﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ نزلَتْ في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ، وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النجار، ولم يظهرْ قاتلُه، فأمرَهُم رسولُ الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديتَهُ، فدفعوا إليه، ثم حملَ على مسلمٍ فقتلَه، ورجعَ إلى مكةَ مرتدًّا (١).
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ طردَهُ عن الرحمةِ.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
واختلِفَ في قبولِ توبةِ القاتلِ، فجماعةٌ على أن لا تقبلَ توبتُه، والذي عليه الجمهورُ، وهو مذهبُ أهل السنَّةِ: أنَّ قاتلَ المسلمِ عمدًا توبتُه مقبولةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولقوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢)، ويحملون الآيةَ على من قَتَلَ مؤمنًا مستحِلًا لقتله ولم يتبْ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.
стр. 737
[٩٤] ونزل في أسامةَ بنِ زيدٍ لما وُجِّهَ في سريَّةٍ، فسمعَ رجلًا يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فقتلَهُ واستاقَ غنمَهُ، ورجعَ إلى النبيِّ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ (١) سافرتُم للجهادِ.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ تأمَّلُوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) في الحرفين؛ من الثباتِ والتأَنِّي، وقرأ الباقون: [بالياء والنون من التبيُّن، وهو التأمُّلُ (٢).
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ وهو تحية الإسلام. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السَّلَمَ) بغير ألفٍ، وهو المفاداةُ، وهو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله. وقرأ الباقونَ] (٣) بالأول (٤)؛ أي: إذا رأيتم أَمارةً ظاهرةً على إسلامِ شخصٍ، فلا تقتلوه، ولا تقولوا:
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ إنما تفعلُ هذا تقيَّةَّ لحفظِ مالك ونفسِكَ. قرأ أبو جعفر بخلافٍ عنه (مُوْمِنًا) بإسكانِ الواو بغير همز (٥).
стр. 738
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منافِعَها.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غنائمُ.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تكتمون إيمانَكم من المشركين.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهدايةِ وإظهارِ الإسلام، ورُويَ أنه ﷺ قال: "أَقَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ؟ "، ووجَدَ عليه، فقالَ أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ الله، فقال: "فكيفَ بِلا إلهَ إلا الله؟ " مرارًا، قال أسامة: فوددْتُ أَني لم أكنْ أسلمتُ إلا يومَئِذٍ" (١). قرأ أبو عمرو: (كَذَلِك كنْتُمْ) بإدغام الكاف في الكاف.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنًا خطأً، كرَّرها تأكيدًا وزجرًا عن الإقدامِ على القتل.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالمًا به، فلا تُقدموا على القتلِ، واحتاطوا فيه.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ .
[٩٥] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن الجهادِ. نزلتْ في فضلِ
стр. 739
الجهادِ والحثِّ عليه، فلما سمعَ ابنُ أمِّ مكتومٍ -وكانَ أَعمى- النبيَّ ﷺ يُمليها على زيدِ بنِ ثابتٍ قال: "يا رسولَ اللهِ! لو استطعتُ الجهادَ لجاهدْتُ" فنزل:
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) أي: المرض؛ من عمًى وغيرِه. قرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: إلا أولي الضرر، وقرأ الباقون: برفع الراء على نعتِ (القاعِدون) (٢)، يريدُ: لا يستوي القاعدونَ الذين هم غيرُ أولي الضرر.
﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ من قعدَ عن الجهاد من غيرِ عذرٍ.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ للعذرِ.
﴿دَرَجَةً﴾ فضيلةً؛ لأن المجاهدَ مباشِرٌ مع النية، والقاعدَ له نيةٌ، ولكن لم يباشرْ، فنزلوا عنهم بدرجةٍ.
﴿وَكُلًّا﴾ من الفريقين.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وهي الجنةُ.
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ مطلقًا.
стр. 740
﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ بعذرٍ وغيرِه.
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: أَجَرَهم أجرًا عظيمًا.
﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ .
[٩٦] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ نصبٌ بدلٌ من ﴿أجرًا﴾.
﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على درجات.
عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فعجبَ بها أبو سعيدٍ، قال: أَعِدْها عليَّ يا رسولَ اللهِ، ففعلَ، قالَ رسول الله ﷺ : "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما (٢) عساه يفرطُ منهم.
﴿رَحِيمًا﴾ بما وعدَ لهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا
стр. 741
﴿مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ .
[٩٧] ونزلَ في أُناسٍ من مكةَ أسلموا ولم يهاجروا حينَ كانتِ الهجرةُ واجبةً، فلما خرجَ المشركونَ إلى بدرٍ، خرجوا معهم، فقُتلوا مع الكفار:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: ملكُ الموتِ وأعوانهُ.
﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بتركِ الهجرةِ وموافقةِ الكفرةِ. قرأ أبو عمرٍو: (الملائكَة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بإدغام التاء في الظاء (١)، وقرأ البزي: (إِنَّ الَّذِين توَفَّاهُمُ) بتشديد التاء حالةَ الوصل (٢).
﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ توبيخًا لهم:
﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ شيءٍ كنتُم من أمرِ دينِكم.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزينَ عن الهجرةِ.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مكةَ.
﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ؛ تكذيبًا (٣) لهم.
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ في الرزقِ.
﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطر آخرَ.
стр. 742
﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لتركِهم الواجبَ.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: بئسَ المصيرُ إلى جهنمَ.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ .
[٩٨] ثم استثنى أهلَ العذرِ منهم فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ أي: هم عاجزونَ (١) عن الهجرةِ؛ لضعفِهم وفقرِهم ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج.
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ .
[٩٩] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ و (عسى) من اللهِ واجب؛ لأنه للإطماع.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
قال ابنُ عباس ﵄: كنتُ أنا وأُمي ممَّنْ عذرَ الله (٢)؛ يعني: من المستضعفينَ، وكانَ رسولُ اللهِ يدعو لهؤلاءِ المستضعفينَ في الصلاة.
стр. 743
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ .
[١٠٠] ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾ مُتَحَوَّلًا ومُهاجَرًا.
﴿كَثِيرًا﴾ المعنى: مكانًا يتحول به على رغمِ أنفِهم، وأصلُ الرَّغْمِ: لصوقُ الأنفِ بالرّغامِ ذُلًّا، وهو الترابُ.
﴿وَسَعَةً﴾ في الرزقِ، فلما سمعَ جُنْدَعُ بنُ ضَمْرةَ هذه الآيةَ، وكان شيخًا كبيرًا، خرجَ من مكةَ محمولًا على سريرِه مهاجِرًا إلى المدينة، فماتَ في الطريقِ، فقالَ بعضُ المسلمينَ: لو وصلَ إلى المدينةِ، لكانَ أتمَّ أجرًا، وضحكَ المشركون، وقالوا: ما أدركَ هذا ما طلبَ، فنزل:
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١) قبلَ بلوغِه مُهاجَرَهُ.
﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ أي: وجبَ.
﴿أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ بإيجابِه على نفسِه فضلًا منه سبحانه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما كانَ منه في الشِّركِ.
﴿رَحِيمًا﴾ حينَ قبلَ توبتَهُ؛ فعندَ الإمامِ أحمدَ والأكثر: لا يجبُ على اللهِ شيءٌ، لا عقلًا، ولا شرعًا، وقال جمعٌ: يجبُ عليه شرعًا بفضلِه وكرمِه، وحكي عن أهل السُّنِة، وعندَ المعتزلة يجبُ علية رعايةُ الأصلحِ.
стр. 744
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ .
[١٠١] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ سافَرْتُم.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سفرًا يبيحُ القصرَ، وهو مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ بسيرِ الإبلِ ومشيِ الأقدام عند أبي حنيفةَ، ومسيرةُ يومين قاصِدَينِ، وهو ستةَ عشرَ فرسخًا أربعةُ بُرُدٍ عندَ الثلاثةِ.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ حرجٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بأن تردُّوها من أربعٍ إلى اثنتين، وذلك في الظهرِ والعصرِ والعشاءِ، وهو عزيمةٌ عندَ أبي حنيفةَ، وشدَّد فيه حتى قَال: إذا صلَّى الظهرَ أربعًا، ولم يجلسْ بعدَ الركعتين، بطلَ ظُهره، وإن قعدَ (١) في الثانية، أجزأتْهُ اثنتانِ عن الفرضِ، وركعتانِ عن النافلةِ، وقال الثلاثةُ: هو رخصةٌ، واتفقوا على أن القصرَ أفضلُ من الإتمام، وعلى أن المغربَ والصبحَ لا يقصران، واختلفوا في سفرِ المعصيةِ هل يبيحُ الرخصَ الشرعيةَ من القصرِ وغيرِه؟ (٢) فقال أبو حنيفةَ: يبيحُ، وقال الثلاثة: لا يبيحُ، وتقدَّم نظيرُ ذلك في سورة البقرة عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الآية: ١٧٣].
