← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضاء الله (١) وإرادتِهَ. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصرِ والمعونة (٢). ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ . [٢٥٠] ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا﴾ يعني: طالوتَ وجنودَه المؤمنين. ﴿لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ المشركين، ومعنى برزوا: أي: صاروا في بَرازٍ من الأرض، وهو الفضاء. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أنزلْ. ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ قلوبنا. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ كانَ جالوتُ من جبابرةِ (٣) الكنعانيينَ من العماليقِ من ولدِ عمليقِ بنِ عادٍ، وكان ملكه (٤) بجهاتِ فلسطينَ، وكان من الشدةِ وطولِ القامةِ بمكانٍ عظيمٍ، فلما تصافُّوا، قال جالوتُ لطالوتَ: إما أن تبَرزَ إليَّ، أو تبُرِز إليَّ أحدًا، فإن قتلني، استحوذْتَ على ملكي، وإن قتلتُهُ، استحوذتُ على ملكِكَ، فخافه طالوتُ؛ لأنه كان يهزمُ الجيوش وحدَهُ، وكان في بيضَتِهِ ثلاثُ مئةِ رطلِ حديدٍ.

стр. 422

﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ . [٢٥١] ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وكانَ من خبرِهم أنهم لما برزوا للقتال، طلبَ طالوتُ داودَ ﵇، وكان أصغرَ بني أبيه، وكان عمره ثلاثين سنة، وأمرهُ بمبارزةِ جالوتَ بعد أن رأى فيه العلائمَ التي يستدَلُّ بها على أنه هو الذي يقتل جالوتَ، وهي دهنٌ كان يستديرُ على رأسِ مَنْ يكون فيه السرُّ، وأحضر أيضًا تَنُّورًا حديدًا، وقال: الشخصُ الذي يقتلُ جالوتَ يكون ملءَ هذا التنور، فلما اعتبر داود ملأ التنورَ، واستدارَ الدهنُ على رأسه، فلما تحقق ذلك منه بالعلامة، أمرَهُ طالوتُ بمبارزةِ جالوتَ، فبارزه. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ بثلاثةِ أحجارٍ كانتْ في مِخْلاةٍ، وهو متقلِّدٌ بها، وأخذ مِقْلاعًا بيدِه، وكان جالوتُ على فرسٍ أبلقَ عليهِ السلاحُ التامُّ، فلما نظرَ إلى داودَ، أُلقي في قلبِه الرعبُ، فقال له: أنتَ تبرزُ إلي؟ قال: نعم، قالَ: فأتيتَني بالمقلاع والحجرِ كما يُؤْتى الكلب؟ قال: نعم، أنت شرٌّ من الكلب، قال: لا جرمَ لأقسمنَّ لحمَكَ بينَ سِباعِ الأرضِ وطيرِ السماء، قال داودُ: أو يقسمُ اللهُ لحمَك، فقال داود: باسم اللهِ إلهِ إبراهيمَ، وأخرجَ حجرًا، ثم أخرج الثاني، فقال: باسم الله إلهِ إِسحقَ، ووضعَهُ في مقلاعه، ثم أخرجَ الثالثَ وقال: باسمِ اللهِ إلهِ يعقوبَ، ووضعَهُ في مِقْلاعه، فصارت كلُّها حجرًا واحدًا، ودَوَّرَ المقلاع ورمى به، فسخَّرَ اللهُ لهُ الريَح حتى أصابَ

стр. 423

الحجرُ أنفَ البيضةِ، فخالط دماغَه، وخرجَ من قفاه، وقتل من ورائِه ثلاثين رجلًا، وهزمَ الله الجيشَ، وخرَّ جالوتُ قتيلًا، فأخذه يجرُّهُ (١) حتى ألقاه بين يَدَيْ طالوتَ، ففرحَ المسلمون فرحًا شديدًا، وانصرفوا إلى المدينةِ سالمين، ثم بعد ذلك ماتَ أَشموئيل وله اثنتان وخمسون سنةً، فدفنه بنو إسرائيلَ في الليل، وناحوا عليه، وقبرُه بقريةٍ ظاهر بيتِ المقدسِ من جهةِ الشَّمالِ على الطريقِ السالكِ إلى رملةِ فلسطينَ على رأسِ جبلٍ، وهو مشهورٌ، واسمُ القرية عند اليهود رامةُ، وأهل الإسلام يسمونها باسم النبيِّ المشارِ إليه، وتزوج داودُ ابنةَ طالوتَ، وأحبَّهُ الناسُ، ومالوا إليه، فحسدَه طالوتُ، وقصدَ قتلَه مرةً بعد أخرى، فهرب داودُ منه، وبقي داودُ متحرِّزًا على نفسِه، ثم ندمَ طالوتُ على ما كان منه من قصدِ قتلِ داودَ، وتابَ إلى الله، ثم إن طالوتَ قصدَ الفلسطين للغزاة، وقاتلَهم حتى قُتل هو وأولادُه، وانتقل الملكُ إلى داودَ ﵇. ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: النبوةَ، ولم تجتمع السلطنةُ والنبوةُ لأحدٍ قبلَ داودَ، بل كانَ الملْكُ في سبط، والنبوةُ في سبط. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ من صنعةِ الدروع، فكان يصنعُها ويبيعها، ولا يأكلُ إلا من عمل يده، ومنطقِ الطيرِ والصوتِ الطيبِ والألحانِ، فلم يُعْطِ اللهُ أحدًا من خلقِه مثلَ صوته، كان إذا قرأ الزبورَ، تدنو الوحوشُ حتى يؤخذَ بأعناقها، وتُظِلُّه الطير، ويركدُ الماءُ الجاري، ويسكنُ الريح، وسيأتي ذكرُ داود ﵇ ووفاتُه في أواخر سورة النساء -إن شاء الله

