يَا أَيُّهَا)، و (يَا أَيَّتُهَا) بالألف. قرأ ابن عامر (أَيُّهُ) بضم الهاء على الإتباع لضمة الياء قبلها، وقرأ الباقون: بفتحها، ووقف أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب

стр. 3293

(أَيُّهَا) بالألف على الأصل خلافًا للرسم، ووقف عليها الباقون بالحذف إتباعًا للرسم (١). [٣٢] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ تخْرُجوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ﴾ أي: جوانب ﴿أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هاربين من قضائه تعالى ﴿فَانْفُذُوا﴾ فاخرجوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾ لا تقدرون على الخروج (٢) ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك؟! ... ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قدم هنا الجن على الإنس، وقال في سورة الإسراء ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الآية: ٨٨]، والتقديم يقتضي الأفضلية، ولكن الجن خلق قبل الأنس، ففي هذه السورة ترتيب الخلقة، لا ترتيب الفضيلة، وفي سورة الإسراء عكسه، وكذا قوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ

стр. 3294

أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وأولو العلم أفضل من الملائكة، ولكن قدمهم لتقدم الخلقة. ... ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ . [٣٥] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ لهب بلا دخان. قرأ ابن كثير: بكسر الشين، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، وجمع الضمير في (اسْتَطَعْتُمْ) نظرًا إلى معنى (الثَّقَلَيْنِ)، وثناه في (عَلَيْكُمَا) نظرًا إلى اللفظ (مِّن نَّار) صفة شواظ (وَنُحَاسٌ) هو الدخان. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بخفض السين عطفًا على النار، والباقون: بالرفع عطفًا على الشواظ (٢)، المعنى: إذا خرجتم من قبوركم، يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقانكما إلى المحشر ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ لا تمتنعان من ولوج النار. [٣٦] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ انفرجت فصارت أبوابًا لنزول الملائكة.

стр. 3295

﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ أي: حمراء؛ من الورد المعروف ﴿كَالدِّهَانِ﴾ الأديم الأحمر، وألوانه تختلف، قال قتادة: إنها اليوم خضراء، ويكون لها يومئذ لون آخر إلى الحمرة. ... ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يكون بعد ذلك. ... ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تنشق السماء ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ لأنهم يعرفون، فالمؤمن يعرف بغرته وتحجيله، والكفار بسيماهم على ما يأتي بعد. وعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] قال: "لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم: لمَ عملتم كذا وكذا؟ "، وعنه أيضًا: "لا يُسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يُسألون سؤالَ تقريع وتوبيخ" (١). ...

стр. 3296

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ بما أنعم على عباده المؤمنين في هذا اليوم. ... ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾ . [٤١] ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ بسواد الوجه وزرقة العيون ﴿فَيُؤْخَذُ﴾ المجرمُ ﴿بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي: يجمع بين ناصيته وقدميه من وراء ظهره، ثم يلقى في جهنم. [٤٢] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ثم يقال لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. ... ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾ بين النار يحترقون بها. ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماءٍ حار بلغ النهاية في الحرارة يُصب عليهم. ***

стр. 3297

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فكل ما ذكر الله من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فإنه مواعظ وتخويف، وكل ذلك نعمة منه تعالى؛ لأنه يزجر عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ . [٤٦] ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه للحساب (١) ﴿جَنَّتَانِ﴾ جنة عدن، وجنة النعيم. [٤٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾ . [٤٨] ثم وصف الجنتين فقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أغصان، جمع فنن، وهو الغصن المستقيم طولًا. [٤٩] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾. [٥٠] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ في الأعالي والأسافل بالماء الزلال، إحداهما السلسبيل، والأخرى التسنيم.

стр. 3298

[٥١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾ . [٥٢] ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ صنفان: رطب، ويابس، ونحوهما. قرأ يعقوب: (فِيهُمَا) بضم الهاء، والباقون: بكسرها (١). [٥٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾. [٥٤] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ﴾ جمع فراش ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة، وهي التي تلي الظِّهارة. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظ من الديباج، وظهائرها من سندس، وهو ما رَقَّ منه، وقيل: إن الإستبرق فارسي معرب. قرأ ورش عن نافع، ورويس عن يعقوب: (مِنِ اسْتَبْرَقٍ) بحذف الألف وكسر النون لإلقاء حركة الهمزة عليها، والباقون: بإسكان النون وكسر الألف وقطعها (٢). ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾ أي: ما يجتنى منهما، وهو الثمر.

