نصف صاع بر، أو صاع من تمر، أو شعير، أو قيمة ذلك فدية تصرف للمساكين، وليس للمدفوع إليه عدد مخصوص، فيجوز أن يدفع لمسكين واحد الفدية عن عدة صلوات، ولا يجوز أن تدفع فدية صلاة لأكثر من مسكين، ثم لا بد من الإيصاء بذلك، فلو تبرع الورثة بذلك، جاز من غير لزوم، وهو من مفردات مذهبه، وهو (١) خلاف (٢) للثلاثة.
* * *
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ في ميزانه يوم القيامة.
* * *
﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي: يُجزى (٣) العبدُ سعيَه ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ الأكملَ، والقراءة بفتح (أَنَّ) على أن (٤) هذا كله في صحف موسى.
* * *
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي: الانتهاء، وهو رجوع الخلائق إليه تعالى بعد الموت، فيجازيهم.
стр. 3257
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾
[٤٣] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ذكر الضحك والبكاء؛ لأنهما صفتان تجمعان أوصافًا كثيرة من الناس؛ إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى بهاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده.
* * *
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ﴾ في الدنيا.
﴿وَأَحْيَا﴾ للبعث، فلا يقدر على الإماتة والإحياء غيره.
* * *
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ من كل حيوان.
* * *
﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ تُراق في الرحم.
* * *
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ الخلقة ﴿الْأُخْرَى﴾ للبعث بعد الموت. وتقدم اختلاف القراء في (النَّشْأَةَ) في سورة العنكبوت.
стр. 3258
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾ الناسَ بالكفاية والأموال.
﴿وَأَقْنَى﴾ أعطى القُنية وما يدخرونه بعد الكفاية.
* * *
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهو كوكب خلف الجوزاء، وهما شعريان، يقال لأحدهما: العبور، وهي اليمانية، وللأخرى: الغميصاء، والمراد هنا: العبور، وهي أشد ضياء، عبدها أبو كبشة من خزاعة، وخالف قريشًا في عبادة الأوثان، فلذلك كانوا يسمون النبي ﷺ : ابن أبي كبشة؛ لخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنَّه هُّوَ) بإدغام الهاء في الهاء في الأحرف الأربعة؛ بخلاف عن رويس (١).
* * *
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (عادً الأُولى) بإدغام التنوين في اللام وتشديدها مضمومة بلا همز بعدها، على أنهم لم يحركوا التنوين؛ لالتقاء الساكنين، بل أدغموه في لام التعريف بعد أن حركوا اللام بحركة الهمزة التي هي فاء الفعل حتى ساغ
стр. 3259
الإدغام فيه، وقرأ الباقون وهم: ابن كثير، والكوفيون، وابن عامر: بكسر التنوين؛ لاجتماع الساكنين، وإسكان اللام، وتحقيق الهمزة بعدها (١)، وهذا حكم الوصل، وأما حكم الابتداء، فيجوز في مذهب أبي عمرو، ويعقوب، وقالون، وأبي جعفر إذا لم يهمزوا الواو ثلاثةُ أوجه: (ألُولى) بإثبات همزة الوصل وضم اللام بعدها، الثاني: (لُولَى) بضم اللام وحذف همزة الوصل قبلها اكتفاء عنها بتلك الحركة، الثالث: (الأُولَى) ترد الكلمة إلى أصلها، فتأتي بهمزة الوصل وإسكان اللام وتحقيق الهمزة المضمومة بعدها، وعن قالون في الابتداء بها في وجه همز الواو [ثلاثة أوجه: الأول: (الُؤْلَى) بهمزة الوصل وضم اللام وهمزة ساكنة على الواو] (٢)، والثاني: (لُؤْلَى) بضم اللام وحذف همزة الوصل وهمز الواو، الثالث: (الأُولَى) كوجه أبي عمرو الثالث، وعن أبي جعفر في هذه الأوجه الثلاثة خلاف، وكلهم يقف على (عادًا) بالألف؛ لأنها بدل من التنوين؛ لأنه اسم رجل، وعاد الأولى هم قوم هود، أُهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادًا الأولى.
