Полный текст (3 849 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) ﴾ .
[٦٠] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أُخبرُكم.
﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتمُ (١) ؛ يعني قولهم: لا نعلَمُ دينًا شَرًّا من دينكم.
﴿مَثُوبَةً﴾ ثوابًا وجزاءً.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمثوبةُ به (٢) مختصةٌ بالخيرِ، كالعقوبة بالشرّ، فَوُضعت هاهنا موضعَها توسُّعًا، ونصبُها على التمييزِ.
﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعدَه من رحمتِه.
﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ يعني: اليهودَ، سخطَ عليهم بكفرِهم، وانهماكِهم في المعاصي بعدَ وضوحِ الآيات.
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ وهم أصحابُ السبت.
﴿وَالْخَنَازِيرَ﴾ وهم كفارُ أهلِ مائدةِ عيسى، وعن ابنِ عباس: "أَنَّ المسخينِ كلاهما من أصحابِ السبتِ، مُسخِتْ شبابُهم قردةً، ومشايخُهم خنازيرَ" (٣) . الحواشي
(١) في "ن": "ذكرتموه".(٢) "به": زيادة من "ن".(٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٩٣).стр. 877
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أطاعَ الشيطانَ. قرأ حمزةُ: (وعَبُدَ) بضمِّ الباءِ وجرِّ (الطَّاغُوتِ) إضافةً، جعلَه اسمًا على فعلٍ؛ كَعَضُدٍ، فهو بناءٌ للمبالغةِ والكثرةِ، وقرأ الباقونَ: بفتح الباءِ والتاءِ، جعلوهُ فعلًا ماضيًا، وعطفُه على فعلٍ ماضٍ وهو (غَضِبَ) و (لَعَنَ) (١) ، والمعنى عندهم: ومَنْ عبدَ الطاغوتَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الملعونونَ.
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ لأن مكانَهم النارُ.
﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن طريقِ الحقِّ، ولما نزلتْ هذه الآيةُ، قالَ المسلمونَ لهم: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ! فنكسوا رؤوسَهم افْتِضاحًا.
...
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) ﴾ .
[٦١] ونزلَ فيمَنْ كان يدخلُ على النبيِّ ﷺ ويُظهر الإيمانَ نفاقًا:
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ﴾ يعني: هؤلاءِ المنافقينَ.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بكَ وصدَّقناك.
﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أي: دخلوا وخرجوا كافرينَ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ من النفاقِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢٢).стр. 878
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) ﴾ .
[٦٢] ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعني: اليهودَ.
﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ أي: الشركِ.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلمِ.
﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ الرُشَا. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السُّحْتَ) في الحرفين بجزم الحاءِ، والباقون: بالرفع (١) .
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لبئسَ شيئًا عملوهُ.
...
﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) ﴾ .
[٦٣] ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ يعني: العلماءَ.
﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ثم وبَّخَ علماءهم في تركِهم نهيَهُمْ، فقال:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ودلَّتِ الآية على أن تارك النهيِ (٢) عن المنكَرِ كمرتكبِ المنكَرِ، فالآيةُ توبيخٌ للعلماءِ في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ. الحواشي
(١) تقدمت عند تفسير الآية(٤٢) من هذه السورة.(٢) "النهي" ساقطة من "ن".стр. 879
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) ﴾ .
[٦٤] قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللهَ قدْ بسطَ على اليهودِ حتَّى كانوا من أكثرِ الناسِ مالًا، فلمَّا عَصَوُا اللهَ في أمرِ محمدٍ ﷺ ، كَفَّ عنهم ما بَسَطَ عليهِم من السَّعةِ، فقال فنخاصُ بنُ عازوراءَ: يدُ اللهِ مغلولَةٌ، ولم ينكرِ اليهودُ عليه مقالتَهُ، وأشركوا معه، فنزلَ:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (١) أي: محبوسَةٌ عن إدرارِ الرزقِ علينا، نسبوه إلى البخلِ.
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أُمْسِكَتْ ومُنِعَتْ عن فعلِ الخير، وأجابهم تعالى: أنا الجوادُ وهمُ البخلاء، وأيديهم هي المغلولةُ.
﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ أي: أُبْعِدوا وعُذِّبوا بسببِ قولهم.
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وليسَ المرادُ حقيقةَ الجارحةِ المتركِّبَةِ؛ لأنه تعالى منزَّهٌ عن التركيبِ، وإنَّما هي صفةٌ من صفاتِ ذاتِه؛ كالسمعِ والبصرِ، قالَ جلَّ ذكرُه: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] , وقال ﷺ : "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" (٢) ، واللهُ أعلمُ بصفاته، فعلى العبادِ فيها الإيمانُ والتسليمُ، وأَنْ يُمِرُّوها كما جاءتْ بلا كيفٍ؟ الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٩٣ - ٦٩٤).(٢) رواه مسلم(١٨٢٧) ، كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.стр. 880
﴿يُنْفِقُ﴾ أي: يرزقُ.
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من التوسيعِ والتضييقِ، لا اعتراضَ عليه. قرأ أبو عمرٍو: (يَنْفِق كيْفَ) بإدغام القاف في الكاف.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: اليهودَ.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآنُ.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: كلَّما نزلَتْ آيةٌ، كفروا بها؛ لحسدِهم.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ أي: بينَ اليهودِ والنصارى، أو بينَ طوائفِ اليهودِ.
﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جعلَهم مختلفين في دينِهم، مُتباغِضين، وتقدَّمَ اختلافُ القراء في حكمِ الهمزتين من كلمتينِ في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وكذلك اختلافُهم في قوله ﴿وَالْبَغْضَاءَ إِلَى﴾.
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ أي: لحربِ النبيِّ ﷺ بإفسادِ أمرهِ.
﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ بقهرِهم ونصر نبيِّه؛ أي: كلَّما حارَبوا، غُلِبوا.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ بكفرِهم وإضلالِ غيرِهم.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا يجازيهم إلا شَرًّا.
...
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) ﴾ .
[٦٥] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ بمحمدٍ وما (١) جاءَ بهِ. الحواشي
(١) في "ت": "وبما".стр. 881
﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفرَ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التي فعلوها.
﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ولجعلناهُمْ من الدَّاخلين فيها، فيه تنبيهٌ أن الإسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، وأن الكتابيَّ لا يدخلُ الجنةَ ما لم يُسْلِمْ.
...
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) ﴾ .
