← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

يمكنه أن يفارقها، ولم يفعل، فإن طلقها عقب الظهار في الحال، أو مات أحدهما في الوقت، فلا كفارة عليه. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والكفارة على الترتيب يجب عليه عتق رقبة سليمة من العيوب الفاحشة بالاتفاق، مؤمنة عند الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: لا يشترط الإيمان. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ يتجامع المظاهِر والمظاهَر منها، فإن أقدم على الجماع قبل التكفير، استغفر الله تعالى، وليس عليه سوى الكفارة الأولى بالاتفاق. ﴿ذَلِكُمْ﴾ التغليظ بالكفارة ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ لتنزجروا عن الظهار. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. ... ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ . [٤] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الرقبة ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ليس فيهما رمضان، ولا يوما العيدين وأيام التشريق عند الثلاثة، وعند أحمد: إن تخلل صومها صوم رمضان، أو فطر واجب كيوم العيد، لم ينقطع التتابع. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فلو أصاب المظاهر منها ليلًا أو نهارًا عمدًا أو سهوًا، انقطع التتابع عند الثلاثة، وقال الشافعي وأبو يوسف: إن جامع ليلًا عامدًا، أو نهارًا، ناسيًا، لم يستأنف، وله وطء غيرها من نسائه بالاتفاق.

стр. 3362

﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصومَ لعذر ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. والمخرج في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، فقال أبو حنيفة: لكل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير، والصاع عنده ثمانية أرطال بالعراقي، وعند أبي يوسف: خمسة أرطال وثلث، وقال مالك: لكل مسكين مد من عيش أهل البلد، فإن كان الشعير والتمر، أعطي لكل مسكين منه عدل الحنطة بمد هشام، وقدره مد وثلثان بمد النبي ﷺ ، وهشام هذا الذي أضيف إليه المد هو هشام بن إسماعيل المخزومي، كان أميرًا على المدينة من قبل هشام بن عبد الملك، وقال الشافعي: لكل مسكين مد مما يكون فطرة، وهو البر، والأرز، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وقدر المد رطل وثلث بالبغدادي، وهو مد رسول الله ﷺ ، وقال أحمد: المخرج في الكفارة ما يخرج في الفطرة، وهو البر، والشعير، ودقيقهما، أو سويقهما، وهو بر أو شعير يحمص، ثم يطحن، والتمر، والزبيب، والأقط، وهو شيء يعمل من اللبن المخيض، ولا يجزئ من البر أقل من مد، وهو رطل وثلث بالبغدادي، ولا من غيره أقل من مدين لكل مسكين، وتقدم ذكر الصاع والمد والكلام عليها مستوفىً بأتم من هذا في سورة المائدة عند ذكر كفارة اليمين، وفي سورة التوبة عند ذكر زكاة الفطر. فإن دفع الكفارة إلى مسكين واحد في ستين يومًا، جاز عند أبي حنيفة، ولم يجز عند الشافعي ومالك، وقال أحمد: إن لم يجد غيره، أجزأه، وإلا فلا، ولو غداهم وعشاهم، جاز عند أبي حنيفة بشرط شبعهم (١) في الأكلتين، وعند الثلاثة: لا يجوز.

стр. 3363

ويجوز دفع الكفارة لكافر، وإخراج القيمة عند أبي حنيفة؛ خلافًا للثلاثة. ومن كفر بالإطعام، جاز له الوطء في خلاله عند أبي حنيفة والشافعي؛ خلافًا لمالك وأحمد، ونقل بعض المفسرين عن مالك أن من كفر بالإطعام، جاز له الوطء قبله؛ لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس، ولم يقل في الطعام: قبل أن يتماسا، ومنقول مذهب مالك خلاف ذلك، فقد جزم علماء مذهبه في كتبهم أنه لا يجوز الوطء في خلال الإطعام كالصيام، فإن وطئ، بطل ما مضى من إطعامه، ولزمه ابتداؤها، وصرح ابن عطية المالكي في "تفسيره" عن مالك أنه قال: إطعام المساكين أيضًا هو قبل التماس حملًا على العتق والصوم (١). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لتصدقوا ما أتى به الرسول من الله ، ثم شدد بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فالتزموها، وقفوا عندها. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذين لا يقبلونها. واختلفوا فيمن ظاهر من أمته، فقال مالك: يصح، وقال الثلاثة: لا يصح، وعليه عند أحمد كفارة يمين. واتفقوا على صحة الظهار من العبد، ويكفر بالصيام، وقال مالك: إن عجز عنه، فبالإطعام إن أذن له سيده، فإن منعه، انتظر القدرة على الصيام.

