← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 3816–3849 · переход к 3821.

стр. 3816

سُوْرَةُ الْمَاعُون مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني، وآيها: سبع آيات، وحروفها: مئة واثنا عشر حرفًا، وكلمها: خمس وعشرون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾ . [١] ﴿أَرَأَيْتَ﴾ المعنى: هل عرفت ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء والحساب. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثّانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، والباقون: بتحقيقها (١)، المعنى: إن لم تعرفه. * * * ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ . [٢] ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ يدفعه عن حقه بعنف؛ لأنّهم ما كانوا يورِّثون الصغار.

стр. 3817

﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ نفسَه ولا غيرَه ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وتقدم الكلام عليه في سورة الفجر. * * * ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ . [٤] ﴿فَوَيْلٌ﴾ تقدّم تفسيره في أول (الهُمَزَة) ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾. * * * ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ . [٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مؤخِّروها عن وقتها. * * * ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ هم المنافقون، يتركون الصّلاة إذا غابوا عن النَّاس، ويصلونها إذا حضروا. * * * ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ الزكاةَ المفروضةَ، وقيل عاريَّةَ المتاع. واتفق الأئمة على عدم جواز تأخير الصّلاة عن وقتها لمن وجبت عليه بغير عذر. واتفقوا على أن من جحد وجوبها كفر، وقُتل مرتدًا، ومن تركها تهاونًا

стр. 3818

وكسلًا، دُعي إلى فعلها، فإن أبي، فعند أبي حنيفة يحبس أبدًا حتّى يصلّي، وقيل: يضرب حتّى يسيل الدِّم، وعند الثّلاثة: يقتل. واختلفوا، فقال أحمد: يقتل كفرًا، وقال مالك والشّافعيّ: يقتل حدًّا. ووقت قتله عند الشّافعيّ: إذا ضاق وقت الصّلاة الأولى، وأخرجها عن وقت الضّرورة، وعند أحمد: إذا ترك صلاة، وتضايق وقت الّتي بعدها، وعند مالك: لا يرخص له بتأخيرها عن وقتها، فإن أتى بها، وإلا قتل. وأمّا الزَّكاة إذا منعها جاحدًا وجوبَها وهو جاهل؛ كحديث إسلام ونحوه، عُرِّفَ وبُصِّر، فإن لم يُقر، قُتل كفرًا بعد استتابته بالاتفاق. واختلفوا فيمن منعها بخلًا أو تهاونًا، فقال أبو حنيفة: يأخذها الإمام كرهًا، ويضعها موضَعها، وقال مالك والشّافعيّ: يُعَزَّر، وتؤخذ منه، وافقهما أحمد، وقال: إنَّ غيب ماله، أو كتمه، ولم يمكن أخذها، استُتيب ثلاثة أيّام، فإن تاب وأخرج، وإلا قتل حدًّا، والقتل من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة، والله أعلم.

стр. 3819

سُوْرَةُ الكَوْثْر مكية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: اثنان وأربعون حرفًا، وكلمها: عشر كلمات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ . [١] ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ اسم نهر في الجنَّة. روى أنس: "أن رسول الله ﷺ أغفى إغفاءة، ثمّ رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أُنزلت علي آنفًا سورة، وقرأها، ثمّ قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّه نهر وَعَدَنيه ربي، هو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُه عددُ النجوم، فيختلج العبدُ منهم، فأقول: ربِّ إنّه مني، فيقول: ما تدري ما أحدثَ بعدَك" (١). * * * ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ . [٢] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ صلاة العيد يوم النَّحر، وتقدم الكلام على صلاة

