← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

بن بكر بن الفُرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ما أسكر كثيره فقليله حرام. قال الشيخ: هذا أوضح البيان أن الحرمة شاملة لأجزاء المسكر وأن قليله ككثيره في الحرمة، والاسكار في هذا الحديث وإن كان مضافاً إلى كثيره فان قليله مسكر على سبيل التعاون كالزعفران يطرح اليسير منه في الماء فلا يصبغه حتى إذا أمدَّ بجزء بعد جزء منه فإذا كثر ظهر لونه وكان الصبغ والتلوين مضافاً إلى جميع أجزائه على سبيل التعاون. وتأوله بعضهم تأولاً فاسداً فقال إنما وقعت الإشارة بقول فقليله حرام إلى الشربة الآخرة أو إلى الجرعة التي يحدث السكر عقيب شربها لأن الفعل إنما يضاف إلى سببه وسبب السكر هو الشربة الآخرة التي حدث السكر على أثرها لا ما تقدمها منه حين السكر معدوم. قلت وهذا تأويل فاسد إذ كان مستحيلاً في العقول وشهادات المعارف أن يعجز كثير الشيء عما يقدر عليه قليله. ولو كان الأمر على ما زعموه لكان لقائل أن يقول إن الله حرم علينا شيئاً لم يجعل لنا طريقاً إلى معرفة عينه لأن الشارب لا يعلم متى يقع السكر به ومن أي أجزاء الشراب يحدث فيه وهذا فاسد لا وجه له، ولو توهمنا الجزء الآخر مشروباً مفرداً عن غيره غير مضاف ولا مجموع إلى ما تقدمها لم يتوهم وجود السكر فيه حين انضم إلى سائر الأجزاء توهمنا وجوده فعلمنا أن السكر إنما حصل بمجموع أجزائه والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا عثمان الأنصاري عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1262

يقول كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرَق فملء الكف منه حرام. قال الشيخ: الفرق مكيلة تسع ستة عشر رطلاً وفي هذا أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب المسكر. وفيه حجة على من زعم أن الإسكار لا يضاف إلى الشراب لأن ذلك من فعل الله سبحانه. قلت والأمر وإن كان صحيحاً في إضافة الفعل إلى الله فإنه قد يصح أن يضاف إلى الشراب على معنى أن الله تعالى قد أجرى العادة بذلك كما أن إضافة الاشباع إلى الطعام والارواء إلى الشراب صحيح إذ كان قد أجرى الله العادة به. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد عن عبيدة عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن نبي الله ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال كل مسكر حرام. قال الشيخ: الميسر القمار، والكوبة يفسر بالطبل ويقال هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر في نحو ذلك من الملاهي والغناء. قال أبو عبيد الغبيراء هو السُّكُرْكة يعمل من الذرة شراب يصنعه الحبشة. وفي قوله كل مسكر حرام دليل على تحريم الوضوء بالنبيذ المسكر. قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع عن الحسن بن عمرو الفُقيمي عن الحكم بن عتيبة عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر. قال الشيخ: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف وهو

стр. 1263

مقدمة السكر نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر والله أعلم. ومن باب في الأوعية قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا منصور بن حبان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس ﵄ قالا نشهد أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفَّت والحنتم والنَّقير. قال الشيخ: الدباء القرع قال أبو عبيد قد جاء تفسيرها في الحديث، عَن أبي بكرة أنه قال اما الدباء فإنا معاشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت. وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت. قلت وإنما نهى عن هذه الأوعية لأن لها ضراوة يشتد فيها النبيذ ولا يشعر بذلك صاحبها فتكون على غرر من شربها. وقد اختلف الناس في هذا فقال قائلون كان هذا في صلب الإسلام ثم نسخ بحديث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ قال كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً، وهذا أصح الأقاويل. وقال بعضهم الخطر باق وكرهوا أن ينتبذوا في هذه الأوعية وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق، وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ﵄. قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن نوح بن قيس حدثنا عبد الله بن عون

стр. 1264

عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لوفد عبد القيس أنهاكم عن النقير والمقيَّر والحنْتم والدُّباء والمزادة المحبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه. قال الشيخ: قوله اشرب في سقائك وأوكه إنما قال ذلك من أجل أن السقاء الذي يشد ويوكي جلد رقيق فإذا حدثت فيه الشدة تقطع وانشق فلم يخف على صاحبه أمره، وهذه الأوعية صلبة متينة يتغير فيها الشراب وتشتد فلا يشعر صاحبها بذلك. وأما المزادة المحبوبة فهي التي ليست لها عزلاء من أسفلها تتنفس منها فالشراب قد يتغير فيها ولا يشعر به صاحبها. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا إسماعيل بن سُميع حدثنا مالك بن عمير عن علي ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن الجِعة. قال الشيخ: قال أبو عبيد الجعة نبيذ الشعير. ومن باب في الخليطين قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن شريك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر جميعاً، ونهى أن ينتبذ البسْر والرطب جميعاً. قال الشيخ: قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكراً قولا بظاهر الحديث ولم يجعلوه معلولاً بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامة أهل الحديث وهو غالب مذهب الشافعي. وقالوا من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان

стр. 1265

آثماً من جهتين أحدهما شرب الخليطين والآخر شرب المسكر، ورخص فيه سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال الليث بن سعد إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعاً لأن أحدهما يشد صاحبه. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ثابت بن عُمارة حدثتني رَبطة عن كبشة بنت أبي مريم قالت، سألت أم سلمة ما كان النبي ﷺ ينهى عنه قالت كان ينهانا أن نعجم النوى طبخاً أو نخلط الزبيب والتمر. قال الشيخ: قوله أن نعجُم النوى نريد أن نبلغ به النضيج إذا طبخنا التمر فعصدناه يقال عجمت النوى أعجمه عجماً إذا لكته في فيك، وكذلك إذا أنت طبخته أو أنضجته، ويشبه أن يكون إنما كره ذلك من أجل أنه يفسد طعم التمر أو لأنه علف الدواجن فتذهب قوته إذا هو نضج. قال أبو داود: حدثنا زياد بن يحيى الحساني حدثنا أبو بحر حدثنا عتاب بن عبد العزيز الجِماني قال، حدثتني صفية بنت عطية قالت، دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة ﵂ فسألناها عن التمر والزبيب فقالت كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم اسقيه النبي ﷺ . قال الشيخ: قولها امرسه تريد أنها تدلكه بأصابعها في الماء، والمرس والمرث بمعنى واحد. وفيه حجة لمن رأى الانتباذ بالخليطين. ومن باب في نبيذ البسر قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن جابر بن زيد وعكرمة أنهما كانا يكرهان البسر وحده ويأخذان ذلك عن ابن عباس، وقال ابن عباس ﵁ أخشى أن يكون المُزَّاء التي نهيت

стр. 1266

عنه عبد القيس، فقلت لقتادة ما المزاء فقال النبيذ في الحنتم والمزفت. قال الشيخ: قد فسر قتادة المزاء وأخبر أنه النبيذ في الحنتم والمزفت، وذكره أبو عبيد فقال: ومن الأشربة المسكرة شراب يقال له المزاء ولم يفسره بأكثر من هذا وأنشد فيه الأخطل: بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاء والسكر ومن باب صفة النبيذ قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد حدثنا ضمرة عن السيباني عن عبد الله بن الديلمي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله إن لنا أعناباً ما نصنع بها قال زببوها قال ما نصنع بالزبيب، قال انبذوه على غدائكم واشربوه على عشائكم وانبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم وانبذوه في الشِّنان ولا تنبذوه في القُلل فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلاً. قال الشيخ: الشنان الأسقية من الأدم وغيرها واحدها شن، وأكثر ما يقال ذلك في الجلد الرقيق أو البالي من الجلود، والقلل الجرار الكبار واحدتها قلة، ومنه الحديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أمه عن عائشة ﵂ قالت: كان ينبذ لرسول الله ﷺ في سقاء يُوكأ أعلاه وله عَزلاء ينبذه غُدوة ويشربه عِشاء، وينبذه عشاء فيشربه غدوة. قال الشيخ: العزلاء فم المزادة وقد يكون ذلك للسقاء من أسفله ويجمع على العزالي.

