Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
تدرون ما قال ربكم، قالوا الله ورسول أعلم قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مُطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مُطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب.
قال الشيخ: قوله في أثر سماء أي في أثر مطر، والعرب تسمي المطر سماء لأنه نزل منها قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
والنوء واحد الأنواء وهي الكواكب الثمانية والعشرون التي هي منازل القمر كانوا يزعمون أن القمر إذا نزل بعض تلك الكواكب مطروا فأبطل ﷺ قولهم وجعل سقوط المطر من فعل الله سبحانه دون فعل غيره.
ومن باب الخط وزجر الطير
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا عوف حدثنا حيان بن العلاء حدثنا قَطَن بن قَبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: العيافة والطَّيرَه والطرق من الجبت.
قال الشيخ: قد فسره أبو عبيد فقال العيافة زجر الطير يقال منه عفت الطير أعيفها عيافة، قال ويقال في غير هذا عافت الطير تعيف عيفاً إذا كانت تحوم على الماء وعاف الرجل الطعام يعافه عيافاً وذلك إذا كرهه.
قال وأما الطرق فإنه الضرب بالحصى ومنه قول لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
قال واصل الطرق الضرب، ومنه سميت مطرقة الصائغ والحداد لأنه يطرق بها أي يضرب بها.
стр. 1227
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونه عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك.
قال الشيخ: صورة الخط ما قاله ابن الأعرابي ذكره أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى عنه، قال يقعد الحازي ويأمر غلاماً له بين يديه فيخط خطوطاً على رمل أو تراب ويكون ذلك منه في خفة وعجلة كي لا يدركها العدّ والإحصاء ثم يأمره فيمحها خطين خطين ابني عيان اسرعا البيان فإن كان آخر ما بقى منها خطين فهو آية النجاح وإن بقي خط واحد فهو الخيبة والحرمان.
وأما قوله فمن وافق خطه فذلك فقد يحتمل أن يكون معناه الزجر عنه إذا كان من بعده لا يوافق خطه ولا ينال حظه من الصواب لأن ذلك إنما كان آية لذلك النبي فليس لمن بعده أن يتعاطاه طمعاً في نيله والله أعلم.
وقد ذكرنا هذا المعنى أو نحوه فيما مضى من هذا الكتاب.
ومن باب الطيرة
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن سلمة بن كُهيل عن عيسى بن عاصم عن زِر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: الطيرة شرك وما منا إلاّ ولكن الله يذهبه بالتوكل.
قال الشيخ: قوله وما منا إلاّ معناه إلاّ من يعتريه التطير وسبق إلى قلبه الكراهة فيه فحذف اختصاراً للكلام واعتماداً على فهم السامع، وقال محمد بن إسماعيل كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول هذا الحرف ليس من قول
стр. 1228
رسول الله وكأنه قول ابن مسعود ﵁.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي قالا: حَدَّثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لا عدوى ولا صفر ولا هامة، فقال أعرابي ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيُجْربها، قال فمن أعدى الأول قال معمر، قال الزهري فحدثني رجل، عَن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يوردن مُمرض على مُصح، ققال فراجعه الرجل فقال أليس قد حدثتنا أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا صفر ولا هامة، قال لم أحدثكموه، قال الزهري قال أبو سلمة قد حدث به وما سمعت أبا هريرة نسي حديثاً قط غيره.
قال الشيخ: قوله لا عدوى يريد أن شيئاً لا يعدي شيئاً حتى يكون الضرر من قبله وإنما هو تقدير الله جل وعز وسابق قضائه فيه ولذلك قال فمن أعدى الأول. يقول إن أول بعير جرب من الإبل لم يكن قبله بعير أجرب فيعديه وإنما كان أول ما ظهر الجرب في أول بعير منها بقضاء الله وقدره فكذلك ما ظهر منه في سائر الإبل بعد. وأما الصفر فقد ذكره أبو عبيد في كتابه، وحكي عن رؤبة بن العجاج أنه سئل عن الصفر فقال هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس قال وهي أعدى من الجرب، قال أبو عبيد فأبطل النبي ﷺ أنها تعدي قال، وقال غيره في الصفر أنه تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه.
قال وأما الهامة فإن العرب كانت تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير أبطل النبي ﷺ ذلك من قولهم.
стр. 1229
قلت وتطير العامة اليوم من صوت الهامة ميراث ذلك الرأي وهو من باب الطيرة المنهي عنها.
وأما قوله لا يوردن مُمرض على مُصح قال الممرض الذي مرضت ماشيته والمصح هو صاحب الصحاح منها، كما قيل رجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافاً، ومقوٍ إذا كانت أقوياء، وليس المعنى في النهي عن هذا الصنيع من أن المرضى تعدي الصحاح، ولكن الصحاح إذا مرضت بإذن الله وتقديره وقع في نفس صاحبه أن ذلك إنما كان من قبل العدوى فيفتنه ذلك ويشككه في أمره فأمر باجتنابه والمباعدة عنه لهذا المعنى.
وقد يحتمل أن يكون ذلك من قبل الماء والمرعى فتستوبله الماشية فإذا شاركها في ذلك الماء الوارد عليها أصابه مثل ذلك الداء والقوم بجهلهم يسمونه عدوى وإنما هو فعل الله ﵎ بتأثير الطبيعة على سبيل التوسط في ذلك والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرْقي أن سعيد بن الحكم حدثهم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثني ابن عجلان حدثني القعقاع بن حكيم وعبيد الله بن مقسم وزيد بن أسلم، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا غُولَ.
قال الشيخ: قوله لا غول ليس معناه نفي الغول عيناً وإبطالها كوناً، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من تغولها واختلاف تلونها في الصور المختلفة واضلالها الناس عن الطريق وساسر ما يحكون عنها مما لا يعلم له حقيقة. يقول لا تصدقوا بذلك ولا تخافوها فإنها لا تقدر عل شيء من ذلك إلاّ بإذن الله ، ويقال إن الغيلان سحرة الجن تسحر الناس وتفتنهم بالإضلال
стр. 1230
عن الطريق والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا طِيَرة ويعجبني الفأل الصالح. والفأل الصالح الكلمة الحسنة.
قال الشيخ: قد أعلم النبي ﷺ أن الفأل إنما هو أن يسمع الإنسان الكلمة الحسنة فيفأل بها أي يتبرك بها ويتأولها على المعنى الذي يطابق اسمها وأن الطيرة بخلافها وإنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا كانوا في سفر أو مسير، ومنهم من كان يتطير بسنوحها فيصدهم ذلك عن المسير ويردهم عن بلوغ ما يمموه من مقاصدهم فأبطل ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظن بالله.
وأخبرني الكراني حدثنا عبد الله بن شبيب حدثني المنقري حدثنا الأصمعي قال سألت ابن عون عن الفأل، قال هو أن تكون مريضاً فتسمع يا سالم أو تكون طالباً فتسمع يا واجد.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى أن الحضرمي بن لاحق حدثه عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا هامة ولا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار.
