← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثم رَفَعه إليه، وتلكَ الليلةُ التي تدخِّنُ فيها النصارى. وتفرَّقَ الحواريون حيثُ أمرهم، وكسا اللهُ عيسى الريشَ، وألبسَهُ النورَ، وقطعَ عنه لذةَ المطعمِ والمشربِ، وطارَ مع الملائكة، فهو معهم حولَ العرش. وكان رفعُ المسيحِ ليلةَ القدرِ من شهرِ رمضانَ بعدَ نبوته بثلاثِ سنينَ؛ فإنه (١) نُبِّيَ على رأس ثلاثينَ سنةً، ورفعهُ الله إليه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، وكان رفعُه لمضيِّ ثلاثِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ سنةً من غلبةِ الإسكندرِ اليونانيِّ على أرضِ بابلَ، وبينَ رفعِهِ ومولدِ النبيِّ ﷺ خمسُ مئةٍ وخمسٌ وأربعون سنةً، فيكونُ بينَ رفعِه والهجرةِ الشريفةِ النبويةِ المحمديةِ خمسُ مئةٍ وثمانٍ وتسعون سنةً. أما أمُّه مريمُ ﵍ فإنها عاشَتْ نحو ثلاثٍ وخمسين سنةً؛ لأنها حملَتْ به لما صار لها من العمر ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وولدته ببيتِ لحم من أرضِ بيتِ المقدسِ، وعاشتْ مجتمعةً معهُ ثلاثًا وثلاثين سنةً وكسرًا، وبقيت بعدَ رفعِه ستَّ سنينَ، وللمؤرخين في ذلك خلاف، والله أعلم. وكان رفعهُ من طور زيتا جبلٍ شرقيَّ بيتِ المقدس. وروي أنه دعا وقتَ رفعِه اللهَ بهذا الدعاءِ، وهو دعاء مُستجابٌ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ القَرِيبُ في عُلُوِّكَ، المتُعَالي في دُنُوِّكَ، الرَّفِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ أَنْتَ الَّذِي نَفَذَ بَصَرُكَ في خَلْقِكَ، وحُسِرَتِ الأَبْصارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَيْكَ، وغُشِّيَتْ دُونَكَ، وسَبَّحَ لَكَ الفَلَقُ في النُّورِ (٢)، أَنْتَ الَّذِي جَلَيْتَ الظُّلَمَ

стр. 527

بِنُورِكَ، فَتبَارَكْتَ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَالِقُ الخَلْقِ بِقُدْرَتكَ، مُقَدِّرُ الأُمُورِ بِحِكْمَتِكَ، مُبْدِعُ الخَلْقِ بِعَظَمَتِكَ، القَاضِي في كُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمِكَ، الَّذِي خَلَقْتَ سَبْعًا في الهَواءِ بِكَلِمَاتِكَ مُسْتَوِياتِ الطِّباقِ، مُذْعِنَاتٍ لِطَاعَتِكَ، سَمَا بِهِنَّ العُلُوُّ بِسُلْطَانِكَ، فَأَجَبْنَ وَهُنَّ دُخَانٌ مِنْ خَوْفِكَ، فَأَتَيْنَ طائِعينَ بأَمْرِكَ، فِيهِنَّ المَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَكَ ويُقَدِّسُونَكَ، وجَعَلْتَ فِيهِنَّ نُورًا يَجْلُو الظَّلاَمَ، وضِيَاءً أَضْوَأَ مِنَ الشَّمْسِ، وَجَعَلْتَ فِيهِنَّ مَصابِيحَ نَهْتَدِي بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ والبَحْرِ ورُجُومًا للشَّياطِينِ، فَتبَارَكْتَ اللَّهُمَّ في مَفْطُورِ سَمَاواتِكَ، وفيما دَحَوْتَ مِنَ الأَرْضِ، ودَحَوْتَها عَلَى الماءِ، فَأَذْلَلْتَ لهَا الماءَ الطَّاهِرَ، فَذَلَّ لِطَاعَتِكَ، وأَذْعَنَ لِأمْرِكَ، وخَضَعَ لِقُوَّتِكَ أَمْوَاجُ البِحَارِ، فَفَجَّرْتَ فِيهَا بَعْدَ البِحارِ الأَنْهارَ وبعدَ الأَنْهارِ العُيُونَ الغِزَارَ واليَنِابيعَ، ثم أَخْرَجْتَ مِنْها الأشجارَ بالثِّمارِ، ثم جَعَلْتَ على ظَهْرِها الجبالَ أَوْتادًا، فَأَطاعَتْكَ أَطْوَادُهَا، فَتبَارَكَت اللَّهُمَّ صفاتُك، ومَنْ يَبْلُغُ صِفَةَ قُدْرتكَ، ومَنْ يَنْعَتُ نَعْتَكَ؟ تُنَزِّلُ الغَيْثَ، وتُنْشِئُ السَّحابَ، وتَفُكُّ الرِّقابَ، وتَقْضي الحَقَّ وأَنْتَ خَيْرُ الفاصِلِينَ، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّما يَخْشَاكَ مِنْ عِبادِكَ العُلَماءُ، وأَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ بِإِلَهٍ اسْتَحْدَثناكَ، وَلا رَبَّ لَنا سِواكَ نَذْكُرُهُ، ولا كانَ لَكَ شُرَكاءُ يَقْضُونَ مَعَكَ نَدْعُوهُمْ وَنَدَعُكَ، ولا أَعَانَكَ أَحَدٌ عَلَى خَلْقِكَ فَنَشُكَّ فِيكَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ يلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا"، فلما تمَّ دعاؤه، رفعَهُ الله إليه (١).

