Полный текст (1 377 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
هريرة قال قال رسول الله ﷺ : أما يخشى أو لا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار.
قلت واختلف الناس فيمن فعل ذلك فروي عن ابن عمر أنه قال لا صلاة لمن فعل ذلك. وأما عامة أهل العلم فإنهم قالو قد أساء وصلاته مجزية غير أن أكثرهم يأمرونه بأن يعود إلى السجود، وقال بعضهم يمكث في سجوده بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك منه.
ومن باب جماع أبواب ما يصلى فيه
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن المسيب، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال أو لكلكم ثوبان.
قوله أولكلكم ثوبان لفظه لفظ استفهام ومعناه الإخبار عما كان يعلم من حالهم من العدم وضيق الثياب يقول فإذا كنتم بهذه الصفة وليس لكل واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبه منه شيء.
يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حقويه ولكن يتزر به ويرفع طرفيه فيخالف بينهما ويشده على عاتقه فيكون بمنزلة الإزار والرداء.
стр. 177
وهذا إذا كان الثوب واسعا فإذا كان ضيقا شده على حقويه؛ وقد جاء ذلك في حديث جابر الذي نذكره في الباب الذي يلي هذا الباب.
ومن باب في الثوب إذا كان ضيقا
قال أبو داود: حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ويحيى بن الفضل السجستاني وهذا لفظ يحيى قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد بن عبادة قال أتينا جابر بن عبد الله قال سرت مع رسول الله ﷺ في غزاة فقام يصلي وكانت عليّ بردة فذهبت أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لى وكانت لها ذباذب فنكستها ثم خالفت بين طرفيها ثم تواقصت عليها لا تسقط وذكر صلاته مع رسول الله ﷺ قال فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: يا جابر إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك.
ذباذب الثوب أهدابه وسمي ذباذب لتذبذبها. وقوله تواقصت عليها معناه أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس.
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن إلاّ ثوب فليتزر ولا يشتمل اشتمال اليهود.
قلت اشتمال اليهود المنهي عنه هو أن يجلل بدنه الثوب ويسبله من غيرأن يشيل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث فهو أن يجلل بدنه الثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، هكذا يفسر في الحديث.
стр. 178
ومن باب السدل في الصلاة
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء وإبراهيم بن موسى عن ابن المبارك عن الحسن بن ذكوان عن سليمان الأحول عن عطاء قال إبراهيم، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه.
السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، وقد رخص بعض العلماء في السدل في الصلاة. روي ذلك عن عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين. وقال مالك لا بأس به ويشبه أن يكونوا إنما فرقوا بين إجازة السدل في الصلاة وبينه في غير الصلاة لأن المصلي ثابت في مكانه لا يمشي في الثوب الذي عليه. فأما غير المصلي فإنه يمشي فيه ويسدل وذلك من الخيلاء المنهي عنه وكان سفيان الثوري يكره السدل في الصلاه وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وفي غير الصلاة.
وقوله وأن يغطي الرجل فاه فإن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه فنهوا عن ذلك في الصلاة إلاّ أن يعرض للمصلي التثاؤب فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه.
ومن باب في كم تصلي المرأة
قال أبو داود: حدثنا مجاهد بن موسى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، يَعني ابن دينار عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليهما إزار. فقال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها.
قلت واختلف الناس فيما يجب على المرأة الحرة أن تغطي من بدنها إذا صلت
стр. 179
فقال الأوزاعي والشافعي تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها وكفيها.
وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وقال أحمد المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها وقال مالك بن أنس إذا صلت المرأة وقد انكشف شعرها أو صدور قدميها تعيد ما دامت في الوقت. وقال أصحاب الرأي في المرأة تصلي وربع شعرها أوثلثه مكشوف، أو ربع فخذها أو ثلثه مكشوف، أو ربع بطنها أو ثلثه مكشوف فإن صلاتها تنتقض، وإن انكشف أقل من ذلك لم تنتقض وبينهم اختلاف في تحديده.
ومنهم من قال بالنصف ولا أعلم لشيء مما ذهبوا إليه في التحديد أصلا يعتمد.
وفي الخبر دليل على صحة قول من لم يجز صلاتها إذا انكشف من بدنها شيء ألا تراه يقول إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها فجعل من شرط جواز صلاتها أن لا يظهر من أعضائها شىء.
ومن باب تصلي المرأة بغير خمار
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد عن قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: لا تقبل صلاة حائض إلاّ بخمار.
قلت يريد بالحائض المرأة التي قد بلغت سن المحيض ولم يرد به المرأة التي هي في أيام حيضها فإن الحائض لا تصلي بوجه.
ومن باب الرجل يصلي عاقصا شعره
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج حدثنا
стр. 180
عمران بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد المقبري يحدث عن أبيه أنه رأى أبا رافع مولى النبي ﷺ مرَّ بالحسن بن علي وهو يصلي قائماً وقد غرز ضفره في قفاه فحمله أبو رافع فالتفت حسن إليه مغضبا. فقال أبو رافع اقبل على صلاتك ولا تغضب فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذلك كفل الشيطان، يَعني مقعد الشيطان، يَعني مغرز ضفره.
يريد بالضفر المضفور من شعره وأصل الضفر الفتل والضفائر هي العقائص المضفورة.
وأما الكفل فأصله أن يجمع الكساء على سنام البعير ثم يركب قال الشاعر:
وراكب على البعير مكتفل ... يحفى على آثارها وينتعل
وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحب من الأرض فيسجد معه.
وقد روي أمرت أن أسجد على سبعة آراب وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً.
ومن باب الصلاة في النعل
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد، عَن أبي نعامة السعدي، عَن أبي نضرة، عَن أبي سعيد الخدري. قال بينا رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره. فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم، قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا.
قلت: فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه.
стр. 181
وفيه أن الايتساء برسول الله ﷺ في أفعاله واجب كهو في أقواله، وهو أنهم لما رأوا رسول الله ﷺ خلع نعليه خلعوا نعالهم.
وفيه من الأدب أن المصلي إذا صلى وحده فخلع نعله وضعها عن يساره وأما إذا كان مع غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره أناس فإنه يضعها بين رجليه. وفيه أن يسير العمل لا يقطع الصلاة.
