← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ نزلَتْ في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ، وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النجار، ولم يظهرْ قاتلُه، فأمرَهُم رسولُ الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديتَهُ، فدفعوا إليه، ثم حملَ على مسلمٍ فقتلَه، ورجعَ إلى مكةَ مرتدًّا (١). ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ طردَهُ عن الرحمةِ. ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. واختلِفَ في قبولِ توبةِ القاتلِ، فجماعةٌ على أن لا تقبلَ توبتُه، والذي عليه الجمهورُ، وهو مذهبُ أهل السنَّةِ: أنَّ قاتلَ المسلمِ عمدًا توبتُه مقبولةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢)، ويحملون الآيةَ على من قَتَلَ مؤمنًا مستحِلًا لقتله ولم يتبْ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.

стр. 737

[٩٤] ونزل في أسامةَ بنِ زيدٍ لما وُجِّهَ في سريَّةٍ، فسمعَ رجلًا يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فقتلَهُ واستاقَ غنمَهُ، ورجعَ إلى النبيِّ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ (١) سافرتُم للجهادِ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ تأمَّلُوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) في الحرفين؛ من الثباتِ والتأَنِّي، وقرأ الباقون: [بالياء والنون من التبيُّن، وهو التأمُّلُ (٢). ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ وهو تحية الإسلام. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السَّلَمَ) بغير ألفٍ، وهو المفاداةُ، وهو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله. وقرأ الباقونَ] (٣) بالأول (٤)؛ أي: إذا رأيتم أَمارةً ظاهرةً على إسلامِ شخصٍ، فلا تقتلوه، ولا تقولوا: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ إنما تفعلُ هذا تقيَّةَّ لحفظِ مالك ونفسِكَ. قرأ أبو جعفر بخلافٍ عنه (مُوْمِنًا) بإسكانِ الواو بغير همز (٥).

стр. 738

﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منافِعَها. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غنائمُ. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تكتمون إيمانَكم من المشركين. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهدايةِ وإظهارِ الإسلام، ورُويَ أنه ﷺ قال: "أَقَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ؟ "، ووجَدَ عليه، فقالَ أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ الله، فقال: "فكيفَ بِلا إلهَ إلا الله؟ " مرارًا، قال أسامة: فوددْتُ أَني لم أكنْ أسلمتُ إلا يومَئِذٍ" (١). قرأ أبو عمرو: (كَذَلِك كنْتُمْ) بإدغام الكاف في الكاف. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنًا خطأً، كرَّرها تأكيدًا وزجرًا عن الإقدامِ على القتل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالمًا به، فلا تُقدموا على القتلِ، واحتاطوا فيه. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن الجهادِ. نزلتْ في فضلِ

стр. 739

الجهادِ والحثِّ عليه، فلما سمعَ ابنُ أمِّ مكتومٍ -وكانَ أَعمى- النبيَّ ﷺ يُمليها على زيدِ بنِ ثابتٍ قال: "يا رسولَ اللهِ! لو استطعتُ الجهادَ لجاهدْتُ" فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) أي: المرض؛ من عمًى وغيرِه. قرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: إلا أولي الضرر، وقرأ الباقون: برفع الراء على نعتِ (القاعِدون) (٢)، يريدُ: لا يستوي القاعدونَ الذين هم غيرُ أولي الضرر. ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ من قعدَ عن الجهاد من غيرِ عذرٍ. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ للعذرِ. ﴿دَرَجَةً﴾ فضيلةً؛ لأن المجاهدَ مباشِرٌ مع النية، والقاعدَ له نيةٌ، ولكن لم يباشرْ، فنزلوا عنهم بدرجةٍ. ﴿وَكُلًّا﴾ من الفريقين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وهي الجنةُ. ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ مطلقًا.

стр. 740

﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ بعذرٍ وغيرِه. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: أَجَرَهم أجرًا عظيمًا. ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ نصبٌ بدلٌ من ﴿أجرًا﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على درجات. عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فعجبَ بها أبو سعيدٍ، قال: أَعِدْها عليَّ يا رسولَ اللهِ، ففعلَ، قالَ رسول الله ﷺ : "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما (٢) عساه يفرطُ منهم. ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعدَ لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا

стр. 741

﴿مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ . [٩٧] ونزلَ في أُناسٍ من مكةَ أسلموا ولم يهاجروا حينَ كانتِ الهجرةُ واجبةً، فلما خرجَ المشركونَ إلى بدرٍ، خرجوا معهم، فقُتلوا مع الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: ملكُ الموتِ وأعوانهُ. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بتركِ الهجرةِ وموافقةِ الكفرةِ. قرأ أبو عمرٍو: (الملائكَة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بإدغام التاء في الظاء (١)، وقرأ البزي: (إِنَّ الَّذِين توَفَّاهُمُ) بتشديد التاء حالةَ الوصل (٢). ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ توبيخًا لهم: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ شيءٍ كنتُم من أمرِ دينِكم. ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزينَ عن الهجرةِ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مكةَ. ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ؛ تكذيبًا (٣) لهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ في الرزقِ. ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطر آخرَ.