* * *
﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿وَثَمُودَ﴾ هم قوم صالح، أهلكهم الله بالصيحة. قرأ عاصم،
стр. 3260
وحمزة، ويعقوب: بغير تنوين: اسم للقبيلة، وقرأ الباقون: بالتنوين (١): اسم للأب، منصوب بأهلكنا مقدرة، وكل من نَوَّنَ وقف بالألف، ومن لم ينون، وقف بغير ألف، وإن كانت مرسومة، فبذلك جاءت الرواية عنهم منصوصة ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ منهم أحدًا.
* * *
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أهلكناهم أيضًا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبلَ عاد وثمود ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ لطولِ دعوة نوح إياهم، وعتوِّهم على الله بالمعصية والتكذيب.
* * *
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ قرى قوم لوط. قرأ أبو جعفر: (والْمُوْتَفِكَةَ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز، واختلف عن قالون (٢).
﴿أَهْوَى﴾ أسقطَ؛ لأنَّ جبريل ﵇ رفعها إلى السماء، ثم أسقطها مقلوبة إلى الأرض.
стр. 3261
﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿فَغَشَّاهَا﴾ ألبسَها اللهُ ﴿مَا غَشَّى﴾ ولم يذكر المغشَّى؛ تهويلًا لشأنه.
* * *
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾ أي: أَنْعُمه الدالة على الوحدانية أيها الإنسان ﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: غيره. قرأ يعقوب: (رَبِّك تَّمارَى) بتاء واحدة مشددة حيث قرأها بالوصل، وأما إذا ابتدأ بقوله (تَتَمَارَى)، أظهر التاءين جميعًا؛ لموافقة الرسم والأصل، وبذلك قرأ الباقون (١)؛ فإن الإدغام إنما يتأتى في الوصل، وهذا بخلاف الابتداء بتاءات البزي في البقرة؛ فإنها مرسومة بتاء واحدة، فكان الابتداء كذلك موافقة للرسم، فلفظ الجميع في الوصل واحد، والابتداء مختلف؛ لما ذكر.
* * *
﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ هو محمد ﷺ ﴿مِنَ النُّذُرِ﴾ أي: الرسل.
﴿الْأُولَى﴾ يعني: من جنسهم أُرسل إليكم كما أُرسلوا إلى أقوامهم.
﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ سجودَ التلاوة، أو صلوا المفروضات ﴿وَاعْبُدُوا﴾ وحِّدوا، وهذا محل سجود عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وهو قول عمر بن الخطاب؛ لأنه صح عن رسول الله ﷺ أنه سجد بالنجم، وليس يراها مالك ﵀؛ لما روي عن زيد بن ثابت ﵁: "أنه قرأ على النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فلم يسجد فيها" (١)، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة هل هو واجب أو مسنون عند سجدة مريم، والله سبحانه أعلم.
стр. 3264
سورة القمر
مكية، وقال بعضهم: إلا قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية، وآيها: خمس وخمسون آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وثلاثة وعشرون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة واثنتان وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ .
[١] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ دَنَت القيامة ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
* * *
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ .
[٢] روي أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُريهم آية، فأرأهم القمر شقتين حتى رأوا حِراءَ بينهما (١)، ورئي فرقتين: فرقة على قُعَيْقِعان، وفرقة على أبي قُبَيْس (٢)، فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السُّفَّار،
стр. 3265
فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه (١)، فنزلت الآية:
﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ أي: قريش ﴿آيَةً﴾ دالةً على معجزة محمد ﷺ ؛ كانشقاق القمر ﴿يُعْرِضُوا﴾ عن الإيمان بها.
