← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ . [١٣٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ مجتهدينَ في إقامةِ العدلِ. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ تُقيمون شهادَتَكم بالحقِّ لوجهِ الله. ﴿وَلَوْ﴾ كانتِ الشهادةُ. ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بأن تُقِرُّوا عليها. ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ولو على والدِيكم وأقارِبِكم. ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ المشهودُ له أو عليه. ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ فأقيموها، ولا تُحابُوا غنيًّا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره. اتفقَ القراءُ سوى أبي جعفرٍ على إظهارِ النونِ عندَ الغينِ والخاء نحو (مِنْ غِلٍّ) و (مِنْ خَيْرٍ) وشبهِه، وقرأ أبو جعفرٍ: بإخفاءِ النونِ عندَهما، واستثنى بعضُ أهلِ الأداءِ عنه: (إِنَ يَكُنْ غَنِيًّا) (والْمُنْخَنِقَةُ) في المائدة، (فَسَيُنْغِضُونَ) في الإسراء، فأظهرَ النونَ عنه في هذهِ الثلاثةِ، وروي عنه الإخفاءُ فيها أيضًا، والاستثناءُ أظهرُ، وعدمُه أقيسُ. ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ منكم، فكِلُوا أمرَهما إليه. ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ إرادةَ. ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق من العدولِ. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ تحرفوا الشهادةَ. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ: (تَلُوْا) بضم اللام وواو ساكنة؛ من الولاية؛ أي: تَلُوا أمرَ الناس، وقرأ الباقون: بإسكان

стр. 772

اللام، وبعدَها واوان، أولاهما مضمومة، والأخرى ساكنة، من لَوى يَلْوي: حَرَّفَ (١). ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن أدائِها فتكتُموها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم به. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ . [١٣٦] ثم خاطبَ مؤمني أهلِ الكتابِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى وعيسى ﵉. ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ ﷺ . ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ القرآنِ. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ المرادُ جنسُ الكتبِ المنزلةَ؛ أي: اثبتوا على الإيمان بذلك. قرأ ابن كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرٍو (نُزِّلَ) و (أُنْزِلَ) بضم النون في الحرف الأول، وضم الهمزة في الثاني، وكسر الزاي فيهما، وقرأ الباقون: بفتح النون والهمزة والزاي فيهما؛ أي: أنزل الله (٢)، ثم قال متهددًا:

стр. 773

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ومن يكفرْ بشيءٍ من ذلك. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن الهداية. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ عامرٍ، وخلفٌ (فَقَد ضَّلَّ) وشبهه بإدغام الدال في الضاد، والباقون: بالإظهار (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ . [١٣٧] ثم تهدَّد المتلعِّبين بالدِّين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى ﵇، وهم اليهود. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادتِهم العجلَ. ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بالتوراةِ. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعيسى ﵇. ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمدٍ ﷺ . ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما أقاموا على ذلكَ. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ.

стр. 774

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ . [١٣٨] ﴿بَشِّرِ﴾ أي: أخبرْ يا محمدُ. ﴿الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ والبشارةُ: كلُّ خبرٍ تتغيرُ به بشرةُ الوجهِ، سارًّا كانَ أو غيرَ سارٍّ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ . [١٣٩] ثم وصفَ المنافقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: اليهودَ والنصارى. ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يتخذونهم أنصارًا وبطانةً. ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يطلبونَ منهم المعونةَ والظهورَ على محمدٍ ﷺ وأصحابِه. ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ﴾ أي: القوةَ والغلبةَ والقدرةَ. ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يتعزَّزُ إلا من أَعَزَّه. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ . [١٤٠] ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأ عاصمٌ، ويعقوبُ: بفتح النون والزاي؛ أي:

стр. 775

نزلَ اللهُ، وقرأ الباقون: بضمِّ النونِ وكسرِ الزاي (١)، والكسائيُّ يُميل الزاي من (العِزَّةَ) حيثُ وقفَ على هاء التأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا معشرَ المسلمينَ. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿أَنْ﴾ أي: أنه. ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: إذا سمعتُم الكفرَ والاستهزاءَ بآيات الله. ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ أي: مع الكافرين والمستهزئين. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾ يَشْرَعوا. ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: اجتنبوهُم حينَ استهزائِهم بمحمدٍ ﷺ والقرآنِ. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ أي: إذا قعدتُم عندَهم، وسمعتُم استهزاءَهُم، ورضيتُم به، فأنتم كفار. ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأن الرضا بالكفرِ كفر. ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تهديدٌ للخائضينَ والمستمعينَ الراضين بجمعِهم في جهنَّمَ. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 776

﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ . [١٤١] ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يعني: المنافقون ينتظرونَ هلاكَكُم، ولمن تكونُ العاقبةُ، لكم أم لعدوِّكم. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾ ظفرٌ وغنيمةٌ. ﴿مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الجهادِ، فلنا نصيبٌ من الغنيمة. ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ دولةٌ وظهورٌ على المسلمينَ. ﴿قَالُوا﴾ يعني: المنافقينَ للكفارِ. ﴿ألم نستحوذ﴾ نستولِ. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ونخبرْكم بعورةِ محمدٍ وأصحابِه، ونطلعْكم على سرِّهم. ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ندفعْ عنكم صولةَ المؤمنين، ونخذلْهم عنكُم. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنونَ والمنافقونَ. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ حجةً شرعيةً يستظهرون بها. فيه دليلٌ على أن الكافرَ لا يملكُ العبدَ المسلم. واختلفَ الأئمةُ، فقال أحمدُ والشافعيُّ: لا يصحُّ بيعُ عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ، إلا أنْ يكونَ ممن يعتَقُ عليه، فيصحُّ، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يصحُّ، ويُجبر على إزالةِ ملكهِ عنه، ولو أسلمَ عبدُ الكافرِ، أُجبرَ على إزالةِ ملكِه عنه، بالاتفاق.