стр. 3820

العيدين والخلاف فيهما في سورة البقرة. ﴿وَانْحَرْ﴾ البدن بمنى، وقيل: إنَّ ناسًا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه أن يصلّي وينحر لله تعالى. وتقدم في سورة الحجِّ حكم الأضحية، والمجزئ منها، والأفضل، واختلاف الأئمة في ذلك، وفي ذبح الكتابي لها، وغير ذلك من أحكامها. وأمّا وقت الأضحية، فأوله عند أبي حنيفة: طلوع الفجر يوم النَّحر، إِلَّا أن أهل المصر لا يضحون قبل صلاة العيد، بخلاف أهل القرى، وعند مالك: بعد الصّلاة والخطبة، ولا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام متعمدًا إن كان الإمام ممّن يظهر النَّحر، وإلا فلينحر النَّاس وقتَ ذبحه، أو ذبح أقرب أئمة البلدان إليهم، وعند الشّافعيّ: وقتها إذا طلعت الشّمس يوم النَّحر، ثمّ مضى قدرُ ركعتين وخطبتين خفيفتين، وعند أحمد: يوم العيد بعد الصّلاة أو قدرها، وأيام النَّحر عند الشّافعيّ: يوم النَّحر، وأيام التّشريق الثّلاثة، وعند الأئمة الثّلاثة: يوم النَّحر، ويومان من أيّام التّشريق. * * * ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ . [٣] ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ مبغضك. قرأ أبو جعفر: (شَانِيكَ) بياء مفتوحة، والباقون: بالهمز (١) ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الأقلُّ الأذلُّ. روي أن العاص بن وائل كان إذا ذُكر رسول الله ﷺ قال: دعوه؛ فإنّه

стр. 3821

رجل أبتر لا عقبَ له، فإذا هلك، انقطع ذكره، فأنزل الله السورة (١). وكوثر بناء مبالغة من الكثر، ولا محالة أن الّذي أعطى الله نبيه ﷺ من النبوة والحكمة والعلم بربه، والفوز برضوانه، والشرف على عباده، هو أكثر الأشياء وأعظمها، فكأنّه يقال في الآية: إنا أعطيناك الحظَّ الأعظمَ، والله أعلم. * * *

стр. 3822

سُوْرَةُ الكَافِرون مكية، وآيها: ست آيات، وحروفها: أربعة وتسعون حرفًا، وكلمها: ست وعشرون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ . [١] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ سبب نزولها أن جماعة من المشركين قالوا للنبي ﷺ : اعبد آلهتنا سنة، ونعبدُ ربك سنة، فقال: "معاذَ الله أن أشرك به غيره"، قال: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد آلهك، فقال: "حتّى أنظر ما يأتي من ربي"، فأنزل الله السورة، فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثمّ قرأها عليهم حتّى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك، وآذْوه وأصحابَه (٢). * * *

стр. 3823

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ . [٢] ومعنى ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ لا أعبد الأصنام الّتي تعبدون. * * * ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هو الله ؛ لإشراككم به، واتخاذكم معه الأصنام، فإن زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين به. * * * ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ و (ما) هنا مصدرية، وكذا في الّذي بعده؛ أي: لا أعبد مثل عبادتكم. * * * ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون مثلَ عبادتي الّتي هي توحيد، تلخيصه: أنّه ﷺ نفى أن يكون على مثل حالهم، أو يكونوا على مثل حاله، وهذا التّرتيب ليس بتكرار، بل هو بارع الفصاحة، وفيه التأكيد والإبلاغ. قرأ هشام عن ابن عامر: (عَابِدٌ) و (عَابِدُونَ) في الحرفين بالإمالة، والباقون: بالفتح (١).

стр. 3824

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ . [٦] ثمّ زاد الأمرَ بيانًا وتبرؤًا منهم بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الشركُ. ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلامُ. قرأ نافع، وهشام، وحفص، والبزي بخلاف عنه: (وَلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ يعقوب: (دِينِي) بإثبات الياء في الحالين، والباقون: بحذفها فيهما (٢)، وفي هذه الألفاظ مهادنة ما، وهي منسوخة بآية القتال، والله أعلم. * * *

стр. 3825

سُوْرَةُ النَّصْر مدنية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: تسعة وسبعون حرفًا، وكلمها: تسع عشرة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لما صالح رسول الله ﷺ قريشًا عام الحديبية على وضع الحرب على النَّاس عشر سنين كما تقدّم في سورة الفتح، دخل بنو بكر بن عبد مناف في عقد قريش، ودخل بنو خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، فعدَتْ بنو بكر على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكّة يقال له: الوتير، وتظاهرت قريش مع بني بكر، وأعانوهم بالرجال والسلاح بعد أن وعدوهم، ووافوهم متنكرين، فبيتوا خزاعة ليلًا، فقتلوا منهم عشرين، ثمّ ندمت قريش على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض العهد الّذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه، فقدموا على رسول الله ﷺ مستعينين به، فوقف عمرو عليه وهو جالس في المسجد، وأنشده أبياتًا يسأله أن ينصره، فقال رسول الله ﷺ : "نُصِرْت يا عَمْرَو بنَ سالمِ"، ثمّ قدم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة على النّبيّ ﷺ ، وأخبره، فقال: "كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد العقد، ويزيد في المدة"، فكان كذلك، ثمّ قدم أبو سفيان المدينة، فدخل