стр. 3299

﴿دَانٍ﴾ قريب المتناوَل للقائم والقاعد والنائم. [٥٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾ . [٥٦] ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: فيهما وفي غيرهما من الجنان ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ خافضات (١) الأعين من النظر إلى غير أزواجهن، ولا يردن غيرهم. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ يمسسهن، والطمث: الجماع بالتدمية، ومنه قيل للحائض: طامث؛ كأنه قال: لم يُدْمِهن بالجماع. ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ قرأ الكسائي بخلاف عنه: (يَطْمُثْهُنَّ) بضم الميم في هذا الحرف والحرف الثاني، وروي عنه التخيير في أحدهما، بمعنى أنه إذا ضم الأول كسر الثاني، وإذا كسر الأول ضم الثاني، والوجهان ثابتان عنه من التخيير وغيره، وقرأ الباقون: بالكسر (٢)، وفي هذا دليل على أن الجن يغشى كالإنسي. [٥٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ...

стр. 3300

﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾ . [٥٨] ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ في حمرة الوجنة وبياض الوجه وصفائهما. عن رسول الله ﷺ : "لكلِّ رجلٍ منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهن دون لحمها ودمها وجلدها" (١). وروي: أن المرأة تلبس سبعين حلة، فيرى ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (٢) (٣). [٥٩] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾.

стр. 3301

[٦٠] ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ﴾ بالتوحيد (١) ﴿إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ بالجنة. [٦١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣)﴾ . [٦٢] ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي: من دون الجنتين الأوليين؛ أي: أمامهما. ﴿جَنَّتَانِ﴾ أخريان فالأوليان جنتا السابقين، والأخريان (٢) جنتا أصحاب اليمين. [٦٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥)﴾ . [٦٤] ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قد علا لونهما في دهمة وسواد من شدة الخضرة والري، نعت (جَنَّتَانِ). [٦٥] ﴿أبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧)﴾ . [٦٦] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ فوارتان بالماء لا ينقطعان. [٦٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ...

стр. 3302

﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾ . [٦٨] ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ﴾ وعطف على (فاكهة) (وَنخلٌ وَرُمَّانٌ) وإن كانا منها؛ تخصيصًا وبيانًا لفضلهما، فكأنهما قد صارا جنسين آخرين نحو ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]؛ فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، وثمرة الرمان فاكهة ودواء، واحتج به أبو حنيفة على أن من حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رطبًا أو رمانًا، لم يحنث؛ لأنه لا يجعلهما من الفاكهة، وكذا الحكم عنده في العنب، وهذا من مفردات مذهبه؛ خلافًا لصاحبيه والأئمة الثلاثة. [٦٩] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾ . [٧٠] ﴿فِيهِنَّ﴾ يعني: الجنان الأربع ﴿خَيْرَاتٌ﴾ أي: خَيِّرات -بالتشديد-, فخفف؛ لأن خَيْرًا الذي بمعنى أَخْيَرَ لا يجمع، فلا يقال فيه: خيرون، ولا خيرات. ﴿حِسَانٌ﴾ المعنى: فاضلات حسنات خَلْقًا وخُلُقًا. [٧١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣)﴾. [٧٢] ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ مخدَّرات مستورات لا ينظرن إلى غير أزواجهن.

стр. 3303

﴿فِي الْخِيَامِ﴾ جمع خيمة، وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ، قال عمر بن الخطاب ﵁: "هي دُرٌّ مجوف" (١)، ورواه ابن مسعود عن النبي ﷺ . [٧٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥)﴾ . [٧٤] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل أصحاب الجنتين. ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ كحور الأوليين، وتقدم تفسيره، ومذهب الكسائي فيه. [٧٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧)﴾. [٧٦] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الاختصاص أو الحال ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ هو ما تدلَّى من الأسرة من عالي الثياب والبسط، وقيل: هي رياض الجنة، قال ابن عطية (٢): والأول أصوب وأبين (٣).