стр. 1267

ومن باب شرب العسل قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج عن عطاء أنه سمع عبيد بن عمير قال: عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ تخبر ان النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً فتواصيت أنا وحفصة ايتُّنا ما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت ﴿لِمَ ترحم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك - إلى - أن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ١] لعائشة وحفصة ﵄ ﴿وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً﴾ [التحريم: ٣] لقوله بل شربت عسلاً. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل فذكر هذا الخبر وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح. قال الشيخ: وفي الحديث قالت سودة بل أكلت مغافير، قال بل شربت عسلاً سقتني حفصة فقالت جرستْ نحله العُرْفُطَ. والمغافير واحدها مغفور، ويقال له أيضاً مغثور، والفاء والثاء يتعاقبان كما قالوا فوم وثوم وجدث وجدف وهو شيء يتولد من العرفط حلو كالناطف وريحه منكر، والعرفط شجر له شوك، وقوله جرست نحلحه العرفط أى أكلت، ويقال للنحل جوارس. وفي هذا الحديث دليل على أن يمين النبي ﷺ إنما وقعت في تحريم العسل لا في تحريم أم ولده مارية القبطية كما زعمه بعض الناس.

стр. 1268

ومن باب الشرب من في السقاء قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أنبأنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من في السقاء وعن ركوب الجلاَّلة والمُجثَمَّة. قال الشيخ: المجثمة هي المصبورة وذلك أنها قد جثمت على الموت أي حبست عليه بأن توثق وترمى حتى تموت، وأصل الجثوم في الطير، يقال جثم الطائر وبرك البعير، وربضت الشاة، وبين الجاثم والمجثم فرق. وذلك أن الجاثم من الصيد يجوز لك أن ترميه حتى تصطاده والمجثم هو ما ملكته فجثمته وجعلته غرضاً ترميه حتى تقتله وذلك محرم. وأما الشرب من في السقاء فأما يكره ذلك من أجل ما يخاف من أذى عساه يكون فيه لا يراه الشارب حتى يدخل جوفه فاستحب أن يشربه في إناء طاهر يبصره. وروي أن رجلاً شرب من في سقاء فانساب جان فدخل جوفه. ومن باب اختناث الأسقية قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري سمع عبيد الله بن عبد الله، عَن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ نهى عن اختناث الأسقية. قال الشيخ: معنى الاختناث فيها أن يثني رؤوسها ويعطفها ثم يشرب منها ومن هذا سمي المخنث وذلك لتكسره وتثنيه. وقد قيل إن المعنى في النهي عن ذلك أن الشرب إذا دام فيها خنثت وتغيرت رائحتها.

стр. 1269

وقد روي أن النبي ﷺ قال اختنث فم الإداوة ثم اشرب من فيها. وقد ذكره أبو داود في هذا الباب فيحتمل أن يكون النهي إنما جاء عن ذلك إذا شرب من السقاء الكبير دون الأداوي ونحوها، ويحتمل أن يكون إنما أباحه للضرورة والحاجة إليه في الوقت، وإنما المنهي عنه أن يتخذه الإنسان دربة وعادة. وقد قيل إنما أمره بذلك لسعة فم السقاء لئلا ينصب عليه الماء والله أعلم. ومن باب الشرب من ثُلمة القدح والنفخ في الشراب قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عَن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب. قال الشيخ: إنما نهى عن الشراب من ثلمة القدح لأنه إذا شرب منها تصبب الماء وسال قطره على وجهه وثوبه لأن الثلمة لا تتماسك عليها شفة الشارب كما تتماسك على الموضع الصحيح من الكوز والقدح. وقد قيل إنه مقعد الشيطان فيحتمل أن يكون المعنى في ذلك أن موضع الثلمة لا ينال التنظيف التام إذا غسل الإناء فيكون شربه على غير نظافة وذلك من فعل الشيطان وتسويله، وكذلك إذا خرج الماء فسال من الثلمة فأصاب وجهه وثوبه فإنما هو من اعنات الشيطان وايذائه إياه والله أعلم. ومن باب الشرب قائماً قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب الرجل قائماً.

стр. 1270

قال الشيخ: هذا نهي تأديب وتنزيه لأنه أحسن وأرفق بالشارب وذلك لأن الطعام والشراب إذا تناولهما الإنسان على حال سكون وطمأنينة كانا أنجع في البدن وأمرأ في العروق، وإذا تناولهما على حال وفاز وحركة اضطربا في المعدة وتخضخضا فكان منه الفساد وسوء الهضم. وقد روي أن النبي ﷺ شرب قائماً. وقد رواه أبو داود في هذا الباب فكان ذلك متأولاً على الضرورة الداعية إليه وإنما فعله ﷺ بمكة شرب من زمزم قائماً، ومعلوم أن القعود والطمأنينة كالمتعذر في ذلك المكان مع ازدحام الناس عليه وتكابسهم في ذلك المقام ينظرون إليه ويقتدون به في نسكهم وأعمال حجهم؛ فترخص فيه لهذا ولما أشبه ذلك من الأعذار والله أعلم. ومن باب النفخ في الشراب والتنفس فيه قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن عيينة عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه. قال الشيخ: قد يحتمل أن يكون النهي عن ذلك من أجل ما يخاف أن يبدر من ريقه ورطوبة فيه فيقع في الماء وقد تكون النكهة عن بعض من يشرب متغيرة فتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطافته فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه وأن لا يتنفس فيه لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فيه فليمطه بإصبع أو بخلال أو نحوه ولا حاجة به إلى النفخ فيه بحال.