стр. 3364

ويصح من الأجنبية عند مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح منها، ويصح من الذمي عند الشافعي وأحمد، ويكفر بالمال، وعند أبي حنيفة ومالك لا يصح منه. ومن كرر الظهار قبل التكفير، فكفارة واحدة عند مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة بكل ظهار كفارة، ومذهب الشافعي إن كرره في امرأة متصلًا، وقصد تأكيدًا، فظهار واحد، أو استئنافًا، فالأظهر التعدد، وإنه بالمرة الثانية عائد في الأولى، والله أعلم. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ . [٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يحاربونهما، ويخالفون أمرهما. ﴿كُبِتُوا﴾ أُهلكوا ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية. ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تدل على صدق ما جاء به الرسول. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ نزلت هذه الآيات في المنافقين، وقومٍ من اليهود كانوا في المدينة يتمنون المكروه في رسول الله ﷺ والمؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويدبرون عليهم، ويتناجون بذلك، فنزلت هذه الآيات إلى آخر أمر النجوى فيهم (١). ...

стр. 3365

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾ . [٦] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ العامل فيه قوله: (مُهِينٌ). ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ توبيخًا لهم. ﴿أَحْصَاهُ﴾ حفظه ﴿اللَّهُ﴾ عليهم ﴿وَنَسُوهُ﴾ لتهاونهم به. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ شهيد، لا يغيب عنه شيء. ... ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كليًّا وجزئيًّا. ﴿مَا يَكُونُ﴾ قرأ أبو جعفر: (تَكُونُ) بالتاء على التأنيث؛ لتأنيث النجوى، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير (١)؛ لأن تأنيث نجوى غير حقيقي، وللفصل بـ (من)، المعنى: ما يقع. ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ وجر (ثَلاثَةٍ) بإضافة النجوى إليها، وهي التناجي سرًّا.

стр. 3366

﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ بالعلم ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ وخصوا بهذا العدد؛ لأنها نزلت في المنافقين، وكانوا يتحلقون للمناجاة ثلاثة خمسة غيظًا للمؤمنين. ﴿وَلَا أَدْنَى﴾ أقل ﴿مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ قرأ يعقوب: (أَكْثَرُ) بالرفع عطفًا على موضع (مِنْ نَجْوَى)؛ لأن التقدير: ما يكون نجوى، وقرأ الباقون: بالنصب عطفًا على العدد المخفوض ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ عالمًا بهم. ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ لأن علمه تعالى لا يتفاوت باختلاف الأمكنة. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفضيحًا لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ... ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ . [٨] كان بين النبي ﷺ واليهود موادعة، فكانوا هم والمنافقون إذا رأوا بعض المسلمين تناجوا، فيظن المسلم أنهم يريدون قتله، فيترك الطريق خوفًا منهم، فنهاهم ﷺ عن التناجي، فلم ينتهوا فنزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (١) أي: يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها. ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ قرأ حمزة، ورويس عن يعقوب: (وَيَنْتَجُونَ) بنون ساكنة بعد الياء وبعدها تاء مفتوحة وضم الجيم على وزن ينتهون مستقبل انتجوا، وقرأ الباقون: بتاء ونون مفتوحتين وبعدها ألف وفتح

стр. 3367

الجيم مستقبل تَناجوا (١)، ومعناهما: الحديث سرًّا. ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بما هو إثم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ للمؤمنين ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ لأنه ﷺ نهاهم فلم ينتهوا. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (وَمَعْصِيَهْ) بالهاء. ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾ أي: اليهود ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ وهو قولهم: السام عليك يا محمد، والسام: الموت، وتقدم حكم سلام الذمي، والرد عليه، ومذاهب الأئمة في ذلك في سورة النساء. ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إذا خرجوا: ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: لو كان نبيًّا، لدعا علينا حتى يعذبنا الله بما نقول له. ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنمُ. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ . [٩] ثم نهى الله المؤمنين أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾ قرأ رويس: (تَنْتَجُوا) على وزن تنتهوا (٢).