стр. 528

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ ظرفٌ لـ (مَكَرَ الله). ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مُنِيمُكَ، من: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وكان عيسى قد نامَ، فرفعَهُ اللهُ نائِمًا إلى السماء. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إلى سمائي، ومَقَرِّ ملائكتي، قال جماعة: في الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ، معناه: إني رافعُك إليَّ. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومتوفِّيكَ بعدَ إنزالِكَ من السماء، وقيل: بل توفاه اللهُ ثلاثَ ساعاتٍ من النهار، ثم رفَعَهُ إليه. ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ مُنَجِّيك. ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُخْرِجُكَ من بينِهم. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ هُمْ أهلُ الإسلامِ الذين صدَّقوه واتّبَعوا دينَه في التوحيدِ من أمةِ محمدٍ ﷺ ، فهم ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهرينَ عليهم يغلبونهم بالسيفِ والبرهان ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لأنه لا شريعةَ بعدَ شريعةِ محمدٍ ﷺ . ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرةِ. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا منَ الدينِ، وأمرِ عيسى ﵇.

стр. 529

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتلِ والسبيِ والجزيةِ. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنارِ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: جزاءَ أجورهم؛ لأنهم عملوا خيرًا، فأعطاهم الجنةَ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (فَيُوَفِّيهِمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ لا يرحمُ الكافرين، ولا يُثني عليهم بالجميل.

стр. 530

﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الذي ذكرتُه لكَ من خبرِ عيسى ومريمَ والحواريينَ. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ نخبرُكَ بهِ بتلاوةِ جبريلِ ﵇. ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ القرآنِ المحكَمِ الممنوعِ من كُلِّ خَلَلٍ. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في كونِه خَلْقًا من غيرِ أبٍ. ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ في كونِه خَلْقًا من غيرِ أبٍ وأُمٍّ، وتم الكلامُ على قوله: ﴿آدَمَ﴾ ثم قال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ قَدَّرَهُ جَسَدًا من طينٍ. نزلَتْ لما قالَ وفدُ نجرانَ للنبيِّ ﷺ : تشتمُ صاحِبَنا تقولُ إنَّه عبدٌ؟! قالَ: "أَجَلْ إنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُه" قالوا: هل رأيتَ وَلَدًا من غيرِ أبٍ؟! فنزلَتِ الآيةُ (١)، فَشُبِّهَ عيسى بآدمَ من حيثُ إن آدمَ خُلقَ بغيرِ أبٍ ولا أمٍّ، وهذا من تشبيهِ الغريبِ بالأغربِ؛ لأن خلقَ آدمَ أغربُ من خَلْق عيسى؛ ليكونَ أقطعَ للخَصْم، وأوقَعَ في النفس، والمعنى: خلقَ قالَبَهُ من التراب (٢). ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: فكان؛ أي: أنشأه بشرًا؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤].

стр. 531

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾. [٦٠] ﴿الْحَقُّ﴾ أي: هو الحقُّ. ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكِّينَ، الخطابُ مع النبيِّ ﷺ ، والمرادُ منه غيرُه. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: جادَلَكَ من النصارى في عيسى. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: الدلالات الموجبةِ للعلم. ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ هَلُمُّوا. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ حَسَنًا وحُسَيْنًا ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمةَ. ﴿وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا﴾ النبيَّ ﷺ وعليًّا ﵁. ﴿وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ نتضرَّعْ في الدعاء. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ تلخيصُه: لنجتمعْ نحن وأنتم جميعًا، ثم نتضرَّعْ في اللعنِ والدعاء. ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منَّا ومنكم في شأنِ عيسى، فلما قرأها النبيُّ ﷺ على وفدِ نجرانَ، قالوا: حتى ننظرَ في أمرنا، ونأتيكَ غدًا، فقالَ عبدُ المسيحِ منهم، وكان ذا رأيِهم: لقد عرفتُمْ أن محمدًا نبيٌّ حَقٌّ، وأنه واللهِ ما لاعَنَ قومٌ قَطُّ نبيَّهُم فعاشَ كبيرُهُم، ولا نبتَ صغيرُهم، فوادِعُوا الرجلَ،