стр. 1271

ومن باب ما يقول إذا شرب اللبن (١) قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن عمرو بن حرملة عن ابن عباس ﵄ قال: كنت في بيت ميمونه فدخل رسول الله ﷺ ومعه خالد بن الوليد فجاؤوا بضبين مثسويين على ثُمامتين فتبزَّق رسول الله ﷺ فقال خالد أخالك تقذره يا رسول الله فقال أجل، وذكر الحديث. قال الشيخ: الثمامتان عودان واحدتهما ثمامة، والثمام شجر دقيق العود ضعيفه قال الشاعر: ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما تأود عودها (١) كذا في الأصل، والحديث المذكور في الباب يتعلق بأكل الضب وليس بشرب اللبن. ومن باب إيكاء الآنية قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال أغلق بابك واذكر اسم الله فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً واطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه. قال الشيخ: قوله خمر إناءك يريد غطه، ومنه سمي الخمار الذي يقنع به الرأس وسميت الخمر لمخامرتها العقل، والخمر ما واراك من الشجر والأشب. وقوله تعرضه كان الأصمعي يرويه تعرضه بضم الراء. وقال غيره بكسرها. قال أبو داود: حدثنا مسدد وفضيل بن عبد الوهاب السُّكري قالا: حَدَّثنا حماد عن كثير بن شِنظير عن عطاء عن جابر رفعه قال: اكفتوا صبيانكم عند العشاء فإن للجبن انتشاراً أو خطْفة. قال الشيخ: قوله اكفتوا صبيانكم معناه ضموهم إليكم وادخلوهم البيوت

стр. 1272

وكل شيء ضممته إليك فقد كفته، ومن هذا قول الله سبحانه ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً﴾ [المرسلات: ٢٥] أي انها تضمهم إليها ما داموا أحياء على ظهرها فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها. كتاب الذبائح قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن هشام بن زيد قال دخلت مع أنس على الحكم بن أيوب فرأى فتياناً أو غلماناً قد نصبوا دجاجة يرمونها فقال أنس نهى رسول الله ﷺ أن تُصْبر البهائم. قال الشيخ: أصل الصبر الحبس ومنه قيل قتل فلان صبراً أي قهراً أو حبساً على الموت. وإنما نهي عن ذلك لما فيه من تعذيب البهيمة وأمر بإزهاق نفسها بأوجأ الذكاة واخفها. ومن باب أكل ذبائح أهل الكتاب قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله تعالى ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية. قال الشيخ: في هذا دلالة على أن معنى ذكر اسم الله على الذبيحة في هذه الآية ليس باللسان، وإنما معناه تحريم ما ليس بالمذكى من الحيوان، فإذا كان الذابح ممن يعتقد الاسم وإن لم يذكره بلسانه فقد سمى، وإلى هذا ذهب ابن عباس في تأويل الاية.

стр. 1273

ومن باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حَدَّثنا حماد بن مسعدة عن عوف، عَن أبي ريحانة عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب. قال الشيخ: هو أن يتبارى الرجلان كل واحد منهما يجاود صاحبه فيعقر هذا عدداً من إبله ويعقر صاحبه فأيهما كان أكثر عقراً غلب صاحبه ونفره. كره أكل لحومها لئلا تكون مما أهل به لغير الله، وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان، وأوان حدوث نعمة تتجدد لهم في نحو ذلك من الأمور. ومن باب الذبيحة في المروة قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو الأحوص، قال: حَدَّثنا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله إنا نلقى العدو غداً وليس معنا مُدَىَّ أفنذبح بالمَرْوة وشقة العصا، فقال رسول الله ﷺ أرِنْ أو أعجل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سن أو ظُفر وسأحدثكم عن ذلك. أما السن فعظم وأما الظفر فمُدَى الحبشة وتقدم به سرعان من الناس فتعجلوا فأصابوا من الغنائم ورسول الله ﷺ في آخر الناس فنصبوا قدوراً فمر رسول الله ﷺ بالقدور فأمر بها فأكفئت وقسم بينهم فعدل بعير بعشر شياه وند بعير من إبل القوم لم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه الله؛ فقال النبي ﷺ إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به مثل هذا. قال الشيخ: قوله أرن صوابه ائرن بهمزة، ومعناه خف واعجل لئلا تخنقها

стр. 1274

فإن الذبح إذا كان بغير الحديد احتاج صاحبه إلى خفة يده وسرعته في إمرار الآلة على المري والحلقوم والأوداج كلها والإتيان عليها قطعاً قبل هلاك الدبيحة بما ينالها من ألم الضغط قبل قطع مذابحها وفسر به في غريب الحديث. وفيه دلالة على أن العظم كذلك لأنه لما علل بالسن قال لأنه عظم فكل عظم من العظام يجب أن يكون الذكاة به محرمة غير جائزة. وقال أصحاب الرأي إذا كان العظم والسن بائنين من الأسنان فوقع بها الذكاة حل. وإن ذبحها بسنه أو ظفره وهما غير منزوعين من مكانهما من بدنه فهو محرم. وقال مالك إن ذكى بالعظم فمر مراً أجزأه. وقال بعض أصحاب الشافعي إن العظم إذا كان من مأكول اللحم وقعت الذكاة، وكافة أصحابه على خلاف ذلك، وسواء عندهم كان الظفر والسن منفصلين من الإنسان أو لا. قلت، وهذا خاص في المقدور على ذكاته فإن الذكاة في المقدور عليه ربما وقعت بألسن الكلب المعلم وبأسنان سائر الجوارح المعلمة وبأظفارها ومخالبها. وسرعان الناس هم الذين تقدموا في السير بين أيدي الأصحاب. ويشبه أن يكون إكفاء القدور لأن الذي فيها لم يكن دارت عليه سهام القسمة بعد. وقوله أوابد كأوابد الوحش فالأوابد هي التي قد توحشت ونفرت، يقال أبد الرجل وبوداً إذا توحش وتخلى، ويقال هذه أبدة من الأوابد إذا كانت نادرة في بابها لا نظير لها في حسنها. وفيه بيان أن المقدور عليه من الدواب الانسية إذا توحش فامتنع صار حكمه

стр. 1275

في الذكاة حكم الوحشي غير المقدور عليه. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن سماك بن حرب عن مُرِّي بن قَطَري عن عدي بن حاتم قال: قلت يا رسول الله أرأيت ان أحدُنا أصاب صيداً وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشِقة العصا، قال أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله. قال الشيخ: المروة حجارة بيض، قال الأصمعي وهي التي يقدح منها النار. وإنما تجزي الذكاة من الحجر بما كان له حد يقطع. وقوله أمرر الدم أي أسِله وأجره، يقال مريت الدم من عيني أمريه مرياً ومريت الناقة إذا حلبتها وهي مرية، والمري الناقة ذات الدر وهي إذا وضعت أخذوا حُوارها فأكلوه ثم راموها على جلده بعد أن يحشوه بتبن أو مشاقة ونحوها فيبقى لبنها وتدر عليه زماناً طويلاً. وأصحاب الحديث يروونه أمر الدم مشددة الراء وهو خطأ والصواب ساكنة الميم خفيفة الراء. ومن باب ذبيحة المتردية قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حَدَّثنا حماد بن سلمة، عَن أبي العشراء عن أبيه أنه قال يا رسول الله أما تكون الذكاة إلاّ من اللَّبَة أو الحلق قال: فقال رسول الله ﷺ : لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك. قال الشيخ: هذا في ذكاة غير المقدور عليه فأما المقدور عليه فلا يذكيه إلاّ قطع المذابح لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم وضعفوا هذا الحديث لأن راويه مجهول وأبو العشراء الدارمي لا يدرى من أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة.