стр. 3304

﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ هي بسط حسان فيها صور وغير ذلك، منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن، فينسبون إليه كل شيء عجيب، وقيل: العبقري: هي الزرابي، واحدتها عبقرية، والطنافس الثخان، والعرب إذا استحسنت شيئًا واستجادته، قالت: عبقري، قال ابن عطية (١): ومنه قول النبي ﷺ : "فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا من الناس يَفْري فَرْيَهُ" (٢). [٧٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته، فما ظنك بذاته. ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. قرأ ابن عامر: (ذُو الْجَلاَلِ) بواو بعد الذال كالحرف الأول نعتًا للاسم، وكذلك هو في المصاحف الشامية، وقرأ الباقون: (ذِي الْجَلاَلِ) بياء بعد الذال نعتًا للربّ، وكذلك هو في مصاحفهم (٣)، وهذا الموضع مما أريد فيه بالاسم مسماه، قال ﷺ : "أَلِظُّوا

стр. 3305

بِيا ذا الجلالِ والإكرامِ" (١)، والدعاء بهاتين الكلمتين مرجو الإجابة، والله أعلم. ...

стр. 3306

سورة الواقعة مكية بإجماع من يعتد به من المفسرين، وقيل: فيها بعض آيات مدنية، وليس بثابت، وآيها: ست وتسعون آية، وحروفها: ألف وسبع مئة وثلاثة أحرف، وكلمها ثلاث مئة وثمان وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ . [١] ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قامت القيامة، وسماها واقعة؛ لتحقق وقوعها، وتنصب (إذا) بمضمر مثل (اذكرْ)، وقال بعض المفسرين: الواقعة: صخرة بيت المقدس تقع عند القيامة (١). ... ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ . [٢] ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا﴾ لمجيئها ﴿كَاذِبَةٌ﴾ كذب؛ يعني: أنها تقع صدقًا. ...

стр. 3307

﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ . [٣] ﴿خَافِضَةٌ﴾ قومًا إلى النار ﴿رَافِعَةٌ﴾ آخرين إلى الجنة. ... ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ . [٤] وتبدل من ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ ﴿إِذَا رُجَّتِ﴾ حُرِّكت ﴿الْأَرْضُ رَجًّا﴾ تحريكًا شديدًا. ... ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ . [٥] ﴿وَبُسَّتِ﴾ فُتِّتتْ ﴿الْجِبَالُ بَسًّا﴾ فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. ... ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ . [٦] ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً﴾ أي (١): غبارًا ﴿مُنْبَثًّا﴾ متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس. ... ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ . [٧] ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ﴿ثَلَاثَةً﴾. ...

стр. 3308

﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾ . [٨] ثم فسر الأزواج فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ الذين يؤتَون كتبَهم بأيمانهم، ثم عَجَّب نبيه ﷺ فقال: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ كأنه قال: ماهم، وأي شيء هم؟! وقوله (فأصحابُ الميمنةِ) ابتداء، و (ما) ابتداء ثان، وأصحاب الميمنة خبر (ما)، والجملة خبر الابتداء الأول، في الكلام معنى التعظيم؛ كما تقول: زيد و (١) ما زيد؟! ... ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. [٩] ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ الذين يؤتَونها بشمالهم. ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ وهم الذين يؤخذ بهم ذاتَ الشمال إلى النار، والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤم (٢)، ومنه سمي الشام واليمن؛ لأن اليمن عن يمين الكعبة، والشام عن شمالها. ... ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. [١٠] ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الإيمان من كل أمة هم ﴿السَّابِقُونَ﴾ إلى الجنة. ...

стр. 3309

﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ . [١١] ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ إلى الله. ** ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ قد أُعليت مراتبُهم. ... ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة كثيرة غير محصورة العدد ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: من الأمم الماضية من لدن آدم ﵇ إلى زمان نبينا محمد ﷺ ، واشتقاقها من الثَّلِّ، وهو القطع. ... ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ ، ولا يخالف ذلك قوله ﵇: "إِنَّ أمتي يكثرون سائرَ الأُمم" (١)؛ لجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثرُ من سابقي هذه الأمة، وتابعو هذه أكثر من تابعيهم، ولا يرده قوله في أصحاب اليمين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ لأن كثرة الفريقين لا ينافي أكثرية أحدهما، وروي مرفوعًا أنهما من هذه الأمة، وقيل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأنبياء من آدم إلى محمد، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يعني: الصحابة؛ لأن الأولين هم الأنبياء السابقون، وهم مئة