стр. 424

تعالى-. قرأ أبو عمرٍو: (وَقَتَلَ دَاوُد جالُوتَ) بإدغام الدال في الجيم (١). ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ أصلُ الدفعِ: صرفُ الشيء، والمعنى: لولا أن يصرف الله. ﴿النَّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ أي: المفسدين. ﴿بِبَعْضٍ﴾ بالمؤمنين. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (دِفَاعُ) بألف، والباقون: بغير ألف (٢)؛ لأن الله تعالى لا يُغالبه أحدٌ، وهو الدافعُ وحدَه، ومن قرأ بالألف قال: قد يكونُ الدفاعُ من واحد، مثل قولِ العربِ: أحسنَ الله عنكَ الدفاع. ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ بقتل المسلمين، وظهورِ الفسادِ، قال ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِئَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ" (٣). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 425

﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ . [٢٥٢] ﴿تِلْكَ﴾ أي: الأخبارُ المذكورةُ. ﴿آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ... ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ . [٢٥٣] ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ المذكورةُ قِصَصُها. ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: موسى ﵇. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، ولم يصرِّحْ باسمِه تفخيمًا له. المعنى: إنه ساوى الأنبياءَ في فضلِهم، وفضل عليهم بأشياءَ كثيرةٍ، منها: أنه بُعث إلى الأحمرِ والأسود، وأُحِلَّت له الغنائمُ، وغيرُ ذلك -صلواتُ اللهِ عليهِ وعليهم أجمعين-. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (القدْس) بإسكانِ الدال (١).

стр. 426

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعدِ الرسلِ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ في دينِهم. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: الذين بَقُوا بعدَ الرسل. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ثَبَتَ على إيمانِه. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ارتدَّ. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كَرَّرَهُ تأكيدًا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ يوفِّقُ مَنْ يشاءُ فَضْلًا، ويخذُلُ من يشاء عَدْلًا. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ . [٢٥٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ هي الزكاةُ المفروضةُ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: لا فداءٌ فيه؛ لأن الفداءَ شراءُ نفسه. قرأ أبو عمرٍو: (أَنْ يَأتِي يَوْمٌ) بإدغام الياء في الياء (١). ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ لا صَداقةٌ. ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ إلَّا بإذن الله. قرأ نافع، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لاَ بَيْعٌ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ) بالرَّفْع والتنوين، والباقونَ: كلّها بالنصب (٢). تلخيصُه: تأهَّبوا للحسابِ قبلَ الموتِ.

стр. 427

﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بوضعِهِمُ العبادةَ في غيرِ محلها. ... ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ . [٢٥٥] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هي أعظمُ آيةٍ في كتاب الله، قال ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ لَها لَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ" (١) وَ"مَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ، وَكَّلَ اللهُ بِهِ حَافِظًا، وَلاَ يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ" (٢). ﴿الْحَيُّ﴾ الذي لا يلحقُه الفناءُ ولا يموتُ. ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائمُ بتدبيرِ خلقِه.

стр. 428

﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ هي النعاسُ، وهي أولُ النوم. قرأ الكسائيُّ (سِنَةٌ) بإمالةِ النون حيثُ وقفَ على هاء التأنيث. ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ هو غَشْيَةٌ ثقيلةٌ تقع على القلب، فتمنعُهُ معرفةَ الأشياء. تلخيصُه: هو منزَّهٌ عن جميعِ التغييرات. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنه خلقَها بما فيهما. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ لأن أحدًا لا يقدرُ على الكلامِ يومَ القيامة. قرأ أبو عمرٍو (يَشْفَع عنْدَهُ) بإدغام العين الأولى في الثانية، و (يَعْلَم ما) بإدغامِ الميمِ في الميم (١). ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ بأن يأذن في الكلام والشفاعة لمن شاء فيمن شاء. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بينَ أيدي ما فيهما، والمرادُ: ما وُجِدَ قبلَ خلقِ ما فيهما؛ كالملائكة. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يوجَدُ بعد ما فيهما. قرأ يعقوبُ: (أَيْدِيهُمْ) بضم الهاء، وقرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (أَيْدِيهِمُو) واختُلِفَ عن قالون (وَمَا خَلْفَهُمْ) كذلك (٢). ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي: من معلوماتِه. ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ مِمَّا (٣) أخبرَ بهِ الرسلَ. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قال ابنُ عباس: كرسِيُّهُ: علمُه (٤)، وقالَ الحسنُ: هو

стр. 429

العرشُ نفسُه (١)، وقالَ ابنُ عطيةَ (٢): والذي تقتضيهِ الأحاديثُ أن الكرسيَّ مخلوقٌ عظيم بينَ يَدَيِ العرشِ، والعرشُ أعظمُ منهُ، قال أبو ذَرٍّ ﵁: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ" (٣) ومعنى قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: سَعَةً مثلَ سَعَةِ السمواتِ والأرضِ في العظم. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ لا يُثْقِلُهُ، ولا يَشُقُّ عليه. ﴿حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظُ السماواتِ والأرضِ. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ المتعالي عن الأشباهِ والأندادِ. ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي ليسَ شيْءٌ أعظمَ منه. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ . [٢٥٦] ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ نزلَتْ في أهلِ الكتابِ إذا قَبِلوا الجزيةَ، وذلكَ أن العربَ كانت أمةً واحدة (٤) أُميةً، فلم يكن لهم كتابٌ، فلم يُقبل منهم إلا الإسلامُ، فأسلموا طوعًا أو كرهًا، فلما أُنزل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