قال الشيخ: معنى الطيرة التشاؤم وهو مصدر التطير، يقال تطير الرجنل طيرة كما قالوا تخيرت الشيء خيرة ولم يجىء من المصادر على هذا القياس غيرهما
стр. 1231
وجاء من الأسماء على هذا المثال حرفان التوَلة في نوع من السحر وسبي طيبة يقال هذا سبي طيبة أي طيب.
وأما قوله إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار فإن معناه إبطال مذهبهم في الطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوها، إلاّ أنه يقول إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه ارتباطه فليفارقها بأن يتنقل عن الدار ويبيع الفرس، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه. وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره، وقد قيل إن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها وشؤم المرأة أن لا تلد.
قال أبو داود: حدثنا مخلَّد بن خالد وعباس العنبري المعنى قالا: حَدَّثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن يحيى بن عبد الله عن بحير أخبرني من سمع فروة بن مُسيك قال قلت يا رسول الله أرض عندنا يقال لها أرض أبين هي أرض ميرتنا وريفنا وإنها وبيئة أو قال وباؤها شديد فقال النبي ﷺ : دعها عنك فإن من القرف التلف.
قال الشيخ: ذكر القتبي هذا الحديث في كتابه وفسره قال: القرف مداناة الوباء ومداناة المرض، ويقال أرض قرف أي محمة، قال وكل شيء قاربته فقد قارفته.
قلت وليس هذا من باب العدوى وإنما هو من باب الطب فإن استصلاح الأهوية من أعون الأشياء على صحة الأبدان وفساد الهواء من أضرها وأسرعها إلى اسقام البدن عند الأطباء وكل ذلك بإذن الله ومشيئته لا شريك له فلا حول ولا قوة إلاّ به.
стр. 1232
قال أبو داود: حدثنا الحسين بن يحيى حدثنا بشر بن عمر عن عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا كثير فيها أموالنا فتحولنا إلى دار أخرى فقل فيها عددنا وقلت فيها أموالنا فقال رسول الله ﷺ : ذروها ذميمة.
قال الشيخ: قد يحتمل أن يكون إنما أمرهم بتركها والتحول عنها إبطالاً لما وقع في نفوسهم من أن المكروه إنما أصابهم بسبب الدار وسكناها فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم وزال ما كان خامرهم من الشبهة فيها والله أعلم.
كتاب الأطعمة
باب ما جاء في إجابة الدعوة
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها.
قال الشيخ: إجابة الدعوة في الوليمة خصوصاً واجبة لأمرالنبي ﷺ بها ولما في إتيان الوليمة من إعلان النكاح والإشادة به وعلى هذا يتأول قول أبي هريرة من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، فأما سائر الدعوات فليست كذلك ولا يحرج المرء بالتخلف عنها وقد دعي بعض العلماء فلم يجب فقيل له إن السلف كانوا يدعون فيجيبون، فقال كانوا يدعون للمؤاخاة والمؤاساة وأنتم اليوم تدعون للمباهاة والمكافأة.
ومن باب الضيافة
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن سعيد المقبري، عَن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه
стр. 1233
جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام وما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه.
قال الشيخ: قوله جائزته يوم وليلة سئل مالك بن أنس عنه فقال يكرمه ويتحفه ويخصه ويحفظه يوماً وليلة وثلاثة أيام ضيافة.
قلت يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بر وألطاف ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته وما كان بعد الثلاث فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك.
وقوله لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه، يريد أنه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث من غير استدعاء منه حتى يضيق صدره فيبطل أجره. وأصل الحرج الضيق.
قال أبو داود: حدثنا مسدد وخلف بن هشام المنقري قالا: حَدَّثنا أبو عَوانة عن منصور عن عامر، عَن أبي كريمة قال: قال رسول الله ﷺ : ليلة الضيف حق على كل مسلم فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء اقتضى وإن شاء ترك.
قال الشيخ: وجه ذلك أنه رآها حقاً من طريق المعروف والعادة المحمودة ولم يزل قرى الضيف وحسن القيام عليه من شيم الكرام وعادات الصالحين، ومنع القرى مذموم على الألسن وصاحبه ملوم، وقد قال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني أبو الجودي عن سعيد بن أبي المهاجر عن المقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله ﷺ : أيما رجل ضاف قوماً فاصبح الضيف محروماً فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى
стр. 1234
ليلة من زرعه وماله.
قال الشيخ: يشبه أن يكون هذا في المضطر الذي لا يجد ما يطعمه ويخاف التلف على نفسه من الجوع فإذا كان بهذه الصفة كان له أن يتناول من مال أخيه ما يقيم به نفسه، وإذا فعل ذلك فقد اختلف الناس فيما يلزمه له، فذهب بعضهم إلى أنه يؤدي إليه قيمته وهذا يشبه مذاهب الشافعي. وقال آخرون لا يلزمه له قيمة، وذهب إلى هذا القول نفر من أصحاب الحديث واحتجوا بأن أبا بكر الصديق ﵁ جلب لرسول الله ﷺ لبناً من غنم لرجل من قريش له فيها عبد يرعاها وصاحبها غائب وشربه ﷺ وذلك في مخرجه من مكة إلى المدينة.
واحتجوا أيضاً بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: من دخل حائطاً فليأكل منه ولا يتخذ خُبنة.
وعن الحسن أنه قال إذا مر الرجل بالإبل وهو عطشان صاح برب الإبل ثلاثاً فإن أجابه وإلا حلب وشرب.
وقال زيد بن أسلم ذكروا الرجل يضطر إلى الميتة وإلى مال المسلم، فقال يأكل الميتة، قال عبد الله بن دينار يأكل من مال الرجل المسلم، فقال سعيد أصبت إن الميتة تحل له إذا اضطر إليه ولا يحل له مال المسلم.
ومن باب نسخ الضيف في الأكل
من مال غيره إلاّ بتجارة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عياس ﵄ قال: كان
стр. 1235
الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى الطعام فقال إني لأجَنَّحُ أن آكل منه ويقول المسكين أحق به مني لقوله تعالى ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩] فنسخ ذلك بقول ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم﴾ إلى قول ﴿أشتاتاً﴾ [النور: ٦] .
قال الشيخ: قوله أجنح أي أرى جناحاً وإثماً أن آكله.
ومن باب طعام المتباريين
قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي، قال: حَدَّثنا جرير بن حازم عن الزبير بن خُرّيت قال سمعت عكرمة يقول كان ابن عباس ﵄ يقول إن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل.
قال أبو داود أكثر من رواه عن جرير لم يذكر فيه ابن عباس.
قال الشيخ: المتباريان المتعارضان بفعلهما، يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فعل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهي عنه من أكل المال بالباطل.
ومن باب إجابة الدعوة إذا حضرها مكروه
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد بن جُهمان عن سفينة أبي عبد الرحمن أن رجلاً ضاف علي بن أبي طالب ﵁ فصنع له طعاماً، فقالت فاطمة ﵍ لو دعونا رسول الله ﷺ فأكل معنا فدعوه فجاء ووضع يده على عضادتي الباب فرأى القِرام قد ضرب به في ناحية البيت فرجع فقالت فاطمة لعلي ﵇ الحقه فانظر ما رجَعَه فتبعته؛ فقلت يا رسول الله ما ردك، قال إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتاً مزوَّقاً.
