← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الميت باقية على ملك أوليائه. وكذلك ثيابه التي يكفن فيها وأن النباش سارق من حرز في ملك مالك ولوكان موضع القبر وكفن الميت مبقَّى على ملك الميت حتى ينقطع ملك الحي عنه من جميع الوجوه لم يكن يجوز نبشها واستباحتها بغير إذن مالكها. وفيه دليل أن من لا حرمة لدمه في حياته فلا حرمة لعظامه بعد مماته، وقد قال ﷺ : كسر عظم المسلم ميتاً ككسره حياً فكان دلالته أن عظام الكفار بخلافه. ومن باب المساجد تبنى في الدور قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطَّيب. قلت في هذا حجة لمن رأى أن المكان لا يكون مسجدا حتى يسبّله صاحبه وحتى يصلي الناس فيه جماعة ولو كان الأمر يتم فيه بأن يجعله مسجدا بالتسمية فقط لكان مواضع تلك المساجد في بيوتهم خارجة عن أملاكهم فدل أنه لا يصح أن يكون مسجداً بنفس التسمية. وفيه وجه آخر وهو أن الدور يراد بها المحال التي فيها الدور. ومن باب الصلاة عند دخول المسجد قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم، عَن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين قبل أن يجلس. قلت: فيه من الفقه أنه إذا دخل المسجد كان عليه أن يصلي ركعتين تحية

стр. 142

المسجد قبل أن يجلس وسواء كان ذلك في جمعة أو غيرها كان الإمام على المنبر أو لم يكن لأن النبي ﷺ عم ولم يخص. وقد اختلف الناس في هذا فقال بظاهر الحديث الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق وإليه ذهب الحسن البصري ومكحول وقالت طائفة إذا كان الإمام على المنبر جلس ولا يصلي. وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وأصحاب الرأي وهو قول مالك والثوري. ومن باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر الجثمي حدثنا حيوة بن شريح قال: سمعت أبا الأسود يقول أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا. قوله ينشد معناه يطلب يقال نشدت الضالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرفتها وفى رواية أخرى أنه قال لرجل كان ينشد ضالة في المسجد أيها الناشد غيرك الواجد ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من البيع والشراء ونحو ذلك من أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم، وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد. وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد. ومن باب كراهية البزاق في المسجد قال أبو داود: حدثنا يحيى بن الفضل السجستاني وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيان بهذا الحديث وهذا لفظ يحيى بن الفضل حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن

стр. 143

الصامت قال أتينا جابر بن عبد الله وهو في مسجده فقال أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا وفي يده عُرجون ابن طاب فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة فأقبل عليها فحَتَّها بالعرجون ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبسُقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبسُق عن يساره تحت رجله اليسرى فإن عجلت به مادرة فليقل بثوبه هكذا ووضع على فيه ثم دلكه أروني عبيراً فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخَلوق في راحته فأخذه رسول الله ﷺ ثم لطخ به على أثر النُخامة قال جابر ﵁ فمن هناك جعلتم الخَلوق في مساجدكم. العرجون عود كباسة النخل وسمي عرجونا لانعراجه وهو انعطافه وابن طاب اسم لنوع من أنواع التمر منسوب إلى ابن طاب كما نسب سائر ألوان التمر فقيل لون ابن حبيق ولون كذا ولون كذا. وقوله فإن الله قبل وجهه تأويله أن القبلة التي أمره الله عزو جل بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه فليصنها عن النخامة. وفيه إضمار وحذف واختصار كقوله تعالى ﴿وأشربوا في قلوبهم العجلس﴾ [البقرة: ٩٣] أي حب العجل وكقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهل القرية ومثله في الكلام كثير وإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما قيل بيت الله وكعبة الله في نحو ذلك من الكلام. وفيه من الفقه أن النخامة طاهره ولولم تكن طاهرة لم يكن يأمر المصلي بأن يدلكها بثوبه ولا أعلم خلافا في أن البزاق طاهر إلاّ أن أبا محمد الكُدانى حدثني قال سمعت الساجي يقول كان إبراهيم النخعي يقول البزاق نجس.

стр. 144

ومن باب المشرك يدخل المسجد قال أبو داود: حدثنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال ايُّكم محمد ورسول الله ﷺ متكىء بين ظهرانَيْهم فقلنا هذا الأبيض المتكىء فقال له الرجل يا بن عبد المطلب فقال له النبي ﷺ قد أجبتك فقال يا محمد إني سائلك وساق الحديث. قلت كل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكىء والعامة لا تعرف المتكىء إلاّ من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه. وفي الحديث من الفقه جواز دخول المشرك المسجد إذا كانت له فيه حاجة مثل أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه ومثل أن يحاكم إلى قاض وهو في المسجد فإنه يجوز له دخول المسجد لإثبات حقه في نحو ذلك من الأمور. وفي إدخاله المسجد جمله وعقله إياه فيه ثم لم يُهج ولم يمنع منه حجة لقول من زعم إن بول ما يؤكل لحمه من الحيوان طاهر. وقد زعم بعضهم أنه إنما قال له قد أجبتك ولم يستأنف له الجواب لأنه كره أن يدعوه باسم جده وأن ينسبه إليه إذ كان عبد المطلب جده كافرا غير مسلم وأحب أن يدعوه باسم النبوة والرسالة. قلت وهذا وجه ولكن قد ثبت عنه ﷺ أنه قال يوم حنين حين حمل على الكفار فانهزموا: أنا النبي لا كذب ...أبا بن عبد المطلب وقال بعض أهل العلم في هذا إنه لم يذهب بهذا القول مذهب الانتساب إلى شرف

