﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ .
[٣١] ونزلَ في اليهودِ والنصارى حيثُ قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ:
﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأنا رسولُه إليكم، فحبُّ المؤمنين للهِ اتِّباعُهم أمرَهُ، وابتغاء مرضاتَهُ، وحُبُّ اللهِ المؤمنينَ ثوابُهُ لهم، وعفوهُ عنهم، فذلكَ قولُه تعالى:
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تَحَبَّبَ إليه بطاعته.
فلما نزلت هذه الآيةُ، قال عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ لأصحابه: إنَّ محمدًا يجعلُ طاعتَهُ كطاعةِ الله، يأمرُنا أن نحبَّهُ كما أَحَبَّتِ النصارى المسيحَ، فنزل (١):
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن طاعتِهما.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لا يَرْضى فِعْلَهم، ولا يَغْفِرُ لهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾.
стр. 504
[٣٣] قالَ ابنُ عباسٍ: قالتِ اليهودُ (١): نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ونحنُ على دينه، فأنزل الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ اختارَ.
﴿آدَمَ﴾ وهو أبو البشر.
﴿وَنُوحًا﴾ واسمُهُ عبدُ الغَفَّارِ بنُ لامخ بنِ متوشلح بنِ حنوخ -وهو إدريسُ- وُلد بعدَ مضيِّ ألفٍ وستِّ مئةٍ واثنتينِ وأربعينَ سنةً من هُبوط آدمَ ﵇، وسُمِّيَ نوحًا؛ لكثرةِ نَوْحِهِ على نفِسه، وهو أولُ نبيٍّ بُعث إلى كفارٍ، وهو أبونا الأصغرُ، عاشَ ألفًا وأربعَ مئةٍ وخمسينَ سنةً، وقبرُه بكركِ نوحٍ من أرضِ الشام.
﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ أي: إبراهيمَ وعمرانَ أنفسَهُما؛ كقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وقيل: آلُ إبراهيمَ: إسماعيلُ وإسحاقُ وأولادُهما، ومحمدٌ ﷺ من أولادِهما، وآلُ عمرانَ: موسى وهارونُ؛ لأنَّ موسى بنَ عمرانَ بنِ يصهرَ بنِ لاوي بنِ يعقوبَ، والآلُ في اللغة: الأهلُ والقرابةُ. المعنى: اختصَّ اللهُ آدمَ والأنبياءَ المذكورين والأنبياءَ من أولادِهم -عليهم الصلاة والسلام أجمعين- بالنبوَّةِ.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قرأ ابنُ ذكوانَ بخلافٍ عنه (عِمْرَانَ) بالإمالةِ حيثُ وقعَ (٢).
стр. 505
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿ذُرِّيَّةً﴾ اشتقاقها من ذَرَأ بمعنى: خَلَقَ.
﴿بَعْضُهَا مِنْ﴾ ولد.
﴿بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بأقوالِ الناسِ وأعمالِهم.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ العاملُ فعلٌ مُضْمَرٌ تقديره: اذكرْ إذ قالت، وامرأةُ عمران هي حَنَّةُ بنتُ فاقودَ، وعمرانُ بنُ ماثانَ، وكان زمنَ زكريا، فتزوَّجَ زكريا إيساعَ أختَ حَنَّةَ، فكان يحيى وعيسى ابني خالةٍ. و (امرأت) رُسِمَتْ بالتاء في سبعةِ مواضعَ، ووَقَفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو ويعقوب، والكسائيُّ (١)، وليس هذا بعمرانَ أبي موسى، كان بينهما ألفٌ وثمانُ مئةِ سنةٍ، فأحبَّتْ حَنَّةُ (٢) الولدَ بعدَ ما أَسَنَّتْ (٣)، فدعَتْ بذلك، فلما حملَتْ، قالت:
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي: غلامًا محرَّرًا، ولم تقلْ: محرَّرَةً؛ لأنهم إنما كانوا يُحَرِّرونَ الغِلْمانَ، فنذرتْ إنْ رزقَها اللهُ ولدًا،
стр. 506
جعلَتْهُ من سَدَنَةِ بيتِ المقدِسِ، والنذرُ: ما يوجِبُهُ الإنسانُ على نفسِه، وتقدَّم الكلامُ عليه، والخلافُ فيه في سورة البقرة، والمحرَّرُ: المُعْتَقُ؛ من الحُرِّ، والحرُّ في الحقيقةِ الذي لم يُمْلَكْ، فأرادتْ أن تجعلَه حُرًّا من كلِّ شيءٍ عبدًا مخلِصًا لله. تلخيصُه: أَوْجَبْتُ عَلَيَّ أن الذي في بطني عتيقٌ مفرَّغٌ لعبادةِ اللهِ تعالى، لا أشغلُه بشيءٍ من الدنيا.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِدُعائي (١).
﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنِيَّتي، فماتَ عمرانُ وهي حاملٌ بمريمَ، وكانَ من رؤوسِ بني إسرائيل وأحبارهم. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كَثيرٍ، ويعقوبُ (مِنِّي إِنَّكَ) (لِي آيَةً) بسكون الياء، والباقون: بفتحها (٢).
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ﴾ معتذرةً وظنًّا أن نذَرها لا يُقبل؛ لأُنوثَتِهِ.
﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن
стр. 507
عاصمٍ، ويعقوبُ: (وَضعْتُ) بضم التاء، جعلوها من كلامِ أمِّ مريمَ، وقرأ الباقون: بجزم التاء إخبارًا عن الله (١).
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لخدمةِ بيتِ المقدسِ؛ لضعفِها ولِما يعتريها من الحيضِ والنِّفاسِ وغيرِهما مما يلحقُ النساءَ.
﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ومعناهُ: العابدةُ، وكانت مريمُ أجملَ النساءِ في وقتِها، ولم يُذْكَرْ في القرآنِ امرأةٌ باسمِها سوى مريمَ، وبقيةُ النساءِ أُشير إليهنَّ؛ كأزواجِ النبيِّ ﷺ ، وامرأةِ إبراهيمَ، وأُمِّ موسى وأختِه، وامرأةِ نوحٍ ولوطٍ وفرعونَ، وغيرِهِنَّ من نساءِ الأنبياءِ وغيرِهم.
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ أُجيرها. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وإِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ أولادَها.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وتقدَّمَ تفسيرهُ في الاستعاذة، قال ﷺ : "كُلُّ
стр. 508
بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ، فَطَعَنَ في الحِجابِ" (١).
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ أي: قبلَ مريمَ من حَنَّةَ.
﴿بِقَبُولٍ﴾ أي: بأمرٍ ذي قَبولٍ.
﴿حَسَنٍ﴾ وأَصْلُ القَبول: الرِّضا؛ أي: سلكَ بها سبيلَ السُّعداء.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ سَوَّى خَلْقَها، فكانت تنبُتُ في اليوم ما ينبتُ المولود في عامٍ، ولما وضعَتْها أُمُّها حملَتْها وأَتَتْ بها إلى المسجدِ، ووضعَتها عندَ الأحبارِ وهُمْ يَلُونَ من بيتِ المقدس ما يلي الحَجَبَةُ من الكعبةِ، وقالَتْ: دونَكُم هذهِ المنذورةَ، فتنافَسوا فيها؛ لأن أباها كانَ من أَئِمَّتِهم، فقال زكريا: أنا أحقُّ بها؛ لأن خالتَها زوجتي، فقالوا: لا حتى نقترعَ، فَقَرَعَهم زكريَّا، وأخذها (٢)، فذلك قولُه تعالى:
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي: ضَمَّها إليه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كَثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (وَكَفَلَهَا) بتخفيف الفاء (زَكَرِيَّاءُ) بالرفعُ
стр. 509
على أنه فاعلُ (وكَفَلَها)، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَكَفَّلَهَا) بتشديدِ الفاء؛ أي: جعلَهُ اللهُ كافِلًا لها، فأبو بكرٍ عن عاصمٍ ينصبُ الهمزةَ مع التشديدِ على أنه مفعولٌ به، وبقيةُ الكوفيين يقرؤون (زَكَرِيَّا) مقصورًا بغيرِ همزٍ حيثُ وقعَ (١). فلما ضَمَّها زكريّا، بَنَى لها غرفةً في المسجد، وانقطعت في تلكَ الغرفةِ للعبادةِ، وكان لا يدخلُ على مريم غيرُ زكريا فقط، وكان ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا﴾ وهو ابنُ آدن بنِ مسلمِ بنِ صدوق من أولادِ سليمانَ بنِ داود ﵇، عاشَ أكثرَ من مئةِ سنةٍ، وقتلَهُ اليهودُ لعنةُ الله عليهم؛ لأنه لما وَلدتْ مريمُ المسيحَ من غيرِ بعلٍ، وقعَ اليهودُ في حَقِّهِ بما لا يليقُ ذكرُه، وطلبوه، فهربَ واختفى في شجرةٍ عظيمةٍ، فقطعوا الشجرةَ، وقطعوا زكريّا مَعها، وكان ذلكَ بعدَ ولادةِ المسيحِ بقليلٍ وقبره بذيلِ جبلِ طور زيتا بمقابرِ الأنبياءِ ببيتِ المقدس، وقيل: بقرية سبسطية من أرض نابلس، وقيلَ: بجامعِ دمشقَ، وبينَ وفاتِه والهجرةِ الشريفةِ الإسلاميةِ سِتُّ مئةٍ ونحو ثلاثينَ سنةً.