стр. 3826

على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين زوجِ رسول الله ﷺ ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ ، طَوَتْه عنه، فقال: ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فِراشُ رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر. ثمّ خرج وأتى النبيَّ ﷺ ، فكلمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، ثمّ إلى عمر، ثمّ إلى علي ﵃ على أن يكلموا النّبي ﷺ في أمره، وتشفَّع بهم، فلم يفعلوا، فقال لعلي: يا أبا الحسن! إنِّي أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني، قال: والله لا أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين النَّاس، والحقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك يغني عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها النَّاس! إنِّي قد أجرتُ بين النَّاس، ثمّ ركب بعيره وانطلق. فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنّه قد (١) أجار بين النَّاس، قالوا: فهل أجاز محمّد ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله إنَّ زاد الرَّجل على أن لعب بك. ثمّ أمر رسولُ الله ﷺ بالجهاد، وأمر أهله أن يجهزوه، ثمّ أعلم النَّاس أنّه يريد مكّة، وقال: "اللَّهُمَّ خُذِ العيونَ والأخبارَ عن قريش حتّى نَبْغَتَهم في بلادهم"، ثمّ مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف على المدينة كلثوم بن الحصين الغفاري، فخرج لعشرة مضين من شهر رمضان، ومعه المهاجرون والأنصار، وطوائف من العرب، فكان جيشه عشرة آلاف، فصام وصام

стр. 3827

النَّاس معه، حتّى إذا كان بالكديد، وهو الماء الّذي بين قديد، أفطرَ، وبلغ ذلك قريشًا، فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس ﵁ أسلم قديمًا، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرًا، فلقي رسولَ الله ﷺ بالجحفة، أو بذي الحليفة. ثمّ حضر أبو سفيان على يدي العباس إلى النّبيّ ﷺ بعد أن أستأمن له، فأسلم هو وحكيم وبديل، وممن أسلم يوم الفتح: معاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنّه أسلم يوم الحديبية، فكتم إسلامه من أبيه وأمه، وقال العباس: يا رسول الله! إنَّ أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا يكون في قومه فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِن، ومن دخلَ المسجدَ فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ حكيمِ بنِ حزام فهو آمنٌ". ثمّ أمر رسول الله ﷺ أن تُركز رايةُ سعد بن عبادة بالحجون لما بلغه أنّه قال: اليومَ يومُ الملحمة، اليومَ تُستحل الكعبة، فقال: "كذبَ سعدٌ، ولكن هذا يوم يعظِّمُ اللهُ فيه الكعبةَ، ويومٌ تُكْسى فيه الكعبة"، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكّة من كداء في بعض النَّاس، وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأنّ النّبيّ ﷺ نهى عن القتال؛ إِلَّا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش، فرموه بالنبل، ومنعوه من الدخول، فقاتلهم خالد، فقُتل من المشركين ثمانية وعشرون رجلًا، فلما ظهر النّبيّ ﷺ على ذلك، قال: "ألم أَنْهَهُ عن القتال؟ "، فقالوا له: إنَّ خالدًا قوتل فقاتل، وقُتل من المسلمين رجلان، ودخل النّبيّ ﷺ من كداء على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح، يُرَجِّع.

стр. 3828

وكان فتح مكّة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة الشريفة، وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصّلاة، ثمّ خرج إلى هوازن وثقيف، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم فتحها، هل هو صلح أو عَنوة؟ وحكمُ بيع دورها في سورة الحجِّ. ولما دخل رسول الله ﷺ مكّة، كان على الكعبة ثلاث مئة وستون صنمًا، قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء ومعه قضيب، فجعل يومي إلى كلّ صنم منها، فيخرُّ لوجهه، فيقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، حتّى مر عليها كلِّها، وكان على رأسه ﷺ عِمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة وقال: "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه، ألَّا إنَّ كلّ مأثورة أو دم أو مال يُدَّعى فهو تحت قدميَّ هاتين، إِلَّا سدانةَ الكعبة، وسقايةَ الحاج"، ثمّ قال: "يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ "، قالوا جميعًا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: "أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآية [يوسف: ٩٢]، ثمّ قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، ثمّ طاف بالبيت سبعًا على راحلته، واستلم الركن بمِحْجَن كان في يده، ودخل الكعبة، ورأى فيها الشخوص على سورة الملائكة، وصورةَ إبراهيم (١) وفي يده الأزلامُ يستقسم بها، فقال: "قاتَلَهُمُ الله! جعلوا شيخنا يستقسِمُ بالأزلام، ما شأنُ إبراهيمَ والأزلام؟! "، ثمّ أمر بتلك الصور فطُمست، وصلَّى في البيت، ثمّ جلس على الصفا، وعمرُ بنُ الخطّاب أسفلَ منه يأخذ على النَّاس، وبات النَّاس على السمع والطاعة لله ورسوله،

