﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لما قال تعالى: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ تعالى جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن المخلوقين، ولم يعاينوه.
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما شاهدوه وعلموه ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ ذو الرحمة، ولا يوصف به إلا هو سبحانه ﴿الرَّحِيمُ﴾ عظيم الرحمة.
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ البليغٌ في النزاهة، وهو فُعُّول من تقدَّس: إذا تطهَّر، وحظيرة القدس: الجنة؛ لأنها طاهرة، ومنها روح القدس، والأرض المقدسة: بيت المقدس، سمي به؛ لأنه يُتطهر فيه من الذنوب.
﴿السَّلَام﴾ الذي سلم من النقائص ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ واهب الأمن ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيب على كل شيء ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يوجد له نظير ﴿الْجَبَّارُ﴾ العظيم الذي جبر خلقَه على ما أراد ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ المتعالي عن صفات المحدثات وعن كل سوء.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك.
стр. 3397
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ المقدِّرُ لما يوجد ﴿الْبَارِئُ﴾ المنشئ من العدم. قرأ الدوري عن الكسائي: (الْبَارِئُ) بالإمالة (١) ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ الممثِّل لصورة خلقه بالشكل واللون.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي: ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته سبحانه، وهذه الأسماء التي حصرها رسول الله ﷺ بقوله: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها، دخلَ الجنةَ" (٢)، وتقدم ذكرها والكلام عليها في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الآية: ١٨٠].
﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ينزهه عن النقائص.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قدم تفسيره في أول سورة الحديد.
روي أن اسم الله الأعظم في هذه الآيات من ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ إلى آخرها (٣)، والله أعلم.
стр. 3398
سورة الممتحنة
مدنية، وآيها: ثلاث عشرة آية، وحروفها: ألف وخمس مئة وعشرة أحرف، وكلمها: ثلاث مئة وثمان وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ .
[١] لما أراد رسول الله الخروج إلى مكة عام الحديبية، فورَّى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنهم خارجون إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار الصحابة بقصده إلى مكة، منهم حاطبُ بن أبي بلتعة، فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله، وحذَّرهم، وأرسل مع سارة مولاة بني المطلب، فجاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره بذلك، فبعث عليًّا والزبير وعمارًا وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ؛ فإنَّ بها ظَعينةً معها كتابُ حاطبٍ إلى أهلِ مكة، فخُذوا منها، وخَلُّوها، فإن أبت، فاضربوا عنقَها"، فأدركوها ثَمَّ، فجحدت، ففتشوا
стр. 3399
جميع رحلها فما وجدوا شيئًا، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسولُ الله ﷺ ، واللهِ لتخرجِنَّ الكتاب، وإلا لأجردَنَّك ولأضربَنَّ عنقَك، فأخرجته من ذؤابتها، قد خبأته في شعرها، فخلوها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ ، فاستحضر حاطبًا، وقال: "ما حَمَلَكَ عليه؟ فقالَ: ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتك منذ نصحتُك، ولكني كنتُ امرأً ملصَقًا في قريش، وليس فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن آخذ عندهم يدًا يرعوني بها في قرابتي، وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئًا، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضربْ عنقَ هذا المنافق، فقال رسول الله: ﷺ صدقَ حاطبٌ إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمرُ لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم، لا تقولوا لحاطب إلا خيرًا" (١).
وروي أن حاطبًا كتب أن رسول الله ﷺ يريد غزوكم مثل (٢) الليل والسيل، وأقسم بالله، لو غزاكم هو وحده، لنصر عليكم، فكيف وهو في جمع كثير؟! فنزل في شأن حاطب:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ (٣) مفعولُه الأول ﴿عَدُوِّي﴾ ويعطف عليه ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ والعدو: اسم يقع للجمع والمفرد، والمراد هنا: كفار قريش.
стр. 3400
﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾ صفة لـ (أَوْلِياءَ) والباء زائدة في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: لا تظهروا مودتكم لهم ﴿وَقَدْ﴾ الواو للحال؛ أي: وحالهم أنهم.
﴿كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ وهو القرآن.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل؛ أي: لإيمانكم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ شرطٌ جوابه متقدم في معنى ما قبله، تقديره: إن كنتم خرجتم ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، و (جِهَادًا) و (ابْتِغَاءَ) مفعولان له، والمرضاة مصدر كالرضا. قرأ الكسائي: (مَرْضَاتِي) بالإمالة، والباقون: بالفتح (١).
﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بالنصيحة فعل ابتدأ به القول؛ أي: تفعلون ذلك ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (وَأَنَا أَعْلَمُ) بالمد (٢) .
﴿مَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من المودة للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أظهرتم.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي: الإسرارَ.
﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ أخطأ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى.
﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢﴾.