[٦٦] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ عَمِلُوا بما فيهما.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: القرآنَ وجميعَ الكتب.
﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بقطرِ السماءِ.
﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ بالنباتِ، والمرادُ: سَعَةُ الرزقِ.
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ عادلةٌ، كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابُه.
﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ بئسَ شيئًا عملُهم.
...
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) ﴾ .
[٦٧] ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: جميعَ المنزلِ إليك.
стр. 882
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ ولا تخفْ إلا اللهَ، ومن خصائصِهِ ﷺ وبِرِّ اللهِ تعالى به أَنَّ اللهَ تعالى خاطبَ جميعَ الأنبياءِ بأسمِائهم، فقال: (يا آدمُ) (يا نوحُ) (يا إبراهيمُ) (يا داودُ) (يا عيسى) (يا زكريا) (يا يحيى)، ولم يخاطَبْ هو إلا (يا أيُّها الرسولُ) (يا أيها النَّبيُّ) (يا أيُّها المزمِّلُ) (يا أيها المدثِّرُ).
﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: إن لم تبلغْ مجموعَهُ.
﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ فما أَدَّيتَ شيئًا منها؛ لأن كتمانَ بعضِها يضيِّعُ ما أُدِّي منها؛ كتركِ بعض أركانِ الصلاة. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ، ويعقوبُ: (رِسَالاَتِهِ) على الجمع، والباقون: على التوحيد (١) ، ثم قالَ مشجِّعًا له:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ أي: يحفظُكَ.
﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فلا يَصِلونَ إليك بقتلٍ ولا غيرِه، ونزلت بعدَما شُجَّ وجهُه، وكُسرت رَباعِيَتُهُ، والمرادُ بالناسِ: الكفارُ؛ لقولِه بعدُ (٢) :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
عن عائشةَ ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يُحْرَسُ حتى نزلتْ هذهِ الآيةُ، فأخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ رأسَهُ من القُبّةِ وقالَ لهم: "يَا أَيُهَا النَّاسُ! انْصَرِفُوا؛ فَقَدْ عَصَمَنِي اللهُ" (٣) . الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٨).(٢) في "ت": "بعده".(٣) رواه الترمذي(٣٠٤٦) ، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المائدة، وقال: =стр. 883
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) ﴾ .
[٦٨] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الدِّينِ وما أنتم عليهِ لا اعتدادَ به، فهو كلا شيءٍ.
﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ومِنْ إقامتِها الإيمانُ بمحمدٍ ﷺ ؛ فإنَّ جميعَ الكتبِ ناطقةٌ بوجوبِ الطاعةِ لهُ.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ﴾ فلا تحزنْ.
﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ففي المؤمنين كفايةٌ عنهم.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) ﴾ .
[٦٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الحقيقةِ.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ تقدَّم تفسيرُه، واختلافُ القراءِ فيه في سورةِ البقرةِ.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ أي: ثبتَ على الإيمان.
الحواشي
(٣٢٢١) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٨).стр. 884
﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وفي الكلامِ تقديم وتأخيرٌ تقديرهٌ: إنَّ الذين آمنوا، والذين هادوا، مَنْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والصابئون والنصارى كذلك. قرأ يعقوبُ: (فَلاَ خَوْفَ) بفتحِ الفاءِ وعدمِ التنوين، والباقونَ: بالرفع والتنوين (١) .
...
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) ﴾ .
[٧٠] ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ في التوحيدِ والنبوَّةِ.
﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ليبينوا لهم أمرَ دينِهم.
﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ مما يخالفُ أهواءَهُمْ.
﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ كمحمدٍ وعيسى.
﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ يعني: قَتَلوا؛ كزكريا ويحيى.
...
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) ﴾ .
[٧١] ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ظَنُّوا أنهم لا يُعَذَّبونَ بذنوبهم. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وحمزةُ، والكسائيُّ: (تَكُونُ) برفعِ النونِ على معنى: الحواشي
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٤، ٢٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٠).стр. 885
أنه لا تكونُ، وقرأ الباقون: بالنصبِ (١) ، كما لو لم تكنْ قبلَه (لا).
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عن الحقِّ بعبادةِ العجلِ.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قَبِلَ توبتَهم حينَ تابوا.
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بسؤالِ الرؤيةِ، المعنى: رَماهُم اللهُ بالعمى والصَّمَمِ.
﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فمُجازيهم (٢) وَفْقَ أعمالِهم.
...
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) ﴾ .
[٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يعني: الملكائيةَ واليعقوبيةَ منهم.
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: إني عبدٌ مربوبٌ مثلُكم.
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ في عبادتِه. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣١).(٢) في "ن": "فيجازيهم".стр. 886
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ يُمْنَعُ من دخولها.
﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ فإنها المعدَّةُ للمشركين.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَنصرونهم من النارِ.
...
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) ﴾ .
[٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ﴾ أي: أحدُ.
﴿ثَلَاثَةٍ﴾ يعني: المرقوسيةَ؛ لأنهم يقولون: الإلهيةُ مشتركةٌ بينَ اللهِ ومريمَ وعيسى، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء إلهٌ، فهم ثلاثةٌ، ومن قالَ: إن الله ثالثُ ثلاثةٍ، ولم يردِ الآلهةَ (١) ، لم يكفرْ؛ لقولي تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، ولقولِه ﷺ لأَبي بكرٍ: "مَا ظَنُّكَ بِاثنيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟ " (٢) ، ثم قالَ ردًّا عليهم:
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما في الموجوداتِ إلَّا إلهٌ واحدٌ متعالٍ عن الشركَةِ، و (مِنْ) مزيدةٌ للاستغراقِ.
﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ولم يوحِّدوا. الحواشي
(١) في "ن": "الإلهية".(٢) رواه البخاري(٣٤٥٣) ، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، ومسلم(٢٣٨١) ، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، عن أبي بكر ﵁.стр. 887
﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) ﴾ أي: ليمسَّنَّ الذين بَقُوا منهم على الكفرِ.
...
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) ﴾
[٧٤] ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أي: ألا يتوبونَ بالانتهاءِ عن تلكَ العقائدِ، ويستغفرونَ بالتوحيدِ والتنزيهِ.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفرُ لهم إنْ تابوا.
...
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) ﴾ .
[٧٥] ثم نَفَى عن عيسى الألوهيةَ، وأثبت لهُ ولأمهِ البشريةَ بقولِه:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضتْ.