стр. 3829

فبايع الرجال ثمّ النِّساء، ولما جاء وقت الظهر، أذن بلال ﵁ على ظهر الكعبة، وقام علي ﵁ ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسولَ الله! اجمع لنا الحجابةَ مع السقاية صلَّى الله عليك، فقال ﷺ : "أين عثمانُ بنُ طلحة؟ "، فدُعي له، فقال: "هاكَ مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بِرٍّ ووفاء، وقال: خذوها تالدةً خالدةً، لا ينزِعُها منكم إِلَّا ظالم، يا عثمان! إنَّ الله استأمنكم على بيته، فكلوا ممّا يصلُ إليكم من هذا البيت بالمعروف" (١) . * * * ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾. [١] قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ﴾ لكَ يا محمدُ على من عاداك وناوأك ﴿وَالْفَتْحُ﴾ هو فتح مكّة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن. * * * ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ . [٢] ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ نصب على الحال من فاعل (يَدْخُلُونَ) أي: جماعات متفرقة؛ لأنّه ﷺ لما فتح مكّة، جاءه العرب من أقطار العرب طائعين بعد أن كانوا يدخلون واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، وما مات ﷺ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام. * * *

стр. 3830

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ . [٣] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد، حامدًا له عليه ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ ترجية عظيمة للمستغفرين. ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ لمن استغفر، فإنك حينئذ (١) لاحق به، وذائق الموت كما ذاق مَنْ قبلك من الرسل، وعند الكمال يُترقب الزَّوال. قال ابن عبّاس ﵄: "لما نزلت هذه السورة، علم النّبيّ ﷺ أنّه قد نُعيت إليه نفسه" (٢)، وكان ﷺ بعد نزولها يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه (٣)، فعاش بعدها سنتين، لم يُرَ ضاحكًا مستبشرًا (٤)، وحج ﷺ فنزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعاش أحدًا وثمانين يومًا، فنزل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فعاش خمسين يومًا، فنزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش خمسة وثلاثين يومًا، فنزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فعاش أحدًا وعشرين يومًا، وتوفي ﷺ يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ودفن ليلة الأربعاء في سنة إحدى عشرة من الهجرة الشريفة، وكان مرضه ثلاث عشرة

стр. 3831

ليلة، ودفن في الموضع الّذي توفاه الله فيه، وله ثلاث وستون سنة، ولم يترك درهمًا ولا دينارًا. قال أنس بن مالك ﵁: "لما كانَ اليومُ الّذي دخلَ فيه رسولُ الله ﷺ يعني: المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه، أظلمَ منها كلُّ شيء ﷺ " (١) وشَرَّفَ وكَرَّم. * * *

стр. 3832

سُوْرَةُ المَسَدْ مكية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: أحد وثمانون حرفًا، وكلمها: ثلاث وعشرون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ . [١] ﴿تَبَّتْ﴾ أي: خسرت ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي: هو، أخبر عن يديه والمراد بهما: نفسُه؛ على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله، وأسند ذلك إلى اليدين؛ من حيثُ اليدُ موضع الكسب والربح، وأبو لهب هو عبدُ العزى بنُ عبد المطلب، وهو عم النّبيّ ﷺ ، وكني لشهرته بكنيته دون اسمه (١). قرأ ابن كثير: (لَهْبٍ) بإسكان الهاء، والباقون: بفتحها (٢)، وهما لغتان، ولا خلاف في الحرف الثّاني أنّه بالفتح. (وَتَبَّ) فالأول دعاء، والثّاني خبرة كقولهم: أهلكه الله تعالى، وقد هلك.