стр. 532

وانصرِفوا إلى بلادِكم، فأَتَوا النبيَّ ﷺ من الغدِ، وقد غدا محتَضِنًا الحسنَ (١)، آخِذًا بيدِ الحسينِ (٢)، وفاطمةُ خلفَهُ، وعليٌّ خلفَها، ويقولُ لهم: "إِذَا دَعَوْت فَأَمِّنُوا"، فقالَ أسقفُ نجرانَ: يا معشرَ النصارى! إني لأرى وجوهًا لو سألوا اللهَ أن يزيلَ جبلًا عن مكانِهِ لأزاله، فلا تَبْتَهِلوا فَتَهْلِكوا ولا يَبْقى على وجهِ الأرض نصرانيٍّ، فأَبَوا المباهلةَ، فصالَحَهم ﷺ على مالٍ يؤدُّونه إليه في كلِّ عامٍ، وهو ألفا حُلَّةٍ، ألفٌ في صَفَرٍ، وألفٌ في رَجَبٍ، وانصرَفوا إلى بلادِهم، فقال ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ! إِنَّ العَذَابَ قَدْ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ لاعَنُوا، لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوَادِي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللهُ نَجْرَانَ، حَتَى الطَّيْرَ عَلَى رُؤُوسِ الشَّجَرِ، وَلَمَا حَالَ الحَوْلُ عَلَى النَّصَارَى كُلِّهِمْ حَتَّى هَلَكُوا" (٣)، وأما رَسْمُ (لعنت) هنا، وفي النور، فإنه بالتاء، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: المذكورَ من خبرِ عيسى. ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ أي: الخبرُ.

стр. 533

﴿الْحَقُّ﴾ الذي لا شَكَّ فيه. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ (من) زائدة؛ أي: وما إلهٌ. ﴿إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لا أحدَ يُساويه في القدرةِ والحِكمة. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ الذينَ يعبدونَ غيرَ الله. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ . [٦٤] ولما قدمَ وفدُ نجرانَ المدينةَ، والتَقوْا معَ اليهودِ، اختصموا في إبراهيمَ ﵇، فزعمتِ النصارى أنه كانَ نصرانيًّا، وهم على دينه، وقالت اليهودُ: بل كانَ يهوديًّا، ونحن على دينه، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "كِلاَ الفَرِيقَيْنِ مِنْهُ بَرِيءٌ، بَلْ كَان حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَأَنا عَلَى دِيِنهِ" فنزل: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ (١) هم أهلُ الكتابَيْنِ. ﴿تَعَالَوْا﴾ هَلُمُّوا.

стр. 534

﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ العربُ تسمِّي كلَّ قصةٍ لها شرحٌ: كلمةً، ومنه سُمِّيتِ القصيدةُ كلمةً ﴿سَوَاءٍ﴾ عدلٍ. ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ المعنى: هَلُمُّوا إلى كلمةٍ يستوي طرفاها، تنصفُ بيننا وبينكم، ليعطي كُلٌّ النَّصَفَةَ من نفِسه، وهي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا نسجدُ لغيرِ الله. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن التوحيد. ﴿فَقُولُوا﴾ أنتم لهم: ﴿اشْهَدُوا﴾ أي: اعلموا ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ تزعُمون أنه على دينِكم، وقد حدثَتِ اليهوديةُ بعدَ نزولِ التوراة، والنصرانيةُ بعدَ نزولِ الإنجيل. ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لأن بين إبراهيمَ وموسى ألفَ سنةٍ، وبين موسى وعيسى ألفي سنةٍ، قاله البغويُّ وغيرُه، وبين المؤرخين في ذلك خلافٌ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بطلانَ ما تقولون؟!

стр. 535

﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ونافعٌ: بتسهيل الهمزة بينَ بينَ، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: بتحقيقِ الهمزةِ بعدَ الألف (١)، وروي عن وَرْشٍ (هآنْتُمْ) مَدًّا بلا همزةٍ، وعنهُ وجهٌ ثانٍ: (هَأَنْتُمْ) بهمزةٍ مقصورةٍ بين الهاء والنون، مثل سألتم (٢)، وروي عن قنبلٍ كالوجه الثاني عن ورشٍ، أصلها: (أأنتم) قلبت الهمزةُ الأولى هاءً؛ كقولهم: هَرَقْتَ وأَرَقْتَ (٣). ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أصلهُ: أُولاء، دخلتْ عليه هاءُ التنبيه، وهو في موضعِ النداء، يعني: يا هؤلاء! أنتم. ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جادَلْتم. ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: فيما علمتموه من التوراة والإنجيل من أمرِ موسى وعيسى.

стр. 536

﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من أمرِ إبراهيمَ، وليسَ (١) في كتابكم ذكرُهُ؛ لأنه قبلَكم؟ أي: أنتم تجادلون فيما علمتُمْ وفيما لم تعلموه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأنتم جاهلون به. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ . [٦٧] ثم بَرَّأَ تعالى إبراهيمَ فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ أي: مائلًا عن الأديان كلِّها إلى الدينِ المستقيمِ. ﴿مُسْلِمًا﴾ ثم وَبَّخَهُم مؤكِّدًا براءته فقال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ثم أومأَ إلى بُعدِهم عنه فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ أي: أقربَهم وأحقَّهم. ﴿بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زمانِه وبعدَه. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من هذهِ الأمةِ. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ينصرُهم.