стр. 777

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ . [١٤٢] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يعاملونه معاملةَ المخادِعين بإظهارِ الإيمانِ وإبطانِ الكفر. ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ مُجازيهم جزاءَ خداعِهم. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ متثاقلينَ، صلاتهم لغير الله. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (كُسَالَى) بالإمالة (١). ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ بفعلِهم. ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا﴾ ذكرًا. ﴿قَلِيلًا﴾ قال ابن عباسٍ: "لو أردوا بذلكَ القليل وجهَ اللهِ، لكانَ كثيرًا" (٢). ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ . [١٤٣] ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ مضطربينَ. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بين الكفرِ والإيمان. ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ لا منسوبينَ إلى المؤمنينَ, ولا إلى

стр. 778

الكافرينَ، قال ﷺ : "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ مَرَّةً إِلَى هَذِهِ، وَمَرَّةً إِلَى هَذِهِ" (١). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ والصوابِ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ . [١٤٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه صَنيعُ المنافقينَ. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً بينةً في عذابِكم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ . [١٤٥] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ وهو أخفضُ مكانٍ. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (فِي الدَّرْكِ) بسكونِ الراءِ، والباقون: بفتحها، وهما لغتان؛ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ (٢). ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ يخرجُهم منه.

стр. 779

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ . [١٤٦] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ من النفاقِ. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدُوا من عملِهم. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وَثِقوا بهِ. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ بقلوبهم. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في الجنةِ. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنةِ. أثبتَ يعقوبُ الياءَ في (يُؤْتِي) حالةَ الوقفِ (١). ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ . [١٤٧] ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ﴾ أي: أيُّ شيءٍ يفعلُ. ﴿بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ اللهَ. ﴿وَآمَنْتُمْ﴾ بهِ أَيتشفَّى به غيظًا، أو يدفعُ ضرًّا، أو يستجلبُ به نفعًا، وهو الغنيُّ المتعالي عن النفعِ والضرِّ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ مثيبًا.

стр. 780

﴿عَلِيمًا﴾ بحقِّ شكرِكُم وإيمانِكم. ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ . [١٤٨] ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ القبيحِ. ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فيدعو على ظالمِهِ، فيقولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عليهِ، اللهمَ خذْ لي حقِّي منه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لدعائِكُم ﴿عَلِيمًا﴾ بأحوالِكُم. ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ . [١٤٩] ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ حسنةً. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي: الخيرَ. ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أي: مَظْلَمَةٍ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يُكْثِرُ العفوَ عن العُصاة، مع قدرتهِ على الانتقامِ منهم، فاستنوا بهِ وبرسولِه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾.

стр. 781

[١٥٠] ونزلَ إخبارًا عن اليهودِ وإيمانهم بموسى والتوراةِ وعُزيرٍ، وكفرِهم بعيسى والإنجيلِ ومحمدٍ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ بأنْ يؤمنوا بالله، ويكفروا برسوله. ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ نؤمنُ ببعضِ الأنبياء، ونكفرُ ببعضِهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: الكفرِ والإيمانِ. ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا وَسَطًا بينَ الإيمانِ والكفرِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ . [١٥١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: هم الكاملونَ في الكفر. ﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ، فالكافرُ ببعضِ الأنبياءِ كالكافرِ بجميعِهم. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لجميعِ أصنافِهم. ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ مُذِلًّا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ . [١٥٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ كلِّهم. ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ تلخيصُه: من أَمنَ باللهِ وجميعِ رسلِه.

стр. 782

﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بإيمانِهم باللهِ ورسلِه. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (يُؤْتيهِمْ) (١) بالياء، والباقون: بالنون (٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ بتضعيفِ حسناتِهم. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ . [١٥٣] ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ نزلَتْ في اليهودِ لما قالوا للنبي ﷺ : إن كنتَ صادقًا، فَأْتِنا بكتابٍ من السماءِ جملةً (٣)؛ أي: كما أُوتي به موسى ﵇، وكان سؤالُهم سؤالَ تهكُّم لا انقيادٍ. ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: أعظمَ من سؤالك. ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ عيانًا. قرأ ابنُ كثيرٍ، والسوسيُّ، ويعقوبُ: (أَرْنَا) بإسكانِ الراء، والباقونَ: بكسرها (٤).

стр. 783

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ نارٌ جاءتْ من السماءِ فأهلكتْهُمْ. ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بسببِ ظلمِهم. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلهًا. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ المعجزاتُ. ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ ولم نستأصِلْهم. تلخيصُه: تابَ أولئكَ فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم، فنعفوَ عنكم. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حجةً ظاهرةً، وهي الآياتُ التي جاء بها. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ . [١٥٤] ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ الجبلَ. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: بسبب نقضِهم الميثاقَ الذي أُخِذَ منهم، وهو العمل بما في التوراة. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ على لسانِ موسى ﵇. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ﴾ على لسانِ داودَ ﵇: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: لا تعتدوا باصطيادِ الحيتانِ فيه. قرأ أبو جعفرٍ (تَعدُّوا) بجزم العينِ وتشديدِ الدال، وورشٌ: بفتح العين وتشديد الدال مضمومةً، وقالون: باختلاسِ فتحةِ العينِ مع تشديد الدال، والباقونَ: بإسكانِ العينِ والتخفيف (١).

