﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ .
[١٦٣] ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحيُ: إلقاءُ المعنى في الخفاء (١)، وعَرَّفه في الأنبياء بواسطة جبريل ﵇، وذلك هو المراد بقوله:
﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتابِ عن اقتراحهم أن ينزلَ عليهم كتابًا من السماءِ، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياءِ، وبدأ بنوحٍ؛ لأنه أولُ نبيٍّ مبن أنبياءِ الشريعةِ، وأولُ نبيٍّ بُعِثَ إلى الكفارِ، وكان أطولَ الأنبياءِ عُمْرًا، وجُعِلَت معجزتُه في نفسِه؛ فإنَّه عُمِّرَ ألفًا وأربعَ مئةِ سنةٍ، فلم تنقصْ له سِنٌّ، ولم تَشِبْ له شعرةٌ، ولم تنقصْ له قوةٌ، وتقدَّم ذكرُه ووفاتُه في سورةِ آلِ عمرانَ عند تفسيرِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [الآية: ٣٣] وصَرَفَ نوحًا مَعَ العُجْمَةِ والتعريفِ لِخِفَّتِهِ.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ: (أَبْرَاهَامَ) بالألف (٢).
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولادُ يعقوبَ، وتقدَّم ذكرُ هؤلاء الأنبياءِ في سورة البقرة.
﴿وَعِيسَى﴾ تقدَّمَ ذكرُه في البقرة وآل عمران.
стр. 790
﴿وَأَيُّوبَ﴾ هو ابنُ موصِ بنِ رازحِ بنِ العيصِ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵇، وهو من أمةِ الرومِ، وكان نبيًّا في عهدِ يعقوبَ، وعاشَ ثلاثًا وتسعين سنة، ويأتي ذكرُ قصتِه في سورة الأنبياء، وفي سورة (ص) إن شاء الله تعالى.
﴿وَيُونُسَ﴾ هو ابنُ مَتَّى، ومَتَّى أبوهُ في قولِ الأكثرِ، قيل: إنه من بني إسرائيلَ من سبطِ بنيامينَ، بُعِثَ إلى أهلِ نينوى قبالةَ الموصِلِ، بينهما دجلةُ، وسيأتي ذكرُ قصته في سورةِ الأنبياءِ إن شاء الله تعالى، وكانت وفاته في سنةِ خمسَ عشرةَ وثماني مئة لوفاةِ موسى ﵉، وقبرُه في قرية تسمَّى حلحول بينَ بيتِ المقدس وبلدةِ سيدِنا الخليلِ ﵊.
﴿وَهَارُونَ﴾ هو ابنُ عمرانَ أخو موسى ﵉، وكان أكبرَ من موسى بثلاث سنين، وتوفي قبلَ موسى بأحدَ عشرَ شهرًا، ودُفِنَ في التيه بكهفٍ في بعضِ الجبالِ على سرير وجدَ به، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ ذكرُ موسى ووفاتُه، فيُعلم من ذلكَ تاريخُ وفاةِ هارون.
﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ تقدَّمَ ذكرُه ووفاته في سورة البقرة.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ﴾ هو ابنُ بشَيِّ بنِ عوفيد بنِ بوعزَ بنِ سَلَمُون بنِ نحشون بنِ عَمِينا ذَاب بنِ رَمْ بنِ حَصْرُون بنِ بارَص بنِ يَهُودا بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵊، كان مقامُه بحبرون، ثم انتقلَ إلى بيتِ المقدسِ، وأَسَّسَ مسجدَه، وهو الأقصى، وماتَ قبل إتمامِه، وله سبعونَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وملك أربعينَ سنةً، ودُفِنَ
стр. 791
بالكنيسةِ المعروفةِ بالجيسمانية (١) شرقي بيتِ المقدسِ بالوادي، ويقالُ: إنَّ قبرَه بكنيسةِ صهيون ظاهر بيتِ المقدسِ من جهةِ القبلةِ، وهو مشهورٌ عندَ الناس، وكانت وفاتُه في يوم السبت أواخر سنةِ خمسٍ وثلاثينَ وخمسِ مئةٍ لوفاة موسى ﵇.