стр. 537

﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ . [٦٩] ونزلَ في معاذِ بنِ جَبَلٍ وحُذيفةَ بنِ اليمَانِ وعَمَّارِ بنِ ياسرٍ حينَ دعاهُمُ اليهودُ إلى دينِهم: ﴿وَدَّتْ﴾ (١) تمنَّتْ. ﴿طَائِفَةٌ﴾ جماعةٌ. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ عن دينكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وما يضلُّون إلا أمثالهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآنَ، وبيانَ نعتِ محمدٍ ﷺ . ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّ نعتَه في التوراة والإنجيل.

стр. 538

﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ تَخْلِطون. ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الإسلامَ باليهوديةِ والنصرانيةِ. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نعتَ محمدٍ ﷺ . ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه حقّ؟! ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فيما بينهم، وهم اليهود. ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو القرآنُ. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أولَهُ. ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعلَّ المسلمين يقولون: ما رجعَ هؤلاءِ عن الإسلام وهمْ أهلُ علمٍ ودرايةٍ إلا أنهم علموا بُطلانه، فيشكُّون فيه، ثم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عنه بعدَما دخلوا فيه. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ هذا متَّصِلٌ بالأول؛ أي: وقالت: لا تؤمنوا.

стр. 539

﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: وافقَ ملَّتكم. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ يهدي من يشاءُ إلى الإيمان. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ (أاَنْ يُؤْتى) بهمزتين على الاستفهام، والثانية منهما مسهَّلة (١)؛ أي: ولا تصدِّقوا بأن يؤتى أحدٌ. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ إلَّا من تبعَ دينَكم. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿يُؤْتَى﴾ أي: يومَ القيامة تكونُ لهم الحجةُ عليكم، والغلبةُ. تلخيصُه: ما يؤتون مثلَه، ولا يحاجونكم، والكلامُ (٢) كلُّه من قولِ الطائفةِ لأتباعهم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ بين الكلامين. ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ﴾ الهدايةَ والتوفيقَ. ﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ غنيٌّ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنيَّاتِ. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي: بنبوَّتهِ.

стр. 540

﴿مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ رَدٌّ لما زعموا من أن نبوةَ موسى مؤبّدَةٌ، ولن يؤتيَ اللهُ أحدًا مثلَ ما آتى بني إسرائيلَ من النبوَّة والشرفِ. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ هو المالُ الكثيرُ. ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هو عبدُ اللهِ بنُ سلام، استودَعَهُ (١) رجلٌ ألفًا ومئتي أوقيةٍ ذهبًا، فأداه إليه. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ هو القليل. ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هو كعبُ بنُ الأشرفِ (٢)، وقيل: فنحاص بن عازوراء، استودعه قرشيٌّ دينارًا، فلم يردَّه إليه، وجحده. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، وأبو بكر: (يُؤَدِّهْ) (لا يُؤَدِّهْ) بإسكانِ الهاء، وكذلك (نُؤْتهِ) و (نُوَلِّهْ) و (نُصْلِهْ)، واختلِفَ عن أبي جعفرٍ، وهشامٍ، وقرأ يعقوبُ، وقالونُ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عنه: بالاختلاس كسرًا، والباقون: بالإشباع كسرًا، فمن سكَّن الهاء، قال: لأنها وضُعت في موضعِ الجزمِ، وهو الياء الذاهب، ومن اختلسَ، اكتفى بالكسر عن الياء، ومن أشبعَ، فعلى الأصل؛ لأن الأصلَ في الهاء الإشباعُ.

стр. 541

﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ مُلِحًّا في المطالبة. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: تركُهم أداءَ الحقِّ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسببِ أنهم. ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أي: العرب. ﴿سَبِيلٌ﴾ أي: إثم؛ لأن اليهود كانوا يستحلُّون أموالَ العرب ومن خالفَ دينَهم. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ لادعائهم أن ذلك في كتابهم. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بكذبهم. ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ . [٧٦] ﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لما نَفَوْهُ من السبيل عليهم في الأميين؛ أي: بلى عليهم سبيلٌ، وتَمَّ الوقفُ هنا. ﴿مَنْ﴾ شرطٌ مبتدأٌ، خبرهُ: ﴿أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ أي: بعهد الله الذي عُهِدَ إليه في التوراة من الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وأداءِ الأمانة. ﴿وَاتَّقَى﴾ الشركَ والخيانة، وجوابُ الشرطِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قالَ ﷺ : "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهن كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النفاق حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (١).

стр. 542

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ يستبدِلون. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إليهم في أداءِ الأمانة. ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الكاذبةِ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من حُطامِ الدنيا، قيل: نزلتْ لما بدَّلَ اليهودُ نعتَ محمدٍ ﷺ ، وعَهْدَ اللهِ الذي عهدَه إليهم في التوراة، وكتبوا غيرهما (١)، وقيل: أرادَ بعضُ الصحابةِ أخذَ مالٍ بيمينٍ كاذبةٍ، أو باع رجلٌ سلعةً في السوق، فحلفَ بالله لقد (٢) أُعْطِيَ ما لم يُعْطَ ليوقعَ فيها مسلمًا، فنزلَتْ (٣). ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾ لا نصيبَ. ﴿لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ونعيمِها. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ غَضبًا عليهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يطهِّرُهم من الذنوب.