﴿مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فهو رسولٌ من جنسِ الرسلِ الماضين، يموتُ ويمضي، ولو كانَ إلهًا، لكانَ دائمًا.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ كثيرةُ الصِّدْقِ.
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إليه كالآدميينَ، ومَنْ هذهِ صفتهُ، كيفَ يكونُ إلهًا؟! ثم عجبَ من كفرِهم معَ قيامِ البرهانِ على بشريَّتِهما فقالَ:
стр. 888
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: الدَّلالاتِ على ذلك، ثم عجبَ ثانيًا من تركِهمُ الإيمانَ معَ وضوحِ الدليلِ، فجاءَ بـ (ثم) للتراخي بينَ العجبينِ فقال:
﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيفَ يُصْرَفون عن الحقِّ، وتقدَّم في سورةِ آلِ عمران أنَّ (ثُمَّ) للترتيبِ بمهلَةٍ.
...
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) ﴾ .
[٧٦] ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هو عيسى وكلّ معبودٍ غيرِ اللهِ.
﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يملكُ الضرَّ والنفعَ، فهو الإلهُ على الحقيقةِ.
...
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) ﴾ .
[٧٧] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ تتجاوَزُوا.
﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ والغلوُّ والتقصيرُ كلٌّ منهما مذمومٌ في الدين.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ والأهواءُ جمع الهوى، وهو ما تدعو إليه شهوةُ النفسِ.
стр. 889
﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: أسلافَهم وأئمتَهم الذين ضَلُّوا قبلَ مبعثِ محمدٍ ﷺ في شريعتِهم، والخطابُ للدَّين كانوا في عصرِ النبيِّ ﷺ .
﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من أصحابِهم.
﴿وَضَلُّوا﴾ ثانيًا لما بُعِثَ النبيُّ ﷺ .
﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن قصدِ طريقِ محمدٍ ﷺ .
...
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) ﴾ .
[٧٨] ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ يعني: أهلَ أيلةَ، لعنَهم داودُ، فَمُسخوا قردةً، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِهم في البقرةِ.
﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: وعلى لسانِ عيسى؛ يعني: كفارَ أصحابِ المائدةِ، لعنَهم عيسى، فَمُسخوا خَنازير، ويأتي ذكرُ قصتِهم أواخرَ السورة.
﴿ذَلِكَ﴾ المسخُ.
﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: بسببِ اعتدائِهم بما حرَّمَ اللهُ.
...
﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) ﴾ .
[٧٩] ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أي: لا ينهى بعضُهم بعضًا.
стр. 890
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ذَمٌّ لتركِهم النهيَ.
...
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) ﴾ .
[٨٠] ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ من اليهودِ: كعبِ بنِ الأشرفِ وأتباعِه.
﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركي مكةَ يستمدُّونَهم على النبيِّ ﷺ .
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: لبئس شيئًا قدَّموه لمعادِهِم.
﴿أَنْ سَخِطَ﴾ أي: غضبَ.
﴿اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ.
...
﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) ﴾ .
[٨١] ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ محمدٍ ﷺ .
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ يعني: الكفارَ.
﴿أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجونَ عن أمرِ الله تعالى.
...
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) ﴾.
стр. 891
[٨٢] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني: مشركي العرب؛ لشدةِ شَكيمتِهم وتضاعُفِ كفرِهم.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ لِلِينِ جانبِهم، وقلَّةِ حرصِهم على الدنيا، وليسَ المرادُ جميعَ النصارى، بلْ مَنْ أسلمَ؛ كالنجاشيِّ وأصحابِه لما قدمَ عليهم المسلمونَ في الهجرةِ الأولى في السُّنةِ الخامسةِ من مبعَثِ رسولِ الله ﷺ ، واسمُ النجاشيِّ أَصْحَمَةُ، ومعناهُ بالعربيِّ عَطِيَّةُ، وإنما النجاشي اسمُ الملكِ؛ كقولهم: قيصرَ، وكسرى.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: قربُ المودة.
﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ علماءَ.
﴿وَرُهْبَانًا﴾ عُبَّادًا.
﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتعظَّمون عن الإيمان.
...
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) ﴾ .
[٨٣] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ محمدٍ ﷺ .
﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ والمرادُ: وفدُ النجاشيِّ إلى النبيِّ ﷺ ، لما سمعوا القرآنَ، رَقَّتْ قلوبُهم، وفاضَتْ عيونُهم بالدمعِ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ المقرِّينَ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ .
***
стр. 892
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) ﴾ .
[٨٤] ولما عَيَّرهم اليهودُ بالإيمانِ، قالوا منكِرينَ على أنفسِهم تركَ الإيمانِ بعدَ (١) قيامِ البرهانِ:
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وحدَهُ.
﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في أمةِ محمدٍ ﷺ .
...
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) ﴾ .
[٨٥] ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) ﴾ الذين أحسنوا النظرَ والعملَ.
...
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) ﴾ .
[٨٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وهي النارُ الشديدةُ الاتِّقادِ.
... стр. 893
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) ﴾ [ ٨٧] ونزلَ نهيًا لجماعةٍ من الصحابةِ ﵃ أجمعين- حينَ حلفوا أن يترَهَّبُوا، ويَلْبَسوا المُسُوحَ، ويقوموا الليلَ، ويصوموا النهارَ، ويَجُبُّوا مذاكيرَهم، وهم: أبو بكرٍ الصدّيقُ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وأبو ذَرٍّ الغفاريُّ، وسالمٌ مولَى [أبي] (١) حذيفةَ، والمقدادُ بنُ الأسودِ، وسلمانُ الفارسيُّ، ومعقلُ بنُ مقرنٍ، وعثمانُ بنُ مظعونٍ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) من اللذاتِ التي تشتهيها النفوسُ مما أحلَّ اللهُ.
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ لا تتجاوزوا الحلالَ إلى الحرامِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
قالَ ﷺ : "إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتي الصِّيَامُ، وَإِنَّ سِيَاحَتَهُمُ الْجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ، وَإِنَّ رَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ" (٣) .
... الحواشي
(١) لم ترد في جميع النسخ، والصواب إثباتها.(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٠٤ - ٧٠٥).(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (ص: ٢٩٠)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٧٠)، وفي "تفسيره" (١/ ٧٠٥)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢١/ ٢٢٦)، عن عثمان بن مظعون ﵁.стр. 894
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) ﴾ .
[٨٨] ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ حثٌّ على استعمالِ الحلالِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ عن عائشةَ ﵂ قالَتْ: "كان النبي ﷺ يُحِبَّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ" (١) .