стр. 3368

﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كفعل المنافقين واليهود. ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ وهو ما يتضمن خيرًا للمؤمنين ﴿وَالتَّقْوَى﴾ أي: اتقاء معصية الرسول. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تذكير بالحشر الذي معه الحساب. ... ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ المحرمة ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ بتزيينه ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بتوهمهم. قرأ نافع: (لِيُحْزِنَ) بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الزاي (١). ﴿وَلَيْسَ﴾ التناجي ﴿بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بمشيئة الله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال ﷺ : "إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دونَ الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنُه" (٢).

стр. 3369

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ . [١١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ مجلس النبي ﷺ . قرأ عاصم: (الْمَجَالِسِ) بألف على الجمع؛ لأن لكل جالس مجلسًا، معناه: ليفسح كل رجل في مجلسه، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد إرادة الجنس (١). ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في الجنة. ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ ارتفعوا وانهضوا حتى توسِّعوا لإخوانكم ﴿فَانْشُزُوا﴾ قرأ الكسائي، وهشام، ورويس: (قِيلَ) بإشمام الضم حيث وقع، والباقون: بإخلاص الكسر (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، (انْشُزُوا) (فَانْشُزُوا) بضم الشين في الحرفين؛ بخلاف عن أبي بكر راوي عاصم، وقرأ الباقون: بالكسر فيهما (٣). ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ بإيمانهم وطاعتهم النبيَّ ﷺ .

стр. 3370

﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أيضًا على غيرهم من المؤمنين ﴿دَرَجَاتٍ﴾ هنا وَثمَّ بما جمعوا من العلم والعمل (١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديد لمن لم يمتثل الأمر. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ . [١٢] ولما أكثر الناس على النبي ﷺ السؤال حتى أسأموه، نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ﴾ أي: قبل ﴿نَجْوَاكُمْ﴾ إذا أردتم مناجاته ﴿صَدَقَةً﴾ على مستحقيها. ﴿ذَلِكَ﴾ التقديمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لطاعتكم ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لذنوبكم فلما نزلت هذه الآية، ارتدع الأغنياء عن السؤال شُحًّا، والفقراء عدمًا، فنزل رخصة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ ما تتصدقون به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمناجاتكم النبي ﷺ بلا صدقة ﴿رَحِيمٌ﴾ حيث أباح لكم السؤال، وكان ذلك المنع عشرَ ليال. ... ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أَخفتم الفاقةَ ﴿أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَشْفَقْتُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿ءَأَنتَ

стр. 3371

فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ في سورة الأنبياء [الآية: ٦٢]. ﴿فَإِذْ لَمْ﴾ أي: فإن لم ﴿تَفْعَلُوا﴾ ما أُمرتم به. ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تجاوز عنكم، ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنبٌ تجاوزَ الله عنه. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الواجبةَ. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ، ولا تفرطوا فيهما ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في جميع الحالات، فهو كفارة ذلك ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظاهرًا وباطنًا. ... ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ونزل في قوم من المنافقين تولَّوا قومًا من اليهود، وهم المغضوب عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ﴾ (١) أي: المنافقون ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المسلمون. ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾ من اليهود، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]. ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ أي: المنافقون ﴿عَلَى الْكَذِبِ﴾ وهو قولهم: والله إنا مسلمون.

стр. 3372

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون في حلفهم. ... ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا﴾ نوعًا من العذاب ﴿شَدِيدًا﴾ في غاية الشدة. ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي. ... ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الكاذبةَ ﴿جُنَّةً﴾ ترسًا يقيهم السيف ﴿فَصَدُّوا﴾ المسلمين بحلفهم ﴿عَنْ﴾ قتلهم ونهبهم؛ فإنه جهاد في ﴿سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. ... ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مقيمون؛ لأن الصحبة تدل على الملازمة. ... ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ العامل فيه (أَصْحَابُ) ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أي: لله تعالى ثَمَّ إنهم مسلمون.

стр. 3373

﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ هنا ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ على فعل نافع من أيمانهم الكاذبة كما انتفعوا بها في الدنيا. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (وَيَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١). ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ البالغون الغاية في الكذب؛ حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة، ويحلفون عليه. ... ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ غلبَ واستولى ﴿عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ بطاعتهم إياه. ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ معناه: تملَّكَهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم، وهذا الفعل مما استُعمل على الأصل؛ فإن قياس التعليل يقتضي أن يقال: استحاذ، وحكي أن عمر ﵁ قرأ: (اسْتَحَاذَ) (٢). ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ جنودُه. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لتفويتهم على نفسهم النعيمَ، وعرضها للعذاب.