стр. 1236
قال الشيخ: وفيه دليل على أن من دعى إلى مدعاة يحضرها الملاهي والمنكر فإن الواجب عليه أن لا يجيب.
القرام الستر وفي رواية أخرى أنه كان ستراً موشى كره الزينة والتصنع.
ومن باب إذا حضرت الصلاة والعشاء
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى القطان عن عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فلا يقم حتى يفرُغ.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم بن زريع حدثنا معلى بن منصور عن محمد بن ميمون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله ﷺ لا يؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره.
قال الشيخ: وجه الجمع بين الحديثين أن الأول إنما جاء فيمن كانت نفسه تنازعه شهوة الطعام وكان شديد التوقان إليه، فإذا كان كذلك وحضر الطعام وكان في الوقت فضل بدأ بالطعام لتسكن شهوة نفسه فلا يمنعه عن توفية الصلاة حقها وكان الأمر يخف عندهم في الطعام وتقرب مدة الفراغ منه إذ كانوا لا يستكثرون منه ولا ينصبون الموائد ويتناولون الأولوان وإنما هو مذقة من لبن وشربة من سويق أو كف من تمر أو نحو ذلك، ومثل هذا لا يؤخر الصلاة عن زمانها ولا يخرجها عن وقتها.
وأما حديث جابر فإنه كان لا يؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره فهو مما كان بخلاف ذلك من حال المصلي وصفة الطعام ووقت الصلاة، وإذا كان الطعام
стр. 1237
لم يوضع وكان الإنسان متماسكاً في نفسه وحضرت الصلاة وجب أن يبدأ بها ويؤخر الطعام. وهذا وجه بناء أحد الحديثين على الاخر والله أعلم.
ومن باب طعام الفجاءة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي مريم حدثنا عمي سعيد بن الحكم أنبأنا الليث أخبرني خالد بن يزيد، عَن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه قال أقبل رسول الله ﷺ من شعب من الجبل وقد قضى حاجته وبين أيدينا تمر على ترس أو حَجَفة فدعوناه فأكل معنا وما مس ماء.
قال الشيخ: دلالة هذا أن طعام الفجأة غير مكروه إذا كان الآكل يعلم أن صاحب الطعام قد تسره مساعدته إياه على أكله ومعلوم أن القوم كانوا يفرحون بمساعدة رسول الله ﷺ إياهم ويتبركون بمؤاكلته، وإنما جاءت الكراهة في طعام الفجأة إذا كان لا يؤمن أن يشق ذلك صاحب الطعام ويشق عليه ولعله إنما يعرض طعامه إذا فجأه الداخل عليه استحياء منه لا إيجاباً له والله أعلم.
ومن باب الأكل متكئاً
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان عن علي بن الأقمر قال سمعت أبا جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ : لا آكل متكئاً.
قال الشيخ: يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره، وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذ كان معلوماً أن الآكل مائلاً على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه فلا يسيغه ولا يسهل نزوله إلى معدته.
стр. 1238
قال الشيخ: وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه وإنما المتكئ ههنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكئ. والاتكاء مأخوذ من الوكاء ووزنه الافتعال منه فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته والمعنى أني إذا أكلت لم أقعد متمكناً على الأوطية والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي مستوفزاً له، وروي أنه كان ﷺ يأكل مقعياً ويقول أنا عبد آكل كما يأكل العبد.
ومن باب الأكل من أعلى الصحيفة
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يأكل من أعلى الصحيفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها.
قال الشيخ: قد ذكر في هذا الحديث أن النهى إنما كان عن ذلك من أجل أن البركة إنما تنزل من أعلاها، وقد يحتمل أيضاً وجها آخر وهو أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا أكل مع غيره، وذلك أن وجه الطعام هو أطيبه وأفضله فإذا قصده بالأكل كان مستأثراً به على أصحابه.
وفيه من ترك الأدب وسوء العشرة ما لا خفاء به فأما إذا أكل وحده فلا بأس به والله أعلم.
ومن باب كراهية تقذر الطعام
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب حدثني قَبِيصة بن هُلْب عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ وسأل رجل
стр. 1239
فقال إن من الطعام طعاماً أتحرج منه، فقال لا يتحلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية.
قال الشيخ: قوله لا يتحلجن معناه لا يقعن في نفسك ريبة منه وأصله من الحلج وهو الحركة والاضطراب، ومنه حلج القطن، ومعنى المضارعة المقاربة في الشبه ويقال للشيئين بينهما مقاربة هذا ضرع هذا أي مثله.
ومن باب في أكل الجلالة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها.
قال الشيخ: الجلالة هي الإبل التي تأكل الجلة وهي العذرة كره أكل لحومها وألبانها تنزهاً وتنظفاً. وذلك أنها إذا اغتذت بها وجد نتن رائحتها في لحومها، وهذا إذا كان غالب علفها منها. فأما إذا رعت الكلأ واعتلفت الحب وكانت تنال مع ذلك شيئاً من الجلة فليست بجلالة وإنما هي كالدجاج ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيرها فلا يكره أكله.
واختلف الناس في أكل لحوم الجلالة وألبانها فكره ذلك أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد بن حنبل وقالوا لا تؤكل حتى تحبس أياماً وتعلف علفاً غيرها فإذا طاب لحمها فلا بأس بأكله.
وقد روي في حديت أن البقر تعلف أربعين يوماً ثم يؤكل لحمها، وكان ابن عمر ﵁ يحبس الدجاجة ثلاثاً ثم يذبح.
وقال إسحاق بن راهويه لا بأس أن يؤكل لحمها بعد أن يغسل غسلاً جيداً.
стр. 1240
وكان الحسن البصري لا يرى بأساً بأكل لحوم الجلالة، وكذلك قال مالك بن أنس.
ومن باب في أكل لحوم الخيل
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: نهانا رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل.
قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معديكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.
قال الشيخ: في حديث جابر بيان إباحة لحوم الخيل واسناده جيد.
وأما حديث خالد بن الوليد ففي إسناده نظر وصالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض.
وقد اختلف الناس في لحوم الخيل فروى عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره لحوم الخيل، وكرهها أبو حنيفة وأصحابه ومالك.
وقال الحكم لحوم الخيل في القرآن حرام ثم تلا ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] ورخصت طائفة فيها روي ذلك عن شريح والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير، وهو قول حماد بن أبي سليمان، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
فأما احتجاج من احتج بقوله ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ في تحريم لحوم الخيل فإن الآية لا تدل على أن منفعة الخيل مقصورة
стр. 1241
على الركوب دون الأكل، وإنما ذكر الركوب والزينة لأنهما معظم ما يبتغى من الخيل كقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣] فنص على اللحم لأنه معظم ما يؤكل منه، وقد دخل في معناه دمه وسائر أجزائه وقد سكت عن حمل الأثقال على الخيل، وقيل في الأنعام ﴿لكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ [المؤمنون: ٢١-٢٢] وقال تعالى ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلاّ بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧] ثم لم يدل ذلك على أن حمل الأثقال على الخيل غير مباح كذلك الأكل والله أعلم.