стр. 3833

وسبب نزولها: لما دعا رسول الله ﷺ قومه إليه، وقال لهم: "إِنِّي نَذيرٌ لكم بينَ يَدَي عذابٍ شديدٍ"، قال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا (١)؟! وروي أنّه أخذ حجرًا ليرميه، فافترقوا عنه، فنزلت السورة (٢) . * * * ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾. [٢] ﴿مَا أَغْنَى﴾ (ما) نافية؛ أي: ما يغني ﴿عَنْهُ مَالُهُ﴾ أي: ما يدفع عنه عذابَ الله ما جمعَ من المال، وكان صاحب مواشي ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿كَسَبَ﴾ من عَرَض الدنيا من عقار ونحوه، وقيل: المراد بما كسب: بنوه، فكأنّه قال: ما أغنى عنه مالُه وولده. وقال ﷺ : "خيرُ ما كَسَبَ الرَّجلُ من عملِ يدِه، وإن ولدَ الرجلِ من كَسْبِه" (٣) . * * * ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾. [٣] ثمّ أوعده بالنار فقال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ صاحبةَ تلهُّب وتوقُّد.

стр. 3834

﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ . [٤] وتعطف على ضمير ﴿سَيَصْلَى﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ أمُّ جميل بنتُ حرب أختُ أبي سفيان ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي: الخطايا. وقال ابن عبّاس: كانت تجيء بالشوك، وتطرحه في طريق النّبيّ ﷺ وطريق أصحابه؛ لتعقرَهم بذلك، فسميت: حمالة الحطب. قرأ عاصم: (حَمَّالَةَ) بالنصب على الذم؛ كقوله: ﴿مَّلْعُوْنِيْنَ﴾، وقرأ الباقون: بالرفع (١)، وله وجهان: أحدهما: سيصلى هو وامرأتهُ حمالةُ الحطب، والثّاني: وامرأته حمالةُ الحطب في النّار أيضًا. * * * ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ . [٥] ﴿فِي جِيدِهَا﴾ عنقها ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعًا، وأصله من المَسْد، وهو الفتل الشديد، فبينا هي ذات يوم حاملة حزمة، فأعيت (٢)، فقعدت على حجر تستريح، فأتاها ملَكٌ فجذبها من حلقها (٣)، فأهلكها الله (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 3835

سُوْرَةُ الإخْلاص مختلف فيها، وآيها: أربع آيات، وحروفها: سبعة وأربعون حرفًا، وكلمها: خمس عشرة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ . [١] عن أبي بن كعب ﵁: أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن صفة الله (١) -سبحانه وتعالى عما يقول الكافرون (٢) -، فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ﴾ (٣) (هو) ضمير الشأن ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ معناه: واحد فرد من جميع جهات الوحدانية، ليس كمثله شيء، وهو ابتداء، و (اللَّهُ) ابتداء ثان، و (أَحَدٌ) خبره، والجملة خبر الأوّل. * * * ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾. [٢] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ الّذي لا جوف له؛ لأنّه تعالى ليس بجسم

стр. 3836

ولا مركب؛ لأنّه لو كان مركبًا، لكان له باطن، والصمد في كلام العرب: السَّيِّد الذي يُصمد إليه في الأمور، و (اللهُ الصَّمَدُ) ابتداء وخبر، والقراءة وصلًا (أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ) منونًا مكسورًا لالتقاء الساكنين، وكان أبو عمرو في أكثر الروايات عنه يسكت عند (هُوَ اللهُ أَحَد)، وزعم أن العرب لا تصل مثل هذا، وروي عنه أنّه قال: وصلُها قراءة موضوعة (١)، وروي عنه أنّه قال: أدركت القراء كذلك يقرؤونها (قُلْ هُوَ اللهُ أَحد)، وإن وصلت، نونت، وروي عنه أنّه قال: أحبُّ إليَّ إذا كان رأس آية أن يسكت عندها، وذلك لأنّ الآية منقطعة ممّا بعدها، مكتفية بمعناها، فهي فاصلة، وبها سميت آية، وأمّا وقفهم كلهم، فيسكتون على الدال (٢). * * * ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ . [٣] ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لعدم المجانسة؛ لأنّه لم يكن له من يجانسه فيتوالد (٣) ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنّ كلّ مولود محدَثٌ وجسمٌ، وهو تعالى ليس بجسم ولا محدَث، وهو رد على إشارة الكفار في النسب الّذي سألوه. * * * ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا﴾ خبر (كان)، وأسمها ﴿أَحَدٌ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (كُفُوًا) بضم الفاء وفتح الواو من غير همز، وقرأ حمزة،