ومن باب المصلي إذا خلع نعليه اين يضعهما
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عثمان بن عمر حدثنا صالح بن رستم أبو عامر عن عبد الرحمن بن قيس عن يوسف بن ماهك، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره إلاّ أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه.
قلت فيه باب من الأدب وهو أن يصان ميامن الإنسان عن كل شيء يكون محلاً للأذى.
وفيه أن الأدب أن يضع الإنسان نعله إذا أراد الصلاة بين يديه أو عن يساره إن كان وحده.
وفيه دليل على أنه إن خلع نعله فتركها من ورائه أو عن يمينه أو متباعدة عنه من بين يديه فتعق بها إنسان فتلف إما بأن خر على وجهه أو تردى في بئر بقربه أن عليه الضمان، وهذا كواضع الحجر في غير ملكه وناصب السكين ونحوه لا فرق بينهما والله أعلم.
стр. 182
ومن باب الصلاة على الخُمرة
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون حدثنا خالد عن الشيباني عن عبد الله بن شداد قال حدثتني ميمونة بنت الحارث قالت كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة.
قلت: الخمرة سجادة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط. وسميت خمرة لأنها تخمر وجه الأرض أي تستره.
وفيه من الفقه جواز الصلاة على الحصير والبسط ونحوها وكان بعض السلف يكره أن يصلى إلاّ على جديد الأرض. وكان بعضهم يجيز الصلاة على كل شيء يعمل من نبات الأرض.
فأما ما يتخذ من أصواف الحيوان وشعورها فإنه كان يكرهه.
ومن باب الرجل يسجد على ثوبه
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا بشير، يَعني ابن المفضل حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله عن أنس قال كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
وقد اختلف الناس في هذا فذهب عامة الفقهاء إلى جوازه. مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال الشافعي لا يجزيه ذلك كما لا يجزيه السجود على كور العمامة، ويشبه أن يكون تأويل حديث أنس عنده أن يبسط ثوباً هو غير لابسه.
ومن باب تسوية الصفوف
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سماك بن حرب سمعت النعمان بن بشير يقول كان النبي ﷺ يُسَوينا في الصفوف كما يقوّم القِدح.
стр. 183
القدح خشب السهم إذا بري وأصلح قبل أن يركب فيه النصل والريش.
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل بين خلَل الصف كأنها الحَذَف.
قوله رصوا صفوفكم معناه ضموا بعضها إلى بعض وقاربوا بينها ومنه رص البناء قال تعالى ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤] والحذف غنم سود صغار، ويقال إنها أكثر ما تكون باليمن.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان أخبرني عمي عمارة بن ثوبان عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : خياركم ألينكم مناكب في الصلاة.
قلت معنى لين المنكب لزوم السكينة في الصلاة والطمأنينة فيها لا يلتفت ولا يُحاك بمنكبه منكب صاحبه. وقد يكون فيه وجه آخر وهو أن لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف ليسد الخلل أو لضيق المكان، بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف وتتكاتف الجموع.
ومن باب ما يستحب أن يلي الإمام في الصف
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خالد، عَن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ قال: ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم واياكم وهَيشات الأسواق.
قلت إنما أمر ﷺ أن يليه ذوو الأحلام والنهى ليعقلوا عنه صلاته، ولكي
стр. 184
يخلفوه في الإمامة إن حدث به حدث في صلاته وليرجع إلى قولهم إن أصابه سهو أو عرض في صلاته عارض في نحو ذلك من الأمور.
وهيشات الأسواق ما يكون فيها من الجلبة وارتفاع الأصوات وما يحدث فيها من الفتن. وأصله من الهوش وهو الاختلاط يقال تهاوش القوم إذا اختلطوا ودخل بعضهم في بعض وبينهم تهاوش أي اختلاط واختلاف.
ومن باب في الرجل يصلي وحده خلف الصف
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا: حَدَّثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده أمره أن يعيد قال سليمان بن حرب الصلاة.
واختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده فقالت طائفة صلاته فاسدة على ظاهر الحديث. هذا قول النخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وحكوا عن أحمد أو عى بعض أصحابه أنه إذا افنتح صلاته منفردا خلف الإمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه من الركوع فإنه لا صلاة له ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة أو أكثر.
وقال مالك والأوزاعي والشافعي صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة، وهو قول أصحاب الرأي. وتأولوا أمره إياه بالإعادة على معنى الاستحباب دون الإيجاب.
стр. 185
ومن باب الرجل يركع دون الصف
قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة أن يزيد بن زريع حدثهم، قال: حَدَّثنا سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم حدثنا الحسن أن أبا بكرة حدث أنه دخل المسجد ونبي الله ﷺ راكع قال فركعت دون الصف فقال النبي ﷺ : زادك الله حرصا ولا تعد.
قلت فيه دلالة على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة لأن جزءاً من الصلاة إذا جاز على حال الانفراد جاز سائر أجزائها.
وقوله ولا تعد إرشاد له في المستقبل إلى ما هو أفضل ولو لم يكن مجزياً لأمره بالإعادة، ويدل على مثل ذلك حديث أنس في صلاة رسول الله ﷺ في بيت المرأة وقيامها منفردة. وأحكام الرجال والنساء في هذا واحدة وهذا يدل على أن أمره بالإعادة في حديث وابصة ليس على الإيجاب لكن على الاستحباب.
وكان الزهري والأوزاعي يقولان في الرجل يركع دون الصف إن كان قريبا من الصفوف أجزأه وإن كان بعيدا لم يجزئه.
ومن باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عن من حدثه عن محمد بن كعب القُرَظي قال قلت له، يَعني لعمر بن عبد العزيز حدثني عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ قال: لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدثين.
قلت هذا حديث لا يصح عن النبي لضعف سنده وعبد الله بن يعقوب لم يسم من حدثه عن محمد بن كعب، وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما
стр. 186
ضعيفان تمام بن بزيع وعيسى بن ميمون. وقد تكلم فيهما يحيى بن معين والبخاري ورواه أيضاً عبد الكريم أبو أمية عن مجاهد عن ابن عباس. وعبد الكريم متروك الحديث. قال أحمد ضربنا عليه فاضربوا عليه. قال يحيى بن معين: ليس بثقة ولا يحمل عنه وعبد الكريم هذا أبو أمية البصري وليس بالجزري وعبد الكريم الجزري أيضاً ليس في الحديث بذلك إلاّ أن البصري تالف جدا.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى وعائشة نائمة معترضة بينه وبين القبلة.