стр. 543

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على فعلِهم، قال ﷺ : "ثَلاَثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَ المَالَ، وَرَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا بَعْد صَلاةِ العَصْرِ أَنَّهُ أُعْطِيَ في سِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يَقُولُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ" (١). ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ أي: اليهودِ. ﴿لَفَرِيقًا﴾ أي: طائفةً، منهم: كعبُ بنُ الأشرفِ، وحُيَيُّ بنُ أخطبَ، ومالكُ بنُ الصَّيْفِ، وغيرهم. ﴿يَلْوُونَ﴾ أي: يعطِفُون. ﴿أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ والمرادُ: تحريفُهم، كآيةِ الرجمِ، وصفةِ محمدٍ ﷺ وغيرِهما ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أي: لتظنوا ما حَرَّفوا. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ الذي أنزل الله.

стр. 544

﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المنزل. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثم نَفَى ذلكَ، فقال: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثم أكَّدَ كذبَهم بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون، وعنِ ابنِ عباس: "إنَّ الآيةَ نزلَتْ في اليهودِ والنصارى جميعًا، وذلك أنهم حَرَّفوا التوراةَ والإنجيلَ، وألحقوا بكتابِ اللهِ ما ليسَ منه" (١). ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الفهمَ والعلمَ. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ المنزلَةَ الرفيعةَ (٢) بالإنباء (٣). ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ نَصْبًا عطفًا على ﴿يُؤْتِيَهُ﴾. ﴿لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ نزلَتْ لما قال أبو رافعٍ القُرَظِيُّ من اليهود، والرئيسُ من نصارى أهل نجرانَ للنبي ﷺ : يا محمدُ! تريدُ أن

стр. 545

نعبدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا، فقال: "مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللهُ، ومَا بِذَلِكَ أَمَرَني"، فأنزل الله الآية (١)، والبشرُ: جميع بني آدم. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ علماءَ بالله فقهاءَ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ أي: بما أنتم؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]؛ أي: مَنْ هو في المهدِ. ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصِمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُعَلِّمُونَ) بضمِّ التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة؛ أي: تعلِّمون غيرَكم، وقرأ الباقون: بالتخفيفِ مع فتح التاء واللام وإسكان العين، من العلم؛ لقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون (٢). ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ:

стр. 546

بنصب الراء عطفًا على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ والمعنى: ولا له أن يأمرَكم، وقرأ الباقون: بالرفع على الاستئناف (١)، وأبو عمرٍو على أصلِه في إسكان الراء واختلاِسها على اختلاف (٢) الرواية عنه (٣)، معناه: ولا يأمرَكم الله. ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ﴾ كقريشٍ والصابئين حينَ قالوا: الملائكةُ بناتُ الله. ﴿وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ كاليهود والنصارى، وقولهم في العُزير والمسيح. المعنى: ما ينبغي لمن أُعطي النبوَّةَ أن يأمرَ بعبادةِ غيرِ الله، بل يأمرُهم بمعرفتِهِ ومعرفةِ أحكامِه وعبادتِه. ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تعجُّبٌ وإنكارٌ بمعنى: لا يقولُ هذا. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ

стр. 547

﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. [٨١] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكُرْ يا محمدُ حين. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ وأُمَمِهم بما تقدَّمَ، وبما يأتي. ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ قرأ حمزةُ: (لِمَا) بكسر اللام للجرِّ، وهي متعلقة بأخذ؛ أي: أخذنا الميثاق لذلك فتكون (ما) بمعنى الذي، وقرأ الباقون: بفتحها (١)، فتكون (ما) بمعنى الذي، واللام للابتداء، ودخلتْ لتؤكِّدَ معنى القسم؛ لأن أخذَ الميثاق قسمٌ في المعنى، والعائد محذوف؛ أي: الذي آتيتكموهُ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (آتينَاكُمْ) بالنون على التعظيم، وقرأ الباقون: بالتاء؛ لموافقة الخط، ولقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ﴾، وخبر المبتدأ ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾، ثم عطف على (آتيتكم): ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من العلم، وجوابُ القسم. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي: بالرسولِ. ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ عطفٌ على (الرسول)، والمرادُ: محمدٌ ﷺ ، والذين

стр. 548

أُخذ عليهم الميثاق النبيون ﵈. المعنى: أُخذ الميثاقُ على من تقدَّمَكَ يا محمدُ أن يؤمنوا بكَ، وإن أدركوك، نصروك. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى للأنبياء حين استخرجَ الذريَّةَ من صُلْبِ آدَم ﵇ والأنبياءُ فيه كالمصابيح والسُّرُجِ، وأخذَ عليهم الميثاقَ في أمرِ محمدٍ ﷺ : ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ بذلك؟ وتقدَّم التنبيهُ على اختلاف القراء في الهمزتين من كلمةٍ عند قوله تعالى: ﴿ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾. ﴿وَأَخَذْتُمْ﴾ أي: قبلتم. قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ ورويسٌ (وَأَخَذْتُمْ) بإظهار الذال عندَ التاء، والباقون: بالإدغام (١). ﴿عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ عَهْدي. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ﴾ اللهُ تعالى: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ على أنفسِكم وأتباعِكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عليكُم وعليهِم. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: "لم يبعَثِ الله نبيًّا من لَدُنْ آدمَ فَمَنْ بعدَهُ إلا أُخِذَ عليه العهدُ في محمدٍ ﷺ : لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّهُ، ويأخذ العهدَ بذلكَ على قومِه" (٢).

стр. 549

﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الإقرارِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ العاصونَ الخارجونَ عن الإيمان. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. [٨٣] اختلف أهلُ الكتابَيْن، فادعى كلُّ واحد أنه على دين إبراهيم، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "كِلاَ الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنَ دِينِ إبْرَاهِيمَ ﵇"، فغضبوا، وقالوا: لا نرضى بقضائِكَ، ولا نأخذُ بدينِك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (١) دخلتِ الهمزةُ على الفاء العاطفة على محذوفٍ تقديرُه: أيتولَّونَ فغيرَ دين الله يبغون. قرأ أبو عمرٍو، وحفصٌ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (يَبْغُونَ) بالغيب؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقرأ الباقون: بالخطاب؛ لقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ (٢). ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ خضعَ وانقادَ.

стр. 550

﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ بسهولةٍ (١). ﴿وَكَرْهًا﴾ بمشقة، فأهلُ السمواتِ يسجدون طَوْعًا، وأهلُ الأرض يسجدُ بعضهم طَوْعًا، وبعضُهم كَرْهًا؛ كالمنافقين. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ حفصٌ، ويعقوبُ: بالغيب، فحفصٌ: بضمِّ الياء ونصبِ الجيم، ويعقوبُ على أصلِه في فتح الياءِ وكسر الجيم، والباقون: بالخطاب مع ضمِّ الياء ونصب الجيم (٢). ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿قُلْ﴾ الخطابُ للنبيِّ ﷺ . ﴿آمَنَّا﴾ أي: أنا والمؤمنون. ﴿بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادونَ، ذكرَ المللَ والأديانَ، واضطرابَ الناسِ فيها، ثم أمرَ رسولَ الله ﷺ أن يقولَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية.

стр. 551

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي: التوحيدِ. ﴿دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ نزلتْ في جماعة ارتدُّوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة إلى مكةَ كفارًا، منهم الحارثُ بنُ سُويدٍ الأنصاريُّ. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هذه الآية قطعتْ عمل كلَّ عاملٍ على غيرِ ملَّة الإسلام. ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿كَيْفَ﴾ استفهامُ إنكار. ﴿يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ أي: كيف يهديهم بعدَ اجتماعِ الأمرين. ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ على صدقِ محمدٍ ﷺ . ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ بوضعِ الكفرِ موضعَ الإيمان، فكيفَ بمَنْ عرفَ الحقَّ ثم أعرضَ (١) عنه؟

стр. 552

﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، خبرُه: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أي: عذابَه. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ والمرادُ بالناسِ: المؤمنون. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يؤخَّرون، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير، فهما مرتفعان عنهم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ . [٨٩] وكان الحارثُ بنُ سويد لما لحقَ بالكفار، ندمَ، فأرسل إلى قومه أن اسألوا رسولَ الله هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما كان منهم، فحملها إليه رجلٌ من قومه، وقرأها عليه، فقال (١) الحارث: "واللهِ ما علمتُكَ إلا صَدوقًا، وإنَّ رسول اللهِ ﷺ لأصدقُ منكَ، وإنَّ اللهَ لأصدقُ

стр. 553

الثلاثة"، فرجع الحارثُ إلى المدينة، وأسلم وحسن إسلامُه (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ . [٩٠] ونزلَ في اليهود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعيسى. ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ بموسى. ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمدٍ ﷺ . ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا وقعوا في الحشرجَةِ؛ أي: النَّزْعِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ الثابتون على الضلالِ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ . [٩١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ، (مِلْءُ الأَرْضِ) بالنقل (٢)؛ أي: ما يملؤها من شرقِها إلى غربها.

стр. 554

﴿ذَهَبًا﴾ نصب على التمييز. ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ المعنى: لن يُقبل من أَحدهم فديةٌ، ولو افتدى بملءِ الأرضِ ذهبًا. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ في رفع العذاب، قال ﷺ : "يَقُولُ اللهُ لِأقَلِّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَلَّا تشرِكْ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تشرِكَ" (١). ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ . [٩٢] ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ الجنَّةَ. ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي: من أحبِّ أموالِكم إليكُم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يعلمُه ويُجازي عليه. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾.

стр. 555

[٩٣] ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا﴾ أي: حَلالًا. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نزلتْ لما قالَ اليهودُ للنبيِّ ﷺ : تزعُم أنك على ملةِ إبراهيمَ، وأنت تأكلُ لحومَ الإِبِل، وتشربُ ألبانَها، وإبراهيمُ ما كانَ كذلكَ! فنزلَتِ الآية ردًّا عليهم، وتكذيبًا لهم (١). ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ وهو يعقوبُ ﵇. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو لحومُ الإبل وألبانُها؛ فإنهما كانا أحبَّ الطعام إليه، فنذرَ تحريمَهُما إن شفاهُ اللهُ من مرضٍ أصابَهُ، وهو عِرْق النسا، ولم يأكلْهُ ولدهُ اتبِّاعًا له. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ المعنى: إن المحرَّمَ عليكم إنما حُرِّمَ بعدَ إبراهيمَ قبلَ نزولِ التوراة، فلمَّا أضافوا تحريمَه إلى الله، كذبهم الله، فقال : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ ليتبين صدقُكُم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تزعمونَ، فبُهِتوا، ولم يأتوا بها. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ . [٩٤] فقال الله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بعد لزوم الحجَّةِ.

стр. 556

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الذين لا يُنْصِفون. ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تعريضٌ بكذِبهم. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ التي أنا عليها، وهي ملَّةُ الإسلام. ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ باللهِ. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ أي: مسجدٍ. ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ سببُ نزولِها أن اليهودَ قالوا للمسلمين: بيتُ المقدسِ قبلَتُنا، وهو أفضلُ من الكعبةِ وأقدمُ، فأنزل الله الآية (١): ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ هي مكةَ، والباء والميم يتعاقبان، وسميت بَكَّة؛ لبكِّها؛ أي: دَقِّها أعناقَ الرجال، وسميت مكةَ؛ لقلة مائها؛ لقول العرب: مَكَّ الفَصيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ، وامْتكَّهُ: إذا امتصَّ كلَّ ما فيه من اللبنِ، وأهلُ مكة كانوا يمتكُّون الماءَ فيها؛ أي: يستخرجونه. ﴿مُبَارَكًا﴾ كثيرَ البركةِ. ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنه قبلَتُهم.

стр. 557

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ثم بَيَّنَ الآياتِ فقالَ: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الحجرُ الذي يصلَّى خلفَه ركعتا الطواف، وهو الذي قام عليه إبراهيمُ وقتَ رفعهِ القواعدَ من البيت لما طالَ البناءُ، فكان كلما علا الجدارُ، ارتفعَ به الحجرُ في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه، وإسماعيلُ يناولُه الحجارةَ والطينَ حتى أكملَ الجدارَ، وكان أثرُ قدميه فيه، فاندرسَ من كثرة المسحِ بالأيدي، ومن تلك الآياتِ الحجرُ الأسودُ، والحطيمُ، وزمزمُ، والمشاعرُ كلُّها، ومنها أن الطيرَ يطيرُ فلا يعلو فوقَهُ، وقد شاهدتُ ذلك عيانًا. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ من أن يُهاجَ فيه؛ لدعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، والضميرُ في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ عائدٌ على البيت في قولِ الجمهور، ويفهم من معناه أن من دخلَ الحرم، فهو في الأمن؛ لأنه جزءٌ من البيت إذ هو لسببه ولحرمته. واختلفَ الأئمةُ ﵃ في الجاني الملتجئ للحرم، فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُقْتَصُّ منه في الحرم، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: إن جنى في الحرم، اقْتُصَّ منه، وإن جنى خارجَ الحرم، ثم لجأ إليه، لم يُقْتصَّ منه، لكن يُضَيَّقُ عليه بتركِ البيعِ والشراءِ حتى يخرجَ إلى الحِلِّ، فيقام حينئذ. وأما الكلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فقد روى المحدِّثون عن أبي ذَرٍّ ﵁ أنه قال: قُلْتُ يا رسولَ الله! أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قَالَ: "المَسْجِدُ الحرامُ"، قالَ: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قالَ:

стр. 558

"المسجِدَ الأَقْصى"، قلتُ: كَمْ بينَهما؟ قالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ؛ فَإِنَّ الفَضْل فيهِ" (١). وقد رُوي أن الملائكةَ بنوا المسجدَ الحرامَ قبلَ خلقِ آدمَ بألفي عامٍ، فكانوا يحجُّونه. قال الإمامُ أبو العباسِ القرطبيُّ: يجوزُ أن يكونَ بناهُ يعني: مسجدَ بيتِ المقدسِ الملائكةُ بعدَ بنائها البيتَ بإذنِ الله تعالى (٢). وقد رُوي أن أولَ من بنى مسجدَ بيتِ المقدس وأُرِيَ موضعَه يعقوبُ بنُ إِسحاقَ بنِ إبراهيمَ ﵈، روي أن أباه إسحاقَ أمرَه ألَّا ينكحَ امرأةً من الكنعانيين، وأمره أن ينكحَ من بناتِ خاله، وكان مسكنُ يعقوبَ بالقدس، فلما توجَّه إلى خاله لينكحَ ابنتَهُ، أدركه الليلُ في بعض الطريق، فبات متوسِّدًا حجرًا، فرأى فيما يرى النائمُ أن سُلَّمًا منصوبًا إلى بابٍ من أبوابِ السماء، والملائكةُ تعرُجُ فيه وتنزلُ، فأُوحى الله تعالى إليه: إني إلهكَ وإلهُ أبيكَ (٣) إبراهيمَ، وقد وَرَّثتكَ هذه الأرضَ المقدسةَ لكَ ولذريَّتِكَ من بعدِك، وباركتُ فيكَ وفيهم، وجعلتُ لكم الكتابَ والحكمَ والنبوةَ، ثم أنا معكَ أحفظُك حتى أردَّكَ إلى هذا المكان، فاجعلْه بيتًا تعبدُني فيه أنتَ وذريتُكَ (٤). وقد تأولَ بعضُ العلماءِ معنى الحديثِ الشريفِ الواردِ أن بناءَ المسجدِ