ومن باب في أكل الضب
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب، عَن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عباس ﵄ عن خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونه فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونه أخبروا النبي ﷺ بما يريد أن يأكل منه فقال هو ضب فرفع رسول الله ﷺ يده قال: فقلت أحرام هو، قال لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد فاجتررته فأكلت ورسول الله ﷺ ينظر.
قال الشيخ: المحنوذ المشوي ويقال هو ما شوي بالرضف وهي الحجارة المحماة ومن هذا قوله سبحانه ﴿فجاء بعجل حنيذ﴾ [هود: ٦٩] .
وقوله أعافه معناه أقذره وأتكرهه، يقال عفت الشيء أعافه عيفاً ومن زجر الطير عفته، أعيفه، عيافة.
وقد اختلف الناس في أكل الضب فرخص فيه جماعة من أهل العلم، روي
стр. 1242
ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي، وكرهه قوم. روي ذلك عن علي ﵁، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقد روي في النهى عن لحم الضب حديث ليس إسناده بذلك، ذكره أبو داود في هذا الباب.
ومن باب في أكل حشرات الأرض
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا غالب بن حجرة حدثني مِلقام بن تَلِّب عن أبيه قال صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرة الأرض تحريماً.
قال الشيخ: الحشرة صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب والقنافذ ونحوها، وليس في قوله لم أسمع لها تحريماً دليل على أنها مباحة لجواز أن يكون غيره قد سمعه.
وقد حضرنا فيه معنى آخر وهو أنه إنما عنى بهذا القول عادة القوم في زمان رسول الله ﷺ في استباحة الحشرة وكان يعرفها رسول الله ﷺ من عاداتهم فلم ينه عن أكلها.
وقد اختلف الناس في أن الأشياء أصلها على الإباحة أو على الحظر وهي مسألة كبيرة من مسائل أصول الفقه. فذهب بعضهم إلى أنها على الإباحة، وذهب آخرون إلى أنها على الحظر، وذهبت طائفة إلى أن إطلاق القول بواحد منهما فاسد ولا بد من أن يكون بعضها محظوراً وبعضها مباحاً، والدليل ينبئ عن حكمه في مواضعه.
وقد اختلف الناس في اليربوع والوبر ونحوهما من الحشرات فرخص في اليربوع عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور. وقال مالك لا بأس بأكل الوبر
стр. 1243
وكذلك قفال الشافعي، وقد روي عن عطاء ومجاهد وطاوس وكرهها ابن سيرين والحكم وحماد وأبو حنيفة وأصحابه.
وكره أبو حنيفة وأصحابه القنفذ وسئل عنه مالك بن أنس فقال لا أدري، وكان أبو ثور لا يرى به بأساً، وحكاه عن الشافعي.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه رخص فيه، وقد روى أبو داود في تحريمه حديثاً ليس إسناده بذلك. فإن ثبت الحديث فهو محرم.
ومن باب في أكل الضبع
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد عن عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم.
قال الشيخ: إذا كان قد جعله صيداً أو رأى فيه الفداء فقد أباح أكله كالظباء والحمر الوحشية وغيرها من أنواع صيد البر، وإنما أسقط الفداء في قتل ما لا يؤكل، فقال خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم. الحديث.
وفي قوله هو صيد دليل على أن من السباع والوحش ما ليس بصيد فلم يدخل تحت قوله تعالى ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ [المائدة: ٩٦] .
وفيه دليل على أن لا شيء على من قتل سبعاً لأنه ليس بصيد.
وفيه دليل على المثل المجعول في الصيد إنما هو من طريق الخلقة دون القيمة ولو كان الأمر في ذلك موكولاً إلى الاجتهاد لأشبه أن لا يكون بدله مقدراً، وفي ذلك ما دل على أن في الكبش وفاء لجزائه كانت قيمته مثل قيمة المجزي أو لم يكن.
стр. 1244
وقد اختلف الناس في أكل الضبع فروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس ﵄ إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وأبو ثور، وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب واحتجوا بأنها سبع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع.
قلت وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة وخبر جابر خاص وخبر تحريم السباع عام.
ومن باب في الحمر الأهلية
قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أخبرني رجل عن جابر قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نأكل لحوم الحمير وأمرنا بأكل لحوم الخيل، قال عمرو فأخبرت هذا الخبر أبا الشعثاء فقال قد كان الحكم الغفاري فينا يقول هذا وأبى ذلك البحر، يَعني ابن عباس رضى الله عنهما.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن منصور عن عبيد أبي الحسن عن عبد الرحمن عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أُطعم أهلي إلاّ شيء من حمر وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية فأتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وأنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال اطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جَوال القرية.
стр. 1245
قال أبو داود عبد الرحمن هذا هو ابن معقل.
قال الشيخ: لحوم الحمر الأهلية محرمة في قول عامة العلماء، وإنما رويت الرخصة فيها عن ابن عباس ﵄ ولعل الحديث في تحريمها لم يبلغه، فأما حديث ابن أبجر فقد اختلف في إسناده.
قال أبو داود: رواه شعبة عن عبيد أبي الحسن عن عبد الرحمن بن معقل عن عبد الرحمن بن بشر عن ناس من مزينة أن سيد مزينة أبجر أو ابن أبجر سأل النبي ﷺ ورواه مسعر فقال عن ابن عبيد عن ابن معقل عن رجلين من مزينة أحدهما عن الآخر، وقد ثبت التحريم من طريق جابر متصلاً. والرجل الذي رواه عنه عمرو بن دينار ولم يسمه في رواية أبى داود وهو محمد بن علي حدثونا به عن يحيى بن محمد بن يحيى.
حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر قال نهان رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل.
وأما قوله إنما حرمتها من أجل جوال القرية فإن الجوال هي الني تأكل العذره وهي الجله، إلا أن هذا لا يثبت وقد ثبت أنه إنما نهى عن لحموما لأنها رجس.
حدثناه ابن مالك حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر أصبنا حمراً خارجاً من القرية فنحرنا فطبخنا فنادى منادي رسول الله ﷺ إلاّ ان الله ورسوله ينهيانكم عنها وأنها رجس من عمل الشيطان فأكفئت القدور بما فيها وإنها لتفور.
стр. 1246
ومن باب الطافي من السمك
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة أنبأنا يحيى بن سُليم الطائفي حدثنا إسماعيل بن أمية، عَن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ما ألقاه البحر أو جَزَر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفاه فلا تأكلوه.
قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد، عَن أبي الزبير أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضاً من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب، عَن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ .
قال الشيخ: قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه أباح الطافي من السمك ثبت ذلك، عَن أبي بكر الصديق وأبي أيوب الأنصاري ﵄، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح ومكحول وإبراهيم النخعي، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وروي عن جابر وابن عباس ﵄ كرها الطافي من السمك وإليه ذهب جابر بن زيد وطاوس وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
ومن باب أكل دواب البحر
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبو عبيدة بن الجراح ﵁ نتلقى عيراً لقريش وزودنا جراباً من تمر لم نجد غيره وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فيكفينا يوماً إلى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبَط ثم نبله بالماء فنأكله، قال وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة ﵁ ميتة ولا تحل لنا، ثم قال لا بل نحن رسل رسول
стр. 1247
الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، فلما قدمنا على رسول الله ذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ فأكل.