стр. 3837

ويعقوب، وخلف: بإسكان الفاء مع الهمز، وإذا وقف حمزة، أبدل الهمزة واوًا مفتوحة اتِّباعًا للخط، وقرأ الباقون: بضم الفاء مع الهمز (١)، وكلها لغات صحيحة، ومعناها: المثل، المعنى: لا أحد يكافئه، ولا يماثله في شيء ما، وقد احتوت هذه السورة على كلّ صفاته تعالى. وقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثلثَ القرآن" (٢)؛ لما فيها من التّوحيد، والله أعلم. * * *

стр. 3838

سُوْرَةُ الفَلَقْ مدنية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: ثلاثة وسبعون حرفًا، وكلمها: ثلاث وعشرون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ روي أن بنات لَبيد بنِ الأعصم اليهودي كنَّ ساحرات، وهن اللواتي سحرْنَ مع أبيهن (١) رسولَ الله ﷺ ، وعَقَدْنَ له إحدى عشرة عقدة، فروي أنّه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه، حتّى إنّه ليُخَيَّلُ إليه أنّه فعلَ الشيءَ وما فعلَه، وكان تسلُّط السحرِ على ظاهره وجوارحِه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، فأنزل الله إحدى عشرة آية بعدد العقد هُنَّ المعوذتان، وأمره أن يتعوذ بهما، فجعل كلما يقرأ آية، انحلت عقدة، ووجد ﷺ خفة حتّى انحلت عنه العقدة الأخيرة، فقام كأنما أنشط من عقال (٢). ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾. [١] فقال تعالى (٣): ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أستجير ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ الصُّبح؛ لأنّ

стр. 3839

عموده يتفلَّق بالضياء عن الظلام، ومنه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. * * * ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ . [٢] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (ما) بمعنى الّذي يعمُّ كلَّ موجود له شر. وقرأ بعض المعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الشر (مِنْ شَرٍّ) بالتنوين (١) (ما خَلَقَ) على النَّفْي، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، فالله (٢) خالقُ كلِّ شيء. * * * ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾ هو القمر ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ خسفَ واسودَّ. عن عائشة ﵂ قالت: "أخذ رسولُ الله ﷺ بيدي، فأشار إلى القمر، فقال: يا عائشة! تعوَّذِي بالله من شرِّ هذا؛ فإن هذا الغاسِقُ إذا وَقَبَ" (٣). * * * ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ . [٤] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ السواحر اللواتي ينفثْنَ في عقد

стр. 3840

الخيط إذا رَقَيْن. قرأ رويس عن يعقوب بخلاف عنه: (النَّافِثَاتِ) بألف بعد النون وكسر الفاء مخففة من غير ألف بعدها، وقرأ روح عن يعقوب أيضًا بخلاف عنه: (النُّفَاثَاتِ) بضم النون [وتخفيف الفاء جمع نُفاثة، وهو ما أنفثته من فيك، وقرأ الباقون: بتشديد الفاء وفتحها وألف بعدها من غير ألف بعد النون (١)، وأجمعت المصاحف على حذف الألفين، فاحتملتها] (٢) القراءات، والكلُّ مأخوذ من النفث، وهو شبهُ النفخ يكون في الرقية، ولا ريقَ معه، فإن كان معه ريق، فهو الثفل، يقال منه: نفث الراقي ينفُث وينفِث -بالضم والكسر-، فالنفاثات في العقد -بالتشديد-: السواحر على مراد تكرار الفعل والاحتراف به، والنفاثات تكون للدفعة الواحدة من الفعل ولتكراره أيضًا، فالقراءات كلها ترجع إلى شيء واحد، ولا تخالف الرسم. * * * ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ أظهر حسده، وعمل بمقتضاه، والحسد أخبثُ الطبائع، وهو تمني زوال النعمة عن مستحقها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا. قال ﷺ : "الحسدُ يأكلُ الحسنات كما تأكلُ النارُ الحطبَ" (٣).