[٢] ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ يظفروا بكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ ولا تنفعكم مودتهم.
стр. 3401
﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالضرب والقتل ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ بالشتم.
﴿وَوَدُّوا﴾ كفار مكة ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ فتكونون مثلَهم.
﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ .
[٣] ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ قراباتُكم.
﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ بمكة الذين بسببهم كتب الكتاب خوفًا عليهم إلى مكة.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار. قرأ عاصم، ويعقوب: (يَفْصِلُ) بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة، وقرأ ابن عامر بخلاف عن راويه هشام: بضم الياء وفتح الفاء والصاد مشددة، وقرأ الباقون: بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد مخففة (١)، المعنى: يفرق تعالى بينكم وبين أقاربكم، فيدخل المؤمنَ الجنة، والكافرَ النار.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه.
стр. 3402
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ .
[٤] ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُسْوَةٌ﴾ قدوة ﴿حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: (أُسْوَةٌ) بضم الهمزة، والباقون: بكسرها (١).
﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام؛ (أَبْرَاهَامَ) بالألف، والباقون: بالياء (٢).
[﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين، وقيل: الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبًا منه، قال ابن عطية (٣): وهذا القول أرجح؛ لأنه لم يرد (٤) أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحة نمرود، وفي "البخاري" (٥)؛ أنه قال لسارة حين دخل بها إلى الشام مهاجرًا من بلاد نمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك] (٦).
стр. 3403
﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ المشركين ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ جمع بريء.
﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ جحدنا دينكم.
﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ فتنقلب العداوة محبة، وهذا أمر لحاطب والمؤمنين بالاقتداء بإبراهيم ومن معه من المؤمنين في التبرؤ من المشركين. واختلاف القراء في الهمزتين من (الْبَغْضَاءُ أَبَدًا) كاختلافهم فيهما من (الْمَلأُ أَفْتوني) في سورة النمل [الآية: ٣٢].
﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ مستثنى من (أُسْوَة) يعني: لكم أسوة في إبراهيم، إلا في استغفاره لأبيه المشرك؛ فإن إبراهيم ﵇ كان قد قال لأبيه: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ ثم تبرأ منه كما تقدم في سورة التوبة؛ لأن استغفار المؤمن للكافر لا يجوز، قال إبراهيم لأبيه:
﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ ما أدفعُ عنك من عذابه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إن عصيتُه وأشركتُ.
﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ حكاية عن قول إبراهيم والذين معه: أنه هكذا كان، وقيل: هو أمر للمؤمنين؛ أي: قولوا ذلك.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ .
[٥] ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تُظفرهم بنا، فيفتنونا عن ديننا.
стр. 3404
﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾ ما فرطَ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ .
[٦] ثم خاطب الله أمة (١) محمد ﷺ ، فقال:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ في إبراهيم ومؤمنيه ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ تقدم مذهب عاصم في (أُسْوَة)، فإن قيل: لم كرر الله الأسوة مرتين؟ فالجواب أن الأسوة الأولى غير الثانية، فالأولى أسوة في العداوة، والثانية في الخوف والخشية، فلا تكرار، وتبدل من ﴿لَكمْ﴾ بدل اشتمال.
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: يخاف الله، ويخاف عذاب الآخرة.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن الإيمان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه.
﴿الْحَمِيدُ﴾ في ذاته وأفعاله، لا ينقص ذلك كفرُ كافر، ولا نفاقُ منافق.
﴿عسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ .
[٧] ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ أي: من كفار مكة.
﴿مَوَدَّةً﴾ محبة، ففعل الله ذلك؛ بأن أسلم كثير منهم يوم فتح مكة، وتحابوا.
стр. 3405
روي أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وذلك أن أم حبيبة بنت أبي سفيان وزوجها عبيد الله بن جحش أسلما وهاجرا إلى الحبشة، فقُبض زوجها، فأُخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فكتب كتابًا إلى النجاشي، وخطب أم حبيبة وتزوجها، وأحبَّ أن يكون صهرُه مسلمًا، فأنزل الله الآية، وأسلم هؤلاء (١) الأربعة لمحبته (٢).
﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على ذلك ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ لما فرط منكم في موالاتهم من قبل.
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ .
[٨] ونزل رخصة في بِرِّ من لم يعاد المسلمين، ولم يقاتلهم من الكفار ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وتبدل من ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ تعدلوا فيهم بالإحسان.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين، ونسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
стр. 3406
﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ أعانوا ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ فإن بعضهم سعى في إخراج المؤمنين، وبعضٌ أعان عليه، وتبدل من ﴿الَّذِين﴾.
﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ تلخيصه: لم ينهكم عن بر هؤلاء، إنما ينهاكم عن تولِّي هؤلاء. قرأ البزي: (أَن تَّوَلَّوْهُمْ) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (١).