قال الشيخ: الخبط ورق الشجر يضرب بالعصا فيسقط.
وفيه دليل على أن دواب البحر كلها مباحة إلاّ الضفدع لما جاء من النهي وإن ميتتها حلال، ألا تراه يقول هل معكم من لحمه شيء فأرسلنا إليه فأكل وهذا حال رفاهية لا حال ضرورة.
وقد روي، عَن أبي بكر الصديق ﵁ أن كل دابة في البحر فقد ذبحها الله لكم أو ذكاها لكم.
وعن محمد بن علي أنه قال كل ما في البحر ذكي، وكان الأوزاعي يقول كل شيء كان عيشه في الماء فهو حلال قيل فالتمساح قال نعم، وغالب مذهب الشافعي إباحة دواب البحر كلها إلاّ الضفدع لما جاء من النهي عن قتلها.
وكان أبو ثور يقول جميع ما يأوي إلى الماء فهو حلال فما كان منه يذكى لم يحل إلاّ بذكاة وما كان منه لا يذكى مثل السمك أخذه حياً وميتاً.
وكره أبو حنيفة دواب البحر كلها إلاّ السمك.
وقال سفيان الثوري أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس.
وقال ابن وهب سألت الليث بن سعد عن أكل خنزير الماء وكلب الماء وإنسان الماء ودواب الماء كلها، فقال أما إنسان الماء فلا يؤكل على شيء من الحالات، والخنزير إذا سماه الناس خنزيراً فلا يؤكل، وقد حرم الله الخنزير وأما الكلاب فليس بها بأس في البر والبحر.
стр. 1248
قلت: لم يختلفوا أن المارماهي مباح أكله وهو شبيه بالحيات ويسمى أيضاً حية، فدل ذلك على بطلان اعتبار معنى الأسماء والأشباه في حيوان البحر، وإنما هي كلها سموك وإن اختلفت أشكالها وصورها وقد قال سبحانه ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم﴾ [المائدة: ٩٦] فدخل كل ما يصاد من البحر من حيوانه لا يخص شيء منه إلاّ بدليل، وسأل رسول الله ﷺ عن ماء البحر فقال طهور ماؤه حلال ميتته فلم يستثن شيئاً منها دون شيء، فقضية العموم توجب فيها الإباحة إلاّ ما استثناه الدليل والله أعلم.
ومن باب المضطر إلى الميتة
قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا الفضل بن دكين حدثنا عقبة بن وهب عن عقبة العامري، قال سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال ما يحل لنا من الميتة، قال ما طعامكم، قلنا نغتبق ونصطبح، قال أبو نعيم فسره لي عقبة قدح غُدْوة وقدح عَشِية، قال ذاك وأبى الجوع فأحل لهم الميتة على هذه الحال.
قال الشيخ: الغبوق العشاء، والصبوح الغداء، والقدح من اللبن بالغداة، والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يغذو البدن ولا يشبع الشبع التام، وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت، وإلى هذا ذهب مالك بن أنس وهو أحد قولي الشافعي، وذلك أن الحاجه منه قائمة إلى الطعام في تلك الحال كهي في الحال المتقدمة فمنعه بعد إباحته له غير جائز قبل أن يأخذ منه حاجته وهذا كالرجل يخاف العنت ولا يحد طولاً لحرة فإذا أبيح له نكاح الأمة وصار
стр. 1249
إلى أدنى حال التعفف لم يبطل النكاح.
وقال أبو حنيفة لايجوز له أن بيتناول منه إلاّ قدر ما يمسك رمقه.
وإليه ذهب المزني قالوا وذلك لأنه لو كان في الابتداء بهذا الحال لم يجز له أن يأكل شيئاً منها فكذلك إذا بلغها بعد تناولها.
وقد روي نحو من هذا عن الحسن البصري، وقال قتادة لا يتضلع منها.
ومن باب في أكل الجبن
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن موسى البلخي حدثنا إبراهيم بن عيينة عن عمرو بن منصور عن الشعبي عن ابن عمر ﵄ قال أتي النبي ﷺ بجبنة في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع.
قال الشيخ: إنما جاء به أبو داود من أجل أن الجبن كان يعمله قوم الكفار لا تحل ذكاتهم وكانوا يعقدونها بالأنافج وكان من المسلمين من يشاركهم في صنعة الجبن فأباحه النبي ﷺ على ظاهر الحال ولم يمتنع من أكله من أجل مشاركة الكفار المسلمين فيه.
ومن باب في الخل
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا معاوية بن هشام حدثنا سفيان عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي ﷺ قال نعم الإدام الخل.
قال الشيخ: معنى هذا الكلام الاقتصاد في المأكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة كأنه يقول ائتدموا بالخل وما كان في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده ولا تتأنقوا في المطعم فإن تناول الشهوات مفسدة للدين مسقمة للبدن.
وفيه من الفقه أن من حلف لا يأتدم فأكل خبزة بخل حنث.
стр. 1250
ومن باب في الثوم
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني عطاء بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله قال، إن رسول الله ﷺ قال من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته وأنه أُتني ببَدْر فيه خضرات من البقول وذكر الحديث.
قال الشيخ: قوله أتي ببدر يريد بطبق وسمي الطبق بدراً لاستدارته، ومنه سمي القمر قبل كماله بدراً وذلك لاستدارته وحسن اتساقه.
وقوله فليعتزل مسجدنا إنما أمره باعتزال المسجد عقوبة له وليس هذا من باب الأعذار التي تبيح للمرء التخلف عن الجماعة كالمطر والريح العاصف ونحوهما من الأمور، وقد رأيت بعض الناس صنف في الأعذار المانعة عن حضور الجماعة باباً ووضع فيها أكل الثوم والبصل وليس هذا من ذلك في شيء والله أعلم.
ومن باب القران بالتمر عند الأكل
قال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن ابن إسحاق عن جبَلة بن سُحيم عن ابن عمر قال نهى النبي ﷺ عن القران إلاّ أن تستأذ أصحابك.
قال الشيخ: إنما جاء النهي عن القران لمعنى مفهوم وعلة معلومة وهي ما كان القوم من شدة العيش وضيق الطعام واعوازه، وكانوا يتجوزون في المأكل ويواسون من القليل فإذا اجتمعوا على الأكل تجافى بعضهم عن الطعام لبعض وآثر صاحبه على نفسه، غير أن الطعام ربما يكون مشفوهاً. وفي القوم من بلغ به الجوع الشدة فهو يشفق من فنائه قبل أن يأخذ حاجته منه فربما قرن بين التمرتين وأعظم اللقمة ليسد به الجوع وتشفى به القَرَمَ فأرشد
стр. 1251
النبي ﷺ إلى الأدب فيه وأمر بالاستئذان ليستطيب به نفس أصحابه فلا يجدوا في أنفسهم من ذلك إذا رأوه قد استأثر به عليهم، أما اليوم فقد كثر الخير واتسعت الرحال وصار الناس إذا اجتمعوا تلاطفوا على الأكل وتحاضوا على الطعام فهم لا يحتاجون إلى الاستئذان في مثل ذلك إلاّ أن يحدث حال من الضيق والاعواز تدعو الضرورة فيها إلى مثل ذلك فيعود الأمر إليه إذا عادت العلة والله أعلم.