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: يقتلَكُم وينالَكم بما تكرهونَ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فظاهرُ الآيةِ: لا يجوزُ القصرُ إلا عندَ الخوفِ، وليسَ كذلكَ، بل الصحيحُ أن الخوفَ ليسَ بشرطٍ بالاتفاق؛ لأن النبيَّ ﷺ سافرَ
فنزلَ جبريلُ ﵇ فقالَ: يا محمدُ! إنها صلاةُ الخوفِ، وإن الله (١) يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فعلَّمه صلاةَ الخوفِ، وكان نزولُ الآيةِ بينَ الظهرِ والعصرِ (٢).
قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ ﵁: صحَّ عن النبيِّ ﷺ صلاةُ الخوفِ من خمسةِ أوجهٍ أو ستةٍ، كلُّ ذلك جائزٌ لمنْ فعلَهُ (٣)، فمنْ ذلكَ:
إذا كان العدوُّ في جهةِ القِبلَةِ، صَفَّ الإمامُ المسلمينَ خلفَه صَفَّينِ، فصلَّى بهم جميعًا إلى أن يسجدَ، فيسجدُ معه الصفُّ الذي يليه، ويحرسُ الآخَرُ حتى يقومَ الإمامُ إلى الثانيةِ، فيسجدُ ويلحقُه، فاذا سجدَ في الثانيةِ، سجدَ معه الصفُّ الذي حرسَ أولًا (٤)، وحرسَ الآخرُ حتى يجلسَ في التشهُّدِ، فيسجدُ ويلحقُه، فيتشهَّدُ ويسلِّمُ بهم، وهذهِ صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ بعسفانَ.
الوجه الثاني: إذا كانَ العدوُّ في غير جهةِ القبلةِ، جعلَ طائفةً حذاءَ العدوِّ، وطائفةً تصلِّي معه ركعةً، فإذا قاموا إلى الثانيةِ، ثبتَ قائمًا، وأتمتْ لأنفسِها أخرى، وسلمتْ ومضت إلى العدو، وجاءت الطائفةُ الأخرى
стр. 747
فصلَّت معه الركعةَ الثانيةَ، فإذا جلسَ للتشهدِ، أتمت لأنفسِها أخرى، وتشهدتْ، وسلَّم بهم.
فإن كانت الصلاةُ مغرِبًا صلَّى بالأولى ركعتين، وبالثانيةِ ركعةً، وإن كانت رباعيةً غيرَ مقصورةٍ، صلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعتين، وأتمتِ الأولى بالحمدُ لله في كلّ ركعةٍ، والأخرى تتمُّ بالحمدُ لله وسورة، وتفارقُه الأولى عندَ فراغ التشهدِ، وينتظر الإمامُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، يكررُ التشهدَ، فإذا أتتْ، قامَ، وهذه صلاةُ رسولِ الله ﷺ بذاتِ الرقاع، وهي عندَ الشافعيِّ أفضلُ من صلاتِه ببطنِ نَخْلٍ على ما يأتي، وإلى هذا الوجهِ ذهبَ مالكٌ.
الوجه الثالث: أن يصلِّي بطائفةٍ ركعةً، ثم تمضي إلى العدو، وتأتي الأخرى فيصلِّي بها ركعةً، ويسلِّم وحدَه، وتمضي هي، ثم تأتي الأولى فتتمُّ صلاتَها، ثم تأتي الأخرى فتممُّ صلاتها، وهذا الوجهُ مذهبُ أبي حنيفة.
الوجه الرابع: أن يصلي بكلِّ طائفةٍ صلاةً، ويسلِّم بها، وهذه صلاةُ رسولِ الله ﷺ ببطنِ نخلٍ.
الوجه الخامس: أن يصلي الرباعيةَ المقصورةَ تامةً، وتصلي معه كلُّ طائفة ركعتين، ولا تقضي شيئًا، فتكون له تامةً، ولهم مقصورةً.
واتفقوا على أن صلاةَ الخوفِ في الحضر أربعُ ركعاتٍ غير مقصورة، وفي السفر ركعتان إذا كانت رباعيةً، وغيرُ الرباعية على عددها، لا يختلف حكمُها حضرًا ولا سفرًا ولا خوفًا.