стр. 742

﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لتركِهم الواجبَ. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: بئسَ المصيرُ إلى جهنمَ. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ . [٩٨] ثم استثنى أهلَ العذرِ منهم فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ أي: هم عاجزونَ (١) عن الهجرةِ؛ لضعفِهم وفقرِهم ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج. ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ و (عسى) من اللهِ واجب؛ لأنه للإطماع. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال ابنُ عباس ﵄: كنتُ أنا وأُمي ممَّنْ عذرَ الله (٢)؛ يعني: من المستضعفينَ، وكانَ رسولُ اللهِ يدعو لهؤلاءِ المستضعفينَ في الصلاة.

стр. 743

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ . [١٠٠] ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾ مُتَحَوَّلًا ومُهاجَرًا. ﴿كَثِيرًا﴾ المعنى: مكانًا يتحول به على رغمِ أنفِهم، وأصلُ الرَّغْمِ: لصوقُ الأنفِ بالرّغامِ ذُلًّا، وهو الترابُ. ﴿وَسَعَةً﴾ في الرزقِ، فلما سمعَ جُنْدَعُ بنُ ضَمْرةَ هذه الآيةَ، وكان شيخًا كبيرًا، خرجَ من مكةَ محمولًا على سريرِه مهاجِرًا إلى المدينة، فماتَ في الطريقِ، فقالَ بعضُ المسلمينَ: لو وصلَ إلى المدينةِ، لكانَ أتمَّ أجرًا، وضحكَ المشركون، وقالوا: ما أدركَ هذا ما طلبَ، فنزل: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١) قبلَ بلوغِه مُهاجَرَهُ. ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ أي: وجبَ. ﴿أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ بإيجابِه على نفسِه فضلًا منه سبحانه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما كانَ منه في الشِّركِ. ﴿رَحِيمًا﴾ حينَ قبلَ توبتَهُ؛ فعندَ الإمامِ أحمدَ والأكثر: لا يجبُ على اللهِ شيءٌ، لا عقلًا، ولا شرعًا، وقال جمعٌ: يجبُ عليه شرعًا بفضلِه وكرمِه، وحكي عن أهل السُّنِة، وعندَ المعتزلة يجبُ علية رعايةُ الأصلحِ.

стр. 744

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ سافَرْتُم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سفرًا يبيحُ القصرَ، وهو مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ بسيرِ الإبلِ ومشيِ الأقدام عند أبي حنيفةَ، ومسيرةُ يومين قاصِدَينِ، وهو ستةَ عشرَ فرسخًا أربعةُ بُرُدٍ عندَ الثلاثةِ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ حرجٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بأن تردُّوها من أربعٍ إلى اثنتين، وذلك في الظهرِ والعصرِ والعشاءِ، وهو عزيمةٌ عندَ أبي حنيفةَ، وشدَّد فيه حتى قَال: إذا صلَّى الظهرَ أربعًا، ولم يجلسْ بعدَ الركعتين، بطلَ ظُهره، وإن قعدَ (١) في الثانية، أجزأتْهُ اثنتانِ عن الفرضِ، وركعتانِ عن النافلةِ، وقال الثلاثةُ: هو رخصةٌ، واتفقوا على أن القصرَ أفضلُ من الإتمام، وعلى أن المغربَ والصبحَ لا يقصران، واختلفوا في سفرِ المعصيةِ هل يبيحُ الرخصَ الشرعيةَ من القصرِ وغيرِه؟ (٢) فقال أبو حنيفةَ: يبيحُ، وقال الثلاثة: لا يبيحُ، وتقدَّم نظيرُ ذلك في سورة البقرة عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الآية: ١٧٣]. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: يقتلَكُم وينالَكم بما تكرهونَ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فظاهرُ الآيةِ: لا يجوزُ القصرُ إلا عندَ الخوفِ، وليسَ كذلكَ، بل الصحيحُ أن الخوفَ ليسَ بشرطٍ بالاتفاق؛ لأن النبيَّ ﷺ سافرَ

стр. 745

بينَ مكةَ والمدينةِ لا يخافُ إلا اللهَ، فكان يصلِّي ركعتين، وقد سألَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ النبيَّ ﷺ عن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقدْ أَمِنَ الناسُ، فقال ﷺ : "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا (١) عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَته" (٢). ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ . [١٠٢] عن ابنِ عباسٍ وجابرٍ: أنَّ المشركينَ لما رأَوا رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه قامُوا إلى الظُّهرِ يصلُّونَ جميعًا، ندموا ألَّا كانوا أَكَبُّوا عليهِم، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: دَعوهُم؛ فإنَّ لهم بعدَها صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائِهم وأبنائِهم، يعني: صلاةَ العصر، فإذا قاموا إليها، فشدُّوا عليهم فاقتلوهم،

