الحيضةِ الثالثةِ، وزادَ الإمامُ أحمدُ: حتى تغتسلَ، أو يمضيَ وقتُ صلاة.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحيضِ والحبلِ، وهو أن يريدَ الرجلُ مراجعَتَها، فتقول: قد حضتُ الثالثةَ، أو تنكرُ الحبلَ ليبطلَ حقُّ الزوجِ من الرجعةِ والولدِ، وربما أسقطَتِ الولدَ خوفًا ألَّا تعودَ.
﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لأن المؤمنَ يخافُ هذا الفعلَ.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ جمعُ بَعْلٍ، وهو الزوجُ، سُمِّيَ بذلك لقيامِهِ بأمرِ الزوجةِ، وأصلُ البعلِ: السيدُ والمالكُ، والبِعالُ النكِّاحُ.
﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أَوْلى برجعتِهِنَّ.
﴿فِي ذَلِكَ﴾ في العِدَّةِ.
﴿إِنْ أَرَادُوا﴾ أي: الزوجُ والزوجةُ والوليُّ بالرجعَةِ.
﴿إِصْلَاحًا﴾ بينَهُما وحُسْنَ عشرةٍ.
﴿وَلَهُنَّ﴾ على الرِّجالِ.
﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ للرجال من الحقوق.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بما عُرِفَ شَرْعًا. قال ﷺ : "إِنَّ أَكْمَلَ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ" (١).
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ بالمَهْرِ وإنفاقِ المال. قرأ يعقوبُ: (عَلَيْهُنَّ) بضم الهاء حيثُ وقع (٢).
стр. 387
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال ﷺ : "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١).
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ .
[٢٢٩] ﴿الطَّلَاقُ﴾ تقديرُه: عَدَدُ الطلاقِ الذي يملكُ الزوجُ بعدَهُ الرَّجْعَةَ.
﴿مَرَّتَانِ﴾ كانَ الناس في الابتداءِ يُطَلِّقونَ من غيرِ حَصْر ولا عَدَدٍ، وكانَ الرجلُ يطلِّقُ امرأتَهُ، فإذا قاربَت انقضاء عِدَّتها، راجعَها، ثم طَلَّقَها كذلكَ، ثم راجعَها، يقصدُ بذلك مُضارَّتَها، فنزلتِ الآيةُ، وقولُه مَرَّتان؛ أي: مرةً بعدَ مرةٍ، ولم يُرِدِ الجمعَ بينهما، فإن راجعَها بعدَ الثانيةِ.
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ شرعًا؛ أي: يُمسكُها بما عُرفَ من الحقوق، ولا يراجعُها بقصدِ تطويلِ العِدَّةِ مضارَّةً لها.
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أصلُ التسريحِ: الإرسالُ؛ كالطلاقِ من الإطلاق.
المعنى: يتركُها، ولا يقصدُها بسوء.
стр. 388
وصريحُ اللفظِ الذي يقعُ به الطلاقُ من غير نيةٍ عندَ مالكٍ والشافعيِّ ثلاثةٌ: الطلاق، والفِراقُ، والسَّراحُ، وعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ هو لفظُ الطلاقِ.
واختلف الأئمةُ فيما إذا كان أحدُ الزوجين رقيقًا، فقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: يعتبَرُ عددُ الطلاق بالزوج، فيملكُ الحرُّ على زوجتِهِ الأمةِ ثلاثَ طلقاتٍ، والعبدُ لا يملكُ على زوجته الحرَّةِ إلا طلقتينِ، وقال أبو حنيفةَ: الاعتبارُ بالمرأةِ، فيملكُ العبدُ على زوجتِهِ الحرَّةِ ثلاثَ طلقاتٍ، ولا يملكُ الحرُّ على زوجتِهِ الأمةِ إلا طلقتين.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج.
﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهور.
﴿شَيْئًا﴾ ثم استثنى الخُلْعَ، فقال:
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ تقديره: إِلَّا أَنْ يخافا تركَ حدودِ اللهِ المعروفةِ شرعًا من حُسْنِ الصحبةِ. قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (يُخَافَا) بضمِّ الياء؛ أي: يُعْلَمَ ذلك منهما؛ يعني: يعلم المسلمون والقاضي ذلك من الزوجين؛ بدليل قوله:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فجعلَ الخوفَ لغيرِ الزوجين، ولم يَقُلْ: فإن خافا. وقرأ الباقون: بفتح الياء (١)؛ أي: يعلم الزوجانِ من أنفسِهما.
стр. 389
﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ نزلت في جميلةَ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سلولَ وزوجِها ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شماس، وكان يحبُّها، وهي تُبْغِضُه، وكان قد أعطاها حديقةً، فافتدَتْ بها نفسَها منهُ، وهو أولُ خُلْعٍ في الإسلام (١).
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوج فيما أخذ، ولا على الزوجة.
﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نفسَها من المال؛ لأنها ممنوعةٌ من إتلافِ المالِ بغيرِ حقٍّ، وهذه الآيةُ دليلُ جواز الخُلْعِ بسؤالِ الزوجةِ على مالٍ تفتدي به نفسَها.
واختلفَ الأئمهُّ في الخلع، فقال الثلاثةُ: هو تطليقةٌ بائنةٌ، وقال أحمدُ: هو فَسْخُ عِصْمَةٍ إذا وقعَ بلفظِ خُلْعٍ، أو فَسْخٍ، أو مفاداةٍ لا يُنقصُ عدد الطلاقِ، وهو قولُ ابن عباسٍ، وعبدِ الله بنِ عمَر، واحتجَّ ابن عباس بقولهِ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فذكرَ تطليقتين والخلعَ وتطليقةً بعدها، ولم يَكُ للخُلْعِ حكمٌ يُعْتَدُّ به، فلو كان الخلعُ طلاقًا، لكانَ الطلاق أربعًا، ولأنَّها فُرْقَةٌ خلَتْ عن صريح الطلاقِ ونيتهِ، فكانتْ فسخًا كسائر الفُسوخِ، ومن قالَ: هو طلقةٌ، جعل الطلقة الثالثة: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: هذه أوامرُه ونواهيه.