стр. 1276

واختلفوا فيما توحش من الأوانس فقال أكثر العلماء إذا جرحته الرمية فسال الدم فهو ذكي وإن لم يصب مذابحه. وقال مالك لا يكون هذا ذكاة حتى تقطع المذابح، قال وحكم الأنعام لا يتحول بالتوحش. ومن باب المبالغة في الذبح قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري والحسن بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن المبارك عن معمر عن عمرو بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس زاد ابن عيسى وأبي هريرة قالا نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في حديثه وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تُفْرى الأوداج ثم تترك حتى تموت. قال الشيخ: إنما سمى هذا شريطة الشيطان من أجل أن الشيطان هو الذي يحملهم على ذلك ويحسن هذا الفعل عندهم. وأخذت الشريطة من الشرط وهو شق الجلد بالمبضع ونحوه كأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد دون ذبحه والإتيان بالقطع على حلقه. ومن باب ذكاة الجنين قال أبو داود: حدثنا القعنبي قال أخبرنا ابن المبارك (ح) وحدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا هشيم عن مجالد، عَن أبي الودّاك، عَن أبي سعيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال كلوه إن شئتم، وقال مسدد قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله، قال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه.

стр. 1277

قال الشيخ: فيه بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه وإن لم يحدث للجنين ذكاة. وتأوله بعض من لا يرى أكل الجنين على معنى أن الجنين تذكى كما تذكى أمه فكأنه قال ذكاة الجنين كذكاة أمه أي فذكوه على معنى قول الشاعر: فعيناك عيناها وجيدك جيدها أي كأن عينيك عيناها في الشبه وجيدك جيدها. وهذه القصة تبطل هذا التأويل وتدحضه لأن قوله فإن ذكاته ذكاة أمه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية فثبت أنه على معنى النيابة عنها. وذهب أكثر العلماء إلى أن ذكاة الشاة ذكاة لجنينها، إلاّ أن بعضهم اشترط فيها الاشعار. وقال أبو حنيفة لا يحل أكل الأجنة إلاّ ما خرج من بطون الأمهات حية فذبحت. قال ابن المنذر لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر علماء الأمصار أن الجنين لا يؤكل إلاّ باستئناف الذكاة فيه غير ما روي، عَن أبي حنيفة. قال ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه. ومن باب أكل اللحم لا يدرى أذكر اسم الله عليه أم لا قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد (ح) وحدثنا القعنبي عن مالك (ح) وحدثنا يوسف بن موسى، قال: حَدَّثنا سليمان بن حبان ومحاضر المعنى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ولم يذكرا عن حماد ومالك عن عائشة أنهم قالوا يا رسول الله إن قوماً حديثو عهد بجاهلية يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها فقال رسول الله ﷺ : سموا الله وكلوا.

стр. 1278

قال الشيخ: فيه دليل على أن التسمية غير واجبة عند الذبح لأن البهيمة أصلها على التحريم حتى يتيقن وقوع الذكاة فهي لا تستباح بالأمر المشكوك فيه فلو كانت التسمية من شرط الذكاة لم يجز أن يحمل الأمر فيها على حسن الظن بهم فيستباح أكلها كما لو عرض الشك في نفس الذبح فلم يعلم هل وقعت الذكاة أم لا لم يجز أن تؤكل. واختلفوا فيمن ترك التسمية على الذبح عامداً أو ساهياً، فقال الشافعي التسمية استحباب وليس بواجب وسواء تركها عامداً أو ساهياً، وهو قول مالك وأحمد. وقال الثوري وأهل الرأي وإسحاق إن تركها ساهياً حلت وإن تركها عامداً لم تحل. وقال أبو ثور وداود كل من ترك التسمية عامداً كان أو ساهياً فذبيحته لا تحل ومثله عن ابن سيرين والشعبي. ومن باب في العتيرة قال أبو داود: حدثنا مسدد (ح) وحدثنا نصر بن علي عن بشر بن المفضل المعنى، قال: حَدَّثنا خالد الحذاء، عَن أبي قلابة، عَن أبي المليح قال: قال بيشة نادى رجل رسول الله ﷺ إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا قال: اذبحوا لله في أي شهر كان وبَّروا الله وأطعموا قال إنا كنا نُفرع فَزَعاً في الجاهلية فما تأمرنا، قال في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل قال نصر استحمل للحجيج ذبحته فتصدقت بلحمه، قال خالد احسبه قال على ابن السبيل فإن ذلك خير، قال خالد قلت لأبي قلابة كم السائمة قال مائة.

стр. 1279

قال الشيخ: العتيرة النسيكة التي تعتر أي تذبح وكانوا يذبحونها في شهر رجب ويسمونها الرجبية، والفرَع أول ما تلده الناقة وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم في الجاهلية وهو الفرع مفتوحة الراء ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة قال أخبرنا سفيان عن الزهري عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: لا فرع ولا عتيرة. قال الشيخ: وقال ابن سيرين من بين أهل العلم تذبح العتيرة في شهر رجب وكان روى فيها شيئاً. وقوله استحمل معناه قوي على الحمل. ومن باب العقيقة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن حبيبة بنت ميسرة عن أم كرز الكعبية قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة. قال الشيخ: وفسره أبو عبيد قريبا من هذا لأن حقيقة ذلك التكافؤ في السن يريد شاتين مسنتين تجوزان في الضحايا بأن لا تكون إحداهما مسنة والأخرى غير مسنة. والعقيقة سنة في المولود لا يجوز تركها وهوقول أكثرهم، إلاّ أنهم اختلفوا في التسوية بين الغلام والجارية فيها، فقال أحمد بن حنبل والشافعي واسحاق بظاهر ماجاء في الحديث من أن في الغلام شاتين وفي الجارية شاة. وكان الحسن وقتادة لايريان عن الجارية عقيقة. وقال مالك الغلام والجارية شاة واحدة سواء، وقال أصحاب الرأي إن شاء عتق وإن شاء لم يعتق.

стр. 1280

قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كُرْز قالت سمعت النبي ﷺ يقول: أقروا الطير على مَكِناتها، قالت وسمعته يقول عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكراناً كن أم إناثاً. قال الشيخ: قوله مكناتها قال أبو الزناد الكلابي لا نعرف للطير مكنات وإنما هي وُكُنات وهي موضع عش الطائر. وقال أبو عبيد وتفسير المكنات على غير هذا التفسير يقول لا تزجروا الطير ولا تلتفتوا إليها أقروها على مواضعها التي جعلها الله لها من أنها لا تضر ولا تنفع وكلاهما له وجه. وقال الشافعي كانت العرب تولع بالعيافة وزجر الطير فكان العربي إذا خرج من بيته غادياً في بعض حاجته نظر هل يرى طيراً يطير فيزجر سنوحه أو يردعه فإذا لم ير ذلك عمد إلى الطير الواقع على الشجر فحركه ليطير ثم ينظر أي جهة يأخذ فيزجره، فقال لهم النبي ﷺ : اقروا الطير على أمكنتها لا تطيروها ولا تزجروها. وقيل قوله أقروا الطير على مكناتها فيه كالدلالة على كراهة صيد الطير بالليل. قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: حَدَّثنا همام، قال: حَدَّثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن رسول الله ﷺ قال: كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويُدَمَّى. قال الشيخ: قال أحمد هذا في الشفاعة يريد أنه ان لم يعق عنه فمات طفلاً لم يشفع في والديه.