стр. 746

فنزلَ جبريلُ ﵇ فقالَ: يا محمدُ! إنها صلاةُ الخوفِ، وإن الله (١) يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فعلَّمه صلاةَ الخوفِ، وكان نزولُ الآيةِ بينَ الظهرِ والعصرِ (٢). قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ ﵁: صحَّ عن النبيِّ ﷺ صلاةُ الخوفِ من خمسةِ أوجهٍ أو ستةٍ، كلُّ ذلك جائزٌ لمنْ فعلَهُ (٣)، فمنْ ذلكَ: إذا كان العدوُّ في جهةِ القِبلَةِ، صَفَّ الإمامُ المسلمينَ خلفَه صَفَّينِ، فصلَّى بهم جميعًا إلى أن يسجدَ، فيسجدُ معه الصفُّ الذي يليه، ويحرسُ الآخَرُ حتى يقومَ الإمامُ إلى الثانيةِ، فيسجدُ ويلحقُه، فاذا سجدَ في الثانيةِ، سجدَ معه الصفُّ الذي حرسَ أولًا (٤)، وحرسَ الآخرُ حتى يجلسَ في التشهُّدِ، فيسجدُ ويلحقُه، فيتشهَّدُ ويسلِّمُ بهم، وهذهِ صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ بعسفانَ. الوجه الثاني: إذا كانَ العدوُّ في غير جهةِ القبلةِ، جعلَ طائفةً حذاءَ العدوِّ، وطائفةً تصلِّي معه ركعةً، فإذا قاموا إلى الثانيةِ، ثبتَ قائمًا، وأتمتْ لأنفسِها أخرى، وسلمتْ ومضت إلى العدو، وجاءت الطائفةُ الأخرى

стр. 747

فصلَّت معه الركعةَ الثانيةَ، فإذا جلسَ للتشهدِ، أتمت لأنفسِها أخرى، وتشهدتْ، وسلَّم بهم. فإن كانت الصلاةُ مغرِبًا صلَّى بالأولى ركعتين، وبالثانيةِ ركعةً، وإن كانت رباعيةً غيرَ مقصورةٍ، صلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعتين، وأتمتِ الأولى بالحمدُ لله في كلّ ركعةٍ، والأخرى تتمُّ بالحمدُ لله وسورة، وتفارقُه الأولى عندَ فراغ التشهدِ، وينتظر الإمامُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، يكررُ التشهدَ، فإذا أتتْ، قامَ، وهذه صلاةُ رسولِ الله ﷺ بذاتِ الرقاع، وهي عندَ الشافعيِّ أفضلُ من صلاتِه ببطنِ نَخْلٍ على ما يأتي، وإلى هذا الوجهِ ذهبَ مالكٌ. الوجه الثالث: أن يصلِّي بطائفةٍ ركعةً، ثم تمضي إلى العدو، وتأتي الأخرى فيصلِّي بها ركعةً، ويسلِّم وحدَه، وتمضي هي، ثم تأتي الأولى فتتمُّ صلاتَها، ثم تأتي الأخرى فتممُّ صلاتها، وهذا الوجهُ مذهبُ أبي حنيفة. الوجه الرابع: أن يصلي بكلِّ طائفةٍ صلاةً، ويسلِّم بها، وهذه صلاةُ رسولِ الله ﷺ ببطنِ نخلٍ. الوجه الخامس: أن يصلي الرباعيةَ المقصورةَ تامةً، وتصلي معه كلُّ طائفة ركعتين، ولا تقضي شيئًا، فتكون له تامةً، ولهم مقصورةً. واتفقوا على أن صلاةَ الخوفِ في الحضر أربعُ ركعاتٍ غير مقصورة، وفي السفر ركعتان إذا كانت رباعيةً، وغيرُ الرباعية على عددها، لا يختلف حكمُها حضرًا ولا سفرًا ولا خوفًا. فإذا اشتدَّ الخوفُ، صلَّوا رجالًا وركبانًا، إلى القبلةِ وغيرها يومئون بالركوعِ والسجودِ على قدرِ الطاقةِ، ويجعلون السجودَ أخفضَ من الركوع،

стр. 748

وبذلكَ قالَ الأئمةُ الثلاثةُ، وقال أبو حنيفةَ: لا يصلي ماشيًا ولا مُسايِفًا إذا لم يمكن الوقوفُ، ووافقهم على جواز الصلاةِ راكبًا، والإيماءِ إلى أيِّ جهةٍ قدرَ. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ يا محمدُ حاضرًا في أصحابِك. ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ تقدَّمَ مذهبُ ورشٍ في تغليظِ لامِ (الصَّلاَة). ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ مصليةً، وطائفةٌ وِجاهَ العدوِّ. ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ أي: غيرُ المصلين. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وقيل: المرادُ: المصلُّونَ والآيةُ تتناول الكلَّ، ولكنَّ سلاحَ المصلِّين ما خفَّ مما لا يشغلُه عن الصلاة. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ أي: المصلُّون معكَ. ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مكانَ الذين هم وِجاهَ العدوِّ. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ وهمُ الذين في وجهِ العدوِّ. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا﴾ أي: الآتون، وقيل: المصلُّون. ﴿حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ جعلَ الحذرَ آلةً يتحصَّنُ بها الغازي مع الأسلحةِ. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يتمنى الكفارُ. ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيقصدونَكُم، ويحملونَ عليكم حملةً واحدةً، ورَخَّصَ لهم في تركِ السلاحِ للعذر فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ لا إثمَ.