стр. 3841

وقد روي عن الله أنّه قال: "الحاسدُ مُضادٌّ لقضائي، جاحِدٌ لنَعْمائي" (١). قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "ما رأيت ظالمًا أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، غَمٌّ دائم، ونفسٌ متتِابع" (٢). وأول ذنب عُصي الله تعالى به في السَّماء: حسدُ إبليس لآدم، فأخرجه من الجنَّة، فطرد (٣)، وصار به شيطانًا رجيمًا، وفي الأرض: حسدُ قابيل لأخيه هابيل، فقتله. وعين الحاسد في الأغلب لا تضر، قال بعضهم: كلّ أحد يمكن أن ترضيه إِلَّا الحاسد؛ فإنّه لا يُرضيه إِلَّا زوالُ النعمة عنك. وأنشد بعضهم: فَكُلٌّ أُداريهِ على حسبِ حالِهِ ... سِوى حاسدٍ (٤) فَهْيَ الّتي لا أَنالُها وكيفَ يُداري المرءُ حاسدَ نعمةٍ ... إذا كانَ لا يُرضيه إِلَّا زَوالهُا قال الحسين بن الفضل: ذكر الله تعالى الشرور في هذه السورة، ثمّ ختمها بالحسد؛ ليظهر أنّه أخس طبع (٥).

стр. 3842

[قال ﷺ : "لَّا حسدَ إِلَّا في اثنتين: رجلٍ أتاه الله مالًا، فسَلَّطَهُ على هلكته في الحق، ورجلٍ آتاه الله حكمةً، فهو يقضي بها، ويُعَلِّمُها" (١)] (٢). وروي أن المراد بالحاسد إذا حسد: اليهود؛ فإنهم كانوا يحسدون النّبيّ ﷺ ، والله أعلم. * * *

стр. 3843

سُوْرَةُ النَّاسِ مدنية، وآيها: ست آيات، وحروفها: ثمانون حرفًا، وكلمها عشرون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ . [١] ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ قرأ ورش عن نافع في السورتين: بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وهو اللام، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزة مع إسكان اللام قبلها (١) ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ الّذي يملك عليهم أمورَهم، وهو إلههم ومعبودهم، وخُصُّوا بالذكر وإن كان ربَّ كلّ مخلوق (٢) ؛ تشريفًا لهم. * * * ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾. [٢] ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾.

стр. 3844

﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ . [٣] ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ عطف بيان لربِّ؛ لأنّه قد يقال لغيره: ربُّ النَّاس؛ كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وقد يقال: ملكُ النَّاس، وأمّا إلهُ النَّاس، فمختصٌّ به تعالى، لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان، وتكرير النَّاس؛ لما في الإظهار من مزيد البيان، وعطف البيان للبيان، فكأنّه مَظِنَّة للإظهار دون الإضمار. * * * ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ . [٤] ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ اسم من أسماء الشيطان، سمي به؛ لكثرة ملابسته إياه، وهو أيضًا ما توسوس به شهواتُ النفس وتسوِّلُه. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الكثيرِ التأخرِ، له رأس كرأس الحية، يحتم على القلب، فإذا ذكرَ العبدُ ربه، خنس؛ أي: تأخر، فإذا غفل عن ذكر الله، رجع فوضع رأسه على ثمرة القلب، فمنَّاه وحدَّثه. * * * ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ . [٥] ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ إذا غفلوا عن ذكر ربهم، والوسوسة: الصوت الخفي. * * * ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ . [٦] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ يعني: يدخل في الجني، ويوسوس له؛

стр. 3845

كما يفعل بالإنسي، وقيل: هو بيان لمن يوسوس؛ لأنّ الشيطان إنسي وجني؛ لقوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ أي: من شر وسوسة الإنس والجن، ويعضد هذا القول قول ابن عطية ﵀: ويظهر أيضًا أن يكون قوله: (وَالنَّاسِ) يراد به من يوسوس بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان (١). وسمي الجن جنًّا؛ لاجتنانهم؛ أي: استتارهم، والناسُ ناسًا؛ لظهورهم؛ من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشرًا؛ من البشرة، وهو وجه الجلد. قرأ أبو عمرو، والكسائي: بإمالة فتحة النون من (النَّاسِ) (٢) حيث وقع هذا الاسم مجرورًا في جميع القرآن، وروي عن الأوّل: الفتح، والوجهان صحيحان عنه من رواية الدوري، وقرأ الباقون: بالفتح (٣)، والله أعلم. * * *

стр. 3846

فَصْلٌ فِي خَتْمِ القُرآنِ العَظِيْمِ روي عن ابن كثير ﵀ أنّه كان إذا انتهى في آخر الختمة إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قرأ سورة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وخمسَ آياتٍ من أول سورة البقرة على عدد الكوفي، وهو إلى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ لأنّ هذا يسمى الحالَّ والمرتَحِلَ، ومعناه: أنّه حلَّ في قراءته آخر الختمة، وارتحل إلى ختمة أخرى، وصار العمل على هذا في أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها. وورد النص عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أنّه إذا قرأ سورة النَّاس، يدعو عقب ذلك، فلم يستحب أن يصل ختمته بقراءة شيء، وروي عنه قول آخر بالاستحباب (١). وقد ورد الحديث الشريف عن النّبيّ ﷺ : "أفضلُ الأعمالِ الحالُّ المُرْتَحِلُ" (٢). وروي عن ابن عبّاس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله! أيُّ الأعمال

стр. 3847

أفضل؟ قال: "عليكَ بالحالِّ المرتحل" قال: وما الحالُّ المرتحلُ؟ قال: "صاحب القرآن، كلما حلَّ ارتحل" (١). وروي أيضًا عن ابن عبّاس بزيادة، وهي: يا رسول الله! وما الحالَّ المرتحل؟ قال "فتح القرآن وختمه، صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلَّما حلَّ ارتحلَ" (٢). وعنه ﷺ : "أنّه أمر عليَّ بن أبي طالب ﵁ أن يدعو عند ختم القرآن بهذا الدُّعاء، وهو: "اللهمَّ إنِّي أسأَلُكَ إخباتَ المُخْبِتين، وإخلاصَ الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمةَ من كلِّ بِرّ، والسلامةَ من كلّ إثم، ووجوبَ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والفوزَ بالجنة، والخلاصَ من النار" (٣). وروي عن مجاهد: أن الدُّعاء عند ختم القرآن مستجاب. وعن سفيان بن حبيب بن عميرة: إذا ختم الرَّجل القرآن، قَبَّلَ الملَكُ بين عينيه (٤)، وبلغَ ذلك الإمامَ أحمدَ، فاستحسنه.

стр. 3848

وعن الإمام البخاريّ أنّه قال: "عندَ كلِّ ختمِ دعوةٌ مستجابة" (١). ونص الإمام أحمد على استحباب الدُّعاء عند الختم، وكذا جماعة من السلف، فيدعو بما أحب مستقبلَ القبلة، رافعًا يديه، خاضعًا لله ، خاشعًا بين يديه، محسنًا التأدُّبَ مع الله تعالى، ولا يتكلف السجع في الدُّعاء، بل يجتنبه، ويثني على الله قبل الدُّعاء وبعده، ويصلّي على النّبيّ ﷺ ، ويدعو وهو متيقن الإجابة، ويمسح وجهه بيديه بعد فراغه من الدُّعاء. قال الشّيخ أبو سليمان الداراني ﵀: إذا سألتَ الله حاجةً، فابدأ بالصلاة على النّبيّ ﷺ ، ثمّ ادع بما شئت، ثمّ اختم بالصلاة عليه ﷺ فإن الله سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما (٢). قال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السَّماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح، فأركانه: حضور القلب، والرقة، والاستكانة، والخشوع، وتعلّق القلب بالله وقطعه من الأسباب، وأجنحته: الصدق، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصّلاة على النّبيّ ﷺ (٣). اللهمَّ صلِّ على سيدنا محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهمَّ صلِّ على جميع الأنبياء والمرسلين، حسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 3849

* قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه عبدُ الرّحمن بنُ محمّد العمريُّ الحنبلي، ستره الله بحلمه، ولطف به في مواقع قضائه وقدره: جمعته بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله وعظَّمه- بقبة موسى -عَمَرها الله بذكره- تجاه باب السلسة أحدِ أبواب المسجد الشريف في نحو ثمانية عشر شهرًا، وكان الفراغ منه في بكرة يوم الجمعة الغراء، السابع من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته من شهور سنة أربع عشرة وتسع مئة، ثمّ بيضته بالمحل الشريف المشار إليه، وكان الفراغ من تبييضه عند أذان الظهر من يوم الأحد الثّاني (١) والعشرين من شهر شوال المبارك سنة سبع عشرة وتسع مئة من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية، على صاحبها أفضل الصّلاة والسلام، والتحية والإكرام، والحمد لله وحده، وصلّى الله على من لا نبيَّ بعده، ورضي الله عن أصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته أجمعين (٢) (٣).