﴿زَبُورًا﴾ قرأ حمزةُ، وخلفٌ: بضمِّ الزاي حيثُ وقعَ، جمع زَبْرٍ؛ كدَهْرٍ ودُهور، بمعنى: مزبور؛ أي: مكتوبٍ، وقرأ الباقون: بالفتحِ اسمٌ للكتاب المنزَلِ عليه (٢)، وهو مئةٌ وخمسونَ سورةً بالعبرانيةِ في خمسينَ منها: ما يلقونه من بُخْتَ نَصَّرَ، وفي خمسينَ: ما يلقونَهُ من الرومِ، وفي خمسين: مواعظُ وحكمٌ، ولم يكنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ ولا أحكامٌ، وتقدَّم في سورةِ البقرةِ ذكرُ ما آتاهُ اللهُ من الملكِ والحكمةِ وطيبِ الصوتِ والألحانِ في قراءةِ الزَّبورِ.
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ .
[١٦٤] ﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ؛ أي: وأرسلْنا رسلًا؛ لأن معنى ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ أرسلْنا نوحًا.
﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ هذهِ السورة، أو اليومَ.
стр. 792
﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: لم نخبرْكَ بأخبارِهم، قيلَ: لما ذكرَ الأنبياءَ في الآية، ولم يذكر موسى، قالتِ اليهود: أكلمَ الله موسى أم لا؟ فنزل:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ معناهُ التأكيدُ، يدلُّ على بُطلانِ قولِ مَنْ يقول: خَلَقَ لنفسِه كلامًا في شجرةٍ، فسمعَهُ موسى، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكونُ به المتكلِّمُ متكلمًا، وكلامُ الله تعالى للنبيِّ موسى دونَ تكييفٍ ولا تحديدٍ؛ فإنه سبحانه موجودٌ لا كالموجودات، معلومٌ لا كالمعلوماتِ، فكذلكَ كلامُه لا كالكلامِ.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ .
[١٦٥] ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ نصبٌ على المدحِ، ثم عَلَّلَ الإرسالَ فقال:
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ﴾ إرسالِ.
﴿الرُّسُلِ﴾ إليهم، فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا، فكيفَ تعذبنا؟! وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ لا يعذِّبُ الخلقَ قبلَ بعثةِ الرسلِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغلب فيما يريد (١).
﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ من أمرِ النبوةِ، وخَصَّ كلَّ نبيٍّ من الوحيِ
стр. 793
والإعجازِ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ أسماءُ الأنبياءِ الذين ذُكِروا في القرَآنِ بأسمائِهم، والذينَ أُشير إليهم.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ .
[١٦٦] قال ابن عباس: إن رؤساءَ مكةَ أَتَوا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ! إنا سألْنا عنكَ اليهودَ، وعن صفتِك في كتابِهم، فزعموا أنَّهم لا يعرفونَكَ، ودخلَ عليه جماعةٌ من اليهودِ، فقال لهم: "وَاللهِ إِنَكمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ"، فقالوا: ما نعلمُ ذلك، فأنزلَ الله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (١) من الوحيِ والقرآنِ إن جحدوكَ وكَذَّبوكَ.
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: وهو عالمٌ بأنَّكَ أهلٌ لإنزالهِ عليكَ، وأَنَّكَ تبُلِّغُهُ.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا على صدقِكَ.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لو لم يشهدْ غيرُه.
علَّمَهم ذلكَ رجلٌ من اليهودِ يقالُ له: بولسُ، وقالتِ اليهودُ: هو ولدُ زنا، وكَذَبوا كُلُّهم.
﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا الحدَّ.