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لوضعهم الولاية في غير موضعها.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ من دار الكفر إلى دار الإسلام.
﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاختبروهن بالحلف إنهن ما خرجن إلا حبًّا لله ورسوله، فكان رسول الله ﷺ يحلِّف المهاجرة بالله إنها ما خرجت بغضًا لزوج،
стр. 3407
ولا عشقًا لرجل، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا لحدث أحدثته، ولا لالتماس الدنيا، ولا خرجت إلا رغبة في الإسلام، وحبًّا لله ورسوله، فإذا حلفت، لم يردَّها، وأعطى زوجَها مهرَها وما أنفقَ عليها، وحكم بإيمانها.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ فإنَّه المطَّلع على ما في قلوبهن.
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي: غلب على ظنكم إيمانُهنَّ بالحلف؛ لأن غلبة الظن تسمى: علمًا ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ تردُّوهن ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾ بعدَما أسلمن، وإن كانوا أزواجهن.
﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لا يحل أحدهما لصاحبه.
﴿وَءَاتُوهُم﴾ يعني: أزواجَهن ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ من المهر.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وإن كان لهن أزواج كفار؛ لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار.
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن.
﴿وَلَا تُمْسِكُوا﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: بفتح الميم وتشديد السين، وقرأ الباقون: بإسكان الميم وتخفيف السين (١)، ومعناهما الإمساك.
﴿بِعِصَمِ﴾ جمع عصمة، وهو ما يعتمد عليه.
﴿الْكَوَافِرِ﴾ جمع كافرة، المعنى: من كانت له زوجة كافرة، فلا يعتدَّنَّ
стр. 3408
بها؛ لانقطاع الزوجية بينهما، فلما نزلت هذه الآية، طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على الشرك في مكة، والأخرى: أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن عاصم، وهما على الشرك، وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله، فهاجر طلحة وهي بمكة على دين قومها، ففرق الإسلام بينهما، فتزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، وكانت زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ امرأةَ أبي العاص بن الربيع، ولحقت بالنبي ﷺ ، وأقام أبو العاص بمكة مشركًا، ثم أتى المدينةَ، فأسلم، فردها عليه رسول الله ﷺ (١).
وأما حكم الشرع إذا أسلم الزوجان معًا، أو أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما بالاتفاق، وإذا أسلمت المرأة، فإن كانت مدخولًا بها، فأسلم في عدتها، فهي امرأته بالاتفاق، وإن كانت غير مدخول بها، وقعت الفرقة بينهما، وكانت فسخًا عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، فهي امرأته، وإلا فرق القاضي بينهما بإبائه عن الإسلام، وتكون هذه الفرقة طلاقًا عند أبي حنيفة ومحمد، وفسخًا عند أبي يوسف، ولها المهر إن كانت مدخولًا بها، وإلا فلا، بالاتفاق.
وأما إذا ارتد أحد الزوجين المسلمَين، فقال أبو حنيفة ومالك: تقع الفرقة حال الردة بلا تأخير، قبل الدخول وبعده، وقال الشافعي وأحمد: إن
стр. 3409
كانت الردة من أحدهما قبل الدخول، انفسخ النكاح، وإن كانت بعدها، وقعت الفرقة على انقضاء العدة، فإن أسلم المرتد منهما في العدة، ثبت النكاح، وإلا انفسخ بانقضائها، ثم إن كان المرتد الزوجة بعد الدخول، فلها المهر، وقبله لا شيء لها، وإن كان الزوج، فلها الكل بعده، والنصف قبله بالاتفاق.
﴿وَاسْأَلُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي: واسألوا أهل مكة أن يردوا عليكم مهورَ النساء اللواتي يخرجن إليهن مرتدات ممن يتزوجهن. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (سَلُوا) بنقل حركة الهمز إلى ساكن قبله وهو السين، وقرأ الباقون: بإسكان السين والهمز (١).
﴿وَلْيَسْأَلُوا﴾ أي: المشركون ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ من المهر على زوجاتهم المهاجرات ممن تزوجوهن.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الحكم المذكور.
﴿حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يحكم (٢) ما تقتضيه حكمته، ثم نسخ هذا الحكم بعد ذلك.
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾ .
[١١] فلما نزلت هذه الآية، أقر المؤمنون بحكم الله ، وأدَّوا ما أُمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا
стр. 3410
بحكم الله فيما أمر به من أداء نفقات المسلمين، فنزل قوله تعالى:
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ﴾ (١) أي: أحد ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ أي: سبقكم، وانقلب منكم ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾، فلحق بهم مرتدات.
﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ فغنمتم من الكفار.
﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ منكم إلى الكفار مرتدات.
﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ عليهن من الغنائم التي صارت في أيديكم.