وأما الصلاة إلى المتحدثين فقد كرهها الشافعى وأحمد، وذلك من أجل أن كلامهم يشغل المصلي عن صلاته. وكان أبوعمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلاّ يوم الجمعة.
ومن باب الدنو من السترة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وحامد بن يحيى وابن السرح قالوا حدثنا سفيان عن صفوان بن سليم عن نافع بن جبير عن سهل بن أبي حثمة يبلغ به النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته.
قال عطاء أدنى ما يكفيك أن يكون بينك وبين السترة ثلاثة أذرع، وبه قال الشافعي وعن أحمد نحو هذا وأخبرني الحسن بن يحيى بن صالح أخبرنا ابن المنذر أن مالك بن أنس كان يصلي يوما متباينا عن السترة فمر به رجل وهو لا يعرفه فقال أيها المصلي ادن من سترتك فجعل يتقدم وهويقرأ ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ [البقرة: ١١٣] .
стр. 187
ومن باب إذا صلى إلى سارية
أو نحوها أين يجعلها منه
قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي حدثنا علي بن عياش حدثني أبو عبيدة الوليد بن كامل عن المهلب بن حجر البهراني عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها. قال ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلاّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدا.
قلت الصمد القصد يريد أنه لا يجعله تلقاء وجهه والصمد هو السيد الذي يصمد في الحوائج أي يقصد فيها ويعتمد لها.
ومن باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ المار بين يديه
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان.
قوله وليدرأه معناه يدفعه ويمنعه عن المرور بين يديه، والدرء المدافعة وهذا في أول الأمرلا يزيد على الدرء والدفع فإن أبى ولج فليقاتله أي يعالجه ويعنف في دفعه عن المرور بين يديه.
وقوله فإنما هو شيطان معناه أن الشيطان يحمله على ذلك وأنه من فعل الشيطان وتسويله. وقد روي في هذا الحديث من طريق ابن عمر فليقاتله فإن معه القرين يريد الشيطان.
قلت وهذا إذا كان المصلي يصلي إلى سترة فإن لم تكن سترة يصلي إليها وأراد المار أن يمر بين يديه فليس له درؤه ولا دفعه ويدل على ذلك حديثه الاخر.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد،
стр. 188
يَعني بن هلال، عَن أبي صالح، عَن أبي سعيد، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فإن أراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان.
وفي هذا دلالة على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة ما لم يتطاول.
ومن باب ما يقطع الصلاة
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت، عَن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : يقطع صلاه الرجل إذا لم يكن بين يديه قِيدَ أخِرة الرحل الحمارُ والكلب الأسود والمرأة فقلت ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض قال يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال الكلب الأسود شيطان. ورواه من طريق ابن عباس فقال يقطع الصلاة المرأة الحائض.
قوله قيد أخرة الرحل أي قدرها في الطول يقال قيد شبر وقيس شبر وقدروا أخِرة الرحل ذراعاً.
وقد اختلف للناس فيما يقطع الصلاة من الحيوان فقالت طائفة بظاهر هذا الخبر. روي ذلك عن ابن عمر وأنس والحسن البصري، وقالت طائفة يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، وقالت طائفة لا يقطع الصلاة إلاّ الكلب الأسود روي ذلك عن عائشة وهو قول أحمد وإسحاق. وقال أحمد وفي قلبي من المرأة والحمار شيء وقالت طائفة لا يقطع الصلاه شيء روي هذا القول عن علي وعثمان وكذلك قال ابن المسيب وعبيدة والشعبي وعروة بن للزبير وإليه ذهب مالك بن أنس
стр. 189
وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وبه قال الشافعي. وزعم من لا يرى الصلاة يقطعها شىء أن حديث أبي ذر معارض بخبر أبي سعيد وبخبر ابن عباس وبخبر عائشة، وقد ذكرها أبو داود على أثر هذا الباب.
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة قالت كنت بين النبي ﷺ وبين القبلة قال شعبة وأحسبها قالت وأنا حائض.
قال أبو داود: وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة فيما بينه وبين القبلة.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن منصور عن الحكم عن يحيى بن الجزار، عَن أبي الصهباء قال تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس قال جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله ﷺ يصلي فنزل ونزلت فتركنا الحمار أمام الصف فما بالى بذلك.
قال أبو داود: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن اليث حدثني أبي عن جدي عن يحيى بن أيوب عن محمد بن عمر بن علي عن عباس بن عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس قال أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بالى بذلك.
قلت زعم أصحاب أحمد بن حنبل أن حديث أبي ذر قد عارضه حديث عائشة في المرأة وحديث ابن عباس في الحمار، وأما حديث الفضل بن عباس ففي إسناده
стр. 190
مقال ثم أنه لم يذكر فيه نعت الكلب، وقد يجوز أن يكون هذا الكلب ليس بأسود فبقي خبر أبي ذر في الكلب الأسود لا معارض له فالقول به واجب لثبوته وصحة إسناده.
ومن باب من قال لا يقطع الصلاة شيء
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن مجالد، عَن أبي الوداك، عَن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم فإنما هو شيطان.
قلت وقد يحتمل أن يتأول حديث أبي ذر على أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة فذلك معنى قطعها للصلاة دون إبطالها من أصلها حتى يكون فيها وجوب الإعادة.
ومن باب في سترة الإمام
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن الغاز عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ صلى إلى جدار فجاءت بَهْمَة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه.
البهمة ولد الشاة أول ما يولد يقال ذلك للذكر والأنثى سواء. وقوله يدارئها هو من الدرء مهموز أي يدافعها وليس من المداراة التي تجري مجرى الملاينة هذا غير مهموز وذلك مهموز.
ومن باب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة
قال أبو داود: حدثنا أحمد حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه
стр. 191
وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع ولا يرفع بين السجدتين.
وذكر في هذا الباب حديث وائل بن حجر عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه حتى يحاذي بأذنيه وكان يرفعهما إذا أراد أن يركع وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع.
وذكر حديث مالك بن الحويرث قال رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه.
وذكر حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ويصنعه إذا رفع من الركوع وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر.
وذكر حديث أبي حميد الساعدي أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ثم يرفع رأسه فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم ذكر على أثر هذه الأحاديث حديث أبي مسعود ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ فصلى ولم يرفع يده.
وروى حديث البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود.