стр. 749

﴿عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ لأن السلاحَ يثقلُ حملُه في هاتين الحالتينِ. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ كيلا يهجُم عليكم العدوُّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ يُهانون فيه. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ . [١٠٣] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ فَرَغتم من صلاةِ الخوفِ. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتسبيحِ والتهليلِ. ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: اذكروه في هذهِ الأحوالِ. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أي: أَمِنْتُمْ. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أَتِمُّوها بأركانِها وشروطِها. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ واجبًا مفروضًا. ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ . [١٠٤] ولما رجعَ أبو سفيانَ وأصحابُه يومَ أُحدٍ بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ -

стр. 750

طائفةً في آثارهم، فَشَكَوا ألمَ الجراحاتِ، فنزل قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ (١) تَضْعُفوا في. ﴿ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ في طلبِ الكفارِ. ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ تتوجَّعونَ من الجراحِ. ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: ذلكَ مشترَكٌ بينكم وبينهم. ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ من الثوابَ. ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ لأنهم لا يؤمنونَ بالبعثِ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأعمالِكم. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يأمر وينهى. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ . [١٠٥] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ بالحدودِ والأحكامِ. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ بما علَّمك وأوحى إليك. نزلتْ هذه الآيةُ في طُعْمَةَ بنِ أُبَيْرِقٍ الأنصاريِّ، سرقَ درعًا من قَتَادَةَ بنِ النعمان، وخبأَها عندَ زيدٍ السَّمينِ اليهوديِّ، ثم حلفَ أنه ما سرقَ شيئًا، وظهرتِ الدرعُ عند اليهوديِّ، فقال اليهوديُّ: دفعها إليَّ طعمةُ، فهمَّ النبيُّ ﷺ أن يقطعَ يدَ اليهوديِّ، فنزلت الآية (٢).

стр. 751

﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾ طعمةَ وكلِّ خائنٍ. ﴿خَصِيمًا﴾ مخاصِمًا عنهم. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ . [١٠٦] ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما هممتَ به من معاقبةِ اليهوديِّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن يستغفرُه. ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ . [١٠٧] ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ تخاصِمْ. ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ هم طعمةُ وقومُه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾ في الدرع. ﴿أَثِيمًا﴾ في رميهِ اليهوديَّ، والخطابُ مع النبيِّ ﷺ والمرادُ غيرُه. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ . [١٠٨] ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترونَ حياء. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ وأصلُه: طلبُ الخفاءِ.

стр. 752

﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ لعلمِه لا يخفى عليه سرُّهم. ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ يُدَبِّرون ليلًا. ﴿مَا لَا يَرْضَى﴾ اللهُ. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو حَلْفُ طعمةَ أنه ما سرقَ شيئًا، وذلك أنَّ قومَ طعمةَ قالوا فيما بينَهم: نرفعُ الأمرَ إلى النبيِّ ﷺ ، فإنه يسمعُ (١) قولَه ويمينه؛ لأنه مسلمٌ، ولا يسمعُ من اليهوديِّ؛ لأنه كافرٌ، فلم يرضَ الله تعالى منه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ لا يفوتُ عنه شيء. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ . [١٠٩] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ يا قومَ طعمةَ مبتدأ، خبرُه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ وتقدم في سورة آل عمران اختلافُ القراء (٢) في قولِه تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾. ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خاصمتُم عن الخائنين. ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ﴾ إذا عُذِّبوا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ محاميًا عنهم.

стр. 753

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ . [١١٠] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ يعني: السرقةَ. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يختصُّ به ولا يتعدَّاهُ بما دونَ الشِّركِ. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ يتوبُ إليه. ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فيه حثٌّ لطعمةَ وقومِه على التوبةِ والاستغفارِ. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ . [١١١] ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعداهُ وَبالُهُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بفعلِهِ. ﴿حَكِيمًا﴾ في مجازاتِه. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ . [١١٢] ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ هي سرقةُ الدرعِ. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ذنبًا، وهو يمينُه الكاذبةُ. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي: بالإثمِ.

стр. 754

﴿بَرِيئًا﴾ وهو نسبةُ السرقةِ لليهوديِّ. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ أي: تحمل. ﴿بُهْتَانًا﴾ أصلُه كلُّ ما يَبْهَتُ له الإنسانُ من ذنبٍ وغيره. ﴿وَإِثْمًا﴾ ذنبًا. ﴿مُبِينًا﴾ ظاهرًا. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ . [١١٣] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ يا محمدُ؛ بإعلامِ ما هم عليه بالوحي. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: قومَ طعمةَ. ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحقِّ، مع علمِهم بالحال. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأن وبالَ أفعالِهم راجعٌ عليهم. ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن الله يعصمُك منهم. ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ القضاءَ بالوحي.

