← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المصنف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي هدانا لدينه، وأكرمنا بسنة نبيه، وجعلنا من العاملين بها، والمتبعين لها، والمتفقهين فيها، ونسأله أن ينفعنا بما علمنا منها، وأن يرزقنا العمل بها، والنصيحة للمسلمين فيها، وأداء الحق في إرشاد متعلميها، وإفادة طلابها ومقتبسيها، وأن يصلي أولاً وآخراً على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، سابق الأنبياء شرفاً وفضيلة، وسابقهم ديناً وشريعة، ليكون دينه قاضياً على الأديان، وملته باقية آخر الزمان، لا يستولي عليها نسخ، ولا يتعقب حكمه حكم، وليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد: فقد فهمت مساءلتكم إخواني أكرمكم الله، وما طلبتموه من تفسير كتاب السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث، وإيضاح ما يُشكل من متون ألفاظه، وشرح ما يستغلق من معانيه، وبيان وجوه أحكامه، والدلالة على مواضع الانتزاع والاستنباط من أحاديثه، والكشف عن معاني الفقه المنطوية في ضمنها لتستفيدوا إلى ظاهر الرواية لها باطن العلم والدراية بها، وقد رأيت الذي ندبتموني له وسألتمونيه من ذلك أمراً لا يسعني تركه كما لا يسعكم جهله، ولا يجوز لي كتمانه كما لا يجوز لكم إغفاله وإهماله فقد عاد الدين غريباً كما بدأ وعاد هذا الشأن دارسة أعلامه خاوية أطلاله وأصبحت رباعه مهجورة ومسالك طرقه مجهولة.

стр. 2

ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب. ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في المنزلتين وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه إخواناً متهاجرين وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين. فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث فإن الأكثرين منهم إنمّا وكدهم الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سيرها ولا يستخرجون ركازها وفقهها وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم مخالفة السنن ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون. وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلاّ على أقله ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه ولا يعبؤون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها ووافق آراءهم التي يعتقدونها وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم

стр. 3

وتعاورته الألسن فيما بينهم من غير ثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي وغبناً فيه وهؤلاء وفقنا الله وإياهم لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له العهدة. فتجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلاّ ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه فإذا وجدت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلاً. وترى أصحاب أبي حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلاّ ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعلية من أصحابه والأجلة من تلامذته فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قول بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه. وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ولم يعتدوا بها في أقاويله. وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأستاذيهم. فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلاّ بالوثيقة والثبت فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم والخطب الأعظم وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة، الواجب حكمه اللازمة طاعته، الذي يجب علينا التسليم لحكمه والانقياد لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجاً مما قضاه ولا في صدورنا

стр. 4

غلاً من شيء مما أبرمه وأمضاه. أرأيتم إذا كان للرجل أن يتساهل في أمر نفسه ويتسامح عن غرمائه في حقه فيأخذ منهم الزيف ويغضي لهم عن العيب هل يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان نائباً عنه كولي الضعيف ووصي اليتيم ووكيل الغائب وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد وإخفاراً للذمة فهذا هو ذاك إما عيان حس وإما عيان مثل ولكن أقواماً عساهم استوعروا طريق الحق واستطالوا المدة في درك الحظ وأحبوا عجالة النيل فاختصروا طريق العلم واقتصروا على نتف وحروف منتزعة عن معاني أصول الفقه سموها عللاً وجعلوها شعاراً لأنفسهم في الترسم برسم العلم واتخذوها جُنّة عند لقاء خصومهم ونصبوها دريئة!!! للخوض والجدال يتناظرون بها ويتلاطمون عليها، وعند التصادر عنها قد حكم للغالب بالحذق والتبريز فهو الفقيه المذكور في عصره والرئيس المعظم في بلده ومصره هذا وقد دسّ لهم الشيطان حيلة لطيفة وبلغ منهم مكيدة بليغة. فقال لهم هذا الذي في أيديكم علم قصير وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية فاستعينوا عليه بالكلام وصلوه بمقطعات منه واستظهروا بأصول المتكلمين يتسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر، فصدق عليهم ظنه وأطاعه كثير منهم واتبعوه إلاّ فريقاً من المؤمنين. فيا للرجال والعقول أنّى يذهب بهم وأنّى يختدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم والله المستعان. وقد انتهيت أكرمكم الله إلى ما دعوتم إليه بجهدي وأتيت من مسألتكم بقدر ما تيسرت له ورجوت أن يكون الفقيه إذا ما نظر إلى ما أثبته في هذا الكتاب من معاني الحديث ونهجت من طرق الفقه المتشعبة عنه دعاه ذلك إلى طلب

стр. 5

الحديث وتتبع علمه وإذا تأمله صاحب الحديث رغبه في الفقه وتعلمه والله الموفق له وإليه أرغب في أن يجعل ذلك لوجهه وأن يعصمني من الزلل فيه برحمته. واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد إلاّ أن كتاب أبي داود أحسن رصفا وأكثر فقها وكتاب أبي عيسى أيضاً كتاب حسن والله يغفر لجماعتهم ويحسن على جميل النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته. ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام حديث صحيح وحديث حسن وحديث سقيم. فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته. وحكي لنا، عَن أبي داود أنه قال ما ذكرت في كتابي حديثا اجتمع الناس على تركه.

стр. 6

وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارا وقصصا ومواعظ وآداباً. فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الإبل ودامت إليه الرحل. أخبرني أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب أبي العباس أحمد بن يحيى قال قال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد. وحدثني عبد الله بن محمد المسكي قال حدثني أبو بكر بن جابر خادم أبي داود قال كنت معه ببغداد فصلينا المغرب إذ قرع الباب ففتحته فإذا خادم يقول هذا الأمير أبو أحمد الموفق يستأذن فدخلت إلى أبي داود فأخبرته بمكانه فأذن له فدخل وقعد ثم أقبل عليه أبو داود وقال ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت فقال خلال ثلاث فقال وما هي قال تنتقل إلى البصرة فتتخذها وطناً ليرحل إليك طلبة العلم من أقطار الأرض فتعمر بك فإنها قد خربت وانقطع عنها الناس لما جرى عليها من محنة الزنج، فقال هذه واحدة هات الثانية قال وتروي لأولادي كتاب السنن. فقال نعم هات الثالثة قال وتفرد لهم مجلساً للرواية فإن أولاد الخلفاء لا يقعدون مع العامة فقال أما هذه فلا سبيل إليها لأن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء. قال ابن جابر فكانوا يحضرون بعد ذلك ويقعدون في كم حيري ويضرب

стр. 7

بينهم وبين الناس ستر فيسمعون مع العامة. وسمعت ابن الأعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب فأشار إلى النسخة وهي بين يديه لو أن رجلاً لم يكن عنده من العلم إلاّ المصنف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة. قال أبو سليمان: وهذا كما قال لا شك فيه لأن الله تعالى أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وقال ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب إلاّ أن البيان على ضربين بيان جلي تناول الذكر نصا وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمناً فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي ﷺ وهو معنى قوله سبحانه: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤] فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه ولا متأخرا لحقه فيه وقد كتبت لكم فيما أمليت من تفسيرها وأوضحته من وجوهها ومعانيها وذكر أقاويل العلماء واختلافهم فيها علما جما فكونوا به سعداء نفعنا الله تعالى وإياكم برحمته.