ومن باب الجمع بين الشيئين في الأكل
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن نصير حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل الطبيخ بالرطب ويقول يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا.
قال الشيخ: فيه إثبات الطب والعلاج ومقابلة الشيء الضار بالشيء المضاد له في طبعه على مذهب الطب والعلاج؛ ومنه إباحة التوسع من الأطعمة والنيل من الملاذ المباحة، والطبيخ لغة في البطيخ.
ومن باب الأكل في آنية
أهل الكتاب والمجوس والطبخ فيها
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى واسماعيل عن برد بن سنان عن عطاء عن جابر قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنصيب من آنية المشركين واسقيتهم فنستمتع بها فلا يعيب ذلك عليهم.
قال الشيخ: ظاهر هذا يبيح استعمال آنية المشركين على الاطلاق من غير غسل لها وتنظيف، وهذه الإباحة مقيدة بالشرط الذي هو مذكور في الحديث الذي يليه في هذا الباب.
стр. 1252
قال أبو داود: حدثنا نصر بن عاصم حدثنا محمد بن شعيب أنبأنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عَن أبي عبيد الله مسلم بن مِشْكم، عَن أبي ثعلبة الخُشني ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله ﷺ إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا.
قال الشيخ: والأصل في هذا أنه إذا كان معلوماً من حال المشركين أنهم يطبخون في قدورهم لحم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمور فإنه لا يجوز استعمالها إلاّ بعد الغسل والتنظيف، فأما مياههم وثيابهم فإنها على الطهارة كمياه المسلمين وثبابهم إلاّ أن يكونوا من قوم لا يتحاشون النجاسات أو كان من عادتهم استعمال الأبوال في طهورهم فإن استعمال ثيابهم غير جائز إلاّ أن لا يعلم أنه لم يصبها شيء من النجاسات والله أعلم.
والرحض الغسل.
ومن باب الفأرة تقع في السمن
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه.
قال الشيخ: فيه دليل على أن المائعات لا تزال بها النجاسات وذلك انها إذا لم تدفع عن نفسها النجاسة فلأن لا تدفع عن غيرها أولى.
وقوله لا تقربوه يحتمل وجهين أحدهما لا تقربوه أكلاً وطعماً ولا يحرم
стр. 1253
الانتفاع به من غير الوجه استصباحاً وبيعاً ممن يستصبح به ويدهن به السفن ونحوها، ويحتمل أن يكون النهي في ذلك عاماً على الوجوه كلها.
وقد اختلف الناس في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة فذهب نفر من أصحاب الحديث إلى أنه لا ينتفع به على وجه من الوجوه لقوله لا تقربوه. واستدلوا فيه أيضاً بما روي في بعض الأخبار أنه قال أريقوه.
وقال أبو حنيفة هو نجس لا يجوز أكله وشربه ويجوز بيعه والاستصباح به.
وقال الشافعي لا يجوز أكله ولا بيعه ويجوز الاستصباح به.
وقال داود إن كان هذا سمناً فلا يجوز تناوله ولا بيعه وإن كان زيتاً لم يحرم تناوله وبيعه وذلك أنه زعم أن الحديث إنما جاء في السمن وهو لا يعدو لفظه ولا يقبس عليه من طريق المعنى غيره.
ومن باب الذباب يقع في الطعام
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا بشر يعنى ابن المفضل عن ابن عجلان، عَن أبي سعيد المقبري، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقُلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله.
قال الشيخ: فيه من الفقه ان أجسام الحيوان طاهرة إلاّ ما دلت عليه السنة من الكلب وما ألحق به في معناه.
وفيه دليل على أن ما لا نفس له سائلة إذا مات في الماء القليل لم ينجسه، وذلك إن غمس الذباب في الإناء قد يأتي عليه فلو كان نجسه إذا مات فيه لم يأمره بذلك لما فيه من تنجيس الطعام وتضييع المال وهذا قول عامة العلماء،
стр. 1254
إلاّ أن الشافعي قد علق القول فيه فقال في أحد قوليه إن ذلك ينجسه.
وقد روي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال في العقرب يموت في الماء أنها تنجسه وعامة أهل العلم على خلافه.
وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له وقال كيف يكون هذا وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء وما أربها إلى ذلك.
قلت: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل وإن الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أن الله سبحانه قد ألف بينها وقهرها على الاجتماع وجعل منها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في خزأين من حيوان واحد، وأن الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وأن تعسل فيه، وألهم الذرة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحاً وتؤخر جناحاً لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد والامتحان الذي هو مضمار التكليف وفي كل شيء عبرة وحكمة وما يذكر إلاّ أولو الألباب.
ومن باب اللقمة تسقط
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل لعق أصابعه الثلاث، وقال إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. وأمرنا أن نسلت الصحيفة وقال إن أحدكم لا يدري في أي طعامه يبارك له.
стр. 1255
قال الشيخ: سلت الصحيفة تتبع ما يبقى فيها من الطعام ومسحها بالإصبع ونحوه، ويقال سلت الرجل الدم عن وجهه إذا مسحه بأصبعه وقد بين النبي ﷺ العلة في لعق الأصابع وسلت الصحيفة، وهو قوله فإنه لا يدري في أي طعامه يبارك له. يقول لعل البركة فيما لعق بالأصابع والصحفة من لطخ ذلك الطعام. وقد عابه قوم أفسدت عقولهم الترفه وغير طباعهم الشبع والتخمة وزعموا أن لعق الأصابع مستقبح أو مستقذر كأنهم لم يعلموا أن الذي علق بالإصبع أو الصحفة جزء من أجزاء الطعام الذي أكلوه وازدردوه فإذا لم يكن سائر أجزائه المأكولة مستقذرة لم يكن هذا الجزء اليسير منه الباقي في الصحفة واللاصق بالأصابع مستقذراً كذلك. وإذا ثبت هذا فليس بعده شيء أكثر من مسه أصابعه بباطن شفتيه وهو ما لا يعلم عاقل به بأساً إذا كان المساس والممسوس جميعاً طاهرين نظيفين. وقد يتمضمض الإنسان فيدخل اصبعه في فيه فيدلك أسنانه وباطن فمه فلم ير أحد ممن يعقل أنه قذارة أو سوء أدب فكذلك هذا لا فرق بينهما في منظر حسٍّ ولا مخبر عقل.
ومن باب اقعاد الخادم على الطعام
قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا داود بن قيس عن موسى بن يسار، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا صنع لأحدكم خادمُه طعاماً ثم جاءه به فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوهاً فليضع في يده منه أُكلة أو أكلتين.
قال الشيخ: المشفوه القليل وقيل له مشفوه لكثرة الشفاه التي تجتمع على أكله والأكلة مضمومة الألف اللقمة والأكلة بفتحها المرة الواحدة من الأكل.
стр. 1256
وفيه دليل على أنه ليس بالواجب على السيد أن يسوي بينه وبين مملوكه وبين نفسه في المأكل إذا كان ممن يعتاد رقيق الطعام ولذيذه وإن كان مستحباً له أن يواسيه منه وإنما عليه أن يشبعه من طعام يقيمه كما ليس عليه أن يكسيه من خير الثياب وثمينه الذي يلبسه وإنما عليه أن يستره بما يقيه الحر في الصيف والبرد في الشتاء وعلى كل حال فإنه لا يخليه من مواساة واتحاف من خاص طعامه إن لم يكن مواساة ومفاوضة والله أعلم.