قلت والاختلاف في هذه الأحاديث من وجهين: أحدهما في منتهى ما يرفع إليه اليد من المنكبين والأذنين. فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى رفعهما إلى المنكبين على حديث ابن عمر وأبي حميد الساعدي وهو مذهب مالك بن أنس. وذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي إلى رفعهما إلى الأذنين على حديث البراء. وحكي لنا، عَن أبي ثور أنه قال كان الشافعي يجمع بين الحديثين المختلفين وكان
стр. 192
يقول إنما اختلف الحديث في هذا من أجل الرواة، وذلك أنه كان إذا رفع يديه حاذى بظهر كفه المنكبين وبأطراف أنامله الأذنين واسم اليد يجمعهما فروى هذا قوم وروى هذا آخرون من غير تفصيل ولا خلاف بين الحديثين.
والوجه الاخر من الاختلاف فيها رفع اليدين عند الركوع وبعد رفع الرأس منه وعند القيام من التشهد الأول فذهب أكثر العلماء إلى أن الأيدي ترفع عند الركوع وعند رفع الرأس منه، وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبى طالب وابن عمر وأبي سعيد الخدري وابن عباس وأنس وابن الزبير.
وإليه ذهب الحسن البصري وابن سيرين وعطاء وطاوس ومجاهد والقاسم بن محمد وسالم وقتادة ومكحول وبه قال الأوزاعي ومالك في آخر أمره والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي إلى حديث ابن مسعود وهو قول ابن أبى ليلى وقد روي ذلك عن الشعبي والنخعي.
قلت والأحاديث الصحيحة التي جاءت بإثبات رفع اليدين عند الركوع وبعد رفع الرأس منه أولى من حديث ابن مسعود وللإثبات أولى من النفي.
وقد يجوز أن يذهب ذلك على ابن مسعود كما قد ذهب عليه الأخذ بالركبة في الركوع وكان يطبق بيديه على الأمرالأول وخالفه الصحابة كلهم في ذلك.
وقد اختلف الناس في صلاة رسول الله ﷺ في الكعبة فأثبتها بلال ونفاها أسامة فأخذ الناس بقول بلال وحملوا قول أسامة على أنه سها عنه ولم يحفظه.
وحديث البراء لم يقل أحد فيه ثم لا يعود غير شَريك.
قال أبو داود وقد رواه هشيم وخالد وابن إدريس عن يزيد بن أبي زياد ولم
стр. 193
يذكروا فيه ثم لا يعود، وذكر عن سفيان بن عيينة أن يزيد حدثهم به قبل خروجه إلى الكوفة فلم يذكروا فيه ثم لا يعود. فلما انصرف زاد فيه لا يعود فحمل ذلك منه على الغلط والنسيان.
وأما ما روى في حديث أبي حميد الساعدي من رفع اليدين عند النهوض من التنشهد فهو حديث صحيح وقد شهد له بذلك عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة الأنصاري، وقد قال به جماعة من أهل الحديث ولم يذكره الشافعي والقول به لازم على أصله في قبول الزيادات.
وأما ما روي في حديث علي ﵁ أنه كان يرفع يديه عند القيام من السجدتين فلست أعلم أحدا من الفقهاء ذهب إليه وإن صح الحديث فالقول به واجب. وقد ذكر أبو داود في هذا الباب حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول الله ﷺ وسرده على وجهه، وفيه سنن لا يستغنى عن ذكرها وألفاط يحتاج إلى تفسيرها فنذكره.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو عاصم حدثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة قال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ قالوا فلم فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعاً ولا أقدمنا له صحبة، قال بلى، قالوا فاعرِض قال كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع ثم يرفع رأسه فيقول سمع الله لمن حمده
стр. 194
ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلا ثم يقول الله أكبر ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتخ أصابع رجليه إذا سجد ويسجد ثم يقول الله أكبر ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته حتى كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر قالوا صدقت هكذا كان يصلي ﷺ .
قال أبو داود: وحدثنا قتيبة بن سعيد نا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن حَلْحلة عن محمد بن عمرو العامري وذكر حديث أبي حميد وقال فيه وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه وهصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده.
قلت قوله لا ينصب رأسه هكذا جاء في هذه الرواية ونصب الرأس معروف ورواه ابن المبارك عن فليح بن سليمان عن عيسى بن عبد الله سمعه من عباس، عَن أبي حميد فقال فيه كان لا يُصَبّي رأسه ولا يقنعه، يقال صَبَّى الرجل رأسه يصبيه إذا خفضه جدا، وقد فسرته في غريب الحديث.
وقوله لا يقنعه معناه لا يرفعه، والإقناع رفع الرأس. ويقال أيضاً لمن خفض رأسه قد أقنع رأسه والحرف من الأضداد قال الله تعالى ﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾ [إبراهيم: ٤٣] .
وقوله يفتخ أصابع رجليه أي يلينها حتى تنثني فيوجهها نحو القبلة والفتخ لين واسترسال في جناح الطائر.
وقوله هصر ظهره معناه ثنى ظهره وخفضه، وأصل الهصر أن يأخذ بطرف
стр. 195
الشيء ثم يجذبه إليه كالغصن من الشجرة ونحوه فينصهرأي ينكسر من غير بينونة. وقوله ولا صافح بخده أي غير مبرز صفحة خده مائلا في أحد الشقين.
وفيه من السنة أن المصلي أربعا يقعد في التشهد الأول على بطن قدمه اليسرى ويقعد في الرابعة متوركا وهو أن يقعد على وركه ويفضي به إلى الأرض ولا يقعد على رجله كما يقعد في التشهد الأول، وإليه ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. وكان مالك يذهب إلى أن القعود في التشهد الأول والآخر يجب أن يكون على وركه ولا يقعد على بطن قدمه في القعدة الأولى وكذلك يقعد بين السجدتين. وكان سفيان الثوري يرى القعود على قدمه في القعدتين جميعا، وهو قول أصحاب الرأي. وفيه أيضاً أنه قعد قعدة بعدما رفع رأسه من السجدة الثانية قبل القيام.
وقد روي ذلك أيضاً في حديث مالك بن الحويرث وبه قال الشافعي.
وقال الثوري ومالك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق لا يقعدها ورووا عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم.
ومن باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عمه الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج عن عييد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁، قال كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. وساقه إلى أن قال لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك.