﴿وَيَقُولُوا﴾ هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ذاهب، سوف يبطل؛ من قولهم: مر: إذا ذهب، وقيل: معناه: دائمٌ متمادٍ، ومعنى تسمية ما جاءت به الأنبياء معجزة: هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بها.
* * *
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَكَذَّبُوا﴾ النبي ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الباطل.
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ﴾ من الخير والشر ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ بأهله في الجنة أو في (٢) النار. قرأ أبو جعفر: (مُسْتَقرّ) بخفض الراء نعتًا لـ (أَمْرٍ)؛ أي: اقتربت الساعة، واقترب كل أمر مستقرٍّ يستقرُّ ويتبين حاله، وقرأ الباقون: برفعها على المعنى الأول (٣).
стр. 3266
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ في القرآن ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ المتقدمة عن الأمم الماضية.
﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ مُتَّعظ، زجرته وازدجرته: نهيته.
* * *
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ .
[٥] ﴿حِكْمَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا حكمة.
﴿بَالِغَةٌ﴾ تامة قد بلغت الغاية.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفي واستفهام توبيخ. وقف يعقوب (تُغْنِي) بإثبات الياء، والنذر: جمع نذير (١).
* * *
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾ .
[٦] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تذهب نفسُك عليهم حسرات، وتم القول في قوله: (عَنْهُمْ)، ثم ابتدأ وعيدهم فقال:
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ هو إسرافيل ﵇، ونصب (يَوْمَ) بـ: اذكر مقدرة. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: (الدَّاعِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب والبزي: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (٢).
стр. 3267
﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ فظيع، تنكره النفوس؛ لأنها لم تعهَدْ مثله. قرأ ابن كثير: (نُكْرٍ) بإسكان الكاف، والباقون: بضمها (١).
* * *
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾ .
[٧] ﴿خُشَّعًا﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف: (خاشِعًا) بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين بعدها مخففة على الواحد، وقرأ الباقون: (خُشَّعًا) بضم الخاء وفتح الشين مشددة من غير ألف (٢)، جمع خاشع، حال العاملُ فيها (يدْعُو)، وصاحب الحال ضميرٌ محذوف تقديره: يدعوهم الداعي، ولم يؤنث خاشع؛ لأنَّ تأنيثه غير حقيقي.
﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب، وخص الأبصار بالخشوع؛ لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في الإنسان من حياء أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر.
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ والقبور ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ لكثرتهم وما بهم من الخوف والحيرة.
﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مُنْبَثٌّ لا يدرون أين يذهبون.
стр. 3268
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ .
[٨] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ حال من (يَخْرُجُونَ)؛ أي: مسرعين مادِّي أعناقهم.
﴿إِلَى الدَّاعِ﴾ إلى صوت إسرافيل. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (الدَّاعِي) بإثبات الياء، وابن كثير ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١).
﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ صعب شديد.
* * *
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبلَ قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ نوحًا؛ أي: كذبوه تكذيبًا بعد تكذيب، فكان كلما ذهب قرن مكذِّب، تبعه قرن مكذِّب.
﴿وَقَالُوا﴾ هو ﴿مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ انْتُهِر وزُجر عن التبليغ بأنواع الأذية.
* * *
﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿فَدَعَا﴾ نوحٌ ﴿رَبَّهُ﴾ منتصرًا عليهم ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ لي منهم.
стр. 3269
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ .
[١١] ﴿فَفَتَحْنَا﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (١) ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كثيرٍ سريع الانصباب، لم ينقطع أربعين يومًا.
* * *
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ أي: جعلنا ﴿الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ كلها تنبع. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (عِيُونًا) بكسر العين، والباقون: بضمها (٢) ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أي: ماء الأرض وماء السماء، فصارا ماء واحدًا.
﴿عَلَى أَمْرٍ﴾ أي: حال ﴿قَدْ قُدِرَ﴾ مضى عليهم، وهو الغرق.
* * *
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَحَمَلْنَاه﴾ أي: نوحًا ﴿عَلَى﴾ سفينة ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ هي خشباتها العِراض.