стр. 755

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من الأحكامِ والغيبِ (١). ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوَّةِ. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ . [١١٤] ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ أي: تنَاجِيهم فيما يديرونه بينهم. قرأ حمزةُ: (لا خَيْرَ) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغ الإشباعَ. ﴿إِلَّا﴾ أي: إلا نجوى. ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: حثَّ عليها إن لم يكنْ له مالٌ. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو كلُّ ما يستحسنُه الشرعُ، ولا ينكرُه العقلُ، وجميعُ أعمالِ البرِّ معروف. ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ قال ﷺ : "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ؟ "، قيل: بلى، قال: "إِصْلاَح ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" (٢) الَّتِي تَحْلِقُ الدِّينَ لاَ الشَّعْرَ.

стр. 756

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المذكورَ. ﴿ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلبَ. ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: رضاه. قرأ الكسائيُّ (مَرْضَاتِ) بالإمالة، ووقف عليها بالهاء حيثُ وقعَ (١). ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ (يُؤْتيهِ) بالياء؛ يعني: يؤتيهِ اللهُ، وقرأ الباقونَ: (نُؤْتيهِ) بالنون (٢). ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ . [١١٥] ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ أي: يخالفِ (٣). ﴿الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد وضوحِ الدليلِ. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾ أي: طريقِ. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو الإسلامُ. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ نَكِلُهُ إلى ما اختارَ من الكفرِ في الدنيا. قرأ أبو عمرٍو، وأبو بكرٍ، وحمزةُ: (نُوَلِّهْ) و (نُصْلِهْ) بسكون الهاء، واختلِفَ عن

стр. 757

أبي جعفرٍ، وقرأ (١) قالونُ، ويعقوبُ: بكسر الهاء من غير صلتِها، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي جعفرٍ، والباقونَ: بصلتها بخلافٍ عن هشامٍ (٢). ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ في العُقْبى. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ نزلتْ في طعمةَ، وذلك أنه لما ظهرتْ عليه السرقةُ، خافَ من قطعِ اليدِ والفضيحةِ، فهربَ إلى مكةَ وارتدَّ، ونقبَ حائطًا بها ليسرقَ أهلَها، فسقطَ الحائطُ عليه فقتلَه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ . [١١٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ بَعُدَتْ غايتُه عن كلِّ خيرٍ، فلا يُرجى له الفلاحُ. عن ابن عباسٍ: "أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في شيخٍ من الأحزابِ جاء إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله! إني شيخٌ منهمكٌ في الذنوب، إلا أني لا أشركُ بالله شيئًا منذُ عرفتُه وآمنتُ به، ولم أتخذْ من دويه أولياءَ، ولم أواقعِ المعاصيَ جرأةً على الله، وما توهَّمْتُ طرفةَ عينٍ أَني أُعجِزُ الله هَرَبًا،

стр. 758

وإني لنادمٌ تائبٌ مستغفرٌ، فما حالي، فأنزلَ الله الآيةَ" (١). ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ . [١١٧] ونزلَ في أهلِ مكَّةَ. ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ أي: ما يعبدون. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله. ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: الأوثانَ، وكانوا يسمُّونها باسمِ الإناثِ، كمناةَ واللاتِ والعُزَّى. ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ خارجًا عن الطاعةِ، وهو إبليسُ. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ . [١١٨] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعدَه اللهُ من رحمتِه. ﴿وَقَالَ﴾ إبليسُ. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: حظًّا معلومًا؛ أي: طائفةً أنهم يطيعوني.

стр. 759

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ . [١١٩] ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحقِّ. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أُلقي في أمانيّهم ركوبَ الأهواء. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطِّعُنَّ. ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: البَحائرَ؛ لأنهم كانوا يشقُّون آذنَ الناقةِ إذا ولدَتْ خمسةَ أَبْطُنٍ، وجاء الخامسُ ذكرًا، ويحرِّمونَ الانتفاع بها. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾ لَيبدِّلُنَّ. ﴿خَلْقَ اللَّهِ﴾ بالخِصاءِ ونتفِ اللحيةِ والوَشْم ونحوِها. ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا﴾ أي: ربًّا. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يطيعُه. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أي: نقصَ نفسَه، وعَيَّبَها؛ بأن أعطى الشيطانَ حقَّ اللهِ تعالى فيه، وتركَه من أجلِه. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿يَعِدُهُمُ﴾ ما لا ينجزُ، وهو طولُ العمرِ. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا ينالونَ من الدنيا. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا.

стр. 760

﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ . [١٢١] ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ مَفَرًّا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ . [١٢٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت غرفِها ومساكِنها. ﴿الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصبٌ مصدرٌ مؤكَّدٌ. ﴿حَقًّا﴾ حالٌ من (وعد الله) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. أي: قولًا. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ولما افتخرَ اليهودُ والنصارى، وقالوا للمسلمين: نبيُّنا قبلَ نبيِّكم، وكتابُنا قبلَ كتابِكم، فنحن أَوْلى بالله منكم، فقال المسلمون: نبيُّنا خاتمُ الأنبياء، وكتابنا يقضي على الكتبِ، وقد آمنَّا بكتابِكم، ولم تؤمنوا بكتابِنا، فنحن أَوْلى بالله منكم، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ (١) أيُّها المسلمونَ.