стр. 196
قوله والشر ليس إليك سئل الخليل عن تفسيره، فقال معناه الشر ليس مما يتقرب به إليك. وقال غيره هذا كقول القائل فلان إلى بني تميم إذا كان عداده فيهم أو صغوه معهم وكما يقول الرجل لصاحبه أنا بك واليك يريد ان التجاءه وانتماءه إليه أو نحو هذا من الكلام.
وروى أبو داود في هذا الباب حديث أنس بن مالك أن رجلا جاء إلى الصلاة وقد حفزه النفس فقال الله أكبر الحمد الله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه.
قوله حفزه النفس يريد أنه قد جهده النفس من شدة السعي إلى الصلاة وأصل الحفز الدفع العنيف.
ومن باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم
قال أبو داود: حدثنا حسين بن عيسى حدثنا طلق بن غنام حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن بديل بن ميسرة، عَن أبي الجوزاء عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
قوله وبحمدك ودخول الواو فيه أخبرني ابن خلاد قال سألت الزجاج عن ذلك فقال معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك، ومعنى الجد العظمة ههنا.
وقد اختلف العلماء فيما يستفتح به الصلاة من الذكر بعد التكبير فذهب الشافعي إلى ما رواه عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁، وذهب سفيان وأصحاب الرأي إلى حديث عائشة، هذا وبه قال أحمد وإسحاق.
وكان مالك لا يقول شيئا من ذلك إنما يكبر ويقرأ الحمد لله رب العالمين.
стр. 197
وقد روي عن النبي ﷺ أنواع من الذكر في استفتاح الصلاة. وقد روى أبو داود بعضها وترك بعضها وهو من الاختلاف المباح فبأيها استفتح الصلاة كان جائزا وإن استعمل رجل مذهب مالك ولم يقل شيئاً أجزأته صلاته وكرهناه له.
ومن باب السكتة عند الافتتاح
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يزيد حدثنا سعيد حدثنا قتادة عن الحسن أن سمرة وعمران بن حصين تذاكرا فحدث سمرة أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] فأنكر عليه عمران فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه إليهما أن سمرة قد حفظ.
قلت إنما كان يسكتها ليقرأ من خلفه فيهما فلا ينازعوه القراءة إذا قرأ وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال مالك بن أنس وأصحاب الرأي السكتة مكروهة.
ومن باب من لم يجهر
ببسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو داود: نا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا يفتتحون القراءة بالحمد الله رب العالمين.
قلت قد يحتج بهذا الحديث من لا يرى أن التسمية من فاتحة الكتاب، وليس المعنى كما توهمه، وإنما وجهه ترك الجهر بالتسمية بدليل ما روى ثابت البناني عن أنس أنه قال صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
стр. 198
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن حسين المعلم عن بديل بن ميسره، عَن أبي الجوزاء عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعداً وكان إذا جلس يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان يقول في كل ركعتين التحيات لله وكان ينهى عن عقب الشيطان وعن فرشة السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم.
قولها كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين قد يحتمل أن يكون أرادت به تعيين القراءة فذكرت اسم السورة وعرفتها بما يتعرف به عند الناس من غيرحذف آية التسمية كما يقال قرأت البقرة وقرأت آل عمران يراد به السورة التي يذكر فيها البقرة وآل عمران.
وقولها لم يصوبه أي لم يخفضه وعقب الشيطان هو أن يقعي فيقعد على عقبيه في الصلاة لا يفترش رجله ولا يتورك وأحسب أني سمعت في عقب الشيطان معنى غير هذا فسره بعض العلماء لم يحضرني ذكره. وفرشة السبع أن يفترش يديه وذراعيه في السجود يمدهما على الأرض كالسبع، وإنما السنة أن يضع كفيه على الأرض ويقل ذراعيه ويجافي بمرفقيه عن جنبيه.
وفي قولها كان يفتتح الصلاه بالتكبير ويختمها بالتسليم دليل على انهما ركنان من أركان الصلاة لا تجزي إلاّ بهما لأن قولها كان يفتتح الصلاة بالتكبير ويختمها بالتسليم اخبار عن أمر معهود مستدام، وقال ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي.
стр. 199
ومن باب في تخفيف الصلاة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن عمرو سمعه من جابر كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيصلي بقومه فأخر النبي ﷺ ليلة الصلاة وقال مرة العشاء فصلى معاذ مع النبي ﷺ ثم جاء يؤم قومه فقرأ البقرة فاعتزل رجل من القوم فصلى، فقيل نافقت فقال ما نافقت فأتى الرجل النبي ﷺ فقال إنا نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا وإنه جاء يؤمنا فقرأ بسوره البقرة فقال ما معاذ أفتان أنت أفتان أنت اقرأ بكذا اقرأ بكذا، قال أبو الزبير بسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى فذكرنا لعمرو فقال أراه قد ذكره.
النواضح الإبل التي يستقى عليها، والفتان هو الذي يفتن الناس عن دينهم ويصرفهم عنه، وأصل الفتنة الامتحان، يقال فتنت الفضة في النار إذا امتحنتها فأحميتها بالنار لتعرف جودتها.
وفي الحديث من الفقه جواز صلاة للمفترض خلف المتنفل.
وفيه أن المأموم إذا حزبه أمر يزعجه عن إتمام الصلاة مع الإمام كان له أن يخرج من إمامته ويتم لنفسه. وقد تأوله بعض الناس على خلاف ظاهره وزعم أن صلاته مع رسول الله ﷺ نافلة وليس هذا عندنا كما توهمه وذلك أن العشاء اسم للفريضه دون النافله. ثم لا يجوز على معاذ مع فقهه أن يترك فضيلة الصلاة مع رسول الله ﷺ إلى فعل نفسه، هذا مع قوله ﷺ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة وكيف يجوز عليه أن يترك المكتوبة وقد أقيمت إلى النافلة التي لم تكتب عليه ولم يخاطب بها.
стр. 200
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن حبيب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا محمد بن عجلان عن عبيد الله بن مقسم عن جابر وذكر قصة معاذ قال وقال النبي ﷺ للفتى: كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت قال أقرأ: بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ.
الدندنة قراءة مبهمة غير مفهومة والهينمة مثلها أو نحوها.
ومن باب تخفيف الصلاة لأمر يحدث
قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال قال رسول الله: إنى لأقُومُ إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فاسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه.