стр. 8

كتاب الطهارة من باب التخلي عند قضاء الحاجة أخبرنا أبو الحسن على بن الحسن أنا أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم نا أبو بكر بن داسة نا أبو داود حدثنا مُسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن الزبير عن جابر بن عبد الله «أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد» . البراز بالباء المفتوحة اسم للفضاء الواسع من الأرض كنوا به عن حاجة الإنسان كما كنوا بالخلاء عنه يقال تبرز الرجل إذا تغوط وهو أن يخرج إلى البراز كما يقال تخلى إذا صار إلى الخلا وأكثر الرواة يقولون البراز بكسر الباء وهو غلط وإنما البراز مصدر بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازاً. وفيه من الأدب استحباب التباعد عند الحاجة عن حضرة الناس إذا كان في براح من الأرض. ويدخل في معناه الاستتار بالأبنية وضرب الحجب وإرخاء الستور وإعماق الآبار والحفائر في نحو ذلك في الأمور الساترة للعورات. ومن باب الرجل يتبوأ لبوله قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو التيَّاح قال حدثني شيخٌ أن عبد الله بن عباس كتب إلى أبي موسى يسأل عن أشياء فكتب إليه أبو موسى أني كنت مع رسول الله ﷺ فأراد أن يبول

стр. 9

فأتى دَمِثاً في أصل جدار فبال ثم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتَدْ لِبَوله» . الدمث المكان السهل الذي يُخد فيه البول فلا يرتد على البائل. يُقال للرجل إذا وُصف باللين والسهولة أنه لدمث الخلق وفيه دماثة. وقوله فليرتد أي ليطلب وليتحر، ومنه المثل إن الرائد لا يكذب أهله، وهو الرجل يبعثه القوم يطلب لهم الماء والكلأ، يقال رادهم يرودهم رياداً وارتاد لهم ارتياداً. وفيه دليل على أن المستحب للبائل إذا كانت الأرض التي يريد القعود عليها صلبة أن يأخذ حجراً أو عوداً فيعالجها به ويثير ترابها ليصير دمثاً سهلاً فلا يرتد بوله عليه. قلت: ويشبه أن يكون الجدار الذي قعد إليه النبي ﷺ جداراً عادياً غير مملوك لأحد من الناس فإن البول يضر بأصل البناء ويوهي أساسه وهو ﵇ لا يفعل ذلك في ملك أحد إلاّ بإذنه، أو يكون قعوده متراخياً عن جذمه!!! فلا يصيبه البول فيضر به. ومن باب ما يقول إذا دخل الخلاء قال أبو داود: حدثنا عمرو هو ابن مرزوق البصري حدثنا شعبة عن قتادة عن النَّضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال: «إنّ هذه الحُشُوش محتَضرَةٌ فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخُبُثِ والخَبائِث» . الحشوش الكنف وأصل الحش جماعة النخل الكثيفة وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن يتخذوا الكنف في البيوت وفيه لغتان حَش وحُش. ومعنى محتضرة أي تحضرها الشياطين وتنتابها. والخُبث بضم الباء جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون الخبث

стр. 10

ساكنة الباء وهو غلط والصواب الخبُث مضمومة الباء، وقال ابن الأعرابي أصل الخبث في كلام العرب المكروه فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من المِلل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. ومن باب كراهة استقبال القبلة عند الحاجة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سليمان، قال: قيل: «لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال أجل لقد نهانا أن نستقبل القِبلَة بغائط أو بول وأن نستنجي باليمين وأن يستنجي أحدنا بأقلَّ من ثلاثة أحجار أو يستنجي برجيعٍ أو عظمٍ» . الخِراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف أدب التخلي والقعود عند الحاجة، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ولا يمدون الألف فيفحش معناه. ونهيه عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء نهي تأديب وتنزيه وذلك أن اليمين مرصدة في أدب السنة للأكل والشرب والأخذ والإعطاء ومصونة عن مباشرة السفل والمغابن وعن مماسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات. وامتهنت اليسرى في خدمة أسافل البدن لإماطة ما هنالك من القذارات وتنظيف ما يحدث فيها من الدنس والشعث. وقال بعض أهل الظاهر إذا استنجى بيمينه لم يجزه كما لا يجزيه إذا استنجى برجيع أو عظم واحتج بأن النهي قد اشتمل على الأمرين معاً في حديث واحد فإذا كان أحد فصليه على التحريم كان الفصل الآخر كذلك.

стр. 11

قلت والفرق بين الأمرين أن الرجيع نجس وإذا لاقى نجاسة لم يزلها بل يزيدها نجاسة وليس كالحجر الطاهر الذي يتناول الأذى فيزيله عن موضعه ويقطعه عن أصله، وأما اليمين فليست هي المباشرة لموضع الحدث وإنما هي آلة يتناول بها الحجر الملاقي للنجاسة، والشمال في هذا المعنى كاليمين إذ كل واحدة منهما تعمل مثل عمل الأخرى في الإمساك بالحجر واستعماله فيما هنالك، والرجيع النجس لا يعمل عمل الحجر الطاهر ولا ينظف تنظيفه، فصار نهيه عن الاستنجاء باليمين نهي تأديب وعن الرجيع نهي تحريم، والمعاني هي المصرفة للأسماء والمرتبة لها. وحاصل المعنى أن المزيل للنجاسة الرجيع لا اليد، وفي قوله وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد الطهرين وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وفي قوله أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز وإن وقع الإنقاء بما دونها. ولو كان القصد به الإنقاء حسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة إذ كان معلوماً أن الإنقاء قد يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين فلمّا اشترط العدد لفظاً وكان الإنقاء من معقول الخبر ضمناً دل على أنه إيجاب للأمرين معاً، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى لأن الماء يزيل العين والأثر فحل محل الحس والعيان ولم يحتج فيه إلى استظهار بالعدد، والحجر لا يزيل الأثر وإنمّا يفيد الطهارة من طريق الاجتهاد،