стр. 430

أُمِرَ بقتالِ أهلِ الكتابِ إلا أَنْ يُسْلِموا، أو يُقِرُّوا بالجزية، فمن أعطى منهم الجزيةَ، لم يُكْرَهْ على الإسلامِ (١)، ويأتي ذكرُ حكمِ الجزيةِ في سورةِ التوبة -إن شاء الله تعالى-. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ الحقُّ. ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ الضلال. المعنى: ظهرَ الإيمانُ من الكفرِ بالدلائلِ الواضحةِ. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ وهو ما عُبِدَ من دونِ الله. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ أي: تمسَّكَ واعتصَم. ﴿بِالْعُرْوَةِ﴾ بالعَقْدِ الثابتِ والحُجَّةِ. ﴿الْوُثْقَى﴾ المحكَمَةِ الموصلةِ إلى رِضا اللهِ تعالى. ﴿لَا انْفِصَامَ﴾ لا انقطاعَ. ﴿لَهَا﴾ وأصل الفَصْمُ: انصداعٌ من غيرِ فصلٍ. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائِكَ إياهم إلى الإسلام. ﴿عَلِيمٌ﴾ بحرصِكَ على إيمانهم. ... ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.

стр. 431

[٢٥٧] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ﴾ أي: ناصرُ. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومُغيثُهم. ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي: الكفرِ. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمانِ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهودَ. ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابُه. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ الإيمان بمحمدٍ ﷺ . ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الكفرِ به؛ بأن أنكروهُ، ومنعوا من اتِّباعه. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وعيد وتحذيرٌ. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ . [٢٥٨] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ المعنى: هل انتهى إليكَ خبرُ الذي خاصمَ وجادلَ. ﴿إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهو نمرودُ بنُ كنعانَ بنِ كوش بنِ سامِ بنِ نوحٍ، وهو أولُ من وضعَ التاجَ على رأسه، وتجبَّرَ في الأرض، وادَّعى رُبوبيَّةً. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ والعاملُ في (أن) حاجَّ، تقديره: حاجَّ لأنْ أعطاه الله الملكَ، فطغى، فكانت المحاجَّةُ من بطرِ الملكِ وطغيانِه، قال

стр. 432

مجاهد: ملكَ الأرضَ مؤمنانِ: سليمانُ بن داود (١)، وذو القرنينِ، وكافران: نمرودُ وبُخْتَ نَصَّر. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ظرفٌ لـ"حاجَّ "، وهذا جوابُ سؤالٍ غيرِ مذكورٍ، قال له: من ربُّكَ؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قرأ حمزةُ: (رَبِّي الَّذِي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٢). ﴿قَالَ﴾ نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ فعمدَ إلى رجلينِ، فقتلَ أحدَهما، وتركَ الآخرَ، فجعلَ تركَ القتلِ إحياءً. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أُحْيِي) بالمدِّ في هذا الحرف وشبهِه حيثُ وقَع (٣). فانتقلَ إبراهيمُ إلى حجَّةٍ أخرى، لا عجزًا؛ فإن حُجَّتَه كانت لازمة؛ لأنه أرادَ بالإحياءِ إحياءَ الميتِ، فكان له أن يقولَ: فَأَحْيِ مَنْ أَمَتَّ إنْ كنتَ صادقًا، فانتقلَ إلى حجَّةٍ أوضحَ من الأولى. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ﴾ أي: تَحَيَّرَ ودُهِشَ.

стр. 433

﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ وانقطعتْ حُجَّتُهُ. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهُمْ بعدمِ قبولِ الهداية، وفي انتقالِ إبراهيمَ دليلٌ على جوازِ الانتقالِ من دليلٍ إلى دليل. ... ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ . [٢٥٩] ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ هذهِ الآيةُ منسوقةٌ (١) على الآية الأولى، تقديره: ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ، أو إلى الذي. ﴿مَرَّ﴾ هو أرميا النبيُّ ﵇ على الأصحِّ، وقيلَ: هو عُزير ﵇. ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هي بيتُ المقدسِ حينَ خَرَّبَهُ بُخْتَ نَصَّر ملكُ بابلَ بالعراقِ (٢). ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطةٌ. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفِها، معناه: أن السقوفَ سقطَتْ، ثم وقعتِ الحيطانُ عليها. وملخَّصُ القصةِ على اختلافٍ فيها أنَّ أَرْميا ﵇