﴿فِي دِينِكُمْ﴾ بزيادةٍ ولا نقصانٍ، ولا تشركوا، وقوله: ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ معناه: في الدِّينِ الذي أنتم مطلوبون (١) به، وأضافَه إليهم بيانًا أنهم مأخوذونَ بهِ، وليستِ الإشارةُ إلى دينِهم المضلِّلِ، ولا أُمروا بالثبوتِ عليهِ دونَ غلُوٍّ، وإنما أُمِروا بتركِ الغُلُوِّ في دينِ الله، وأن يوحِّدوا.
﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أي: تَذْكُروا.
﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا﴾ القولَ.
﴿الْحَقَّ﴾ يعني: تنزيهَهُ عن الصاحبةِ والولدِ.
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وهي قولُه لعيسى: كُنْ، فكانَ من غيرِ أبٍ.
﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أوصلَها إليها، وحصَّلَها فيها.
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ سُمِّي عيسى رُوحًا؛ لأنه ذو رُوحٍ وجسدٍ كغيره، وأُضيف إلى الله تشريفًا له، المعنى: لا نسبةَ ولا اتصالَ بينَ اللهِ وعيسى، وليسَ بجزءٍ منه، إلا أنه رسولُه؛ لأن عيسى مركَّبٌ، والله مُنزَّهٌ عن التركيبِ، وإنما هو ابنُ مريمَ، وهو جزءٌ منها، خُلِقَ من غيرِ أبٍ؛ لأنه مركَّبٌ مثلَها.
تلخيصُه: ليسَ عيسى إلا بعضَ أمِّه لا غيرُ؛ لأن (إنما) للحصر.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا﴾ هم.
стр. 797
﴿ثَلَاثَةٌ﴾ وكانت النصارى يقولون: أبٌ وابنٌ وروحُ القدس.
﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليثِ يكنِ الانتهاءُ.
﴿خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالذاتِ، لا تعدَّدَ فيهِ بوجهٍ.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: هو منزَّهٌ عن:
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ كما تزعمونَ أيُّها النصارى.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا، لا يماثلُه شيءٌ من ذلك فيتخذَه ولدًا.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ فإنه مستغنٍ عن الولدِ المحتاجِ إليه ليكونَ وكيلًا لأبيه؛ لأنه سبحانه قائمٌ بحفظِ الأشياءِ، غيرُ محتاجٍ إلى مَنْ يُعينهُ.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ .
[١٧٢] ولما قال وفدُ نجرانَ للنبيِّ ﷺ : إنَّكَ تسبُّ عيسى، تقولُ: إنه عبدُ الله، فقال: "إِنَّهُ لاَ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ"، نزل:
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (١) أي: لن يأنفَ عِزَّةً.
﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ فإن عبوديتَهُ شرفٌ يتباهى به.
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطفٌ على المسيح، وهم حَمَلَةُ العرشِ لا يأنفونَ أن يكونوا عبيدًا لله، واستدلَّ بهذه الآيةِ من يقولُ بتفضيلِ الملائكةِ
стр. 798
على البشرِ؛ لأنه تعالى ذكرَ عيسى ﵇، ثم ارتقى إلى الملائكةِ، والارتقاءُ إنما يكونُ إِلى الأعلى، فلا يقالُ: لا يستنكفُ زيدٌ من كذا، ولا عبده، إنما يقال: لا يستنكفُ من كذا، ولا مولاه، ومن لا يُفَضِّلُهم يقول: لم يذكرِ الملائكةَ تفضيلًا لهم على البشرِ، بل رَدًّا على الذين يقولونَ: الملائكةُ آلهةٌ، كما ردَّ على النصارى قولَهم: المسيحُ ابنُ الله، وتقدَّمَ في سورة البقرة ذكرُ مذهبِ أهل السنَّةِ في تفضيلِ الأنبياءِ على الملائكةِ عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [الآية: ٣١]، ثم قالَ مُتَهدِّدًا:
﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يترفعْ عنها، والاستكبار دون الاستنكاف.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ فيجازيهِمْ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾ .
[١٧٣] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من الحسناتِ ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ وعيدٌ للذين يَدَعون عبادةَ الله أنفةً وتكبُّرًا.