فيه دليل على أن الإمام وهو راكع إذا أحس برجل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعا ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله بل هو أحق بذلك وأولى. وقد كرهه بعض العلماء وشدد فيه بعضهم وقال أخاف أن يكون شركاً وهو قول محمد بن الحسن.
ومن باب قدر القراءة في الظهر
قال أبو داود: حدثنا مسدد نا عبد الوارث عن موسى بن سالم نا عبد الله بن عبيد الله قال دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب
стр. 201
منا سله أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر فقال لا قال فلعله يقرأ في نفسه قال خمشاً هذه شر من الأولى.
قوله خمشا دعاء عليه بأن يخمش وجهه أو جلده كما يقال جدعاً له وصلبا وطعنا ونحو ذلك من الدعاء بالسوء.
قلت وهذا وهم من ابن عباس قد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في الظهر والعصر من طرق كثيرة منها حديث أبي قتادة قال كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحيانا. ومنها حديث خباب كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر فقيل له بم كنتم تعرفون قال باضطراب لحيته.
ومن باب قدر القراءة في المغرب
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين.
قلت أصحاب الحديث يقولون بطول الطِوالين وهو غلط، والطول الحبل وليس هذا بموضعه إنما هو طُولى الطُوليين يريد أطول السورتين، وطُولى وزنه فعلى تأنيث أطول، والطوليين تثنية الطولى، ويقال أنه أراد سورة الأعراف وهذا يدل على أن للمغرب وقتين كسائر الصلوات.
وقد وردت فيه أخبار أكثرها صحيح. حديث عبد الله بن عمرو وحديث بريدة وحديث أبي موسى، وقد تقدم الكلام فيها في موضعها.
стр. 202
ومن باب من ترك القراءة في صلاته
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام قال فقلت يا أبا هُرَيْرَة فإني أكون أحيانا وراء الإمام فغمز ذراعي وقال أقرأ بها يا فارسي في نفسك فإني سمعت رسول الله يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدى ولعبدي ما سأل. قال رسول الله ﷺ : اقرؤا يقول العبد ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ يقول الله حمدني عبدى، يقول العبد ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول الله اثنى عليّ عبدي، يقول العبد ﴿مالك يوم الدين﴾ يقول الله مجدني عبدي، يقول العبد ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ يقول الله وهذه بيني وبيني عبدي ولعبدي ما سأل؛ يقول العبد ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل.
قوله فهي خداج معناه ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهي مخدج والخداج اسم مبني منه.
وقوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإنه يريد بالصلاة القراءة يدل على ذلك قوله عند التفسير له والتفصيل للمراد منه إذا قال العبد ﴿الحمد الله رب العالمين﴾ يقول الله حمدني عبدي إلى آخر السورة وقد تسمى القراءة صلاة لوقوعها في الصلاة وكونها جزءا من أجزائها كقوله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠] قيل معناه القراءة وقال ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾
стр. 203
[الإ سراء: ٧٨] أراد صلاة الفجر فسمى الصلاة مرة قرآنا والقرآن مرة صلاة لانتظام أحدهما الآخر يدل على صحة ما قلناه. قوله بيني وبين عبدي نصفين والصلاة خالصة لله لا شرك فيها لأحد فعقل أن المراد به القراءة.
وحقيقة هذه القسم منصرفة إلى المعنى لا إلى متلو اللفظ وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله ﴿إياك نعبد﴾ وهو تمام الشطر الأول من السورة وباقي الآية وهو قوله ﴿وإياك نستعين﴾ من قسم الدعاء والمسألة. ولذلك قال وهذه الآية بيني وبين عبدي ولو كان المراد به قسم الألفاط والحروف لكان النصف الآخر يزيد على الأول زيادة بينة فيرتفع معنى التعديل والتنصيف وإنما هو قسمة المعاني كما ذكرته لك وهذا كما يقال نصف السنة إقامة ونصفه سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء لا يزيد أحدهما على الآخر، وقيل لشريح كيف أصبحت قال أصبحت ونصف الناس عليّ غضاب يريد أن الناس محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليّ لاستخراج الحق منه وإكراهي إياه عليه وكقول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفين شامتٌ ...بموتي ومثن بالذي كنت أفعل
وقد يستدل بهذا الحديث من لا يرى التسمية آية من فاتحة الكتاب، وقالوا لو كانت آية منها لذكرت كما ذكر سائر الآي، فلما بدىء بالحمد لله دل أنه أول آية منها وأن لاحظ للتسمية فيها.
وقد اختلف الناس في ذلك فقال قوم هي آية من فاتحة الكتاب وهو قول
стр. 204
ابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وقال آخرون ليست التسمية من فاتحة الكتلب روي ذاك عن عبد الله بن المغفل. وإليه ذهب أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد وابن السرح قالا: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي ﷺ قال: لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا قال سفيان لمن يصلي وحده.
قلت هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلاّ بدليل.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي نا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال كنا خلف النبي ﷺ فقرأ رسول الله فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قلنا نعم هذَّاَّ يا رسول الله قال لا تفعلوا إلاّ بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.
قلت هذا الحديث نص بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها وإسناده جيد لا طعن فيه. والهذ سرد القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال، وقيل أراد بالهذ الجهر بالقراءة وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وقد روي ذلك في حديث عبادة هذا من غير هذا الطريق.
وقوله لا تفعلوا يحتمل أن يكون المراد به الهذ من القراءة وهو الجهر بها ويحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد من القراءة على فاتحة الكتاب.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة
стр. 205
فقال هل قرأ معي أحد منكم آنفا فقال رجل نعم يا رسول الله قال إني أقول ما لي أنازع القرآن قال فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه من الصلوات حين سمعوا ذلك منه.
قلت قوله فانتهى الناس عن القراءة من كلام الزهري لا من كلام أبي هريرة قال أبو داود وسمعت محمد بن يحيى يقول فانتهى الناس من كلام الزهري، وكذلك حكاه عن الأوزاعي.
وقوله ﷺ : ما لي أنازع القرآن معناه اداخَل في القرآن وأغالب عليها.
وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمناوبة، ومنه منازعة الناس في النِدام.
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن زرارة عن عمران بن حصين أن نبي الله ﷺ صلى بهم الظهر فلما انفتل قال أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى فقال رجل أنا فقال علمت أن بعضكم خالجنيها.