стр. 145

الآباء على سبيل الافتخار بهم ولكنه ذكرهم بذلك رؤيا كان رآها عبد المطلب له أيام حياته وكانت إحدى دلائل نبوته وكانت القصة فيها مشهورة عندهم فعرفهم شأنها وأذكرهم بها وخروج الأمرعلى الصدق فيها والله أعلم. ومن باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد عن عُبيد بن عمير، عَن أبي ذر قال. قال رسول الله ﷺ : جُعلت لي الأرض طهورا ومسجدا. قوله جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا فيه إجمال وإبهام. وتفصيله في حديث حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ قال: جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ولم يذكره أبو داود في هذا الباب واسناده جيد حدثونا به عن محمد بن يحيى حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عَن أبي مالك عن رِبْعِيّ بنِ حِِرَاش عن حذيفة. وقد يحتج بظاهر خبر أبي ذر من يرى التيمم جائزا بجميع أجزاء الأرض من جص ونورة وزرنيخ ونحوها. وإليه ذهب أهل العراق. وقال الشافعي لا يجوز التيمم إلاّ بالتراب. قال والمفسر من الحديث يقضي على المجمل. وإنما جاء قوله جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا على مذهب الامتنان على هذه الأمة بأن رخص لها في الطهور بالأرض والصلاة عليها في بقاعها. وكانت الأمم المتقدمة لا يصلون الا في كنائسهم وبيعهم وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى. وبيان ما يجوز أن يتطهر به منها مما لا يجوز إنما هو في حديث حذيفة الذي ذكرناه. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد. قال ونا مسدد

стр. 146

حدثنا عبد الواحد عن عمرو بن يحيى عن أبيه، عَن أبي سعيد قال. قال رسول الله ﷺ قال موسى في حديثه فيما يحسب عمرو أن النبي ﷺ قال: الأرض كلها مسجد إلاّ الحمام والمقبرة. قلت في هذا الحديث أيضاً اختصار وتفسيره في حديث أنس وجعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا يريد بالطيبة الطاهرة. رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ولم يذكره أيضاً أبو داود حدثونا به عن علي بن عبد العزيز عن حجاج بن منهال عن حماد. واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فكان الشافعي يقول إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدها وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجلسة فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته. قال وكذلك الحمام إذا صلى في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه. وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر، وعن مالك بن أنس لا بأس بالصلاة في المقابر. وقال أبو ثور لا يصلي في حمام ولا مقبرة تعلقا بظاهره وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك ورويت الكراهية فيه عن جماعة من السلف. واحتج بعض من لم يجز الصلاة في المقبرة وإن كانت طاهرة التربة بقول رسول الله ﷺ : صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها مقابر. قال فدل ذلك على أن المقبرة ليست بمحل الصلاة. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود حدثنا ابن وهب حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن زاهر عن عمار بن سعد المرادي، عَن أبي صالح الغفاري عن علي

стр. 147

رضي الله عنه قال نهاني رسول الله ﷺ أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة. قلت في إسناد هذا الحديث مقال ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه وهو قوله ﷺ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ويشبه أن يكون معناه لو ثبت أنه نهاه أن يتخذ أرض بابل وطنا ودارا للإقامة فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها ومخرج النهي فيه على الخصوص ألا تراه يقول نهاني ولعل ذلك منه إنذار منه له بما أصابه من المحنة بالكوفة وهي أرض بابل ولم ينتقل أحد من الخلفاء الراشدين قبله من المدينة. ومن باب الصلاة في مبارك الإبل قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارل الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فانها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال صلوا فيها فإنها بركة. اختلف الناس في هذا فذهب إلى إباحة الصلاة في مرابض الغنم ومنعها في مبارك الإبل وأعطانها جماعة منهم مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وغيرهم. وكان أحمد يقول لا بأس بالصلاة في موضع فيه أبوال الإبل ما لم يكن معاطن لأن النهي إنما جاء في المعاطن ولم ير هؤلاء بالصلاة في مراح البقر بأسا وكان الشافعي يقول إذا صلى الرجل في أعطان الإبل في ناحية منها ليس فيها شيء من أبوالها وأبعارها أجزأه وإن كنت أكره الصلاة في شيء منها اختيارا. وكذلك حكم مرابض الغنم عنده لأنه لا فرق في مذهبه بين