стр. 784

وتقدَّم في البقرة رفعُ الجبل ودخولُ الباب والاعتداءُ في السبت، وتفسيرُها (١). ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على ذلك، وهو قولُهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ . [١٥٥] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضِهم. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ و (ما) صلةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ونحوِه. ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ لا تَعِي كلامَكَ يا محمدُ، فعلْنا بهم ما فعلْنا. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ أي: ختم. ﴿عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فجعلَها محجوبةً عن العلم. قرأ هشامٌ، والكسائيُّ، وخلادٌ بخلاف عن الثالث: (بَل طَبَعَ) بإدغامِ اللام في الطاء، والباقون: بالإظهار (٢).

стр. 785

﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم؛ كعبدٍ الله سلامٍ وأصحابِه. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ . [١٥٦] ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ بعيسى. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حينَ رموها بالزنا. قرأ السوسيُّ عن أبي عمرٍو: (مَرْيَمْ بُهْتَانًا) بإسكان الميم عند الباء، وتقدمَ الكلامُ عليه في سورة البقرة. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ . [١٥٧] ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ سموه رسعولَ اللهِ استهزاءً بهٍ، فأكذبَهم اللهُ تعالى في دَعْواهم بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى أَلْقى شبهَ عيسى على الذي دَلَّهم عليه، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك في سورةٍ آلِ عمران. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في شأن عيسى. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ لأن طائفةً من اليهود قالوا: نحن قتلناه، وطائفةٌ من

стр. 786

النصارى قالوا: نحن قتلناه، وقالت طائفةٌ منهم: ما قتلَه هؤلاءِ ولا هؤلاء، بل رُفع إلى السماء. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطعٌ؛ أي: لكنْ يَتَّبِعونَ ظنَّهم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي: عيسى قتلًا. ﴿يَقِينًا﴾ كما زعموه بقولهم: إنا قتلْنا المسيحَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ . [١٥٨] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ردٌّ وإنكارٌ لقتله، وإثباتٌ لرفعِه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغْلَبُ على ما يريدُه. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ لعيسى، وتقدَّم في سورة آل عمران قصةُ الصلبِ ورفعِ عيسى ﵇ إلى السماء. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ . [١٥٩] ﴿وَإِنْ﴾ أي: وما مِنْ أحدٍ. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: بعيسى. ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: موتِ المؤمنِ عندَ معاينةِ الموتِ حينَ لا ينفعُ نفسًا إيمانُها، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ﴾ عيسى.

стр. 787

﴿عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد على اليهود أنهم كذَّبوه وقذفُوه وأمَّهُ، ويشهدُ على النصارى بأنهم دَعَوْهُ ابنَ الله. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ . [١٦٠] ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وهو ما تقدَّم ذكرُه من نقضِهم الميثاقَ، وكفرِهم بآياتِ الله، وبهتانِهم على مريمَ، وقولهم: إنا قتلْنا المسيحَ. ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهي ما ذُكر في سورةِ الأنعامِ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الآية: ١٤٦]، المعنى: بظلمٍ صدرَ من اليهودِ حَرَّمْنا عليهم ذلك. ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن دينِهِ ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ . [١٦١] ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراةِ. ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ من الرِّشَا في الحكم، والمآكلِ يُصيبونها من عَوامِّهم؛ أي: بمجموعِ هذهِ الأشياءِ حَرَّمْنا عليهم تلكَ الطيباتِ. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ دونَ مَنْ تابَ وآمنَ.

стр. 788

﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾ . [١٦٢] ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾ المتمكِّنونَ. ﴿فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ من المهاجرينَ والأنصارِ، وقيلَ: من أهلِ الكتابِ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: القرآنِ. ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: جميعَ الكتبِ المنزلةِ. ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ نصبٌ على المدحِ، أو بإِضمارِ فعلٍ تقديرُه: أَعني المقيمينَ الصلاةَ. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ رفعُه عطفٌ على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، وكذلك. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قدَّمَ عليهِ الإيمانَ بالأنبياءِ والكتبِ وما يصدِّقُه من اتباعِ الشرائع؛ لأنه المقصودُ بالآية. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأٌ، خبرُه: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على جمعِهم بين الإيمانِ الصحيحِ والعملِ الصالح. قرأ حمزةُ، وخلفٌ: (سَيُؤْتيهِمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١).

стр. 789

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ . [١٦٣] ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحيُ: إلقاءُ المعنى في الخفاء (١)، وعَرَّفه في الأنبياء بواسطة جبريل ﵇، وذلك هو المراد بقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتابِ عن اقتراحهم أن ينزلَ عليهم كتابًا من السماءِ، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياءِ، وبدأ بنوحٍ؛ لأنه أولُ نبيٍّ مبن أنبياءِ الشريعةِ، وأولُ نبيٍّ بُعِثَ إلى الكفارِ، وكان أطولَ الأنبياءِ عُمْرًا، وجُعِلَت معجزتُه في نفسِه؛ فإنَّه عُمِّرَ ألفًا وأربعَ مئةِ سنةٍ، فلم تنقصْ له سِنٌّ، ولم تَشِبْ له شعرةٌ، ولم تنقصْ له قوةٌ، وتقدَّم ذكرُه ووفاتُه في سورةِ آلِ عمرانَ عند تفسيرِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [الآية: ٣٣] وصَرَفَ نوحًا مَعَ العُجْمَةِ والتعريفِ لِخِفَّتِهِ. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ: (أَبْرَاهَامَ) بالألف (٢). ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولادُ يعقوبَ، وتقدَّم ذكرُ هؤلاء الأنبياءِ في سورة البقرة. ﴿وَعِيسَى﴾ تقدَّمَ ذكرُه في البقرة وآل عمران.