فإذا اشتدَّ الخوفُ، صلَّوا رجالًا وركبانًا، إلى القبلةِ وغيرها يومئون بالركوعِ والسجودِ على قدرِ الطاقةِ، ويجعلون السجودَ أخفضَ من الركوع،
стр. 748
وبذلكَ قالَ الأئمةُ الثلاثةُ، وقال أبو حنيفةَ: لا يصلي ماشيًا ولا مُسايِفًا إذا لم يمكن الوقوفُ، ووافقهم على جواز الصلاةِ راكبًا، والإيماءِ إلى أيِّ جهةٍ قدرَ.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ يا محمدُ حاضرًا في أصحابِك.
﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ تقدَّمَ مذهبُ ورشٍ في تغليظِ لامِ (الصَّلاَة).
﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ مصليةً، وطائفةٌ وِجاهَ العدوِّ.
﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ أي: غيرُ المصلين.
﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وقيل: المرادُ: المصلُّونَ والآيةُ تتناول الكلَّ، ولكنَّ سلاحَ المصلِّين ما خفَّ مما لا يشغلُه عن الصلاة.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ أي: المصلُّون معكَ.
﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مكانَ الذين هم وِجاهَ العدوِّ.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ وهمُ الذين في وجهِ العدوِّ.
﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا﴾ أي: الآتون، وقيل: المصلُّون.
﴿حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ جعلَ الحذرَ آلةً يتحصَّنُ بها الغازي مع الأسلحةِ.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يتمنى الكفارُ.
﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيقصدونَكُم، ويحملونَ عليكم حملةً واحدةً، ورَخَّصَ لهم في تركِ السلاحِ للعذر فقال:
﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ لا إثمَ.
﴿بَرِيئًا﴾ وهو نسبةُ السرقةِ لليهوديِّ.
﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ أي: تحمل.
﴿بُهْتَانًا﴾ أصلُه كلُّ ما يَبْهَتُ له الإنسانُ من ذنبٍ وغيره.
﴿وَإِثْمًا﴾ ذنبًا.
﴿مُبِينًا﴾ ظاهرًا.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ .
[١١٣] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ يا محمدُ؛ بإعلامِ ما هم عليه بالوحي.
﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: قومَ طعمةَ.
﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحقِّ، مع علمِهم بالحال.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأن وبالَ أفعالِهم راجعٌ عليهم.
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن الله يعصمُك منهم.
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ القضاءَ بالوحي.
стр. 755
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من الأحكامِ والغيبِ (١).
﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوَّةِ.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ .
[١١٤] ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ أي: تنَاجِيهم فيما يديرونه بينهم. قرأ حمزةُ: (لا خَيْرَ) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغ الإشباعَ.
﴿إِلَّا﴾ أي: إلا نجوى.
﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: حثَّ عليها إن لم يكنْ له مالٌ.
﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو كلُّ ما يستحسنُه الشرعُ، ولا ينكرُه العقلُ، وجميعُ أعمالِ البرِّ معروف.
﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ قال ﷺ : "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ؟ "، قيل: بلى، قال: "إِصْلاَح ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" (٢) الَّتِي تَحْلِقُ الدِّينَ لاَ الشَّعْرَ.
стр. 756
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المذكورَ.
﴿ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلبَ.
﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: رضاه. قرأ الكسائيُّ (مَرْضَاتِ) بالإمالة، ووقف عليها بالهاء حيثُ وقعَ (١).
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ (يُؤْتيهِ) بالياء؛ يعني: يؤتيهِ اللهُ، وقرأ الباقونَ: (نُؤْتيهِ) بالنون (٢).
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ .
[١١٥] ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ أي: يخالفِ (٣).
﴿الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد وضوحِ الدليلِ.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾ أي: طريقِ.
﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو الإسلامُ.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ نَكِلُهُ إلى ما اختارَ من الكفرِ في الدنيا. قرأ أبو عمرٍو، وأبو بكرٍ، وحمزةُ: (نُوَلِّهْ) و (نُصْلِهْ) بسكون الهاء، واختلِفَ عن
стр. 757
أبي جعفرٍ، وقرأ (١) قالونُ، ويعقوبُ: بكسر الهاء من غير صلتِها، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي جعفرٍ، والباقونَ: بصلتها بخلافٍ عن هشامٍ (٢).
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ في العُقْبى.
﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ نزلتْ في طعمةَ، وذلك أنه لما ظهرتْ عليه السرقةُ، خافَ من قطعِ اليدِ والفضيحةِ، فهربَ إلى مكةَ وارتدَّ، ونقبَ حائطًا بها ليسرقَ أهلَها، فسقطَ الحائطُ عليه فقتلَه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ .
[١١٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ بَعُدَتْ غايتُه عن كلِّ خيرٍ، فلا يُرجى له الفلاحُ.
عن ابن عباسٍ: "أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في شيخٍ من الأحزابِ جاء إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله! إني شيخٌ منهمكٌ في الذنوب، إلا أني لا أشركُ بالله شيئًا منذُ عرفتُه وآمنتُ به، ولم أتخذْ من دويه أولياءَ، ولم أواقعِ المعاصيَ جرأةً على الله، وما توهَّمْتُ طرفةَ عينٍ أَني أُعجِزُ الله هَرَبًا،
стр. 758
وإني لنادمٌ تائبٌ مستغفرٌ، فما حالي، فأنزلَ الله الآيةَ" (١).
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ .
[١١٧] ونزلَ في أهلِ مكَّةَ.
﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ أي: ما يعبدون.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله.
﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: الأوثانَ، وكانوا يسمُّونها باسمِ الإناثِ، كمناةَ واللاتِ والعُزَّى.
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ خارجًا عن الطاعةِ، وهو إبليسُ.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ .
[١١٨] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعدَه اللهُ من رحمتِه.
﴿وَقَالَ﴾ إبليسُ.
﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: حظًّا معلومًا؛ أي: طائفةً أنهم يطيعوني.
стр. 759
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ .
[١١٩] ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحقِّ.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أُلقي في أمانيّهم ركوبَ الأهواء.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطِّعُنَّ.
﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: البَحائرَ؛ لأنهم كانوا يشقُّون آذنَ الناقةِ إذا ولدَتْ خمسةَ أَبْطُنٍ، وجاء الخامسُ ذكرًا، ويحرِّمونَ الانتفاع بها.
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾ لَيبدِّلُنَّ.
﴿خَلْقَ اللَّهِ﴾ بالخِصاءِ ونتفِ اللحيةِ والوَشْم ونحوِها.
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا﴾ أي: ربًّا.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يطيعُه.
﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أي: نقصَ نفسَه، وعَيَّبَها؛ بأن أعطى الشيطانَ حقَّ اللهِ تعالى فيه، وتركَه من أجلِه.
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ .
[١٢٠] ﴿يَعِدُهُمُ﴾ ما لا ينجزُ، وهو طولُ العمرِ.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا ينالونَ من الدنيا.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا.
﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والأمانيُّ: هي ما يَتشَهَّاهُ المرءُ ويُطمِعُ نفسَه فيه؛ أي: ثوابُ الله لا يُنال بالأماني، وإنما الأمرُ بالعمل الصالح. قرأ أبو جعفرٍ: (بِأَمَانِيكُمْ وَلاَ أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ) بسكونِ الياءِ من غيرِ تشديد (١).
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ مبتدأٌ، وهو شرطٌ جوابُه:
﴿يُجْزَ بِهِ﴾ عاجِلًا أو آجلًا.
وهذه الآية عامة في حقِّ كلِّ عاملٍ، فأما مجازاةُ الكافرِ، فالنارُ، وأما المؤمنُ، فنكباتُ الدنيا، قال أبو بكر ﵁: لما نزلَتْ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قلتُ: يا رسولَ الله! ما أشدَّ هذهِ الآيةَ! فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ! أَمَا تَحْزَنُ، أَمَا تَمْرَضُ، أَمَا تُصِيبُكَ اللأْوَاءُ؟ فَهَذَا بِذلكَ" (٢).
﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ يواليه.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصُره في دفعِ العذابِ.
وفي قولِه تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: ما تَزْرَعْ تَحْصُدْ.
стр. 762
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ .
[١٢٤] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ بعضها وشيئًا منها، فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكَّن من كلِّها، وليس مكلَّفًا بها.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ، ورَوْحٌ: (يُدْخَلُونَ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الخاء، وقرأ الباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الخاء (١).
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا ينقصُ شيءٌ من ثوابِهم.
﴿نَقِيرًا﴾ هو النقطةُ التي تكونُ على ظهر النواةِ، ومنها تنبتُ النخلةُ.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ .
[١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: أحكمُ.
﴿دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلصَ عملَه لله.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحِّدٌ.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ دينَهُ.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنْ ﴿وَاتَّبَعَ﴾.
﴿فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ قرأ يعقوبُ: (فِيهُنَّ) بضمِّ الهاء.
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ويُفتيكم فيما يُتلى عليكم.
﴿فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: تعطوهُنَّ.
﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ من الصَّداقِ والميراثِ.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: عن أن تنكحوهنَّ؛ فإن أولياءَ اليتامى كانوا يرغبون فيهنَّ إنْ كُنَّ جميلاتٍ، ويأكلونَ مالهنَّ، وإن كانتْ مرغوبةً عنها في قلةِ المالِ والجمالِ، تركَها، وفي رواية: "هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شركَتْهُ في مالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْها أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِذَمَامَتِهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ في مَالِهِ، فَيَحْبسُهَا حَتَّى تَمُوتَ، فَيَرِثُهَا"، فنهاهم اللهُ عن ذلك (١).
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: ويفتيكُم في المستضعفينَ.
﴿مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ أن تعطوهُم حقَّهم، وكانوا لا يُوَرِّثون إلا الرجالَ دون النساءِ والأطفالِ.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾ أي: ويُفتيكم أن تقوموا.
﴿لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ في إيتائهنَّ مهورَهُنَّ.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ يجازيكم عليه.
стр. 765
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ .
[١٢٨] ونزلَ في أمرِ المرأةِ التي تكونُ ذاتَ سِنٍّ وذمامةٍ، أو نحو ذلك مما يرغِّبُ زوجَها، عنها فيذهبُ الزوجُ إلى طلاقِها، أو (١) إلى إيثارِ شابَّةٍ عليها، ونحو هذا مما يقصدُ به صلاحَ نفسِه، ولا يضرُّها هي ضِرارًا يلزمُه إياها، بل يعرضُ عليها الفُرقةَ، أو الصبرَ على الأثرةِ، فتريدُ هي بقاءَ العصمةِ، فهذه التي أباحَ اللهُ تعالى بينَهما الصلحَ، ورفع الجناحَ فيه؛ إذ الجناحُ في كلِّ صلحٍ يكونُ عن ضررٍ من الزوجِ يفعلُه حتى تصالحَهُ، وأباحَ اللهُ الصلحَ مع الخوفِ وظُهورِ علاماتِ النشوزِ والإعراضِ، وهو مع وقوعِها مباح أيضًا، فقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ (٢) توقَّعْتَ.
﴿مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ بُغْضًا.
﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بوجْهِهِ وقلةِ نفقتِه والتفاتِه إليها.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾. قرأ حمزةُ، وعاصم، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يُصْلِحَا) بضمِّ الياء وكسر اللام مخفَّفًا من أصلحَ، قرأ الباقون: بفتحِ الياء وتشديدِ الصاد مع فتحها، وبعد الصاد ألفٌ بعدَها لامٌ مفتوحة (٣).
стр. 766
﴿بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ مصدرٌ (١)، واصطلاحُهما: أن يتوافَقا على ما تطيبُ بها أنفسُهما؛ بأن يتركَ أحدُهما شيئًا مما يستحقُّه على صاحبِه؛ طلبًا لصحبتِه.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفُرقةِ والنشوز.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ المعنى: إن النفوسَ قد جُبلت على الشحِّ، فهي حاضرتُه لا تفارقُه أبدًا؛ لأن كلَّ واحدٍ من الزوجين يُغَلِّبُ ما فيه راحتُه، والشحُّ: الإفراطُ في البخلِ.
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ العشرةَ.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ الفُرقةَ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسانِ بالخصومةِ.
﴿خَبِيرًا﴾ عليمًا به، والصلحُ: هو التوفيقُ والسَّلْمُ، فيكون بين مسلمينَ وأهلِ حربٍ، وبين أهلِ بغيٍ وعدلٍ، وبين زوجين إذا خيفَ الشقاقُ بينهما، أو خافتِ امرأةٌ إعراضَ زوجِها عنها، وبين متخاصِمَيْنِ في غيرِ مالٍ، وفي مال عبارةٌ عن معاقدةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى موافقةٍ بين مختلفين، وهو عقدٌ يرفعُ النزاعَ، وأصلُه من الصَّلاحِ، وهو ضِدُّ الفسادِ، ومعناه دالٌّ على حسنِهِ الذاتيِّ، بدليلِ ما نطقَ به الكتابُ العزيزُ.
واختلفَ الأئمةُ في حكمِه بينَ متخاصِمَيْنِ في مالٍ، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يصحُّ مع الإقرارِ والإنكارِ والسكوتِ، وعند مالكٍ يصحُّ مع الإنكارِ والسكوتِ، ويجوز على الافتداءِ من اليمينِ بمالٍ، وعند الشافعيِّ يصحُّ مع الإقرارِ فقط.