стр. 3310

ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، فالصحابة بالنسبة إليهم قليل، وهذا قول حسن صحيح للمناظرة، المعنى: جماعة من المتقدمين والمتأخرين. ... ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة بالذهب مشتبكة بالدرِّ والياقوت. ... ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ حالان من الضمير في (عَلَى). قرأ أبو جعفر: (مُتَّكِينَ) بإسكان الياء بغير همز، والباقون: بالهمز (١). ... ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ للخدمة ﴿وِلْدَانٌ﴾ غلمان ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مبقَون معهم. ... ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ الكوب: إناء لا عروة ولا خرطوم له ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ هي آنية لها ذلك ﴿وَكَأْسٍ﴾ يشربونها من خمر جارية ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ منبع لا ينقطع أبدًا. ... ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿لَا يُصَدَّعُونَ﴾ لا يفرَّقون ﴿عَنْهَا﴾ بسكر ولا غيره كخمر الدنيا.

стр. 3311

﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ قرأ الكوفيون: بكسر الزاي؛ أي: لا يَنْفَد شربهم (١)، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ أي: لا تغلبهم على عقولهم. ... ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يختارون. ... ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ يتمنون، قال ابن عباس: "يخطر على قلبه لحمُ الطير، فيصير بين يديه على ما اشتهى (٣) " (٤). ... ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وأبو جعفر: بخفض الاسمين عطفًا على (جَنَّاتِ النَّعِيمِ)؛ أي: هم في جنات النعيم، ومحادثةِ حور عين، وقرأهما الباقون: بالرفع (٥)؛ أي: وعندهم حورٌ عين وتفسير حور عين (٦) أي: بِيضٌ ضِخامُ العيون.

стр. 3312

﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ المخزونُ في الصدف، وخص المكنون من اللؤلؤ؛ لأنه أصفى لونًا، وأبعدُ عن الغير. وتقدم مذهب أبي جعفر، وأبي عمرو في إبدال همزة (اللُّؤلُؤ) في سورة الرحمن [الآية: ٢٢]. ... ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إن هذه الرتب والنعم هي لهم بحسب أعمالهم؛ لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة هي منقسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله، لا بعمل عامل. ... ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ باطلًا ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ إثمًا؛ أي: ما يُحدث الإثم. ... ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع؛ أي: قولًا، وتبدل من (قِيلًا). ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ أي: يفشون السلام بينهم، ويسلمون سلامًا بعد سلام، فلا يسمع إلا السلام. ***

стр. 3313

﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ هم المسلمون. ... ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿فِي سِدْرٍ﴾ هو شجر النبق ﴿مَخْضُودٍ﴾ لا شوكَ فيه. ... ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَطَلْحٍ﴾ هو الموز في قول أكثر المفسرين ﴿مَنْضُودٍ﴾ متراكم بالثمرة من أسفله إلى أعلاه. ... ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي دائم. ... ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ يجري على الأرض أين شاؤوا بلا تعب. ... ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ كثيرة الأجناس. ***

стр. 3314

﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ في زمن ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ عنهم. ... ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ على الأسرة، في الحديث: "ارتفاعُها كما بينَ السماء والأرض" (١). ... ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ ابتدأنا خلقهن، في الحديث: "هم اللواتي قُبضن في دار الدنيا عجائزَ شُمْطًا رُمْصًا" (٢) ﴿إِنْشَاءً﴾ خلقًا جديدًا. ...

стр. 3315

﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ بعد أن كنَّ عجائزَ ﴿أَبْكَارًا﴾ عذارى، كلما أتاهن أزواجهن، وجدوهن أبكارًا، ولا وجع ثَمَّ. ... ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿عُرُبًا﴾ قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بإسكان الراء تخفيفًا، والباقون: بضمها على الأصل (١)، وهي جمع عَروب؛ أي: عواشق متحببات لأزواجهن ﴿أَتْرَابًا﴾ جمع تِرْب؛ أي: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وسن أزواجهن كذلك. قال ﷺ : "يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ جُرْدًا مُرْدًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أبناءَ ثلاث وثلاثين، على طول آدم، طوله ستون ذراعًا في سبعة أذرع" (٢). وروي أن الرجل يرى وجهه في وجه زوجته؛ لصفائه. وقيل: الضمير عائد على الحور العين المذكورات قبل، قال ابن عطية: وهذا فيه بعد؛ لأن تلك قصة قد انقضت جملة (٣).