﴿الْمِحْرَابَ﴾ أي: الغرفةَ، والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، فكأنها وُضِعَتْ في أشرفِ مكانٍ من المسجدِ، وكان زكريا إذا خرجَ يغلِقُ عليها سبعةَ أبوابٍ، فإذا دخل عليها.
стр. 510
﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وعَكْسه.
﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى﴾ أي: من أين.
﴿لَكِ هَذَا﴾ الرزقُ، والأبوابُ مغلقةٌ عليكِ.
﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ أي: من الجنة، تكلمت وهي صغيرةٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير محاسبة.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: عندَ ذلك.
﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ وكان قد شاخَ وأَيِسَ من الولد، فلما رأى قدرةَ الله, طمعَ في الولد، و ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أَعْطِني.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندِك.
﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ولدًا صالحًا، والذريةُ تقعُ على الواحدِ والجمعِ.
﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ سامعُه.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أجابَتْهُ، والمرادُ جبريلُ وحدَه، جُمِعَ تعظيمًا له. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَنَادَاهُ) بألفٍ مُمالة إرادةَ
﴿بِيَحْيَى﴾ سُمِّيَ به؛ لأنه حَيِيَ به الرحمُ العاقرُ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَحْيى) بالإمالة حيثُ وقعَ (١).
﴿مُصَدِّقًا﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: مؤمنًا.
﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: عيسى ﵇؛ أي: بكلمةٍ كائنةٍ منَ الله بأنْ قالَ له: كُنْ من غيرِ أبٍ، فكانَ، فوقعَ عليه اسمُ الكلمة، وكان يحيى أولَ مَنْ آمن بعيسى وصَدَّقه، وكان أَسَنَّ من عيسى بستةِ أشهرٍ، وقيلَ: صدَّقَهُ وهو في بطن أُمِّه، فكانَتْ أُمُّ يحيى تقولُ لمريمَ: إني أجد ما في بطني يسجُد لما في بطنِك تحيةً له، وكانا ابنا الخالة كما تقدَّم، ثم قُتل يحيى قبلَ رفعِ عيسى ﵉ بسنةٍ ونصفٍ، وله نيفٌ وثلاثون سنةً، ونُبِّئ صغيرًا، وكان عيسى قد حَرَّمَ نكاحَ بنتِ الأخ، وكان لهرودوس وهو الحاكمُ على بني إسرائيل بنتُ أخٍ، وأرادَ أن يتزوَّجَها كما هو جائزٌ في ملة اليهود، فنهاه يحيى عن ذلك، فأمر بذبحِ يحيى، فَذُبح ووُضع رأسُه بين يديه، فكان الرأسُ يتكلَّمُ ويقول: لا تَحِلُّ لكَ، واستمرَّ غَليانُ دمِه حتى بعثَ الله عليهم مَلِكًا من جهة المشرق يُقال له: حردوس، فقتلَ منهم على دمِ يحيى سبعينَ
стр. 513
ألفًا إلى أن سكنَ دمُه، وقبرُه عندَ قبرِ والدِه، على الخلافِ المتقدِّم، وبينَ وفاتِه والهجرةِ الشريفةِ الإسلاميةِ خمسُ مئةٍ ونحوُ سِتٍّ وتسعين سنةً.
﴿وَسَيِّدًا﴾ هو مَنْ سادَ قومَهُ، ويحيى سادَ قومَهُ والناسَ في أَنَّه لم يرتكبْ سيئةً قَطُّ.