فتوضَّأَ وصَبَّ عليَّ من وَضوئِهِ، فعقلْتُ فقلْتُ: يا رسولَ الله! لمنِ الميراثُ؟ إنما يرثنُي كَلالةٌ"، فنزل:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يستخبرونَكَ فيسألونَكَ.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وتقدَّمَ تفسيرُ الكلالَةِ في أول السورة.
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ المرادُ بالولدِ: الابنُ.
﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ لأبوينِ، أو لأب.
﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لأن الابنَ يُسْقِطُ الأختَ، والبنتُ لا تسقطُها باتفاقِ الأئمة.
﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ابنٌ؛ لأن البنتَ لا تسُقطُ الأخَ بالاتفاق، وإن كانَ (١) ولدُها أنثى، فللأخِ ما فَضَلَ عن فرضِ البناتِ بالاتفاق (٢).
﴿فَإِنْ كَانَتَا﴾ أي: الأختانِ.
﴿اثْنَتَيْنِ﴾ فصاعِدًا.
﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فَمَنْ ماتَ وله أخواتٌ، فلهنَّ الثلثانِ بالاتفاقِ.
﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: الورثةُ.
﴿إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ أي: ذكورًا وإناثًا.
﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أصلُه: وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ، فَغُلِّبَ المذكَّرُ (٣).
стр. 801
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: ألَّا تَضِلُّوا (١).
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات.
رُويَ أن آخرَ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٢) ونزلَتْ في طريقِ حجةِ الوداعِ في زمنِ الصيفِ، فسمِّيَتْ: آيةَ الصيفِ، ورُوي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عاشَ بعدَها خمسين يومًا (٣)، والله أعلم.
...
стр. 802
سُوْرَةُ المَائِدَةِ
مدنيةٌ، ورُويَ أنها نزلَتْ مُنْصَرَفَ رسولِ اللهِ ﷺ من الحُدَيبيةِ، وآيُها مئةٌ وعشرونَ آيةً، وحروفُها أحدَ عشرَ ألفًا وسبعُ مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثون حرفًا، وكَلِمُها ألفانِ وثماني مئةٍ وأربعُ كلمات. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "سُورَةُ المَائِدَةِ تُدْعى فِي مَلَكُوتِ اللهِ: المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صَاحِبَهَا مِنْ أَيْدِي مَلاَئِكَةِ الْعَذَابِ" (١) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾.
[١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي: العهودِ المحكمةِ، ويقال: وَفَى وأَوْفى بمعنىً واحدٍ، وهذا عامٌّ في كل واجبٍ من أمرٍ ونهيٍ وحفظِ وديعةٍ؛ أي: احفظوا شريعتَهُ (٢)، ولفظُ المؤمنين يعمُّ مؤمني أهلِ الكتابِ بينَهم وبينَ اللهِ عقدٌ في أداءِ الأمانةِ فيما في كتبهم من أمرِ
стр. 803
محمدٍ ﷺ ، ثم خاطبَ كلَّ من التزمَ الإيمانَ على وَجْهِهِ وكمالِهِ، فقال:
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ، [وأرادَ تحليلَ ما حرمَ أهلُ الجاهليةِ على أنفسِهم من الأنعامِ] (١)، وسميتْ بهيمةً؛ لإبهامِها من جهة نقصِ نطقِها وفهمها، وعدمِ مَيْزِها (٢) وعقلها، وقال ابنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ: "بهيمةُ الأنعامِ الأَجِنَّةُ في البطنِ إذا ذُبِحَتْ أُمهاتُها" (٣)، قال القرطبيُّ (٤): وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وليسَ في الأجنةِ ما يُستثنى.