стр. 790

﴿وَأَيُّوبَ﴾ هو ابنُ موصِ بنِ رازحِ بنِ العيصِ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵇، وهو من أمةِ الرومِ، وكان نبيًّا في عهدِ يعقوبَ، وعاشَ ثلاثًا وتسعين سنة، ويأتي ذكرُ قصتِه في سورة الأنبياء، وفي سورة (ص) إن شاء الله تعالى. ﴿وَيُونُسَ﴾ هو ابنُ مَتَّى، ومَتَّى أبوهُ في قولِ الأكثرِ، قيل: إنه من بني إسرائيلَ من سبطِ بنيامينَ، بُعِثَ إلى أهلِ نينوى قبالةَ الموصِلِ، بينهما دجلةُ، وسيأتي ذكرُ قصته في سورةِ الأنبياءِ إن شاء الله تعالى، وكانت وفاته في سنةِ خمسَ عشرةَ وثماني مئة لوفاةِ موسى ﵉، وقبرُه في قرية تسمَّى حلحول بينَ بيتِ المقدس وبلدةِ سيدِنا الخليلِ ﵊. ﴿وَهَارُونَ﴾ هو ابنُ عمرانَ أخو موسى ﵉، وكان أكبرَ من موسى بثلاث سنين، وتوفي قبلَ موسى بأحدَ عشرَ شهرًا، ودُفِنَ في التيه بكهفٍ في بعضِ الجبالِ على سرير وجدَ به، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ ذكرُ موسى ووفاتُه، فيُعلم من ذلكَ تاريخُ وفاةِ هارون. ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ تقدَّمَ ذكرُه ووفاته في سورة البقرة. ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ﴾ هو ابنُ بشَيِّ بنِ عوفيد بنِ بوعزَ بنِ سَلَمُون بنِ نحشون بنِ عَمِينا ذَاب بنِ رَمْ بنِ حَصْرُون بنِ بارَص بنِ يَهُودا بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵊، كان مقامُه بحبرون، ثم انتقلَ إلى بيتِ المقدسِ، وأَسَّسَ مسجدَه، وهو الأقصى، وماتَ قبل إتمامِه، وله سبعونَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وملك أربعينَ سنةً، ودُفِنَ

стр. 791

بالكنيسةِ المعروفةِ بالجيسمانية (١) شرقي بيتِ المقدسِ بالوادي، ويقالُ: إنَّ قبرَه بكنيسةِ صهيون ظاهر بيتِ المقدسِ من جهةِ القبلةِ، وهو مشهورٌ عندَ الناس، وكانت وفاتُه في يوم السبت أواخر سنةِ خمسٍ وثلاثينَ وخمسِ مئةٍ لوفاة موسى ﵇. ﴿زَبُورًا﴾ قرأ حمزةُ، وخلفٌ: بضمِّ الزاي حيثُ وقعَ، جمع زَبْرٍ؛ كدَهْرٍ ودُهور، بمعنى: مزبور؛ أي: مكتوبٍ، وقرأ الباقون: بالفتحِ اسمٌ للكتاب المنزَلِ عليه (٢)، وهو مئةٌ وخمسونَ سورةً بالعبرانيةِ في خمسينَ منها: ما يلقونه من بُخْتَ نَصَّرَ، وفي خمسينَ: ما يلقونَهُ من الرومِ، وفي خمسين: مواعظُ وحكمٌ، ولم يكنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ ولا أحكامٌ، وتقدَّم في سورةِ البقرةِ ذكرُ ما آتاهُ اللهُ من الملكِ والحكمةِ وطيبِ الصوتِ والألحانِ في قراءةِ الزَّبورِ. ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ . [١٦٤] ﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ؛ أي: وأرسلْنا رسلًا؛ لأن معنى ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ أرسلْنا نوحًا. ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ هذهِ السورة، أو اليومَ.

стр. 792

﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: لم نخبرْكَ بأخبارِهم، قيلَ: لما ذكرَ الأنبياءَ في الآية، ولم يذكر موسى، قالتِ اليهود: أكلمَ الله موسى أم لا؟ فنزل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ معناهُ التأكيدُ، يدلُّ على بُطلانِ قولِ مَنْ يقول: خَلَقَ لنفسِه كلامًا في شجرةٍ، فسمعَهُ موسى، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكونُ به المتكلِّمُ متكلمًا، وكلامُ الله تعالى للنبيِّ موسى دونَ تكييفٍ ولا تحديدٍ؛ فإنه سبحانه موجودٌ لا كالموجودات، معلومٌ لا كالمعلوماتِ، فكذلكَ كلامُه لا كالكلامِ. ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ . [١٦٥] ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ نصبٌ على المدحِ، ثم عَلَّلَ الإرسالَ فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ﴾ إرسالِ. ﴿الرُّسُلِ﴾ إليهم، فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا، فكيفَ تعذبنا؟! وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ لا يعذِّبُ الخلقَ قبلَ بعثةِ الرسلِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغلب فيما يريد (١). ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ من أمرِ النبوةِ، وخَصَّ كلَّ نبيٍّ من الوحيِ