قوله خالجنيها أي جاذبنيها، والخلج الجذب. وهذا وقوله نازعنيها سواء وإنما أنكر عليه محاذاته في قراءة السورة حتى تداخلت القراءتان وتجاذبتا.
وأما قراءة فاتحة الكتاب فإنه مأمور بها في كل حال إن أمكنه أن يقرأ في السكتتين فعل وإلا قرأ معه لا محالة.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام وروي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرؤون. وافترق الفقهاء فيها على ثلاثة أقاويل فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون لا بد من أن يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به وفيما لا يجهر. وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق يقرأ فيما أسر الإمام فيه ولا يقرأ فيما جهر به.
стр. 206
وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يقرأ أحد خلف الإمام جهر الإمام أو أسر، واحتجوا بحديث رواه عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي ﷺ من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
ومن باب ما يجزي
الأُمي والأعجمي من القراءة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا سفيان الثوري، عَن أبي خالد الدالاني عن إبراهيم السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله؛ قال يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني.
قلت الأصل أن الصلاة لا تجزي إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب لقوله ﷺ : لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، ومعقول أن وجوب قراءة فاتحة الكتاب إنما هو على من أحسنها دون من لا يحسنها فإذا كان المصلي لا يحسنها وكان يحسن شيئا من القرآن غيرها كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات لأن أولى الذكر بعد فاتحة الكتاب ما كان مثلاً لها من القرآن. فإن كان رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيثا من القرآن لعجز في طبعه أو سوء حفظه أو عجمة لسان أو آفة تعرض له كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: أفضل الذكر بعد كلام الله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر.
стр. 207
ومن باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي والحسين بن عيسى قالا: حَدَّثنا يزيد بن هارون حدثنا شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
قلت واختلف الناس في هذا فذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين وهذا أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل وفي رأي العين.
وقال مالك يضع يديه قبل ركبتيه، وكذلك قال الأوزاعي وأظنهما ذهبا إلى الحديث الآخر وقد رواه أبو داود في هذا الباب.
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسن، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه.
قلت: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا وزعم بعض العلماء أن هذا منسوخ وروى فيه خبراً عن سلمة بن كهيل عن مصعب بن سعد قال كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين.
ومن باب الإقعاء بين السجدتين
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاوسا يقول قلنا لابن عباس في الاقعاء على القدمين في السجود فقال هي السنة قال قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس هي سنة نبيك ﷺ .
قلت أكثر الأحاديث على النهي عن الاقعاء في الصلاة، وروي أنه عقبة الشيطان وقد ثبت من حديث وائل بن حجر وحديث أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 208
قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى.
ورويت الكراهة في الإقعاء عن جماعة من الصحابة وكرهه النخعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وهو قول أصحاب الرأي وعامة أهل العلم.
وتفسير الاقعاء أن يضع اليتيه على عقبيه ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض وكذلك إقعاء الكلاب والسباع إنما هو أن تقعد على مآخيرها وتنصب أفخاذها.
قال أحمد بن حنبل وأهل مكة يستعملون الاقعاء، وقال طاوس رأيت العبادلة يفعلون ذاك ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وروي عن ابن عمر أنه قال لبنيه لا تقتدوا بي في الإقعاء فإني إنما فعلت هذا حين كبرت. ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا والعمل على الأحاديث الثابتة في صفة صلاة رسول الله ﷺ .
ومن باب ما يقول
إذا رفع رأسه من الركوع
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن سمي، عَن أبي صالح السمان، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
قلت في هذا دلالة على أن الملائكة يقولون مع المصلي هذا القول ويستغفرون ويحضرونة بالدعاء والذكر. واختلف الناس فيما يقوله المأموم إذا رفع رأسه من الركوع فقالت طائفة يقتصر على ربنا لك الحمد وهو الذي جاء به الحديث لا يزيد عليه وهو قول الشعبي وإليه ذهب مالك وأحمد بن حنبل.
وقال أحمد إلى هذا انتهى أمرالنبي ﷺ وقالت طائفة يقول سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد يجمع بينهما هذا قول ابن سيرين وعطاء، وإليه ذهب الشافعي
стр. 209
وهو مذهب أبي يوسف ومحمد.
قلت وهذه الزيادة وإن لم تكن مذكورة في الحديث نصا فإنها مأمور بها الإمام، وقد جاء إنما جعل الإمام ليؤتم به فكان هذا في جميع أقواله وأفعاله والإمام يجمع بينهما، وكذلك المأموم وإنما كان القصد بما جاء في هذا الحديث مداركة الدعاء والمقارنة بين القولين ليستوجب بها دعاء الإمام وهو قوله سمع الله لمن حمده ليس بيان كيفية الدعاء والأمر باستيفاء جميع ما يقال في ذلك المقام إذ قد وقعت الغنية بالبيان المتقدم فيه.
ومن باب صلاة من لا يقيم
صلبه في الركوع والسجود
قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني سعيد ابن أبي سعيد عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ فقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء إلى النبي فقال له ارجع فصل فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القران ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.
قلت قوله ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزيه غيرها بدليل قوله لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، وهذا في الإطلاق كقوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج
стр. 210
فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] ثم كان أقل ما يجزي من الهدي معيناً معلوم المقدار ببيان السنة وهو الشاة.
وفي قوله ثم افعل ذلك في صلاتك كلها دليل على أن عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة. وقال أصحاب الرأي إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخرين قرأ وإن شاء أن يسبح سبح وإن لم يقرأ فيهما شيئا اجزأه.
ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخرين من طريق الحارث عنه.
قلت وقد تكلم في الحارث قديما وممن طعن فيه الشعبي ورماه بالكذب وتركه أصحاب الصحيح ولوصح ذلك عن علي ﵁ لم يكن حجة لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وسنة رسول الله ﷺ أولى ما اتبع بل قد ثبت عن علي ﵁ من طريق عبيد الله بن أبي رافع أنه كان يأمر أن يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.
حدثنا محمد بن المكي حدثنا الصايغ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الرحمن بن زياد حدثنا شعبة عن سفيان بن حسين سمعت الزهري يحدث عن ابن أبي رافع عن أبيه عن علي ﵁ بذلك.
وفيه دليل على أن صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود غير مجزية.
وفي قوله إذا قمت إلى الصلاة فكبر دليل على أن غير التكبير لا يصح به افتتاح الصلاة لأنه إذا افتتحها بغيره كان الأمربالتكبير قائماً لم يمتثل.