قال ابن عباس: "لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ستُّ نسوة رجعنَ عن الإسلام، فأعطى رسول الله ﷺ أزواجهنَّ مهورهن من الغنيمة" (٢)، وهذا كله منسوخ حكمه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإن الإيمان به يقتضي التقوى منه.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ .
[١٢] ونزل يوم فتح مكة لما فرغ رسول الله ﷺ من بيعة الرجال وهو على الصفا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قرأ نافع: (النَّبِيءُ إِذَا)
стр. 3411
بالهمز والمد وتسهيل الهمزة الثانية، والباقون: بتشديد الياء بغير مد ولا همز، وتحقيق الهمزة الثانية.
﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ والمراد: وأد البنات الذي كانوا يفعلونه، وهو دفنهن في حياتهن.
﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي: تلتقط مولودًا وتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فهو البهتان المفترى؛ لأن الولد إذا وضعته الأم، سقط بين يديها ورجليها. قرأ يعقوب: (أَيْدِيهُنَّ) بضم الهاء، والباقون: بكسرها (١).
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ هو ما وافق طاعة الله ورسوله.
﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ إذا بايعنك.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكان رسول الله ﷺ على الصفا، وعمر بن الخطاب ﵁ أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمره، ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء؛ خوفًا من رسول الله ﷺ أن يعرفها، ثم عرفها، وعفا عنها، وصح أنه ﷺ لم يصافح امرأة في البيعة، وإنما بايعهن بالكلام، وقال: "إني لا أصافحُ النساءَ، وإنما قولي لامرأةٍ كقولي لمئةِ امرأة" (٢).
стр. 3412
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ .
[١٣] وكان بعض فقراء المسلمين يواصلون اليهود لينالوا شيئًا من ثمارهم، فنزل: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وهم اليهود.
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: من أن يكون لهم حظ فيها.
﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أي: من رجوع موتاهم؛ لأنهم لا يوقنون بالبعث، والله أعلم.
стр. 3413
سورة الصف
مدنية في قول الجمهور، وقيل: مكية، والأول أصح؛ لأن معانيها تعضده، ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني، وآيها: أربع عشرة آية، وحروفها: تسع مئة وستة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئتان وإحدى وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾
[١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره في أول سورة الحديد.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ .
[٢] روي أن جماعة من المؤمنين قالوا: لو أردنا (١) أن نعرف أحبَّ الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله الجهاد، وأعلمهم بفضله لديه، وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض تكرَّهَهُ قوم منهم، وفرَّ من فر يوم أُحد، فعاتبهم الله تعالى بقوله:
стр. 3414
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وقف البزي ويعقوب: (لِمَهْ) بهاء بعد الميم (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
[٣] ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ عظم بغضًا ﴿عِندَ اَللَّهِ﴾ و (مَقْتًا) نصب على التمييز، وفاعل (كَبُرَ) ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا مبالغة في المنع عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ .
[٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي: مصفوفين.
﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ لاصقٌ بعضُه ببعض، قد أُحكم، فليس فيه فرجة ولا خلل.
وأما حكم الجهاد، فهو فرض كفاية على المستطيع بالاتفاق، إذا فعله البعض، سقط عن الباقين، وعند النفير العام وهو هجوم العدو يصير فرض عين بغير خلف.
стр. 3415
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ .
[٥] ثم ذكر قصة موسى؛ لأن قومه آذوه في الجهاد، وامتنعوا منه؛ كما أن المنافقين آذوا رسول الله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وإِذْ﴾ أي: واذكر إذ.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ من بني إسرائيل.
﴿يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ بالتكذيب والقذف بما ليس فيَّ. اتفق القراء على إثبات الياء في الحالين في (تُؤْذُوننَي) و (بِرَسُولٍ يَأْتِي).
﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ والرسول يجب احترامه، و (قَدْ) لتحقيق العلم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ مالوا عن الحق. قرأ حمزة: (زَاغُوا) بالإمالة (١).
﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الإيمان والخير.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ الذين سبق في علمه فسقُهم.
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل:
стр. 3416
يا قوم؛ لأنه لم يكن له في بني إسرائيل قرابة.
﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا﴾ أي: في حال تصديقي.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، و (أَحْمَدُ) هو الذي حمدُه لربه أفضلُ من حمد الحامدين غيره، وهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، وأهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوق عددَ العادِّين سمي باسمين من أسماء الحمد، يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة، فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه، وأن الحمد الذي يستحقه أفضلُ مما يستحقه غيره، وقد أكرمه الله سبحانه بهذين الاسمين المشتقين من اسمه جل وعلا، وتقدم تفسير محمد في سورة (آل عمران)، وفي (الأحزاب)، ولم يُسم بأحمد أحدٌ غيره، ولا دُعي به مدعو قبله، وكذلك محمد أيضًا لم يُسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قُبيل وجوده -عليه ابسلام- وميلاده: أن نبيًّا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو، وهم: محمد بن أُحيحة بن الجلاج الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمدان الجعفي، ومحمد بن خزاعي السلمي، لا سابع لهم (١)، ثم حمى الله كلَّ من تسمى به أن يدَّعي النبوة أو يدَّعيها أحدٌ له، أو يظهر
стр. 3417
له (١)، أو يظهر عليه سبب تشكك أحدًا في أمره حتى تحققت السمتان له ﷺ ، ولم ينازع فيهما. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِن بَعْدِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وكان بين رفع المسيح ومولد النبي ﷺ خمس مئة وخمس وأربعون سنة تقريبًا، وعاش المسيح إلى أن رُفع ثلاثًا وثلاثين سنة، وبين رفعه والهجرة الشريفة خمس مئة وثمان وتسعون سنة، ونزل عليه جبريل ﵇ عشر مرات، وأُمَّتُه النصارى على اختلافهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَاحِرٌ) بألف بعد السين وكسر الحاء، إشارة إلى عيسى ﵇، وقرأ الباقون: بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف، إشارة إلى ما جاء به (٣).
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ.
﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبة الشريك والولد إليه تعالى.
﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وهو الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ لما فيه من التوحيد وإبطال الشرك.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ قرأ ابن عامر: (تُنَجِّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم؛ من (نَجَّى)، والباقون: بإسكان النون وتخفيف الجيم؛ من أنجى (١).
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ .
[١١] ثم بين تلك التجارة فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وهو خبر بمعنى الأمر.
﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور من الإيمان والجهاد.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم.
стр. 3420
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (يَغفِر لَكُمْ) بإدغام الراء في اللام (١) وجزمه جواب شرط محذوف تقديره: إن تؤمنوا، يغفر لكم، وتعطف على (يَغْفِرْ).
﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ وطيبتُها بسعتِها ودوامِ أمرها.
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِك﴾ المذكور من المغفرة وإدخال الجنة.
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَأُخْرَى﴾ أَي: ولكم في الجهاد خصلة أخرى ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتلك الخصلة.
﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّه﴾ على قريش ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ هو فتح مكة.
﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والجنة.
стр. 3421
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ .
[١٤] ثم حضهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (أَنْصَارًا لِلِه) بالتنوين ولام الجر، وإذا وقفوا، أبدلوا من التنوين ألفًا؛ لأن المعنى المذكور كونوا بعضَ أنصار الله، وقرأ الباقون: (أَنْصَارَ) بغير تنوين (اللهِ) بغير لام الجر على إضافة (أَنْصَارَ) إلى (اللهِ) (١)؛ أي: أنصارَ دينه؛ لقوله: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)، وإذا وقفوا، أسكنوا الراء لا غير، وإذا ابتدؤوا، أتوا بهمزة الوصل.
﴿كَمَا﴾ أي: أقول لكم كما ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (لِلْحَوَارِيِّينَ) بالإمالة بخلاف عنه، والباقون: بالفتح، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنْصَارِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها، وأمال فتحة الصاد: الدوري عن الكسائي (٢)، المعنى: مَنِ المختص بي، فيساعدني في نصر دين الله؟.
стр. 3422
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الذين ينصرونه، وتقدم ذكر أسماء الحواريين وتفسير معناهم في سورة (آل عمران).
﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ بعيسى؛ لأنهم قالوا: عبد الله، فرفع إلى السماء.
﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ لقولهم: هو ابنه وشريكه، فاقتتلت الطائفتان، فظهرت الكافرة على المؤمنة.
﴿فَأَيَّدْنَا﴾ قوينا ونصرنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ ببعث محمد ﷺ .
﴿فَأَصْبَحُوا﴾ يعني: المؤمنين ﴿ظَاهِرِينَ﴾ غالبين أعداءهم بتصديق محمد ﷺ أن عيسى كلمة الله وروحه، والله أعلم.
стр. 3423
سورة الجمعة
مدنية، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: سبع مئة وثمانية وأربعون حرفًا، وكلمها: مئة وثمانون كلمة، وقيل: إنها مكية، وهو خطأ من قائله؛ لأن أمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة، وكذلك إقامة الجمعة وصلاتها والانفضاض بغير خلاف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ .
[١] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ﴾ تقدم تفسيره، ومعنى (سبح) بلفظ الماضي، و (يسبح) بلفظ المضارع أول سورة الحديد.
﴿القُدُّوس﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحديد، وجرُّ الأسماء الأربعة صفة (لله).
﴿هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ .
[٢] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ يعني: العرب كانت أمة أمية، لا تكتب
стр. 3424
ولا تقرأ ﴿رَسُولًا مِنْهُم﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، المعنى: بعث رجلًا أميًّا في أمة أمية نسبهُ نسبُهم.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ مع كونه أميًّا ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة.
﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: وما كانوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أى: من قبل مجيئه.
﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ إلا في ضلال بين (١) يعبدون الأوثان.
﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ عطف على (الأُميين)؛ أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم؛ أي: من بعدهم.
﴿لَمَّا﴾ أي: لم ﴿يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ بالأولين في فضل السابقة، وهم التابعون، أو العجم، وجميع طوائف الناس، لأن التابعين لا يدركون شأن الصحابة، و (ما) زيدت في (لم) تأكيدًا.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في اختياره.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿ذَلِكَ﴾ الفضلُ الذي أُعطيَه محمد ﷺ .
﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ تبيين لموقع النعمة وتخصيصه بها من شاء.
стр. 3425
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: قرؤوها، وكلفوا العمل بما فيها، وهم اليهود.
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ لأنهم لم يعملوا بما فيها، ولو عملوا، لآمنوا؛ لأن فيها نعته ﷺ ، فمثلهم في حملها وعدم الانتفاع بها.
﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ الذي ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ كتبًا، واحدها سِفْر، لا يدرك منها إلا ما يتعبه، وكل من علم علمًا ولم يعمل به، فهذا مثله.
﴿بِئْسَ﴾ فاعلُه ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ نعت القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على صدق محمد ﷺ ، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: بئس مَثَلُ القومِ المكذبين هذا المثلُ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم بتكذيب الأنبياء. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان: (التَّوْرَاةَ) بالإمالة حيث وقعت (١)، وقرأ أبو عمرو أيضًا، وورش، والدوري عن الكسائي، وابن ذكوان بخلاف عنه (الْحِمَارِ) بالإمالة.
стр. 3426
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾ .
[٦] ولما قال اليهود: نحن أولى بالله من غيرنا، نزل: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ تهودوا ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ جميعًا.
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ أي: اطلبوه؛ فإنه هو الذي يوصلكم إليه.
﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم.
﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ لعلمهم بكذبِهم، ولكفرِهم.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيجازيهم.
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ أي: من تمنيه مخافةَ أن يصيبكم.
﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر (إنَّ) لما في (الَّذي) من معنى الشرط، تقديره: إن فررتم من أي موت فررتم؛ كقتل وغيره، فإنكم ميتون.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت.
стр. 3427
﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وهو الله سبحانه، وتقدم تفسيره في سورة الحشر.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بأن يجازيكم عليه.
﴿يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ﴾ أي: أُذِّنَ (١) ﴿لِلصَّلَاةِ مِنْ﴾ أي: في ﴿يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وأول من سماه يومَ الجمعة كعبُ بن لؤي، وكان قبل ذلك يسمى عَروبة (٢)، ويسمى جمعة؛ لاجتماع المخلوقات فيه، وتكاملها كما تقدم في سورة (فصلت)، وقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع، أو لأن خلق آدم جُمع فيه.
وأولُ جمعة جمعها النبي ﷺ في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم بعد أن نزل على قباء، وأسس مسجدها، ثم خرج عامدًا إلى المدينة، فأدركته الصلاة ثَمَّ، فجمع هناك، وخطب (٣)، والمراد بالنداء: الأذان الذي عند المنبر عند جلوس الإمام للخطبة، وهو الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما كان زمن عثمان، وكثر الناس، وتباعدت المنازل، زاد مؤذنًا آخر على الزوراء يؤذن قبل جلوسه على
стр. 3428
المنبر، فإذا جلس، أذن الثاني، وهو المعتبر في وجوب السعي وترك البيع.
﴿فَاسْعَوْا﴾ فامضوا ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هو الصلاة.
﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ والشراء؛ لأن لفظ البيع يتناولهما، وسيأتي الكلام عليه مع أحكام الجمعة بعد انتهاء التفسير، والمراد بالسعي: المبادرة بالنية والجد، وليس المراد الإسراع في المشي.
قال ﷺ : "إذا كان يومُ الجمعة، كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الأولَ فالأولَ، فإذا خرج الإمام، طُويت الصحف، واجتمعوا للخطبة، والمهجِّرُ إلى الصلاة كالمهدي بَدَنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدى شاةً، حتى ذكر الدجاجة والبيضة" (١).
﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من المعاملة؛ فإن نفع الآخرة خير وأبقى.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مصالحَ أنفسكم ومضارَّها.
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ أي: فُرغ منها.
стр. 3429
﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ للتصرف في حوائجكم.
﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هو طلب العلم، وكسبُ الحلال.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في كل أحوالكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بخير الدارين.
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١﴾ .