стр. 12

فصار العدد من شرطه استظهاراً كالعدة بالأقراء لما كانت دلالتها من جهة الظهور والغلبة على سبيل الاجتهاد شرط فيها العدد وإن كانت براءة الرحم قد تكون بالقرء الواحد. ألا ترى أن الأمة تستبرأ بحيضة واحدة فتكفي. فأمّا وضع الحمل الذي دلالته من باب اليقين والإحاطة فإنه لم يحتج فيه إلى شيء من العدد، فكذلك الماء والحجارة في معانيها. وعند أصحاب الرأي أن الإنقاء إذا وقع بالحجر الواحد كفى غير أن مرجع جملة قولهم في ذلك إلى أنه استحباب لا إيجاب، وعلى هذا تأولوا الحديث، وذلك أنهم يقولون إن كانت النجاسة هناك أكثر من قدر الدرهم فإنه لا يطهره إلاّ الماء وإن كان بقدر الدرهم فلم يزله بالحجارة أو بما يقوم مقامها وصلى أجزأه. فجاء من هذا أنه إذا أمر بالاستنجاء فإن ذلك منه على سبيل الاستحباب دون الإيجاب. قلت ولا ينكر على مذهبهم أن يكون المراد بالاستنجاء الإنقاء ويدخله مع ذلك التعبد بزيادة العدد، وقد قالوا في غسل النجاسات بإيجاب الثلاث، فإن لم تزل فإن الزيادة عليها واجبة حتى يقع الإنقاء، وقد أجاز الشافعي ثلاث امتساحات بحروف الحجر الواحد وأقامها مقام ثلاثة أحجار. ومذهبه في تأويل الخبر أن معنى الحجر أوفى من اسمه وكل كلام كان معناه أوسع من اسمه فالحكم للمعنى وكأنه قال: الحجر وحروفه وجوانبه والاستنجاء غير واقع بكل الحجر لكن ببعضه، فأبعاض الحجر الواحد كأبعاض الأحجار. وأما نهيه عن الاستنجاء بالعظم فقد دخل فيه كل عظم من ميتة أو ذكيّ لأن الكلام على إطلاقه وعمومه، وقد قيل إن المعنى في ذلك أن العظم زلج لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البلة، وقيل إن العظم لا يكاد يعرى

стр. 13

من بقية دسم قد علق به. ونوع العظام قد يتأتى فيه الأكل لبني آدم لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشمش في حالة الوُجد والرفاهية والغليظ الصلب منه يدق ويستف عند المجاعة، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم والرجيع والعذرة. وسُمي رجيعاً لرجوعه عن حالة الطهارة إلى الاستحالة والنجاسة. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد، حَدَّثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «إنمّا أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلِّمُكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يَسْتَطِبْ بيمينه» ، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الرَّوثِ والرِمَّة. قوله إنمّا أنا لكم بمنزلة الوالد كلام بسط وتأنيس للمخاطبين لئلا يحتشموه ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم كما لا يستحي الولد عن مسألة الوالد فيما عنّ وعرض له من أمر. وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين. وقوله ولا يستطب بيمينه أي لا يستنجي بها وسمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن يقال استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطيب وأطاب فهو مطيب ومعنى الطيب ههنا الطهارة، ومن هذا قوله تعالى ﴿فتيمموا صعيدا طيباً﴾ [النساء: ٤٣] وسمى رسول الله ﷺ المدينة طابة ومعناه طهارة التربة وهي سبخة فدل ذلك على جواز التيمم بالسباخ وقيل معناه الطهارة من النفاق. وأصل الاستنجاء في اللغة الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة والنجوة المرتفعة منها كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي فقيل على هذا قد

стр. 14

استنجى الرجل أي أزال النجو عن بدنه. والنجو كناية عن الحدث كما كنى عنه بالغائط وأصل الغائط المطمئن من الأرض كانوا ينتابونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهية لذكره بخاص اسمه. ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها واستعمال الكناية في كلامها وصون الألسنة عما تصان الأسماع والأبصار عنه. وقيل أصل الاستنجاء نزع الشيء عن موضعه وتخليصه منه، ومنه قولهم نجوت الرطب واستنجيته إذا جنيته واستنجيت الوتر إذا خلصته من أثناء اللحم والعظم قال الشاعر: فتبازت فتبارخت لها ... قعدة الجازر يستنجي الوتر وفي قوله يأمرنا بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة دليل على أن أعيان الحجارة غير مختصة بهذا المعنى دون غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة وذلك أنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة فخصهما بالنهي دل على أن ما عدا الروث والرمة قد دخل في الإباحة وأن الاستنجاء به جائز ولو كانت الحجارة مخصوصة بذلك وكان كل ما عداها بخلاف ذلك لم يمكن لنهيه عن الروث والرمة وتخصيصها بالذكر معنى، وإنما جرى ذكر الحجارة وسبق اللفظ إليها لأنها كانت أكثر الأشياء التي يستنجى بها وجوداً وأقربها متناولاً، والرمة العظام البالية ويقال إنها سميت رمة لأن الإبل ترمها أي تأكلها قال لبيد: والّنيب إن تعر مني رمة خَلَقاً ... بعد الممات فأنى كنت اتّئر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد، عَن أبي أيوب رواية قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا بول ولكن شرقوا وغربوا، فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت

стр. 15

قبل القبلة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله. قوله شرقوا وغربوا هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته عنى ذلك السمت فأما من كانت قبلته إلى جهة المغرب أو المشرق فإنه لا يغرب ولا يشرق، والمراحيض جمع المرحاض وهو المغتسل يقال رحضت الثوب إذا غسلته. وقد اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة وتخريجها فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحارى والأبنية وهو مذهب سفيان الثوري. وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهي عنه إنمّا جاء في الصحارى، فأما الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها، وكذلك قال الشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي وقد قيل إن المعنى هو أن الفضاء من الأرض موضع للصلاة ومتعبد للملائكة والإنس والجن فالقاعد فيه مستقبلا للقبلة ومستدبرا لها مستهدف للأبصار، وهذا المعنى مأمون في الأبنية. قلت الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى لأن في ذلك جمعا بين الأخبار المختلفة واستعمالها على وجوهها كلها، وفي قول أبي أيوب وسفيان تعطيل لبعض الأخبار وإسقاط له. وقد روى أبو داود عن ابن عمر أنه قال: ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. قال حدثناه عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر. وروي أيضاً عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. قال حدثناه محمد بن بشار نا وهب

стр. 16

بن جرير نا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله. قلت وفي هذا بيان ما ذكرناه من صحة مذهب من فرق بين البناء والصحراء غير أن جابراً توهم أن النهي عنه كان على العموم فحمل الأمر في ذلك على النسخ. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى، عَن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي. قال نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط. أراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس وهذا يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس إذ كان مرة قبلة لنا. ويحتمل أن يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة. ومن باب كراهية الكلام على الخلاء قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة نا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال حدثني أبو سعيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا يخرج الرجلان يضرمان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) . قوله يضرمان الغائط قال أبو عمر صاحب أبي العباس يقال ضربت الأرض

стр. 17

إذا أتيت الخلا وضربت في الأرض إذا سافرت. ومن باب أيرد السلام وهو يبول قال أبو داود: حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حَدَّثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر. قال مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم فلم يرد عليه. قال أبو داود وروى ابن عمر وغيره أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام. وفي رواية المهاجر بن قنفذ أنه توضأ ثم اعتذر إليه فقال إني كرهت أن أذكر الله إلاّ على طهر. قلت وفي هذا دلالة على أن السلام الذي يحيي به الناس بعضهم بعضا اسم من أسماء الله . وقد روي ذلك في حديث حدثناه محمد بن هاشم حدثنا الدّبري عن عبد الرزاق حدثنا بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «إن السلام اسم من أسماء الله فأفشوه بينكم» . وفي الحديث من الفقه أنه قد تيمم في الحضر لغير مرض ولا جرح. وإلى هذا ذهب الأوزاعي في الجنب يخاف إن اغتسل أن تطلع الشمس قال يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت. وقال أصحاب الرأي إذا خاف فوات صلاة الجنازة والعيدين يتيمم وأجزأه. وفيه أيضاً حجة للشافعي فيمن كان محبوسا في حش أو نحوه فلم يقدر على الطهارة بالماء أنه يتيمم ويصلي على حسب الإمكان إلاّ أنه يرى عليه الإعادة إذا قدر عليها، وكذلك قال في المصلوب وفيمن لا يجد ماءً ولا ترابا أنه يصلي ويعيد وزعم أن لأوقات الصلاة أذمة!!! تُرعى ولا تُعطل حُرُماتها، ألا ترى أن النبي

стр. 18

صلى الله عليه وسلم أمر أن ينادى في يوم عاشوراء من لم يأكل فليصمه ومن أكل فليمسك بقية النهار. ومعلوم أن صوم بعض النهار لا يصح وقد يمضى في فاسد الحج وإن كان غير محسوب له عن فرضه. ومن باب الاستبراء من البول قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب وهناد بن السري قالا: حَدَّثنا وكيع، حَدَّثنا الأعمش قال سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس عن ابن عباس قال مر النبي ﷺ على قبرين فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما هذا فكان لا يستبرىء أو لا يستنزه من البول وأما هذا فكان يمشي بالنميمة ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً وقال لعله يخفف عنهما العذاب ما لم ييبسا. قوله وما يعذبان في كبير معناه أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأن الذنب فيهما هين سهل. وفي قوله ﷺ : أما هذا فكان لا يستنزه من البول دلالة على أن الأبوال كلها نجسة مجتنبة من مأكول اللحم وغير مأكوله لورود اللفظ به مطلقاً على سبيل العموم والشمول وفيه إثبات عذاب القبر، وأما غرسه شق العسيب على القبر وقوله ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب

стр. 19

معنى ليس في اليابس والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله أعلم. ومن باب البول قائماً قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن سليمان، عَن أبي وائل عن حذيفة قال أتى رسولُ الله ﷺ سباطة قوم فبال قائماً ثم دعا بماء فمسح على خُفيه قال فذهبتُ أتباعد فدعاني حتى كنت عند عقبه. السباطة مُلقى التراب والقِمام ونحوه تكون بفناء الدار مرفقا للقوم ويكون ذلك في الأغلب سهلاً منثالاً يخد فيه البول فلا يرتد على البائل. وأما بوله قائماً فقد ذكر فيه وجوه منها أنه لم يجد للقعود مكانا فاضطر إلى القيام إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعا عاليا وقيل إنه كان برجله جرح لم يتمكن من القعود معه وقد روي ذلك في حديث حدثت به عن محمد بن عقيل. قال: حدثني يحيى بن عبد الله الهمداني،، قال: حَدَّثنا حماد بن غسان الجعفي حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك بن أنس، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بال قائماً من جرح كان بمأبضه. وحدثونا عن الشافعي أنه قال: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً فنرى أنه لعلة. كان به إذ ذاك وجع الصلب والله أعلم. وروي عن عمر أنه بال قائماً وقال البول قائماً أحصن للدبر يريد به أنه إذا تفاج قاعداً استرخت مقعدته، وإذا كان قائماً كان أحصن لها، والثابت عن رسول الله ﷺ والمعتاد من فعله أنه كان يبول قاعداً وهذا هو الاختيار وهو

стр. 20

المستحسن في العادات، وإنما كان ذلك الفعل منه نادرا لسبب أو ضرورة دعته إليه وفي الخبر دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر والأذى، وفيه جواز المسح من الحدث على الخفين. وأما قوله فدعاني حتى كنت عند عقبه فالمعنى في إدنائه إياه مع إبعاده في الحاجة إذا أرادها أن يكون سترا بينه وبين الناس، وذلك أن السباطة إنمّا تكون في الأفنية والمحال المسكونة أو قريبة منها ولا تكاد تلك البقعة تخلو من المارة. ومن باب المواضع التي نهي عن البول فيها قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللاعنين قيل وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم. قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب أبو حفص وحديثه أتمُّ أن سعيد بن الحكم حدثهم قال أخبرني نافع بن يزيد، قال: حَدَّثنا حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحِميري حدثه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا الملاعن الثلاث البَراز في الموارد وقارعة الطريق والظل. قوله اتقوا اللاعنين يريد الأمرين الجالبين للّعن الحاملين الناس عليه والداعِيَين إليه، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم فلما صارا سببا لذلك أضيف إليهما الفعل فكان كأنهما اللاعنان، وقد يكون اللاعن أيضاً بمعنى الملعون فاعل بمعنى مفعول كما قالوا سر كاتم أي مكتوم وعيشة راضية أي مرضية، والملاعن مواضع اللعن والموارد طرق الماء وأحدها موردة والظل هنا يراد به مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلا

стр. 21

ومناخا ينزلونه وليس كل ظل يحرم القعود للحاجة تحته فقد قعد النبي ﷺ لحاجته تحت حايش من النخل وللحايش لا محالة ظل، وإنما ورد النهي عن ذلك في الظل يكون ذرىً للناس ومنزلاً لهم. باب البول قي المستحم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: حَدَّثنا عبد الرزاق حدثنا معمر حدثني أشعثُ عن الحسن عن ابن مُغفل قال قال رسول الله ﷺ : لا يبولنّ أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه فإن عامة الوسواس تكون منه. المستحم المغتسل وسمي مستحماً باسم الحميم وهو الماء الحار الذي يغتسل به وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جَددا صلبا أولم يكن مسلك ينفذ فيه البول ويسيل فيه الماء فيوهم المغتسل أنه أصابه من قطره ورشاشه فيورثه الوسواس. ومن باب ما يقول إذا خرج من الخلاء قال أبو داود: حدثنا عمرو بن محمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا إسرائيل عن يوسف من أبى بُردة عن أبيه قال حدثتني عائشة أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال غُفرانك. الغفران مصدر كالمغفرة وإنما نصبه بإضمار الطلب والمسألة كأنه يقول اللهم إني أسألك غفرانك كما تقول اللهم عفوك ورحمتك تريد هب لي عفوك ورحمتك وقيل في تأويل ذلك وفي تعقيبه الخروج من الخلاء بهذا الدعاء قولان أحدهما أنه قد استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدة لبثه على الخلاء، وكان ﷺ لا يهجر ذكر الله إلاّ عند الحاجة فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحالة تقصيرا وعده على نفسه ذنبا فتداركه بالاستغفار.

стр. 22

وقيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروج الأذى منه فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعم ففزع إلى الاستغفار منه والله أعلم. ومن باب كراهة مس الذكر في الاستبراء قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حَدَّثنا أبان حدثنا يحيى عن عبد الله بن قتادة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً. إنما كره مس الذكر باليمين تنزيها لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث وكان ﷺ يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه ويسراه لما عداها من مهنة البدن. وقد تعرض ههنا شبهة ويشكل فيه مسألة فيقال قد نهى عن الاستنجاء باليمين ونهى عن مس الذكر باليمين فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وان أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بشماله فقد دخل في النهي. فالجواب أن الصواب في مثل هذا أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه أو بالجدار أو بالموضع الناتىء من وجه الأرض وبنحوها من الأشياء، فإن أدته الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة والنبل ونحوها فالوجه أن يتأتى لذلك بأن يلصق مقعدته إلى الأرض ويمسك الممسوح بين عقبيه ويتناول عضوه بشمال فيمسحه به وينزه عنه يمينه. وسمعت ابن أبي هريرة يقول حضرت مجلس المحاملي، وقد حضر شيخ من أهل أصفهان نبيل الهيئة قدم أيام الموسم حاجا فأقبلت عليه وسألته عن مسألة

стр. 23

من الطهارة فضجر وقال: مثلي يسأل عن مسائل الطهارة. فقلت لا والله إن سألتك إلاّ عن الاستنجاء نفسه وألقيت عليه هذه المسألة فبقي متحيرا لا يحسن الخروج منها إلى أن فهمته. وأما نهيه عن الشرب نفساً واحداً فنهي تأديب وذلك أنه إذا جرعه جرعاً واستوفى ريه نفساً واحداً تكابس الماء في موارد حلقه وأثقل معدته. وقد روي أن الكُباد من العب وهو إذا قطع شربه في أنفاس ثلاثة كان أنفع لريه وأخف لمعدته وأحسن في الأدب وأبعد من فعل ذوي الشره. ومن باب الاستتار في الخلاء قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى عن ثور عن الحصين الجبراني، عَن أبي سعد، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلاّ أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد ابن آدم. قوله من استجمر فليوتر الاستجمار الاستنجاء بالأحجار ومنه رمي الجمار في الحج، وهي الحصا التي يرمى بها في أيام منى، وحدثني محمد بن الحسين بن عاصم وإبراهيم بن عبد الله القصار ومحمد بن الحباب قالوا حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول سئل ابن عيينة عن معنى قوله ﷺ من استجمر فليوتر فسكت ابن عيينة، فقيل له أترضى بما قال مالك؟ فقال وما قال مالك؟ قيل قال مالك الاستجمار الاستطابة بالأحجار. فقال ابن عيينة إنمّا مثلي ومثل مالك كما قال الأول:

стр. 24

وابن اللبون إذا ما لز في قرن...... لم يستطع صولة البزل القناعيس وقوله ﷺ : من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج معناه التخيير بين الماء الذي هو الأصل في الطهارة وبين الأحجار التي هي للترخيص والترفيه يريد أن الاستنجاء ليس بعزيمة لا يجوز تركها إلى غيره لكنه إن استنجى بالحجارة فليجعلها وتراً ثلاثاً وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره، وليس معناه رفع الحرج في ترك التعبد أصلا بدليل حديث سلمان الذي رويناه متقدما وهو قوله نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وفيه وجه آخر وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث، وذلك أن ما جاوز الثلاث في الماء عدوان وترك للسنة. والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعا وقوله ﷺ إن الشيطان يلعب بمقاعد ابن آدم، فمعناه أن الشياطين تحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله وتكشف فيها العورات، وهو معنى قوله إن هذه الحشوش محتضرة فأمر ﵇ بالتستر ما أمكن وأن لا يكون قعود الإنسان في براح من الأرض تقع عليه أبصارالناظرين فيتعرض لانتهاك الستر أو تهب عليه الريح فيصيبه نشر البول عليه والخلاء فيلوث بدنه وثيابه وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالأذى والفساد. وفي قوله: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، دليل على أن أمر النبي ﷺ على الوجوب واللزوم ولولا أن ذلك حكم الظاهر منه ما كان يحتاج فيه إلى بيان سقوط وجوبه وإزالة الإثم والحرج فيه.

стр. 25

ومن باب ما ينهى أن يستنجى به قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهب الهمداني حدثني المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس القِتباني أن شُييم بن بينان أخبره عن شيبان القتباني عن رُوَيفع بن ثابت قال إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصلُ والريشُ وللآخر القدح. ثم قال قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً منه بريء. النضو ههنا البعير المهزول يقال بعير نضو وناقة نضو ونضوة وهو الذي أنضاه العمل وهزله الكد والجهد، وفي هذا حجة لمن أجاز أن يعطي الرجل فرسه أو بعيره على شطر ما يصيبه المستأجر من الغنيمة، وقد أجازه الأوزاعي وأحمد ولم يجز أكثر الفقهاء، وإنما رأوا في مثل هذا أجرة المثل. وقوله وإن كان أحدنا ليطير له النصل أي يصيبه في القسمة يقال طار لفلان النصف ولفلان الثلث إذا وقع له ذلك في القسمة والقدح خشب السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل، وفيه دليل على أن الشيء المشترك بين الجماعة إذا احتمل القسمة وطلب أحد الشركاء المقاسمة كان له ذلك ما دام ينتفع بالشيء الذي يخصه منه وان قل ونزر وذلك لأن القدح قد ينتفع به عريا من الريش والنصل، وكذلك قد ينتفع بالنصل والريش وإن لم يكونا مركبين في قدح. فأما ما لا ينتفع بقسمته أحد من الشركاء وكان في ذلك الضرر والإفساد للمال كاللؤلؤة تكون بين الشركاء ونحوها من الشيء الذي إذا فرق بين أجزائه بطلت قيمته وذهبت منفعته فإن المقاسمة لا تجب فيه

стр. 26

لأنها حينئذ من باب إضاعة المال ويبيعون الشيء ويقتسمون الثمن بينهم على قدر حقوقهم منه. وأما نهيه عن عقد اللحية فإن ذلك يفسر على وجهين: أحدهما ما كانوا يفعلونه من ذلك في الحروب كانوا في الجاهلية يعقدون لحاهم وذلك من زي الأعاجم يفتلونها ويعقدونها، وقيل معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث. وأما نهيه عن تقليد الوتر فقد قيل إن ذلك من أجل العوذ التي يعلقونها عليه والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار وكانوا يرون أنها تعصم من الآفات وتدفع عنهم المكاره فأبطل النبي ﷺ ذلك من فعلهم ونهاهم عنه وقد قيل إن ذلك من جهة الأجراس التي يعلقونها بها. وقيل أنه نهى عن ذلك لئلا تختنق الخيل بها عند شدة الركض. قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شُريح الحمصي حدثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود قال قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممةٍ فإن الله جعل لنا فيها رزقاً قال فنهى النبي ﷺ . الحمم الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي عنه لأنه جعل رزقاً للجن فلا يجوز إفساده عليهم، وفيه أيضاً أنه إذا مس ذلك المكان وناله أدنى غمز وضغط تفتت لرخاوته فعلق به شيء منه متلوثاً بما يلقاه من تلك النجاسة وفي معناه الاستنجاء بالتراب وفتات المدر ونحوهما.

стр. 27

ومن باب الاستنجاء بالماء قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن خالد الواسطي عن خالد الحذاء عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ دخل حائطا ومعه غلام معه ميْضأةٌ وهو أصغرنا فوضعها عند السدرة فقضى حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء. الميضأة شبه المطهرة تسع من الماء قدر ما يتوضأ به وفيه من العلم أن حمل الخادم الماء إلى المغتسل غير مكروه وأن الأدب فيه أن يليه الأصاغر من الخدم دون الكبار. وفيه استحباب الاستنجاء بالماء وإن كانت الحجارة مجزية. وقد كره قوم من السلف الاستنجاء بالماء وزعم بعض المتأخرين أن الماء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذلك، والسنة تقضي على قوله وتبطله، وكان بعض القراء يكره الوضوء في مشارع المياه الجارية وكان يستحب أن يؤخذ له الماء في ركوة أو ميضأة، وزعم أنه من السنة لأنه لم يبلغه أن النبي ﷺ توضأ على نهر أو شرع في ماء جار، قلت وهذا عندي من أجل أنه لم يكن بحضرته المياه الجارية والأنهار المطردة، فأما من كان في بلاد ريف وبين ظهراني مياه جارية فأراد أن يشرع فيها ويتوضأ منها كان له ذلك من غير حرج في حق دين ولا سنة. ومن باب السواك قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد عن سفيان، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة يرفعه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة. فيه من الفقه أن السواك غير واجب وذلك أن لولا كلمة تمنع الشيء لوقوع

стр. 28

غيره فصار الوجوب بها ممنوعا ولو كان السواك واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق. وفيه دليل أن أصل أوامره على الوجوب ولولا أنه إذا أمرنا بالشيء صار واجبا لم يكن لقوله لأمرتهم به معنى وكيف يشفق عليهم من الأمر بالشيء وهو إذا أمر به لم يجب ولم يلزم فثبت أنه على الوجوب ما لم يقم دليل على خلافه. وأما تأخيره العشاء فالأصل أن تعجيل الصلوات كلها أولى وأفضل وإنما اختار لهم تأخير العشاء ليقل حظ النوم وتطول مدة انتظار الصلاة وقد قال ﷺ : إن أحدكم في صلاة ما دام ينتظر الصلاة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر عم ذلك فقال حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة. قال يحتج بهذا الحديث من يرى أن المتيمم لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد وأن عليه أن يتيمم لكل صلاة فريضة. قال وذلك لأن الطهارة بالماء كانت مفروضة عليه لكل صلاة وكان معلوماً أن حكم التيمم الذي جعل بدلا عنها مثلها في الوجوب فلما وقع التخفيف بالعفو عن الأصل ولم يذكر سقوط التيمم كان باقيا على حكمه الأول وهو قول علي بن أبي طالب وابن عمر ﵄ والنخعي وقتادة وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. فإن سئل على هذا فقيل فهلا كان التيمم تبعاً له في السقوط كهو في الوجوب؟ قيل الأصل أن

стр. 29

الشيء إذا ثبت وصار شرعاً لم يزل عن محله إلا بيقين نسخ وليس مع من أسقطه إلاّ معنى يحتمل ما ادعاه ويحتمل غيره، والنسخ لا يقع بالقياس ولا بالأمور التي فيها احتمال. ومن باب الرجل يستاك بسواك غيره قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا عنبسة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر فأوحى إليه في فضل السواك أن كَبِّر أي أعط السواك أكبرهما. قوله يستن معناه يستاك وأصله مأخوذ من السن، وهو إمرارك الشيء الذي فيه حزونة على شيء آخر ومنه المسن الذي يشحذ به الحديد ونحوه يريد أنه كان يدلك أسنانه. وفيه من الأدب تقديم حق الأكبر من جماعة الحضور وتبديته على من هو أصغر منه وهو السنة في السلام والتحية والشراب والطيب ونحوها من الأمور. وفي معناه تقديم ذي السن بالركوب والحذاء والطست وما أشبه ذلك من الإرفاق. وفيه أن استعمال سواك الغير ليس بمكروه على ما يذهب إليه بعض من يتقزز إلاّ أن السنة فيه أن يغسله ثم يستعمله. ومن باب غسل السواك قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب، عَن أبي الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية

стр. 30

والسواك والاستنشاق بالماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء،، يَعني الاستنجاء بالماء. قال مصعب بن شيبة ونسيت العاشرة إلاّ أن تكون المضمضة. وفي رواية عمار بن ياسر أن رسول الله قال إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق وذكر نحوه ولم يذكر إعفاء اللحية وزاد والختان قال والانتضاح ولم يذكر انتقاص الماء. قوله ﷺ : عشر من الفطرة فسر أكثر العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة وتأويله أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم لقوله سبحانه ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] وأول من أُمر بها إبراهيم صلوات الله عليه وذلك قوله تعالى ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] . قال ابن عباس أمره بعشر خصال ثم عددهن فلما فعلهن قال إني جاعلك للناس إماما أي ليقتدي بك ويستن بسنتك وقد أمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصا وبيان ذلك في قوله تعالى ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النحل: ١٢٣] ويقال إنها كانت عليه فرضاً وهن لنا سنة. وأما إعفاء اللحية فهو إرسالها وتوفيرها كره لنا أن نقصها كفعل بعض الأعاجم وكان من زي آل كسرى قص اللحى وتوفير الشوارب فندب ﷺ أمته إلى مخالفتهم في الزي والهيئة. ويقال عفا الشعر والنبات إذا وفا وقد عفوته وأعفيته لغتان قال تعالى ﴿حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي أكثروا. وأما غسل البراجم فمعناه تنظيف المواضع التي تتشنج ويجتمع فيها الوسخ وأصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع، والرواجب ما بين البراجم

стр. 31

وواحدة البراجم بُرجمة. وأما الختان فإنه وإن كان مذكورا في جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب وذلك أنه شعار الدين وبه يعرف المسلم من الكافر، وإذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختتنين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين. وحكي، عَن أبي العباس بن شريح أنه كان يقول لا خلاف أن ستر العورة واجب فلولا أن الختان فرض لم يجز هتك حرمة المختون بالنظر إلى عورته. وأما انتضاح الماء الاستنجاء وأصله من النضح وهو الماء القليل، وانتقاص الماء الاستنجاء به أيضاً كما فسروه. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى المضمضة والاستنشاق غير واجبين في شيء من الطهارات ويراهما سنه كنظائرهما المذكورة معهما، إلاّ أنه قد يجوز أن يفرق بين القراين التي يجمعها نظم واحد بدليل يقوم على بعضها فيحكم له بخلاف حكم صواحباتها. وقد روي أنه كره من الشاة سبعا: الدم، والمرارة، والحيا، والغدة، والذكر والأنثيين، والمثانة. والدم حرام بالإجماع وعامة المذكورات معه مكروهه غير محرمة. باب قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن منصور وحُصين عن أبى وائل عن حذيفة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. قوله يشوص معناه يغسل يقال شاصه يشوصه، وماصه يموصه بمعنى واحد إذا غسله.

стр. 32

ومن باب فرض الوضوء قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن قتادة، عَن أبي المليح عن أبيه عن النبي ﷺ قال لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غُلول. فيه من الفقه أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة وتدخل فيها صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما من النوافل كلها. وفيه دليل أن الطواف لا يجزي بغير طهور لأن النبي ﷺ سماه صلاة فقال الطواف صلاة إلاّ أنه أبيح فيه الكلام. وفي قوله ولا صدقة من غلول بيان أن من سرق مالاً أو خانه ثم تصدق به لم يجز وإن كان نواه عن صاحبه وفيه مستدل لمن ذهب إلى أنه إن تصدق به على صاحب المال لم تسقط عنه تبعته. وإن كان طعاما فأطعمه إياه لم يبرأ منه ما لم يعلمه بذلك. وإطعام الطعام لأهل الحاجة صدقة ولغيرهم معروف وليس من أداء للحقوق ورد الظلامات. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان، عَن أبي عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال. قال رسول الله ﷺ مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم. فيه من الفقه أن تكبيرة الافتتاح جزء من إجراء الصلاة وذلك لأنه أضافها إلى الصلاة كما يضاف إليها سائر أجزائها من ركوع وسجود، وإذا كان كذلك لم يجز أن تعري مباديها عن النية لكن تضامها كما لا يجزيه إلاّ بمضامة سائر شرائطها

стр. 33

من استقبال القبلة وستر العورة ونحوهما. وفيه دليل أن الصلاة لا يجوز افتتاحها إلاّ بلفظ التكبير دون غيره من الأذكار وذلك لأنه قد عينه بالألف واللام اللتين هما للتعريف والألف واللام مع الإضافة يفيدان السلب والإيجاب وهو أن يسلبا الحكم فيما عدا المذكور ويوجبان ثبوت المذكور، كقولك فلان مبيته المساجد أي لا مأوى له غيرها، وحيلة الهم الصبر أي لا مدفع له إلاّ بالصبر ومثله في الكلام كثير. وفيه دليل على أن التحليل لا يقع بغير السلام لما ذكرنا من المعنى ولو وقع بغيره لكان ذلك خُلْفا في الخبر. ومن باب الماء يكون في الفلاة قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم قالوا حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عمر عن أبيه قال سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال ﷺ إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث. هذا لفظ ابن العلاء وقال عثمان والحسن بن علي ومحمد بن عباد بن جعفر قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا يزيد بن زُريع عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة فذكر معناه.

стр. 34

قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال حدثني أبي أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان الماء قلتين لا ينجس. قلت قد تكون القلة الإناء الصغير الذي تقله الأيدي ويتعاطى فيه الشرب كالكيزان ونحوها، وقد تكون القلة الجرة الكبيرة التي يقلها القوي من الرجال إلاّ أن مخرج الخبر قد دل على أن المراد به ليس النوع الأول لأنه إنما سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في المصانع والوهاد والغدرَان ونحوها. ومثل هذه المياه لاتحمل بالكوز والكوزين في العرف والعادة لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه فعلم أنه ليس معنى الحديث. وقد روي من غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج إذا كان الماء قلتين بقلال هجر. أخبرناه محمد بن هاشم حدثنا الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج. وذكر الحديث مرسلا وقال في حديثه بقلال هجر قال وقلال هجر مشهورة الصنيعة معلومة المقدار لا تختلف كما لا تختلف المكائل والصيعان والقرب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثال واحد وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها لأن الحد لا يقع بالمجهول ولذلك قيل قلتين على لفظ التثنية ولوكان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته فلما ثناها دل على أنه أكبر القلال لأن التثنية لا بد لها من فائدة وليست فائدتها إلاّ ما ذكرناه، وقد قدر العلماء القلتين بخمس قرب، ومنهم من قدرها بخمسمائة رطل. ومعنى قوله لم يحمل الخبث أي يدفعه عن نفسه كما يقال فلان لا يحتمل الضيم

стр. 35

إذ كان يأباه ويدفعه عن نفسه فأما من قال معناه أنه يضعف عن حمله فينجس فقد أحال لأنه لو كان كما قال لم يكن إذاً فرق بين ما بلغ من الماء قلتين وبين ما لم يبلغهما، وإنما ورد هذا مورد الفصل والتحديد بين المقدار الذي ينجس والذي لا ينجس ويؤكد ذلك قوله ﷺ فإنه لا ينجس من رواية عاصم بن المنذر. وممن ذهب إلى هذا في تحديد الماء، الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وأبو ثور وجماعة من أهل الحديث، منهم محمد بن إسحاق بن خزيمة. وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناده من قبل أن بعض رواته، قال عن عبد الله بن عبد الله، وقال بعضهم عبيد الله بن عبد الله، وليس هذا باختلاف يوجب توهينه لأن الحديث قد رواه عبيد الله وعبد الله معا. وذكروا أن الرواة قد اضطربوا فيه، فقالوا مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وهذا اختلاف من قبل أبي أسامة حماد بن أسامة القرشي. ورواه محمد بن إسحاق بن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير، فالخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث وكفى شاهدا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب. وقد يستدل بهذا الحديث من يرى سؤر السباع نجسا لقوله وما ينوبه من الدواب والسباع فلولا أن شرب السباع منه ينجسه لم يكن لمسألتهم عنه ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى، وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها وبالت فيها وتلك عادتها وطباعها وقل ماتخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، وقد ينتابها أيضاً في جملة السباع الكلاب وأسْآرها

стр. 36

نجسة ببيان السنة. ومن باب في بئر بضاعة قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثيرعن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عَن أبي سعيد الخدري أنه قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تطرح فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن. فقال رسول الله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء. قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث ان هذا كان منهم عادة وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدا وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي بل بوثني فضلا عن مسلم ولم يزل من عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه وصونها عن النجاسات فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين. والماء في بلادهم أعز والحاجة إليه أمس أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له، وقد لعن رسول الله ﷺ من تغوط في موارد الماء ومشارِعِه فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدا لأنجاس ومطرحا للأقذار، هذا ما لا يليق بحالهم، وإنما كان هذا من أجل أن هذه البئر موضعها في حَدور من الأرض وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيها وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء ولا يغيره فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة فكان من جوابه لهم أن الماء لا ينجسه شيء يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته وكثرة جمامه لأن السؤال إنمّا وقع عنها

стр. 37

بعينها فخرج الجواب عليها، وهذا لا يخالف حديث القلتين إذ كان معلوماً أن الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين فأحد الحديثين يوافق الآخر ولا يناقضه والخاص يقضي على العام ويبينه ولا ينسخه. قال أبو داود: حدثنا مسدد نا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو ليغتسل فقالت له يا رسول الله إني كنت جنبا فقال رسول الله: إن الماء لا يُجنب. قوله لا يجنب، معناه لا ينجس وحقيقته أنه لا يصير بمثل هذا الفعل إلى حال يجتنب فلا يستعمل، وأصل الجنابة البعد، ولذلك قيل للغريب جنب أي بعيد وسمي المجامع ما لم يغتسل جنبا لمجانبته الصلاة وقراءة القرآن كما سمي الغريب جنبا لبعده عن أهله ووطنه. وقد روي أربع لا يجنبن: الثوب والإ نسان والأرض والماء، وفسروه أن الثوب إذا أصابه عرق الجنب والحائض لم ينجس. والإنسلن إذا أصابته الجنابة لم ينجس وإن صافحه جنب أو مشرك لم ينجس. والماء إن أدخل يده فيه جنب أو اغتسل فيه لم ينجس. والأرض إن اغتسل عليها جنب لم تنجس. ومن باب البول في الماء الراكد قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن محمد بن عجلان قال سمعت أبي يحدث، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة. الماء الدائم هو الراكد الذي لا يجري، ونهيه عن الاغتسال فيه يدل على أنه

стр. 38

يسلبه حكمه كالبول فيه يسلبه حكمه إلاّ أن الاغتسال فيه لا ينجسه لأن بدن المؤمن ليس بنجس والبول ينجسه لنجاسته في نفسه. وفيه دليل على أن الوضوء بالماء المستعمل غير جائز وإنما ينجس الماء بالبول فيه إذا كان دون القلتين بدليل ما تقدم من الحديث. وفيه دليل على أن حكم الماء الجاري بخلاف الراكد لأن الشيء إذا ذكر بأخص أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه. والمعنى فيه أن الماء الجاري إذا خالطه النجس دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه فيه فيغلبه فيصير في معنى المستهلك ويخلفه الطاهر الذي لم يخالطه النجس والماء الراكد لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه لكن يداخله ويقارُّه فمهما أراد استعمال شيء منه كان النجس فيه قائماً والماء في حد القلة فكان محرما. ومن باب الوضوء بسؤر الكلب قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة في حديث هشام عن محمد، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مراراً أولاهن بالتراب. قال أبو داود وكذلك أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد. في هذا الحديث من الفقه أن الكلب نجس الذات ولولا نجاسته لم يكن لأمره بتطهير الإناء من ولوغه معنى. والطهور يقع في الأصل إما لرفع حدث أو لازالة نجس والإناء لا يلحقه حكم الحدث فعلم أنه قصد به إزالة النجس وإذا ثبت أن لسانه الذي يتناول به الماء نجس يجب تطهير الإناء منه علم أن سائر أجزائة وأبعاضه في النجاسة بمثابة لسانه فبأي جزء من أجزاء بدنه ماسه وجب تطهيره

стр. 39

وفيه البيان الواضح أنه لا يطهره أقل من عدد السبع وأن تعفيره بالتراب واجب. وإذا كان معلوماً أن التراب أنمّا ضم إلى الماء استظهارا في التطهير وتوكيدا له لغلظ نجاسة الكلب فقد عقل أن الأشنان وما أشبهه من الأشياء التي فيها قوة الجلاء والتهير بمنزلة التراب في الجواز. وفي دليل على أن الماءالمولوغ فيه نجس لأن الذي قد مسه الكلب هو الماء دون الإناء فلولا أن الماء نجس لم يجب تطهير الإناء منه. ويؤيد ذلك قوله في رواية أخرى إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبعا من طريق علي بن مُسهر عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ حدثناه غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا علي بن مسهر. ولو كان المولوغ فيه باقيا على طهارته لم يأمر بإراقته، وقد يكون لبنا وزيتا ونحو ذلك من المطعوم وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الماء طاهر وأن غسل الإناء تعبد، وقد دل الحديث على فساد هذا القول وبطلانه. وذهب مالك والأوزاعي إلى أنه إذا لم يجد ماءً غيره توضأ به، وكان سفيان الثوري يقول يتوضأ به إذا لم يجد ماء غيره. ثم يتيمم بعده. فدل هذا من فتواهم على أن الماء المولوغ فيه عندهم ليس على النجاسة المحضة، وخالفهم من سواهم من أهل العلم ومنعوا التطهير به وحكموا بنجاسته. وفي الخبر دليل على أن الماء القليل إذا حلته نجاسة فسد، وفيه دليل على تحريم بيع الكلب إذ كان نجس الذات فصار كسائر النجاسات.

стр. 40

ومن باب في سؤر الهرة قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءا فجاعت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة فرآني أنظر إليه فقال أتعجبين ما بنت أخي فقلت نعم. فقال إن رسول الله ﷺ قال لها: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات. فيه من الفقه أن ذات الهرة طاهرة وأن سؤرها غير نجس وأن الشرب منه والوضوء به غير مكروه. وفيه دليل على أن سؤر كل طاهر الذات من السباع والدواب والطير وإن لم يكن مأكول اللحم طاهر. وفيه دليل على جواز بيع الهر إذ قد جمع الطهارة والنفع. وقوله إنها من الطوافين أو الطوافات عليكم يتأول على وجهين أحدهما أن يكون شبهها بخدم البيت وبمن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة المهنة كقوله تعالى ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور: ٥٨] ، يَعني المماليك والخدم وقال تعالى ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ [الواقعة: ١٧] وقال ابن عمر إنمّا هي ربيطة من ربائط البيت والوجه الآخر أن يكون شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة ويتعرض للمسألة.
следующие страницы →