стр. 793

والإعجازِ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ أسماءُ الأنبياءِ الذين ذُكِروا في القرَآنِ بأسمائِهم، والذينَ أُشير إليهم. ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ . [١٦٦] قال ابن عباس: إن رؤساءَ مكةَ أَتَوا رسولَ الله ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ! إنا سألْنا عنكَ اليهودَ، وعن صفتِك في كتابِهم، فزعموا أنَّهم لا يعرفونَكَ، ودخلَ عليه جماعةٌ من اليهودِ، فقال لهم: "وَاللهِ إِنَكمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ"، فقالوا: ما نعلمُ ذلك، فأنزلَ الله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (١) من الوحيِ والقرآنِ إن جحدوكَ وكَذَّبوكَ. ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: وهو عالمٌ بأنَّكَ أهلٌ لإنزالهِ عليكَ، وأَنَّكَ تبُلِّغُهُ. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا على صدقِكَ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لو لم يشهدْ غيرُه.

стр. 794

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ . [١٦٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ جمعوا بينَ الكفرِ والصَّدِّ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن طريقِ الهدى بكتمِ نعتِ محمدٍ ﷺ . ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾ . [١٦٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ. ﴿وَظَلَمُوا﴾ بكتمِ نعتِ محمدٍ ﷺ . ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ من الطرقِ. ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ . [١٦٩] ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهو دينُ الكفرِ؛ أي: لم يجعلْهم مسلِمينَ، بل جعلَهم كافرين، وهذا فيمَنْ سبقَ حكمُه تعالى فيهم أنَّهم لا يؤمنونَ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يصعُبُ عليه.

стр. 795

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ . [١٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ محمدٌ ﷺ . ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالشرعِ. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا﴾ الإيمانُ. ﴿خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو غنيٌّ عنكُمْ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوالِهم. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ لهم. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ . [١٧١] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطابُ لليهودِ والنصارى؛ [فإنهم جميعًا غَلَوا في أمرِ عيسى، فقالَتْ طائفةٌ من النصارى] (١)، وهم اليعقوبيةُ والملكائيةُ: عيسى هو اللهُ، وقالتْ طائفةٌ، وهم النسطوريةُ: عيسى ابنُ الله، وقالَتِ المرقوسيةُ: عيسى ثالثُ ثلاثةِ آلهةٍ: عيسى ومريمَ واللهِ،

стр. 796

علَّمَهم ذلكَ رجلٌ من اليهودِ يقالُ له: بولسُ، وقالتِ اليهودُ: هو ولدُ زنا، وكَذَبوا كُلُّهم. ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا الحدَّ. ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ بزيادةٍ ولا نقصانٍ، ولا تشركوا، وقوله: ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ معناه: في الدِّينِ الذي أنتم مطلوبون (١) به، وأضافَه إليهم بيانًا أنهم مأخوذونَ بهِ، وليستِ الإشارةُ إلى دينِهم المضلِّلِ، ولا أُمروا بالثبوتِ عليهِ دونَ غلُوٍّ، وإنما أُمِروا بتركِ الغُلُوِّ في دينِ الله، وأن يوحِّدوا. ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أي: تَذْكُروا. ﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا﴾ القولَ. ﴿الْحَقَّ﴾ يعني: تنزيهَهُ عن الصاحبةِ والولدِ. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وهي قولُه لعيسى: كُنْ، فكانَ من غيرِ أبٍ. ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أوصلَها إليها، وحصَّلَها فيها. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ سُمِّي عيسى رُوحًا؛ لأنه ذو رُوحٍ وجسدٍ كغيره، وأُضيف إلى الله تشريفًا له، المعنى: لا نسبةَ ولا اتصالَ بينَ اللهِ وعيسى، وليسَ بجزءٍ منه، إلا أنه رسولُه؛ لأن عيسى مركَّبٌ، والله مُنزَّهٌ عن التركيبِ، وإنما هو ابنُ مريمَ، وهو جزءٌ منها، خُلِقَ من غيرِ أبٍ؛ لأنه مركَّبٌ مثلَها. تلخيصُه: ليسَ عيسى إلا بعضَ أمِّه لا غيرُ؛ لأن (إنما) للحصر. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا﴾ هم.

стр. 797

﴿ثَلَاثَةٌ﴾ وكانت النصارى يقولون: أبٌ وابنٌ وروحُ القدس. ﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليثِ يكنِ الانتهاءُ. ﴿خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالذاتِ، لا تعدَّدَ فيهِ بوجهٍ. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: هو منزَّهٌ عن: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ كما تزعمونَ أيُّها النصارى. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا، لا يماثلُه شيءٌ من ذلك فيتخذَه ولدًا. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ فإنه مستغنٍ عن الولدِ المحتاجِ إليه ليكونَ وكيلًا لأبيه؛ لأنه سبحانه قائمٌ بحفظِ الأشياءِ، غيرُ محتاجٍ إلى مَنْ يُعينهُ. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ . [١٧٢] ولما قال وفدُ نجرانَ للنبيِّ ﷺ : إنَّكَ تسبُّ عيسى، تقولُ: إنه عبدُ الله، فقال: "إِنَّهُ لاَ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ"، نزل: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (١) أي: لن يأنفَ عِزَّةً. ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ فإن عبوديتَهُ شرفٌ يتباهى به. ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطفٌ على المسيح، وهم حَمَلَةُ العرشِ لا يأنفونَ أن يكونوا عبيدًا لله، واستدلَّ بهذه الآيةِ من يقولُ بتفضيلِ الملائكةِ