стр. 3316

﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ هم المسلمون، واللام صلة (أَنْشَأْنَاهُنَّ). ... ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. [٣٩] ﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. ... ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ وهاتان الفرقتان في أمة محمد ﷺ ، وروي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلتان من أمتي" (١)، فعلى هذا: التابعون بإحسان، ومن جرى مجراهم ثلة أولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان، وقيل: الأولون سالف الأمم منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون هذه الأمة منهم جماعة عظيمة أهل يمين، قال ابن عطية: بل جميعهم إلا من كان من السابقين (٢). ... ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ هم الكفار. ...

стр. 3317

﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿فِي سَمُومٍ﴾ ريح حارة من النار تنفذ في المسام ﴿وَحَمِيمٍ﴾ ماء في غاية الحر. ... ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ دخان أسود. ... ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿لَا بَارِدٍ﴾ كغيره من الظلال ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ حسن. ... ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدنيا ﴿مُتْرَفِينَ﴾ منعَّمين. ... ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ يقيمون. ﴿عَلَى الْحِنْثِ﴾ الذنب ﴿الْعَظِيمِ﴾ بجعل الشريك لله تعالى. ... ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ محشورون،

стр. 3318

قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. واختلف القراء في (أَئِذَا) (أَئِنَّا)، فقرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، ويعقوب؛ بالاستفهام في الأول، والإخبار في الثاني، وقرأ الباقون: بالاستفهام فيهما، وهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل، وإدخال الألف كما تقدم في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واختلفوا في كسر الميم وضمها من (متنا)، فقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بالكسر، والباقون: بالضم (١). ... ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الأقدمون، وتقدم تفسيره، ومذاهب القراء فيه، وتوجيه قراءتهم في سورة الصافات. ... ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ثم أمر الله نبيه أن يُعْلِمهم بأن العالم محشور مبعوث إلى يوم القيامة، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾. ... ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ﴾ وقت ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ هو يوم القيامة.

стр. 3319

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ثم خاطب أهل مكة بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث. ... ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ . [٥٢] ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ (مِنْ) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس، وتقدم ذكر شجرة الزقوم في سورة الصافات. ... ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ من جماعة الشجر، و (مِنْ) للتبعيض ﴿الْبُطُونَ﴾ من شدة الجوع. قرأ أبو جعفر: (فَمَالُونَ) بضم اللام بغير همز، والباقون: بكسر اللام والهمز. ... ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ على الزقوم؛ لغلبة العطش ﴿مِنَ الْحَمِيمِ﴾ الماء الحار. ... ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم، وحمزة:

стр. 3320

(شُرْبَ) بضم الشين اسم للمشروب، والباقون: بالفتح على المصدر (١)، و (الهيم): إبل يصيبها داء يقال له الهيام، تشرب الماء فلا تروى، ولا تزال تشرب حتى تهلك. ... ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ رزقهم المعَدُّ لهم ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء بأعمالهم. ... ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ثم احتج عليهم في البعث بقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا﴾ فهلَّا (٢) ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ بالبعث؛ لأنكم إذا نظرتم النظر الصحيح، علمتم أن القادر على الإنشاء قادرٌ على الإعادة. ... ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ تَصُبُّون في أرحام النساء من المني الذي يكون منه الولد. ...

стр. 3321

﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ تجعلون المني بشرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) في الأحرف الأربعة كاختلافهم فيهما من (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنَا) في سورة الأنبياء [الآية: ٦٢]. ... ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ قرأ ابن كثير بتخفيف الدال، والباقون: بتشديدها (١)، وهما لغتان؛ أي: قضينا. ﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وأَقَّتنا موتَ كلٍّ بوقت معين ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بعاجزين. ... ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ أي: نجعل ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ مكانكم ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ نخلقكم. ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أوصاف لا يصلُها علمُكم، ولا يحيط بها فكركم، قال الحسن: من كونهم قردة وخنازير، تأول هذا؛ لأن الآية تنحو إلى الوعيد (٢). ...