стр. 434

كان في أيام صدقيا آخرِ ملوكِ بني إسرائيل، وكانوا قد أحدثوا المعاصيَ والطغيان، ونقضوا التوبةَ، فبقي أرميا يعظُهم ويهدِّدهم ببختَ نَصَّرَ عاملِ لهراسفَ على بابلَ، ولهراسفُ هو ملكُ فارسَ، وهم لا يلتفتون إلى وَعْظه، وكان أرميا قد رأى بختَ نَصَّرَ قديمًا وهو (١) صبيٌّ أقرعُ، ورآه يأكلُ ويتغوَّطُ ويقتلُ القملَ، فقال له: ما هذا؟ فقال: أَذًى يخرجُ، ومنفعةٌ تدخلُ، وعدوٌّ يُقتل، فقال له: سيكونُ لكَ شأنٌ، فأخذ أرميا من بُخْتَ نَصَّر أمانًا لبيتِ المقدس ومَنْ فيه، وكتبَ لهُ الأمانَ في جلدٍ، فلما صارَ الملكُ إلى بختَ نَصَّرَ، عصى عليه صدقيا، فقصد بُخْتَ نَصَّرُ بيتَ المقدسِ، فلما بلغَ سهولَ الرملة، وأُعلم أرميا بذلك، سار إليه، وأعطاهُ الأمان، فنظره وقالَ: هو أماني، ولكني مبعوثٌ، وقد أُمرت أن أَرميَ بسهمي، فحيثُ وقعَ سهمي، طلبتُ الموضعَ، فرمى بسهمٍ فوقعَ في قبةِ بيتِ المقدس، فرجع أرميا إلى أهل القدس، وأخبرهم بذلك، وفارقهم، واختفى، ثم سار (٢) بخت نَصَّرُ بالجيوشِ، وكان معه ستُّ مئةِ ألفِ رايةٍ، ودخل بيتَ المقدسِ بجنوده، ووطئ الشامَ، وقتل بني إسرائيلَ، وأَسَرَ منهم، وسَبى ذَراريَّهُمْ، وخَرَّبَ بيتَ المقدسِ، وأمرَ جنوده أن يملأ كلُّ رجلٍ منهم ترسَهُ ترابًا، ثم يقذفَه في بيتِ المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، وبينَ تخريبِ بيتِ المقدسِ على يدِ بختَ نَصَّرَ والهجرةِ النبويةِ الشريفة ألفٌ وثلاثُ مئةٍ وخمسونَ سنةً، فكانت هذه الواقعةُ الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمِهم بعدَ أن لبثَ

стр. 435

بيتُ المقدسِ على العِمارةِ السُّلَيمانية أربعَ مئةٍ وثلاثًا وخمسينَ سنةً، ثم إن الله أوحى إلى أَرميا أني عامرٌ بيتَ المقدسِ، فاخرج إليها، فخرج أرميا، وقدم إلى القدس وهي خرابٌ, فلما رآها. ﴿قَالَ أَنَّى﴾ أي: كيف. ﴿يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قالَهُ تعجُّبًا لا شَكًّا بالبعثِ، ثم وضعَ رأسه فنام. ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ ألبثَهُ ميتًا. ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾ فلما مضى من موته سبعون سنةً، وهي مدةُ لبثِ بيتِ المقدس على التخريب، أرسل الله مَلَكًا إلى مَلِكٍ من ملوك الفرسِ اسمُهُ كُورَشُ، وكان مؤمنًا، وأمره بعمارةِ بيتِ المقدس، فعمَره، وعاد إليه بنو إسرائيل، وعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا على أحسنِ ما كانوا عليه، وأهلكَ الله بختَ نَصَّرَ ببعوضةٍ دخلتْ في دماغِه، ولما أماتَ الله أرميا، كان معه حمارُه وسَلَّةٌ فيها طعامٌ، وهو تينٌ وركوةٌ فيها عصيرُ عنبٍ. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي: أحياه، وعمَّرَ اللهُ أرميا، فهو الذي يُرى في الفَلَوات، وبعثه الله على السنِّ الذي توفَّاه عليه بعدَ مئةِ سنة، وهو أربعون سنةً، ولابنِه عشرٌ ومئةٌ، ولابنِ ابنِه تسعونَ، وأنشدَ في ذلك: وَأَسْوَدَ رَأْسٍ شَابَ مِنْ قَبْلِهِ ابْنُهُ ... وَمِنْ قَبْلِهِ ابْنُ ابْنِهِ فَهْوَ أَكْبَرُ تَرَى ابْنَ ابْنِهِ شَيْخًا يَأُبُّ عَلَى عَصًا ... وَلِحْيَتُهُ سَوْدَاءُ وَالرَّأْسُ أَشْقَرُ وَمَا لِابْنِهِ حَيْلٌ وَلاَ فَضْلُ قُوَّةٍ ... يَقُومُ كَمَا يَمْشِي الصَّبِيُّ فَيَعْثُرُ يَعُدُّ ابْنُهُ فِي النَّاسِ تِسْعِينَ ... حِجَّةً وَعِشْرِينَ لا يَجْرِي وَلا يَتَحَيَّرُ

стр. 436

وَعُمْرُ أَبيهِ أَرْبَعُونَ أَمرَّهَا ... وَلِابْنِ ابْنِهِ في النَّاسِ تِسْعُونَ غُبَّرُ فَمَا هُوَ فِي المَعْقُولِ إِنْ كُنْتَ دَاريًا ... وَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَبِالجَهْلِ تُعْذَرُ (١) فلما بعثه الله ﴿قَالَ﴾ له ملَكٌ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ مَيْتًا. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ لأنه كانَ قدْ ماتَ أولَ النهارِ، وأحياه اللهُ بعدَ مئةِ عامٍ آخِرَ النهارِ قبلَ غيبوبةِ الشمس، فلما رأى بقيةً من الشمس قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ﴾ له الملَكُ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ، (لَبِثْتَ لَبِثْتُمْ) حيثُ وقعَ بالإظهار، والباقون بالإدغام (٢)، وقرأ أبو جعفرٍ (مِئَةً، ومِئَتَيْنِ، وفِئَةً، وفِئَتَيْنِ) حيث وقع بغير همز (٣) بخلاف عنه. ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ التينِ. ﴿وَشَرَابِكَ﴾ العصيرِ. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يتغيرْ، كأنه لم يأتِ عليه السنون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (يَتَسَنَّ) بغير هاءٍ في الوصل، فمن أسقط الهاء جعلها صلةً زائدةً، وقال: أصلُه (لم يَتَسَنَّي)، فحذفَ الياء للجزم،