стр. 390
﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ لا تتجاوزوها.
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ يتجاوَزُها.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ .
[٢٣٠] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الطلقةَ الثالثةَ.
﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: بعدَ الطلقةِ الثالثةِ.
﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ غيرَ مطلِّقِها، فيجامعُها. والنكاحُ شرعًا: يتناولُ العَقْدَ والوَطْءَ جميعًا، فهو حقيقةٌ فيهما عندَ الإمامِ أحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ هو حقيقة في الوطء، مَجازٌ في العقدِ، وعندَ الشافعيِّ بالعكس، وهو في اللغةِ الضَّمُّ والجمعُ، فعلى القول بأنه حقيقةٌ في العقد، فهو ضمُّ وجمع بالنسبة إلى الإيجابِ والقَبولِ؛ فإنَّ القبولَ يُضمُّ ويُجْمَعُ إلى الإيجاب، وعلى القولِ بأنه حقيقةٌ في الوطءِ، فهو ضمٌّ وجمعٌ بالنسبةِ إلى جمعِ أحدِ الفَرْجينِ إلى الآخر وضمِّهِ إليه؛ لأن الزوجينِ حالةَ الوطءِ يجتمعانِ، وينضَمُّ كلُّ واحدٍ منهما (١) إلى صاحبِه حتى يصيرا كالشَّخْصِ الواحدِ، والحقيقةُ: اللفظُ المستعملُ فيما وُضعَ له، والمجازُ: اللفظُ
стр. 391
المستعمَلُ في غير ما وُضع له على وجهٍ يصحُّ، والحقيقةُ لا تستلزمُ المجازَ، والمجازُ يستلزمُها بالاتفاق.
عن عائشةَ -رضى الله عنها- قالت: جاءتِ امرأةُ رفاعةَ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالت: كنتُ عندَ رفاعةَ، فطلَّقني فَبَتَّ طلاقي، فتزوَّجْتُ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبِيرِ، وإنما معهُ مثلُ هُدْبَةِ الثوبِ، فتبسَّمَ رسولُ الله ﷺ ، وقال: "تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" (١).
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: الزوج الثاني.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوجِ الأولِ والزوجةِ بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ.
﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: يرجعَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه بنكاحٍ جديدٍ.
﴿إِنْ ظَنَّا﴾ أي: رَجَوَا.
﴿أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الواجبةَ في حقِّ الزوجيةِ، وقال مجاهد: إنْ عَلِما أنَّ نكاحَهُما على غيرِ دلسة، وهي التَّحليل.
واختلف الأئمةُ في الرجلِ إذا تزوَّجَ امرأةً طُلِّقَتْ ثلاثًا لِيُحِلَّها للزوجِ الأولِ، فقالَ مالكٌ وأحمد: النكاحُ باطِلٌ، ولا تحلُّ للأولِ، وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: النكاحُ صحيحٌ، ويحصُلُ بهِ التحليلُ إذا لم يُشْتَرَط في النكاح مع الثاني أن يفارقَها، غيرَ أنه يُكْرَه إذا كانَ في عزمِهِما ذلك.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما أَمَرَهُمْ به.
عاصمِ بنِ عديِّ بنِ عَجلانَ، فطلَّقها، فلما انقضتْ عدَّتُها، جاء يخطبُها، فقالَ له أخوها: زَوَّجْتُكَ وفَرَشتُكَ وأكرمتُكَ، فطلَّقْتَها، ثم جئتَ تخطبُها! لا واللهِ لا تعودُ إليكَ أبدًا، وكان رجلًا لا بأسَ به، وكانت المرأةُ تريد أن ترجعَ إليه، فأنزل الله تعالى:
﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (١) أصلُ العَضْلِ: المنعُ والشدَّةُ. المعنى: لا تمنعوهن من ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الذين يرغبْنَ فيهم، ويصلحون لهنَّ.
﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ أي: الخطَّابُ والنساء.
﴿بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بعقدٍ حلالٍ ومهرٍ جائز.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: النهيُ.
﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ﴾ أيها الجمع.
﴿أَزْكَى﴾ أي: خير.
﴿لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبِكم من الرِّيبةِ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما في قلبِ أحدِهما من حبِّ الآخَرِ.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ، فلما نزلت الآية، قال أخوها: الآن أَفعلُ يا رسول الله.
стр. 395
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ .
[٢٣٣] ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ أي: المطلَّقاتُ اللاتي لهنَّ أولاد من أزواجهن.
﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبرٌ، ومعناه: أَمْرُ استحبابٍ.
واختلف الأئمةُ هل تُجبر الأمُّ على إرضاعِ ولدِها؟ فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا تُجبر، إلا أن يُضطرَّ إليها، ويُخْشى عليه.
وقال مالكٌ: تُجبر إن كانَتْ تحتَ الأبِ، أو رجعيةً، إلا أن تكون عَلِيَّةَ القَدْرِ، فلا تُجبر إلا أَلَّا يقبلَ ثَدْيَ غيرِها، أو يكونَ الأبُ معسِرًا، أو ميتًا، وليس للولدِ مالٌ.
وقال الشافعيُّ: يجبُ عليها إرضاعُه اللِّبَأَ، ثم بعدَهُ إن لم يوجدْ إلا هي، أو أجنبيةٌ، وجبَ إرضاعُه، فإن وُجِدتا، لم تُجبرِ الأمُّ.
واختلفوا فيما إذا طلبت الأمُّ أجرةَ مثلِها في إرضاعِ ولدها، فقال أبو حنيفة: لها ذلك بشرطِ ألَّا تكونَ في عصمة الأب، ولا عِدَّتِه، فإن وَجَدَ متبرعةً، أو من تُرضعُ بدون أجرةِ المثلِ، كان للأبِ أن يسترضعَ غيرَ الأمِّ، بشرطِ أن تكونَ المرضعةُ عندَ الأمِّ؛ لأن الحضانةَ لها.