стр. 3322

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ الخلق في الرحم. وتقدم اختلاف القراء في (النَّشْأَة) في سورة العنكبوت [الآية: ٢٠]. ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تعتبرون فتؤمنون. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذْكُرُون) بتخفيف الذال، والباقون: بتشديدها (١). ... ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ تثيرون من الأرض، وتلقون فيها من البذر. ... ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ﴾ تنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ المنبِتون. ... ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ فُتاتًا ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. قرأ البزي عن ابن كثير بخلاف عنه: (فَظَلْتُمُ تّفَكَّهُونَ) بتشديد التاء. ...

стр. 3323

﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿إِنَّا﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: (أَئِنَّا) بهمزتين محققتين، إحداهما استفهام إنكار للعذاب الواقع بهم، وقرأ الباقون: بهمزة واحدة إخبار بمعنى الإنكار والجحود أيضًا، والقول مضمر على القراءتين؛ أي: يقولون: إنا (١). ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ معذَّبون، والغرام: العذاب. ... ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿بَلْ نَحْنُ﴾ قوم ﴿مَحْرُومُونَ﴾ ممنوعون من الرزق. ... ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ العذبَ ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ أي: تشربونه. ... ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ السحاب ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ بقدرتنا. ... ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ شديد الملوحة، وتثبت اللام جوابًا (٢) لـ (لو)

стр. 3324

في (لَجَعْلنَاهُ حُطَامًا)، وحذفت في هذا الحرف اختصارًا؛ لدلالة الموجودة عليها. ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ. ... ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ تقدحونها من زندكم. ... ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ التي يُقدح منها النار، وهي المرخ والعفار، وتقدم ذكرهما في آخر سورة (يس) ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ الشجرةَ. قرأ أبو جعفر: (الْمُنْشُونَ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (١). ... ﴿نحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾ أي: النارَ ﴿تذْكِرَةً﴾ لنار جهنم. ﴿وَمَتَاعًا﴾ منفعة ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أي: المسافرين الذين ينزلون القواء، وهي القفر. ...

стр. 3325

﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الباء زائدة؛ أي: نَرِّه ربك. ﴿الْعَظِيمِ﴾ والعظيم صفة للاسم، أو الرب. ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: أقسم، و (لا) زائدة، وقيل: قوله: (فلا) رد لما قاله الكفار في القرآن أنه سحر وشعر وكهانة، معناه: ليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أقسم. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قرأ السوسي عن أبي عمرو: (أُقْسِمْ) بإسكان الميم عند الباء حيث وقع، وتقدم الكلام عليه في الكهف، وقرأ حمزة والكسائي (١) وخلف: (بِمَوْقِعِ النُّجُومِ) بإسكان الواو من غير ألف على التوحيد، والباقون: بفتح الواو وألف بعدها على الجمع (٢)، والمراد: نجوم القرآن حين نزلت فإنه كان ينزل على رسول الله ﷺ متفرقًا نجومًا، وهذا قول ابن عباس، وقال جماعة: المراد: مغارب النجوم ومساقطها. ... ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ . [٧٦] ثم اعترض بين القسم وجوابه بموصوف وصفته، وهو:

стр. 3326

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ ثم اعترض بين الموصوف وصفته بقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ لأن صفته ﴿عَظِيمٌ﴾. ... ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ . [٧٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ على الله؛ لكثرة ما فيه من التنزيه والمواعظ والأحكام. ... ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿فِي كِتَابٍ﴾ صفة قرآن ﴿مَكْنُونٍ﴾ مَصون، وهو اللوح المحفوظ. ... ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: ذلك الكتابَ المكنونَ ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهم الملائكة ﵈ الموصوفون بالطهارة، وقيل: قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ إخبار مضمنه النهي، وضمة السين تعود إلى القرآن؛ أي: لا يمس المصحف من بني آدم إلا الطاهرُ من الكفر والجنابة والحدث الأصغر، وضعَّفَ ابن عطية هذا القول (١). وأما حكم مسِّ المصحف بعلاقة (٢)، فقال أبو حنيفة: يجوز للجنب والمحدث والحائض حمل المصحف بعلاقة (٣)، ولا بأس أن يمسه