...
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) ﴾ .
[٨٩] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ كائِنًا.
﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه واختلافُ الأئمةِ فيه في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ نظيرِ هذهِ الآيةِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٥١١٥) ، كتاب: الأطعمة، باب: الحلواء والعسل، ومسلم(١٤٧٤) ، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينوِ الطلاق. وانظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٠٧)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٤).стр. 895
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ: (عَقَدْتُمْ) بالقصرِ والتخفيفِ، ورواهُ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ كذلك، إلا أنه بألفٍ بعدَ العين، وقرأ الباقونَ: بالتشديد من غير ألفٍ، وعقدُ اليمينِ: توثيقُها باللَّفظِ معَ العزمِ عليها. المعنى: إنَّما يؤاخِذُكم بيمينِكم إذا حنثتُمْ فيها.
﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي: سترُ الحنثِ.
﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
واختلفوا في قدرِ الكفارة وحكمِها:
فقال أبو حنيفةَ: نصفُ صاعِ بُرٍّ لكلِّ مسكينٍ، أو صاع من شعيرٍ أو تمرٍ أو زبيبٍ، أو قيمةُ ذلكَ، والصاعُ ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقيِّ.
وقال أبو يوسف: خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ، أو يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم، ولا بدَّ من شِبَعِهم (١) في الأكلتينِ، ويجوزُ عنلَه صرفُها إلى العبدِ والذميِّ، ولا يجوزُ عندَه التكفيرُ قبلَ الحنثِ.
وقال مالكٌ: لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من حنطَةٍ أو غيرِها مِمَّا هو قوتٌ لهم بالمدِّ الأصغرِ بمدِّ النبيِّ ﷺ إذا أخرجَ الكفارةَ بالمدينة، وفي بقيةِ الأمصارِ وسطٌ منَ الشبع، وهو رِطْلانِ بالبغداديِّ من الخبز، وشيءٌ من الإدامِ.
وقالَ الشافعيُّ: لكلِّ مسكينٍ مُدُّ حَبٍّ من غالبِ قوتِ بلدِه.
وقالَ أحمدُ: لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من بُرٍّ، أو مُدَّانِ من شعيرٍ أو تمرٍ أو الحواشي
(١) "ولا بد من شبعهم" ساقطة من "ن".стр. 896
زببيبٍ (١) ، وقدرُ المدِّ رطلٌ وثلثٌ عراقيٌّ، ورطلٌ وسبعُ رطلٍ وثلثُ سبعِ رطلٍ مصريٍّ، وثلاثُ أواقٍ وثلاثةُ أسباعِ أوقيةٍ دمشقيةٍ، وأوقيتانِ وستةُ أسباعِ أوقيةٍ حلبيةٍ، وأوقيتانِ وأربعةُ أسباعِ أوقيةٍ قدسيةٍ، ومئةٌ وواحدٌ وسبعونَ درهمًا وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ ومئةٌ وعشرونَ مثقالًا، ويأتي ذكرُ الصاعِ في سورةِ التوبةِ عندَ ذكرِ الزكاة إن شاء الله تعالى.
واتفق مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ على عدمِ جوازِ صرفها إلى رقيقٍ وذميٍّ، وعلى عدمِ جوازِ إخراجِ القيمةِ وغداء المساكينَ وعشائهم، وعلى أنه يجوز التكفيرُ قبلَ الحنثِ وبعدَه.
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ خيرِ قوتِ عيالِكم.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فعندَ أبي حنيفةَ المقصودُ منها ردُّ العُرْيِ، فكلُّ ثوبٍ يصيرُ به مُكْتَسِيًا يسمَّى كسوةً، وعندَ مالكٍ إن كانوا رجالًا، ثوبًا ثوبًا، وإن كُنَّ نساءً، فثوبين ثوبين، درعًا وخمارًا لكلِّ امرأةٍ منهنَّ، وعندَ الشافعيِّ ما يُسَمَّى كسوةً؛ كقميصٍ، أو عِمامةٍ، أو إزارِ، وعندَ أحمدَ للرجلِ ثوبٌ يجزئُه أن يصلِّيَ فيه، وللمرأةِ درعٌ وخمارٌ.
واختلفوا فيما إذا أطعمَ خمسةً وكسا خمسةً، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يجزئُه، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يجزئُه.
وكذلكَ اختلافُهم فيما إذا أطعمَ من جنسينِ، فأطعمَ خمسةً بُرًّا، وخمسةً تمرًا، أو خمسةً برًّا، وخمسة شعيرًا.
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ سليمةٍ من كلِّ عيبٍ يَضُرُّ بالعملِ ضررًا بَيِّنًا بالاتفاق، الحواشي
(١) من قوله: "القربة وأصل الوسيلة ... " في الآية(٣٥) من هذه السورة، (ص: ٢٩١) إلى هنا سقط من (ش)، وهو بمقدار(٨) لوحات من النسخ الخطية الأخرى.стр. 897
والأئمةُ الثلاثةُ يشترطونَ الإيمانَ في عتقِ الرقبةِ قياسًا على كفارةِ القتلِ، وأبو حنيفةَ جَوَّزَ عتقَ الرقبةِ الكافرةِ في جميعِ الكفاراتِ سوى كفارةِ القتلِ، فالحانثُ مخيَّرٌ بينَ الإطعامِ والكسوةِ والتحريرِ بالاتفاق إنْ وجدَ ما يفضُلُ عن قوته وقوتِ عيالِه.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدًا منها.
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ متتابعاتٍ عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ، وقالَ مالكٌ والشافعيُّ في الأظهر: لا يجبُ التتابعُ.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ.
﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وحَنِثْتُمْ.
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ فلا تنكُثوها إن لم تكن على تركِ مندوبٍ أو فعلِ مكروهٍ، فإن كانتْ على شيءٍ منها، فالأولى الحنثُ، قال ﷺ لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: "لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١) .
وقالَ ﷺ : "إِنِّي وَاللهِ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتيتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَتَحَلَّلْتهَا" (٢) ، وقولُه: "تَحَلَّلْتُهَا" من التحلُّلِ، وهو الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٢٤٨) ، في أول كتاب: الأيمان والنذور، ومسلم(١٦٥٢) ، كتاب: الإيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها ... ، عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁.(٢) رواه البخاري(٢٩٦٤) ، كتاب: أبواب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم(١٦٤٩) ، كتاب: الأيمان، باب: ندب من =стр. 898
التخلُّصُ من عُهْدةِ اليمينِ، والخروجُ من حرمتِها إلى ما يحلُّ منها بالكفارةِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلكَ البيانِ.
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أعلامَ شرائِعِه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ التعليم.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) ﴾ .
[٩٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ جمعُ نُصُبٍ.
﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ تقدَّمَ تفسيرُ الخمرِ والميسرِ في سورةِ البقرةِ، وتقدَّمَ في صدرِ هذهِ السورةِ تفسيرُ الأنصابِ والأزلامِ.
﴿رِجْسٌ﴾ خبيثٌ.
﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ من تَزْيينِهِ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضميرُ للرِّجْسِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لكي تُفْلِحوا بالاجتنابِ عنه.
...
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾.
الحواشي
(١) = حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها ... ، عن أبي موسى الأشعري ﵁.стр. 899
[٩١] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: بسببِهما، أمَّا العداوةُ في الخمرِ لأنَّ الشارِبينَ إذا سَكِروا، عَرْبَدُوا وتَشاجَرُوا كما فعلَ الأنصاريُّ الذي شجَّ رأسَ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِه في سورةِ البقرةِ، وأما العداوةُ في الميسرِ، قالَ قَتادةُ: كانَ الرجلُ يُقامِرُ على الأهلِ والمالِ، ثمَّ يبقى حزينًا مسلوبَ الأهلِ والمالِ.
﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ واختصاصُ الصلاةِ من بينِ الذكر، كأنه قيلَ: وعن الصلاةِ خصوصًا.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ استفهامٌ، ومعناهُ الأمرُ.
...
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) ﴾ .
[٩٢] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ المحارمَ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ في تحريمِ ما أمرَ بتحريمِه، وعلى المرسِلِ أن يعاقبَ ويُثيبَ بحسبِ ما يُعْصى ويُطاع، قال ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ" (١) .
... الحواشي
(١) رواه البخاري(٥٣٥٣) ، في أول كتاب: الأشربة، ومسلم(٢٠٠٣) ، كتاب: الأشربة، باب: عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها في الآخرة، عن ابن عمر ﵄.стр. 900
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) ﴾ .
[٩٣] ونزلَ فيمن استعملَ شيئًا من الخمرِ والميسرِ من المؤمنينَ قبلَ التحريمِ:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أكلوا من مالِ القمارِ، وشربوا من الخمرِ قبلَ التحريم. قرأ أبو عمرٍو: (الصَّالِحَات جنَاحٌ) بإدغامِ التاءِ في الجيمِ (١) .
﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشركَ ﴿وَآمَنُوا﴾ ثبتوا على الإيمانِ.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمرَ والميسرَ بعدَ التحريمِ.
﴿وَآمَنُوا﴾ ازدادوا إيمانًا.
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ محارمَ اللهِ تعالى، وكررَ الاتقاءَ تأكيدًا.
﴿وَأَحْسَنُوا﴾ طاعةَ اللهِ تعالى.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فلا يؤاخذُهم بشيء.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٦).стр. 901
[٩٤] ولما كانوا محرِمينَ عامَ الحُدَيبيةِ، ابتلاهُمُ اللهُ بالصيدِ، وكانتِ الوحوشُ تَغْشاهم في رحالِهم بحيثُ تمكَّنُوا من صيدِها أَخْذًا بأَيديهِم، وطَعْنًا برماحِهم وهُم مُحْرِمونَ، فنزلَتْ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ (١) ليختبرنَّكُمْ ليظهرَ المطيعُ من العاصي.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إنما خصَّ فقالَ: ﴿بِشَيْءٍ﴾ لأنهُ ابتلاهمُ اللهُ بصيدِ البرِّ خاصَّةٍ.
﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: الفرخَ والبيضَ وما لا يقدرُ أن يفرَّ. قرأ أبو عمرٍو: (مِنَ الصَّيْد تنَالُهُ) بإدغامِ الدالِ في التاء (٢) .
﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ تنالُ كبارَهُ.
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ ليتميزَ الخائفُ من عقابِه باجتنابِ الصيدِ ممَّنْ لا يخافُهُ؛ لضعفِ قلبِه، وقلةِ إيمانِه.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بصيدِه بعدَ التحريم.
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالوعيدُ لاحقٌ بهِ.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧١١).(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٦).стр. 902
مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) ﴾ .
[٩٥] ونزلَ في رجل يُقالُ له: أبو اليَسَرِ شدَّ على حمارٍ وحشيٍّ وهو محرِمٌ فقتلَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) جمعُ حَرامٍ؛ أي: محرِمونَ بالحجِّ وبالعمرةِ.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ والمتعمدُ: القاصدُ للشيءِ مع العلمِ بالإحرامِ، والمخطيءُ: هو الذي يقصدُ شيئًا فيصيبُ صيدًا، والناسي: هو الذي يتعمَّدُ الصيدَ ولا يذكرُ إحرامَهُ، فيجبُ الجزاءُ في العمدِ والخطأِ والنسيانِ بالاتفاق، وعن أحمدَ روايةٌ: لا شيءَ على المخطئ والناسي؛ لأن اللهَ سبحانه لما خَصَّ المتعمِّدَ بالذكرِ، دلَّ على أنَّ غيرَه يخالفُه، قالَ: والأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ، فمنِ ادَّعى شغلَها، فعليهِ الدليلُ، والصحيحُ من مذهبه: وجُوبُ الجزاءِ.
﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (فَجَزَاءٌ) منوَّن (مِثْلُ) رَفْعٌ على البدل من الجزاء، وقرأ الباقون بالإضافة (٢) ؛ أي: يجبُ عليه ما يقرُبُ من الصيدِ المقتولِ شَبَهًا بهِ من حيثُ الخلقةُ، والذي يُجزئ من الصيدِ شيئانِ: دوابٌ، وطيرٌ، فيجزئ ما كانَ الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧١٢).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧١٢ - ٧١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٧).стр. 903
من الدوابِّ بنظيرِه في الخِلْقةِ والصورةِ عندَ الثلاثةِ، وقالَ أبو حنيفةَ: إنما يعتبرُ بالمثلِ في القيمةِ دونَ الخِلْقَةِ، فَيُقَوَّمُ الصيدُ بدراهمَ في المكانِ الذي قتلَه، وفي أقربِ موضعٍ إليه إنْ كانَ لا يباعُ الصيدُ في موضعِ قُتِلَ، فيشتري بتلكَ القيمةِ هَدْيًا يذبُحه إن شاءَ، أو يشتري بها طعامًا، ويُطعم للمساكينِ، كُلُّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعًا من شعيرٍ أو تمرٍ، وإن شاءَ صامَ عن كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.
وقال مالكٍ: في النَّعامَةِ بَدَنةٌ، وفي بقرِ الوحشِ وحمارِه بقرةٌ، وفي الضَّبُعِ والثعلبِ شاةٌ، وفي نحوِ الضَّبِّ والأرنبِ القيمةُ طعامًا، وفي الحمامِ كُلِّه قيمتُه، إلا حمامَ مكةَ، فإنَّ فيه شاةً اتباعًا للسلف في ذلكَ.
وقالَ الشافعيُّ: في النَّعامةِ وبقرِ الوحشِ وحمارِه كقولِ مالكٍ، وفي الغزالِ عَنْزٌ، وفي الأرنبِ عَناقٌ، واليربوعِ جَفْرَةٌ، وما لا نقلَ فيه يحكمُ بمثلِه عَدْلان، وفيما لا مثلَ لهُ القيمةُ.
وقال أحمدُ في النعامة كقولِ مالكٍ والشافعيِّ، وفي حمارِ الوحشِ وبقرِه والأَيَّلِ والثَّيْتَلِ والوعِلِ بقرةٌ، وفي الضبع كبشٌ، وفي الغزالِ شاةٌ، وفي الوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، وفي اليربوعِ جفرةٌ لها أربعةُ أشهرٍ، وفي الأرنبِ عناقٌ، وفي الحمامِ شاةٌ، وفيما لا مثلَ له وهي سائرُ الطير قيمتُه. واتفق مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ على أنه مخيَّرٌ في الصيدِ المِثْلِيِّ بينَ ذبحِ مثلِه، والصدقةِ به على مساكينِ الحرمِ، أو بينَ أن يقوَّمَ المثلُ ويَشتري به طعامًا، فيطعمَ كلَّ مسكينٍ مُدًّا، أو يصومَ عن كلِّ مدٍّ يومًا.
واختلفوا في المحرِمِ إذا دلَّ حلالًا على صيدٍ فقتلَهُ الحلالُ، فقال مالكٌ والشافعيُّ: لا شيءَ عليه، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: عليه الجزاءُ.
стр. 904
﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بالجزاءِ.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: عدلانِ من المسلمينَ، فينظرانِ أشبهَ الأشياءِ إلى المقتولِ، فيحكمان به، ويجوزُ أن يكونَ القاتلُ أحدَ العدلينِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا يجوز.
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: يبلغُ بالهديِ الحرمَ، فَيُنْحَرُ فيه، ويُتصدُّقُ به على مساكينِه عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ يُذبحُ بالحرمِ، ويُتصدَّقُ به حيثُ شاءَ، والاختيارُ عندَ مالكٍ أن يطعمَ القاتلُ حيثُ وجبَ الجزاءُ عليه، فإِن أطعمَ في مكانٍ غيرِه، أجزأَ عنه.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ أي: هي طعام. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ: (كَفَّارَةُ) بغير تنوين (طَعَامٍ) بالخفضِ على الإضافة، والباقون: بالتنوين، ورفعِ (طعام) (١) .
﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أو ما ساواه من الصوم، والعَدْل بالفتح: المثلُ من غيرِ جنسِه، والمراد: أن الجانيَ مخيرٌ في جزاءِ الصيدِ بينَ ذبحِ المثلِ من النَّعَمِ، والتصدُّقِ بلحمه، وبينَ أن يقوَّمَ المثلُ دراهمَ يشتري بها طعامًا، فيتصدقُ به، أو يصومُ كما تقدَّمَ ذكرُه قريبًا في فقهِ الآيةِ، وله أن يصومَ حيثُ شاءَ بالاتفاق؛ لأنه لا نفعَ فيه للمساكين.
﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ جزاءَ معصيته، وأصلُ الوبالِ: الثقلُ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبلَ تحريمِ الصيدِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٨).стр. 905
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى ما نُهي عنه.
﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ في الآخرةِ.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ مِمَّنْ أصرَّ على عصيانِه.
...
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) ﴾ .
[٩٦] ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ كلُّ ما صِيدَ منه، والمراد بالبحرِ، جميعُ المياهِ.
﴿وَطَعَامُهُ﴾ المأكولُ منهُ.
﴿مَتَاعًا﴾ أي: تمتيعًا.
﴿لَكُمْ﴾ بأنْ تأكلوه طَرِيًّا.
﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المارَّةِ؛ بأنْ يتزوَّدوهُ لأسفارِهِمْ، فكلُّ ما صِيدَ من البحرِ مما لا يعيشُ إلا في الماءِ حلالٌ عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في البحرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١) ، ويحرمُ عندَ الشافعيِّ ما يعيشُ في برٍّ وبحرٍ؛ كضِفْدِعٍ، وسَرَطانٍ، وحيَّةٍ، ويحرمُ عندَ أحمدَ الضفدعُ، والحيَّةُ، والتمساحُ، ومالكٌ أباحَ جميعَهُ سواءٌ كانَ مِما له شبهٌ في الحواشي
(١) رواه أبو داود(٨٣) ، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، والنسائي(٥٩) ، كتاب: الطهارة، باب: ماء البحر، والترمذي(٦٩) ، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه(٣٨٦) ، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، عن أبي هريرة ﵁.стр. 906
البرِّ، أو مما لا شبهَ لهُ، من غيرِ احتياجٍ إلى ذَكاةٍ، وسواءٌ تلفَ بنفسِه، أو بسبٍ، وتَوَقَّفَ في خنزيرِ الماءِ فقط، وقالَ أبو حنيفة ﵁: لا يحلُّ مما في البحرِ إلَّا السمكُ.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ صيدُ البحرِ حلالٌ للمحرِم كغيرِه بالاتفاق، وأما صيدُ البرِّ، فحرامٌ على المحرِمِ، ويحرُمُ في الحرَمِ مطلَقًا بالاتفاق، والصيدُ: هو الحيوانُ الوحشيُّ الذي يحلُّ أكلُه، فلا يجوزُ للمحرِمِ أن يأكلَ مما صادَهُ، بالاتفاقِ، واختلفوا فيما اصطادَهُ الحلالُ لأجلِه، فقالَ الثلاثةُ: لا يجوزُ للمحرِم أكلُه، سواءٌ صِيدَ بعلمِهِ، أو بغيرِ علمِه، وقالَ أبو حنيفةَ: يجوزُ لهُ أكلُ ما صِيدَ له إِذا لم يكنْ قَدْ دَلَّ عليهِ، وأما إذا لم يُصَدْ لهُ، ولا من أجلِه، فيجوزُ أكلُه، بالاتفاقِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تشديدٌ وتنبيهٌ عقبَ هذا التحليلِ والتحريمِ.
...
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) ﴾ .
[٩٧] ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ سميت كعبةً؛ لتربيِعها، والعربُ تسمِّي كلَّ بيتٍ مربعٍ كعبةٍ. قرأ الكسائيُّ: (الكَعْبَةَ) بإمالة الباء حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيث.
﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (قِيَمًا) بغيرِ ألفٍ بعدَ الياء، والباقون:
стр. 907
بالألف؛ أي: قوامًا لهم في أمرِ دينهِم ودنياهم (١) .
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: الأشهرَ الحرمَ، وهي: ذو القعدةِ, وذو الحجَّةِ والمحرَّمُ، ورجبٌ.
﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ تقدَّم تفسيرُهما في أولِ السورةِ.
﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرأ أبو عمرٍو: (وَالْقَلاَئِد ذَّلِكَ) بإدغامِ الدالِ في الذال في هذا الحرفِ لا غيرُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من مصالِحِكم، وجميعِ الوجودِ.
﴿عَلِيمٌ﴾ فتتقونَهُ.
...
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ﴾ .
[٩٨] ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عَصاهُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن أَطاعَهُ.
...
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) ﴾ .
[٩٩] ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ التبليغُ، ليسَ له الهدايةُ والتوفيقُ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: تظهرونَهُ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٩).стр. 908
﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: تسُرُّونَ وتُخفونَ من كفرٍ ونفاقٍ.
...
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) ﴾ .
[١٠٠] ونزل نهيًا للمسلمين عن الإيقاعِ بحجاجِ المشركينَ، وتقدمتِ القصةُ في أولِ السورةِ:
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ أي: الحرامُ والحلالُ.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ فإنَّ المحمودَ القليلَ خيرٌ من المذمومِ الكثيرِ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تتعرَّضُوا للحجَّاجِ، وإنْ كانوا مشركينَ.
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ راجينَ أن تبلُغوا الفلاحَ.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) ﴾ .
[١٠١] ونزلَ تأديبًا للمؤمنينَ لما أكثروا على النبيِّ ﷺ السؤالَ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: تظهرْ لكم، وتقدَّمَ التنبيهُ على اختلافِ القرَّاء في حكمِ الهمزتين من كلمتينِ عندَ قولِه: (وَالْبَغْضَاءَ إِلى)، وكذلكَ اختلافهم في (أَشْيَاءَ إِنْ).
стр. 909
﴿تَسُؤْكُمْ﴾ إن أُمِرْتُم بالعملِ بها.
﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ أي: التكاليفِ الضيقةِ.
﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ أي: زمنَ الوحيِ.
﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: تلكَ التكاليفُ التي تسؤكم، وتُؤْمروا بتحمُّلها.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: ما سَلَفَ من مسائِلِكم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكُم بعقوبةِ ما يفرطُ منكُم.
...
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) ﴾ .
[١٠٢] ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ الضميرُ للمسألة التي دلَّ عليها: (تسألوا).
﴿قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كما سألَتْ ثمودُ صالحًا الناقةَ، وسألَ قومُ عيسى المائدة.
﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ فأُهلكوا. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ: (قَد سأَلهَا) بإدغام الدالِ في السين، والباقون: بالإظهار (١) .
...
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) ﴾ .
[١٠٣] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾ أي: ما شَرَعَ. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٠).стр. 910
﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ كانَ في الجاهليةِ إذا ولدَتِ الناقةُ خمسةَ أَبْطُنٍ، بَحَرُوا أُذُنَها؛ أي: شَقُّوها، وترُكَتْ، فلا تُركبُ، ولا تُحلبُ.
﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ البعيرِ يُسَيَّبُ بِنَذْرٍ يكونُ على الرجلِ، فيكونُ بمنزلةِ البَحيرةِ.
﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ الشاةُ إذا ولدَتْ ذكرًا، كانَ لآلهتِهم، وإن ولدَتْ أنثى، فهي لهم، فإن ولدَتْ ذكرًا وأنثى، قالوا: وَصَلَتْ أَخاها، فلم تُذْبح للآلهة.
﴿وَلَا حَامٍ﴾ هو من رُكِبَ ولدُ ولدِه منَ البعيرِ، يقال: حَمَى ظهرَهُ، فلا يُركبُ. فمعنى الآية: الردُّ والإِنكار لما ابتدعَهُ أهلُ الجاهلية. رُوِيَ عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياءِ على (حَامِي) (١) .
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتحريمِهم ما حَرَّموا.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبةِ ذلكَ إليهِ.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الحلالَ من الحرامِ، لكنَّهم يقلِّدونَ كبارَهم.
...
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) ﴾ .
[١٠٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ في تحليلِ الحرثِ والأنعامِ، وبيانِ الشرائعِ والأحكامِ. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤١).стр. 911
﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ المعنى: إذا دُعِيَ الكفارُ إلى الإيمانِ، قالوا: كافِينا دينُ آبائِنا.
﴿أَوَلَوْ﴾ واوُ الحالِ دخلَتْ عليها همزةُ الإنكارِ، وتقديرُه: أَحَسْبُهُمْ دينُ آبائِهِمْ ولو.
﴿كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ من التوحيد.
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه. المعنى: لا يجوزُ الاقتداء إلا بالعالمِ المهتدي.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) ﴾ .
[١٠٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: الزموا صلاحَ أنفسِكم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وليسَتْ هذهِ الآيةُ نازلةً في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ؛ لما رُوي أن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "إِنَّ النَاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعَذَابِهِ" (١) ، وعنِ ابنِ مسعودِ في هذهِ الآية: "مُرُوا بالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ مَا قُبِلَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ" (٢) . الحواشي
(١) رواه أبو داود(٤٣٣٨) ، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والترمذي(٢١٦٨) ، كتاب: الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، وقال: صحيح، وابن ماجه(٤٠٠٥) ، كتاب: الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٢٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(٧٥٥٢) .стр. 912
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ جميعًا، الضالُّ والمهتدي.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وتنبيهٌ على أن أحدًا لا يؤاخَذُ بذنبِ غيرِه.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) ﴾ .