﴿وَحَصُورًا﴾ ممتنِعًا من الوَطْءِ معَ القدرةِ عليه، وليسَ كما قالَ بعضهم: إنه كان هَيُوبًا، أو لا ذَكَرَ له؛ لأن هذه نقيصةٌ وعيبٌ لا تليقُ بالأنبياء، وإنما معناه: إنه معصومٌ من الذنوب لا يأتيها؛ كأنه حُصِر عنها.
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾ .
[٤٠] فلما بُشِّرَ بهِ ﴿قَالَ﴾ زكريّا:
﴿رَبِّ أَنَّى﴾ أي: كيفَ.
﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ أي: نالني، وأَثَّرَ فيَّ.
﴿الْكِبَرُ﴾ وكانَ ابنَ عشرينَ ومئةِ سنةٍ، وقيلَ غيرُ ذلك.
﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ عقيمٌ لا تَلِدُ، وكانت بنتَ ثمانٍ وتسعينَ سنةً، وقولُ زكريا لم يكنْ شَكًّا في وعِد الله، إنما شَكَّ في كيفيته؛ أي: كيف ذلك؟ يجعلُني أنا وامرأتي شابَّيْنِ، أم يرزقُنا ولدًا على الكِبَرِ منَّا، أم يرزقُني من امرأةٍ أخرى؟ فقال مستفهِمًا لا شَكًّا.
﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الفاني والعاقر.
стр. 514
﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من خلقِ الولدِ بين هَرِمَيْنِ وغيره.
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿قَالَ﴾ زكريا:
﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ علامةً على وجودِ الحملِ؛ لأزيدَ في الشكر والعبادةِ، وتقدمَ اختلافُ (١) القراء في (لِي آيَةً).
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أي: تمتنعُ عن كلامِهم.
﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ إشارةً، اعتُقِلَ لسانُه عَمَّا سوى ذكرِ الله، وكانَتْ إشارتُه بالإصبعِ المُسَبِّحَةِ، وأصلُ الرمزِ: التَّحَرُّكُ.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ﴾ وهو من زَوالِ الشمسِ إلى غُروبها.
﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ وهو من طلوعِ الفجرِ الثاني إلى الضُّحى؛ أي: في وَقْتَيهما.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: جبريلَ ﵇.
﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ اختارَكِ.
стр. 515
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مَسِيسِ الرِّجالِ والحَيْضِ والنِّفاسِ، وكانت لا تَحيضُ.
﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ عالَمِي زمانِها؛ لولادتها (١) بلا مَسٍّ.
﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ أطيعي وأطيلي القيامَ ﴿لِرَبِّكِ﴾ في الصلاةِ، فقامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها وسالت قيحًا.
﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ إنما قدَّمَ السجودَ على الركوعِ؛ لأن الواوَ ليست للترتيب.
﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صَلِّي جماعةً، ولم يقل: الراكعات، لعمومِ الراكعينَ الرجال والنساءَ.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من أمرِ زكريا ويحيى ومريمَ وعيسى.
﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ نلقيه إليك.
﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ.
﴿لَدَيْهِمْ﴾ أي: عندَهم. قرأ حمزةُ، ويعقوبُ: بضم الهاء، وقرأ ابنُ
стр. 516
كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، ووَرْشٌ: (لَدَيْهِمُ إِذْ) بضمِّ الميمِ وصلتِها بواو، وكذا شبهُه حيثُ وقعَ، واختُلِفَ عن قالون.
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ أي: سهامهم في الماء للاقتراع، وسُمِّي القلمَ؛ لأنه يُقْلَمُ كالظُّفْر.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ يَحْضنُها ويُرَبِّيها.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون﴾ في كَفالَتِها.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكرْ إذ.
﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (يَبْشُرُكِ) بفتح الياء وضمِّ الشين مخففًا، والباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشدَّدًا (١).
﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقولُه: ابنُ مريمَ إعلامٌ لها أنها تلدُ من غير أبٍ، فلا يُنْسَبُ إلا لأمه، والمسيحُ لقبٌ لعيسى، معناه: الصِّدِّيق، وقيل: معناه بالعبرانية: المبارَكُ، وقيلَ غيرُ ذلك.
﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاهٍ وقَدْر.
стр. 517
﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوَّةِ والتقديمِ على الناسِ.
﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالشفاعةِ وارتفاعِ درجتِه في الجنةِ.
﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ بارتفاعِه إلى السَّماء، وصحبتِه الملائكَةَ.
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ صغيرًا قبلَ وقتِ الكلامِ معجزةً.