стр. 396
وقال مالك: لها طلبُ أجرةِ المثلِ بعد البينونةِ، ولو في العدَّة، فإن وُجد من يُرضعُهُ بدونِ أجرةِ المثل، فإن كان ذلكَ عندَ الأم، فتُخَيَّرُ بينَ إرضاعِه بذلك، أو تسليمِه للظِّئْرِ، وليس لها طلبُ أجرةِ المثلِ، فإن لم يكن عندَها، فليس له ذلك، ولو كانتِ المرضعةُ متبرعةً، وعليه أن يرضعَه عندَ أمِّه، ولا يخرجَهُ من حَضانتها؛ كقولِ أبي حنيفة.
وقال الشافعيُّ: لها أخذُ الأجرةِ في العصمةِ والبينونةِ، فإن وجَدَ متبرعة، أو من يرضى بدونِ أجرةِ المثلِ، فله انتزاعُ الولدِ منها.
وقال أحمد: هي أحقُّ بأجرةِ مثلها، ولو وجدَ متبرعةً، سواءٌ كانت في حبالِ الزوجِيَّة، أو مطلَّقَةً.
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ يعني: أربعة وعشرين شهرًا، ثم جاء بالتخفيف فقال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ﴾ أي: يكمل.
﴿الرَّضَاعَةَ﴾ أي: هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك حَدٌّ محدود، وإنما هو على مقدار إصلاحِ الصبيِّ أو ما يعيشُ به.
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي: الأبِ.
﴿رِزْقُهُنَّ﴾ طعامُهُن.
﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ لباسُهُن.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: قدر اليُسْرَةِ.
﴿لَا تُكَلَّفُ﴾ لا تُحَمَّلُ.
﴿نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقَتَها.
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ فينزع منها بعدَ رضاها بإرضاعه. قرأ: ابن
стр. 397
كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (تُضَارُّ) برفع الراء نَسَقًا على قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾، وأصلُه: تُضارَرُ، فأُدغمتِ الراء في الراء. قرأ نافعٌ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ: بنصبِ الراءِ، وقالوا: لما أُدغمت الراءُ في الراء، حركت إلى أخفِّ الحركات، وهو النصب، وأبو جعفرٍ: بإسكانِ الراء (١).
﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ بأن تلقيَ الولدَ إلى أبيه بعدَما أَلِفَها تضارُّه بذلكَ.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ أي: وارثِ الصبيِّ عندَ فقدِ أبيه.
﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي: مثلُ الذي كان على أبيه في حياته.
واختلف الأئمة في وجوبِ النفقة على القريب، فعند مالكٍ والشافعيِّ: لا نفقةَ للصبيِّ إلا على الوالدينِ فقط، وعندَ أبي حنيفةَ تجبُ إلّا على مَنْ ليس بذي رَحِم محرمٍ؛ كابن العمِّ، وعندَ أحمدَ تجبُ على كلِّ وارثٍ على قدرِ ميراثِه.
﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ الوالدانِ.
﴿فِصَالًا﴾ فِطامًا للصغير قبلَ الحولينِ، فليكنْ.
стр. 398
﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ اتفاقٍ.
﴿مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ بأن يستخرجَ الوالدانِ رأيَ العلماءِ أنَّ الفطامَ لا يضرُّهُ، واعتبرَ اتفاقُهما، لِمَا للأبِ من الولايةِ، وللأمِّ من الشفقة.
﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ أي: لا حَرَجَ.
﴿عَلَيْهِمَا﴾ في الفطام قبلَ الحولين. قرأ يعقوبُ: (عَلَيْهُما) بضمِّ الهاء (١).
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أي: لأولادكم مراضعَ غيرَ أمهاتهم إذا أبتْ أمهاتُهم أن يُرْضِعْنَهم، أو تعذَّرَ لعلَّةٍ بهنَّ؛ كانقطاعِ لبنٍ، أو أردْنَ النكاحَ.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى أمهاتهم.
﴿مَا آتَيْتُمْ﴾ ما سَمَّيتم لهنَّ بقدرِ ما أرضعن. قرأ ابنُ كثيرٍ: (مَا أَتَيْتُمْ) بقصر الألف، ومعناه: ما فعلتم، والباقون بالمدّ (٢).
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: سلمتم الأجرةَ إلى المراضعِ بطيبِ نفسٍ وسرور.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ حَثٌّ وتهديدٌ.
والادِّهان بالمطيَّبِ بالاتفاق، وجَوَّزَ أبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ الاكتحالُ بالأسودِ للضرورة، وعند الشافعي تكتحلُ به (١) ليلًا، وتمسحُه نهارًا للضرورة، وأما المطلقة، فإن كان طلاقُها رجعيًّا، فلا إحدادَ عليها بالاتفاق، وإن كان بائنًا، فقال أبو حنيفة: يجبُ عليها الإحدادُ، وقال مالكٌ وأحمد: لا يجبُ عليها، وعندَ الشافعيِّ يُستحبُّ، وعنه قولٌ يجبُ.
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ .
[٢٣٥] ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: المعتدَّات، والتعريضُ: التلويح بالشيء، وهو ما يلوحُ؛ أي: يبين منه المرادُ من غيرِ تصريحٍ، فالتعريضُ بالخِطبةِ مباحٌ في العدَّةِ من الوفاةِ والطلاقِ البائنِ بالاتفاق، نحو قوله: إنِّي في مثلِكِ لراغبٌ، ولا تفوتيني بنفسِكِ، وتجيبُه: ما يُرْغَبُ عنكَ، وإن قُضي شيءٌ كانَ، ونحوهما، ولا يجوز التعريضُ للرجعية، ولا التصريحُ للبائن قبلَ انقضاءِ العدةِ بالاتفاق، والخِطْبَةُ: التماسُ النكاح، فإذا خطبَ الرجلُ امرأةً، وأُجيب، حَرُمَ على غيره أن يخطبَ على خِطبته بالاتفاق، فلو خالفَ وفعلَ، صحَّ
стр. 401
النكاحُ، ولزمَ عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ: يُفْسخ قبل الدخولِ لا بعده.
﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: أَضْمَرْتم. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ورَوْحٌ عن يعقوبَ (النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ) وشبهه حيثُ وقعَ بتحقيق الهمزتين والباقون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وهي أن تبدل ياء (١).
﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ في قلوبكم. تلخيصُه: لا تَبِعَةَ عليكم في التلويح بالنكاح.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ولكم ميلٌ إليهنَّ، فاذكروهُنَّ.
﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ والسرُّ: الجِماعُ؛ أي: لا تَصِفوا أنفسَكُم لهنَّ بكثرةِ الجِماع، وإنما قيلَ للجماعِ: السِّرُّ؛ لأنه يكون في خُفْيَةٍ بينَ الرجل والمرأة.
﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو التعريضُ بالخِطبةِ.
﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾ أي: تَنْووا.
﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ في العدَّةِ.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ بانقِضائِها، وسُمِّيتِ العدَّةُ كِتابًا، لأنها فرضٌ في الكتاب، فعَقْدُ النكاحِ في العدَّةِ لغيرِ المطلِّقِ دونَ الثلاثِ باطلٌ بالاتفاق.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ فخافوه عقابه.
стр. 402
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفرُ.
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعجِّلُ بالعقوبة.
...
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ .
[٢٣٦] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تُجامعوهنَّ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُمَاسُّوهُنَّ) بالألفِ في الموضعينِ على المفاعَلَة، لأن بدنَ كلِّ واحدٍ يلاقي بدنَ (١) صاحبِه كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقرأ الباقون: (تَمَسُّوهُنَّ)؛ لأن الغِشيانَ يكونُ من فِعل الرجل؛ لقوله تعالى حكايةً عن مريم: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ (٢) [مريم: ٢٠].
﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ أي: تُسَمُّوا.
﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ مَهْرًا. نزلتْ في رجلٍ من الأنصار تزوَّج امرأةً من بني حنيفةَ، ولم يُسَمِّ لها مَهْرًا، ثم طلقها قبلَ أن يمسَّها، فنزلتْ هذه الآيةُ، فقالَ
стр. 403
لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَتِّعْهَا، وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ" (١) ونَفْيُ الجُناحِ عن المطلِّقِ؛ لأنَّ الطلاقَ مكروهٌ، وجاء في الحديث: "أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلَى اللهِ الطَّلاقُ" (٢). تلخيصه: لا تَبِعَةَ عليكم إن أردتُم الطلاقَ قبلَ الدخولِ والمسيسِ، فطلِّقوهُنَّ.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أصلُ المتعةِ والمتاعِ: البلاغُ؛ أي: أعطوهُنَّ ما يتبلَّغْنَ وينتفعْنَ به.
﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ أي: ذي السعة منكم.
﴿قَدَرُهُ﴾ أي: بقدر (٣) وُسْعِهِ.
﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ الضَّيِّقِ الحالِ.
﴿قَدَرُهُ﴾ بقدرِ ضِيقه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذَكوانَ، وأبو جعفرٍ (قَدَرُهُ) بفتح الدال فيهما، والباقون: بسكونها، وهما لغتان (٤).
стр. 404
﴿مَتَاعًا﴾ نصبٌ على المصدر.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما أمركم الله به من غيرِ ظلمٍ.
﴿حَقًّا﴾ مصدرُ حَقَّ.
﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى المطلَّقاتِ بالتمتُّع، فمن تزوَّجَ امرأةً، ولم يفرضْ لها مهرًا، ثم طلَّقَها قبلَ المسيسِ، فلها المتعةُ بالاتفاق، وإن طلَّقها قبلَ المسيسِ، وقد فرضَ لها، فلها نصفُ المفروض، ولا متعةَ لها بالاتفاق.
واختلف الأئمةُ في المطلقةِ بعدَ الدخول، فقال الشافعيُّ: تستحقُّ المتعةَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]؛ لأن استحقاقَها المهرَ بمقابلةِ ما أتلفَ عليها من منفعةِ البُضْعِ، فلها المتعةُ على وحشةِ الفراق.
وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ: لا متعةَ لها، واختلفوا في قدر المتعة، فقال أبو حنيفةَ: مبلغُها إذا اختلفَ الزوجانِ قدرُ نصفِ مهرِ مثلِها لا يجاوز، وقال الشافعيُّ: يُستحبُّ ألَّا تنقصَ عن ثلاثين درهمًا، فإن تنازعا، قَدَّرَها (١) القاضي بنظرِهِ معتبرًا حالَهما، وقال أحمدُ: أعلاها خادمٌ، وأدناها كسوةٌ تجزئها الصلاةُ فيها، وقال مالكٌ: ليس لها حدٌّ محصور، وإنما يعطيها شيئًا يجري مجرى الهبةِ بحسبِ ما يحسُنُ على قدرِ حالِه من يُسرٍ وعُسرٍ.
...
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ
стр. 405
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ .
[٢٣٧] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: قبلَ الدخول.
﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: سميتم لهنَّ مهرًا.
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فيجبُ عليكم نصفه، والمرادُ بالمسِّ: الجِماعُ، وإن ماتَ أحدُهما قبلَ المسيسِ، استقرَّ المهرُ كاملًا بالاتفاق، واختلفوا فيما إذا خلا الرجلُ بامرأته، ثم طلقها قبلَ المسيسِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لها كمالُ المهر، وعليها العِدَّةُ، وقال الشافعيُّ: لها نصفُ الصَّداقِ، ولا عِدَّةَ عليها، وقال مالكٌ: عليها العدَّةُ، ولها نصفُ المهرِ، فإن طال مقامُها معه، وقد تلذَّذَ بها وابتذلَها، فلها جميعُ المهر (١)، وقد حدَّه ابنُ القاسمِ بالعامِ.
﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: الزوجاتُ، وأصلُ العفوِ: التركُ؛ أي: إلا أن تتركَ المرأةُ نصيبَها، فيعودُ جميعُ الصداقِ إلى الزوج.
﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الوليُّ عندَ مالكٍ، فيجوزُ عفوُه إن كانَتْ بكرًا، أو غيرَ جائزةِ الأمر، وعند أبي حنيفةَ وأحمدَ، والشافعيِّ في الجديد: هو الزوجُ، وقالوا -أعني الثلاثة-: لا يجوزُ لوليها تركُ شيء من صَداقها، بكرًا كانت أو ثيبًا، كما لا يجوزُ له ذلكَ قبلَ الطلاق، بالاتفاق، وكما لا يجوزُ له أن يهبَ شيئًا من مالها. المعنى: تعفو المرأةُ بتركِ نصيبِها للزوجِ، ويعفو الزوجُ بصرفِ جميعِ الصَّداق إليها.
стр. 406
﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ محلُّه رفعٌ بالابتداء؛ أي: والعفوُ.
﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العفوُ أقربُ من أَجلِ التقوى، والخطابُ للرجالِ والنساءِ، معناه: ويعفو بعضكم عن بعض أقربُ للتقوى.
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: لا تنسَوا تفضُّلَ بعضِكم على بعض بإعطاءِ الرجلِ جميعَ الصداق، وتركِ المرأةِ نصيبَها منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ خبرٌ في ضمنِه الوعدُ للمحسنِ، والحرمانُ لغيره.
...
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ .
[٢٣٨] ﴿حَافِظُوا﴾ داوموا.
﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ أي: المكتوباتِ بمواقيتِها وحدودِها.
﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وخُصَّتْ بالذِّكر تفضيلًا، وهي العصر عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ؛ لما رُوي عن النبي ﷺ أنه قالَ يومَ الخندقِ: "شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" (١)؛ ولأنها بينَ صلاتيَ نهارٍ وصلاتَي ليلٍ، وقد خَصَّها النبيُّ ﷺ بالتغليظ.
وعندَ مالكٍ والشافعيِّ هي صلاةُ الفجرِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ
стр. 407
قَانِتِينَ﴾ والقنوتُ: طول القيامُ، وصلاةُ الصبحِ مخصوصةٌ بطولِ القيامِ، وبالقُنوتِ؛ ولأنَّها بينَ صلاتيَ جمعٍ، وهي لا تُقْصر ولا تُجمع إلى غيرها.
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في صلاتكم.
﴿قَانِتِينَ﴾ طائعين خاضعين، والقنوتُ في صلاة الصبح عندَ مالكٍ قبلَ الركوع سرًّا، وعند الشافعيِّ بعدَه جهرًا، وسيأتي ذكر مذهبِ أبي حنيفةَ وأحمدَ في القنوتِ في صلاةِ الوترِ في سورةِ الفجر -إن شاء الله تعالى-. وأصلُ القنوتِ: الطاعةُ، رُوي عن زيدِ بنِ أرقمَ أنه قال: "كُنَّا نتكلَّمُ في الصلاةِ إلى أن نزل: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنا بالسُّكوت، ونُهِينا عنِ الكلامِ" (١).
...
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ .
[٢٣٩] ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوٍّ وغيرِه.
﴿فَرِجَالًا﴾ أي: فصلُّوا رجالًا، جمعُ راجِلٍ.
﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ على دوابِّكُم، جمعُ راكبٍ. المعنى: إن لم تمكنْكُم الصلاةُ قانتين، فصلُّوا رجالةً ورُكبانًا، وهذا في حال القتالِ والمُسايَفَةِ (٢) -
стр. 408
أي: الضرب بالسيف (١) - يصلِّي حيثُ كان وجهُه إلى القبلةِ وغيرِها، يومئ بالركوع والسجود على قَدْر الطاقة، ويجعل السجودَ أخفضَ من الركوع، وبذلك قالَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، وقال أبو حنيفةَ: لا يصلِّي ماشِيًا ولا مُسايِفًا إذا لم يمكن الوقوفُ، ولا ينقصُ عددُ الركعات عندَهم بالخوف، وسيأتي في سورة النساء بيانُ أقسامِ صلاةِ الخوف، وصفتها عقبَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١].
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: زالَ الخوفُ.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: صلُّوا الصلواتِ الخمسَ، واشكروهُ على الأمنِ وأداءِ الصلاة.
﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ من صلاةِ الخوفِ وغيرِها.
﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرَهُ.
...
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ .
[٢٤٠] ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ يا معشرَ الرجال.
﴿وَيَذَرُونَ﴾ يتركون.
﴿أَزْوَاجًا﴾ أي: زوجاتٍ.
﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وحفص:
стр. 409
﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب؛ أي: يوصون وصيةً، والباقون: بالرفع؛ أي: فعليهم وصيةٌ (١).
﴿مَتَاعًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: مَتِّعوهنَّ متاعًا.
﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي: يوصي لها بنفقةِ حولٍ كاملٍ، وهي مدَّةُ العِدَّةِ في ابتداءِ الإسلام.
﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فإن خرجتْ من منزلِ زوجِها، سقطتْ نفقتُها، ثم نُسخَ الحولُ بأربعةِ أشهرٍ وعشر، والنفقةُ بالميراثِ.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ من قِبَلِ أنفسِهِنَّ.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياءَ الميت.
﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ يعني: التزيُّنَ والنكاحَ، ولرفعِ (٢) الجناحِ عن الرجالِ وجهان: أحدهما: لا جناحَ عليكم في قطع النفقةِ عنهنَّ إذا خرجْنَ قبلَ انقضاءِ الحولِ، والآخرُ: لا جناحَ عليكم في تركِ منعِهِنَّ من الخروج؛ لأنَّ مقامَها في بيتِ زوجِها حولًا غيرُ واجبٍ عليها، خَيَّرَها الله تعالى بينَ أن تقيمَ حولًا، ولها النفقةُ والسُّكْنى، وبين أن تخرجَ إلى أن نُسختْ بأربعةِ أشهرٍ وعَشْرٍ.
стр. 410
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ راعي مصالحهم.
...
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ .
[٢٤١] ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لما نزلَ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ إلى ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجلٌ من المسلمين: إن أحسنتُ فعلتُ، وإن لم أُردْ لم أفعلْ، فنزلت هذه الآيةُ (١)، وجعلَ الله المتعةَ لهنَّ بلامِ التمليك، ثم أكَّد ذلك بقوله:
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ للشركِ، وتقدم ذكرُ الخلاف في الآية المتقدمة.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ .
[٢٤٢] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تفهمونها.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾.
خرج جماعة من قريتهم داوَرْدانَ قِبَلَ واسط خوفَ الطاعون، فنزلوا واديًا أَفْيَحَ؛ أي: أوسعَ، فلما استقروا فيه، ماتوا جميعًا، وبقوا موتى ثمانية أيام، فسأل حزقيلُ النبيُّ فيهم ربَّهُ، فأحياهم فعاشوا بعدَ ذلكَ دهرًا
стр. 411
لا يلبسون ثوبًا إلا عادَ رميمًا كالكفن، قال ابنُ عباس: "فإنها لَتوجدُ اليومَ في ذلك السِّبْطِ من اليهودِ تلكَ الريحُ" (١) فنزل تعجُّبًا من حالهم:
[٢٤٣] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: تعلمْ؛ لأنها من رؤية القلب، وكذا كلُّ ما لم يعايَنْ.
﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ جمعُ ألفٍ، أي: جماعاتٌ كثيرةٌ، واختُلف في مبلغ عددِهم، فورد فيه أقوال كثيرة، أولاها: قولُ من قالَ: كانوا زيادةً على عشرة آلاف.
﴿حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ على لسان مَلَكٍ:
﴿مُوتُوا﴾، فماتوا، ثم عطف على قوله: ماتوا المقدَّرة قولَه:
﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ليعلموا أنْ لا فرارَ من القدر، وهذا تبكيتٌ (٢) لمن يفرُّ من قضاءِ اللهِ المحتومِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ كافَّةً في الدنيا، وخاصة على المؤمنين في الأخرى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ على ذلك، أما الكفارُ، فلم يشكروا، وأما المؤمنون، فلم يبلغوا غايةَ شكرِه، ثم عطف ما بعد على محذوف مخاطِبًا للذين أُحيوا، وتقديره: لا تحذروا الموت.
стр. 412
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ .
[٢٤٤] ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعتِه أعداءَه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بالضمائرِ. أَمَرَهم أن يجاهِدوا، هذا قولُ أكثر المفسرين، وقيل: هو خطابٌ لهذه الأمة، والله أعلم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ .
[٢٤٥] ﴿مَنْ﴾ استفهامٌ ابتداء.
﴿ذَا﴾ خبرُه.
﴿الَّذِي﴾ صفةُ الخبر، وصِلَةُ الذي.
﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ ينفقُ في طاعته.
﴿قَرْضًا﴾ أي: إقراضًا.
﴿حَسَنًا﴾ حلالًا، وأصلُ القرضِ لغةً: القطعُ؛ لأنه يقطعُ له من مالِه شيئًا يعطيه ليرجعَ إليه مثلُه.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قرأ عاصم: (فَيُضَاعِفَهُ) بنصبِ الفاء، وقرأ ابنُ عامرٍ، ويعقوب: (فَيُضَعِّفَهُ) بالتشديد ونصبِ الفاء، وقرأ ابنُ كثير وأبو جعفرٍ: (فَيُضَعِّفُهُ) بالتشديد وضم الفاء، والباقون: (فَيُضَاعِفُهُ لَهُ) بالألف مخففًا وضمِّ الفاء، وهما لغتان، فالقراءةُ بنصبِ الفاءِ على جواب الاستفهام، وبالضمِّ نَسَقًا على قوله. (يُقْرِضُ) (١)، ودليلُ التشديد قولُه:
стр. 413
﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ لأنَّ التشديدَ للتكثير، وهذا التضعيفُ لا يعلمُ عددَه إلا اللهُ، وأصلُ التضعيفِ: أن يُزاد على الشيء مثلُه أو أمثالُه. تلخيصه: مَنِ المعطي عبادَ اللهِ من حلالِ مالهِ بطيبِ نفسٍ وغيرِ مِنَّةٍ؟ فإنَّ الله يُثيبُه على ذلك أفضلَ ثوابٍ.
﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ بإمساك الرزقِ.
﴿وَيَبْسُطُ﴾ بتوسيعِه على خلقه. قرأ خلفٌ لنفسِه، وعن حمزةَ، والدوريُّ عن أبي عمرٍو، وهشامٌ عن عامرٍ، ورُوَيْسٌ عن يعقوبَ: (وَيَبْسُطُ) بالسين، لأنها الأصل. وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: بالصاد إبدالًا من السين (١)، واختلِفَ عن قنبل، والسوسيِّ، وابنِ ذكوانَ، وحفصٍ، وخلاد، ورسمها بالصاد.
﴿وَإِلَيْهِ﴾ أي: إلى الله.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم.
стр. 414
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ .
[٢٤٦] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الملأُ من القوم: وجوهُهم وأشرافُهم، وأصلُ الملأ: الجماعةُ من الناس.
﴿مِنْ بَعْدِ﴾ موت.
﴿مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو أشموئيل، ومعناه بالعبرانية إسماعيل، مولدُه بقرية يقال لها: شيلوا، ويقال: إنها المشهورةُ يومئذٍ بالسيلةِ من أعمالِ نابُلُسَ، بعثه الله نبيًّا لما صار له أربعون سنةً، فدبَّرَ بني إسرائيل، ولبثوا أربعين سنةً بأحسنِ حال، وكان قوامُ أمر (١) بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وكان ملوكُهم يطيعون أنبياءهم، فظهر لهم عدوٌّ عظيم، وهم قومُ جالوتَ، وهم العمالقة، كانوا يسكنون ساحلَ بحرِ الروم بينَ مصرَ وفلسطين، فظهروا على بني إسرائيل، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسَبَوا منهم، وأسروا، فقالوا لنبيهم أشموئيل:
﴿ابْعَثْ﴾ أي: آثِرْ وأرسلْ.