стр. 3374

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ معناه: يكونون في حد غير الحد الذي شرع الله ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ المغلوبين. ... ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ أي: قضى ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ بالحجة كُلَّ مَنْ حادَّ الله ورسوله. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (وَرُسُلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ على نصر رسله ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب في مراده. ... ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ونزل في قتل أبي عبيدة بن الجراح أباه عبدَ الله بنَ الجراح يومَ أحد، وأبي بكر حيث أراد مبارزة ابنه يومَ بدر، ومصعبِ بنِ عمير وقتلِه

стр. 3375

أخاه عبيدَ بنَ عمير بأُحد، وعمرَ وقتلِه خالَه العاصَ بنَ هشام ببدر، وعلي وحمزة وقتلِهما الوليدَ بنَ عتبة وشيبةَ وعتبةَ ابني ربيعة ببدر: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) عاداهما وخالفهما. تلخيصه: من صح إيمانه، لم يواد المشركين، بل يقتلهم، ويقصدهم بالسوء ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ كأبي عبيدة بن الجراح ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ كأبي بكر ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ كمصعب بن عمير. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ كعمر وعلي وحمزة. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون. ﴿كَتَبَ﴾ ثبَّتَ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ﴾ قواهم. ﴿بِرُوحٍ﴾ أي: بنصر ﴿مِنْهُ﴾ هو جبريل ﵇. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾ بطاعتهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بقضائه. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ أنصارُ دينه، والحزب: الفريق الذي يجمعهم مذهب واحد. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون ببغيتهم، والله أعلم. ...

стр. 3376

فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد السابع اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

стр. 3377

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3378

فَتْحُ الرَّحَمْن

стр. 3379

حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 3380

سُورة الحشر مدنية باتفاق أهل العلم، وآيها: أربع وعشرون آية، وحروفها: ألف وتسع مئة وثلاثة عشر حرفًا، وكلمها: أربع مئة وخمس وأربعون كلمة، وهي سورة بني النضير، [وذلك أن رسول الله ﷺ كان عاهد بني النضير] (١) على سِلْم ألَّا يقاتلوه، ولا يقاتلوا معه، وهم يرون أنه لا ترد له راية، فلما جرت هزيمة أحد، ارتابوا ودخلوا قريشًا وغدروا، فلما رجع النبي ﷺ من أحد، تبين له معتقد بني النضير وغدرهم بعهده، وموالاتهم للكفار، فخرج إليهم بالكتائب على حمار مخطوم بليف، وقال: "اخرجوا من المدينة"، فقالوا: الموتُ أقرب إلينا من ذلك، فدسَّ إليهم عبد الله بن أبي وأصحابُه ألا تخرجوا من حصنكم، وإن قتلتم فنحن معكم ننصركم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فدربوا الأزقة، وحصنوها، فحاصرهم ﷺ إحدى وعشرين ليلة، فرعبت قلوبهم، وطلبوا الصلح، فأبى عليهم ﷺ إلا الجلاء، ويحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، ولنبي الله ﷺ ما بقي، فجلوا عن المدينة إلى أريحاء وأذرعات من أرض الشام، إلا أهل بيتين من

стр. 3381

آل أبي الحقيق وآل ابن أخطب لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فنزلت السورة (١) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾. [١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره في أول سورة الحديد. ... ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ . [٢] ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم بنو النضير، وكانت قبيلة عظيمة من بني إسرائيل، موازنة في القدر والمنزلة لبني قريظة، وكان يقال للقبيلتين: الكاهنان؛ لأنهما من ولد الكاهن ابن هارون. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وكانت أرضهم وحصونهم قريبة من المدينة بقرية يقال لها: زهرة، ولهم نخل وأموال عظيمة. ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ أي: عند أول حشرهم إلى الشام، والحشر: الجمع