стр. 437

وأبدل منه هاءً في الوقف، ومن أثبتَ الهاءَ، جعلها أصليةً للامِ الفعل (١). ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فنظرَ، فإذا عظامٌ بِيضٌ، فركَّبَ اللهُ العظامَ بعضَها على بعض، وكساهُ اللحمَ والجلد، وأحياه وهو ينظر. تقديره: أريناكَ ذلكَ لتعلمَ قدرتَنا. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ، والدوريُّ عن الكسائيِّ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (حِمَارِكَ) و (الحمار) بالإمالة حيثُ وقعَ (٢). ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: عبرةً ودلالةً على البعثِ بعدَ الموت. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ: (نُنْشِزُهَا) بالزاي المعجمة، أي: نرفعُها من الأرض ونردُّها إلى مكانها من الجسد، يقال: نشزتُه فنشزَ؛ أي: رفعتُه فارتفع، والباقون: بالراء المهملة، معناه: نُحييها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٣) [عبس: ٢٢].

стр. 438

﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ فعادت العظامُ كهيئتها حيةً. اختُلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: المرادُ عظامُ الحمار، وقال قوم: أرادَ به عظامَ الميتِ نفسِه، وفي الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرها: وانظرْ إلى حمارك، وانظرْ إلى العظام كيف ننشرها، ولنجعلك آية للناس. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ ذلك عيانًا. ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ (قَالَ اعْلَمْ) موصولًا مجزومًا على الأمر، معناه: قالَ اللهُ لهُ: اعلم، وقرأ الباقون: (أَعْلَمُ) بقطع الألفِ ورفعِ الميم على الخبر أنه لما رأى ذلك، قالَ: أعلمُ (١). ... ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ . [٢٦٠] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكرْ إذ. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ لأزداد بصيرةً، وإذا سئلتُ

стр. 439

هل رأيتَ إحياءَ الموتى؟ فأقولُ: نعم. قرأ ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ والسوسيُّ عن أبي عمرٍو: (أَرْنِي) بسكون الراء (١). ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ مع علمِه بإيمانه ليظهر إيمانه لكلِّ سامعٍ. ﴿قَالَ بَلَى﴾ يا ربِّ قد علمتُ فآمنتُ. ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ أي: ليسكن (٢). ﴿قَلْبِي﴾ ويصيرَ علمُ اليقينِ بالاستدلال عينَ اليقينِ بالمشاهدةِ. تلخيصُه: آمنتُ وأريدُ مشاهدةَ ذلك لإيمانِ غيري، وفي معنى قولهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ من الأمثال الدائرة على ألسنِ (٣) الناس: ليسَ المُخْبَرُ كالمعايِن، وقد رُوي الحديثِ الشريفِ: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ" رواه الإمام أحمدُ وغيرُه (٤). ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ نسرًا وطاوسًا وغرابًا وديكًا. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: قَطِّعْهُنَّ. قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ، ورُويسٌ: (فَصرْهُنَّ) بكسر الصاد؛ أي: أَمِلْهُنَّ، والباقون: بضمِّها على

стр. 440

المعنى الأول (١)، والمعنى: أملهنَّ إليك واعتبرهُنَّ، ثم قَطِّعْهُنَّ، ثم اخلِطْ لحمَهُنَّ بعضَه ببعض، ثم أمسكْ رؤوسهن، ثم جَزِّئْهُنَّ أجزاءً. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ من جبال أرضِك، وكانت سبعة. ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (جُزُؤًا) بضم الزاي والهمز حيثُ وقعَ، وقرأ أبو جعفرٍ: بتشديدِ الزاي بغير همز، والباقون: بالجزم والهمز (٢). ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قلْ لَهُنَّ تعالَيْنَ بإذنِ الله. ﴿يَأْتِينَكَ﴾ ففعل، فعاد كلُّ جزء إلى جسده، ثم أتينَ إلى رؤوسهن. ﴿سَعْيًا﴾ سريعًا. ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزُ عما يريدُ (٣). ﴿حَكِيمٌ﴾ في كلِّ ما يفعله. ...

стр. 441

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ . [٢٦١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: مثلُ نفقاتِ المنفقين في الجهادِ، أو جميعِ أبوابِ الخير. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أي: نفقاتُهم تشبهُ حبةً. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وقالونُ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (أَنْبَتَتْ سَبْعَ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإظهار التاءِ عندَ السين، والباقون: بالإدغام (١)، المعنى: يتشعَّبُ من أصلِها سبعُ شعبٍ، في كل شعبةٍ سنبلةٌ. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ يزيدُ الثوابَ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (يُضَعِّفُ) بتشديد العين بغير ألف (٢). ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من المنفقين إلى ما يشاء. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ غنيٌّ يعطي من سَعَةٍ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيةِ مَنْ ينفقُ.

стр. 442

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ . [٢٦٢] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلتْ في عثمانَ بنِ عفانَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ﵄ حين أنفقا أموالَهما في طاعةِ الله (١). ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ لا يَمُنُّ على المنفَقِ عليه، ولا يُعَيِّرُهُ. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابُهم. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فلهم الأَمْنُ مع الفرحِ (٢). ... ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ . [٢٦٣] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ردٌّ جميلٌ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أن تسترَ عليه. ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ مَنٌّ وتعييرٌ. ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن صدقةِ من يَمُنُّ. ﴿حَلِيمٌ﴾ عن معاجلتِه بالعقوبة.