стр. 1281

وقوله رهينة بإثبات الهاء معناه مرهون فعيلبمعنى مفعول والهاء تقع في هذا للمبالغة يقال فلان كريمة قومه أي محل العقدة الكريمة عندهم وهذا عقيلة المتاع أي ثمرته. وقيل قوله الغلام مرهون بعقيقته أي بأذى شعره واستدل بقوله فأميطوا عنه الأذى والأذى إنما هو مما علق به من دم الرحم. وفيه من السنة حلق رأس المولود في اليوم السابع، وقوله يدمى اختلف في تدميته بدم العقيقة، فكان قتادة يقول به ويفسره فيقول إذا ذبحت العقيقة يؤخذ منها صوفة واستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. وقال الحسن يطلى بدم العقيقة رأسه وكره أكثر أهل العلم لطخ رأسه بدم العقيقة وقالوا أنه من كان من عمل الجاهلية كرهه الزهري ومالك وأحمد وإسحاق، وتكلموا في رواية هذا الحديث من طريق همام عن قتادة، فقالوا قوله يدمى غلط وإنما هو يسمى هكذا رواه شعبة عن قتادة وكذلك رواية سلام بن أبي مطيع عن قتادة، وكذلك رواه أشعث عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى. واستحب غير واحد من العلماء أن لا يسمى الصبي قبل سابعه. وكان الحسن ومالك يستحبان ذلك. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى.

стр. 1282

قال الشيخ: معنى إماطة الأذى حلق الرأس وإزالة ما عليه من الشعر وإذا أمر بإماطة ما خف من الأذى وهو الشعر الذي على رأسه فكيف يجوز أن يأمرهم بلطخه وتدميته مع غلظ الأذى في الدم وتنجيس الرأس به. وهذا يدلك على أن من رواه ويسمى أصح وأولى. قال أبو داود: حدثنا القعنبي، قال: حَدَّثنا داود بن قيس عن عمرو بن شعيب عن أبيه أراه عن جده قال سئل النبي ﷺ عن العقيقة فقال لا يحب الله العقوق كأنه كره الاسم وقال من ولد له فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة، وسئل عن الفَرع قال: والفرع حق وإن تتركوه حتى يكون بكراً شُغْزُباً ابن مخاض او ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبَره وتَكفأ إناءك وتُولِّه ناقتك. قال الشيخ: قوله لا يحب الله العقوق ليس فيه توهين لأمرالعقيقة ولا إسقاط لوجوبها وإنما استبشع الاسم وأحب أن يسميه بأحسن منه فليسمها النسيكة أو الذبيحة. واختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم العقيقة، فقال بعضهم العقيقة اسم الشعر يحلق فسميت الشاة عقيقة على المجاز إذ كانت إنما تذبح بسبب حلاق الشعر. وقال بعضهم بل العقيقة هي الشاة نفسها، وسميت عقيقة لأنها تعق مذابحها أي تشق وتقطع، يقال عق البرق في السحاب والعق إذا تشقق فتشظى له شظايا في وجه السحاب، قالوا ومن هذا عقوق الولد أباه وهو قطيعته وجفوته. وقوله حتى يكون بكراً شغزباً هكذا رواه أبو داود وهو غلط والصواب

стр. 1283

حتى يكون بكراً زُخْرُبّاً وهو الغليظ، كذا رواه أبو عبيد وغيره. ويشبه أن يكون حرف الزاي قد أبدل بالسين لقرب مخارجهما وأبدل الخاء غينا لقرب مخرجهما فصار سغرباً فصحفه بعض الرواة فقال شغزباً. وقوله وتكفأ إناءك يريد بالإناء المحلب الذي تحلب فيه الناقة، يقول إذا ذبحت حُوارها انقطع مادة اللبن فتترك الإناء مكفأ ولا يحلب فيه. وقوله توله ناقتك أي تفجعها بولدها وأصله من الوله وهو ذهاب العقل من فقدان إلف؛ وأنشد ابن الأعرابي: وكنا خليطي في الجمال فأصبحت ... جمالي تُوالي وُلهاً من جِمالك كتاب الصيد ومن باب اتخاذ الكلب الصيد قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من اتخذ كلباً إلاّ كلبَ ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط. قال الشيخ: كان ابن عمر لا يذكر في هذا الحديث كلب الزرع وقيل له إن أبا هريرة ذكر كلب الزرع فقال إن لأبي هريرة زرعاً فتأوله بعض من لم يوفق للصواب على غير وجهه، وذهب إلى أنه قصد بهذا القول إنكاره والتهمة له من أجل حاجته إلى الكلب لحراسة زرعه وليس الأمر كما قال، وإنما أراد ابن عمر تصديق أبي هريرة وتوكيد قوله وجعل حاجته إلى ذلك شاهداً له على علمه ومعرفته به لأن من صدقت حاجته إلى شيء كثرت مسألته عنه ودام

стр. 1284

طلبه له حتى يدركه ويحكمه، وقد رواه عبد الله بن مغفل المزنى وسفيان بن أبي وهب عن النبي ﷺ فذكرا فيه الزرع كما ذكره أبو هريرة. قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا يزيد، قال: حَدَّثنا يونس عن الحسن عن عبد الله بن مغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم. قال الشيخ: معناه أنه كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق حتى يأتي عليه كله فلا يبقي منه باقية لأنه ما من خلق لله تعالى إلاّ وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة. يقول إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن كلهن فاقتلوا شرارهن وهي السود البهم وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة. ويقال إن السود منها شرارها وعُقُرها. وقال أحمد وإسحاق لا يحل صيد الكلب الأسود. ومن باب في الصيد قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حَدَّثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ قلت إني أرسل الكلاب المعلمة فتمسك عليَّ أفآكل، قال إذا أرسلت الكلاب المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، قلت وإن قتلن، قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها قلت ارمي بالمعراض فأصيب أفآكل، قال: إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب فخزَق فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل. قال الشيخ: ظاهره يدل على أنه إذا أرسل الكلب ولم يسم لم يؤكل، وهو

стр. 1285

قول أهل الرأي؛ إلاّ أنهم قالوا إن ترك التسمية ناسياً حل. وذهب من لا يرى التسمية شرطاً في الذكاة إلى أن المراد بقوله وذكرت اسم الله ذكر القلب، وهو أن يكون إرساله الكلب قصد الاصطياد به لا يكون في ذلك لاهياً أو لاعباً لا قصد له في ذلك. وقوله ارمي بالمعراض فإن المعراض نصل عريض وفيه إزانة ولعله يقول إن أصابه بحده حتى نفذ في الصيد وقطع سائر جلده فكله، وهو معنى قوله فخزق. وإن كان إنما وقذه بثقله ولم يخزق فهو ميتة. وقوله ما لم يشركها كلب ليس منها أي لعل إتلاف الروح لم يكن من قبل كلبك المعلم إنما كان من قبل الكلب غير المعلم. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبى شيبة، قال: حَدَّثنا معبد الله بن نمير، قال: حَدَّثنا مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: ما علمت من كلب أوباز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك، قلت وإن قتل، قال إذا قتله ولم يأكل منه شيئاً فإنما أمسكه عليك. قال الشيخ: فيه بيان أن البازي والكلب سواء حكمهما في تحريم اللحم إذا أكلا من الصيد، وإلى هذا ذهب الشافعي. وفرق أصحاب الرأي بين الكلب والبازي، فقالوا يحرم في الكلب دون البازي. وإليه ذهب المزني قال وذلك لأن البازي يعلم بالطُّعم والكلب يعلم بترك الطُّعم. وقد علق الشافعي أيضاً قوله في تحريم الصيد الذي قد أكل منه الكلب، فقال مرة أنه لا يحرم وهو قول مالك وأحسبه ذهب إلى حديث أبي ثعلبة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا هشيم أخبرث داود بن عمرو عن بسر