[١٠٦] ولما سافرَ تميمُ بنُ أوسٍ الداريُّ، وعَدِيُّ بنُ بَدَّاءَ إلى الشامِ، وهما نصرانيانِ، ومعهما بُدَيْلٌ مولى عمرِو بنِ العاصِ، وكانَ مسلِمًا، فلما قَدِموا الشامَ، مرضَ بديلٌ، فكتبَ كتابًا فيه جميعُ ما معه، وألقاه في متاعِه، ولم يخبرْ صاحبيهِ، فلما اشتدَّ وجعُه، أمرَهما أن يدفَعا متاعَه إذا رجَعا إلى أهلِهِ، وماتَ بديلٌ، ففتشا متاعَه، فأخذا منهُ إناءً من فِضَّةٍ منقوشًا بالذهبِ فيه ثلاثُ مئةِ مثقالٍ فضةً، فَغَيَّباهُ، ثم قَضيا حاجَتَهما، وانصرَفا إلى المدينةِ، فدفعا المتاعَ إلى أهلِ الميت، ففتشوا، وأصابوا الصحيفةَ فيها تسميةُ ما كانَ معه، فجاؤوا تميمًا وعديًّا، فقالوا: هل باعَ صاحبُنا شيئًا من متاعِه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجارةً؟ قالا: لا، قالوا: فهل طالَ مرضُه فأنفقَ على نفسِه؟ قالا: لا، قالوا: إنا وجدْنا في متاعِه صحيفةً فيها تسميةُ ما معه، وإِنا فقدنا منها إناءً من فضةٍ مموهًا بالذهب، فيه ثلاثُ مئةِ مثقالٍ فضةً، فجحدا، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فأصرَّا على الإنكار، فأنزل الله تعالى:
стр. 913
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (١) أي: فيما أُمرتم شهادةُ بينِكم،
والمرادُ بالشهادة: الإشهادُ.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ﴾ وإذا شارَفَهُ فظهَرَتْ أمارتُهُ.
﴿الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ أي: ليشهدِ اثنانِ على الوصية.
﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ أي: أمانةٍ وعقلٍ.
﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من أهلِ دينِكم يا معشرَ المؤمنين.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أو من غيرِ دينِكم ومِلَّتِكُمْ.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سافرتُم فيها.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: قاربتم الأجلَ.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ أي: تستَوقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاةِ العصرِ؛ لأنَّ جميعَ أهلِ الأديانِ يعظِّمونَ ذلك الوقتَ، ويتجنبونَ فيه الحلفَ الكاذبَ.
﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يَحْلِفانِ.
﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: شَكَكْتُم، ووقعتَ لكم الريبةُ في قولِ الشاهدينِ وصدِقهما اللَّذينِ ليسا من أهلِ ملَّتِكم، فإن كانا مسلمينِ، فلا يمينَ عليهما بالاتفاق. الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٦٢٨) ، كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ..﴾ , عن ابن عباس ﵄. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٧).стр. 914
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ لا نحلفُ باللهِ كاذبينِ على عوضٍ نأخذُه، أو مالِ نذهبُ به، أو حقٍّ نجحدُه.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كانَ المشهودُ له ذا قرابةٍ مِنَّا.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ وأضيفتِ الشهادةُ إلى اللهِ تعالى لأمرِه بها. وقرأ يعقوبُ: (شَهَادَةً) بالتنوين (آللهِ) ممدودٌ، جُعل الاستفهامُ عوضًا عن حرفِ القسمِ، ورُويَ عن أبي جعفرٍ: (شَهَادَةً) منونة (أَللهِ) بقطعِ الألفِ وكسر الهاءِ من غيرِ استفهامٍ على ابتداءِ اليمين؛ أي: واللهِ (١) .
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ إنْ كتمناها، فلما نزلَتْ هذه الآيةُ، صلَّى رسولُ الله ﷺ العصرَ، ودَعا تميمًا وعَدِيًّا، فاستحْلَفَهُما عندَ المنبرِ باللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ أنهما لم يختانا شيئًا مما دُفِعَ إليهِما، فحلَفا على ذلك، وخلَّى رسولُ اللهِ ﷺ سبيلَهما.
...
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ﴾ .
[١٠٧] ثم ظهرَ الإناءُ، واختلفوا في كيفيةِ ظهورِه، فرُوي عن ابنِ عباسٍ: "أنه وُجدَ بمكةَ، فقالوا: اشتريناهُ من تميمٍ وعَدِيٍّ"، وقال آخرونَ: لما طالتِ المدةُ، أظهراهُ، فبلغَ ذلكَ بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: إنا كنا قد اشترينا منهُ هذا، فقالوا: ألم تزعما أنَّ صاحبَنا لم يبعْ شيئًا من الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٢٧).стр. 915
متاعِه؟! قالا: لم يكنْ عندَنا بينةٌ، وكرهنا أن نقرَّ لكم به، فكتمْنا ذلك، فرفعوهما إلى رسولِ الله ﷺ ، فأنزل الله :
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ (١) اطُلِعَ، وأصلُ العَثْرَةِ: الوقوعُ على الشيءِ.
﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فَعَلا ما أوجبَ إِثمًا بخيانتِهما وبأيمانِهما الكاذِبة.
﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ.
﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: مقامَ اللَّذَيْنِ خانا.
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ أي: استحقَّ فيهم ولأجلهم الإثمُ، وهم ورثةُ الميتِ، استحق الحالفانِ بسببهما الإثمَ، و (على) بمعنى (في). قرأ حفصٌ: (اسْتَحَقَّ) بفتح التاء والحاء، وقراءة العامة: بضمِّ التاءِ على المجهولِ و (الأَوْلَيَانِ) تثنيةُ الأَوْلى، والأَوْلى هو الأقربُ؛ أي: الأحقُّ بالشهادةِ؛ لقرابتِه ومعرفتِه، وقرأ حمزةُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (الأَوَّلِينَ) بالجمعِ، فيكونُ بدلًا من (الذين) (٢) ، والمرادُ منهم: أولياءُ الميتِ، ومعنى الآيةِ على القراءاتِ كلِّها: إذا ظهرتْ خيانةُ الحالِفَيْنِ يقومُ اثنانِ آخرانِ من أقاربِ الميتِ.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: يمينُنا أحقُّ من الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٢٨)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤).следующие страницы →