стр. 443

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ . [٢٦٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ أي: أُجورَها. ﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ أي: كإبطال الذي ينفقُ. ﴿مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليقال: كريم. قرأ أبو جعفرٍ: (رِيَا النَّاسِ) بغير همز. ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يريدُ أنَّ النفقةَ مع الرياء لا تكونُ فعلَ المؤمن، وهذا للمنافق (١). ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثلُ نفقةِ المرائي بها. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ حجرٍ أملسَ. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ مطرٌ شديدٌ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ نَقِيًّا من التراب الذي كان عليه. المعنى: مثلُ المانِّ والمنافِقِ في (٢) صدقاتِهما يومَ القيامةِ كحجرٍ عليهِ ترابٌ أزالَه عنهُ المطرُ. ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: المراؤون. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: على ثوابِ شيءٍ.

стр. 444

﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ عملوا في الدنيا. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ إلى الخير. عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ"، قالوا: يا رسولَ الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرِّيَاءُ يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذيِنَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟! " (١). ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ . [٢٦٥] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: طلبَ رضوانِ الله. ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ أي: تصديقًا. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يُخرجون الزكاةَ طَيِّبَةً بها نفوسُهم على يَقينٍ بالثوابِ وتصديقٍ بوعدِ الله، يعلمون أنَّ ما أخرجوا خير لهم مما تركوا. والمعنى: مثلُ نفقةِ هؤلاء ونموِّها عندَ الله. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أي: بستان.

стр. 445

﴿بِرَبْوَةٍ﴾ هي المرتَفِعُ المستوي من الأرض، لا يعلوه الماء، ولا يعلو عن الماء، فيكون نبتُه حسنًا. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ: بفتح الراء، والباقون: بالضم (١). ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ مطرٌ شديدٌ كثير. ﴿فَآتَتْ﴾ أعطَتْ. ﴿أُكُلَهَا﴾ جَناها. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (أُكْلَهَا) بجزم الكاف، والباقون: بالضم (٢). ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: حملَتْ في سنة ما يحملُ غيرها في سنتينِ. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ هو المطرُ الخفيفُ الدائمُ. المعنى: إن هذه الجنةَ تَريعُ، قلَّ المطرُ أو كَثُرَ، كذلك صدقةُ المؤمنِ المخلصِ تنفعُه، قَلَّتْ أو جَلَّتْ.

стр. 446

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذيرٌ عن الرياء. ويتصلُ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قولُه تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ . [٢٦٦] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ جمعُ نخلٍ. ﴿وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا﴾ رزقٌ. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وخُصَّ النخيلُ والأعنابُ بالذِّكرِ تفضيلًا لهما. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ﴾ أي: أولادٌ. ﴿ضُعَفَاءُ﴾ صغارٌ. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ ريحٌ عاصفٌ ترتفعُ إلى (١) السماء كالعمودِ. ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ المعنى: أيحبُّ أحدُكُم أن يملكَ جنةً في غايةِ الجَوْدَةِ يدَّخِرُها لفاقَتِه، فَأَحْوَجَ ما كانَ إليها (٢) أصابَتْها نار. ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ فبقيَ مُتحيرًا مُحتاجًا، لا يجدُ ما يعودُ به عليه، كذلك

стр. 447

المرائي بعمله، أحوجَ ما يكونُ إليه لا ينفعُه. تلخيصه: من عملَ لغيرِ الله، ندمَ حينَ لا ينفعُ (١) الندم. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا البيانِ الذي بُيِّنَ فيما تقدَّمَ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: الدلالاتِ التي تحتاجون إليها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعتبرون. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ . [٢٦٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالاتِ. ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ بالتجارةِ والصنعةِ. قال ﷺ : "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (٢) , واستدلَّ الإمامُ أحمدُ ﵁ بهذا الحديث، وبقوله ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (٣) على أن للرجلِ أن يأخذَ من مالِ ولدِه ما شاءَ، ويتملَّكَهُ،

стр. 448

مع حاجتِه وعدِمها، في صغرِ الولدِ وكبرِه، بشرطِ ألَّا تتعلق حاجةُ الابنِ به، وألا يعطيَه لولدٍ آخر، وهو من مفرَداتِ مذهبِه التي خالفَ فيها الثلاثَة. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من الحبوبِ والثمرِ. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ تقصِدُوا. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: بتشديد التاء في الوصل (١). ﴿الْخَبِيثَ﴾ الرديء. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ يعني: الخبيثَ. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: تتسامحوا في أخذِه، وأصلُ الإغماضِ: غَضُّ البصرِ. المعنى: إنكم لا تأخذونَه إلا في حالِ الإغماض. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ محمودٌ في أفعاله. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ . [٢٦٨] ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ﴾ يُخَوِّفُكم. ﴿الْفَقْرَ﴾ بأن يقولَ: إنْ تصدَّقْتُم، افتقرتُم، والفقرُ: شرُّ الحالِ، وقِلَّةُ ذاتِ اليد.