стр. 1286

بن عبيد الله، عَن أبي إدريس الخَولاني، عَن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ في صيد الكلب: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى فكل وإن أكل منه وكل ما ردّت عليك يدك. قال الشيخ: ويمكن أن يوفق بين الحديثين من الروايتين بأن يجعل حديث أبي ثعلبة أصلاً في الإباحة وأن يكون النهي في حديث عدي على معنى التنزيه دون التحريم. ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم ويكون النهي على التحريم البات، ويكون المراد بقوله وإن أكل فيما مضى من الزمان وتقدم منه لا في هذه الحال. وذلك لأن من الفقهاء من ذهب إلى أنه إذا أكل الكلب المعلم من الصيد مدة بعد أن كان لا يأكل فإنه يحرم كل صيد كان اصطاده قبل فكأنه قال كل منه وإن كان قد أكل فيما تقدم إذا لم يكن قد أكل في هذه الحالة. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عاصم الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: إذا رميت سهمك وذكرت اسم الله فوجدته من الغد ولم تجده في ماء ولا فيه أثر غير سهمك فكل، وإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها فلا تأكل لا تدري لعله قتله الذي ليس منها. قال الشيخ: إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء لإمكان أن يكون الماء غرقه فهلك من الماء لا من قتل الكلب. وكذلك إذا وجد فيه أثر لغير سهمه. والأصل أن الرخص تراعى فيها شرائطها التي لها وقعت الإباحة فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي وهذا باب كبير من العلم.

стр. 1287

قال أبو داود: حدثنا الحسين بن معاذ بن خليف حدثنا عبد الأعلى حدثنا داود عن عامر عن عدي بن حاتم أنه قال يا رسول الله أحدنا يرمي فنقتفر أثره اليومين والثلاثة ثم يجده ميتاً وفيه سهمه أيأكل قال نعم إن شاء أو قال يأكل إن شاء. قال الشيخ: قوله نقتفر معناه نتبع يقال اقتفرت أثر الرجل إذا تتبعته وقفرته وفيه دليل على أنه إذا علق به سهمه فقد ملكه وصار سهمه كيده فلو أنه رمى صيداً حتى أنشب سهمه فيه ثم غاب عنه فوجده رجل كان سبيله سبيل اللقطة وعليه تعريفه ورد قيمته إن كانت عينه باقية. وفيه أنه قد شرط عليه أن يرمي فيه سهمه وهو أن يثبته بعينه، وقد علم أنه كان قد أصابه قبل أن يغيب عنه فإدا كان كذلك فقد علم أن ذكاته إنما وقعت برميته، فأما إذا رماه فلم يعلم أنه أصابه أم لا فتتبع أثره فوجده ميتاً وفيه سهمه فلا يأكل لأنه يمكن أن يكون غيره قد رماه بسهم فأثبته. وقد يجوز أن يكون ذلك الرامي مجوسياً لا تحل ذكاته أو محرماً أو بعض من لا يستباح الصيد بذكاته. وفي قوله فنقتفر أثره دليل على أنه ان أغفل تتبعه وأتى عليه شيء من الوقت ثم وجده ميتاً فإنه لا يأكله لأنه إذا تتبعه فلم يلحقه إلاّ بعد اليوم واليومين فهو مقدور وكانت الذكاة واقعة بإصابة السهم في وقت كونه ممتنعاً غير مقدور عليه. فأما إذا لم يتبعه وتركه يتحامل بالجراحة حتى هلك، فهذا غير مذكى لأنه لو اتبعه لأدركه قبل الموت فذكاه ذكاة المقدور عليه في الحلق واللبة، فإذا لم يفعل ذلك مع القدرة عليه صار كالبهيمة المقدور على ذكاتها بجرح في بعض

стр. 1288

أعضائها وتترك حتى تهلك بألم الجراحة. وقال مالك بن أنس إن أدركه من يومه أكله وإلا فلا. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابياً يقال له أبو ثعلبة قال يا رسول الله إن لي كلياً مكلَّبة فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ : إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك، قال ذكي وغير ذكي قال نعم قال وإن أكل منه قال وإن أكل منه، قال يا رسول الله أفتني في قوسي، قال كل ما ردت عليك قوسك، قال ذكي وغير ذكي، قال وإن تغيب عني، قال وإن تغيب عنك ما لم يُصَّلَّ أو تجد فيه أثراً غير سهمك. قال افتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال اغسلها وكل فيها. قال الشيخ: المكلبة المسلطة على الصيد المضراة بالاصطياد وقوله ذكي وغير ذكي يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أراد بالذكي ما أمسك عليه فأدركه قبل زهوق نفسه فذكاه في الحلق واللبة، وغير الذكي ما زهقت نفسه قبل أن يدركه. والآخر أن يكون أراد بالذكي ما جرحه الكلب بسنه أو مخالبه فسال دمه وغير الذكي ما لم يجرحه. وقد اختلف العلماء فيما قتله الكلب ولم يدمه فذهب بعضهم إلى تحريمه وذلك أنه قد يمكن أن يكون إنما قتله الكلب بالضغط والاعتماد فيكون في معنى الموقذة، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه. وقوله ما لم يصل أي ما لم ينتن ويتغير ريحه يقال صلَّ اللحم وأصل لغتان. قلت وهذا على معنى الاستحباب دون التحريم لأن تغيير ريحه لا يحرم أكله

стр. 1289

وقد روي أن النبي ﷺ أكل اهالة سنخة وهي المتغيرة الريح، وقد يحتمل أن يكون معنى قوله صل بأن يكون قد نهشه هامة فصل اللحم أي تغير لما سرى فيه من سمها فأسرع إليه الفساد. وفيه النهي من طريق الأدب عن أكل ما تغير من اللحم بمرور المدة الطويلة عليه. ومن باب الصيد يقطع منه قطعة قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عَن أبي واقد قال قال رسول الله ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة. قال الشيخ: هذا في لحم البهيمة وأعضاءها المتصلة ببدنه دون الصوف المستخلف والشعر ونحوه. وكذلك هذا في الكلب يرسله فينتف من الصيد نتفة قبل أن يزهق نفسه، أو تصيبه الرمية فيكسر عنه عضواً وهو حي فإن ذلك كله محرم لأنه بان من البهيمة وهي حية فصار ميتة، فأما إذا فصده نصفين فإنه بمنزلة الذكاة له ويؤكلان جميعاً. وقال أبو حنيفة إن كان النصف الذي فيه الرأس أصغر كان ميتة، وإن كان الذي يلي الرأس حلت القطعتان. وعند الشافعي لا فرق وكلتاهما حلال لأنه إذا خرج الروح من القطعتين معاً في حالة واحدة فليس هناك إبانة ميتة عن حي بل هو ذكاة الكل لأن الكل صار ميتاً بهذا العقر فليس شيئاً منه تابعاً لشيء بل كله سواء في ذلك.