стр. 3327

بكمه، وقال مالك: لا يجوز لمحدث حدث الوضوء فما فوقه أن يمس المصحف، ولا يحمله بعلاقته، ولا على وسادة، ولا بأس بحمله (١) في خرجه وعدله، ولا بأس بحمل الصبيان المصاحف على غير طهارة، ولا تمسه حائض، وقال الشافعي: يحرم بالحدث والجنابة حمل المصحف، ومسُّ ورقه، وكذا جلده، وخريطة وصندوق فيهما مصحف، وما كتب لدرس قرآن؛ كلوح، والصبي المحدث لا يمنع، ويباح قلب ورقه بعود، وحمله في أمتعة، ويحرم بالحيض ما يحرم بالجنابة، وقال أحمد: يحرم على المحدث والجنب مس المصحف وبعضِه من غير حائل، حتى جلده وحواشيه (٢)، وهو أشبه؛ لشمول اسم المصحف له، وله حمله بعلاقته، وفي غلافه، وفي كمه، وتصفحه به، وبعود، ومسه من وراء حائل، ويباح لصغير مس لوح فيه قرآن، وحكمه في المصحف كالرجل، ولا تمسسه حائض مطلقًا. وأما قراءة القرآن للجنب والحائض، فقال أبو حنيفة: لا يجوز للجنب قراءة القرآن، ولا بأس أن يقرأ شيئًا منه ولا يريد به القرآن؛ كالبسملة، والحمدلة، والحائض كالجنب، وقال مالك: لا يجوز للجنب أن يقرأ الكثير من القرآن، ولا بأس بقراءة اليسير؛ كالآية والآيتين ونحوهما، وعنه في قراءة الحائض روايتان: المشهور جواز القراءة لها، وقال الشافعي: يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن، ويحل أذكاره بغير قصد قرآن، وقال أحمد: يجوز للجنب قراءة بعض آية، ولو كرر، ما لم يتحيل (٣)

стр. 3328

على قراءة محرم عليه، وله قولٌ ذكر وما وافق قرآنًا ولم يقصده، ويحرم على الحائض مطلقًا. ... ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: القرآن منزَّلٌ. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سمي المنزل تنزيلًا على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: قَدَر، وللمخلوق: خَلْق، على قول من يجيزه، وتقدم الكلام في ذلك في سورة الزمر. ... ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾ . [٨١] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن. ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون مكذبون، وأصله الجري في الباطل خداعًا. ... ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ونزل لما قيل: مطرنا بنوء كذا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ شكركم. ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تجعلون شكر رزقكم التكذيبَ. قال ﷺ : "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريقٌ من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث، فيقولون: بكوكب كذا وكذا" (١)، فالسنة أن يقول: مُطرنا بفضل الله وبرحمته.

стр. 3329

﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ . [٨٣] ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾ الروحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ الحلقَ. ... ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿وَأَنْتُمْ﴾ يا حاضري الميت ﴿حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ إليه ولا تنفعونه. ... ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ علمًا وقدرة منكم ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ الملائكة. ... ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿فَلَوْلَا﴾ كررت للتأكيد ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مملوكين أذلاء. ... ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي: تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تدعون من عدم القدرة عليكم، فأجاب عن قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وعن قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد، ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] أجيبا بجواب واحد.

стр. 3330

﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ثم بين طبقات الخلق عند الموت، وبين درجاتهم، فقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميتُ ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إلى رحمة الله تعالى. ... ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ . [٨٩] وجواب (أَمّا): ﴿فَرَوْحٌ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (فَرُوحٌ) بضم الراء؛ أي: فله حياة طيبة لا موت فيها، وقرأ الباقون: بالفتح (١)؛ أي: فله راحة من كل تعب. ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ رزق طيب ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ذات تنعم، وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (وَجَنَّهْ) بالهاء. ... ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾ . [٩٠] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميتُ [﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. ... ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. [٩١] ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: سلامة لك من الاغتمام لهم، فلا ترى فيهم إلا السلامة من العذاب] (٢).
следующие страницы →