стр. 559

الأقصى كانَ بعدَ بناءِ المسجدِ الحرام بأربعين سنةً على أن المرادَ بناءُ يعقوبَ ﵇ لمسجد بيتِ المقدسِ بعدَ بناءِ إبراهيمَ ﵇ الكعبةَ الشريفةَ، والله أعلم. وأما بناءُ داودَ وسليمانَ ﵉ لمسجدِ بيتِ المقدس، فإنه بعدَ ذلك بأزمنةٍ متطاولةٍ على أساسٍ قديم، فهما مجدِّدان لا مؤسِّسان. ﴿وَلِلَّهِ﴾ فرضٌ واجب. ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (حِجُّ) بكسر الحاء، والباقون: بالفتح، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان معناهما واحد (١). والحجُّ أحدُ أركانِ الإسلام، قال ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحج، وصَوْمِ رَمَضَانَ" (٢). ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والاستطاعةُ: القدرةُ بالمالِ والبدنِ، فمن وجدَ الزادَ والراحلةَ ونفقَة العيال قدرَ الذهابِ والرجوع، مع التمكُّن، وجبَ

стр. 560

الحجُّ عليه بالاتفاق، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يجبُ على الفَوْر، وعندَ الشافعيِّ ومالكٍ يجبُ على التراخي، وقيد مالكٌ بما إذا لم يخشَ الفوتَ، وعندَ مالك فقط يجبُ على الفقيرِ القادرِ على المشي، فلو تكلَّف غيرُ القادرِ فحجَّ، سقطَ عنه الفرض بالاتفاق، والمرأةُ كالرجلِ، واختلفوا في شرطٍ آخرَ في حَقِّها، وهو وجودُ المحرِم، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يُشترط، وهو زوجُها، أو من تحرُمُ عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مُباحٍ؛ كرضاعٍ (١) ومصاهرة، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُشترط إذا وجدَتْ رُفْقَةً مأمونين، قال مالكٌ: رجالٌ أو نساء، وقال الشافعي: نساءٌ ثِقاتٌ. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ جحدَ فرضَ الحجِّ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ في الحديث (٢): "مَنْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا" (٣).

стр. 561

﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ. ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فتجازَوْنَ به؟! ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينِ الإسلام. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بتغييركم صفةَ النبيِّ ﷺ ليرتابوا، وذكرِكُم وقائعَ الجاهلية ليقتتلوا. ﴿تَبْغُونَهَا﴾ تطلُبونها. ﴿عِوَجًا﴾ ميلًا عن الاستقامة. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ بما في التوراة من صدق محمدٍ ﷺ . ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم. يسكتُ حمزةُ قبلَ الهمز إذا كانَ الساكنُ آخرَ كلمةٍ والهمزةُ أولَ كلمةٍ أخرى، نحو (مَنْ آمَنَ) و (قُلْ إِنَّني) وشبهِه حيثُ وقعَ، ويسهل بالنقل إذا وقفَ بخلافٍ عنه (١).

стр. 562

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. [١٠٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الذين يريدون كفركم. ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ نزلتْ في نفرٍ من الأوس والخزرج، وكانوا جلوسًا يتحدثون، فمر بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ، فغاظَه تألُّفُهُم واجتماعُهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فأمر شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم، ويذكِّرهم يومَ بعاث، وينشدَهم بعضَ ما قيلَ فيه من الأشعار، وكان يومًا اقتتلتْ فيه الأوسُ والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس، ففعلَ، فتنازعَ القومُ وتغاضبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغَ النبيَّ ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معهُ من المهاجرينَ والأنصار، فقال: "أَتَدَّعُونَ الجاهِلِيَّةَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ بِالإِسْلامِ وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الجاهِلِيَّةِ وَأَلَّفَ بَيْنَكُمْ؟! " فعلموا أنها نزغةٌ من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم فألقَوا السلاحَ، واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا مع رسولِ الله ﷺ ، فما كان (١) يومٌ أقبحَ أولًا وأحسنَ آخرًا من ذلكَ اليوم (٢).

стр. 563

فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد الثاني اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

стр. 564

حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤ هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 565

تَتِمَّة سُورة آل عِمْران ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿وَكَيْفَ﴾ استفهامُ تعجيبٍ وتوبيخٍ. ﴿تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ القرآنُ. ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ محمدٌ ﷺ ؟! المعنى: ومن أينَ لكم الكفرُ والحالُ أنَّ القرآنَ والرسولَ حاضران لديكم؟! ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ يمتنعْ به ويلتجئ إليه. ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ واضحٍ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ . [١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يُطاع فلا يُعصى، نزلَتْ لما تفاخر الأنصارُ وأخذوا السلاحَ ليقتتلوا، فلما نزلتْ، شَقَّ ذلكَ عليهم، فقالوا: "يا رسولَ الله! ومن يقوى على هذا؟ "، فأنزل الله ﴿فَاتَّقُواْ
следующие страницы →