стр. 1290

كتاب شرح السنة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى بن فارس قالا: حَدَّثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان (ح) قال وحدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية حدثني صفوان حدثنا أزهر بن عبد الله الحرازي، قال أحمد، عَن أبي عامر الهوزي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال إلاّ أن رسول الله ﷺ قام فينا فقال الا ان من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وزاد ابن يحيى وعمرو في حديثهما وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه، قال عمر والكَلَب بصاحبه لا يبقي منه عرق ولا مفصل إلاّ دخله. قال الشيخ: قوله ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها خارجة من الدين إذ قد جعلهم النبي ﷺ كلهم من أمته. وفيه أن المتأول لا يخرج من المله وإن أخطأ في تأوله. وقوله كما يتجارى الكلب لصاحبه فإن الكلب داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلِب وهو داء يصيب الكلب كالجنون. وعلامة ذلك فيه أن تحمر عيناه وأن لا يزال يدخل ذنبه بين رجليه وإذا رأى إنساناً ساوره فإذا عقر هذا الكلب إنساناً عرض له من ذلك أعراض رديئه، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشاً ولا يزال يستسقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه، ويقال إن هذه العلة إذا استحكمت بصاحبها فقعد للبول خرج منه هنات مثل صورة الكلاب فالكلب

стр. 1291

داء عظيم إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك. ومن باب مجانية أهل الأهواء وبغضهم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك وذكر ابن السرح قصة تخلفه عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، قال ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة حتى إذا طال عليَّ تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي فسلمت عليه فو الله ما رد علي السلام ثم ساق الخبر في نزول توبته. قال الشيخ: فيه من العلم أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث إنما هو فيما يكون بينهما من قبل عتب وموجدة أو لتقصير يقع في حقوق العشرة ونحوها دون ما كان من ذلك في حق الدين فإن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مر الأوقات والأزمان ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، وكان رسول الله ﷺ خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه في غزوة تبوك فأمر بهجرانهم وأمرهم بالقعود في بيوتهم نحو خمسين يوماً على ما جاء في الحديث إلى أن أنزل الله سبحانه توبته وتوبة أصحابه فعرف رسول الله ﷺ براءتهم من النفاق. وفيه دلالة على أنه لا يحرج المرء بترك رد سلام أهل الأهواء والبدع. وفيه دليل على أن من حلف أن لا يكلم رجلاً فسلم عليه أو رد ﵇ كان حانثاً.

стр. 1292

ومن باب النهي عن الجدال في القرآن قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: المراء في القرآن كفر. قال الشيخ: اختلف الناس في تأويله فقال بعضهم معنى المراء هنا الشك فيه كقوله ﴿فلا تك في مرية منه﴾ [هود: ١٧] أي في شك، ويقال بل المراء هو الجدال المشكك فيه. وتأوله بعضهم على المراء في قرآنه دون تأويله ومعانيه مثل أن يقول قائل هذا قرآن قد أنزله الله ﵎، ويقول الآخر لم ينزل الله هكذا فيكفر به من أنكره، وقد أنزل سبحانه كتابه على سبعة أحرف كلها شاف كاف فنهاهم ﷺ عن إنكار القراءة التي يسمع بعضهم بعضاً يقرؤها وتوعدهم بالكفر عليها لينتهوا عن المراء فيه والتكذيب به إذ كان القرآن منزلاً على سبعة أحرف وكلها قرآن منزل يجوز قراءته ويجب علينا الإيمان به. وقال بعضهم إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن في الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل وعلى معنى ما يجري من الخوض بينهم فيها دون ما كان منها في الأحكام وأبواب التحليل والتحريم والحظر والإباحة فإن أصحاب رسول الله ﷺ قد تنازعوها فيما بينهم وتحاجوا بها عند اختلافهم في الأحكام ولم يتحرجوا عن التناظر بها وفيها. وقد قال سبحانه ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] فعلم أن النهي منصرف إلى غير هذا الوجه والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا أبو عمرو بن كثير بن دينار

стр. 1293

عن حَريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معديكرب عن رسول الله ﷺ قال: إلاّ أني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه الا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلاّ أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِراه. قال الشيخ: قوله أوتيت الكتاب ومثله معه يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أن يكون معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو، ويحتمل أن يكون معناه أنه أوتي الكتاب وحياً يتلى، وأوتي من البيان أي أذن له أن يبين ما في الكتاب ويعم ويخص وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن. وقوله يوشك شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فإنه يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله ﷺ مما ليس له في القرآن ذكر على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي قد ضُمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا، والأريكة السرير، ويقال أنه لا يسمى أريكة حتى يكون في حجلة وإنما أراد بهذه الصفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم ولم يغدوا ولم يروحوا في طلبه في مظانه واقتباسه من أهله. وأما قوله لا تحل لقطة معاهد إلاّ أن يستغني عنها صاحبها فمعناه إلاّ أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناء عنها وهذا كقوله سبحانه ﴿فكفروا وتولوا واستغنى

стр. 1294

الله﴾ [التغابن: ٦] معناه والله أعلم تركهم الله استغناء عنهم وهو الغني الحميد. وقوله فله أن يعقبهم بمثل قراه معناه له أن يأخذ من مالهم قدر قراه عوضاً وعقبى مما حرموه من القرى. وهذا في المضطر الذي لا يجد طعاماً ويخاف على نفسه التلف، وقد ثبت ذلك في كتاب الزكاة أو في غيره من هذا الكتاب. وفى الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجه بنفسه، وأما ما رواه بعضهم أنه قال إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإن خالفه فدعوه فإنه حديث باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي عن يحيى بن معين أنه قال هذا حديث وضعته الزنادقة. قلت وقد روى هذا من حديث الشاميين عن يزيد بن ربيعة، عَن أبي الأشعث عن ثوبان ويزيد بن ربيعة هذا مجهول ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان وإنما يروي، عَن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان. قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصبَّاح البزاز حدثنا إبراهيم بن سعد عن سعد بن إبراهيم عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد. قال الشيخ: في هذا بيان أن كل شيء نهى عنه ﷺ من عقد نكاح وبيع وغيرهما من العقود فإنه منقوض مردود لأن قوله فهو رد يوجب ظاهره إفساده وإبطاله إلاّ أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر فيترك الكلام عليه لقيام الدليل فيه والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج حدثنا سليمان، يَعني ابن

стр. 1295

عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: ألا هلك المتنطعون ثلاث مرات. قال الشيخ: المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. وفيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مساغ وأمكن فيه استعمال. ومن باب لزوم السنة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ثور بن يزيد حدثني خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي وحُجْر بن حُجْر قالا: أتينا العرباض بن سارية فسلمنا فقلنا أتينا زائرين وعائدين ومقتبسين فقال العرباض صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرَفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل يا رسول الله كأن هذا موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال أوصيكم بالسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. قال الشيخ: قوله وإن عبداً حبشياً يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبداً حبشياً، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: الأئمة من قريش، وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح منه الوجود كقوله ﷺ : من بنى لله مسجداً ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة، وقدر مفحص قطاة