стр. 761

﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والأمانيُّ: هي ما يَتشَهَّاهُ المرءُ ويُطمِعُ نفسَه فيه؛ أي: ثوابُ الله لا يُنال بالأماني، وإنما الأمرُ بالعمل الصالح. قرأ أبو جعفرٍ: (بِأَمَانِيكُمْ وَلاَ أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ) بسكونِ الياءِ من غيرِ تشديد (١). ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ مبتدأٌ، وهو شرطٌ جوابُه: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ عاجِلًا أو آجلًا. وهذه الآية عامة في حقِّ كلِّ عاملٍ، فأما مجازاةُ الكافرِ، فالنارُ، وأما المؤمنُ، فنكباتُ الدنيا، قال أبو بكر ﵁: لما نزلَتْ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قلتُ: يا رسولَ الله! ما أشدَّ هذهِ الآيةَ! فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ! أَمَا تَحْزَنُ، أَمَا تَمْرَضُ، أَمَا تُصِيبُكَ اللأْوَاءُ؟ فَهَذَا بِذلكَ" (٢). ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ يواليه. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصُره في دفعِ العذابِ. وفي قولِه تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: ما تَزْرَعْ تَحْصُدْ.

стр. 762

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ . [١٢٤] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ بعضها وشيئًا منها، فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكَّن من كلِّها، وليس مكلَّفًا بها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ، ورَوْحٌ: (يُدْخَلُونَ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الخاء، وقرأ الباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الخاء (١). ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا ينقصُ شيءٌ من ثوابِهم. ﴿نَقِيرًا﴾ هو النقطةُ التي تكونُ على ظهر النواةِ، ومنها تنبتُ النخلةُ. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ . [١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: أحكمُ. ﴿دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلصَ عملَه لله. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحِّدٌ. ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ دينَهُ. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنْ ﴿وَاتَّبَعَ﴾.

стр. 763

﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ: (أبراهامَ) بالألفِ في الحرفينِ (١). ﴿خَلِيلًا﴾ والخليلُ: الذي ليسَ في محبته خَلَلٌ، والخُلَّةُ: الصداقةُ؛ لأن الله أحبَّه واصطفاه، قال ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخِي، وَصَاحِبِي، وَلَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صاحِبَكُمْ خَلِيلًا" (٢). ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ . [١٢٦] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا وَمُلْكًا، يختارُ منها من يشاءُ وما يشاءُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطةَ علمٍ وقدرةٍ. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ . [١٢٧] ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ يستخبرونَكَ.

стр. 764

﴿فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ قرأ يعقوبُ: (فِيهُنَّ) بضمِّ الهاء. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ويُفتيكم فيما يُتلى عليكم. ﴿فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: تعطوهُنَّ. ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ من الصَّداقِ والميراثِ. ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: عن أن تنكحوهنَّ؛ فإن أولياءَ اليتامى كانوا يرغبون فيهنَّ إنْ كُنَّ جميلاتٍ، ويأكلونَ مالهنَّ، وإن كانتْ مرغوبةً عنها في قلةِ المالِ والجمالِ، تركَها، وفي رواية: "هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شركَتْهُ في مالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْها أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِذَمَامَتِهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ في مَالِهِ، فَيَحْبسُهَا حَتَّى تَمُوتَ، فَيَرِثُهَا"، فنهاهم اللهُ عن ذلك (١). ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: ويفتيكُم في المستضعفينَ. ﴿مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ أن تعطوهُم حقَّهم، وكانوا لا يُوَرِّثون إلا الرجالَ دون النساءِ والأطفالِ. ﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾ أي: ويُفتيكم أن تقوموا. ﴿لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ في إيتائهنَّ مهورَهُنَّ. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ يجازيكم عليه.

стр. 765

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ . [١٢٨] ونزلَ في أمرِ المرأةِ التي تكونُ ذاتَ سِنٍّ وذمامةٍ، أو نحو ذلك مما يرغِّبُ زوجَها، عنها فيذهبُ الزوجُ إلى طلاقِها، أو (١) إلى إيثارِ شابَّةٍ عليها، ونحو هذا مما يقصدُ به صلاحَ نفسِه، ولا يضرُّها هي ضِرارًا يلزمُه إياها، بل يعرضُ عليها الفُرقةَ، أو الصبرَ على الأثرةِ، فتريدُ هي بقاءَ العصمةِ، فهذه التي أباحَ اللهُ تعالى بينَهما الصلحَ، ورفع الجناحَ فيه؛ إذ الجناحُ في كلِّ صلحٍ يكونُ عن ضررٍ من الزوجِ يفعلُه حتى تصالحَهُ، وأباحَ اللهُ الصلحَ مع الخوفِ وظُهورِ علاماتِ النشوزِ والإعراضِ، وهو مع وقوعِها مباح أيضًا، فقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ (٢) توقَّعْتَ. ﴿مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ بُغْضًا. ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بوجْهِهِ وقلةِ نفقتِه والتفاتِه إليها. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾. قرأ حمزةُ، وعاصم، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يُصْلِحَا) بضمِّ الياء وكسر اللام مخفَّفًا من أصلحَ، قرأ الباقون: بفتحِ الياء وتشديدِ الصاد مع فتحها، وبعد الصاد ألفٌ بعدَها لامٌ مفتوحة (٣).