стр. 798

على البشرِ؛ لأنه تعالى ذكرَ عيسى ﵇، ثم ارتقى إلى الملائكةِ، والارتقاءُ إنما يكونُ إِلى الأعلى، فلا يقالُ: لا يستنكفُ زيدٌ من كذا، ولا عبده، إنما يقال: لا يستنكفُ من كذا، ولا مولاه، ومن لا يُفَضِّلُهم يقول: لم يذكرِ الملائكةَ تفضيلًا لهم على البشرِ، بل رَدًّا على الذين يقولونَ: الملائكةُ آلهةٌ، كما ردَّ على النصارى قولَهم: المسيحُ ابنُ الله، وتقدَّمَ في سورة البقرة ذكرُ مذهبِ أهل السنَّةِ في تفضيلِ الأنبياءِ على الملائكةِ عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [الآية: ٣١]، ثم قالَ مُتَهدِّدًا: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يترفعْ عنها، والاستكبار دون الاستنكاف. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ فيجازيهِمْ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾ . [١٧٣] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من الحسناتِ ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ وعيدٌ للذين يَدَعون عبادةَ الله أنفةً وتكبُّرًا.

стр. 799

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ . [١٧٤] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لهُ حجَّةٌ عليكم بالمعجزاتِ، وهو محمدٌ ﷺ . ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ هو القرآنُ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ . [١٧٥] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ امتنعوا بهِ من زَيْغِ الشيطانِ. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ يعني: الجنةَ ونعيمَها. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الفضلِ، وهذه هداية طريق الجِنانِ. ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ طريقًا واضحًا. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ . [١٧٦] عن جابرٍ قال: "عادني رسولُ الله ﷺ وأنا مريضٌ لا أعقلُ،

стр. 800

فتوضَّأَ وصَبَّ عليَّ من وَضوئِهِ، فعقلْتُ فقلْتُ: يا رسولَ الله! لمنِ الميراثُ؟ إنما يرثنُي كَلالةٌ"، فنزل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يستخبرونَكَ فيسألونَكَ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وتقدَّمَ تفسيرُ الكلالَةِ في أول السورة. ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ المرادُ بالولدِ: الابنُ. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ لأبوينِ، أو لأب. ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لأن الابنَ يُسْقِطُ الأختَ، والبنتُ لا تسقطُها باتفاقِ الأئمة. ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ابنٌ؛ لأن البنتَ لا تسُقطُ الأخَ بالاتفاق، وإن كانَ (١) ولدُها أنثى، فللأخِ ما فَضَلَ عن فرضِ البناتِ بالاتفاق (٢). ﴿فَإِنْ كَانَتَا﴾ أي: الأختانِ. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ فصاعِدًا. ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فَمَنْ ماتَ وله أخواتٌ، فلهنَّ الثلثانِ بالاتفاقِ. ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: الورثةُ. ﴿إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ أي: ذكورًا وإناثًا. ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أصلُه: وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ، فَغُلِّبَ المذكَّرُ (٣).

стр. 801

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: ألَّا تَضِلُّوا (١). ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات. رُويَ أن آخرَ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٢) ونزلَتْ في طريقِ حجةِ الوداعِ في زمنِ الصيفِ، فسمِّيَتْ: آيةَ الصيفِ، ورُوي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عاشَ بعدَها خمسين يومًا (٣)، والله أعلم. ...

стр. 802

سُوْرَةُ المَائِدَةِ مدنيةٌ، ورُويَ أنها نزلَتْ مُنْصَرَفَ رسولِ اللهِ ﷺ من الحُدَيبيةِ، وآيُها مئةٌ وعشرونَ آيةً، وحروفُها أحدَ عشرَ ألفًا وسبعُ مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثون حرفًا، وكَلِمُها ألفانِ وثماني مئةٍ وأربعُ كلمات. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "سُورَةُ المَائِدَةِ تُدْعى فِي مَلَكُوتِ اللهِ: المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صَاحِبَهَا مِنْ أَيْدِي مَلاَئِكَةِ الْعَذَابِ" (١) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾. [١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي: العهودِ المحكمةِ، ويقال: وَفَى وأَوْفى بمعنىً واحدٍ، وهذا عامٌّ في كل واجبٍ من أمرٍ ونهيٍ وحفظِ وديعةٍ؛ أي: احفظوا شريعتَهُ (٢)، ولفظُ المؤمنين يعمُّ مؤمني أهلِ الكتابِ بينَهم وبينَ اللهِ عقدٌ في أداءِ الأمانةِ فيما في كتبهم من أمرِ