[١١] وكان قد أصاب المدينةَ قحط شديد، وكان دِحْيَةُ بن خليفة الكلبيُّ يأتيهم بكل ما يحتاجون إليه من بر وشعير وغيرهما من الشام، وكان إذا قدم، ضُرب الطبل، ليعلم به، فقدم يوم الجمعة، وذلك قبل إسلامه، والنبيّ ﷺ يخطب، فضرب الطبل، فخرج الناس إليه ومن في المسجد؛ خوفًا أن يُسبقوا، ولم يبق عنده ﷺ غير اثني عشر رجلًا وامرأة، فنزل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (١) هي تجارة دحية ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ هو صوت الطبل.
﴿انْفَضُّوا﴾ تفرقوا عنك وذهبوا.
﴿إِلَيْهَا﴾ ولم يقل: إليهما؛ ردًّا للضمير إلى التجارة؛ لأنها كانت مطلوبَهم.
﴿وَتَركُوكَ﴾ في الخطبة ﴿قَائِمًا﴾ على المنبر.
стр. 3430
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ فإن نفع ذلك محقق. قرأ أبو عمرو: (مِنَ اللَّهْو وَّمِنَ التِّجَارَةِ) بإدغام الواو في الواو (١).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ لأنه موجد الأرزاق، فإياه فاسألوا، ومنه فاطلبوا.
وروي أن النفر الذين أقاموا عند رسول الله ﷺ بعدَ الانفضاض منهم جابرُ بن عبد الله، والعشرةُ المشهود لهم بالجنة، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: عبد الله بن مسعود، وروي أن رسول الله ﷺ قال: "لولا هؤلاء، لقد كانت الحجارةُ سُوِّمَتْ على المنفضِّين من السماء" (٢).
وأما أحكامُ الجمعة، فهي ركعتان فرض على كل ذكر مكلف حر صحيح مقيم بالاتفاق، وشرطها: الأبنية، أو قربها بالاتفاق، واشترط أبو حنيفة أن يكون بها أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، زاد بعضهم: وعالم يرجع إليه في الحوادث، ويشترط إذنُ الإمام فيها عند أبي حنيفة؛ خلافًا للثلاثة، ويشترط حضور أربعين ممن تلزمه عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ثلاثة سوى الإمام، وعند أبي يوسف اثنان سوى الإمام، وعند مالك ليس للجماعة التي تنعقد بهم الجمعة حد محصور، وأولُ وقتها عند أحمد وقت صلاة العيد، وعند
стр. 3431
الثلاثة وقت الزوال، وآخره آخر وقت الظهر بالاتفاق، وعن مالك يمتد إلى الغروب؛ بناء على أن وقت العصر والظهر عنده واحد.
وإذا وقع عيد يوم الجمعة، سقطت الجمعة عمن حضر العيد مع الإمام سقوطَ حضور لا وجوب؛ كمريض إلا الإمام، فإن اجتمع معه العدد المعتبر، أقامها، وإلا صلوا ظهرًا.
وتسقط صلاة العيد بصلاة الجمعة، سواء فعلت قبل الزوال أو بعده عند أحمد؛ خلافًا للثلاثة.
وشرطها تقدم خطبتين بالاتفاق، يجلس بينهما جلسة خفيفة عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة ليست الجلسة شرطًا، ويسلم الخطيب إذا صعد المنبر عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك لا يسلم، ويستحب جلوسه للأذان، والقيام في الخطبة بالاتفاق.
وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية، وخطب جالسًا.
والخطبة مشتقة من المخاطبة، والمنبر من نبر: إذا على صوته، والخطيب يعلو صوته.
ومن شرط صحة الخطبتين: حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقراءة آية، والوصية بالتقوى عند الشافعي وأحمد، وعند مالك أقله ما يسمى خطبة عند العرب، وفي مذهبه قول كالأول، وعند أبي حنيفة لو اقتصر على ذكر الله أجزأه، وكذلك التسبيحة ونحوها، وعند صاحبيه لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة.
стр. 3432
وتشترط لهما الطهارة من الحدث والخبث عند الشافعي، خلافًا للثلاثة، ولا يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة عند أحمد، وعند أبي حنيفة يجوز للعذر، وعند مالك والشافعي إذا أحدث بين الخطبة والصلاة، استخلف في الصلاة، واشترط الشافعي أن يكون سمع الخطبة؛ لأن من لم يسمعها ليس من أهل الجمعة، ولم يشترطه مالك.
ويجهر في الركعتين بالاتفاق.
ويجوز عند الشافعي وأحمد أكثر من جمعة إن احتيج إليه، وإلا، فالأولى الصحيحة، وهي السابقة بتكبيرة الإحرام، فإن جهلت، أو تساوتا، بطلتا، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا في موضع واحد، وعند محمد بن الحسن تصح في موضعين وثلاثة، وعند مالك لا يصلى في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا، فالصحيحة صلاة أهل المسجد العتيق.