﴿لَنَا مَلِكًا﴾ أي: معنا سلطانًا يتقدَّمُنا.
﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فلما قالوا له ذلك.
стр. 415
﴿قَالَ﴾ لهم:
﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ استفهامُ شَكٍّ، يقول: لعلكم. قرأ نافعٌ: (عَسِيتُمْ) بكسر السين؛ كخشيتم، والباقون: بالفتح كرميتُم، وهي اللغة الفصيحة (١).
﴿إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ مع ذلكَ الملكِ.
﴿أَلَّا﴾ تقوموا بما تقولون، ولا ﴿تُقَاتِلُوا﴾ معه. تلخيصُه: أنتم جبناءُ عن القتال، فكيف تقاتلون؟ فثمَّ استفهموا منكرين، و:
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المعنى: أيُّ عذرٍ لنا في تركِ الجهاد.
﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ المعنى: أُخرجَ بعضُنا؛ لأن القائلين كانوا في ديارهم.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الجهاد، وضيَّعوا أمرَ الله.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عَبَروا النهرَ مع طالوت، واقتصروا على الغَرْفةِ، وكانوا ثلاثَ مئةِ رجلٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا كأهلِ بدرٍ، ثم تهدَّدَهم فقال:
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ بترك الجهاد.
﴿بَسْطَةً﴾ سَعَة.
﴿فِي الْعِلْمِ﴾ بالحرب.
﴿وَالْجِسْمِ﴾ بالطول، قيل: سُمِّيَ طالوتَ لطوله، وكان أعلمَ بني إسرائيلَ بالحرب، وأطولَ من كلِّ إنسان برأسه ومنكبه، وكان أجملَ رجل في بني إسرائيل.
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لأنه مختصٌّ بالملْكِ.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ ذو السعة.
﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصنع.
ثم قالوا لنبيهم: فما آيةُ ملكهِ؟ فأجابهم:
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ .
[٢٤٨] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو صندوقُ التوراة، ومن قِصَّته أن الله أنزلَ تابوتًا على آدمَ من خشبِ الشِّمشارِ نحوًا من ثلاثةِ أذرُع في ذراعينِ، فكان عندَ آدمَ، ثم عند شيثٍ، ثم توارثه أولادُ آدمَ إلى أن بلغَ إبراهيمَ، ثم كانَ عندَ إسماعيل، ثم عندَ يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصلَ إلى موسى، فكان موسى
стр. 418
يضعُ فيه التوراة، ومتاعًا من متاعه إلى أن مات، ثم تداولَه أنبياءُ بني إسرائيل، وكان كما ذكر (١) الله تعالى:
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: طُمَأنينة وحكمةٌ؛ لأنهم كانوا يسكنون إليه أينما كان، وإذا حضروا القتال، قَدَّموه بينَ أيديهم يَسْتنصرون به، وقيل: كانَ فيه شيءٌ كرأس الهرةِ إذا سمعوا صوتَهُ أيقنوا بالنصر، وإذا اختلفوا في شيء، تكلَّمَ وحكمَ بينهم.
﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ أي: موسى وهارون نفسُهما، وكان فيه لوحانِ من التوراة، ورضاضُ المنكسرِ من ألواحِها، وعصا موسى ونعلاه، وعِمامةُ هارون، وخاتمُ سليمانَ، وقفيزٌ من المنِّ الذي أُنزل على بني إسرائيل.
﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن عباس: "جاءتِ الملائكةُ بالتابوتِ تحملُه بينَ السماء والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعَتْه عندَ طالوتَ، فأقروا بملكه، قال ابنُ عباس: التابوتُ وعصا موسى في بحيرة طبرية يخرجان قبلَ يوم القيامة (٢).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لعبرة.
﴿لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فلما رأوا التابوتَ، أيقنوا بالنصر، فتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوتُ: لا أبتغي إلا الشابَّ النشيطَ الفارغَ (٣)، فاجتمعَ له ثمانون ألفًا من شرطه.
(غُرْفَةً) بضمِّ الغين، وافقهم ابنُ كثير في (مِنِّي إِلَّا). والغرفةُ بالضمِّ: اسمٌ لما يحصل في كفِّ الغارفِ، وبالفتحِ: الاغترافُ. تلخيصُه: الغرفةُ مباحةٌ لكم دونَ الشربِ منها، وكانت الغرفةُ تكفي الرجلَ لشربه ودوابِّهُ.
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ هو استثناء مِنْ (فَشَرِبوا)، والقليلُ الذين لم يشربوا كانوا ثلاثَ مئةٍ وبضعةَ عشرَ على الصحيح، فمن اغترف غرفة كما أمرَ اللهُ قوي قلبه، وصحَّ إيمانُه، وعبر النهرَ سالمًا، والذين شربوا وخالفوا أمر الله، اسودَّتْ شفاهُهم، وغلبَهم العطشُ، وجَبُنوا عن لقاء العدو، فلم يجاوزوا، ولم يشهدوا الفتح.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ يعني: النهرَ.
﴿هُوَ﴾ يعني: طالوتَ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يعني: القليل.
﴿قَالُوا﴾ يعني: الذين شربوا، وخالفوا أمر الله، وكانوا أهل شك ونفاق:
﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ فانحرفوا ولم يجاوزوا.
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يستيقنون.
﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ وهم مَنْ ثبت مع طالوت.
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ طائفةٍ.
стр. 421
﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضاء الله (١) وإرادتِهَ.
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصرِ والمعونة (٢).
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾ .
[٢٥٠] ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا﴾ يعني: طالوتَ وجنودَه المؤمنين.
﴿لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ المشركين، ومعنى برزوا: أي: صاروا في بَرازٍ من الأرض، وهو الفضاء.
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾ أنزلْ.
﴿عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ قلوبنا.
﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ كانَ جالوتُ من جبابرةِ (٣) الكنعانيينَ من العماليقِ من ولدِ عمليقِ بنِ عادٍ، وكان ملكه (٤) بجهاتِ فلسطينَ، وكان من الشدةِ وطولِ القامةِ بمكانٍ عظيمٍ، فلما تصافُّوا، قال جالوتُ لطالوتَ: إما أن تبَرزَ إليَّ، أو تبُرِز إليَّ أحدًا، فإن قتلني، استحوذْتَ على ملكي، وإن قتلتُهُ، استحوذتُ على ملكِكَ، فخافه طالوتُ؛ لأنه كان يهزمُ الجيوش وحدَهُ، وكان في بيضَتِهِ ثلاثُ مئةِ رطلِ حديدٍ.
стр. 422
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ .
[٢٥١] ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وكانَ من خبرِهم أنهم لما برزوا للقتال، طلبَ طالوتُ داودَ ﵇، وكان أصغرَ بني أبيه، وكان عمره ثلاثين سنة، وأمرهُ بمبارزةِ جالوتَ بعد أن رأى فيه العلائمَ التي يستدَلُّ بها على أنه هو الذي يقتل جالوتَ، وهي دهنٌ كان يستديرُ على رأسِ مَنْ يكون فيه السرُّ، وأحضر أيضًا تَنُّورًا حديدًا، وقال: الشخصُ الذي يقتلُ جالوتَ يكون ملءَ هذا التنور، فلما اعتبر داود ملأ التنورَ، واستدارَ الدهنُ على رأسه، فلما تحقق ذلك منه بالعلامة، أمرَهُ طالوتُ بمبارزةِ جالوتَ، فبارزه.
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ بثلاثةِ أحجارٍ كانتْ في مِخْلاةٍ، وهو متقلِّدٌ بها، وأخذ مِقْلاعًا بيدِه، وكان جالوتُ على فرسٍ أبلقَ عليهِ السلاحُ التامُّ، فلما نظرَ إلى داودَ، أُلقي في قلبِه الرعبُ، فقال له: أنتَ تبرزُ إلي؟ قال: نعم، قالَ: فأتيتَني بالمقلاع والحجرِ كما يُؤْتى الكلب؟ قال: نعم، أنت شرٌّ من الكلب، قال: لا جرمَ لأقسمنَّ لحمَكَ بينَ سِباعِ الأرضِ وطيرِ السماء، قال داودُ: أو يقسمُ اللهُ لحمَك، فقال داود: باسم اللهِ إلهِ إبراهيمَ، وأخرجَ حجرًا، ثم أخرج الثاني، فقال: باسم الله إلهِ إِسحقَ، ووضعَهُ في مقلاعه، ثم أخرجَ الثالثَ وقال: باسمِ اللهِ إلهِ يعقوبَ، ووضعَهُ في مِقْلاعه، فصارت كلُّها حجرًا واحدًا، ودَوَّرَ المقلاع ورمى به، فسخَّرَ اللهُ لهُ الريَح حتى أصابَ
стр. 423
الحجرُ أنفَ البيضةِ، فخالط دماغَه، وخرجَ من قفاه، وقتل من ورائِه ثلاثين رجلًا، وهزمَ الله الجيشَ، وخرَّ جالوتُ قتيلًا، فأخذه يجرُّهُ (١) حتى ألقاه بين يَدَيْ طالوتَ، ففرحَ المسلمون فرحًا شديدًا، وانصرفوا إلى المدينةِ سالمين، ثم بعد ذلك ماتَ أَشموئيل وله اثنتان وخمسون سنةً، فدفنه بنو إسرائيلَ في الليل، وناحوا عليه، وقبرُه بقريةٍ ظاهر بيتِ المقدسِ من جهةِ الشَّمالِ على الطريقِ السالكِ إلى رملةِ فلسطينَ على رأسِ جبلٍ، وهو مشهورٌ، واسمُ القرية عند اليهود رامةُ، وأهل الإسلام يسمونها باسم النبيِّ المشارِ إليه، وتزوج داودُ ابنةَ طالوتَ، وأحبَّهُ الناسُ، ومالوا إليه، فحسدَه طالوتُ، وقصدَ قتلَه مرةً بعد أخرى، فهرب داودُ منه، وبقي داودُ متحرِّزًا على نفسِه، ثم ندمَ طالوتُ على ما كان منه من قصدِ قتلِ داودَ، وتابَ إلى الله، ثم إن طالوتَ قصدَ الفلسطين للغزاة، وقاتلَهم حتى قُتل هو وأولادُه، وانتقل الملكُ إلى داودَ ﵇.
﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: النبوةَ، ولم تجتمع السلطنةُ والنبوةُ لأحدٍ قبلَ داودَ، بل كانَ الملْكُ في سبط، والنبوةُ في سبط.
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ من صنعةِ الدروع، فكان يصنعُها ويبيعها، ولا يأكلُ إلا من عمل يده، ومنطقِ الطيرِ والصوتِ الطيبِ والألحانِ، فلم يُعْطِ اللهُ أحدًا من خلقِه مثلَ صوته، كان إذا قرأ الزبورَ، تدنو الوحوشُ حتى يؤخذَ بأعناقها، وتُظِلُّه الطير، ويركدُ الماءُ الجاري، ويسكنُ الريح، وسيأتي ذكرُ داود ﵇ ووفاتُه في أواخر سورة النساء -إن شاء الله
стр. 424
تعالى-. قرأ أبو عمرٍو: (وَقَتَلَ دَاوُد جالُوتَ) بإدغام الدال في الجيم (١).
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ أصلُ الدفعِ: صرفُ الشيء، والمعنى: لولا أن يصرف الله.
﴿النَّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ أي: المفسدين.
﴿بِبَعْضٍ﴾ بالمؤمنين. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (دِفَاعُ) بألف، والباقون: بغير ألف (٢)؛ لأن الله تعالى لا يُغالبه أحدٌ، وهو الدافعُ وحدَه، ومن قرأ بالألف قال: قد يكونُ الدفاعُ من واحد، مثل قولِ العربِ: أحسنَ الله عنكَ الدفاع.
﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ بقتل المسلمين، وظهورِ الفسادِ، قال ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِئَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ" (٣).
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.