стр. 803

محمدٍ ﷺ ، ثم خاطبَ كلَّ من التزمَ الإيمانَ على وَجْهِهِ وكمالِهِ، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ، [وأرادَ تحليلَ ما حرمَ أهلُ الجاهليةِ على أنفسِهم من الأنعامِ] (١)، وسميتْ بهيمةً؛ لإبهامِها من جهة نقصِ نطقِها وفهمها، وعدمِ مَيْزِها (٢) وعقلها، وقال ابنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ: "بهيمةُ الأنعامِ الأَجِنَّةُ في البطنِ إذا ذُبِحَتْ أُمهاتُها" (٣)، قال القرطبيُّ (٤): وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وليسَ في الأجنةِ ما يُستثنى. واختلفَ الأئمةُ في الجنينِ الذي يوجَدُ في بطنِ أُمه مَيْتًا إذا ذُكِّيَتْ، هل تكونُ ذكاتُها ذكاةً لجنينِها، ويحلُّ أكلهُ؟ فقالَ أبو حنيفةَ: لا يحلُّ أكلُه، وقالَ صاحباه: إذا تمَّ خلقُه، حَلَّ أكلُه، وقال مالكٌ: إذا لمَّ خلقُهُ، ونبتَ شعرُه، أُكِلَ، وإلا فلا، وقالَ الشافعيُّ وأحمدُ: يحلُّ أكلُه، سواءٌ نبتَ شعرُه أو لم ينبتْ، واستحبَّ أحمدُ ذبحَهُ، فإنْ خرجَ وفيه حياةٌ مستقرَّة، لم يُبحْ إلا بذبْحه، بالاتفاق. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾ أي: يُقْرَأُ. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريمُهُ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] استثناءً من بهيمةِ الأنعامِ. ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ومعنى الآية: أُحلَّتْ لكمُ الأنعامُ كلُّها إلا ما كانَ

стр. 804

وحشيًّا؛ فإنه صيدٌ لا يحلُّ لكم في حالِ الإحرامِ، فذلكَ قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: ما كانَ صيدًا، فهو حلالٌ في الإحلالِ دونَ الإحرام، وما لم يكنْ صيدًا، فهو حلالٌ في الحالينِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من تحليلٍ وتحريمٍ، لا دافعَ لمرادِهِ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ . [٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ جمعُ شَعيرةٍ، وهي العلامةُ، والمرادُ: مناسكُ الحجِّ، وكان المشركون يحجُّون ويُهْدون، فأرادَ المسلمونَ أن يُغيروا عليهم، فنهاهمُ اللهُ عن ذلك. واختلفَ العلماءُ في إشعارِ الهَدْيِ، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: يُسَنُّ إشعارُه بشَقِّ صفحةِ سنامِه اليُمْنى، أو موضعِه ممَّا لا سنامَ لهُ من إبلٍ وبقرٍ حتى يسيلَ الدمُ، وقالَ مالكٌ: في الجانبِ الأيسرِ من السنامِ في الإبلِ، وكذلك في البقرِ إنْ كان لها أسنمةٌ، فإن لم تكنْ لها أسنمةٌ، لم تشعَرْ، ومنعَ من هذا كلِّه أبو حنيفةَ، وقالَ: إنه تعذيبٌ للحيوان. ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ اسمٌ مفردٌ يدلُّ على الجنسِ في الأشهُرِ الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّمُ، ورجَبٌ؛ أي: لا تُحِلُّوا القتالَ فيها.

стр. 805

﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ بنحرِه قبلَ محلِّهِ، وهو كلُّ ما يُهدى إلى الحرمِ من نَعَمٍ وغيرِها. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ أي: ذواتَ (١) القلائدِ من الهَدْيِ، جمعُ قِلادة، وهي ما قُلِّدَ بالهَدْيِ من نعلٍ (٢) أو غيرِه؛ كآذانِ القُرَبِ والحبلِ ونحوِ ذلك؛ ليعلمَ به (٣) أنَّه هديٌ، فلا يُتَعَرَّضُ له. واختلفَ الأئمةُ في تقليدِ الغنمِ، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: تُقَلَّدُ، ومنعَ الشافعيُّ من تقليدِها بالنعلِ، وأباحَهُ أحمدُ، وقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا تُقَلَّدُ الغنمُ، واتفقوا على تقليدِ ما عدا الغنمِ بالنعلِ (٤) وغيرِه. ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: قاصديهِ. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبونَ. ﴿فَضْلًا﴾ رزقًا بالتجارةِ. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ بزعمِهم؛ لأن الكافرَ لا نصيبَ له في الرضوان، فلا تتعرضوا إليهم. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (ورُضْوانًا) بضمِّ الراء، والباقون: بالكسر (٥)، وكلُّ ما في هذهِ الآيةِ من نهيٍ عن مُشركٍ، أو مراعاةِ حرمةٍ (٦) له بقلادةٍ، أو أمِّ البيتِ الحرامِ ونحوه، فكلُّه منسوخٌ بآية السيف بقوله:

стр. 806

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وبقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ من إحرامكم. ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أمرُ إباحةٍ (١)؛ كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يَحْمِلَنَّكمْ. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بُغْضُهُم. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عنهُ: (شَنْآنُ) بإسكانِ النونِ الأولى، وهما لغتانِ، والفتحُ أجودُ، وبه قرأ الباقون (٢). ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: بكسر الهمزةِ شرطًا، فيكون (صَدُّوكُمْ) مستقبلًا معنًى؛ لأنَّ الشرطَ حقُّه الاستقبالُ، والصدُّ كانَ عامَ الحديبيةِ سنةَ ستٍّ، ونزلت الآية عامَ الفتحِ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ، فتقديرُه: إن يقعْ منهم صدُّكم (٣) فيما يُستقبل مثلما مضى منهم، فلا تعتدوا عليهم، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة (٤)؛ أي: لأجل صدِّهِمْ إياكُمْ. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ واختارَ ابنُ عطيةَ، وتبعَهُ القرطبيُّ أن القراءةَ

стр. 807

بالفتحِ أمكنُ في المعنى؛ لأن الآيةَ نزلتْ بعدَ الصدِّ (١). ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ عليهم بالقتلِ وأخذِ الأموالِ. ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا. ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ اتِّباعِ الأمرِ. ﴿وَالتَّقْوَى﴾ اجتنابِ النهيِ. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ الكفرِ. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلمِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فانتقامُه أشدُّ. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلاَ تَّعَاوَنُوا) بتشديد التاء حالةَ الوصلِ (٢). ثم قالَ تعالى محرِّمًا ما كانوا يُحلُّونه وهو بيان قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.