واختلفَ الأئمةُ في الجنينِ الذي يوجَدُ في بطنِ أُمه مَيْتًا إذا ذُكِّيَتْ، هل تكونُ ذكاتُها ذكاةً لجنينِها، ويحلُّ أكلهُ؟ فقالَ أبو حنيفةَ: لا يحلُّ أكلُه، وقالَ صاحباه: إذا تمَّ خلقُه، حَلَّ أكلُه، وقال مالكٌ: إذا لمَّ خلقُهُ، ونبتَ شعرُه، أُكِلَ، وإلا فلا، وقالَ الشافعيُّ وأحمدُ: يحلُّ أكلُه، سواءٌ نبتَ شعرُه أو لم ينبتْ، واستحبَّ أحمدُ ذبحَهُ، فإنْ خرجَ وفيه حياةٌ مستقرَّة، لم يُبحْ إلا بذبْحه، بالاتفاق.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾ أي: يُقْرَأُ.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريمُهُ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] استثناءً من بهيمةِ الأنعامِ.
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ومعنى الآية: أُحلَّتْ لكمُ الأنعامُ كلُّها إلا ما كانَ
стр. 804
وحشيًّا؛ فإنه صيدٌ لا يحلُّ لكم في حالِ الإحرامِ، فذلكَ قولُه:
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: ما كانَ صيدًا، فهو حلالٌ في الإحلالِ دونَ الإحرام، وما لم يكنْ صيدًا، فهو حلالٌ في الحالينِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من تحليلٍ وتحريمٍ، لا دافعَ لمرادِهِ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ .
[٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ جمعُ شَعيرةٍ، وهي العلامةُ، والمرادُ: مناسكُ الحجِّ، وكان المشركون يحجُّون ويُهْدون، فأرادَ المسلمونَ أن يُغيروا عليهم، فنهاهمُ اللهُ عن ذلك.
واختلفَ العلماءُ في إشعارِ الهَدْيِ، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: يُسَنُّ إشعارُه بشَقِّ صفحةِ سنامِه اليُمْنى، أو موضعِه ممَّا لا سنامَ لهُ من إبلٍ وبقرٍ حتى يسيلَ الدمُ، وقالَ مالكٌ: في الجانبِ الأيسرِ من السنامِ في الإبلِ، وكذلك في البقرِ إنْ كان لها أسنمةٌ، فإن لم تكنْ لها أسنمةٌ، لم تشعَرْ، ومنعَ من هذا كلِّه أبو حنيفةَ، وقالَ: إنه تعذيبٌ للحيوان.
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ اسمٌ مفردٌ يدلُّ على الجنسِ في الأشهُرِ الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّمُ، ورجَبٌ؛ أي: لا تُحِلُّوا القتالَ فيها.
стр. 805
﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ بنحرِه قبلَ محلِّهِ، وهو كلُّ ما يُهدى إلى الحرمِ من نَعَمٍ وغيرِها.
﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ أي: ذواتَ (١) القلائدِ من الهَدْيِ، جمعُ قِلادة، وهي ما قُلِّدَ بالهَدْيِ من نعلٍ (٢) أو غيرِه؛ كآذانِ القُرَبِ والحبلِ ونحوِ ذلك؛ ليعلمَ به (٣) أنَّه هديٌ، فلا يُتَعَرَّضُ له.
واختلفَ الأئمةُ في تقليدِ الغنمِ، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: تُقَلَّدُ، ومنعَ الشافعيُّ من تقليدِها بالنعلِ، وأباحَهُ أحمدُ، وقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا تُقَلَّدُ الغنمُ، واتفقوا على تقليدِ ما عدا الغنمِ بالنعلِ (٤) وغيرِه.
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: قاصديهِ.
﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبونَ.
﴿فَضْلًا﴾ رزقًا بالتجارةِ.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ بزعمِهم؛ لأن الكافرَ لا نصيبَ له في الرضوان، فلا تتعرضوا إليهم. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (ورُضْوانًا) بضمِّ الراء، والباقون: بالكسر (٥)، وكلُّ ما في هذهِ الآيةِ من نهيٍ عن مُشركٍ، أو مراعاةِ حرمةٍ (٦) له بقلادةٍ، أو أمِّ البيتِ الحرامِ ونحوه، فكلُّه منسوخٌ بآية السيف بقوله: