← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نجسة ببيان السنة. ومن باب في بئر بضاعة قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثيرعن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عَن أبي سعيد الخدري أنه قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تطرح فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن. فقال رسول الله ﷺ الماء طهور لا ينجسه شيء. قد يتوهم كثير من الناس إذا سمع هذا الحديث ان هذا كان منهم عادة وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدا وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي بل بوثني فضلا عن مسلم ولم يزل من عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه وصونها عن النجاسات فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهم أعلى طبقات أهل الدين وأفضل جماعة المسلمين. والماء في بلادهم أعز والحاجة إليه أمس أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له، وقد لعن رسول الله ﷺ من تغوط في موارد الماء ومشارِعِه فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدا لأنجاس ومطرحا للأقذار، هذا ما لا يليق بحالهم، وإنما كان هذا من أجل أن هذه البئر موضعها في حَدور من الأرض وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيها وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء ولا يغيره فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة فكان من جوابه لهم أن الماء لا ينجسه شيء يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته وكثرة جمامه لأن السؤال إنمّا وقع عنها

стр. 37

بعينها فخرج الجواب عليها، وهذا لا يخالف حديث القلتين إذ كان معلوماً أن الماء في بئر بضاعة يبلغ القلتين فأحد الحديثين يوافق الآخر ولا يناقضه والخاص يقضي على العام ويبينه ولا ينسخه. قال أبو داود: حدثنا مسدد نا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو ليغتسل فقالت له يا رسول الله إني كنت جنبا فقال رسول الله: إن الماء لا يُجنب. قوله لا يجنب، معناه لا ينجس وحقيقته أنه لا يصير بمثل هذا الفعل إلى حال يجتنب فلا يستعمل، وأصل الجنابة البعد، ولذلك قيل للغريب جنب أي بعيد وسمي المجامع ما لم يغتسل جنبا لمجانبته الصلاة وقراءة القرآن كما سمي الغريب جنبا لبعده عن أهله ووطنه. وقد روي أربع لا يجنبن: الثوب والإ نسان والأرض والماء، وفسروه أن الثوب إذا أصابه عرق الجنب والحائض لم ينجس. والإنسلن إذا أصابته الجنابة لم ينجس وإن صافحه جنب أو مشرك لم ينجس. والماء إن أدخل يده فيه جنب أو اغتسل فيه لم ينجس. والأرض إن اغتسل عليها جنب لم تنجس. ومن باب البول في الماء الراكد قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن محمد بن عجلان قال سمعت أبي يحدث، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة. الماء الدائم هو الراكد الذي لا يجري، ونهيه عن الاغتسال فيه يدل على أنه

стр. 38

يسلبه حكمه كالبول فيه يسلبه حكمه إلاّ أن الاغتسال فيه لا ينجسه لأن بدن المؤمن ليس بنجس والبول ينجسه لنجاسته في نفسه. وفيه دليل على أن الوضوء بالماء المستعمل غير جائز وإنما ينجس الماء بالبول فيه إذا كان دون القلتين بدليل ما تقدم من الحديث. وفيه دليل على أن حكم الماء الجاري بخلاف الراكد لأن الشيء إذا ذكر بأخص أوصافه كان حكم ما عداه بخلافه. والمعنى فيه أن الماء الجاري إذا خالطه النجس دفعه الجزء الثاني الذي يتلوه فيه فيغلبه فيصير في معنى المستهلك ويخلفه الطاهر الذي لم يخالطه النجس والماء الراكد لا يدفع النجس عن نفسه إذا خالطه لكن يداخله ويقارُّه فمهما أراد استعمال شيء منه كان النجس فيه قائماً والماء في حد القلة فكان محرما. ومن باب الوضوء بسؤر الكلب قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة في حديث هشام عن محمد، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مراراً أولاهن بالتراب. قال أبو داود وكذلك أيوب وحبيب بن الشهيد عن محمد. في هذا الحديث من الفقه أن الكلب نجس الذات ولولا نجاسته لم يكن لأمره بتطهير الإناء من ولوغه معنى. والطهور يقع في الأصل إما لرفع حدث أو لازالة نجس والإناء لا يلحقه حكم الحدث فعلم أنه قصد به إزالة النجس وإذا ثبت أن لسانه الذي يتناول به الماء نجس يجب تطهير الإناء منه علم أن سائر أجزائة وأبعاضه في النجاسة بمثابة لسانه فبأي جزء من أجزاء بدنه ماسه وجب تطهيره

стр. 39

وفيه البيان الواضح أنه لا يطهره أقل من عدد السبع وأن تعفيره بالتراب واجب. وإذا كان معلوماً أن التراب أنمّا ضم إلى الماء استظهارا في التطهير وتوكيدا له لغلظ نجاسة الكلب فقد عقل أن الأشنان وما أشبهه من الأشياء التي فيها قوة الجلاء والتهير بمنزلة التراب في الجواز. وفي دليل على أن الماءالمولوغ فيه نجس لأن الذي قد مسه الكلب هو الماء دون الإناء فلولا أن الماء نجس لم يجب تطهير الإناء منه. ويؤيد ذلك قوله في رواية أخرى إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبعا من طريق علي بن مُسهر عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ حدثناه غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى حدثنا إسماعيل بن خليل حدثنا علي بن مسهر. ولو كان المولوغ فيه باقيا على طهارته لم يأمر بإراقته، وقد يكون لبنا وزيتا ونحو ذلك من المطعوم وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الماء طاهر وأن غسل الإناء تعبد، وقد دل الحديث على فساد هذا القول وبطلانه. وذهب مالك والأوزاعي إلى أنه إذا لم يجد ماءً غيره توضأ به، وكان سفيان الثوري يقول يتوضأ به إذا لم يجد ماء غيره. ثم يتيمم بعده. فدل هذا من فتواهم على أن الماء المولوغ فيه عندهم ليس على النجاسة المحضة، وخالفهم من سواهم من أهل العلم ومنعوا التطهير به وحكموا بنجاسته. وفي الخبر دليل على أن الماء القليل إذا حلته نجاسة فسد، وفيه دليل على تحريم بيع الكلب إذ كان نجس الذات فصار كسائر النجاسات.

стр. 40

ومن باب في سؤر الهرة قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءا فجاعت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة فرآني أنظر إليه فقال أتعجبين ما بنت أخي فقلت نعم. فقال إن رسول الله ﷺ قال لها: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات. فيه من الفقه أن ذات الهرة طاهرة وأن سؤرها غير نجس وأن الشرب منه والوضوء به غير مكروه. وفيه دليل على أن سؤر كل طاهر الذات من السباع والدواب والطير وإن لم يكن مأكول اللحم طاهر. وفيه دليل على جواز بيع الهر إذ قد جمع الطهارة والنفع. وقوله إنها من الطوافين أو الطوافات عليكم يتأول على وجهين أحدهما أن يكون شبهها بخدم البيت وبمن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة المهنة كقوله تعالى ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور: ٥٨] ، يَعني المماليك والخدم وقال تعالى ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ [الواقعة: ١٧] وقال ابن عمر إنمّا هي ربيطة من ربائط البيت والوجه الآخر أن يكون شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة يريد أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للحاجة ويتعرض للمسألة.

стр. 41

ومن باب الوضوء بفضل وضوء المرأة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيىعن سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان. فيه دليل على أن الجنب ليس بنجس، وأن فضل وضوء المرأة طاهركفضل وضوء الرجل. وروى أبو داود في هذا الباب حديثا آخر في النهي عن فضل طهور المرأة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار نا أبو داود [زاد في المتن، يَعني الطيالسي] حدثنا شعبة عن عاصم، عَن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو وهو الأقرع أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. فكان وجه الجمع بين الحديثين أن ثبت حديث الأقرع أن النهي إنما وقع عن التطهير بفضل ما تستعمله المرأة من الماء وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به دون الفضل الذي تسئره في الإناء، وفيه حجة لمن رأى أن الماء المستعمل لا يجوز الوضوء به. ومن الناس من يجعل النهي في ذلك على الاستحباب دون الإيجاب، وكان ابن عمر يذهب إلى النهي عن فضل وضوء المرأة، إنما هو إذا كانت جنبا أو حائضا فإذا كانت طاهرا فلا بأس به. وإسناد حديث عائشة في الإباحة أجود من إسناد خبر النهي. وقال محمد بن إسماعيل: خبر الأقرع لا يصح. والصحيح في هذا الباب حديث عبد الله بن سرجس وهو موقوف ومن رفعه فقد أخطأ.

стр. 42

ومن باب الوضوء بماء البحر قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفتوضأ بماء البحر؟ فقال ﷺ هو الطهور ماؤه الحل ميتته. في هذا الحديث أنواع من العلم منها أن المعقول من الطهور والغسول المضمنين في قوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] الآية إنما كان عند السامعين له والمخاطبين به الماء المفطور على خلقته السليم في نفسه الخلي من الأعراض المؤثرة فيه ألا تراهم كيف ارتابوا بماء البحر لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم حتى سألوا رسول الله ﷺ واستفتوه عن جواز التطهير به. وفيه أن العالم والمفتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي يتضمنها مسألته أو تتصل بمسألته كان مستحبا له تعليمه إياه والزيادة في الجواب عن مسألته ولم يكن ذلك عدوانا في القول ولا تكلفا لما لا، يَعني من الكلام ألا تراهم سألوه عن ماء البحر حسب، فأجابهم عن مائه وعن طعامه لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة منهم انتظمهما الجواب منه لهم. وأيضاً فإن علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالا مشكل في الأصل، فلما رأى السائل جاهلا بأظهر الأمرين

стр. 43

غير مستبين للحكم فيه علم أن أخفاهما أولاهما بالبيان ونظير هذا قوله للرجل الذي أساء الصلاة بحضرته فقال له صل فإنك لم تصل فأعادها ثلاثا كل ذلك يأمره بإعادة الصلاة إلى أن سأله الرجل أن يعلمه الصلاة فابتدأ فعلمه الطهارة ثم علمه الصلاة وذلك والله أعلم لأن الصلاة شيء ظاهر تشتهره الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به الناس في ستر وخفاء فلما رآه ﷺ جاهلا بالصلاة حمل أمره على الجهل بأمر الطهارة فعلمه إياها. وفيه وجه آخر وهوأنه لما أعلمهم بطهارة ماء البحر وقد علم أن في البحر حيوانا قد يموت فيه والميتة نجس احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة حلال بخلاف سائر الميتات لئلا يتوهموا أن ماءه ينجس بحلولها إياه. وفيه دليل على أن السمك الطافي حلال وأنه لا فرق بين ما كان موته في الماء وبين ما كان موته خارج الماء من حيوانه. وفيه مستدل لمن ذهب إلى أن حكم جميع أنواع الحيوان التي تسكن البحر إذا ماتت فيه الطهارة، وذلك بقضية العموم إذا لم يستثن نوعا منها دون نوع. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ما كان له في البر مثل ونظير مما لا يؤكل لحمه كالإنسان المائي والكلب والخنزير فإنه محرم، وما له مثل في البر يؤكل فإنه مأ كول. وذهب آخرون إلى أن هذا الحيوان وإن اختلف صورها فإنها كلها سموك، والجريث يقال له حية الماء وشكله شكل الحيات ثم أكله جائز فعلم أن اختلافها في الصور لا يوجب اختلافها في حكم الإباحة، وقد استثنى هؤلاء من جملتها الضفدع لأن النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع.

стр. 44

ومن باب أيصلي الرجل وهو حاقن قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد، عَن أبي حزرة، قال: حَدَّثنا عبد الله بن محمد أخو القاسم بن محمد قال كنا عند عائشة فجيء بطعامها فقام القاسم بن محمد يصلي فقالت سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصلي بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان. إنما أمر ﷺ أن يبدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه فيدخل المصلي في صلاته وهو ساكن الجأش لا تنازعه نفسه شهوة الطعام فيعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها وكذلك إذا دافعه البول فإنه يصنع به نحوا من هذا الصنيع، وهذا إذا كان في الوقت فضل يتسع لذلك، فأما إذا لم يكن فيه متسع له ابتدأ الصلاة ولم يعرج على شيء سواها. قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد حدثنا أحمد بن علي حدثنا ثور عن يزيد بن شريح الحضرمي، عَن أبي حي المؤذن، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حاقن حتى يتخفف ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) . قوله لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلاّ بإذنهم يريد أنه إذا لم يكن باقرئهم ولا بافقههم لم يجز له الاستبداد عليهم بالإمامة فأما إذا كان جامعا لأوصاف الإمامة بأن يكون أقرأ الجماعة وأفقههم فإنهم عند ذلك يأذنون له لا محالة في الإمامة بل يسألونه ذلك ويرغبون إليه فيها وهو إذ ذاك أحقهم بها أذنوا له أو لم يأذنوا. وإنما هذا كقوله ﷺ : من تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله، والمعنى

стр. 45

أنه لا يجوز له أن يتولى غير مواليه إلاّ أنه إذا أراد أن يوالي قوما فاستأذن مواليه فلم يأذنوا له ومنعوه امتنع من ذلك وبقي على أصل ولائه لم يحدث عنه انتقالا ولا له استبدالاً، وليس معناه أنه لو أذنوا له في ذلك جازت موالاته إياهم، ولكن الإشارة وقعت بالاذن إلى المنع مما يقع الاستئذان له. وقد قيل إن النهي عن الإمامة إلاّ بالاستئذان انما هو إذا كان في بيت غيره فأما إذا كان في سائر بقاع الأرض فلا حاجة به إلى الاستئذان وأولاهم بالإمامة أقرؤهم وأفقههم على ماجاء معناه في حديث أبي مسعود البدري. ومن باب اسباغ الوضوء قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا منصور عن هلال بن يساف، عَن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ رأى قوماً تلوح أعقابهم فقال: ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء. فيه من الفقه أن المسح لا يجوز على النعلين وأنه لا يجوز ترك شيء من القدم وغيره من أعضاء الوضوء لم يمسه الماء قل ذلك أوكثر لأنه ﷺ لا يتوعد على ما ليس بواجب. ومن باب التسمية على الوضوء قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. قلت قد ذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر لفظ الحديث فأوجب إعادة الوضوء إذا ترك التسمية عامدا وهو قول إسحاق بن راهويه.

стр. 46

قال آخرون معناه نفي الفضيلة دون الفريضة كما روي لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد أي في الأجر والفضيلة، وتأوله جماعة من العلماء على النية وجعلوه ذكر القلب. وقالوا وذلك أن الأشياء قد تعتبر بأضدادها فلما كان النسيان محله القلب كان محل ضده الذي هو الذكر بالقلب وإنما ذكرُ القلب النية والعزيمة. ومن باب يدخل يده في الاناء قبل أن يغسلها قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَن أبي رزين وأبي صالح، عَن أبي هريرة قال. قال رسول الله ﷺ إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده. قلت: قد ذهب داود ومحمد بن جربر إلى إيجاب غسل اليد قبل غمسها في الإناء ورأيا أن الماء ينجس به إن لم تكن اليد مغسولة، وفرق أحمد بين نوم الليل ونوم النهار. قال وذلك لأن الحديث إنما جاء في ذكر الليل في قوله إذا قام أحدكم من الليل ولأجل أن الانسان لا يتكشف لنوم النهار ويتكشف غالبا لنوم الليل فتطوف يده في أطراف بدنه فربما أصابت موضع العورة وهناك لوث من أثر النجاسة لم ينقه الاستنجاء بالحجارة فإذا غمسها في الماء فسد الماء بمخالطة النجاسة إياه، وإذا كان بين اليد وبين موضع العورة حائل من ثوب أو نحوه كان هذا المعنى مأموناً. وذهب عامة أهل العلم إلى أنه غمس يده في الإناء قبل غسلها فإن الماء طاهر ما لم يتيقن نجاسة بيده وذلك لقوله فإنه لا يدري أين باتت يده فعلقه بشكل وارتياب، والأمر المضمن بالشك والارتياب لا يكون واجبا وأصل الماء الطهارة وبدن الإنسان على حكم الطهارة كذلك، وإذا ثبتت الطهارة يقينا

стр. 47

لم تزل بأمر مشكوك فيه. وفي الخبر دليل على أن الماء القليل إذا وردت عليه النجاسة وإن قلت غيرت حكمه لأن الذي يعلق باليد منها من حيث لا يرى قليل، وكان من عادة القوم في طهورهم استعمال ما لطف من الآنية كالمخاضب والمراكن والركاء والأداوي ونحوها من الآنية التي تقصر عن قدر القلتين. وفيه من الفقه أن القليل من الماء إذا ورد على النجاسة على حد الغلبة والكثرة أزالها ولم يتنجس بها لأن معقولا ان الماء الذي أمره رسول الله ﷺ أن يصبه من الإناء على يده أقل من الماء الذي أبقاه في الإناء; ثم قد حكم للأقل بااطهارة والتطهير وللأكثر بالنجاسة فدل على الفرق بين الماء واردا على النجاسة ومورودا عليه النجاسة. وفيه دليل على أن غسل النجاسة سبعا مخصوص به بعض النجاسات دون بعض وأن ما دونها من العدد كاف لإزالة سائر الأنجاس، والعدد الثلاثة في هذا الخبر احتياط واستظهار باليقين لأن الغالب أن الغسلات الثلاث إذا توالت على نجاسة عين أزالتها وأذهبتها، وموضع النجاسة ههنا غير مرئي العين فاحتيج إلى الاستظهار بالعدد ليتيقن إزالتها ولو كانت عينها مرئية لكانت الكفاية واقعة بالغسلة الواحدة مع الإزالة. وفيه من الفقه أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر النجاسة عليه وأن ما عداه غير مقيس عليه. وفي الحديث من العلم أن الأخذ بالوثيقة والعمل بالاحتياط في طب العبادات أولى.

стр. 48

ومن باب صفة وضوء النبي ﷺ قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثنا محمد، يَعني ابن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة عن يزيد بن ركانة عن عبيد الله الخولاني عن ابن عباس قال دخل علي بن أبي طالب ﵁ وقد أهرق الماء فدعا بوضو فأتيناه بتور فيه ماء فقال يا بن عباس ألا أريك كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ قلت بلى فأصغى الإناء على يده فغسلها ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى ثم غسل كفيه ثم تمضمض واستنثر ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه ثم ألقم إبهامه مأقبل من أُذُنيه ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك ثم أخذ بكفه اليمنى قبضةً من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا ثم مسح رأسه وظهور أذنيه ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيه النعل ففتلها بها ثم الأخرى مثل ذلك قال قلت وفي النعلين قال في النعلين قال قلت وفي النعلين قال وفي النعلين قال قلت وفي النعلين قال وفي النعلين. قوله استنثر معناه استنشق الماء ثم أخرجه من أنفه وأصله مأخوذ من النثرة وهي الأنف، ويقال نثر الرجل نثرا إذا عطس. وقوله تستن على وجهه معناه تسيل وتنصب يقال سننت الماء إذا صببته صبا سهلا، وفيه أن مسح باطن الأذن مع الوجه وظاهرهما مع الرأس، وكان الشعبي يذهب إلى أن باطن الأذنين من الوجه وظاهرهما من الرأس.

стр. 49

وأما مسحه على الرجلين وهما في النعلين فإن الروافض ومن ذهب مذهبهم في خلاف جماعة المسلمين يحتجون به في إباحة المسح على الرجلين في الطهارة من الحدث واحتج بذلك أيضاً بعض أهل الكلام وهو الجُبائي زعم أن المرء مخير بين غسل الرجل ومسحها. وحكي ذلك أيضاً عن محمد بن جرير محتجين بقوله تعالى ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] قالوا والقراءة بالخفض في أرجلكم مشهورة وموجبها المسح. وهذا تأويل فاسد مخالف لقول جماعة الأمة. فأما احتجاجهم بالقراءة في الآية فلا درَكَ لهم فيها لأن العطف قد يقع مرة على اللفظ المجاور ومرة على المعنى المجاور، فالأول كقولهم جحر ضبٍ خربٍ والخرب من نعت الجحر وهو مرفوع وكقول الشاعر: كأن نسج العنكبوت المرمل وقول الآخر: معاوي إننا بشر فاسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا وإذا كان الأمر في ذلك على مذهب اللغة وحكم الاعراب سواء في الوجهين وجب الرجوع إلى بيان النبي ﷺ وقد ثبت عنه أنه قال: ويل للأعقاب من النار. فثبت أن استيعاب الرجلين غسلا واجب. قلت وقد يكون المسح في كلام العرب بمعنى الغسل. أخبرني الأزهري حدثنا أبو بكر بن عثمان، عَن أبي حازم، عَن أبي زيد الأنصاري. قال المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه قد تمسح، ويقال مسح الله ما بك أي

стр. 50

أذهبه عنك وطهرك من الذنوب. وأما هذا الحديث فقد تكلم الناس فيه، قال أبو عيسى سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه، وقال ما أدري ما هذا. وقد يحتمل أن ثبت الحديث أن يكون تلك الحفنة من الماء قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه وإن كان في النعل ويدل على ذلك قوله ففتلها بها ثم الأخرى مثل ذلك، والحفنة من الماء إنما كفت مع الرفق في مثل هذا. فأما من أراد المسح على بعض القدم فقد يكفيه ما دون الحفنة وقد روي في غير هذه الرواية عن علي ﵁ أنه توضأ ومسح علي نعليه وقال هذا وضوء من لم يحدث. وإذا احتمل الحديث وجهاً من التأويل يوافق قول الأمة فهو أولى من قول يكون فيه مفارقتهم والخروج من مذاهبهم. والعجب من الروافض تركوا المسح على الخفين مع تظاهر الأخبار فيه عن النبي ﷺ واستفاضة علمه على لسان الأمة وتعلقوا بمثل هذا التأويل من الكتاب وبمثل هذه الرواية من الحديث ثم اتخذوه شعارا حتى إن الواحد من غلاتهم ربما تألى فقال برئت من ولاية أمير المؤمنين ومسحت على خفي إن فعلت كذا. وحدثني إبراهيم بن فراس حدثنا أحمد بن علي المروزي حدثنا ابن أبي الجوال أن الحسن بن زيد عتب على كاتب له فحبسه وأخذ ماله فكتب إليه من الحبس. أشكو إلى الله ما لقيت ... أحببت قوماً بهم بليت لا أشتم الصالحين جهرا ...ولا تشيعت ما بقيت أمسح خفي ببطن كفي ... ولو على جيفة وطيت قال فدعا به من الحبس ورد عليه ماله وأكرمه. قال أبو داود: حدثنا مسدد وقتيبة عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة

стр. 51

عن شهر بن حوشب، عَن أبي أمامة وذكر وضوء رسول الله ﷺ قال كان رسول الله ﷺ يمسح الماقين قال وقال الأذنان من الرأس. قال أبو داود: حدثنا قتيبة قال حماد لا أدري هو قول النبي ﷺ أو من أبي أمامة، يَعني قصة الأذنين. الماق طرف العين الذي يلي الأنف، وفيه ثلاث لغات ماق ومأق مهموز وموق، فالماق يجمع على الآماق وموق يجمع على المآقي. وقوله الأذنان من الرأس فيه بيان أنهما ليستا من الوجه كما ذهب إليه الزهري وأنه ليس باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس كما ذهب إليه الشعبي. وممن ذهب إلى أنهما من الرأس ابن المسيب وعطاء والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وهو قول الثوري وأصحاب الرأي ومالك وأحمد بن حنبل. وقال الشافعي هما سنة على حيالهما ليستا من الوجه ولا من الرأس. وتأول أصحابه الحديث على وجهين: أحدهما: أنهما يمسحان مع الرأس تبعاً له؛ والآخر: أنهما يمسحان كما يمسح الرأس ولا يغسلان كالهمجه وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب، لا إضافة تحقيق، وإنما هو في معنى دون معنى، كقول: مولى القوم منهم، أي في حكم النصرة والموالاة، دون حكم النسب واستحقاق الإرث. ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم ومولى اليهودي لا يؤخذ بالجزية. وفائدة الكلام ومعناه عندهم إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل وقطع الشبهة فيها لما بينهما من الشبه في الصورة، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا شعر وجعلتا محلا لحاسة من الحواس ومعظم الحواس محله الوجه فقيل الأذنان من الرأس ليعلم أنهما ليستا من الوجه.

стр. 52

ومن باب في الاستنثار قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صَبرة عن أبيه لقيط بن صبرة. قال كنت وافد بني المُنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ فلما قدمنا على رسول الله ﷺ لم نصادفه في منزله وصادفنا عائشة أم المؤمنين قال فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا. قال واوتينا بقناع قال والقناع طبق فيه تمر. ثم جاء رسول الله ﷺ قال: هل أصبتم شيئا أو أمر لكم بشيء قال قلنا نعم يا رسول الله قال فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوس إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر. قال ما ولدت يا غلام قال بهمة. قال فاذبح لنا مكانها شاة ثم قال: لا تحسِبن، ولم يقل لا تحسَبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة. قال: قلت: يا رسول الله إن لي امرأة وإن في لسانها شيئا،، يَعني البذا، قال: فطلقها إذاً، قال: قلت: يا رسول الله! إن لها صحبة، ولي منها ولد. قال: فمرها، يقول عظها، فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظَعِينتك كضربك أُميتك. قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلاّ أن تكون صائما. قوله: أمرت لنا بخزيرة، فإن الخزيرة من الأطعمة ما اتخذ بدقيق ولحم، والخزيرة حساء من دقيق ودسم، والقناع الطبق، وسمي قناعا لأن أطرافه أقنعت إلى داخل، أي عطفت. وقوله تيعر من اليُعار وهو صوت الشاة، وقوله ما ولَّدت هومشددة اللام

стр. 53

على معنى خطاب الشاهد. وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر يقولون ما ولدت خفيفة اللام ساكنة التاء أي ما ولدت الشاة، وهو غلط يقال ولَّدت الشاة إذا أحضرت ولادها فعالجتها حتى يبين منها الولد وأنشدني أبو عمر في ذكر قوم: إذا ما ولَّدوا يوماً تنادوا ...أجديٌ تحت شاتك أم غلام والبهمة ولد الشاة أول ما يولد يقال للذكر والأنثى بهمة. وقوله لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها معناه ترك الاعتداد به على الضيف والتبرؤ من الرياء. وقوله ولا تحسبن مكسورة السين إنما هو لغة عُليا مضر وتحسبن بفتحها لغة سفلاها وهو القياس عند النحويين لأن المستقبل من فعل مكسورة العين يفعل مفتوحتها كقولهم علم يعلم وعجل يعجل إلاّ أن حروفا شاذة قد جاءت نحو نعِم ينعِم ويئس ييئس وحسب يحسب، وهذا في الصحيح، فأما المعتل فقد جاء فيه ورِم يرِم ووثق يثق وورع يرِع وورِي يرِي. وقوله لا تضرب ظعينتك كضربك أميتك فإن الظعينة هي المرأة وسميت ظعينة لأنها تظعن مع الزوج وتنتقل بانتقاله. وليس في هذا ما يمنع من ضربهن أويحرمه على الأزواج عند الحاجة إليه فقد أباح الله تعالى ذلك في قوله ﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤] وإنما فيه النهي عن تبريح الضرب كما يضرب المماليك في عادات من يستجيز ضربهم، ويستعمل سوء الملكة فيهم. وتمثله بضرب المماليك لا يوجب إباحة ضربهم، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذم لأفعالهم ونهاه عن الاقتداء بها. وقد نهى ﷺ عن ضرب المماليك إلاّ في الحدود وأمرنا بالإحسان إليهم وقال: من لم يوافقكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله. فأما ضرب الدواب فمباح لأنها لا تتأدب بالكلام ولا تعقل معاني الخطاب

стр. 54

كما يفعل الإنسان، وإنما يكون تقويمها غالبا بالضرب، وقد ضرب رسول الله ﷺ وحرك بعيره بمحجنه ونخس جمل جابر ﵁ حين أبطأ عليه فسبق الركب حتى مايملك رأسه. وفي الحديث من الفقه أن الاستنشاق في الوضوء غير واجب ولو كان فرضاً فيه لكان على الصائم كهو على المفطر، ونرى أن معظم ما جاء من الحث والتحريض على الاستنشاق في الوضوء إنما جاء لما فيه من المعونه على القراءة وتنقية مجرى النفس النذي يكون به التلاوة. وبإزالة ما فيه من الثفل تصح مخارج الحروف. وقال ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه إذا ترك الاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة وكذلك إذا ترك المضمضة. وفي الحديث دليل على أن ما وصل إلى الدماغ من سعوط ونحوه فإنه يفطر الصائم كما يفطره ما يصل إلى معدته إذا كان ذلك من فعله أو بإذنه. وفي الحديث دليل على أنه بالغ في الاستنشاق ذاكرا لصومه فوصل الماء إلى دماغه فقد أفسد صومه. وقوله أخبرني عن الوضوء فان ظاهر هذا السؤال يقتضي الجواب عن جملة الوضوء إلاّ أنه ﷺ لما اقتصر في الجواب على تخليل الأصابع والاستنشاق علم أن السائل لم يسأله عن حكم ظاهر الوضوء وإنما سأله عما يخفى من حكم باطنه وذلك لأن آخذ الماء قد يأخذه بجمع الكف وضم الأصابع بعضها إلى بعض فيسد خصاص ما بينها فربما لم يصل الماء إلى باطن الأصابع وكذلك هذا في باطن أصابع الرجل لأنها ربما ركب بعضها بعضا حتى تكاد تلتحم فقدم له الوصاة بتخليلها ووكد القول فيها لئلا يغفلها والله أعلم.

стр. 55

ومن باب تخليل اللحية قال أبو داود: حدثنا أبو توبة حدثنا أبو المليح عن الوليد بن زَرْوان عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه يُخلل به لحيته وقال هكذا أمرني ربي. قلت قد أوجب بعض العلماء تخليل اللحية وقال إذا تركه عامدا أعاد الصلاة وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور. وذهب عامة العلماء إلى أن الأمر به استحباب وليس بإيجاب ويشبه أن يكون المأمور بتخليله من الحي على سبيل الوجوب ما رق من الشعر منها فتراءى ما تحتها من البشرة. ومن باب المسح على العمامة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن ثورعن راشد بن سعد عن ثوبان قال بعث رسول الله ﷺ سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين. العصائب العمائم سميت عصائب لأن الرأس يعصب بها والتساخين الخفاف. ويقال إن أصل ذلك كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوه. وقد اختلف أهل العلم في المسح على العمامة فذهب إلى جوازه جماعة من السلف وقال به من فقهاء الأمصار الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود. وقال أحمد قد جاء ذلك عن النبي ﷺ من خمسة أوجه وشرط من جوز المسح على العمامة أن يعتم الماسح عليها بعد كمال الطهارة كما يفعله من يريد المسح على الخفين. وروي عن طاوس أنه قال لا يمسح على العمامة التي لا تجعل تحت الذقن.

стр. 56

وأبى المسح على العمامة أكثر الفقهاء وتأولوا الخبرفي المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس فلا يمسحه كله مقدمه ومؤخره ولا ينزع عمامته من رأسه ولا ينقضها وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة كالمفسر له; وهوأنه وصف وضوءه ثم قال ومسح بناصيته وعلى عمامته فوصل مسح الناصية بالعمامة. وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية إذ هي جزء من الرأس وصارت العمامة تبعاً له كما روي أنه مسح أسفل الخف وأعلاه، ثم كان الواجب في ذلك مسح أعلاه وصار مسح أسفله كالتبع له. والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس وحديث ثوبان محتمل للتأويل فلا يترك الأصل المتيقن وجوبُه بالحديث المحتمل ومن قاسه على مسح الخفين فقد أبعد لأن الخف يشق نزعه ونزع العمامة لا يشق. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم، عَن أبي معقل عن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. قلت وهذا يشهد لما تأولوه في معنى الحديث الأول والقِطر نوع من البرود فيه حمرة. ومن باب المسح على الخفين قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا أبي عن الشعبي قال سمعت عروة بن المغيرة بن شعبة يذكرعن أبيه قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ومعي إداوة فخرج لحاجته ثم أقبل فتلقيته بالإداوة

стр. 57

فأفرغت عليه فغسل كفيه ووجهه ثم أراد أن يخرج ذراعيه وعليه جبة من صوف من جباب الروم ضيقة الكمين فضاقت فادَّرعهما ادراعا ثم أهويت إلى الخفين لأنزعهما فقال دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح عليهما. قوله ادرعهما معناه أنه نزع ذراعيه عن الكمين وأخرجهما من تحت الجبة وزنه افتعل من درع إذ مد ذراعه كما يقال ادكر من ذكر. وفي قوله أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز إلاّ بأن يلبسا على كمال الطهارة وأنه إذا غسل إحدى رجليه فلبس عليها أحد الخفين ثم غسل رجله الأخرى ثم لبس الخف الآخر لم يجزئه لأنه جعل طهارة القدمين معاً قبل لبس الخفين شرطا لجواز المسح عليهما وعلة لذلك والحكم المعلق بشرط لا يصح إلاّ من جود شرطه وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وفيه جواز الاستعانة في الطهارة والوضوء بالخادم ونحوه. قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا شعبة، عَن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد سمع أبا عبد الله وهومولى بني تيم بن مرة، عَن أبي عبد الرحمن السلمي أن بلالا سأل رسول الله ﷺ فقال كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته ومُوقيه. الموق نوع من الخفاف معروف وساقه إلى القصر. قال أبو داود: حدثنا علي بن الحسين الدرهمي حدثنا ابن داود عن بكير بن عامر، عَن أبي زرعة بن عمرو بن جرير. أن جريراً بال ثم توضأ ومسح

стр. 58

على الخفين قال ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة. قال ما أسلمت إلاّ بعد نزول المائدة. أراد القوم بهذا القول أن المسح على الخفين كان رخصة ثم نسخ بقوله سبحانه ﴿وأرجلكم إلىالكعبين﴾ في صورة المائدة. فقال جرير ما أسلمت إلاّ بعد نزول المائدة أي ما صحبت رسول الله ﷺ إلاّ بعد إسلامي. وقد رأيته يمسح على خفيه يريد به إثبات المسح على الخفين وأنه غير منسوخ، وفي هذا من قول الصحابة دلالة على أنهم كانوا يرون نسخ السنة بالقرآن. وقد روى قوم من الشيعة عن علي ﵁ أنه قال إنما كان المسح على الخفين قبل نزول المائدة ثم نهى عنه فصارت الإباحة منسوخة. هذا أمرلايصح عن على رضى الله عنه. وقد ثبت عنه أنه قال لو كان الدين بالقياس أو بالرأى لكان باطن الخف، أولى بالمسح من ظاهره، إلا أنى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر خفيه. وقد ذكره أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص بن غياث حدثنا الأعمش، عَن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي ﵁ بمعناه. ومن باب فى التوقيت في المسح قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق حدثنا يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد وهو ابن أبي زياد عن أيوب بن قَطَن عن أُبَي بن عمارة أنه قال يا رسول الله أمسح على الخفين قال نعم قال يوم قال ويومين قال وثلاثة قال نعم وما شئت. قلت والأصل في التوقيت أنه للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن

стр. 59

هكذا روي في خبر خزيمة بن ثابت وخبر صفوان بن عسال وهو قول عامة الفقهاء غير أن مالكا قال يمسح من غير توقيت قولا بظاهر هذا الحديث. وتأويل الحديث عندنا أنه جعل له أن يرتخص بالمسح ما شاء وما بدا له كلما احتاج إليه على مر الزمان إلاّ أنه لا يعدو شرط التوقيبت، والأصل وجوب غسل الرجلين فإذا جاءت الرخصة في المسح مقدرة بوقت معلوم لم يجز مجاوزتها إلاّ بيقين، والتوقيت في الأخبار الصحيحة إنما هو اليوم والليلة للمقيم والثلاثة الأيام ولياليهن للمسافر. فأما رواية منصور عن إبراهيم التيمي، عَن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت أنه قال ولو استزدناه لزادنا. فإن الحكم وحماداً قد روياه عن إبراهيم فلم يذكروا فيه هذا الكلام ولو ثبت لم يكن فيه حجة لأنه ظن منه وحسبان، والحجة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة لا بظن الراوي. وقال محمد بن إسماعيل ليس في التوقيت في المسح على الخفين شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي. ورأيت أن أذكر حديث صفوان إذ كان المعول عليه وفيه ألفاظ فيها معان تحتاج إلى شرح وتفسير ونحن نذكر وجوهها إن شاء الله. حدثنا ابن الأعرابي وإسماعيل بن محمد الصفار، قال: حَدَّثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش. قال أتيت صفوان بن عسال فقال ما جاء بك قلت ابتغاء العلم. قال فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب قلت حاك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول وكنت امرأً من أصحاب النبي ﷺ فأتيتك أسألك هل سمعت منه

стр. 60

في ذلك شيئاً فقال نعم كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو مسافرين لا ننزع خفافنا ثلاثةَ أيام ولياليهن إلاّ من جنابة لكن من غائط وبول ونوم. قلت هل سمعته يذكر الهوى، قال نعم بينما نحن في مسير إذ ناداه أعرابي بصوت له جَهوري يا محمد فأجابه على نحو ذلك هاؤم قلنا ويحك أوويلك اغضُض من صوتك فإنك قد نهيت عن ذلك. فقال والله لا أغضض من صوتي، قال أرأيتَ رجلا أحب قوما ولما يلحق بهم قال المرء مع من أحب. قال ثم لم يزل يحدثنا حتى قال إن من قِبَل المغرب باباً للتوبة مسيرة أربعين سنة أو سبعين سنة فتحه الله للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه. قوله إن الملائكة تضع أجنحتها فيه ثلاثة أوجه أحدها أن يكون معنى وضع الجناح من الملائكة بسط أجنحتها وفرشها لطالب العلم لتكون وطاءً له ومعونة إذا مشى في طلب العلم. والوجه الثاني أن يكون ذلك بمعنى التواضع من الملائكة تعظيما لحقه وتوقيرا لعلمه فتضم أجنحتها له وتخفضها عن الطيران كقوله تعالى ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [الإسراء: ٢٤] . والوجه الثالث أن يكون وضع الجناح يراد به النزول عند مجالس العلم والذكر وترك الطيران كما روي أنه قال ﷺ قال: ما من قوم يذكرون الله إلاّ حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده. قلت وهذه الكلمة لم يرفعها سفيان في هذه الرواية ورفعها حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال وقد رواه أيضاً أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ .

стр. 61

وقوله سفرا هوجمع سافر كما يقال تاجر وتجر وراكب وركب. وقوله لكن من غائط وبول كلمة لكن موضوعة للاستدراك وذلك لأنه قد تقدمه نفي واستثناء وهو قوله كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلاّ من جنابة ثم قال لكن من بول وغائط ونوم فاستدركه بلكن ليعلم أن الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة فإن المسافر الماسح على خفه إذا أجنب كان عليه نزع الخف وغسل الرجل مع سائر البدن وهذا كما تقول ما جاءني زيد لكن عمرو وما رأيت زيداً لكن خالداً. ويشبه أن يكون رفع النبي ﷺ صوته في جواب الأعرابي. وقوله هاؤم يمد به صوته من ناحية الشفقة عليه لئلا يحبط عمله وذلك لما جاء من الوعيد في قوله تعالى ﴿ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ [الحجرات: ٢] فعذره ﵇ لجهله وقلة علمه ورفع صوته حتى كان فوق صوته أومثله لفرط رأفته وشفقته على أمته. وفيه أنه أقام المحبة والمشايعة في الخير والطاعة مقام العمل بهما وجعل المرء مع من أحب. وفيه دليل على استحباب احتمال دالة التلامذة والصبر على أذاهم لما يُرجى من عاقبته من النفع لهم. ومن باب المسح على الجوربين قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان، عَن أبي قيس الأودي عن هذيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.

стр. 62

قوله والنعلين هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين. وقد أجاز المسح على الجوربين جماعة من السلف وذهب إليه نفر من فقهاء الأمصار منهم سفيان الثوري وأحمد وإسحاق وقال مالك والأوزاعي والشافعى لا يجوز المسح على الجوربين قال الشافعي إلاّ إذا كانا منعلين يمكن متابعة المشي فيهما. وقال أبو يوسف ومحمد يُمسح عليهما إذا كانا ثخينين لا يشقان. وقد ضعف أبو داود هذا الحديث وذكر أن عبد الرحمن بن مهدي كان لا يحدث به. ومن باب في الانتضاح قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي أو الحكم بن سفيان قال كان رسول الله ﷺ إذا بال توضأ وينتضح. الانتضاح ههنا الاستنجاء بالماء وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء، وقد يتناول الانتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء به ليرفع بذلك وسوسة الشيطان. ومن باب في تفريق الوضوء قال أبو داود: حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب عن جريربن حازم أنه سمع قتادة، قال: حَدَّثنا أنس بن مالك أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ وتوضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأ حسن وضوءك. دلالة هذا الحديث أنه لا يجوز تفريق الوضوء وذلك لأنه قال ارجع فأحسن وضوءك وظاهر معناه إعادة الوضوء في تمام، ولوكان تفريقه جائزاً لأشبه

стр. 63

أن يقتصر فيه على الأمر بغسل ذلك الموضع أو كان يأمرة بإمساسه الماء في ذلك وأن لا يأمره بالرجوع إلى المكان الذي يتوضأ فيه. ومن باب إذا شك في الحديث قال ابوداود: حدثنا قتيبه حدثنا سفيان عن الزهرى عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم عن عمه شكا إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيل إليه قال لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. قوله حتى يسمع صوتاً او يجد ريحاً معناه حتى يتيقن الحدث ولم يرد به الصوت نفسه ولا الريح نفسها حسب وقد يكون أطروشاً لا يسمع الصوت وأخشم لا يجد الريح ثم تنتقض طهارته إذا تيقن وقوع الحدث منه كقوله ﷺ في الطفل إذا استهل صلى عليه ومعناه أن تعلم حياته يقيناً والمعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم له دون الاسم. وفي الحديث من الفقه أن الشك لا يزحم اليقين. وفيه دليل على أنه إذا تيقن النكاح وشك في الطلاق كان على النكاح المتقدم إلى أن يتيقن الطلاق. وقال مالك: إذا شك في الحدث لم يصل إلاّ مع تجديد الوضوء إلاّ أنه قال إذا كان في الصلاة فاعترضه الشك مضى في صلاته وأحد قوليه حجة عليه في الآخر. ومن باب الوضوء من القبله قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حَدَّثنا سفيان، عَن أبي رَوق عن إبراهيم التيمي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ. قال يحتج به من يذهب إلى أن الملامسة المذكورة في الآية معناها الجماع

стр. 64

دون اللمس بسائر البدن إلاّ أن أبا داود ضعف هذا الحديث فقال هو منقطع لأن التيمي لم يسمع من عائشة وضعف حديث الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة. وحكي عن يحيى بن سعيد أنه قال هو شبه لا شيء قال وليس هذا بعروة بن الزبير إنما هو عروة المزني. ومن باب الوضوء من مس الذكر قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة بن الزبير عن مروان عن بسرة بنت صفوان أن رسول الله ﷺ قال: من مس ذكره فليتوضأ. قد ذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر جماعة من السلف منهم عمر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة رضوان الله عليهم. وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلاّ أن الشافعي لا يرى نقص الطهارة إلاّ أن يمسه بباطن كفه٠وقال الأوزاعي وأحمد إذا مسه بساعده أو بظهركفه انتقض طهره كهو إذا مسه ببطن كفه سواء. وكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار وحذيفة وأبو الدرداء رضوان الله عليهم لا يرون مسه نا قضاً للطهر. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو قول سفيان الثوري. وكان مالك بن أنس يذهب إلى أن الأمر فيه على الاستحباب لا على الإيجاب وروى أبو داود في الرخصة فيه حديث قيس بن طلق، قال: حَدَّثنا مسدد حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه، قال قدمنا على نبي

стр. 65

الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه. قال أبو داود ورواه الثوري وشعبة وابن عيينة عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بإسناده ومعناه، وقال في الصلاة واحتج من رأى فيه الوضوء بأن خبر بسرة متأخر لأن أبا هُرَيْرَة رواه عن النبي ﷺ وهو متأخر الإسلام وكان قدوم طلق على رسول الله ﷺ في بدء الإسلام وهو إذ ذاك يبني مسجد المدينة أول زمن الهجرة، وإنما يؤخذ بآخر الأمرين. وتأولوا خبر طلق على أنه أراد به المس ودونه حائل. واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة أنه سأله عن مسه في الصلاة والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه. وحدثنا الحسن بن يحيى حدثنا أبو بكر بن المنذر قال بلغني عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أنهما اجتمعا فتذاكرا الوضوء من الذكر وكان أحمد يرى فيه الوضوء ويحيى لا يرىذلك وتكلما في الأخبار التي رويت في ذلك فحصل أمرهما على أن اتفقا على إسقاط الإحتجاج بالخبرين معاً خبر بسره وخبر طلق، ثم صارا إلى الآثار المرويه عن الصحابه في ذلك فصار أمرهما ألى أن احتج أحمد بحديث ابن عمر فلم يمكن يحيى دفعه. ومن باب الوضوء من لحوم الابل قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاويه حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال توضؤوا

стр. 66

منها. وسئل عن لحوم الغنم فقال لا تتوضؤوا منها وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال صلوا فيها فإنها بركة. قلت قد ذهب عامة أصحاب الحديث إلى إيجاب الوضوء من أكل لحوم الإبل قولا بظاهر هذا الحديث وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وأما عامة الفقهاء فمعنى الوضوء عندهم متأول على الوضوء الذي هو النظافة ونفى الزهومة كما ُروي توضؤوا من اللبن فان له دسماً وكما قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل وليس ذلك من أإجل أن بين الأمرين فرقاً في باب الطهارة والنجاسة لأن الناس على أحد قولين: إما قائل يرى نجاسة الأبوال كلها أو قائل هى طهارة بول ما يؤكل لحمه والغنم والإبل سواء عند الفريقين في القضيتين معاً. وإنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل لأن فيها نفاراً وشراداً لا يؤمن أن تتخبط المصلي إذا صلى بحضرتها أو تفسد عليه صلاته، وهذا المعنى مأمون من الغنم لما فيها من السكون وقلة النفار، ومعلوم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفاً إلى غسل اليد لوجود سببه دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه والله أعلم. ومن باب الوضوء من مس لحم النيء قال أبو داود: حدثقا محمد بن العلا حدثنا مروان بن معا ويه حدثنا هلال بن ميمون الجهني عن عطاء بن زيد الليثي قال هلال لا أعلمه إلاّ، عَن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ مرَّ بغلام يسلخ شاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 67

تنح حتى أريك فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ. قوله حتى أريك معناه أعلمك ومنه قوله تعالى ﴿وأرنا مناسكنا﴾ [البقرة: ١٢٨] وقوله فدحس بها إلى الإبط أي أدخل ملئ يده بذراعها إلى الإبط والدحس كالدس ويقال للسنبلة إذا امتلأت واشتد حبها قد دحست، ومعنى الوضوء في هذا الحديث غسل اليد والله أعلم. ومن باب الوضوء مما مست النار قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن مسعود عن جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال ضفت النبي ﷺ ذات ليلة فأمر بجنب فشوي وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه قال فجاء بلال فأذنه بالصلاة فألقى الشفرة وقال ما له تربت يداه وقام يصلي. قول تربت يداه كلمة يقولها العرب عند اللوم والتأنيب، ومعناه الدعاء عليه بالفقر والعدم وهم يطلقونها في كلامهم، وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا عقرى حلقى، وكقولهم هبلته أمه، فإن هذا الباب لما كثر في كلامهم ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو، كقولهم لا والله وبلى والله وذلك من لغو اليمين الذي لا اعتبار به ولا كفارة فيه، ويقال ترب الرجل إذا افتقر وأترب بالألف إذا استغنى، ومثل هذا قوله ﷺ : فعليك بذات الدين تربت يداك. قلت وليس هذا الصنيع من رسول الله بمخالف لقول إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء وإنما هو للصائم الذي قد أصابه الجوع وتاقت

стр. 68

نفسه إلى الطعام فأمر بأن يصيب من الطعام قدر ما يسكن به شهوته لتطمئن نفسه في الصلاة فلا تنازعه شهوة الطعام وهذا فيمن حضره الطعام أوان العادة غداء وعشاء وهو متماسك في نفسه لا يزعجه الجوع ولا يعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها. وفي الخبر دليل على أن الأمر بالوضوء مما غيرت النار استحباب لا أمر إيجاب. وفيه جواز قطع اللحم بالسكين وقد جاء النهي عنه في بعض الحديث ورويت الكراهة فيه وأمر بالنهي ويشبه أن يكون المعنى في ذلك كراهية زي العجم واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفع عن مس الأصابع الشفتين والفم وليس يضيق قطعه بالسكين واصلاحه به والجز منه إذا كان اللحم طابقاً أو عضواً كبيراً كالجنب ونحوه فإذا كان عُراقاً ونحوه فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر وقطعه بالسكين مباح عند الحاجة إليه غير ضيق. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة من خيار المسلمين حدثنا عبيدبن ثمامة المرادي. قال قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء الزُبيدي من أصحاب رسول الله ﷺ قال مر رسول الله ﷺ برجل وبرمته على النار فقال له: أطابت برمتك قال نعم بأبي أنت وأمي فتناول منها بضعة فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة. قوله يعلكها أي يلوكها في فمه والعلك مضغ ما لا يطاوع الأسنان. ومن باب الوضوء من الدم قال أبو داود: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا ابن المبارك عن

стр. 69

محمد بن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل امرأه رجل من المشركين فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دماً في أصحاب محمد فخرج يتبع أثره ونزل النبي ﷺ فقال مَن رجل يكلؤنا فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال كونا بفم الشعب فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأ نصارى يصلي وأتى الرجل، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم فرماه بسهم فوضعه فيه ونزعه حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع ثم سجد ثم أنبه صاحبه فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى قال كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها. ربيئة القوم هو الرقيب الذي يشرف على المرقب ينظر العدو من أي وجه يأتي فينذر أصحابه، وقوله نذروا به أي شعروا به وعلموا بمكانه. وقد يحتج بهذا الحديث من لا يرى خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين ناقضا للطهارة ويقول لو كان ناقضا للطهارة لكانت صلاة الأنصاري تفسد بسيلان الدم أول ما أصابته الرمية ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث، وإلى هذا ذهب الشافعي. وقال أكثر الفقهاء: سيلان الدم من غير السبيلين ينقض الوضوء وهذا أحوط المذهبين وبه أقول. وقول الشافعي قوي في القياس ومذاهبهم أقوى في الاتباع ولست أدري

стр. 70

كيف يصح هذا الاستدلال من الخبر والدم إذا سال أصاب بدنه وجلده وربما أصاب ثيابه ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرا لا تصح الصلاة عند الشافعي إلاّ أن يقال إن الدم كان يخرج من الجراحة على سبيل الذرق حتى لا يصيب شيئا من ظاهر بدنه ولئن كان كذلك فهو أمر عجب. ومن باب الوضوء من النوم قال أبو داود: حدثنا شاذ بن فياض حدثنا هشام الدستواني عن قتادة عن أنس قال كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. في هذا الحديث من الفقه أن عين النوم ليس بحدث ولوكان حدثا لكان على أي حال وجد ناقضا للطهارة كسائر الأحداث التي قليلها وكثيرها وعمدها وخطؤها سواء في نقض الطهارة، وإنما هو مظنة للحدث موهم لوقوعه من النائم غالبا فإذا كان بحال من التماسك والاستواء في القعود المانع من خروج الحدث منه كان محكوما له بالسلامة، وبقاء الطهارة المتقدمة فإذا زال عن مستوى القعود بأن يكون مضطجعا أو راكعا أو ساجدا أو قائماً أو مائلا إلى أحد شقيه أو على حال يسهل معها خروج الحدث من حيث لا يشعر بذلك كان أمره محمولا على أنه قد أحدث لأنه قد يكون منه الحدث في تلك الحالة غالبا ولوكان نوم القاعد ناقضا للطهارة لم يجز على عامة أصحاب رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم والوحي ينزل عليه أن يصلوا محدثين بحضرته فدل على أن النوم إذا كان بهذه الصفة غير ناقض للطهور. وفي قوله كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق

стр. 71

رؤوسهم دليل على أن ذلك أمركان يتواتر منهم وأنه قد كثر حتى صار كالعادة لهم وأنه لم يكن نادرا في بعض الأحوال وذلك يؤكد ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث. وقوله تخفق رؤوسهم معناه تسقط أذقانهم على صدورهم وهذا لا يكون إلاّ عن نوم مثقل. قال ذو الرمة يذكر سرى الليل وغلبة النوم: وخافق الرأس وسط الكور قلت له ...زع بالزمام وجوف الليل مركوم قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح في آخرين قالوا حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوط بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : وكاء السِّه العينان فمن نام فليتوضأ. السه اسم من أسماء الدبر والوكاء الرباط الذي يشد به القربة ونحوها من الأوعية وفي بعض الكلام الذي يجري مجرى الأمثال حفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وفي هذا الحديث ما يؤيد ماقلناه من أن النوم عينه ليس بحدث وإنما ينتقض به الطهر إذا كان مع إمكان انحلال الوكاء غالبا فأما مع إمساكه بأن يكون واطدا بالأرض فلا. ومن أهل العلم من يذهب إلى أن النوم قليله وكثيره حدث إلاّ أنه لا يسمى هذا النوع منه نوما مطلقا إنما يسميه نعاسا قال وذلك لأنه إذا وجد منه النوم عدم معه التماسك أصلا وأنشد فيه قول الشاعر: وسنان أثقله النعاس فرنَّقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقال المفضل الضبي السنة في الرأس والنوم في القلب ويشهد لذلك قول النبي ﷺ : تنام عيناي ولا ينام قلبي.

стр. 72

ومن باب الرجل يطأ الاذى برجله قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عَن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق قال قال عبد الله كنا لا نتوضأ من موطىء ولا نكُف شعرا ولا ثوبا. الموطىء ما يوطأ من الأذى في الطرق وأصله الموطوء بالواو وإنما أراد بذلك أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم لأنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها. وقوله لا نكف شعرا ولا ثوبا أي لا نقيها من التراب إذا صلينا صيانة لهما عن التتريب ولكن نرسلهما حتى يقعا بالأرض فيسجدا مع الأعضاء. ومن باب في المذي قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي النَّضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه فإن عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله. قال المقداد فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن عروة أن عليا ﵁ قال للمقداد وذكر نحو هذا. قال فسأله المقداد فقال رسول الله ﷺ : ليغسل ذكره وأنثييه. قوله فلينضح فرجه معناه ليغسله بالماء وأمر بغسل الأنثيين استظهارا بزيادة التطهير لأن المذي ربما انتشر فأصاب الأنثيين ويقال إن الماء البارد إذا أصاب

стр. 73

الأنثيين رد المذي وكسر من غربه فلذلك أمره بغسلهما. وفيه من الفقه أن المذي نجس وأنه ليس فيه إلاّ الوضوء. ومن باب الإكسال قال أبو داود: حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان، عَن أبي حازم عن سهل بن سعد حدثني أُبيّ بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد. قال معنى الماء من الماء إنما هو وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق وكان الحكم في صدر الاسلام أن مخالطة الرجل المرأة حتى يلتقي الختانان منهما من غير إترال لا يوجب الاغتسال فأحد الماءين المذكورين في الخبر هو المني والماء الآخر الغسول الذي يغسل به. ثم نسخ ذلك واستقر الحكم على أن الختانين إذا التقيا فقد وجب الغسل سواء كان هناك إنزال أو لم يكن، وقد بقي على المذهب الأول جماعة من الصحابة لم يبلغهم خبر التقاء الختانين. منهم سعد بن أبي وقاص وأبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج وزيد بن خالد وممن ذهب إلى قولهم سليمان الأعمش ومن المتأخرين داود بن علي. وروى شريك عن داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله الماء من الماء قال إنما ذلك في الاحتلام. وفي قوله الماء من الماء مستدل لمن ذهب إلى طهارة المني وذلك أنه سماه ماء

стр. 74

وهذا الاسم على إطلاقه لا يكون إلاّ في الطاهر ألا ترى أنه قال لايقولن أحدكم أرقت ماء وليقل بُلْتُ فمنع إطلاق هذا الاسم على النجاسة. ومن باب الجنب يؤخر الغسل قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن علي بن مدرك، عَن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير عن عبد الله بن نُجيّ عن أبيه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب. قوله لا تدخل الملائكة بيتا يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب. وقد قيل أنه لم يرد بالجنب ههنا من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به ويتخذه عادة فإن النبي ﷺ قد كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه. وقالت عائشة كان رسول الله ﷺ ينام وهوجنب من غير أن يمس ماء. وأما الكلب فهو أن يقتني كلبا ليس لزرع ولا ضرع أو صيد، فأما إذا كان يرتبطه للحاجة إليه في بعض هذه الأمور أو لحراسة داره إذا اضطر إليه فلا حرج عليه. وأما الصورة فهي كل صورة من ذوات الأرواح كانت لها أشخاص منتصبة أو كانت منقوشة في سقف أوجدار أومصنوعة في نمط أومنسوجة في ثوب أو ما كان فإن قضية العموم تأتي عليه فليجتنب وبالله التوفيق.

стр. 75

ومن باب الجنب يقرأ قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مُرة عن عبد الله بن سلمة قال دخلت على عليّ أنا ورجلان رجل منا ورجل من بني أسد فبعثهما علي ﵁ وجها. وقال إنكما عِلجان فعالجا عن دينكما. فدخل المخرج ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك فقال إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا ولم يكن يحجبُه أو قال يحجزُه عن القرآن شيء ليس الجنابة. قوله إنكما علجان يريد الشدة والقوة على العمل يقال رجل عَلج وعُلج إذا كان قوي الخلقة وثيق البنية، وقوله عالجا عن دينكما أي جاهدا وجالدا. وقوله ليس الجنابة معناه غير الجنابة، وحرف ليس لها ثلاثة مواضع أحدها أن تكون بمعنى الفعل ترفع الاسم وتنصب الخبر كقولك ليس عبد الله عاق وتكون بمعنى لا كقولك رأيت عبد الله ليس زيدا تنصب به زيدا كما تنصب بلا وتكون بمعنى غير، كقولك ما رأيت أكرم من عمرو ليس زيد أي غير زيد وهو يجر ما بعده. وفي الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن وكذلك الحائض لا تقرأ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة. وكان أحمد بن حنبل يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحنوها وكان يوهن حديث علي هذا ويضعف أمرعبد الله بن سلمة وكذلك قال مالك في الجبنب أنه لا يقرأ الآية ونحوها. وقد حكي عنه أنه قال تقرأ الحائض ولا يقرأ الجبنب لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن لأن أيام
следующие страницы →