Полный текст (3 849 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ المعنى: إذا دُعِيَ الكفارُ إلى الإيمانِ، قالوا: كافِينا دينُ آبائِنا.
﴿أَوَلَوْ﴾ واوُ الحالِ دخلَتْ عليها همزةُ الإنكارِ، وتقديرُه: أَحَسْبُهُمْ دينُ آبائِهِمْ ولو.
﴿كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ من التوحيد.
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه. المعنى: لا يجوزُ الاقتداء إلا بالعالمِ المهتدي.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) ﴾ .
[١٠٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: الزموا صلاحَ أنفسِكم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وليسَتْ هذهِ الآيةُ نازلةً في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ؛ لما رُوي أن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "إِنَّ النَاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعَذَابِهِ" (١) ، وعنِ ابنِ مسعودِ في هذهِ الآية: "مُرُوا بالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ مَا قُبِلَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ" (٢) . الحواشي
(١) رواه أبو داود(٤٣٣٨) ، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والترمذي(٢١٦٨) ، كتاب: الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، وقال: صحيح، وابن ماجه(٤٠٠٥) ، كتاب: الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٢٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(٧٥٥٢) .стр. 912
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ جميعًا، الضالُّ والمهتدي.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وتنبيهٌ على أن أحدًا لا يؤاخَذُ بذنبِ غيرِه.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) ﴾ .
[١٠٦] ولما سافرَ تميمُ بنُ أوسٍ الداريُّ، وعَدِيُّ بنُ بَدَّاءَ إلى الشامِ، وهما نصرانيانِ، ومعهما بُدَيْلٌ مولى عمرِو بنِ العاصِ، وكانَ مسلِمًا، فلما قَدِموا الشامَ، مرضَ بديلٌ، فكتبَ كتابًا فيه جميعُ ما معه، وألقاه في متاعِه، ولم يخبرْ صاحبيهِ، فلما اشتدَّ وجعُه، أمرَهما أن يدفَعا متاعَه إذا رجَعا إلى أهلِهِ، وماتَ بديلٌ، ففتشا متاعَه، فأخذا منهُ إناءً من فِضَّةٍ منقوشًا بالذهبِ فيه ثلاثُ مئةِ مثقالٍ فضةً، فَغَيَّباهُ، ثم قَضيا حاجَتَهما، وانصرَفا إلى المدينةِ، فدفعا المتاعَ إلى أهلِ الميت، ففتشوا، وأصابوا الصحيفةَ فيها تسميةُ ما كانَ معه، فجاؤوا تميمًا وعديًّا، فقالوا: هل باعَ صاحبُنا شيئًا من متاعِه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجارةً؟ قالا: لا، قالوا: فهل طالَ مرضُه فأنفقَ على نفسِه؟ قالا: لا، قالوا: إنا وجدْنا في متاعِه صحيفةً فيها تسميةُ ما معه، وإِنا فقدنا منها إناءً من فضةٍ مموهًا بالذهب، فيه ثلاثُ مئةِ مثقالٍ فضةً، فجحدا، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فأصرَّا على الإنكار، فأنزل الله تعالى:
стр. 913
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (١) أي: فيما أُمرتم شهادةُ بينِكم،
والمرادُ بالشهادة: الإشهادُ.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ﴾ وإذا شارَفَهُ فظهَرَتْ أمارتُهُ.
﴿الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ أي: ليشهدِ اثنانِ على الوصية.
﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ أي: أمانةٍ وعقلٍ.
﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من أهلِ دينِكم يا معشرَ المؤمنين.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أو من غيرِ دينِكم ومِلَّتِكُمْ.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سافرتُم فيها.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: قاربتم الأجلَ.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ أي: تستَوقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاةِ العصرِ؛ لأنَّ جميعَ أهلِ الأديانِ يعظِّمونَ ذلك الوقتَ، ويتجنبونَ فيه الحلفَ الكاذبَ.
﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يَحْلِفانِ.
﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: شَكَكْتُم، ووقعتَ لكم الريبةُ في قولِ الشاهدينِ وصدِقهما اللَّذينِ ليسا من أهلِ ملَّتِكم، فإن كانا مسلمينِ، فلا يمينَ عليهما بالاتفاق. الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٦٢٨) ، كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ..﴾ , عن ابن عباس ﵄. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٧).стр. 914
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ لا نحلفُ باللهِ كاذبينِ على عوضٍ نأخذُه، أو مالِ نذهبُ به، أو حقٍّ نجحدُه.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كانَ المشهودُ له ذا قرابةٍ مِنَّا.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ وأضيفتِ الشهادةُ إلى اللهِ تعالى لأمرِه بها. وقرأ يعقوبُ: (شَهَادَةً) بالتنوين (آللهِ) ممدودٌ، جُعل الاستفهامُ عوضًا عن حرفِ القسمِ، ورُويَ عن أبي جعفرٍ: (شَهَادَةً) منونة (أَللهِ) بقطعِ الألفِ وكسر الهاءِ من غيرِ استفهامٍ على ابتداءِ اليمين؛ أي: واللهِ (١) .
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ إنْ كتمناها، فلما نزلَتْ هذه الآيةُ، صلَّى رسولُ الله ﷺ العصرَ، ودَعا تميمًا وعَدِيًّا، فاستحْلَفَهُما عندَ المنبرِ باللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ أنهما لم يختانا شيئًا مما دُفِعَ إليهِما، فحلَفا على ذلك، وخلَّى رسولُ اللهِ ﷺ سبيلَهما.
...
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ﴾ .
[١٠٧] ثم ظهرَ الإناءُ، واختلفوا في كيفيةِ ظهورِه، فرُوي عن ابنِ عباسٍ: "أنه وُجدَ بمكةَ، فقالوا: اشتريناهُ من تميمٍ وعَدِيٍّ"، وقال آخرونَ: لما طالتِ المدةُ، أظهراهُ، فبلغَ ذلكَ بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: إنا كنا قد اشترينا منهُ هذا، فقالوا: ألم تزعما أنَّ صاحبَنا لم يبعْ شيئًا من الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٢٧).стр. 915
متاعِه؟! قالا: لم يكنْ عندَنا بينةٌ، وكرهنا أن نقرَّ لكم به، فكتمْنا ذلك، فرفعوهما إلى رسولِ الله ﷺ ، فأنزل الله :
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ (١) اطُلِعَ، وأصلُ العَثْرَةِ: الوقوعُ على الشيءِ.
﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فَعَلا ما أوجبَ إِثمًا بخيانتِهما وبأيمانِهما الكاذِبة.
﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ.
﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: مقامَ اللَّذَيْنِ خانا.
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ أي: استحقَّ فيهم ولأجلهم الإثمُ، وهم ورثةُ الميتِ، استحق الحالفانِ بسببهما الإثمَ، و (على) بمعنى (في). قرأ حفصٌ: (اسْتَحَقَّ) بفتح التاء والحاء، وقراءة العامة: بضمِّ التاءِ على المجهولِ و (الأَوْلَيَانِ) تثنيةُ الأَوْلى، والأَوْلى هو الأقربُ؛ أي: الأحقُّ بالشهادةِ؛ لقرابتِه ومعرفتِه، وقرأ حمزةُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (الأَوَّلِينَ) بالجمعِ، فيكونُ بدلًا من (الذين) (٢) ، والمرادُ منهم: أولياءُ الميتِ، ومعنى الآيةِ على القراءاتِ كلِّها: إذا ظهرتْ خيانةُ الحالِفَيْنِ يقومُ اثنانِ آخرانِ من أقاربِ الميتِ.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: يمينُنا أحقُّ من الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٢٨)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤).стр. 916
يمينِهما؛ كقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]؛ أي: يمينُه.
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ في قولنا: إنَّ شهادتَنا أحقُّ من شهادتِهما.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنْ كُنَّا حلفْنا على باطلٍ، وأخذنا ما ليسَ لنا، فلما نزلَتِ الآيةُ، قام عمرُو بنُ العاصِ، والمطَّلِبُ بنُ أبي وداعةَ السَّهميانِ، فحلفا باللهِ بعدَ صلاةِ العصرِ، ودُفِعَ الإناءُ إليهِما وإلى أولياءَ الميتِ، فكانَ تميمٌ الداريُّ بعدما أسلمَ يقولُ: صدقَ اللهُ ورسولُه، أنا أخذتُ الإناءِ، فأتوبُ إلى اللهِ وأستغفرُه.
...
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) ﴾ .
[١٠٨] ﴿ذَلِكَ﴾ الحكمُ الذي تقدَّمَ.
﴿أَدْنَى﴾ أقربُ.
﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ على نحوِ ما تحمَّلُوها من غيرِ تحريفٍ وخيانة فيها.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أن تردَّ اليمينُ على المدَّعِينَ بعدَ أيمانِهم فيفضَحُوا بظهورِ الخيانةِ، واليمينِ، وإنَّما جُمعَ الضميرُ؛ لأنه حكمٌ يَعُمُّ الشهودَ كلَّهم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ سماعَ قَبولٍ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ إلى طريقِ الجنةِ.
واختلِفَ في حكمِ الآية، فقالَ قومٌ: هو منسوخٌ، ولا تُقبلُ شهادةُ الذميِّ
стр. 917
على مسلمٍ، وإِنما جازتْ أولَ الإسلامِ؛ لقلةِ المسلمينَ، ثم نُسختْ بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ ﵃، وقالَ قومٌ: حكمُها ثابتٌ، وقضى به أبو موسى الأشعريُّ بالكوفةِ بعدَ وفاةِ النبيِّ ﷺ ، وعملَ بهِ القاضي شُرَيْحٌ، وإليه ذهبَ الإمامُ أحمدُ ﵁، واستدلَّ بالآيةِ على جوازِ قبولِ شهادةِ أهلِ الكتابِ الرجالِ في الوصيةِ في السفرِ إذا لم يوجَدْ غيرُهم، وحضرَ الموصيَ الموتُ، مسلمًا كانَ أو كافرًا، ويحلِّفُهما الحاكمُ بعدَ العصرِ وُجوبًا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ وإِنها لوصيةُ الرجلِ، فإنِ اطُّلِعَ على خيانتِهما، قامَ آخرَانِ من أولياءِ الموصي، فحلَفا باللهِ: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ ولقدْ خانا وكَتَما، ويقضى لهم، والله أعلمُ.
...
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) ﴾ .
[١٠٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ هو يومُ القيامةِ ظرفًا ليهدي؛ أي: لا يَهْديهم إلى الجنةِ يومئذٍ.
﴿فَيَقُولُ﴾ لهم.
﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ما الذي أجابَتكم به أمَمُكم حينَ دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ وهذا السؤالُ للأنبياءِ الرُسلِ إنما هو لتقومَ الحجَّةُ على الأمم.
стр. 918
﴿قَالُوا﴾ أي: فيقولون.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ قال ابن عباس: "معناه: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ إلا علم أنتَ أعلمُ بهِ مِنَّا" (١) .
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فتعلمُ ما نعلمُ مما أجابونا وأظهروا لنا، وما لم نعلمْ مما أضمَرُوا في قلوبِهم. قرأ حمزةُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (الْغِيُوبِ) بكسر الغين حيثُ وقعَ، وضَمَّها الباقون (٢) .
...
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) ﴾ .
[١١٠] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ هذا من صفةِ يومِ القيامة؛ كأنه قالَ: اذكرْ يومَ يجمعُ اللهُ الرسلَ، وإذْ يقولُ اللهُ لعيسى، وذكرُ النعمةِ: شكرُها، والمرادُ: النعمُ، لفظُه واحدٌ، ومعناه جمعٌ. الحواشي
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٣٦).(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٥، ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٥).стр. 919
﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ مريمَ، ثم ذكرَ النعمَ فقال:
﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: جبريلَ ﵇.
﴿تُكَلِّمُ﴾ يعني: وتكلِّمُ.
﴿النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ صَبِيًّا.
﴿وَكَهْلًا﴾ نَبِيًّا، قالَ ابنُ عباسٍ: "أرسلَه اللهُ وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، فمكثَ في رسالتِه ثلاثينَ شهرًا، ثم رفعَهُ اللهُ إليه" (١) .
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: الخَطَّ.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: العلمَ.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ﴾ كصورةِ.
﴿الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ حَيًّا يطيرُ.
﴿بِإِذْنِي﴾ وتقدَّمَ اختلافُ القراءِ في (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) و (طَيْرًا) في سورةِ آلِ عمرانَ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وكذلكَ اختلافُهم هاهنا.
﴿وَأُبْرِئُ﴾ تُصَحِّحُ.
﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ من قبورِهِمْ أحياءً.
﴿بِإِذْنِي﴾ وتقدَّم تفسيرُه في سورةِ آل عمران.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ منعتُ.
﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: اليهودَ. الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٣٠).стр. 920
﴿عَنْكَ﴾ حينَ هَمُّوا بقتلِك.
﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الدَّلالاتِ المعجزاتِ، وهي التي ذكرنا.
﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا﴾ يعني: ما جاءكُم به من البيناتِ.
﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: سَاحِرٌ بعد السينِ، فيكونُ راجعا إلى عيسى ﵇ (١) .
...
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) ﴾ .
[١١١] ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ أي: ألْهَمْتُهُم، وهم (٢) خواصُّ أصحابِ عيسى ﵇، وتقدَّمَ ذكرُهم في سورةِ آلِ عمرانَ. قرأ ابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامرٍ بخلافٍ عنه: (الْحَوَارِيِّينَ) بالإمالة.
﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ عيسى.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ حينَ وَفَّقْتُهم.
﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ مخلِصونَ.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣٠ - ٧٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٧).(٢) في "ن" و"ت": "وهو".стр. 921
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) ﴾ .
[١١٢] ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ والمائدةُ: الخوانُ الذي عليه الطَّعامُ. قرأ الكسائيُّ: (هَل تَّسْتَطِيعُ) بالتاء وإدغام لام (هَلْ) (رَبَّكَ) بنصبِ الباء؛ أي: هل تستطيعُ أن تدعُوَ وتسألَ ربَّكَ، وقرأ الباقون: (يَسْتَطِيعُ) بالياء (رَبُّكَ) برفعِ الباء (١) ، ولم يقولوه شاكِّينَ في قدرةِ الله تعالى، ولكن معناهُ: هل يُنْزِلُ أم لا؟
﴿قَالَ﴾ لهم عيسى:
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمثالِ هَذَا السؤالِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بكمالِ قدرته، وصِحَّةِ نبوَّتي.
...
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) ﴾ .
[١١٣] ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أكلَ تبرُّكٍ لا أكلَ حاجةٍ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ﴾ تسكنَ.
﴿قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: نزدادَ إيمانًا ويقينًا بأنَّكَ رسولُ الله.
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ للهِ بالوحدانيةِ والقدرةِ، ولكَ بالنبوةِ والرسالةِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٧).стр. 922
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) ﴾ .
[١١٤] ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي: يكونُ يومُ نزولِها عيدًا نُعَظِّمُهُ.
﴿لِأَوَّلِنَا﴾ لمن في زمانِنا.
﴿وَآخِرِنَا﴾ لمن يأتي بعدَنا، قالوا: نزلَتْ يومَ الأحدِ، فلذلكَ اتَّخَذَهُ النصارى عيدًا.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ دلالةً وحجَّةُ.
﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: خيرُ مَنْ أَعْطى ورَزَقَ.
...
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) ﴾ .
[١١٥] ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ مُجيبًا لعيسى:
﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ يعني: المائدة. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ: (مُنَزِّلُهَا) بالتشديد؛ لأنَّها نزلَتْ مراتٍ، والتَّفعيلُ يدلُّ على التدبيرِ مرةً بعدَ أخرى، وقرأ الباقون: بالتخفيف؛ لقوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا﴾ (١) .
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي: بعدَ نزولِها. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٩).стр. 923
﴿فَإِنِّي﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (فَإِنِّي) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١) .
﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾ أي: جنسَ عذابٍ.
﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالَمي زمانِهم، والصحيحُ أنها نزلَتْ، رُوي أن عيسى ﵇ لما سألوه نزولَ المائدةِ، لبسَ صوفًا وتضرَّعَ وبكى، وقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً﴾ الآية، فنزلَتْ سفرةٌ حمراءُ بينَ غَمامتينِ من فوقِها وتحتِها، وهم ينظرونَ، وهي تهوي مُنْقَضَّةً حتى سقطَتْ بينَ أيديهم، فبكى عيسى، وقالَ: اللهمَّ اجعلْني منَ الشاكرين، اللهمَّ اجعلْها رحمةً، ولا تجعلْها عقوبة، فقالَ عيسى: لِيَقُمْ أحسنكم عملًا فَلْيَكْشِفْ عنها، ويذكرِ اسمَ اللهِ تعالى، فقالَ شمعونُ رأسُ الحواريين: أنتَ أولى بذلك، فقامَ عيسى فصلَّى وبكى طويلًا، ثم كشفَ المنديلَ عنها، وقال: باسمِ اللهِ خيرِ الرازقينَ، فإذا هو بسمكةٍ ليسَ عليها فُلوسُها، تسيلُ دسمًا، عندَ رأسِها ملحٌ، وعندَ ذَنَبِها خَلٌّ، وحولَها من جميعِ ألوانِ البقولِ ما خلا الكُرَّاثَ، وخمسةُ أرغفةٍ على واحدٍ زيتونٌ، وواحد عسلٌ، وواحد سمنٌ، وواحد جبنٌ، وواحد قديدٌ، فقالَ شمعونُ: أمن طعامٍ الدُّنيا أمْ منْ طعامِ الآخرة؟ فقال عيسى: ليسَ منهُما، ولكنه شيءٌ افتعلهُ اللهُ بالقدرةِ الغالبةِ، كلوا مما سألتُم يُمْدِدْكم ربكم، فقالوا: كنْ أولَ الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٩).стр. 924
آكلٍ منها، فقال: معاذَ اللهِ أن آكلَ، لكنْ يأكلُ منها مَنْ سألها، فخافوا فلم يأكلوا، فأطعمَها أهلَ الفاقةِ، وكانوا أكثرَ من ألفٍ، فيهم المرضى والفقراءُ، فأكلوا حتى شبعوا، وإِذا هي كهيئتها حينَ نزلَتْ، ثم طارتْ وما أكل منها فقيرٌ إلا استغنى، ولا مريضٌ إلا عوفيَ، [وكانتْ تنزلُ ضحًى، فيأكلُ منها الأغنياءُ والفقراءُ، فإذا فاءَ الفيءُ، طارتْ] (١) ، وكانت تنزلُ يومًا وتغيبُ يومًا كناقةِ ثمودَ، ترعى يومًا، وتَرِدُ يومًا، فلبثت كذلكَ أربعينَ صباحًا، وأوحى الله إليه أنِ اجعلْ رزقي في الفقراءِ دونَ الأغنياءِ، ففعلَ، فعظُمَ على الأغنياءِ، وأذاعوا القبيحَ حتى شَكُّوا وشَكَّكوا فيهِ الناسَ، فوقعتْ فيه الفتنةُ في قلوبِ المرتدِّينَ، ثم أوحى الله إلى عيسى أني آخِذٌ بشرطي من المكذِّبينَ، قد اشترطتُ عليهم أَنّي معذبُ من كفرَ منهم عذابًا لا أُعذِّبُه أحدًا من العالمينَ بعدَ نزولِها، فقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَمُسخ منهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثونَ رجلًا، باتوا من ليلتِهم على فُرُشِهم معَ نسائِهم، فأصبحوا خنازيرَ يسعَوْنَ في الطرقاتِ، ويأكلونَ العَذِراتِ، فلما رأى الناسُ ذلكَ، فزعوا إلى عيسى، وبَكَوا، فلما أبصرتِ الخنازيرُ عيسى، بكَتْ وجعلَتْ تُطيف بعيسى، وجعلَ عيسى يدعوهُم بأسمائِهم، فيشيرونَ برؤوسِهم ويبكونَ، ولا يقدرونَ على الكلام، قال الله تعالى لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]، فسألَ الحواشي
(١) من قوله: "وكانت تنزل ضحىً ... " إلى قوله: "طارت" ساقط من "ن".стр. 925
عيسى ربَّهُ أَنْ يُميتهُم، فأماتهم بعدَ ثلاثةِ أيام، فما رأى أحدٌ من الناسِ منهم جيفةً في الأرضِ (١) .
...
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) ﴾ .
[١١٦] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ أي: صَيِّروني.
﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والصحيحُ أنَّ هذا القولَ إنَّما يُقالُ له يومَ القيامةِ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]؛ لأن هذا استفهامُ توبيخٍ وإثباتِ الحجةِ على قوم عيسى؛ لأنه تعالى عالم أَنَّ عيسى لم يقلْ ذلكَ، وتقدَّمَ اختلافُ القُرَّاءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمةٍ في سورةِ البقرةِ عندَ قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وكذلك اختلافُهم في (أَأَنْتَ). قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (وَأُمِّي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٢) ، قالوا: فإذا سمعَ عيسى هذا الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٣٤).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٠).стр. 926
الخطابَ، أرعدَتْ مفاصلُهُ، وانفجرت من أصلِ كلِّ شعرةٍ عينُ دمٍ، ثم ﴿قَالَ﴾ منزِّهًا مبرهنًا عن نفسِه:
﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن الشريك.
﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: ما ينبغي لي قولُ ما لم يثبتْ لي قولُه. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (لِي) بإسكانِ الياءِ: والباقون: بفتحها (١) .
﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلمُ معلومي، ولا أعلمُ معلومَك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ما كانَ وما يكون.
...
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) ﴾ .
[١١٧] ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ثم فَسَّرَ ما أُمِرَ بهِ فقالَ:
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وَحِّدُوهُ، ولا تشركوا بهِ شيئًا.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ رَقيبًا أَمنعُهم من الكفرِ.
﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: وقتَ دوامي فيهم.
﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قَبَضْتَني إليكَ. الحواشي
(١) انظر: المصادر السابقة.стр. 927
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ تحفظُ أعمالَهم.
﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من مقالَتي ومقالَتِهم.
...
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) ﴾ .
[١١٨] ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ لا اعتراضَ عليكَ، وفيه تنبيهٌ على أنهم استحقُّوا التعذيبَ.
﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: للمؤمنين منهم.
﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في الملكِ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ في القضاءِ، معناه: إن تعذِّبْ، فعدلٌ، وإن تغفرْ، ففضلٌ.
...
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) ﴾ .
[١١٩] ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ﴾ قرأ الجميعُ سوى نافعٍ: (يَوْمٌ) برفعِ الميم على خبرِ (هذا)، وقرأ نافع: بنصبِ الميم ظرفًا لخبر (هَذا) (١) ، وهو محذوفٌ تقديرُه: هذا المذكورُ من كلامِ عيسى يقعُ يومَ.
﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ في الدنيا.
﴿صِدْقُهُمْ﴾ في الآخرةِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١) و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٦).стр. 928
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت غرفِها وأشجارِها.
﴿الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ أي: الظَّفَرُ.
﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي عَظُمَ خيرُه وكَثُرَ.
...
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) ﴾ .
[١٢٠] ثم عَظَّمَ نفسَه تعالى فقالَ:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تنبيهٌ على كذبِ النصارى، وفسادِ دعواهُم في المسيح أنَّه إلهٌ، فأخبرَ تعالى أنَّ ملكَ السمواتِ والأرضِ له دون عيسى، ودونَ سائرِ المخلوقين، والله أعلم.
***
стр. 929
سُوْرَةُ الأَنْعَامِ
مكيةٌ، وآيُها مئةٌ وخمسٌ وستونَ آيةً، وحروفُها اثنا عشرَ ألفًا وأربعُ مئةٍ واثنانِ وعشرونَ حرفًا، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ واثنتانِ وخمسونَ كلمةً، نزلتْ ليلًا جملةً، حولها سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يُسَبِّحون، فقال النبيُّ ﷺ : "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وخرَّ ساجدًا" (١) .
وعنه ﷺ : "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَنْعَامِ لَمْ يَقْطَعْهَا بِكَلاَمٍ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ما سَلَفَ مِنْ عَمَلٍ" (٢) .
وعنِ ابنِ عباسٍ ﵁: "نزلَتْ سورةُ الأنعامِ بمكَّةَ، إلا قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخرِ ثلاثِ آياتٍ، وقولَه تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهذه الستُّ آياتٍ مدنياتٌ" (٣) . الحواشي
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(٦٤٤٧) ، والبيهقي في "شعب الإيمان"(٢٤٣٣) ، عن أنس بن مالك ﵁. وفي الباب: عن ابن عمر ﵄. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٥٠)، و"الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٦٢٨).(٢) ذكره العيني في "عمدة القاري" (١٨/ ٢١٨)، وعزاه إلى أبي القاسم عبد المحسن القيسي في كتاب "الفائق في اللفظ الرائق".(٣) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٢٤٤).стр. 930
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) ﴾ .
[١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بدأ سبحانهَ بحمدِ نفسِه تنبيهًا على أنَّ الحمدَ كلَّه لهُ، لا شريكَ له فيه، وتقدَّمَ تفسيرهُ في الفاتحة.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: اخترعَ وأوجدَ.
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ خَصَّهما بالذِّكْرِ؛ لأنهما أعظمُ الموجودات، وجمعَ السمواتِ لأنها سبعُ طباق، ووَحَّدَ الأرضَ لاتِّصالِ بعضِها ببعضٍ طولًا وعرضًا.
﴿وَجَعَلَ﴾ أي: وخلقَ.
﴿الظُّلُمَاتِ﴾ الكفرَ.
﴿وَالنُّورَ﴾ الإيمانَ، وجمعَ الظلمةَ ووَحَّدَ النورَ؛ لأن التوحيدَ متحدٌ، والكفرَ مِلَلٌ، وهما كنايتان عنهما، وقالَ الجمهورُ من المفسرين: المرادُ بهما سوادُ الليلِ وضياء النهارِ، قال ابنُ عطيةَ: والنورُ هنا للجنسِ فإفرادُهُ بمثابةِ جمعِهِ (١) .
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعدَ هذا البيان.
﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يُساوونَ بينهَ وبينَ أصنامهم، وأصلُ العدلِ: المساواةُ، وعن كعبٍ قالَ: "فاتحةُ التوراةِ فاتحةُ الأنعامِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى الحواشي
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٢٦٦).стр. 931
﴿يَعْدِلُونَ﴾ وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ﴾ (١) [هود: ١ ٢ ٣].
...
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) ﴾.
[٢] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: آدم ﵇، والخلقُ نسلُه، والفرعُ يضافُ إلى أصلِه، فلذلكَ خاطبَهم بالجمعِ إذ كانوا ولدَه، رُوي: "أن الله بعثَ جبريلَ إلى الأرضِ ليأتيَهُ بطائفة منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منكَ أن تنقصَ مني، فرجعَ ولم يأخذْ، قالَ: يا ربِّ! إنها عاذَتْ بك، فبعثَ ميكائيلَ فاستعاذَتْ، فرجعَ، فبعثَ اللهُ مَلَكَ الموتِ، فعاذَتْ منه بالله، فقال: وأنا أعوذُ باللهِ أن أخالفَ أمرَهُ، فأخذَ من وجهِ الأرضِ، فخلطَ الحمراءَ والسوداءَ والبيضاءَ، فلذلكَ اختلفَت ألوانُ بني آدمَ، ثم عجنَها بالماءِ العذبِ والملحِ والمرِّ، فلذا اختلفتْ أخلاقُهم، فقال اللهُ لملكِ الموت: رحمَ جبريلُ وميكائيلُ الأرضَ ولم ترحَمْها، لا جرمَ أجعل أرواحَ من أخلُقُ من هذا الطين بيدِكَ" (٢) .
وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: "خلقَ اللهُ آدمَ من ترابٍ، وجعلَه طينًا، ثم تركَهُ حتى كانَ حمأً مسنونًا، ثم خلقَهُ وصَوَّرَهُ وتركَهُ حتى كانَ الحواشي
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(٣٠٢٧٤) ، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣٧٨)، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٩٣).(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦).стр. 932
صلْصالًا كالفَخَّارِ، ثم نَفَخَ فيهِ روحَه" (١) .
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أي: قدَّرَ مدةً إلى الموتِ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من الموتِ إلى البعثِ، وهو البرزَخُ.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ تشُكُّونَ في البعثِ لاستبعادِ الإيمانِ بعدَ نصبِ الدلائلِ.
...
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) ﴾ .
[٣] ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ المعبودُ.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ المستحقُّ للعبادةِ، والمدُعوُّ بالألوهِيَّةِ.
﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فلا يخفى عليه شيءٌ.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ تعملونَ من خيرٍ وشرٍّ، فيُثيبُ عليه، ويعاقِبُ.
...
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) ﴾ .
[٤] ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ يعني: أهلَ مكةَ.
﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كانشقاقِ القمرِ وآيِ القرآنِ.
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ تارِكينَ لها غيرَ ملتفتينَ إليها.
... الحواشي
(١) رواه أبو يعلى في "مسنده"(٦٥٨٠) .стр. 933
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) ﴾ .
[٥] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ أخبارُ، جمعُ نبأ.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: سيعلمونَ عاقبةَ استهزائِهم إذا عُذِّبوا.
...
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) ﴾ .
[٦] ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أهلِ كلِّ عصرٍ، وهم الجماعةُ المقترنون في زمانٍ واحدٍ.
﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أعطيناهم ما لم نُعْطِكُم.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المطرَ.
﴿مِدْرَارًا﴾ أي: دارًا.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أي: تحثَ بساتينهم، فكفروا.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا﴾ خَلَقْنا.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا منهم.
***
стр. 934
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) ﴾ .
[٧] ولما قيلَ للنبيِّ ﷺ : لن نؤمنَ لكَ حتى تأتِيَنا بكتابٍ من عندِ اللهِ، ومعه أربعةٌ من الملائكةِ يشهدونَ عليه أنَّه من عندِ اللهِ، وأنَّك رسولُه، أنزلَ اللهُ تعالى:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ (١) أي: مكتوبًا في صحيفةٍ.
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ولم يقتصروا على الرؤية؛ لأن اللمسَ أنفى للشكِّ.
﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا.
...
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) ﴾ .
[٨] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي: هلا أُنزل على محمدٍ.
﴿مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لوجبَ العذابُ؛ فإنَّ سنةَ اللهِ جَرَتْ في الكفارِ بإهلاكهم عندَ وجودِ ما يقترحونَ.
﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُمْهَلون طرفةَ عينٍ.
...
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٩).стр. 935
[٩] ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: المرسَلَ إليهم.
﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: على صورةِ رجلٍ؛ ليتمكَّنوا من رؤيتِه؛ لأن البشرَ يضعُفونَ عن مشاهدةِ الملائكِة.
﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: خَلَطْنا عليهم ما يخلِطون، وشَبَّهْنا عليهم، فلا يدرون أملكٌ هو أم آدميُّ؟!
...
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) ﴾ .
[١٠] ثم قال مسليًّا نبيَّهُ ﷺ :
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما استُهْزئ بكَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَقَدُ اسْتُهْزِىَ) بضم الدال حيثُ وقع، وأبو جعفرٍ: بنصب الياءِ بغيرِ همزٍ (١) .
﴿فَحَاقَ﴾ أحاطَ.
﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: جزاءُ استهزائهم من العذابِ.
... الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٦)، و "إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٣، ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنيِة" (٢/ ٢٥٦).стр. 936
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) ﴾ .
[١١] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ المستهزئينَ:
﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ معتبرينَ.
﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الهالِكين قبلَكُم.
...
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) ﴾ .
[١٢] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ توبيخًا للكفارِ:
﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن سكتوا، كانت تقريرًا لهم.
﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ ثم قالَ استعطافًا لهم ليؤمنوا:
﴿كَتَبَ﴾ أي: أوجبَ.
﴿عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فلا يعاجلُهم بالعقوبةِ، في الحديثِ: "إنَّ رَحْمَتِي سَبقَتْ غَضَبِي" (١) .
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللامُ لامُ القسم، والنونُ نونُ التوكيدِ، مجازهُ: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٩٨٦) ، كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ومسلم(٢٧٥١) ، كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه، عن أبي هريرة ﵁.стр. 937
﴿إِلَى﴾ أي: في.
﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيجازيكُم على شِرْكِكُم.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ فيه.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غَبَنُوها؛ لاختيارِهم الكفرَ.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم محكومٌ عليهم بالعذابِ.
...
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) ﴾ .
[١٣] ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ أي: ما استقرَّ.
﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ والمراد: ما سَكَنَ وما تحرَّكَ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لكلِّ مسموعٍ.
﴿الْعَلِيمُ﴾ لكلِّ معلومٍ.
...
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) ﴾ .
[١٤] ولما دُعِيَ النبيُّ ﷺ إلى الشركِ، قالَ تعالى:
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ رَبًّا ومعبودًا.
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعِهِما بلا مثالٍ.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: يرزقُ ولا يُرْزَقُ.
стр. 938
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذهِ الأمةِ، وقيلَ لي:
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١) .
...
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) ﴾ .
[١٥] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بعبادةِ غيرِه.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يومَ القيامة. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٢) .
...
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) ﴾ .
[١٦] ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ يعني: العذابَ. قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يُصْرَفْ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الراء، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (مَنْ يَصْرِفْ) بفتح الياء وكسر الراء (٣) ؛ أي: من يصرفِ اللهُ عنهُ العذابَ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).(٢) انظر: المصادر السابقة.(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، =стр. 939
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ القيامة.
﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ نَجَّاهُ وأنعمَ عليهِ.
﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ النجاةُ الظاهرةُ.
...
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) ﴾ .
[١٧] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أي: يُنْزِلْ بكَ يا محمدُ شدةً وبليةً.
﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ لا دافعَ.
﴿لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ عافيةٍ ونعمةٍ.
﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الخير والضرِّ.
...
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) ﴾ .
[١٨] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القادرُ الغالبُ، والمرادُ بفَوْقَ: علوُّ القدرةِ والشأنِ؛ كقوله: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمرِه.
﴿الْخَبِيرُ﴾ بالعبادِ.
...
الحواشي
(١) = و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٨).стр. 940
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) ﴾ .
[١٩] ولما أتى أهلُ مكةَ رسولَ الله ﷺ ، وقالوا: أَرِنا مَنْ يشهدُ بصدقِكَ، فإنا لا نَرى أحدًا يصدِّقُكَ.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: أيُّ شهيدٍ أعظمُ شهادةً؟ فإن أجابوك، وإلا.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو.
﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهدُ لي بالحقِّ، وعليكم بالباطلِ؛ لأنه سبحانه إذا كانَ الشهيدَ، كانَ أكبرَ شيءٍ شهادةً.
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ﴾ لأخوِّفَكُم.
﴿بِهِ﴾ يا أهلَ مكةَ.
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن بلَغَهُ القرآنُ إلى يومِ القيامةِ، وهو دليلٌ على أنَّ أحكامَ القرآنِ تعمُّ الموجودينَ وقتَ نزولِه ومَنْ بعدَهم، وأنه لا يُؤاخَذُ بها من لم يبلغْهُ، ثم استفهمَ مُوَبِّخًا فقالَ:
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ فإن شهدوا، فأنت.
﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ مثلَ شهادتِكم.
﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: بل أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا هوَ.
﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ يعني: الأصنامَ. واختلفَ القراءُ في (أَئِنَّكُمْ) فقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ورُوَيْسٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزةِ الأولى، وتسهيلِ الثانيةِ بينَ بينَ؛ أي: بينَ الهمزةِ والياء،
стр. 941
وفصلَ بينَ الهمزتين بألفٍ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وقالونُ، واختلِفَ عن هشام، وقرأ الكوفيونَ، وابنُ عامرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزتين (١) .
...
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) ﴾ .
[٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ والإنجيلَ.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: النبيَّ ﷺ .
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ من الصبيانِ.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غَبَنوها.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لتضييعِهم ما يُكتسَبُ به الإيمانُ.
...
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) ﴾ .
[٢١] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ الافتراءَ العظيمَ من الكذِب.
﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فأشركَ به غيرَه.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ يعني: القرآن. الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٦)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٤٠٠)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٤/ ٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٩).стр. 942
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فضلًا ممن لا أحدَ أظلمُ منه.
...
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ﴾ .
[٢٢] ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ مَنْ عَبَدَ ومَنْ عُبِدَ.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ آلهتُكم.
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاءُ الله، فيشفعوا لكم؟ والزعمُ قولٌ بالظنِّ شبهِ الكذبِ، والمرادُ من الاستفهامِ: التوبيخُ. قرأ يعقوبُ: (يَحْشُرُهُمْ) (ثُمَّ يَقُولَ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون فيهما (١) .
...
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) ﴾ .
[٢٣] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: قولَهم وجوابَهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَكُنْ) بالياءِ على التذكير؛ لأنَّ الفتنةَ بمعنى الافتتانِ، وقرأ الباقون: بالتاء، لتأنيثِ الفتنة (٢) ، وقرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (فِتْنَتُهُمْ) بالرفع، وجعلوهُ اسمَ الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٩).(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٥٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٩).стр. 943
كان، وقرأ الباقونَ: بالنصبِ، فجعلوا اسمَ كانَ قولَه: (إِلَّا أَنْ قَالُوا)،
و (فِتْنَتَهُمْ) الخبرَ (١) .
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (رَبَّنَا) بالنصبِ على النداءِ المضافِ، وقرأ الباقونَ: بالخفضِ على نعتِ (واللهِ) (٢) ، وجوابُ القسم.
﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَثَمَّ يُختم على أفواهِهم، وتشهدُ عليهم جوارحُهم.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) ﴾ .
[٢٤] ثم عجبَ تعالى منهم فقالَ:
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ باعتذارِهم بالباطلِ.
﴿وَضَلَّ﴾ ذهبَ.
﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يختلقونَ من الشركاءِ.
...
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) ﴾. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٥).(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦١).стр. 944
[٢٥] ولما قالَ النضرُ بنُ الحارث: واللهِ ما أدري ما يقولُ محمدٌ، إلا أَني أراهُ يحرِّكُ لسانَه، ويقولُ أساطيرَ الأولين مثلما كنتُ أحدثُكم عن القرونِ الماضية، فقالَ أبو سفيان: إني أرى بعضَ ما يقولُ حقًّا، نزل:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (١) حينَ تتلو القرآنَ.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطيةً، جمعُ كِنان.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لئلَّا يفهموا القرآنَ.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ صمَمًا وثِقَلًا.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ أي: دلالةٍ على صدقِكَ.
﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآنُ.
﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ أباطيلُ.
﴿الْأَوَّلِينَ﴾ جمعُ أسطورة، وأُسطارة، وهو ما سُطرَ، وقيل: هي التُّرَّهاتُ.
...
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ﴾ .
[٢٦] ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: عن القرآنِ والرسولِ واتِّباعِه.
﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ بأنفسِهم؛ أي: يبعدونَ، فَيضِلُّون ويُضلون، نزلت في كفار مكة، وقال ابن عباس: نزلتْ في أبي طالبٍ، كان ينهى الناسَ عن أذى الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥).стр. 945
النبيِّ ﷺ ، وينأى عن الإيمانِ به، ورُوي عنه: أَنَّه ﷺ لما عرضَ عليهِ الإسلامَ، قالَ: لولا أن تُعَيِّرني قريشٌ، لأقررتُ بها عينَكَ، ولكنْ أَذُبُّ عنكَ ما حَييتُ، وقال في ذلك أبياتًا:
وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهم ... حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا
فَاصدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وَابْشِرْ وَقَرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونَا
وَدَعَوْتنَي وَعَرَفْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا
وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأَنُّه ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حَذَارَ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا (١)
﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾ أي: وما يُهلكونَ بذلك.
﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: لا يرجعُ وبالُ فعلِهم إلا عليهم.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ ضررَهُ لا يتعدَّاهم إلى غيرِهم.