стр. 766

﴿بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ مصدرٌ (١)، واصطلاحُهما: أن يتوافَقا على ما تطيبُ بها أنفسُهما؛ بأن يتركَ أحدُهما شيئًا مما يستحقُّه على صاحبِه؛ طلبًا لصحبتِه. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفُرقةِ والنشوز. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ المعنى: إن النفوسَ قد جُبلت على الشحِّ، فهي حاضرتُه لا تفارقُه أبدًا؛ لأن كلَّ واحدٍ من الزوجين يُغَلِّبُ ما فيه راحتُه، والشحُّ: الإفراطُ في البخلِ. ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ العشرةَ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الفُرقةَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسانِ بالخصومةِ. ﴿خَبِيرًا﴾ عليمًا به، والصلحُ: هو التوفيقُ والسَّلْمُ، فيكون بين مسلمينَ وأهلِ حربٍ، وبين أهلِ بغيٍ وعدلٍ، وبين زوجين إذا خيفَ الشقاقُ بينهما، أو خافتِ امرأةٌ إعراضَ زوجِها عنها، وبين متخاصِمَيْنِ في غيرِ مالٍ، وفي مال عبارةٌ عن معاقدةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى موافقةٍ بين مختلفين، وهو عقدٌ يرفعُ النزاعَ، وأصلُه من الصَّلاحِ، وهو ضِدُّ الفسادِ، ومعناه دالٌّ على حسنِهِ الذاتيِّ، بدليلِ ما نطقَ به الكتابُ العزيزُ. واختلفَ الأئمةُ في حكمِه بينَ متخاصِمَيْنِ في مالٍ، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يصحُّ مع الإقرارِ والإنكارِ والسكوتِ، وعند مالكٍ يصحُّ مع الإنكارِ والسكوتِ، ويجوز على الافتداءِ من اليمينِ بمالٍ، وعند الشافعيِّ يصحُّ مع الإقرارِ فقط.

стр. 767

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ . [١٢٩] ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ في القَسْمِ والنفقةِ وميلِ القلبِ. ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على العدلِ، والحرصُ: شدةُ الإرادةِ. ﴿فَلَا تَمِيلُوا﴾ إلى التي تحبونها. ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾ في القسمةِ والنفقةِ باتبِّاع أهوائِكم. ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ أي: فتدَعُوا الأخرى. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ التي ليستْ أَيِّمًا، ولا ذاتَ بعلٍ، كان ﷺ يقسمُ بينَ نسائِه ويقول: "اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تلمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ" (١) يعني: حبَّهُ عائشةَ ﵂، وقال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ" (٢).

стр. 768

﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما مضى من الميلِ عنها. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجَوْرَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يغفرُ لكم ما مضى من مَيْلِكم. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ . [١٣٠] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ أي: الزوجانِ. ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ أي: كلَّ واحدٍ منهما. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ رزقِهِ؛ بأن تتزوَّجَ غيرَه، ويتزوَّجَ غيرَها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ أي: واسعَ الفضلِ. ﴿حَكِيمًا﴾ في القولِ والفعلِ. ويجبُ على الرجلِ التسويةُ في القَسْمِ والنفقةِ، ويعصي بتركِه، وعليهِ القضاءُ للمظلومةِ، ولا يلزمُ التسويةُ في الجِماع، بالاتفاق؛ لأنه يدورُ على النشاط، وليسَ ذلكَ إليه، وإذا كان في نكاحه حرةٌ وأمةٌ، قسمَ للحرةِ ليلتينِ، وللأمةِ ليلةً عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ في المشهور عنه: القسمُ بينَهما سواء، وإذا تزوَّجَ بِكْرًا وله نساءٌ سواها، أقامَ عندَها سَبْعًا، ثم دارَ، وإن كانتْ ثَيِّبًا، أقامَ ثلاثًا، وبه قالَ الأئمةُ الثلاثةُ، وقال أبو حنيفةَ: لا يفضِّلُ الجديدةَ في القسم، بل يسوِّي بينَها وبينَ مَنْ عندَه.

стр. 769

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ . [١٣١] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيهٌ على كمالِ سَعَته وقدرتِهِ. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: التوراةَ والإنجيلَ وسائرَ الكتبِ المتقدمةِ في كتبِهم. ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ يا أهلَ القرآنِ في كتابِكم. ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أطيعوه. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بما وُصِّيتُم به. ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكةِ وغيرِهم، فهم أطوعُ منكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن الخلقِ وعبادتِهم ﴿حَمِيدًا﴾ محمودًا على نِعَمِهِ. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾ . [١٣٢] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مُجيرًا، فلا تتوكَّلوا على غيرِه.