стр. 3382

والتوجيه إلى ناحية ما، قال ابن عباس: من شكَّ أن المحشرَ بالشام، فليقرأ هذه الآية"، فكان أول حشر إلى الشام، قال النبي: ﷺ "اخرجوا"، قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر، ثم تحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام (١) (٢)، وقيل: معناه لأول الحشر؛ لأنهم كانوا أول من أُجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرَهم عمرُ بن الخطاب ﵁، وسميت جزيرة، لأنه أحاط بها بحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة، والفرات. ﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ من المدينة؛ لعزهم وقوتهم ﴿وَظَنُّوا﴾ أي: بنو النضير. ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من بأس الله؛ لوثوقهم بحصانتها. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أمرُه وعذابه ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: يظنوا. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخوفَ بقتل سيدهم كعبِ بن الأشرف غيلةً قبلَ ذلك، وتقدم ذكرُ قتله في سورة آل عمران. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: (الرُّعُبَ) بضم العين، والباقون: بإسكانها (٣). ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ يهدمونها. قرأ أبو عمرو: (يُخَرِّبُونَ) بفتح الخاء وتشديد الراء من خَرَّب، وقرأ الباقون: بإسكان الخاء مخففًا من أخرب،

стр. 3383

لغتان (١)، وقرأ ابن كثير، وقالون، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (بِيُوتَهُمْ) بكسر الباء، والباقون: بضمها، ومعناهما واحد (٢). ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ [كانوا يخربون بواطنها؛ لئلا يتحسروا على بقائها للمسلمين] (٣) . ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ كانوا يخربون باقيها. ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ فاتعِظوا (٤) بمصابهم ﴿يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ذوي العقول والبصائر. ... ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾. [٣] ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ أي: حكمَ عليهم بخروجهم من أوطانهم ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر؛ كقريظة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إن نجوا هنا من القتل. ﴿عَذَابُ النَّارِ﴾ وكان إجلاء بني النضير مرجعَ النبي ﷺ من أُحد في سنة ثلاث من الهجرة، وفتحُ قريظة مرجعَه من الأحزاب في سنة خمس من الهجرة، وبينهما سنتان.

стр. 3384

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾ . [٤] ﴿ذَلِكَ﴾ الذي نزل بهم ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمشاقة: كون الإنسان في شق، ومخالفُه في شق ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ... ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ . [٥] ولما حاصروا بني النضير، قطعوا بعض نخلهم؛ ليغيظوهم، فتحرَّج بعض المسلمين من ذلك، فنزل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ من نخلة ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بمشيئته، فلا جناح عليكم. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اليهودَ، فيه دليل على جواز قطع شجر الكفار وحرقها وهدم بيوتهم إذا قوتلوا، والحكم كذلك بالاتفاق. ... ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ . [٦] ولما ترك بنو النضير رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون قسمتها كخيبر، فنزل: ﴿وَمَا أَفَاءَ﴾ ردَّ ﴿اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ من أموال الكفار؛ أي: جعله فيئًا يختص به ﷺ . ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي: سرتم بسرعة ﴿عَلَيْهِ﴾ على طلبه.

стр. 3385

﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إبل خاصة، و (مِنْ) زائدة، المعنى: لم تقاسوا مشقة على أخذ أموال اليهود، فلذلك اختص به ﷺ . ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ إهلاكَه وأخذَ ماله. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يفعل ما يريد، فجعل أموال بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماكُ بنُ خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة (١). ... ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ . [٧] ثم بين ما يصنع ﷺ بالفيء، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ﴾ أموال الكفار. ﴿أَهْلِ الْقُرَى﴾ وهي قريظةُ والنضير، وفدك، وخيبر، وقرى عرينة. ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الْقُرَى) و (الْقُرْبَى) و (الْيَتَامَى) بالإمالة، وافقهم أبو عمرو في (الْقُرَى) و (الْقُرْبَى)، واختلف عن ورش، وقرأ الباقون:

стр. 3386

بالفتح (١)، وتقدم حكم الفيء والغنيمة واختلاف الأئمة فيهما مستوفىً في سورة الأنفال. ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ هو ما يُتداول. ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ المعنى: قسم تعالى هذه الأموال بين المذكورين؛ لئلا يختص بها الأغنياء، ويتداولوها بينهم. قرأ أبو جعفر: (تَكُونَ) بالتاء على التأنيث؛ لتأنيب لفظ (دُوَلةً)، [و (دولةٌ) بالرفع؛ أي: كي لا يقع دولة جاهلية، وافقه هشام على رفع دولة] (٢)، واختلف عنه في تذكير (يَكُونَ) وتأنيثه، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير، لأن تأنيث (دُولَة) غير حقيقي، و (دُولَةً) بالنصب (٣)؛ أي: لكيلا يكون الفيء دولة، والمخاطبة للأنصار؛ لأنه لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غنى. ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ أعطاكم ﴿الرَّسُولُ﴾ أيها المؤمنون من الفيء وغيره. ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ من الغلول وغيره. ﴿فَانْتَهُوا﴾ وهذا نازل في أمر الفيء، ثم اطَّرد بعدُ معنى الآية في جميع أوامر النبي ﷺ ونواهيه، فما حكم به الشارع ﷺ مطلقًا، أو في عين، أو فعله، أو أقره، لا يعلل بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول الحكم مطلقًا عند الحنابلة والشافعية، وجوزه الحنفية والمالكية.

стр. 3387

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن خالفه. ... ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ . [٨] ثم بين مَنْ له الحقُّ في الفيء، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ فإن كفار مكة أخرجوهم، وأخذوا أموالهم. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا﴾ رزقًا ﴿مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: أُخرجوا إلى دار الهجرة طلبًا لرضا الله . قرأ أبو بكر عن عاصم: (وَرُضْوَانًا) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بأنفسهم وأموالهم. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم. ... ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ استوطنوا ﴿الدَّارَ﴾ المدينةَ، وهم الأنصار ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ أي: وأخلصوا الإيمان ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل قدوم المهاجرين

стр. 3388

عليهم؛ فإنهم آمنوا، وبنوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ والمهاجرين المدينة بسنتين. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ من المؤمنين ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ لقسم النبي ﷺ أموالَ بني النضير للمهاجرين دون الأنصار ﴿حَاجَةً﴾ حزازة وحسدًا ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أُعطي المهاجرون دونَهم من الفيء. ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ إخوانَهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم. ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فقرٌ إلى ما يؤثرون به. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وشحُّ النفس: هو كثرة الطمع وضبطها على المال والرغبة فيه، وامتداد الأمل، وهو فقر لا يُذهبه غنى المال، بل يزيده، وهو داعية كل خلق سوء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالثناء والثواب. عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنمَ في جوفِ عبدٍ أبدًا، ولا يجتمعُ الشحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا" (١). وقال ﷺ : "من أَدَّى الزكاةَ المفروضةَ، وقِرى الضيف، وأعطى في النائبة، فقد برئ من الشح" (٢). والشح: هو أقبح البخل.

стр. 3389

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، وإعراب (الَّذِينَ) رفع عطفًا على (هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ثم وصف الله تعالى القولَ الذي ينبغي أن يلتزمه كلُّ من لم يكن من الصدر الأول، فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ قوله: (يَقُولُونَ) حال فيها الفائدة، والمراد: والذين جاؤوا قائلين كذا. ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ غشًّا وحقدًا. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فكل من كان قلبه غل على أحد من الصحابة، ولم يترحم على جميعهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث خلال: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكرهم، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجًا من أصناف (١) المؤمنين، ولهذه الآية قال مالك وغيره: إنه من كان له في الصحابة قول سوء أو بغض، فلا حظَّ له في الغنيمة؛ أدبًا له، وتقدم في سورة الحديد [الآية: ٩] اختلاف القراء في (رَؤوف). ...

стр. 3390

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾ . [١١] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: أظهروا خلاف ما أضمروا؛ يعني: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود من بني قريظة والنضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا﴾ سألنا خِذْلانكم ﴿أَبَدًا﴾ أي: من رسول الله والمسلمين. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ لنعاوننَّكُمْ. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ لعلمِه بعدم فعلهم ذلك. ... ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾ . [١٢] كما قال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ من ديارهم ﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكان الأمر كذلك؛ فإنهم أخلفوهم الوعد. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: جاؤوا لنصره. ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ منهزمين ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ اليهود؛ لانهزام ناصرهم. ***

стр. 3391

﴿لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿لأَنْتُمْ﴾ يا معشرَ المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ المعنى: خوفُ المنافقين منكم أيها المؤمنون سرًّا أشدُّ من خوفهم من الله تعالى جهرًا، فإن استبطان رهبتكم سببٌ لإظهار رهبة الله تعالى. ﴿ذَلِكَ﴾ الخوفُ منكم ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عظمةَ الله. ... ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ اليهودُ والمنافقون ﴿جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين. ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق، والدروب، فلا يبرزون لقتالكم. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (جِدَارٍ) بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على التوحيد، وأبو عمرو: على أصله في الإمالة، وقرأ الباقون: بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع (١)، وهما بمعنى الحائط ﴿بَأْسُهُمْ﴾ حربهم ﴿بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قتالهم لكم من وراء السور شديد، ولكن لا يطيقون مبارزتكم. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ متفقين. وتقدم اختلاف القراء في (تَحْسَبُهُمْ) في

стр. 3392

سورة الحديد ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما فيه صلاحُهم. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾ . [١٥] فمثلُ بني النضير ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوءَ عاقبة كفرهم، وهو القتل ببدر، وكانت غزوة بدر [في رمضان من السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة] (١) بني النضير، والتقدير: ذاقوا وبال أمرهم قريبًا من عصيانهم، و (قَرِيبًا) ظرف، أو نعت لظرف ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ . [١٦] ومثل المنافقين وإغوائهم اليهود بقولهم: ﴿إِنّا مَعَكم﴾ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إبليس ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ فكفر. ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ تبرأ منه (٢) مخافةَ أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه ذلك. وحكي أن هذا في شيطان مخصوص مع عابد من العباد مخصوص اسمه

стр. 3393

برصيصا، استودع امرأة سيقت إليه ليشفيها بدعائه من الجنون، فسول له الشيطان الوقوع عليها، فحملت، فخشي الفضيحة، فسول له قتلها ودفنها، ثم شهره، فلما استخرجت المرأة، وحُمل العابدُ شرَّ حمل، وهو قد قال: إنها قد ماتت، فقصتُ عليها فدفنتها فلما وُجدت مقتولة، علموا كذبه، فتعرض له الشيطان، فقال له: اكفر واسجد لي وأنا أنجيك، ففعل، فتركه عند ذلك، وقال: إني بريء منك، قال ابن عطية (١): وهذا كله ضعيف، والتأويل الأول هو وجه الكلام (٢). وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ رياء من قوله، وليست على ذلك عقيدته. قرأ أبو جعفر بخلاف عنه: (بَرِيٌّ) بتشديد الياء بغير همز، والباقون: بالمد والهمز (٣)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٤). ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿فكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾ آخرَ أمر الغاوي والمغوى.

стр. 3394

﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن (الشيطانَ) و (الإنسانَ) في هذه الآية اسما جنس؛ لأن العرف أن يعمل هذا شياطين بناس، كما يغوي الشيطان الإنسان، ثم يفر عنه بعد أن يورطه، كذلك أغوى المنافقون بني النضير، وحرضوهم على الثبوت، ووعدوهم النصر، فلما نشب بني النضير، وكشفوا عن وجوههم، تركهم المنافقون في أسوأ حال. ﴿نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ من العمل. ﴿لِغَدٍ﴾ ليوم القيامة، وسماه به؛ لدنوه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تكرير للتأكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كالوعيد على المعاصي. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا حقه، وغفلوا عنه. ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: حقَّ أنفسهم بالخذلان حتى لم يقدموا لها خيرًا. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكاملون في الفسق، ويعطي لفظ هذه

стр. 3395

الآية أن من عرف نفسه ولم ينسها، عرف ربه تعالى، وقد قال علي بن أبي طالب ﵁: اعرف نفسك تعرف ربك (١). ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فيه دليل على أن المسلم لا يُقتل بالكافر، وتقدم الحكم في ذلك، واختلاف الأئمة فيه في سورة البقرة. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ متشققًا. ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قرأ ابن كثير: (القُرَانَ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢)، وهذا تمثيل توبيخًا للإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ المذكورات هنا وجميع القرآن. ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيؤمنون.

стр. 3396

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لما قال تعالى: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ تعالى جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن المخلوقين، ولم يعاينوه. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما شاهدوه وعلموه ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ ذو الرحمة، ولا يوصف به إلا هو سبحانه ﴿الرَّحِيمُ﴾ عظيم الرحمة. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ البليغٌ في النزاهة، وهو فُعُّول من تقدَّس: إذا تطهَّر، وحظيرة القدس: الجنة؛ لأنها طاهرة، ومنها روح القدس، والأرض المقدسة: بيت المقدس، سمي به؛ لأنه يُتطهر فيه من الذنوب. ﴿السَّلَام﴾ الذي سلم من النقائص ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ واهب الأمن ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيب على كل شيء ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يوجد له نظير ﴿الْجَبَّارُ﴾ العظيم الذي جبر خلقَه على ما أراد ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ المتعالي عن صفات المحدثات وعن كل سوء. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك.

стр. 3397

﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ المقدِّرُ لما يوجد ﴿الْبَارِئُ﴾ المنشئ من العدم. قرأ الدوري عن الكسائي: (الْبَارِئُ) بالإمالة (١) ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ الممثِّل لصورة خلقه بالشكل واللون. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي: ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته سبحانه، وهذه الأسماء التي حصرها رسول الله ﷺ بقوله: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها، دخلَ الجنةَ" (٢)، وتقدم ذكرها والكلام عليها في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الآية: ١٨٠]. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ينزهه عن النقائص. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قدم تفسيره في أول سورة الحديد. روي أن اسم الله الأعظم في هذه الآيات من ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ إلى آخرها (٣)، والله أعلم.

стр. 3398

سورة الممتحنة مدنية، وآيها: ثلاث عشرة آية، وحروفها: ألف وخمس مئة وعشرة أحرف، وكلمها: ثلاث مئة وثمان وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ . [١] لما أراد رسول الله الخروج إلى مكة عام الحديبية، فورَّى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنهم خارجون إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار الصحابة بقصده إلى مكة، منهم حاطبُ بن أبي بلتعة، فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله، وحذَّرهم، وأرسل مع سارة مولاة بني المطلب، فجاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بذلك، فبعث عليًّا والزبير وعمارًا وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ؛ فإنَّ بها ظَعينةً معها كتابُ حاطبٍ إلى أهلِ مكة، فخُذوا منها، وخَلُّوها، فإن أبت، فاضربوا عنقَها"، فأدركوها ثَمَّ، فجحدت، ففتشوا

стр. 3399

جميع رحلها فما وجدوا شيئًا، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسولُ الله ﷺ ، واللهِ لتخرجِنَّ الكتاب، وإلا لأجردَنَّك ولأضربَنَّ عنقَك، فأخرجته من ذؤابتها، قد خبأته في شعرها، فخلوها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ ، فاستحضر حاطبًا، وقال: "ما حَمَلَكَ عليه؟ فقالَ: ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتك منذ نصحتُك، ولكني كنتُ امرأً ملصَقًا في قريش، وليس فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن آخذ عندهم يدًا يرعوني بها في قرابتي، وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئًا، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضربْ عنقَ هذا المنافق، فقال رسول الله: ﷺ صدقَ حاطبٌ إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمرُ لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم، لا تقولوا لحاطب إلا خيرًا" (١). وروي أن حاطبًا كتب أن رسول الله ﷺ يريد غزوكم مثل (٢) الليل والسيل، وأقسم بالله، لو غزاكم هو وحده، لنصر عليكم، فكيف وهو في جمع كثير؟! فنزل في شأن حاطب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ (٣) مفعولُه الأول ﴿عَدُوِّي﴾ ويعطف عليه ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ والعدو: اسم يقع للجمع والمفرد، والمراد هنا: كفار قريش.

стр. 3400

﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾ صفة لـ (أَوْلِياءَ) والباء زائدة في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: لا تظهروا مودتكم لهم ﴿وَقَدْ﴾ الواو للحال؛ أي: وحالهم أنهم. ﴿كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ وهو القرآن. ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل؛ أي: لإيمانكم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ شرطٌ جوابه متقدم في معنى ما قبله، تقديره: إن كنتم خرجتم ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، و (جِهَادًا) و (ابْتِغَاءَ) مفعولان له، والمرضاة مصدر كالرضا. قرأ الكسائي: (مَرْضَاتِي) بالإمالة، والباقون: بالفتح (١). ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بالنصيحة فعل ابتدأ به القول؛ أي: تفعلون ذلك ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (وَأَنَا أَعْلَمُ) بالمد (٢) . ﴿مَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من المودة للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أظهرتم. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي: الإسرارَ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ أخطأ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى. ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢﴾. [٢] ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ يظفروا بكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ ولا تنفعكم مودتهم.
следующие страницы →