стр. 1296

لا يكون مسجدا لشخص آدمي وكقوله لو سرقت فاطمة لقطعتها وهي رضوان الله عليها وسلامه لا يتوهم عليها السرقة، وقال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ونظائر هذا في الكلام كثير، والنواجذ آخر الأضراس واحدها ناجذ، وإنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة فعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه منعاً له أن ينتزع وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشيء إذ كان ما يمسكه بمقاديم فمه أقرب تناولاً وأسهل انتزاعاً، وقد يكون معناه أيضاً الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه. وقوله كل محدثة بدعة فإن هذا خاص في بعض الأمور دون بعض وكل شيء أحدث على غير أصل من أصول الدين وعلى غير عياره وقياسه. وأما ما كان منها مبنياً على قواعد الأصول ومردود إليها فليس ببدعة ولا ضلالة والله أعلم. وفي قوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين دليل على أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولاً، وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولى. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شييه حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أيبه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرَّم فحُرِّم على الناس من أجل مسألته. قال الشيخ: هذا في مسألة من يسأل عبثاً وتكلفاً فيما لا حاجة به إليه دون من سأل سؤال حاجة وضرورة كمسألة بني إسرائيل في شأن البقرة وذلك أن الله سبحانه أمرهم أن يذبحوا بقرة فلو استعرضوا البقر فذبحوا منها بقرة لأجزأتهم. كذلك قال ابن عباس ﵁ في تفسير الآية فما زالوا يسألون ويتعنتون

стр. 1297

حتى غلظت عليهم وأمروا بذبح البقرة على النعت الذي ذكره الله في كتابه فعظمت عليهم المؤنة ولحقتهم المشقة في طلبها حتى وجدوها فاشتروها بالمال الفادح فذبحوها وما كادوا يفعلون. وأما من كان سؤاله استبانة لحكم واجب واستفادة لعلم قد خفي عليه فإنه لا يدخل في هذا الوعيد وقد قال سبحانه ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: ٧] . وقد يحتج بهذا الحديث من يذهب من أهل الظاهر إلى أن أصل الأشياء قبل ورود الشرع بها على الإباحة حتى يقوم دليل على الحظر وإنما وجه الحديث وتأويله ما ذكرناه والله أعلم. ومن باب التفضيل قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أسود بن عامر حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان ﵃، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم. قال الشيخ: وجه ذلك والله أعلم أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذين كان رسول الله ﷺ إذا حز به أمر شاورهم فيه، وكان علي رضوان الله عليه في زمان رسول الله ﷺ حديث السن ولم يرد ابن عمر الازراء بعلي كرم الله وجهه ولا تأخيره ودفعه على الفضيلة بعد عثمان وفضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه فذهب الجمهور من السلف إلى تقديم عثمان عليه وذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه على عثمان ﵄.

стр. 1298

وحدثني محمد بن هاشم حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة عن عبد الصمد قال: قلت لسفيان الثوري ما قولك في التفضيل، فقال أهل السنة من أهل الكوفة يقولون أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وأهل السنة من أهل البصرة يقولون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. قلت فما تقول أنت قال أنا رجل كوفي. قلت وقد ثبت عن سفيان أنه قال آخر قوليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. قلت وللمتأخرين في هذا مذاهب، منهم من قال بتقديم أبي بكر من جهة الصحابة وبتقديم علي من جهة القرابة، وقال قوم لا يقدم بعضهم على بعض، وكان بعض مشايخنا يقول أبو بكر خير وعلي أفضل، وقال وباب الخيرية غير باب الفضيلة، قال وهذا كما تقول إن الحر الهاشمي أفضل من العبد الرومي والحبشي وقد يكون العبد الحبشي خيراً من هاشمي في معنى الطاعه لله والمنفعة للناس، فباب الخيرية متعد وباب الفضيلة لازم. وقد ثبت عن علي كرم الله وجهه أنه قال خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر، فقال له ابنه محمد بن الحنفية، ثم أنت يا أبه فكان يقول ما أبوك إلاّ رجل من المسلمين رضوان الله عليهم. ومن باب ما قيل في الخلفاء قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله هو ابن عبد الله عن ابن عباس ﵄ قال كان أبو هريرة ﵁ يحدث أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أرى الليلة ظلة ينطِف منها السمن والعسل فأرى الناس يتكففون بأيديهم فالمستكثر والمستقل. وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض فأراك يا رسول الله فأخذته،

стр. 1299

يَعني فعلوت به، ثم أخذ به رجل فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل فعلا به، فقال أبو بكر ﵁ بأبي وأمي لتدعني فلأعبرنها، قال فقال اعبرها؛ فقال أما الظلة فظلة الإسلام؛ وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته، وأما المستكثر والمستقل فهو المستكثر من القرآن والمستقل منه؛ وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به بعدك رجل فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو، ثم يأخذ به رجل فينقطع ثم يوصل به فيعلو أي رسول الله لتحدثني أصبت أم أخطأت؛ فقال أصبت بعضاً وأخطأت بعضا فقال أقسمت يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت فقال النبي ﷺ : لا تقسم. قال الشيخ: قوله إني أرى الليلة أخبرني أبو عمر، عَن أبي العباس قال: يقول ما بينك من لدن الصباح وبين الظهر رأيت الليلة وبعد الظهر إلى الليل رأيت البارحة، والظلة كل ما أظلك من فوقك وعلاك، وأراد بالظلة ههنا والله أعلم سحابة ينطف منها السمن والعسل أي يقطر والنطف القطر، وقوله يتكففون بأيديهم يريد أنهم يتلقونه بأكفهم، يقال تكفف الرجل الشيء واستكفه إذا مد كفه وتناوله بها، والسبب الحبل والواصل معناه الموصول فاعل بمعنى مفعول وفي قوله لأبي بكر ﵁ لا تقسم ولم يخبره عن مسألته دليل على أن قول القائل أقسمت ليس بيمين حتى يقول أقسمت بالله أو أقسم بالله فيصل القسم باسم الله ولو كان ذلك بمجرده يميناً لكان يبره فيها لأنه ﷺ قد أمر بإبرار المقسم فدل ذلك على أنه مع التجريد ليس بيمين. وقد اختلف الناس في معنى قوله أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، فقال بعضهم

стр. 1300

أراد به الإصابة في عبارة بعض الرؤيا والخطأ في بعضها. وقال آخرون بل أراد بالخطأ ههنا تقديمه بين يدي رسول الله ﷺ ومسألته للإذن له في تعبير الرؤيا ولم يترك رسول الله ﷺ ليكون هو الذي يعبرها فهذا موضع الخطأ، وأما الإصابة فهي ما تأوله في عبارة الرؤيا وخروج الأمرفي ذلك على وفاق ما قاله وعبره. وقد بلغني، عَن أبي جعفر الطحاوي رواية عن بعض السلف أنه قال موضع الخطأ في عبارة أبي بكر ﵁ أنه مخطىء أحد المذكورين من السمن والعسل فقال، وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته، وإنما أحدهما القرآن والآخر السنة والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ٠ص قص عليه رؤيا فاستاء لها. قال الشيخ: قوله استاء لها أي كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه ووزنه افتعل من السوء. قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون حدثنا محمد بن جرير عن الزبيدي عن ابن شهاب عن عمرو بن أبان بن عثمان عن جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: أُري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأن تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمرالذي بعث الله به نبيه ﷺ . قال الشيخ: قوله نيط معناه علق، والنوط التعليق، والتنوط التعلق، ومنه
следующие страницы →