﴿وَكَهْلًا﴾ بعدَ نزولِهِ من السماءِ بالوحي للرسالةِ كما سيأتي عندَ ذكرِ رفعِه إلى السماء، فالطفلُ: مَنْ لم يُمَيِّزْ، والمميِّزُ: مَنْ بلغَ (١) سبعًا، والصبيُّ والغلامُ واليافعُ واليتيمُ: من لم يبلُغْ، والمراهِق: من قاربَ البلوغَ، والشابُّ والفتى: منه إلى الثلاثين، والكَهْلُ من تجاوزَ الثلاثين إلى الخمسين، وقاربَ الشيبَ، من اكتهلَ النبتُ: قاربَ اليبسَ، وحالُ الكهولة التي يستحكم فيها العقلُ، ويستنبأ فيها الأنبياء، والشيخُ: من الخمسين إلى السبعين، ثم هَرِمٌ.
﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: هو من العباد الصالحين.
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿قَالَتْ رَبِّ﴾ سيدي، تقوله لجبريل ﵇.
стр. 518
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ زوج قالتْ تعجُّبًا؛ إذْ لم تكن جَرَتِ العادة بأن يولَد ولدٌ لا أبَ له.
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أرادَ كونَ شيءٍ.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما يريد. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، وروْحٌ عن يعقوبَ: (يَشَاءُ إِذَا) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية، وهي أن تبدلَ واوًا خالصةً مكسورةً (١)، وقرأ ابنُ عامرٍ: (فَيَكُونَ) بنصب النون، والباقون: بالرفع (٢)، وتقدَّمَ توجيهُ قراءتهم في سورة البقرة عندَ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ أي: الخطَّ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ (وَيُعَلِّمُهُ) بالياء؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٤٧] وقرأ الباقون: بالنون على التعظيم (٣)؛ لقوله تعالى:
стр. 519
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلمَ والفِقْهَ.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ علَّمَهُ اللهم لتوراةَ والإنجيلَ.
﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وكان أولُ أنبياءِ بني إسرائيل يوسفَ، وآخرُهم عيسى ﵉، فلما بُعِثَ قال: ﴿أَنِّي﴾ أي: بأني.
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ علامةٍ.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صِدْقي، فلما قال ذلك لبني إسرائيلَ، قالوا: وما هي؟ قال:
﴿أَنِّي﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بكسر الألف على الاستئناف؛ أي: قال: (إِنِّي أَخْلُقُ)، وقرأ الباقون: بالفتح على معنى بـ (أَنِّي أَخْلُقُ) (١)،
стр. 520
وقراءةُ الكوفيينَ، وابنِ عامرٍ: بإسكان الياء، والمدنيينَ، والبصريينَ، وابنِ كثيرٍ: بفتحِها (١).
﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ أي: أشكِّلُ شيئًا.
﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ﴾ كصورةِ.
﴿الطَّيْرِ﴾ قرأ أبو جعفرٍ بخلافٍ عنه (كَهَيَةِ) بتسهيل الهمزة؛ وعنه وجهٌ آخَرُ (كَهَيَّةِ) بتشديدِ الياء بغيرِ همز (٢)، وقرأ أيضًا الطايرِ بألفٍ بعدَ الطاء.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الشيء المُشَكَّلِ.
﴿فَيَكُونُ﴾ أي: فيصيرُ.
﴿طَيْرًا﴾ قرأ أبو جعفرٍ، ونافعٌ، ويعقوبُ (طَايِرًا) بالألف، وسَهَّلَ أبو جعفرٍ همزةَ الطايرِ و (طَايِرًا) بخلافٍ عنه (٣)، فمَنْ قرأ: (طَيْرًا) على
стр. 521
الجمع؛ أي: طيرًا كثيرةً، ومَنْ قرأ طايرًا على الإفراد؛ لأنه لم يخلُقْ سِوَى الخفَّاشِ، وإنما خَصَّ الخفَّاشَ، لأنه أكملُ الطيرِ خَلْقًا؛ لأنَّ لها ثَدْيًا وأَسْنانًا، وتحيضُ وتضحكُ، وتُرْضِعُ ولدَها، وتبولُ كما تبولُ ذواتُ الأربعِ (١).
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ﴾ أي: أشفي.
﴿الْأَكْمَهَ﴾ هو الذي يولَدُ أعمى.
﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الذي بِهِ وَضَحٌ، وخُصَّ بالذكرِ؛ لأنهما داءُ أعَياءٍ؛ لأنه بُعث زمنَ الطبِّ، وكان يداويهم بالدعاء بشرطِ بالإيمان، قالوا: أبرأ في يوم واحدٍ خمسينَ ألفًا.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أحيا أربعةَ أنفسٍ عازَرَ، وابنَ العجوزِ، وابنةَ العَشَّارِ، وسامَ بنَ نوحِ، فأمَّا عازَرُ، فكان صَدِيقًا له، فانطلقَ إلى قبره، فدعا اللهَ، فخرجَ من قبرِه، وبقيَ، ووُلِدَ له، وأمَّا ابنُ العجوزِ مَرَّتْ به مَيْتًا على عيسى على سريرٍ يُحْمَلُ، فدعا اللهَ، فجلسَ على سريره، ونزلَ عن أعناقِ الرجالِ، ولبسَ ثيابَهُ، وحملَ سريرَهُ على عنقِه، ورجعَ إلى أهله، وبقيَ، ووُلِدَ له، وأما ابنةُ العَشَّارِ، كانَ رجلًا يأخذ العُشورَ، ماتت له بنتٌ بالأمس، فدعا الله ، فأحياها، فبقيت وولد لها، وأما سامُ بنُ نوحٍ، فإنَّ عيسى أتى قبرَهُ، فدعا باسمِ اللهِ الأعظمِ، فخرجَ من قبره وقد شابَ نصفُ رأسِه خوفًا
стр. 522
من قيامِ الساعةِ، ولم يكونوا يَشيبونَ في ذلكَ الزمان، فقال: قد قامتِ القيامةُ؟ قال: لا، ولكنْ دعوتُكَ باسمِ اللهِ الأعظمِ، ثم قال له: مُتْ، قال: بشرطِ أن يُعيذَني اللهُ من سكراتِ الموتِ، فدعا الله، ففعل.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَها لنفيِ توهُّمِ الألوهيَّةِ فيه.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبرُكم.
﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ مما لم أُعايِنْهُ.
﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: تُخَبئون.
﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ كان يخبرُ الشخصَ بما أكلَ قبلُ، وبما يأكل بعدُ، ويخبرُ الصبيانَ وهو في المكتبِ بما يصنعُ أهلُهم، وبما يأكلون.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتُ.
﴿لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُوَفَّقين للإيمان.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ حالٌ معطوفٌ على ﴿بِآيَةٍ﴾ أي: جئتكُم بآية، وجئتُكم مصدِّقًا.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ لما تقدَّمَني.
﴿مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من الُّلحوم والشُّحوم.
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كَرَّرها تأكيدًا.
стр. 523
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لِما جئتكم به (١).
﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه. قرأ يعقوبُ: (وَأَطِيعُوني) بإثباتِ الياء بعد النون (٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ هذهِ الجملةُ هي الآيةُ التي جاءهم بها.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ أي: علم.
﴿عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ وأرادوا قتلَه، فاستنصرَ عليهم.
و ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي﴾ جمعُ نصير. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنْصَارِيَ) بفتح الياء، وقرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ: (أَنْصَارِي) بإمالةِ فتحةِ الصاد.
стр. 524
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من أنصاري ذاهبًا إلى الله؟ أي: إلى عباده؛ لأن عيسى مرَّ بالحواريين وهم يَصيدون، فقال: ما تصنعونَ؟ قالوا: نصيدُ السَّمَكَ، قال: أفلا تذهبون نصيدُ الناسَ؟ قالوا: من أنت؟ قال: عيسى.
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ أي: الراجعونَ إلى الله، وهم صفوةُ الأنبياءِ، وحَواريُّ الرجُلِ: خالِصَتُه (١) وقال ﷺ : "إِنَ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيِّ الزُّبَيْرُ" (٢)، سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم، وكانوا اثني عشرَ رَجُلًا، وهم: شمعونُ الصفا، وبطرسُ وأخوهُ أندراوسُ، ويعقوبُ بن زَبَدة، وفيلبس، وبرطولوماوس، وأندريوس، ومرقُص، ويوحَنَّا، ولوقا، وتوما، ومَتَّى.
﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: أعوانُ ديِنهِ.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ﴾ يا عيسى.
﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لتشهدَ لنا يومَ القيامة.
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ من كتابِكَ.
﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ عيسى.
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ لأنبيائِكَ بالصِّدْقِ.
стр. 525
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿وَمَكَرُوا﴾ أي: كفارُ بني إسرائيل الذين أحسَّ عيسى منهُمُ الكفرَ، والمكرُ: إخفاءُ الكيدِ، ومكرُهم بهِ: إرادةُ قتلِه.
﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بهم؛ أي (١): بأن ألقى شبهَهُ على من أرادَ اغتيالَه وقَتْلَه.
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أقدرُهم وأقواهم.
ولمَّا أعلمَ الله المسيحَ أنه خارجٌ من الدنيا، جمعَ الحواريين تلكَ الليلةَ، وأوصاهم، ثم قال: ليكفرَنَّ بي أحدُكم قبلَ أن يصيحَ الديكُ، ويبيعُني بدراهمَ يسيرةٍ، وكان اليهودُ قد جَدُّوا في طلبه، فحضرَ بعضُ الحواريين إلى الحاكمِ على اليهود، واسمُه فيلاطوس، ولقبه هرودوس إلى جماعةٍ من اليهود، وقال: ما تجعلونَ لي إذا دَلَلْتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثينَ درهمًا، فأخذها، ودلَّهم عليه، فرفعَ اللهُ المسيحَ إليه، وألقى شبهَهُ على الذي دَلَّهم عليه، فإنَّ اليهودَ لما قصدوه أظلمت الدنيا حتى صارَتْ كالليل، وأظلمتِ الشمسُ، وظهرتِ النجوم (٢) الكواكبُ، وانشقَّتِ الصخورُ، فلذلك لم يحققوا المشبهَ من شدةِ الظلمة، وحصولِ الإرجافِ، فقتلوه وصلبوه على الخشب، وهم يظنون أنه عيسى، وأنزل اللهُ المسيحَ منَ السماءِ إلى أمه مريمَ وهي تبكي عليه، فقال لها: إن الله رفَعني إليه، ولم يُصبني إلا الخيرُ، وأمرَها فجمعَتْ له الحواريين، فَبَثَّهُمْ في الأرض دُعاة،
стр. 526
ثم رَفَعه إليه، وتلكَ الليلةُ التي تدخِّنُ فيها النصارى.
وتفرَّقَ الحواريون حيثُ أمرهم، وكسا اللهُ عيسى الريشَ، وألبسَهُ النورَ، وقطعَ عنه لذةَ المطعمِ والمشربِ، وطارَ مع الملائكة، فهو معهم حولَ العرش.
وكان رفعُ المسيحِ ليلةَ القدرِ من شهرِ رمضانَ بعدَ نبوته بثلاثِ سنينَ؛ فإنه (١) نُبِّيَ على رأس ثلاثينَ سنةً، ورفعهُ الله إليه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، وكان رفعُه لمضيِّ ثلاثِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ سنةً من غلبةِ الإسكندرِ اليونانيِّ على أرضِ بابلَ، وبينَ رفعِهِ ومولدِ النبيِّ ﷺ خمسُ مئةٍ وخمسٌ وأربعون سنةً، فيكونُ بينَ رفعِه والهجرةِ الشريفةِ النبويةِ المحمديةِ خمسُ مئةٍ وثمانٍ وتسعون سنةً.
أما أمُّه مريمُ ﵍ فإنها عاشَتْ نحو ثلاثٍ وخمسين سنةً؛ لأنها حملَتْ به لما صار لها من العمر ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وولدته ببيتِ لحم من أرضِ بيتِ المقدسِ، وعاشتْ مجتمعةً معهُ ثلاثًا وثلاثين سنةً وكسرًا، وبقيت بعدَ رفعِه ستَّ سنينَ، وللمؤرخين في ذلك خلاف، والله أعلم.
وكان رفعهُ من طور زيتا جبلٍ شرقيَّ بيتِ المقدس.
وروي أنه دعا وقتَ رفعِه اللهَ بهذا الدعاءِ، وهو دعاء مُستجابٌ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ القَرِيبُ في عُلُوِّكَ، المتُعَالي في دُنُوِّكَ، الرَّفِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ أَنْتَ الَّذِي نَفَذَ بَصَرُكَ في خَلْقِكَ، وحُسِرَتِ الأَبْصارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَيْكَ، وغُشِّيَتْ دُونَكَ، وسَبَّحَ لَكَ الفَلَقُ في النُّورِ (٢)، أَنْتَ الَّذِي جَلَيْتَ الظُّلَمَ