﴿وَدُسُرٍ﴾ جمع دِسار؛ أي: المسامير التي تشد بها الألواح.
стр. 3270
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وحمايتنا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابًا لمن جُحِد أمرُه، وهو نوح ﷺ .
* * *
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ أي: أبقينا السفينة بباقَرْدَى من بلد الجزيرة حتى أبصرها أوائل هذه الأمة، أو أبقينا الفعلة بقوم نوح.
﴿آيَةً﴾ يُعتبر بها ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ معتبرٍ خائفٍ مثلَ عقوبتهم.
* * *
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ استفهام تعظيم، ووعيد لقريش، والنذر هنا جمع نذير، المعنى: كيف كان عاقبة إنذاري لمن لم يحصل به كأنتم أيها القوم. قرأ ورش عن نافع: (وَنُذُرِي) في الأحرف الستة بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١).
стр. 3271
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ سهَّلناه للتلاوة والحفظ عن ظهر قلب.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ استدعاء وحض على ذكره وحفظه؛ لتكون زواجره وعلومه وهدايته حاضرة في النفس، وقيل: معناه: هل من طالب علم، فيعان عليه.
* * *
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ وهي قبيلة، وتقدم قَصَصُها.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله.
* * *
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدةَ الهبوب.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ صفته؛ أي: دائم الشؤم.
* * *
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ تقلَعُهم عن أماكنهم؛ لأنهم كانوا يدخلون الشعاب، ويحفرون الحفر يندسون فيها، فكانت الريح تقلعهم، وتصرعهم على رؤوسهم، فتدقُّ رقابهم، فَيَبين الرأس عن الجسد.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ﴾ أصولُ ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ منقلع، وشبهوا بالنخل؛ لطولهم،
стр. 3272
وذكر منقعر حملًا على لفظ (نخل)، ولو حمل على المعنى، لأنث؛ كـ ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
* * *
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ كرره للتهويل.
* * *
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ تقدم تفسيره.
* * *
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ بالإنذار الذي جاءهم به صالح ﵇.
قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام: (كَذَّبَت ثَّمُودُ) بإدغام التاء في الثاء، واختلف عن ابن ذكوان، وقرأ الباقون: بالإظهار (١).
* * *
﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا﴾ وانتصابُه بفعل يفسره.
﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ونحن جماعة كثيرة، فكيف نتبعه وهو واحد منا، وليس بملك؟
стр. 3273
﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ﴾ خطأٍ ﴿وَسُعُرٍ﴾ جنون إن اتبعناه.
* * *
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ﴾ الوحيُ ﴿عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ونحن أحقُّ به منه. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأُلْقِيَ) كاختلافهم فيهما من (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) في سورة ص [الآية: ٨] ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ في قوله، ﴿أَشِرٌ﴾ متكبر بَطِر.
* * *
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة: (سَتَعْلَمُونَ) بالخطاب على معنى: قل يا صالح لهم، وقرأ الباقون: بالغيب؛ أي: يقول الله: سيعلمون (١).
﴿غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وقوله: (غَدًا) تقريب يريد به الزمان المستقبل، لا يومًا بعينه (٢).
* * *
﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ مخرجوها، وذلك أنهم تعنتوا على صالح،
стр. 3274
فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال الله لهم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾.
﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ اختبارًا لهم ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظر هلاكهم ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم.
* * *
﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ﴾ مقسوم ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وبين الناقة، فيومٌ لهم ويومٌ لها.
﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ نصيب من الماء ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يحضره من كان نوبته، هم أو الناقة.
* * *
﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فهموا بقتلها ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ قدار بن سالف.
﴿فَتَعَاطَى﴾ فتناول الناقة بسيفه ﴿فَعَقَرَ﴾ الناقة؛ أي: قتلها.
* * *
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
* * *
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾ .
[٣١] ثم بين عذابهم فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ هي صيحة جبريل ﵇ ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ هو الرجل يجعل لغنمه
стр. 3275
حظيرة من الشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم، فهو هشيم، وقيل: هو يبس الشجر إذا تحطم.
* * *
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
* * *
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾.
* * *
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: لوطًا وابنتيه، والاستثناء منقطع.
﴿نَجَّيْنَاهُمْ﴾ من العذاب ﴿بِسَحَرٍ﴾ وهو السدس الآخر من الليل.
* * *
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿نِعْمَةً﴾ أي: جعلناه نعمة عليهم ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ حيث أنجيناهم.
﴿كَذَلِكَ﴾ كما أنعمنا على آل لوط ﴿نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أَنْعُمَنا، وهو مؤمن.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ كرر ذلك في كل قصة؛ لأن التخويف والوعظ متى كررا، كانا أوقع في القلوب، وأردع للنفوس.
* * *
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ هما موسى وهارون. واختلاف القراء في الهمزتين من (جاءَ آلَ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ) في سورة الحج [الآية: ٦٥].
* * *
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿كَذَّبُوا﴾ أي: كذب فرعون وقومه ﴿بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني: الآيات التسع، وهي: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وحل عقدة من لسانه، وانفلاق البحر.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ غالب في انتقامه ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر على إهلاكهم.
* * *
﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ يا قريش ﴿خَيْرٌ﴾ أشد وأعظم ﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ المذكورين من قوم نوح إلى فرعون؟! وهذا استفهام بمعنى الإنكار.
стр. 3278
﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ﴾ من العذاب ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أي: الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.
* * *
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ جهلًا منهم ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أي: جماعة أمرنا مجتمع ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ أي: ممتنع لا نُضام، ووحد منتصر؛ لأنه وصف للفظ (جميع).
* * *
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ولما قال أبو جهل يوم بدر: إنا جمع منتصر، نزل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (١) قرأ روح، وزيد عن يعقوب: (سَنَهْزِمُ) بالنون مفتوحة وكسر الزاي ونصب (الجمعَ) مفعولًا، وقرأ الباقون: بالياء (٢) ورفعها (الجمعُ) رفع على غير تسمية الفاعل، المعنى: ينصر تعالى رسوله، ويهزم جمع المشركين.
﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار، وإفراده لإرادة الجنس، فهزموا ببدر.
стр. 3279
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ بالتعذيب ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ أي: عذابها.
﴿أَدْهَى﴾ أعظم داهية ﴿وَأَمَرُّ﴾ أشدُّ مرارة من الأسر والقتل يوم بدر.
* * *
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين.
﴿فِي ضَلَالٍ﴾ في الدنيا ﴿وَسُعُرٍ﴾ نيران في العقبى.
* * *
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] وسعر مظروف ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ويقال لهم:
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي: حر النار؛ فإن مسها سبب للتألم بها، وسقر: علم لجهنم، ولذلك لم يصرف.
* * *
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ نصب لفعل يفسره ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بتقدير سابق.
* * *
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿وَمَا أَمْرُنَا﴾ بشيء نريد تكوينه.
стр. 3280
﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أي: كلمة واحدة ﴿كَلَمْحٍ﴾ كنظر سريع ﴿بِالْبَصَرِ﴾ بالعين.
* * *
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أشباهكم في الكفر ممن قبلكم (١).
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ فيخاف.
* * *
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ﴾ مبتدأ، نعته ﴿فَعَلُوهُ﴾ أي: العباد، مكتوب خبره.
﴿فِي الزُّبُرِ﴾ في كتب الحفظة.
* * *
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخلق وأعمالهم وآجالهم.
﴿مُسْتَطَرٌ﴾ مكتوب محفوظ.
* * *
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: أنهار، وتوحيده على أنه اسم الجنس، وهي أنهار الماء واللبن والعسل والخمر في الجنة.
стр. 3281
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ مكان مرضي مُقرَّبين. قرأ أبو عمرو: (مَقْعَد صِّدْقٍ) بإدغام الدال في الصاد (١).
﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ عزيز الملك ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر (٢) لا يعجزه شيء، وهذا إشارة إلى الرتبة والقربى، والله أعلم.
стр. 3282
سورة الرحمن
مكية على الأصح، نزلت حين قالت قريش بمكة: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وفي السيرة: أن ابن مسعود جهر بقراءتها في المسجد حتى قامت إليه أندية قريش، فضربوه، وذلك قبل الهجرة (١) ، وآيها: ثمان وسبعون آية (٢) ، وحروفها: ألف وست مئة وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وإحدى وخمسون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾.
[١] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبالغة الرحمة، وهو اسم لا يوصف به غيره سبحانه، وقال الجمهور: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ جزء آية، وهو مبتدأ.
* * *
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾.
[٢] خبره ﴿عَلَّمَ﴾ محمدًا ﷺ ﴿الْقُرْآنَ﴾ بواسطة جبريل ﵇،
стр. 3283
وقيل: مَنَّ به وعلَّمه الناسَ، وخص حفاظه وفهمته بالفضل، قال ﷺ : "خيركم من تعلَّمَ القرآن وعلَّمه" (١). قرأ ابن كثير: (الْقُرانَ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢).
* * *
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ .
[٣] ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعًا، ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعًا، كلها نصَّ (٣) على خلقه، وقد اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ هو آدم ﵇.
* * *
﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أسماء كل شيء، والبيان: هو إظهار المعنى وإيضاحه عما كان مستورًا قبله، وقيل: المراد بالإنسان: اسم الجنس، وبالبيان: النطق والفهم والإبانة عن ذلك، وذلك هو الذي ميز به من سائر الحيوان، وهذه الأفعال الثلاثة مع ضمائرها أخبار مترادفة للرحمن، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد؛ كما تقول: زيد أغناك
стр. 3284
بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثَّرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه.
* * *
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ .
[٥] ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ رفع بالابتداء، وهذا ابتداء تعديد نِعَم، المعنى: الشمس والقمر يجريان ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ بحساب معلوم، ومنازل معدودة؛ ليعرف الإنسان بذلك الأوقات، والحسبان -بالضم-: مصدر حَسَبْتُ الحساب -بفتح السين- أحسُبه -بضمها- حَسْبًا وحِسابًا وحِسْبَة.
* * *
﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَالنَّجْمُ﴾ ما ليس له ساق من النبات؛ كاليقطين، وقيل: المراد: نجوم السماء.
﴿وَالشَّجَرُ﴾ ماله ساق تبقى في الشتاء ﴿يَسْجُدَانِ﴾ وسجودهما سجود ظلهما، وفي النجم بالغروب ونحوه، وثنى ضمير (يسجدان) نظرًا إلى لفظهما، وسمي نجمًا؛ لأنه نَجَمَ؛ أي: ظهر وطلع، وسمي الشجر؛ من اشتجار غصونه، وهو تداخلها.
* * *
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ نصب بفعل يفسره ﴿رَفَعَهَا﴾ سقفًا لمصالح العباد.
﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ أمر بالعدل.
стр. 3285
﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾ .
[٨] ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ لئلا تجاوزوا العدل.
* * *
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ أي: وزنكم بالميزان المعروف ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل.
﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ لا تنقصوا الموزون، خسرت الشيء -بالفتح-، وأخسرته: نقصته.
* * *
﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَالْأَرْضَ﴾ نصب بفعل يفسره.
﴿وَضَعَهَا﴾ بسطها ﴿لِلْأَنَامِ﴾ الخلق الذين بثهم فيها.
* * *
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾ .
[١١] ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ يعني: أنواع الفواكه ﴿وَالنَّخْلُ﴾ عطف على (فاكهةٌ).
﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ أوعية ثمر النخل، وهو الطلع، جمع كِمّ، وكل ما ستر شيئًا، فهو كم، ومنه كُمُّ القميص.