ومن باب ما يقول الرجل إذا طعم
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ثور عن خالد بن معدان، عَن أبي امامة قال كان رسول الله ﷺ إذا رفعت المائدة قال الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا.
قال الشيخ: قوله غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا، معناه أن الله سبحانه هو المطعم والكافي وهو غير مطعَم ولا مكفي كما قال سبحانه: ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾ الأنعام: ١٤] وقوله ولا مودع أي غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده، ومنه قوله سبحانه ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣] أي ما تركك ولا أهانك ومعنى المتروك المستغنى عنه.
كتاب الأشربة
ومن باب تحريم الخمر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أبو حيان حدثني الشعبي عن ابن عمر عن عمر ﵄ قال نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل.
стр. 1257
قال الشيخ: فيه البيان الواضح أن قول من زعم من أهل الكلام أن الخمر إنما هو عصير العنب النيء الشديد منه وإن ما عدا ذلك فليس بخمر باطل.
وفيه دليل على فساد قول من زعم أن لا خمر إلاّ من العنب والزبيب والتمر ألا ترى أن عمر ضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير والعسل كما أخبر أنها كانت تتخذ من العنب والتمر وكانوا يسمونها كلها خمراً، ثم ألحق عمر ﵁ بها كل ما خامر العقل من شراب وجعله خمراً إذ كان في معناها لملابسته العقل ومخامرته إياه، وفيه إثبات القياس والحاق حكم الشيء بنظيره.
وفيه دليل على جواز إحداث الاسم للشيء من طريق الاشتقاق بعد أن لم يكن.
ومن باب الخمر مما هي
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ إن من العنب خمراً وإن من التمر خمراً وإن من العسل خمراً وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً.
قال الشيخ: فيه تصريح من النبي ﷺ بما قال عمر ﵁ وأخبر عنه في الحديث الأول من كون الخمر عن هذه الأشياء، وليس معناه أن الخمر لا يكون إلاّ من هذه الخمسة بأعيانها وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان فكل ما كان في معناها من ذرة وسلت ولب ثمرة وعصارة شجرة فحكمه حكمها كما قلناه في الربا ورددنا إلى الأشياء الأربعة المذكورة في الخبر كل ما كان في معناها من غير المذكور فيه.
стр. 1258
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى، عَن أبي كثير وهو يزيد بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة.
قال الشيخ: هذا غير مخالف لما تقدم ذكره من حديث النعمان بن بشير وإنما وجهه ومعناه أن معظم ما يتخذ من الخمر إنما هو من النخلة والعنبة وإن كانت الخمر قتد تتخذ أيضاً من غيرهما وإنما هو من باب التأكيد لتحريم ما يتخذ من هاتين الشجرتين لضراوته وشدة سورته وهذا كما يقال الشبع في اللحم والدفء في الوبر ونحو ذلك من الكلام. وليس فيه نفي الشبع عن غير اللحم ولا نفي الدفء عن غير الوبر ولكن فيه التوكيد لأمرهما والتقديم لهما على غيرهما في نفس ذلك المعنى والله أعلم.
ومن باب في الخمر تتخذ خلاً
قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع عن سفيان عن السدي، عَن أبي هبيرة عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً قال أهرقها قال أفلا أجعلها خلاً قال لا.
قال الشيخ: في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصير خلاً غير جائز ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به لما يجب من حفظه وتثميره والحيطة عليه، وقد كان نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. وفي إراقته إضاعته فعلم بذلك أن معالجته لا تطهره ولا ترده إلى المالية بحال، وهو قول عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وكره ذلك سفيان وابن المبارك.
стр. 1259
وقال مالك لا أحب لمسلم ورث خمراً أن يحبسها يخللها ولكن إن فسدت خمر حتى تصير خلاً لم أر بأكله بأساً؛ وقيل لابن المبارك كيف يتخذ الخل بأن لا يأثم الرجل، قال انظر خلاً نقيفاً فصب عليه قدر ما لا يغلبه العصير، فإن غلبه العصير لم يغل. وقال أحمد نحواً من ذلك، وقال ما يعجبني أن يكون في بيت الرجل المسلم خمر ولكن يصب على العصير من الخل حتى يتغير، ورخص في تخليل الخمر ومعالجتها عطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب أبو حنيفة وشبهه بعضهم بدباغ جلد الميتة، وقال هو محرم يستباح بالعلاج ويستصلح له فكذلك الخمر، وهذا غير مشبه لذلك وإنما يجوز القياس مع عدم النص وههنا نص من السنة وقد منع منه وفي الدباغ نص سنة رخص فيه ودعا إليه فالواجب علينا متابعة كل منهما وترك قياس أحدهما على الآخر.
وقد فرق العلماء في الحكم بين أشياء تتغير بذاتها وبين ما يصير منها إلى التغير بفعل فاعل كالرجل يموت حتف أنفه فيرثه ابنه ولو قتله الابن لم يرثه.
وقد حرم الله صيد الحرم في الحرم، فلو خرج الصيد فأخذ في الحل جاز أكله ولو أخرجه مخرج فذبحه خارج الحرم لم يحل.
ومن باب النهي عن المسكر
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين قالوا حدثنا حماد، يَعني ابن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة.
قال الشيخ: قوله كل مسكر خمر يتأول على وجهين أحدهما أن الخمر اسم
стр. 1260
لكل ما وجد فيه السكر من الأشربة كلها؛ ومن ذهب إلى هذا زعم أن للشريعة أن تحدث الأسماء بعد أن لم تكن. كما لها أن تضع الأحكام بعد أن لم تكن.
والوجه الآخر أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ووجوب الحد على شاربه وإن لم يكن عين الخمر، وإنما ألحق بالخمر حكماً إذ كان في معناها. وهذا كما جعل النباش في حكم السارق والمتلوط في حكم الزاني وإن كان كل واحد منهما يختص في اللغة باسم غير الزنى وغير السرقة.
وقوله من مات وهو يشرب الخمر يدمنها فإن مدمن الخمر هو الذي يتخذها ويعاقرها، وقال النضر بن شميل من شرب الخمر إذا وجدها فهو مدمن للخمر وإن لم يتخذها.
وقوله لم يشربها في الآخرة معناه لم يدخل الجنة لأن شراب أهل الجنة خمر إلاّ أنه لا غول فيها ولا نزف.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت سئل رسول الله ﷺ عن البِتْع فقال كل شراب أسكر فهو حرام.
قال الشيخ: البتع شراب يتخذ من العسل وفي هذا إبطال كل تأول يتأوله أصحاب تحليل الأنبذة في أنواعها كلها وافساد قول من زعم أن القليل من المسكر مباح، وذلك أنه سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس فدخل فيه القليل والكثير منها. ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يبهمه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل، يَعني ابن جعفر عن داود
стр. 1261
بن بكر بن الفُرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ ما أسكر كثيره فقليله حرام.
قال الشيخ: هذا أوضح البيان أن الحرمة شاملة لأجزاء المسكر وأن قليله ككثيره في الحرمة، والاسكار في هذا الحديث وإن كان مضافاً إلى كثيره فان قليله مسكر على سبيل التعاون كالزعفران يطرح اليسير منه في الماء فلا يصبغه حتى إذا أمدَّ بجزء بعد جزء منه فإذا كثر ظهر لونه وكان الصبغ والتلوين مضافاً إلى جميع أجزائه على سبيل التعاون.
وتأوله بعضهم تأولاً فاسداً فقال إنما وقعت الإشارة بقول فقليله حرام إلى الشربة الآخرة أو إلى الجرعة التي يحدث السكر عقيب شربها لأن الفعل إنما يضاف إلى سببه وسبب السكر هو الشربة الآخرة التي حدث السكر على أثرها لا ما تقدمها منه حين السكر معدوم.
قلت وهذا تأويل فاسد إذ كان مستحيلاً في العقول وشهادات المعارف أن يعجز كثير الشيء عما يقدر عليه قليله. ولو كان الأمر على ما زعموه لكان لقائل أن يقول إن الله حرم علينا شيئاً لم يجعل لنا طريقاً إلى معرفة عينه لأن الشارب لا يعلم متى يقع السكر به ومن أي أجزاء الشراب يحدث فيه وهذا فاسد لا وجه له، ولو توهمنا الجزء الآخر مشروباً مفرداً عن غيره غير مضاف ولا مجموع إلى ما تقدمها لم يتوهم وجود السكر فيه حين انضم إلى سائر الأجزاء توهمنا وجوده فعلمنا أن السكر إنما حصل بمجموع أجزائه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا عثمان الأنصاري عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1262
يقول كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرَق فملء الكف منه حرام.
قال الشيخ: الفرق مكيلة تسع ستة عشر رطلاً وفي هذا أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب المسكر.
وفيه حجة على من زعم أن الإسكار لا يضاف إلى الشراب لأن ذلك من فعل الله سبحانه.
قلت والأمر وإن كان صحيحاً في إضافة الفعل إلى الله فإنه قد يصح أن يضاف إلى الشراب على معنى أن الله تعالى قد أجرى العادة بذلك كما أن إضافة الاشباع إلى الطعام والارواء إلى الشراب صحيح إذ كان قد أجرى الله العادة به.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد عن عبيدة عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن نبي الله ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال كل مسكر حرام.
قال الشيخ: الميسر القمار، والكوبة يفسر بالطبل ويقال هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر في نحو ذلك من الملاهي والغناء.
قال أبو عبيد الغبيراء هو السُّكُرْكة يعمل من الذرة شراب يصنعه الحبشة.
وفي قوله كل مسكر حرام دليل على تحريم الوضوء بالنبيذ المسكر.
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع عن الحسن بن عمرو الفُقيمي عن الحكم بن عتيبة عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر.
قال الشيخ: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأطراف وهو
стр. 1263
مقدمة السكر نهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر والله أعلم.
ومن باب في الأوعية
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا منصور بن حبان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس ﵄ قالا نشهد أن رسول الله ﷺ نهى عن الدباء والمزفَّت والحنتم والنَّقير.
قال الشيخ: الدباء القرع قال أبو عبيد قد جاء تفسيرها في الحديث، عَن أبي بكرة أنه قال اما الدباء فإنا معاشر ثقيف كنا بالطائف نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها حتى تهدر ثم تموت.
وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبسر ويدعونه حتى يهدر ثم يموت، وأما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر وأما المزفت فهذه الأوعية التي فيها الزفت.
قلت وإنما نهى عن هذه الأوعية لأن لها ضراوة يشتد فيها النبيذ ولا يشعر بذلك صاحبها فتكون على غرر من شربها.
وقد اختلف الناس في هذا فقال قائلون كان هذا في صلب الإسلام ثم نسخ بحديث بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ قال كنت نهيتكم عن الأوعية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً، وهذا أصح الأقاويل.
وقال بعضهم الخطر باق وكرهوا أن ينتبذوا في هذه الأوعية وإليه ذهب مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق، وقد روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ﵄.
قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن نوح بن قيس حدثنا عبد الله بن عون
стр. 1264
عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لوفد عبد القيس أنهاكم عن النقير والمقيَّر والحنْتم والدُّباء والمزادة المحبوبة ولكن اشرب في سقائك وأوكه.
قال الشيخ: قوله اشرب في سقائك وأوكه إنما قال ذلك من أجل أن السقاء الذي يشد ويوكي جلد رقيق فإذا حدثت فيه الشدة تقطع وانشق فلم يخف على صاحبه أمره، وهذه الأوعية صلبة متينة يتغير فيها الشراب وتشتد فلا يشعر صاحبها بذلك. وأما المزادة المحبوبة فهي التي ليست لها عزلاء من أسفلها تتنفس منها فالشراب قد يتغير فيها ولا يشعر به صاحبها.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا إسماعيل بن سُميع حدثنا مالك بن عمير عن علي ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن الجِعة.
قال الشيخ: قال أبو عبيد الجعة نبيذ الشعير.
ومن باب في الخليطين
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن شريك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن ينتبذ الزبيب والتمر جميعاً، ونهى أن ينتبذ البسْر والرطب جميعاً.
قال الشيخ: قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكراً قولا بظاهر الحديث ولم يجعلوه معلولاً بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامة أهل الحديث وهو غالب مذهب الشافعي. وقالوا من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان
стр. 1265
آثماً من جهتين أحدهما شرب الخليطين والآخر شرب المسكر، ورخص فيه سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وقال الليث بن سعد إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعاً لأن أحدهما يشد صاحبه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ثابت بن عُمارة حدثتني رَبطة عن كبشة بنت أبي مريم قالت، سألت أم سلمة ما كان النبي ﷺ ينهى عنه قالت كان ينهانا أن نعجم النوى طبخاً أو نخلط الزبيب والتمر.
قال الشيخ: قوله أن نعجُم النوى نريد أن نبلغ به النضيج إذا طبخنا التمر فعصدناه يقال عجمت النوى أعجمه عجماً إذا لكته في فيك، وكذلك إذا أنت طبخته أو أنضجته، ويشبه أن يكون إنما كره ذلك من أجل أنه يفسد طعم التمر أو لأنه علف الدواجن فتذهب قوته إذا هو نضج.
قال أبو داود: حدثنا زياد بن يحيى الحساني حدثنا أبو بحر حدثنا عتاب بن عبد العزيز الجِماني قال، حدثتني صفية بنت عطية قالت، دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة ﵂ فسألناها عن التمر والزبيب فقالت كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم اسقيه النبي ﷺ .
قال الشيخ: قولها امرسه تريد أنها تدلكه بأصابعها في الماء، والمرس والمرث بمعنى واحد. وفيه حجة لمن رأى الانتباذ بالخليطين.
ومن باب في نبيذ البسر
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن جابر بن زيد وعكرمة أنهما كانا يكرهان البسر وحده ويأخذان ذلك عن ابن عباس، وقال ابن عباس ﵁ أخشى أن يكون المُزَّاء التي نهيت
следующие страницы →