стр. 449

﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالبخلِ ومنعِ الزكاة، وكلُّ فحشاءَ في القرآنِ فهو الزنا إلا هذا. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبِكم. ﴿وَفَضْلًا﴾ خَلَفًا مما أنفقتُم. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ غنيٌّ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما ينفَق. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ . [٢٦٩] ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ أي: العلمَ النافعَ، وقيلَ غيرُه. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ وأصلُ الحكمة: المنعُ، ثم استعمِلَتْ للمنع مع إصلاحٍ. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ قرأ يعقوبُ: (وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ) بكسرِ التاء (١)؛ أي: من يؤته اللهُ الحكمةَ، وإذا وقفَ، أثبتَ الياء. تلخيصُه: من أعطى ما يُدخلُه الجنةَ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يتَّعظ.

стр. 450

﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذوو العقول. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ . [٢٧٠] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ في طاعةٍ أو معصيةٍ. ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ أَوْجَبْتُموه على أنفسكم، والنذرُ: هوُ إلزامُ مكلَّفٍ مختارٍ نفسَه للهِ تعالى شيئًا بقولٍ غيرِ لازمٍ بأصلِ الشرعِ، فإذا نذرَ في طاعة، انعقدَ ولزمَه فعلُه بالاتفاق، وإذا نذرَ في معصيةٍ، لم يَجُزِ الوفاءُ به بالاتفاق، ويلزمُه عند أحمدَ كفارةُ يمينٍ، خلافًا للثلاثةِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يحفظُه، فيَجْزيكم به. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الواضعينَ الصدقةَ في غير محلِّها. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أعوانٍ يدفعونَ عذابَ الله عنهم. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ . [٢٧١] ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: تُظْهروا. ﴿الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: نعمَ الخصلةُ. قرأ أبو عمرٍو، وقالونُ، وأبو بكرٍ: بكسر النون، واختلاسِ كسرة العين، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح النون، وكسر العين، وأبو جعفرٍ، بكسر النون،

стр. 451

وسكون العين، وتخفيف الميم، والباقون: بكسر النون والعين، وكلها لغاتٌ صحيحة (١). ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ تستُروها. ﴿وَتُؤْتُوهَا﴾ أي: تعطوها. ﴿الْفُقَرَاءَ﴾ سِرًّا. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأفضلُ، في الحديث: "صدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" (٢) قيل: هذا في صدقة (٣) التطوع، وأما الزكاةُ، فإظهارُها أفضلُ؛ ليقتدَى به.

стр. 452

﴿وَيُكَفِّرُ﴾ يخففْ. ﴿عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني: الصغائرَ من الذنوب. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ: بالنون، ورفعِ الراء؛ أي: ونحنُ نكفرُ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ: بالياءِ والرفع؛ أي: ويكفرُ الله، ونافعٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو جعفرٍ: بالنون وجزم الراءِ نسقًا على الفاء التي في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن موضعها جزمٌ بالجزاء (١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ترغيبٌ في الإسرار. قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: كانوا يتصدَّقونَ على فقراءِ أهلِ الذمَّةِ، فلما كثرَ فقراءُ المسلمينَ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تتصدقوا إِلَّا عَلَى أَهْلِ دينكُم" فنزلَ قولُه تعالى (٢):

стр. 453

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ . [٢٧٢] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ﴾ أي: لا يلزمُك. ﴿هُدَاهُمْ﴾ هُدى التوفيق، وعليك هُدى البيان، فلا تمنعْهُمُ الصدقةَ لِيُسْلِموا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فأعطَوْهم بعدَ نزول الآية. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: مالٍ. ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ ثوابُه لا لغيركم. ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ﴾ (ما) بمعنى النهي؛ أي: لا تنفقوا. ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في أهل الذمة، (ما) هذه شرط كالأول، ولذلك حذف النون منها. ﴿يُوَفَّ﴾ أي: يؤدَّ. ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ثوابُه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ تُنقَصون من ثواب أعمالكم شيئًا، هذا في صدقة التطوَّع توضَع في المسلمين وأهلِ الذمَّة بالاتفاقِ، أما المفروضةُ فلا توضَعُ إلا في المسلمينَ في الأصنافِ الثمانيةِ، وجَوَّزَ أبو حنيفةَ وحدَه وضعَ صدقةِ الفطرِ في أهل الذمَّةِ.

стр. 454

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ . [٢٧٣] ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ أي: صدقاتُكم للفقراءِ. ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أي: حَبسوا نفوسَهم عن التصرُّف للتعبُّدِ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم أهل الصُّفَّةِ كانوا زهاءَ أربعِ مئةٍ يسكنونَ المسجدَ، يَرْضَخون النوى نهارًا؛ أي: يكسرونَه ويأخذونَ عليه الأجرةَ، ويصرفونَها في النفقة، ويقرؤون القرآنَ ليلًا، يخرجون في كلِّ سَرِيَّةٍ يبعثُها النبي ﷺ . ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ سيرًا. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لكثرةِ أعدائِهم من كثرةِ ما جاهدوا. ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ: بفتح السين، والباقون: بالكسر (١). ﴿الْجَاهِلُ﴾ بحالهم.

стр. 455

﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ عن السؤالِ وقناعتِهم، والعِفَّةُ: هي حصولُ حالةٍ للنفس تمتنعُ بها عن غلبةِ الشهوةِ. ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم التواضُعِ. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: إلحاحًا. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وعليه مُجازٍ. ... ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ . [٢٧٤] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نزلَتْ في عليٍّ بن أبي طالب ﵁، كانت عندَه أربعةُ دراهمَ لا يملكُ غيرَها، فتصدَّقَ بدرهم ليلًا، وبدرهمٍ نهارًا، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً (١). ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تلخيصه: من أنفقَ للهِ يُثَبْ مع الأمنِ والفرحِ. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ

стр. 456

وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ . [٢٧٥] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي: يعامِلُون به، وخُصَّ بالأكل؛ لأنه معظمُ المقصود، والربا لغةً: الزيادةُ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرِّبَا) بالإمالةِ حيثُ وقعَ (١). ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ من قبورِهم. ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ﴾ أي: إلا قيامًا مثلَ قيامِ. ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ﴾ أي: يضربُهُ ويصرعُهُ. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ والخبطُ: الضربُ على غيرِ استواء. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: الجنون. ومعناه: أن آكلَ الربا يُبْعَثُ يومَ القيامةِ وهو كمثلِ المصروعِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: العذابُ النازلُ بهم. ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ أي: بسببِ قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ لأنه كانَ إذا حَلَّ على رجلٍ مالٌ، يقولُ لغريمه: زِدْني في الأَجَل، وأَزيدُك في الربحِ، فيفعلانِ ذلكَ، ويقولان: سواءٌ علينا الزيادةُ في أولِ البيعِ وعندَ المحلِّ لأجلِ التأخير، فكذَّبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هذا تصريحٌ أن القياسَ يبطلُه النصُّ؛ لأنه

стр. 457

جعلَ الدليلَ على بطلانِ قياسِهم تحليلَ الله وتحريمَه. ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ أي: بَلَغَهُ موعظةُ تذكيرٍ وتخويفٍ. ﴿مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ عن أكلِ الربا. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: مضى من ذنبه قبلَ النهي مَعْفُوٌّ عنه. ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فيما يأمره وينهاه، وليس له شيء من أمر نفِسه. ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا بعدَ النهي. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ عن جابر قالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ" (١)، وقد اتفقَ الأئمةُ على تحريم الربا، وجوازِ البيع؛ لنصِّ الكتابِ والسنةِ فيهما، والبيعُ مصدرُ بعتُ، يقال: باعَ يبيعُ بمعنى: ملكَ، واشتقاقُهُ من الباع؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقِدَين يمدُّ باعَه للأخذِ والعطاء، ومعناهُ لغةً: إعطاءُ شيءٍ، وأخذُ شيء، وشَرْعًا: مبادَلَةُ المالِ بالمالِ لغرضِ التملُّكِ، ويصحُّ بالإيجابِ والقَبُول بالاتفاق، فيقولُ البائعُ: بعتُكَ، أو مَلَّكْتُكَ، ويقولُ المشتري: ابْتَعْتُ، أو قَبِلْتُ ونحوهما، واختلفوا في المعاطاة مثلَ أن يقول: أَعْطِني بهذا الدينار خُبْزًا (٢)، فيعطيه ما يُرضيه، أو يقولُ البائعُ: خذْ هذا بدرهم، فيأخذهُ، فقال الشافعيُّ: لا يصحُّ، وقال الثلاثة: يصحُّ؛ لأنه يدلُّ على الرضا المقصودِ من الإيجابِ والقبول.

стр. 458

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ . [٢٧٦] ﴿يَمْحَقُ﴾ أي: ينقصُ. ﴿اللَّهُ الرِّبَا﴾ ويُذْهِبُ بَرَكَتَه. ﴿وَيُرْبِي﴾ أي: يزيدُ. ﴿الصَّدَقَاتِ﴾ ويُبارِكُ فيها. في الحديثِ: "ما نَقَصَتْ زَكَاةٌ مِنْ مَالٍ قَطُّ" (١). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ بتحريمِ الربا. ﴿أَثِيمٍ﴾ مُصِرٍّ على الإثمِ (٢)، فاجرٍ بأكلِه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ . [٢٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من آتٍ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فائِتٍ. ونزلَ في المنعِ من المطالبةِ ببقايا الربا قولُه تعالى:

стр. 459

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ . [٢٧٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي كاملي الإيمان. ... ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ . [٢٧٩] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ تَذَروا ما بقيَ من الربا. ﴿فَأْذَنُوا﴾. قرأ حمزةُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (فَآذِنُوا) بالمدِّ على وزنِ آمِنوا؛ أي: فأَعْلِموا غيرَكم أنكم حربُ اللهِ ورسوله، وقرأ الباقون: مقصورًا بفتح الذال؛ أي: فاعلموا أنتم وأَيقنوا (١). ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ عن ابن عباس: "يُقَالُ لِآكِلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: خُذْ سِلاَحَكَ لِلْحَرْبِ" (٢)، وَحَرْبُ اللهِ النَّارُ، وَحَرْبُ رَسُولهِ السَّيْفُ. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ عن الربا. ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ التي أَرْبَيْتُمْ بها. ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بطلبِ الزيادة.

стр. 460

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بأن تنقصوا عن رأسِ المالِ، وهذا خبرٌ بمعنى النهي. فلما نزلت هذه الآية، قال المُرْبونَ: لا طاقةَ لنا بحربِ اللهِ ورسوله، ورَضُوا برأسِ المال، فشكا بنو المغيرةِ العسرةَ، وقالوا: أَخِّرونا إلى أن تدركَ الغلالُ، فأَبَوا، فأنزل الله (١): ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ . [٢٨٠] ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ أي: الذي عليه الدينُ. ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: معسرًا، والعسرُ: ضدُّ اليُسر. قرأ أبو جعفرٍ: بضم السين، والباقون؛ بالجزم (٢). ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: إمهال. ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ إلى وقتِ يُسْرٍ. قرأ نافعٌ: بضم السين، والباقون: بالفتح (٣). ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بتركِ رؤوسِ الأموالِ، أو بعضِها للمعسرِ.
следующие страницы →