стр. 3286
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَالْحَبُّ﴾ هو البر والشعير ونحوهما ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ التبن وورق النبات اليابس.
﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ هو الرزق في قول ابن عباس والأكثرين، وقيل: هو المشموم. قرأ ابن عامر: (والْحَبَّ ذا الْعَصْفِ والرَّيْحانَ) بنصب الثلاثة الأسماء عطفًا على (الأرض)؛ أي: وضع الأرض، وخلق الحب، وخلق الريحان، وكذا كتب (ذا الْعَصْفِ) في المصحف الشامي بالألف، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (والْحَبُّ) (١) و (ذُو) بالرفع، (والرَّيْحانِ) بخفض النون عطفًا على (الْعَصْفِ)، وقرأ الباقون: برفع الأسماء الثلاثة عطفًا على (النَّخْلُ) (٢)؛ أي: والحب ذو العصف، وذو الريحان، فحذف (ذو)، وأقيم (الريحان) مقامه، و (ذُو الْعصْفِ) في مصاحفهم بالواو، فذكر تعالى قوت الناس والأنعام.
* * *
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ .
[١٣] ثم خاطب الجن والإنس فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ﴾ جمع أَلَى؛ كقفا؛ أي: بأي أنعم ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ روى الأصبهاني عن ورش: [(فَبِأَيِّ)
стр. 3287
بالإبدال حيث وقع بالفاء، واختلف عنه فيما تجرد عن الفاء نحو] (١) (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمز (٢)، وكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة؛ تقريرًا للنعمة، وتذكيرًا بها، وتوبيخًا لمنكريها، ومن عادة العرب إذا ذكروا النعم أن يفصلوا بين كل نعمتين بما ينبه عليهما؛ نحو: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ [ألم تكن جائعًا فأطعمتك، أفتنكر هذا] (٣)؟
* * *
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ .
[١٤] ويدل على أنه خطاب للثقلين قوله بعد: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ من طين يابس له صلصلة ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ كالطين المطبوخ، نعت لصلصال، المعنى: جعل آدم أولًا ترابًا، ثم طينًا، ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا.
* * *
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ هو أبو الجن (٤).
стр. 3288
﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ هو لهب النار الصافي الذي لا دخان فيه.
* * *
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات؟
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، وتقدم الكلام عليهما، وعلى قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] في أول سورة الصافات.
* * *
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى؛ كاعتدال الهواء، واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه.
стр. 3289
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿مَرَجَ﴾ أرسل ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ الملحَ والعذبَ متجاورين.
﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ لا فصل بينهما في رأي العين.
* * *
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾ .
[٢٠] ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى.
﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يختلطان، ولا يطغيان على الناس بالغرق.
[٢١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
* * *
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾.
[٢٢] ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (يُخْرَجُ) بضم الياء وفتح الراء مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الراء معلومًا (١)، وثنى الضمير، وإنما يخرجان من الملح؛ لأنهما لما التقيا، صارا كالشيء الواحد.
﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ الدر. قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو: (اللَّوْلُؤُ) بإبدال الهمز الأول، وهو الساكن، فيسكنان الواو، والباقون: بالهمز (٢).
стр. 3290
﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ الخرز الأحمر، قال ابن عباس: "إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف أفواهها، فحيثما وقعت قطرة كانت لؤلؤة" (١).
[٢٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
* * *
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ السفن. قرأ يعقوب: (الْجَوارِي) بإثبات الياء وقفًا، وحذفها الباقون في الحالين، وأمال الدوري عن الكسائي فتحة الواو ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ صفة الجواري. قرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم بخلاف عنه: بكسر الشين؛ أي: المحدِثاتُ السيرَ، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ أي: المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ كالجبال، جمع عَلَم.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها.
стр. 3291
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: الأرض (١) ﴿فَانٍ﴾ هالك. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (فانِي) و (آنِي) و (دانِي).
* * *
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ﴾ أي: ذات ﴿رَبِّكَ﴾ ويعبر بالوجه عن الجملة.
﴿ذُو﴾ صفة (وَجْهُ)، ومعنى ذي ﴿الْجَلَالِ﴾ الذي يعظمه ويجله المؤمنون (٢) عن سمات المحدثات ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ الذي يكرم عبيده بالنعمة عليهم. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (والإِكْرامِ) بالإمالة حيث وقع (٣).
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يبقى وهو وجه ربك.
* * *
﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الكلُّ محتاجون إليه ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾
стр. 3292
نصب على الظرف ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي: كل حين ووقت يُحدِث أمورًا ويُجدد أحوالًا.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يسعف به سؤالكما.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾.
[٣١] ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَيَفْرُغُ) بالياء؛ لقوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، و (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، و (وَلَهُ الْجَوَارِ)، فأتبع الخبر الخبر، وقرأ الباقون: بالنون (١) إخبارًا منه تعالى عن نفسه، وهو وعيد من الله سبحانه للخلق بالمحاسبة، وليس المراد منه الفراغ عن شغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الجن والإنس، سميا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياءً وأمواتًا، وكتب (أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ) في النور [الآية: ٣١] و (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ) في الزخرف [الآية: ٤٩]، و (أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ) هنا بغير ألف، وما سواها: (يَا أَيُّهَا)، و (يَا أَيَّتُهَا) بالألف. قرأ ابن عامر (أَيُّهُ) بضم الهاء على الإتباع لضمة الياء قبلها، وقرأ الباقون: بفتحها، ووقف أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب
стр. 3293
(أَيُّهَا) بالألف على الأصل خلافًا للرسم، ووقف عليها الباقون بالحذف إتباعًا للرسم (١).
[٣٢] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
...
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ تخْرُجوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ﴾ أي: جوانب ﴿أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هاربين من قضائه تعالى ﴿فَانْفُذُوا﴾ فاخرجوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾ لا تقدرون على الخروج (٢) ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك؟!
...
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قدم هنا الجن على الإنس، وقال في سورة الإسراء ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الآية: ٨٨]، والتقديم يقتضي الأفضلية، ولكن الجن خلق قبل الأنس، ففي هذه السورة ترتيب الخلقة، لا ترتيب الفضيلة، وفي سورة الإسراء عكسه، وكذا قوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ
стр. 3294
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وأولو العلم أفضل من الملائكة، ولكن قدمهم لتقدم الخلقة.
...
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ .
[٣٥] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ لهب بلا دخان. قرأ ابن كثير: بكسر الشين، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، وجمع الضمير في (اسْتَطَعْتُمْ) نظرًا إلى معنى (الثَّقَلَيْنِ)، وثناه في (عَلَيْكُمَا) نظرًا إلى اللفظ (مِّن نَّار) صفة شواظ (وَنُحَاسٌ) هو الدخان. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بخفض السين عطفًا على النار، والباقون: بالرفع عطفًا على الشواظ (٢)، المعنى: إذا خرجتم من قبوركم، يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقانكما إلى المحشر ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ لا تمتنعان من ولوج النار.
[٣٦] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
...
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ انفرجت فصارت أبوابًا لنزول الملائكة.
стр. 3295
﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ أي: حمراء؛ من الورد المعروف ﴿كَالدِّهَانِ﴾ الأديم الأحمر، وألوانه تختلف، قال قتادة: إنها اليوم خضراء، ويكون لها يومئذ لون آخر إلى الحمرة.
...
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يكون بعد ذلك.
...
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تنشق السماء ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ لأنهم يعرفون، فالمؤمن يعرف بغرته وتحجيله، والكفار بسيماهم على ما يأتي بعد.
وعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] قال: "لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم: لمَ عملتم كذا وكذا؟ "، وعنه أيضًا: "لا يُسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يُسألون سؤالَ تقريع وتوبيخ" (١).
...