стр. 808

[٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ما فارقه الرُّوحُ من غيرِ تذكيةٍ. قرأ أبو جعفرٍ: (الْمَيِّتَةُ) بالتشديد، والباقون: بالتخفيفِ، والكسائيُّ يُميل التاءَ حيثُ وقفَ على هاء التأنيث (١). ﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوحُ، وكان أهلُ الجاهلية يصبونه في الأمعاء، ويشوونها. ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذُكر على ذبحِهِ اسمُ غيرِ اللهِ سبحانه؛ كقولِ: باسمِ اللَّاتِ والعُزَّى. ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ التي تُخْنَقُ. ورُويَ عن أبي جعفرٍ: (وَالْمُنخَنِقَةُ) بإخفاءِ النونِ عند الخاء، ورُوي عنهُ الإظهارُ كبقية القراءِ، وهو أشهرُ (٢)، وتقدَّم ذكرُ مذهبِه في ذلك مستوفًى في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا﴾ [النساء: ١٣٥]. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المقتولةُ بالخشبِ. قرأ الكسائيُّ: (وَالْمَوْقُوذَةُ) بإمالةِ الذالِ حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيث (٣). ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الساقطةُ من عُلُو فتموتُ. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي تنطَحُها أُخرى فتموتُ.

стр. 809

﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: بعضَه. ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلا ما أدركتُم ذَكاتَه وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ. ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وهي حجارةٌ كانتْ منصوبةً حولَ البيتِ يعبدُها الجاهليةُ، ويذبحون عندَها، ويعدُّونَ ذلكَ قربةً. ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾ تطلبوا القسمَ والحكمَ. ﴿بِالْأَزْلَامِ﴾ جمعُ زَلَمٍ بضمِّ الزاي وفتحِها، وهي القِداحُ التي لا ريشَ لها ولا نصلَ، وذلكَ أنهم إذا قصدوا فعلًا، ضربوا ثلاثةَ قداحٍ مكتوب على أحدِها: أَمَرني ربي، وعلى الآخر: نهاني، والثالثُ: غُفْلٌ، فإن خرجَ الآمرُ، مَضَوا على ذلك، وإن خرجَ الناهي، تجنبوا عنه، وإن خرج الغفلُ، أجالوها ثانيًا، فمعنى الاستقسام: طلبُ معرفةِ ما قُسِمَ لهم دونَ ما لم يقسمْ بالأزلام. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المحرَّماتُ في الآية، أو الاستقسامُ. ﴿فِسْقٌ﴾ قال ﷺ : "مَنْ تَكَهَّنَّ أَوِ اسْتَقْسَمَ، أَوْ تَطَيَّرَ طيرَةً يَرُدُّهُ عَنْ سَفَرِهِ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الدَّرَجَاتِ العُلاَ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١). ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: من إبطالِه ورجوعِكم عنه. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم.

стр. 810

﴿وَاخْشَوْنِ﴾ أَخْلِصوا الخشيةَ لي. قرأ يعقوبُ: (وَاخْشَوْنِي) بإثباتِ الياءِ حالةَ الوقفِ (١). ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بإتمامِ عِزِّهِ وظُهورِه ونصرِه: نزلتْ يومَ الجمعةِ يومَ عرفةَ بعدَ العصرِ في حجَّةِ الوداعِ، والنبيُّ ﷺ واقفٌ بعرفاتٍ على ناقتِهِ العَضْباءِ، فكادَتْ عَضُدُ الناقةِ تَندقُّ مِنْ ثِقَلِها (٢)، فبركَتْ، قال ابنُ عباسٍ: "لَمْ ينزلْ بعدَ هذهِ الآيةِ حلالٌ ولا حرامٌ" (٣). ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالهدايةِ والتوفيقِ، وبدخولِ مكةَ آمنينَ، ومنعِ المشركينَ من دخولِ الحَرمِ بعدَ العام. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ اخترتُه لكم. ﴿دِينًا﴾ من بينِ الأديانِ، وهو الدينُ عندَ اللهِ لا غيرُ، قال ابنُ عباسٍ: "كانَ ذلكَ اليومَ خمسةُ أعيادٍ: جمعةٌ، وعرفةُ، وعيدُ اليهودِ، والنصارى، والمجوسِ، ولم تجتمعْ أعيادُ أهلِ (٤) المللِ في يوم قبلَه ولا بعدَه" (٥). ولما نزلتْ هذه الآيةُ، بكى عمرُ ﵁، فقال له (٦) النبيُّ ﷺ : "مَا يُبْكِيكَ؟ " فقال: "كُنَّا في زيادةٍ من دينِنا، وأَمَّا إذا كَمُلَ؛ فإنَّه لا يكمُل
следующие страницы →