لأنها ليلة تقدير الأحكام والأمور، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة؛ لقوله ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
...
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ .
[٣] روي أن رسول الله ذُكر له رجلٌ من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألفَ شهر، فعجب رسولُ الله ﷺ ، وتمنى ذلك لأمته، فقال: "يا ربِّ جعلْتَ أمتي أقصرَ الأممِ أعمارًا، وأقلَّ أعمالًا"، فأعطاه الله ليلة القدر (١)، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: قيامُها والعبادةُ فيها.
﴿خَيْرٌ مِنْ﴾ عمل ﴿أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلةُ القدر، وهي ثماثون سنة، وثلاثة أعوام، وثلث عام (٢).
وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال حين عوتب في تسليمه الأمرَ لمعاوية: "إن الله تعالى أرى نبيَّه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزوَ القردة، فاهتمَّ لذلك، فأعطاه الله ليلة القدر خير له ولذريته ولأهل بيته من ألف شهر" (٣)، وهي مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس هذا القدرَ من الزمان، ثم كُشِفَ الغيبُ أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوكهم هذا القدر من الزمان بعينه.
стр. 3782
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ .
[٤] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل ﵇ ﴿فِيهَا﴾ أي: في ليلة القدر. قرأ البزي (شَهْر تَّنَزَّلُ) بتشديد التاء حالة الوصل (١).
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره ﴿مِنْ كُلِّ﴾ أي: بكل ﴿أَمْرٍ﴾ من الخير والشر.
...
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ أي: سلام على أولياء الله وأهل طاعته، وسميت سلامًا؛ لكثرة السلام فيها؛ لأن الملائكة لا تمر بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلَّمت عليه، فـ (حَتَّى) متعلقة بـ (سَلاَمٌ)؛ أي: إن الملائكة تسلم من غروب الشمس.
﴿حَتَّى﴾ أي: إلى وقت ﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: طلوعه. قرأ الكسائي، وخلف: (مَطْلِعِ) بكسر اللام، والباقون: بفتحها (٢)، وهما لغتان في مصدر طَلَع، والأزرق عن ورش على أصله في تفخيمها.
عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من قامَ ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبِه" (٣).
стр. 3783
والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة، وقد أبهمها الله على الأمة؛ ليجتهدوا في الدعاء والعبادة لياليَ شهر رمضان؛ طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمَه الأعظم في الأسماء، وأخفى قيامَ الساعة (١)؛ ليجتهدوا في الطاعات؛ حذرًا من قيامها.
واختلف الأئمة فيها، فعند أبي حنيفة: هي في شهر رمضان تدور فيه، وعنه رواية تدور في كل السنة، وعند صاحبيه: هي منكَّرة؛ أي: غير معينة، ولكنها دائمة في شهر رمضان؛ أي: ثابتة لا تتقدم ولا تتأخر، وعند مالك: هي في شهر رمضان في العشر الأخير لتسع بقين، أو سبع أو خمس، وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين، أو الثالث والعشرين منه، وعند أحمد: هي في العشر الأخير منه، والوتر آكد، وأرجاه ليلة سبع وعشرين.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في "شرح البخاري" (٢) فيها خمسة وأربعين قولًا، ولخصها صاحب "الإنصاف" فيه: الأول: قد رفعت، والثاني: خاصة بسنة واحدة وقعت في زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، الثالث: خاصة بهذه الأمة، الرابع: ممكنة في جميع السنة، الخامس: تنتقل في جميع السنة، السادس: ليلة النصف من شعبان،
стр. 3784
السابع: مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، الثامن: أول ليلة منه، التاسع: النصف منه، العاشر: ليلة سبع عشرة، الحادي عشر: ثماني عشر، الثاني عشر: تسع عشر، الثالث عشر: حادي عشرين، الرابع عشر: ثاني عشرين، الخامس عشر: ثالث عشرين، السادس عشر: رابع عشرين، السابع عشر: خامس عشرين، الثامن عشر: سادس عشرين، التاسع عشر: سابع عشرين، العشرون: ثامن عشرين، الحادي والعشرون: تاسع عشرين، الثاني والعشرون: ليلة الثلاثين، الثالث والعشرون: أرجاها ليلة إحدى وعشرين، الرابع والعشرون: ثلاث وعشرين، الخامس والعشرون: سبع وعشرين، السادس والعشرون: تنتقل في جميع رمضان، السابع والعشرون: في النصف الأخير، الثامن والعشرون: في العشر الأخير كله، التاسع والعشرون: في أوتار العشر الأخير، الثلاثون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة، الحادي والثلاثون: في السبع الأواخر، وهي الليالي السبع من آخر الشهر، الثاني والثلاثون: أو هي آخر سبع من الشهر، الثالث والثلاثون: منحصرة في السبع الأواخر منه، الرابع والثلاثون: في أشفاع العشر الأوسط والعشر الأخير، الخامس والثلاثون: مبهمة في العشر الأوسط، السادس والثلاثون: أول ليلة أو آخر ليلة، السابع والثلاثون: أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة، الثامن والثلاثون: في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني، التاسع والثلاثون: ليلة ست عشرة أو سبع عشرة (١)، الأربعون: ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو
стр. 3785
إحدى وعشرين، الحادي والأربعون: ليلة تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، الثاني والأربعون: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، الثالث والأربعون: ليلة اثنين وعشرين أو ثلاث وعشرين، الرابع والأربعون: ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، الخامس والأربعون: الثالثة من العشر الأخير أو الخامسة منه، والله أعلم (١).
* * *
стр. 3786
سورة البينة
مكية على الأشهر، وقيل: مدنية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: أربع مئة وثلاثة أحرف، وكلمها: أربع وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ .
[١] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود والنصارى، وتعطف على ﴿أَهْلِ﴾ ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وهم عبدة الأوثان، فـ (الذين) اسم كان، وخبرها ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: زائلين عما هم عليه من الدين.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة، وهو محمد ﷺ ؛ أي: تمسكوا بدينهم إلى أن بُعث ﷺ ، فدعاهم إلى الإيمان، وأنقذهم من الضلال، وهذه الآية فيمن آمن من الفريقين.
...
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾ .
[٢] ثم فسر البينة فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو﴾ يقرأ (١) ﴿صُحُفًا﴾ كتبًا
стр. 3787
﴿مُطَهَّرَةً﴾ من الباطل والكذب، والمراد: يتلو مضمونَ مكتوبِ الصحف، وهو القرآن، لا نفس المكتوب؛ لأنه ﷺ كان يتلو عن ظهر قلبه؛ لأنه كان أميًّا، ولما كان تاليًا بلسانه ما في الصحف، فكأنه تلا الصحف.
...
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ .
[٣] ﴿فِيهَا﴾ أي: في ﴿كُتُبٌ﴾ أي: أحكام مكتوبة ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة.
...
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ .
[٤] ثم بين تعالى أن اختلافهم إنما وقع بعد بعثه ﷺ ، فقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في أمر محمد ﷺ ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: بعدما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب، حسدوه، واختلفوا في أمره، فآمن بعضهم، وكفر آخرون.
...
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هؤلاء الكفار ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ أي: بأن يعبدوا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يشركون به شيئًا ﴿حُنَفَاءَ﴾ مستقيمين؛ أي: ما أُمروا في كتابيهما إلا بهذا الوصف، و (مُخْلِصِينَ) و (حُنَفَاءَ) نصب على الحال من ضمير (يَعْبُدُوا).
стр. 3788
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وكون الزكاة مع الصلاة في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها يقوي قول من قال: السورة مدنية؛ لأن الزكاة إنما فرضت بالمدينة.
﴿وَذَلِكَ دِينُ﴾ الملةِ ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ أَي: المستقيمة.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ .
[٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يوم القيامة.
﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ والبرية: جميع الخلق؛ لأن الله تعالى برأهم؛ أي: أوجدهم بعد العدم.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ .
[٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر: (الْبَرِيئَةِ) في الحرفين بالهمز والمد على الأصل؛ لأنه من برأ الله الخلق كما تقدم، وقرأ الباقون: بياء مشددة أبدل من الهمزة ياء تخفيفًا، ثم أدغمت في الياء (١).
...
стр. 3789
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ .
[٨] ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ﴾ أي: سُكْنى جنات ﴿عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والعدن: الإقامة والدوام، وقال ابن مسعود: "عدن: بطنانُ الجنة"؛ أي: وسطها (١).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ تأكيدًا للخلود بالتأبيد ﴿﵃﴾ [ورضاه: هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه] (٢) ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ورضاهم: هو الرضا بما قسم لهم من الأرزاق والأقدار.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الجزاء والرضوان ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وخص أهل (٣) الخشية بالذكر؛ لأنها رأس كل بركة، تنهى عن المعاصي، وتأمر بالمعروف. قرأ قالون عن نافع بخلاف عنه: (رَبَّهُ) باختلاس ضمة الهاء حالة الوصل بالبسملة، والله أعلم.
* * *
﴿تُحَدِّثُ﴾ الخلقَ ﴿أَخْبَارَهَا﴾ بأن تشهد بعمل العاملين عليها، فتشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها؛ بأن تقول: عمل (١) كذا وكذا يوم كذا وكذا.
...
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ .
[٥] ﴿بِأَنَّ﴾ أي: تحدث بسبب أنَّ ﴿رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أمرها بأن تخبر بما عليها.
...
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ .
[٦] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (يَوْمَئِذٍ) قبلُ ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ ينصرفون من موقف الحساب بعد العرض. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ورويس عن يعقوب: (يَصْدُرُ) بإشمام الصاد الزاي (٢) ﴿أَشْتَاتًا﴾ فرقًا مختلفين، فالمؤمنون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، ونصبه على الحال.
﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاءها، واللام في (لِيُرَوْا) متعلقة بـ (يَصْدُرُ).
...
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ .
[٧] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزنَ نملةٍ صغيرة ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾.
стр. 3792
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فيرى الخير كلَّه من كان مؤمنا، والكافر لا يرى في الآخرة خيرًا؛ لأنّ خيره قد عجل له في دنياه، وكذلك المؤمن أيضًا تعجل له سيئاته الصغائر في دنياه (١) في المصائب والأمراض ونحوها. قرأ هشام عن ابن عامر: (يَرَهْ) بإسكان الهاء في الحرفين، وروي عن أبي جعفر ثلاثة أوجه: الإسكان كهشام، واختلاس الضمة، وإشباعها، وروي عن يعقوب: الاختلاس والصلة، وقرأ الباقون: بالإشباع في الصلة (٢).
وروي أنّه كان بالمدينة رجلان، أحدُهما لا يبالي عن الصغائر يرتكبها، وكان الآخر يريد أن يتصدق، فلا يجد إِلَّا اليسير فيستحيي من الصَّدقة، فنزلت الآية فيهما؛ كأنّه يقال لأحدهما: تصدَّقْ باليسير؛ فإن مثقال ذرة الخير يُرى، وقيل للآخر: كف عن الصغائر؛ فإن مثقال ذرة الشر يُرى (٣)، والله أعلم.
* * *
стр. 3793
سُوْرَةُ العَادِيَات
مختلف فيها كالتي قبلها، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: مئة وثمانية وستون حرفًا، وكلمها: أربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ .
[١] ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ هي خيل الغزاة؛ لأنّها تعدو بالفرسان ﴿ضَبْحًا﴾ وهو صوت أنفاسها عند العدو، ونصبها مصدر.
روي أن رسول الله ﷺ بعث خيلًا إلى بني كنانة سرية، فأبطأ أمرها حتّى أرجف بهم بعضُ المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله ﷺ قد فعلت جميع ما في الآيات (١).
* * *
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾ .
[٢] ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ الخيل توري النارَ بحوافرها إذا سارت في الحجارة.
стр. 3794
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾ غاراتها (١) ﴿صُبْحًا﴾ الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح. قرأ أبو عمرو، وخلاد عن حمزة: بإدغام التاء في ضاد (ضَبْحًا)، وصاد (صُبحًا)، والباقون: بكسر التاء وإظهارها (٢).
* * *
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: هَيَّجْنَ ﴿بِهِ﴾ بمكان سيرهن ﴿نَقْعًا﴾ غبارًا.
* * *
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ دخلنَ به وسطَ جمع العدو، والفاء للعطف؛ أي: واللاتي عَدَوْنَ فأوريْنَ فأغرْنَ فأثرْنَ فوسطْنَ، وجواب القسم:
* * *
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ .
[٦] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ لكفورٌ لنعم الله.
عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "هل تدرون ما الكنودُ؟ قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: هو الكفورُ الّذي يأكلُ وحده، ويمنعُ رِفْدَه، ويضرِبُ
стр. 3795
عبدَه" (١)، وقد يكون في المؤمنين الكفورُ بالنعمة، فتقدير الآية: إنَّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرضٌ كنودٌ: لا تنبت شيئًا (٢)، ويقال للبخيل: كنود.
* * *
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الإنسانَ ﴿عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: شاهدٌ على نفسه بذلك.
* * *
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أي: لشديدُ الحبِّ له.
* * *
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾ .
[٩] ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ﴾ هو قُلِبَ وأُخْرِج ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾ توقيف على المآل والمصير؛ أي: أفلا يعلم مآلَه فيستعدَّ له؟ وهذه عبارة عن البعث.
* * *
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَحُصِّلَ﴾ أُظْهِر ﴿مَا فِي الصُّدُورِ﴾ وكُشف؛ ليقع الجزاء عليه.
стр. 3796
قال ﷺ : "يُبْعثون على نِيَّاتهم" (١).
* * *
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ .
[١١] ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تعالى خبير دائمًا، ولكن خصص يومئذ؛ لأنّه يوم المجازاة، وفي هذا وعيد مصرح، وجمع الكناية؛ لأنّ الإنسان اسم جنس، والله أعلم.
* * *
стр. 3797
سُوْرَةُ الْقَارِعَةُ
مكية، وآيها: عشر آيات، وحروفها: مئة وستون حرفًا، وكلمها: ست وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾ .
[١] ﴿الْقَارِعَةُ﴾ هي القيامة نفسُها؛ لأنّها تقرع القلوبَ بهولها.
* * *
﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ .
[٢] ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ تهويل وتعظيم لأمرها.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ الكلام في ذلك وفي إعرابه كما تقدّم في (الحاقة).
* * *
стр. 3798
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿يَوْمَ﴾ ظرفٌ العامل فيه: القارعةُ ﴿يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ﴾ شبه البعوض الّتي تراها تتهافت في النّار ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ المفرَّق، شبهوا به؛ لكثرتهم وانتشارهم واختلاطهم بعضِهم ببعض عند البعث.
* * *
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ كالصوف (١) ﴿الْمَنْفُوشِ﴾ والنفشُ (٢): خلخلة الأجزاء وتفريقُها عن تراصِّها.
* * *
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ .
[٦] ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ رَجَحَتْ بالحسنات، وميزان القيامة بعمود وكِفَّتين؛ ليبين الله أمرَ العباد بما عدوه، ويتيقنوه، وجمعت الموازين للإنسان؛ لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة.
* * *
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ .
[٧] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية في الجنَّة.
* * *
стр. 3799
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾ .
[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ بعدم الحسنات.
* * *
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ .
[٩] ﴿فَأُمُّهُ﴾ أي: مسكنه ﴿هَاوِيَةٌ﴾ اسمٌ من أسماء جهنم، وهي المهواة.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ المعنى: أيُّ شيء أعلمك ما الهاوية؟ قرأ حمزة، ويعقوب: (مَا هِيَ) بغير هاء في الوصل، وقرأ الباقون: بالهاء في الحالين؛ لثبوتها في المصحف، ونقلها، والهاء للسكت (١).
* * *
﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ .
[١١] ثمّ فسر (الهاويةَ) فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ شديدة الحرارة، والله أعلم.
* * *
стр. 3800
سُوْرَةُ التَّكَاثُرُ
مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وتسعة عشر حرفًا، وكلمها: ثمان وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ .
[١] ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ شَغَلَكم ﴿التَّكَاثُرُ﴾ المباهاةُ والمفاخرة بكثرة الأموال والرجال عن طاعة الله.
* * *
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فَعَدَدْتم قبور موتاكم، وذلك أن جماعة تفاخروا، فتعادُّوا الأحياء والأموال، وزاروا القبور فتعادُّوا الأموات تفاخرًا، فنزلت (١)، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ، وقيل: معنى (حَتَّى زُرْتُمُ) يعني: متُّم ودُفنتم في المقابر.
* * *
стр. 3801
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿كَلَّا﴾ زجرًا؛ أي: ليس الأمر بالتكاثر ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ تفاخركم إذا حل بكم الموت.
* * *
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ كَرَّرَ الوعيدَ ثانيًا (١) تأكيدًا.
* * *
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ﴾ الأمرِ ﴿الْيَقِينِ﴾ وجواب (لَو) محذوف، تقديره: لو تعلمون ماذا يُفعل بكم يوم القيامة علمَ يقين لا شك فيه، لشغلكم عن التفاخر والتكاثر.
* * *
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ القسمُ مضمر فيه، معناه: والله لَتَرَوُنَّ. قرأ ابن عامر، والكسائي: (لَتُرَوُنَّ) بضم التاء مجهولًا من أَريتُه الشيء (٢). وقرأ الباقون: بفتح التاء (٣)، وهي الأرجح؛ أي: ترونها بأبصاركم عن بعيد (٤).
стр. 3802
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ .
[٧] ثمّ كرر الرؤية تهويلًا لشأنها، فقال: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ الرؤية الّتي هي نفس اليقين بالمشاهدة، وذلك حين يؤتى بالصراط، فينصب بين جسري جهنم.
* * *
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ .
[٨] ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أيها النَّاس ﴿يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ في الدنيا.
روي أنّها خمس: شبع بطن، وبارد الشراب، ولذة النوم، وظلال المساكن، واعتدال الخلق (١).
وأكلَ رسولُ الله ﷺ هو وبعض أصحابه رُطَبًا، وشربوا عليه ماءً، فقال لهم: "هذا من النعيم الّذي تُسألونَ عنه" (٢)، والله أعلم.
* * *
стр. 3803
سُوْرَةُ العَصْر
مكية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: أحد وسبعون حرفًا، وكلمها: أربع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾
[١] ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هو الدهر، وقيل: هو ما بعد الزَّوال إلى الغروب.
* * *
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ .
[٢] وجواب القسم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ اسمُ جنس ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ نقصانٍ وسوءِ حال، والمراد: الكافرُ العاملُ بغير طاعة الله؛ لأنّه استثنى بعده المؤمنين.
* * *
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ .
[٣] فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي:
стр. 3804
أوصى بعضهم بعضًا بالإقامة على التوحيد والإيمان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على الطّاعة، وعن المعصية، فليسوا في خسران.
وخطب ابن عبّاس ﵄ على المنبر فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: أبو جهل، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أبو بكر، وعملوا الصالحات: عمر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: علي ﵃" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 3805
سُوْرَةُ الهُمَزَة
مكية، وآيها: تسع آيات، وحروفها: مئة وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثلاث وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ .
[١] ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يعم الشرَّ والحزن، وقيل: هو اسم واد في جهنم.
﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ هو العَيَّابُ الطَّعَّان.
﴿لُمَزَةٍ﴾ بمعنى الأوّل، وأصل الهمز: الكسر، واللمز: الطعن، والمعنى: أنّه يكسر من أعراض المسلمين، ويطعن في أنسابهم، والهاء فيهما للمبالغة، نزلت فيمن كان يغتاب النّبيّ ﷺ والمؤمنين ويقع.
* * *
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾ .
[٢] ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وروح عن يعقوب: (جَمَّعَ) بتشديد الميم، والباقون: بتخفيفها (١).
стр. 3806
﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أحصاه، وجعله عُدَّةً لحوادث الدهر.
* * *
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ .
[٣] ﴿يَحْسَبُ﴾ لجهلهِ ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ في الدنيا، فلا يموت. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم (١)، وحمزة: (يَحْسَبُ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (٢).
* * *
﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ له عن حسبانه، ثمّ ابتدأ مقسمًا، تقديره: والله ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ لَيُطْرَحَنَّ.
﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ من أسماء جهنم؛ لأنّها تحطم كلّ ما ألقي فيها؛ أي: تكسره.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ ما النّار الّتي لها هذه الخاصية؟
стр. 3807
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦)﴾ .
[٦] ثمّ عظَّم شأنّها وأخبر أنّها ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ المسعَّرة (١).
* * *
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ .
[٧] ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ﴾ تُشْرِف ﴿عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ بإطلاع الله إياها، فتدخل في أجوافهم فتحرقها، فتكون أشدَّ لعذابهم؛ لأنّ الفؤاد محل العقائد والنيات.
* * *
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ .
[٨] ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ تقدَّم تفسيره واختلاف القراء فيه آخر سورة البلد.
* * *
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ .
[٩] ﴿فِي عَمَدٍ﴾ جمع عمود. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بضم العين والميم، والباقون: بفتحهما (٢) ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ مطوَّلة، فتكون أرسخ من القصيرة.
стр. 3808
قال ابن عبّاس: "أدخلهم في عمد، ومدت عليهم بعماد، في أعناقهم السلاسل، وسدت عليهم بها الأبواب؛ استيثاقًا على استيثاق، وزيادة في العذاب" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 3809
سُوْرَةُ الفِيْل
مكية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: سبعة وتسعون حرفًا، وكلمها: ثلاث وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
روي أن الحبشة ملكوا اليمن بعد حِمْيَر، فلما صار الملك إلى أبرهة منهم، وكان نائب النجاشي بصنعاء، بنى كنيسة عظيمة، وقصد أن يصرِف حجَّ العرب إليها، ويُبطل الكعبة الحرام، فجاء شخص من العرب وأحدث في تلك الكنيسة، فغضب أبرهة لذلك، وسار بجيشه ومعه الفيل، وهي فيل النجاشي بعثه إليه بسؤاله، وكان فيلًا لم يُر مثلُه عِظَمًا وجسمًا وقوة، وكان يقال له: محمود، قصد مكّة ليهدم الكعبة، فلما وصل إلى الطائف، بعث الأسودَ بنَ مقصود إلى مكّة، فساق أموال أهلها، وأحضرها إلى أبرهة، وأرسل أبرهة إلى قريش، فقال لهم: لستُ أقصد الحرب، بل جئت لأهدم الكعبة، فقال عبد المطلب: والله ما نريدُ حربه، هذا بيت الله، فإن منع عنه، فهو بيته وحرمه، وإن خلَّى بينه وبينه، فو الله ما عندنا مِن دفع، ثمّ انطلق مع رسول أبرهة إليه، فلما استأذن على عبد المطلب، قالوا لأبرهة: هذا سيد قريش، فأذن له أبرهة وأكرمه، ونزل عن سريره وجلس معه،
стр. 3810
وسأله عن حاجته، فذكر عبد المطلب أباعِرَه الّتي أُخذت له، فقال له أبرهة؛ إنِّي كنت أظن أنك تطلب مني أن لا أخرب الكعبةَ الّتي هي دينُك، فقال عبد المطلب: أنا ربُّ الأباعر فأطلبُها، وللبيت ربٌّ يمنعه، فأمر أبرهة بردِّ الأباعر عليه، فأخذها عبد المطلب وانصرف إلى قريش، ولما قرب أبرهة من مكّة، وتهيأ لدخولها بجيوشه، ومقدمها الفيل، بقي كلما قَبَّل فيلَه مكّة، ينام ويرمي نفسه إلى الأرض، ولم يسر، فإذا قبَّلوه غيرَ مكّة، قام يهرول.
وبينما هم كذلك، إذ أَرسل عليهم طيرًا أبابيل أمثالَ الخطاطيف، مع كلّ طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه، فقذفتهم بها، وهي مثل الحِمِّص والعَدَس، فلم تصب منهم أحدًا إِلَّا هلك، وليس كلَّهم أصابت، ثمّ أرسل الله تعالى سيلًا، فألقاهم في البحر، والذي سلم منهم ولَّى هاربًا مع أبرهة إلى اليمن يتبدر الطريق، وصاروا يتساقطون بكل مَنْهَل، وأصيب أبرهة في جسده، وسقطت أعضاؤه، ووصل إلى صنعاء كذلك ومات، ولما وقع ذلك، خرجت قريش إلى منازلهم، وغنموا من أموالهم شيئًا كثيرًا، وكان هذا عام مولد النّبيّ ﷺ في نصف المحرم، وولد ﷺ في شهر ربيع الأوّل، فبين الفيل وبين مولده الشريف خمس وخمسون ليلة، وهي سنة ستة آلاف ومئة وثلَاث وستين من هبوط آدم ﵇ على حكم التوراة اليونانية المعتمدة عند المؤرخين، وبين قصة الفيل والهجرة الشريفة النبوية ثلاث وخمسون سنة (١).
* * *
стр. 3811
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.
[١] قال الله تعالى مُعَجِّبًا من قصتهم، مخاطبًا نبيه ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: تعلم ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ نُسبوا إليه؛ لأنه كان مقدَّمهم.
* * *
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾ .
[٢] ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ مكرَهم فيما أرادوا من تخريب الكعبة.
﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ تضييع وإبطال.
* * *
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا﴾ لها خراطيمُ كخراطيم الطير، وأَكُفُّ كأكفِّ الكلاب، وكانت سودًا ﴿أَبَابِيلَ﴾ جماعات في تفرقة يتبع بعضُها بعضًا.
* * *
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾ .
[٤] ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ أَي: الطيرُ ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل﴾ طينٍ مطبوخ بالنار، فصاحت الطيور، ورمتهم بالحجارة، وبعث الله ريحًا فضربت الحجارة، فزادتها شدة، فما وقع حجر على رجل إِلَّا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره.
* * *
стр. 3812
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ .
[٥] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾ ورق الزرع، وهو التبن ﴿مَأْكُولٍ﴾ أكلته الدواب فراثَتْه فيبس وتفرقت أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم تفرق أجزاء الروث، والله أعلم.
* * *
стр. 3813
سُوْرَةُ قُرَيْش
مكية، وآيها: أربع آيات، وحروفها: أربعة وستون حرفًا، وكلمها: سبع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ .
[١] ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ اللام متصلة بما قبلها، والمعنى: فجعلهم كعصف؛ أي: أهلك الله أصحاب الفيل؛ لتتألف قريش، ويؤيده أنّهما في مصحف أبي بن كعب سورة واحدة. (لإِلَافِ) بهمزة مكسورة بعد اللام من غير ياء بعد الهمزة مثل: لِعِلاف مصدر أَلِفَ ثلاثيًّا، يقال: ألف الرَّجل إلفًا وَإِلافًا، وقرأ أبو جعفر: (لِيْلَافِ) بياء ساكنة من غير همز على وزن دينار، وقرأ الباقون: بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن لِعِيلاف.
* * *
﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ .
[٢] ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ بدل من لإيلاف، قرأ أبو جعفر: (إِلَافِهِمْ) بهمزة مكسورة من غير ياء على وزن عِلافِهم، ووجهها أن تكون مصدرَ ثلاثي؛
стр. 3814
كقراءة ابن عامر الأوّل، وقرأ الباقون: (إِيلَافِهِمْ) بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن عِيلافهم (١).
﴿رِحْلَةَ﴾ نصب بـ (إِيَلافِهِمْ) مفعول به، أصل الرحلة: السير على الراحلة، ثمّ استعمل لكل سير، المعنى: أهلك أصحاب الفيل؛ لتبقى قريش وما ألفوا من رحلة.
﴿الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ لئلا يقدم أحد على أذاهم إذا سافروا، وكان لهم رحلتان: في الشتاء إلى اليمن، لأنّه أدفأ، وفي الصيف إلى الشّام للتجارة، وسائر أغراضهم يستعينون بها على المقام بمكة، وسموا قريشًا تشبيهًا لدابة تكون في البحر يقال لها: قرش، تقهر دواب البحر، وتأكلهم ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعلى، فشبهوا بها لشدتهم ومنعتهم، وقريش من ولد النضر بن كنانة، ومن لم يلده، فليس بقرشي، فمعنى الآية: لأنّ فعل الله بقريش هذا، ومكَّنهم من الفهم هذه النعمة.
* * *
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ .
[٣] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ وذكرُ البيت هنا متمكن؛ لتقدم حمايته في السورة قبلُ.
* * *
стр. 3815
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ .
[٤] ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ لأنّهم قاطنون بواد غير ذي زرع، عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى.
﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ فجعلهم بحرمة البيت مفضَّلين على العرب، يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك، لكانوا بمدرج المخاوف، وقيل: أمنهم من خوف الجذام، فلا يصيبهم جذام ببلدهم، والله أعلم.
* * *
стр. 3816
سُوْرَةُ الْمَاعُون
مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني، وآيها: سبع آيات، وحروفها: مئة واثنا عشر حرفًا، وكلمها: خمس وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾ .
[١] ﴿أَرَأَيْتَ﴾ المعنى: هل عرفت ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء والحساب. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثّانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، والباقون: بتحقيقها (١)، المعنى: إن لم تعرفه.
* * *
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ .
[٢] ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ يدفعه عن حقه بعنف؛ لأنّهم ما كانوا يورِّثون الصغار.
стр. 3817
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ نفسَه ولا غيرَه ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وتقدم الكلام عليه في سورة الفجر.
* * *
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿فَوَيْلٌ﴾ تقدّم تفسيره في أول (الهُمَزَة) ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مؤخِّروها عن وقتها.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ هم المنافقون، يتركون الصّلاة إذا غابوا عن النَّاس، ويصلونها إذا حضروا.
* * *
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ الزكاةَ المفروضةَ، وقيل عاريَّةَ المتاع.
واتفق الأئمة على عدم جواز تأخير الصّلاة عن وقتها لمن وجبت عليه بغير عذر.
واتفقوا على أن من جحد وجوبها كفر، وقُتل مرتدًا، ومن تركها تهاونًا
стр. 3818
وكسلًا، دُعي إلى فعلها، فإن أبي، فعند أبي حنيفة يحبس أبدًا حتّى يصلّي، وقيل: يضرب حتّى يسيل الدِّم، وعند الثّلاثة: يقتل.
واختلفوا، فقال أحمد: يقتل كفرًا، وقال مالك والشّافعيّ: يقتل حدًّا.
ووقت قتله عند الشّافعيّ: إذا ضاق وقت الصّلاة الأولى، وأخرجها عن وقت الضّرورة، وعند أحمد: إذا ترك صلاة، وتضايق وقت الّتي بعدها، وعند مالك: لا يرخص له بتأخيرها عن وقتها، فإن أتى بها، وإلا قتل.
وأمّا الزَّكاة إذا منعها جاحدًا وجوبَها وهو جاهل؛ كحديث إسلام ونحوه، عُرِّفَ وبُصِّر، فإن لم يُقر، قُتل كفرًا بعد استتابته بالاتفاق.
واختلفوا فيمن منعها بخلًا أو تهاونًا، فقال أبو حنيفة: يأخذها الإمام كرهًا، ويضعها موضَعها، وقال مالك والشّافعيّ: يُعَزَّر، وتؤخذ منه، وافقهما أحمد، وقال: إنَّ غيب ماله، أو كتمه، ولم يمكن أخذها، استُتيب ثلاثة أيّام، فإن تاب وأخرج، وإلا قتل حدًّا، والقتل من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة، والله أعلم.
стр. 3819
سُوْرَةُ الكَوْثْر
مكية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: اثنان وأربعون حرفًا، وكلمها: عشر كلمات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ .
[١] ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ اسم نهر في الجنَّة.
روى أنس: "أن رسول الله ﷺ أغفى إغفاءة، ثمّ رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أُنزلت علي آنفًا سورة، وقرأها، ثمّ قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّه نهر وَعَدَنيه ربي، هو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُه عددُ النجوم، فيختلج العبدُ منهم، فأقول: ربِّ إنّه مني، فيقول: ما تدري ما أحدثَ بعدَك" (١).
* * *
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ .
[٢] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ صلاة العيد يوم النَّحر، وتقدم الكلام على صلاة
стр. 3820
العيدين والخلاف فيهما في سورة البقرة.
﴿وَانْحَرْ﴾ البدن بمنى، وقيل: إنَّ ناسًا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه أن يصلّي وينحر لله تعالى.
وتقدم في سورة الحجِّ حكم الأضحية، والمجزئ منها، والأفضل، واختلاف الأئمة في ذلك، وفي ذبح الكتابي لها، وغير ذلك من أحكامها.
وأمّا وقت الأضحية، فأوله عند أبي حنيفة: طلوع الفجر يوم النَّحر، إِلَّا أن أهل المصر لا يضحون قبل صلاة العيد، بخلاف أهل القرى، وعند مالك: بعد الصّلاة والخطبة، ولا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام متعمدًا إن كان الإمام ممّن يظهر النَّحر، وإلا فلينحر النَّاس وقتَ ذبحه، أو ذبح أقرب أئمة البلدان إليهم، وعند الشّافعيّ: وقتها إذا طلعت الشّمس يوم النَّحر، ثمّ مضى قدرُ ركعتين وخطبتين خفيفتين، وعند أحمد: يوم العيد بعد الصّلاة أو قدرها، وأيام النَّحر عند الشّافعيّ: يوم النَّحر، وأيام التّشريق الثّلاثة، وعند الأئمة الثّلاثة: يوم النَّحر، ويومان من أيّام التّشريق.
* * *
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ .
[٣] ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ مبغضك. قرأ أبو جعفر: (شَانِيكَ) بياء مفتوحة، والباقون: بالهمز (١) ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الأقلُّ الأذلُّ.
روي أن العاص بن وائل كان إذا ذُكر رسول الله ﷺ قال: دعوه؛ فإنّه