ويحرم الكلام والإمام يخطب إذا كان منه بحيث يسمعه عند الشافعي.
وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك يسكت ولو كان بعيدًا.
ويكره البيع والشراء ممن تلزمه الجمع بعد ندائها الذي عند المنبر عند أبي حنيفة، ولا يفسد به البيع، وقال الثلاثة: يحرم، فلو باع، صح بيعه عند الشافعي خلافًا لمالك وأحمد، ويصح عند أحمد النكاح وسائر العقود غير البيع؛ خلافًا لمالك؛ فإن النكاح والإجارة عنده كالبيع.
وإذا انفضوا قبل إتمامها، استأنفوها ظهرًا عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك إن انفضوا بعد أن صلوا ركعة بسجدتيها، ولم يبق أحد غير الإمام، ولم يجد من يجمعها معه، بنى عليها ركعة، وصحت صلاته جمعة، كان انفضوا عنه قبل أن يفرغ من الركعة الأولى، يتم ظهرًا أربعًا،
стр. 3433
وعند أبي يوسف ومحمد إن انفضوا عنه بعد تكبيرة الإحرام، صلى جمعة.
ومن أدرك مع الإمام ركعة، أتمها جمعة بالاتفاق، ومن أدرك أقل من ذلك، أتمها ظهرًا إن كان قد نوى الظهر عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يتمها ظهرًا، لكن ينوي في اقتدائه الجمعة، وأحمد يشترط دخول وقت الظهر احترازًا عمن يصليها قبل وقت الزوال على قاعدته، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا أدرك التشهد، يتمها جمعة، وعند محمد يتمها أربعًا ظهرًا.
ويسن الغسل لها، وقراءة سورة الكهف في يومها وليلتها.
وتقدم اختلاف الأئمة في قراءة السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في صبحها في سورة آلمّ السجدة، ويستحب أن يكثر الدعاء في يومها، وأفضله بعد العصر؛ لساعة الإجابة.
وفي الحديث: "ما طلعت شمسٌ ولا غربت عليَّ أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يدعو الله فيها خيرًا إلا استجابَ الله له، أو يستعيذُ من شيء إلا أعاذَه اللهُ منه" (١).
قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها الإجابة أنها بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس.
وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرح البخاري" فيها ثلاثة وأربعين قولًا، ولخصها صاحب "الإنصاف" فيه، الأول: قيل: رفعت، الثاني: موجودة في جمعة واحدة في كل سنة، الثالث: مخفية في جميع
стр. 3434
اليوم، الرابع: تنتقل في يومها، ولا يلزم ساعة معينة، لا ظاهرة ولا مخفية، الخامس: إذا أذن لصلاة الغداة، السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، السابع: مثله، وزاد: من العصر إلى الغروب، الثامن: مثله، وزاد: ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر، التاسع: أول ساعة بعد طلوع الشمس، العاشر: عند طلوعها، الحادي عشر: في آخر الساعة الثالثة من النهار، الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع، الثالث عشر: مثله إلى أن يصير الظل ذراعًا، الرابع عشر: بعد الزوال بشير إلى ذراع، الخامس عشر: إذا زالت الشمس، السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل في الصلاة، الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، التاسع عشر: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، العشرون: ما بين خروجه إلى أن تنقضي الصلاة، الحادي والعشرون: ما بين تحريم البيع إلى حله الثاني والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، الثالث والعشرون: ما بين أن يجلس على المنبر إلى انقضاء الصلاة، الرابع والعشرون: عند خروج الإمام، الخامس والعشرون: عند التأذين والإقامة وتكبير الإمام، السادس والعشرون: مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاة، السابع والعشرون: من حين يفتتح الخطبة حتى يفرغها، الثامن والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، التاسع والعشرون: عند الجلوس بين الخطبتين، الثلاثون: عند نزوله عن المنبر، الحادي والثلاثون: حين تقام حتى يقوم الإمام في مقامه، الثاني والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى إتمام الصلاة، الثالث والثلاثون: وقت قراءة الإمام الفاتحة إلى أن يقول: آمين، الرابع والثلاثون: من الزوال إلى
стр. 3435
المغرب، الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، السادس والثلاثون: في صلاة العصر، السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، الثامن والثلاثون: بعد العصر مطلقًا، التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخره، الأربعون: من اصفرار الشمس إلى أن تغيب، الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرصها، أو من حين تتدلى للغروب إلى أن يتكامل غروبها، الثالث والأربعون: هي الساعة التي كان -عليه أفضل الصلاة والسلام- يصليها فيها.
قال الحافظ ﵀: وليست كلها متغايرة من كل وجه، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره، وليس المراد من أكثرها أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، والله أعلم (١).