стр. 770

﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ . [١٣٣] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي: يُعْدِمْكم، تهديدٌ للكفارِ. ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يوجِدْ غيرَكم أطوعَ له منكُم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ على الإعدامِ والإيجادِ. ﴿قَدِيرًا﴾ لا يُعجزه مُرادٌ. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ . [١٣٤] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ حُطامُها. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فمَنْ أرادَ بعملِه عَرَضًا من الدنيا، آتاه اللهُ ما أراد، وليس له في الآخرة من ثوابٍ، ومن أرادَ ثوابَ الآخرةِ، آتاه اللهُ ما أحبَّ من الدنيا، وجزاؤهُ الجنةَ في الآخرة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ عالمًا بالأغراضِ، فيجازي كلًّا بحسبِ قصدِه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا

стр. 771

تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ . [١٣٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ مجتهدينَ في إقامةِ العدلِ. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ تُقيمون شهادَتَكم بالحقِّ لوجهِ الله. ﴿وَلَوْ﴾ كانتِ الشهادةُ. ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بأن تُقِرُّوا عليها. ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ولو على والدِيكم وأقارِبِكم. ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ المشهودُ له أو عليه. ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ فأقيموها، ولا تُحابُوا غنيًّا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره. اتفقَ القراءُ سوى أبي جعفرٍ على إظهارِ النونِ عندَ الغينِ والخاء نحو (مِنْ غِلٍّ) و (مِنْ خَيْرٍ) وشبهِه، وقرأ أبو جعفرٍ: بإخفاءِ النونِ عندَهما، واستثنى بعضُ أهلِ الأداءِ عنه: (إِنَ يَكُنْ غَنِيًّا) (والْمُنْخَنِقَةُ) في المائدة، (فَسَيُنْغِضُونَ) في الإسراء، فأظهرَ النونَ عنه في هذهِ الثلاثةِ، وروي عنه الإخفاءُ فيها أيضًا، والاستثناءُ أظهرُ، وعدمُه أقيسُ. ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ منكم، فكِلُوا أمرَهما إليه. ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ إرادةَ. ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق من العدولِ. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ تحرفوا الشهادةَ. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ: (تَلُوْا) بضم اللام وواو ساكنة؛ من الولاية؛ أي: تَلُوا أمرَ الناس، وقرأ الباقون: بإسكان

стр. 772

اللام، وبعدَها واوان، أولاهما مضمومة، والأخرى ساكنة، من لَوى يَلْوي: حَرَّفَ (١). ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن أدائِها فتكتُموها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم به. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ . [١٣٦] ثم خاطبَ مؤمني أهلِ الكتابِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى وعيسى ﵉. ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ ﷺ . ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ القرآنِ. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ المرادُ جنسُ الكتبِ المنزلةَ؛ أي: اثبتوا على الإيمان بذلك. قرأ ابن كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرٍو (نُزِّلَ) و (أُنْزِلَ) بضم النون في الحرف الأول، وضم الهمزة في الثاني، وكسر الزاي فيهما، وقرأ الباقون: بفتح النون والهمزة والزاي فيهما؛ أي: أنزل الله (٢)، ثم قال متهددًا:

стр. 773

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ومن يكفرْ بشيءٍ من ذلك. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن الهداية. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ عامرٍ، وخلفٌ (فَقَد ضَّلَّ) وشبهه بإدغام الدال في الضاد، والباقون: بالإظهار (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ . [١٣٧] ثم تهدَّد المتلعِّبين بالدِّين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى ﵇، وهم اليهود. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادتِهم العجلَ. ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بالتوراةِ. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعيسى ﵇. ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمدٍ ﷺ . ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما أقاموا على ذلكَ. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ.

стр. 774

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ . [١٣٨] ﴿بَشِّرِ﴾ أي: أخبرْ يا محمدُ. ﴿الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ والبشارةُ: كلُّ خبرٍ تتغيرُ به بشرةُ الوجهِ، سارًّا كانَ أو غيرَ سارٍّ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ . [١٣٩] ثم وصفَ المنافقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: اليهودَ والنصارى. ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يتخذونهم أنصارًا وبطانةً. ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يطلبونَ منهم المعونةَ والظهورَ على محمدٍ ﷺ وأصحابِه. ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ﴾ أي: القوةَ والغلبةَ والقدرةَ. ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يتعزَّزُ إلا من أَعَزَّه. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ . [١٤٠] ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأ عاصمٌ، ويعقوبُ: بفتح النون والزاي؛ أي:

стр. 775

نزلَ اللهُ، وقرأ الباقون: بضمِّ النونِ وكسرِ الزاي (١)، والكسائيُّ يُميل الزاي من (العِزَّةَ) حيثُ وقفَ على هاء التأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا معشرَ المسلمينَ. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿أَنْ﴾ أي: أنه. ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: إذا سمعتُم الكفرَ والاستهزاءَ بآيات الله. ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ أي: مع الكافرين والمستهزئين. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾ يَشْرَعوا. ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: اجتنبوهُم حينَ استهزائِهم بمحمدٍ ﷺ والقرآنِ. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ أي: إذا قعدتُم عندَهم، وسمعتُم استهزاءَهُم، ورضيتُم به، فأنتم كفار. ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأن الرضا بالكفرِ كفر. ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تهديدٌ للخائضينَ والمستمعينَ الراضين بجمعِهم في جهنَّمَ. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
следующие страницы →