стр. 211
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا هشام بن عبد الملك والحجاج بن منهال قالا: حَدَّثنا همام حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع قال: قال رسول الله ﷺ إنه لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ثم يقرأ من القرآن ما أذن له فيه وساق الحديث إلى أن قال ثم يسجد فيمكن وجهه. قال هشام وربما قال جبهته من الأرض.
قلت فيه من الفقه أن ترتيب الوضوء وتقديم ما قدمه الله في الذكر منه واجب وذلك معنى قوله حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ثم عطف عليه بحرف الفاء الذي يقتضي التعقيب من غير تراخ.
وفيه دليل على أن السجود لا يجزي على غير الجبهة وأن من سجد على كور العمامة ولم يسجد معها على شيء من جبهته لم تجزئه صلاته.
قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن جعفر بن عبد الله الأنصاري عن تميم بن محمود عن عبد الرحمن بن شبل قال نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يُوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعيرُ.
قوله نقرة الغراب هي أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع جبهته على الأرض حتى يطمئن ساجدا وإنما هو أن يمس بأنفه أوجبهته الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه، وافتراش السبع أن يمد ذراعيه على الأرض لا يرفعهما ولا يجافي مرفقيه عن جنبيه.
وأما إيطان البعير ففيه وجهان أحدهما أن يألف الرجل مكانا معلوماً من المسجد
стр. 212
لا يصلي إلاّ فيه كالبعصلا يأوي من عطنه إلاّ إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه منلخا لا يبرك إلاّ فيه.
والوجه الآخر أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير على المكان الذي أوطنه وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل.
ومن باب ما يقول في ركوعه وسجوده
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا ابن المبارك عن موسى بن أيوب عن عمه عن عقبة بن عامر قال لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤] قال رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] قال اجعلوها في سجودكم.
قلت في هذا دلالة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود لأنه قد اجتمع في ذلك أمر الله وبيان الرسول ﷺ وترتيبه في موضعه من الصلاة فتركه غير جائز وإلى إيجابه ذهب إسحاق. ومذهب أحمد قريب منه. وروي عن الحسن البصري نحوا منه، فأما عامة الفقهاء مالك وأصحاب الرأي والشافعي فانهم لم يروا تركه مفسدا للصلاة.
ومن باب في الدعاء في الركوع والسجود
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن سليمان بن سحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن ابن عباس أن النبي ﷺ كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ فقال أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤ يا الصالحة يراها المسلم أوترى له وإني نهيت أن اقرأ راكعا أو
стр. 213
ساجدا، فأما الركوع فعظموا الرب فيه، وأما السجود فاجتهدوا بالدعاء فَقَمِن أن يستجاب لكم.
قلت نهيه عن القراءة راكعا أو ساجدا يشد قول إسحاق ومذهبه في إيجاب الذكر في الركوع والسجود وذلك أنه إنما أُخلي موضعهما من القراءة ليكون محلا للذكر والدعاء، وقوله قمن بمعنى جدير وحري أن يستجاب لكم.
قال أبو داود: حدثنا ابن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور، عَن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن.
قلت قولها يتأول القرآن تريد قوله فسبح بحمد ربك إنه كان تواباً.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبدة عن عبيد الله عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الرحمن الأعرج، عَن أبي هريرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة فلمست المسجد فإذا هو ساجد وقدمه منصوبتان ويقول أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
قلت في هذا الكلام معنى لطيف وهوأنه قد استعاذ بالله وسأله أن يجيزه برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته والرضاء والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله سبحانه استعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه، وقوله لا أحصي ثناء عليك أي لا أطيقه ولا أبلغه وفيه إضافة الخير والشر معاً إليه سبحانه.
стр. 214
ومن باب أعضاء السجود
قال أبو داود: حدثنا النُفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق عن التميمي الذي يحدث التفسير عن ابن عباس قال أتيت النبي ﷺ من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مُجَخٍّ قد فرج يديه.
قوله مجخ يريد أنه قد رفع مؤخره ومال قليلا هكذا يفسر.
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا عباد بن راشد حدثنا الحسن حدثنا أحمد بن جزء صاحب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له.
قوله نأوي له معناه حتى نرق له قال أويت للرجل آوي له إذا أصابه شيء فرثيت له.
ومن باب البكاء في الصلاة
قال أبو داود: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام حدثنا يزيد بن هارون أنا حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف عن أبيه، قال رأيت النبي ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحاء من البكاء.
قلت أزيز الرحاء صوتها وجرجرتها وفيه من الفقه أن البكاء في الصلاة لا يفسدها.
ومن باب الفتح على الإمام
قال أبو داود: حدثنا يزيد بن محمد حدثنا هشام بن إسماعيل حدثنا محمد بن شعيب حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى صلاة فقرأ فيها فلُبّس عليه فلما انصرف قال لأُبَيّ صليت معنا قال نعم قال فما منعك.
стр. 215
قلت معقول أنه إنما أراد به ما منعك أن تفتح عليَّ إذ رأيتني قد لبس عليّ، وفيه دليل على جواز تلقين الإمام.
قال أبو داود: حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن يونس بن أبي إسحاق، عَن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : يا علي لا تفتح علي الإمام في الصلاة.
قلت إسناد حديث أُبي جيد وحديث عليّ هذا رواية الحارث وفيه مقال، وقال داود أبو إسحاق سمع من الحارث أربعة أحاديث ليس هذا منها. وقد روي عن علي ﵁ نفسه أنه قال إذا استطعمكم الإمام فأطعموه من طريق أبي عبد الرحمن السلمي يريد أنه إذا تعايا في القراءة فلقنوه.
واختلف الناس في هذه المسألة فروي عن عثمان بن عفان وابن عمر ﵄ أنهما كانا لا يريان به بأسا، وهو قول عطاء والحسن وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. وروي عن ابن مسعود الكراهة في ذلك وكرهه الشعبي، وكان سفيان الثوري يكرهه. وقال أبوحنيفة إذا استفتحه الإمام ففتحه عليه فإن هذا كلام في الصلاة.
ومن باب النظر في الصلاة
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت صلى النبي ﷺ في خَميصة لها أعلام فقال شغلتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته.
الخميصة كساء مربع من صوف والانبجانية أراها منسوبة وهي إلى الغلظ لا علم لها.
следующие страницы →