**
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ﴾ .
[٢٧] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ حُبسوا على الصراطِ، معناه: لو تراهُمْ في تلكَ الحالةِ، لرأيتَ عجبًا.
﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمنيًّا للرجوعِ إلى الدُّنيا.
﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ العامةُ: (وَلاَ نُكَذِّبُ) الحواشي
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص:١١٨ - ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٣٥).стр. 946
(ونَكُونُ) بالرفع على معنى: ياليتنا نُرَدُّ ونحنُ لا نكذِّبُ ونكونُ من المؤمنينَ، وأبو عمرٍو: على أصلهِ في إدغامِ الباءِ في الباءِ، وقرأ حمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (وَلاَ نُكَذِّبَ) (ونَكُونَ): بنصبِ الباءِ والنونِ بإضمارِ (أن) على جواب التمني؛ أي: ليتَ ردَّنا وقعَ وألا نكذبَ ونكونَ، والعربُ تنصبُ جوابَ التمنِّي بالواوِ كما تنصبُ بالفاءِ، وقرأ ابنُ عامرٍ: (نكذبُ) بالرفعِ إخبارٌ، (ونكونَ) بالنصبِ تمنيًّا؛ لأنهم تمنوا أَن يكونوا من المؤمنينَ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذِّبونَ بآياتِ ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا (١) .
...
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) ﴾ .
[٢٨] ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لقولهم؛ أي: ليسَ على ما قالوا: أنهم لو رُدُّوا لآمنوا، بل.
﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهرَ لهم.
﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ يُسِرُّونَ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من نفاقِهم وقبائحِ فعالِهم بشهادةِ جوارحِهم عليهم، فتمنَّوا ذلكَ ضَجَرًا، لا عَزْمًا على أنهم لو رُدُّوا لآمنوا. الحواشي
(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٥٤٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦ - ١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣).стр. 947
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا.
﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم.
...
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) ﴾ .
[٢٩] ﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على (لعادوا):
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضميرُ للحياةِ.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ كما كانوا يقولونَ قبلَ معاينةِ القيامةِ.
...
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) ﴾ .
[٣٠] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: حُبِسوا للتوبيخِ والسؤال.
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا﴾ أي: البعثُ والعذابُ.
﴿بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إقرارٌ مؤكَّدٌ باليمينٍ.
﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفركم.
...
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) ﴾.
стр. 948
[٣١] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ وإذا فاتَهم النعيمُ، ولقاءُ اللهِ: البعثُ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامةُ، وسميت ساعةً؛ لسرعةِ الحساب.
﴿بَغْتَةً﴾ فجأة.
﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾ ندامَتَنا.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ قَصَّرْنا.
﴿فِيهَا﴾ في الحياةِ الدنيا.
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ آثامَهم.
﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ قَيَّدَهُ بالظهرِ؛ لأن الحملَ غالبًا يكونُ عليه.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: بئسَ الحملُ حملوا.
...
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) ﴾ .
[٣٢] ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطلٌ وغرورٌ.
﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشركَ.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الآخرةَ أفضلُ من الدنيا. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ) بلام واحدةٍ وجرِّ (الآخِرَةِ) إضافةً؛ أي: دارُ الساعةِ الآخرةِ، وكذلكَ هي في مصاحفِ أهلِ الشام، وقرأ الباقون: بلامينِ وتشديدِ الدالِ للإدغام، وبالرفعِ على النعتِ، وكذا هو في مصاحِفهم (١) ، وسميتْ آخرةً؛ الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، =стр. 949
لتأخُّرِها على الدار الأولى، كما سُميت الأولى دُنيا؛ لدنوِّها من الخلقِ الأولِ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، وقرأ الباقونَ: بالغيب (١) .
...
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) ﴾ .
[٣٣] ولما قالَ أبو جهلٍ: إنَّا لا نكذِّبُكَ يا محمدُ، بل نكذِّبُ ما جئتَ به، نزلَ تسليةً له، ووعدًا ووعيدًا لهم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ فيكَ، وفيما جئتَ به؛ من التكذيبِ؛ لأنَّهم إذا كذَّبوا ما جاءَ به، فقد كذبوه. قرأ نافع: (لَيُحْزِنُكَ) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي، والباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الزاي (٢) ، وكلُّ ما جاءَ في القرآنِ بعدَ العلمِ لفظةُ (إِنَّ)، فهي بفتحِ الهمزةِ إلَّا في موضعين:
أحدُهما: هنا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ والثاني:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ في سورةِ المنافقين، وإنما كانَ كذلكَ في هذينِ الحواشي
(١) انظر: المصادر السابقة.(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٤، ٢٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٥).стр. 950
الموضعينِ؛ لأنه يأتي بعدَهما لامُ الخبرِ، فلذا انكسرا.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: في الحقيقةِ؛ إذْ جحدُهم عنادٌ؛ أي: إنما يكذِّبونَ اللهَ بجحدِهم. قرأ نافعٌ، والكسائيُّ: (يُكْذِبُونَكَ) بسكونِ الكافِ وتخفيفِ الذالِ؛ من الإكذابِ، وهو أن يجدَه كاذبًا، وقرأ الباقونَ: بالتشديدِ؛ من التكذيبِ، وهو أن ينسبَه إلى الكذب، ويقولَ له: كذبت (١) .
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالةِ على صدقِك ﴿يَجْحَدُونَ﴾.
...
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) ﴾ .
[٣٤] ثم آنسَهُ بقوله:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كَذَّبَهم قومُهم كما كَذَّبَكَ قومُكَ قريشٌ.
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ الذي كُنَّا وعدْناهم به في قولنا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، وهذا تسليةٌ له.
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ المتضمنةِ للنصرِ.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أخبارهم ما تسكنُ بهِ نفسُك.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٥).следующие страницы →