стр. 148

شيء من الأبوال والأبعار والأرواث في أنها كلها نجسة، واستشهد لما تأول من ذلك بقوله فإنها من الشياطين يريد أنها لما فيها من النفور والشرود ربما أفسدت على المصلي صلاته والعرب تسمي كل مارد شيطانا كأنه يقول إن المصلي إذا صلى بحضرتها كان مغررا بصلاته لما لا يومن من نفارها وخبطها المصلي. وهذا المعنى مأمون في الغنم لسكونها وضعف الحركة إذا هيجت. وقال بعضهم معنى الحديث أنه كره الصلاة في السهول من الأرض لأن الإبل إنما تأوي إليها وتعطن إليها، والغنم إنما تبوأُ وتراح إلى الأرض الصلبة قال والمعنى في ذلك أن الأرض الخوارة التي يكثر ترابها ربما كانت فيها النجاسة فلا يبين موضعها فلا يأمن المصلي أن تكون صلاته فيها على نجاسة فأما العزاز الصلب من الأرض فإنه ضاح بارز لا يخفي موضع النجاسة إذا كانت فيه. وزعم بعضهم أنه إنما أراد به المواضع التي يحط الناس رحالهم فيها إذا نزلوا المنازل في الأسفار، قال ومن عادة المسافرين أن يكون برازهم بالقرب من رحالهم فتوجد هذه الأماكن في الأغلب نجسة فقيل لهم لا تصلوا فيها وتباعدوا عنها. ومن باب متى يؤمر الغلام بالصلاة قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها. قلت قوله ﷺ إذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها يدل على إغلاظ العقوبة له إذا تركها متعمدا بعد البلوغ ونقول إذا استحق الصبي الضرب وهو غير بالغ فقد عقل أنه بعد البلوغ يستحق من العقوبة ما هو أشد من الضرب وليس

стр. 149

بعد الضرب شيء مما قاله العلماء أشد من القتل. وقد اختلف الناس في حكم تارك الصلاة فقال مالك والشافعي يقتل تارك الصلاة، وقال مكحول يستتاب فإن تاب وإلا قتل. وإليه ذهب حماد بن زيد ووكيع بن الجراح. وقال أبو حنيفة لا يقتل ولكن يضرب ويحبس. وعن الزهري أنه قال إنما هو فاسق يضرب ضربا مبرحا ويسجن. وقال جماعة من العلماء تارك الصلاة حتى يخرج وقتها لغير عذر كافر، هذا قول إبراهيم النخعي وأيوب وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق. وقال أحمد لا يكفر أحد بذنب إلاّ تارك الصلاة عمدا واحتجوا بخبر جابر عن رسول الله ﷺ ليس بين العبد والكفر إلاّ ترك الصلاة. وقال بعض من احتج لهذه الطائفة أن الصلاة لا تشبه سائر العبادات ولا يقاس إليها لأنها لم تزل مفتاح شرائع الأديان وهي دين الملائكة والخلق أجمعين. ولم يكن لله تعالى دين قط بغير صلاة، وليس كذلك الزكاة والصيام والحج فليس على الملائكة منها شيء والصلاة تلزمهم كما يلزمهم التوحيد وهي علم الإسلام الفاصل بين المسلم والكافر في كلام أكثر من هذا قد ذكره. ومن باب بدء الأذان قال أبو داود: حدثنا عباد بن موسى الختلي وزياد بن أيوب وحديث عباد أتم قالا: حَدَّثنا هشيم، عَن أبي بشر، عَن أبي عميربن أنس عن عمومة له من الأنصار قال اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها فقيل له انصب رايه عند حضور الصلاة فإذا رأوها اذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك. قال فذكر له القُنُع،

стр. 150

يَعني الشبُّور فلم يعجبه ذلك، وقال هو من أمراليهود قال فذكر له الناقوس قال هو من أمرالنصارى فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم النبي ﷺ فأري الأذان في منامه قال فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره فقال يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فانظر ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله فأذن بلال. قال الشيخ: القنع هكذا قاله ابن داسة وحدثناه ابن الأعرابي، عَن أبي داود مرتين فقال مرة القنع بالنون ومرة القبع مفتوحة بالباء وجاء تفسيره بالحديث أنه الشبور وهو البوق وسألت عنه غير واحد من أهل اللغة فلم يثبتوه لي على واحد من الوجهين فإن كانت الرواية في الفتح صحيحة فلا أراه سمي الا لإقناع الصوت وهو رفعه، يقال أقنع الرجل صوته وأقنع رأسه إذا رفعه. وأما القبع بالباء فلا أحسبه سمي قبعا إلاّ لأنه يقبع صاحبه أي يستره، ويقال قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه. وسمعت أبا عمر يقول هو القثع بالثاء المثلثة، يَعني البوق ولم أسمع هذا الحرف من غيره. وفي قوله يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله فافعله دليل على أن الواجب أن يكون الأذان قائماً. ومن باب كيف الأذان قال أبو داود: حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه حدثنى أبي عبد الله بن زيد قال لما أمر رسول الله ص بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله اتبيع الناقوس فقال وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة

стр. 151

قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك فقلت بلى فقال تقول: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح. حي على الفلاح، الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلاّ الله. قال ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال تقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما أري فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد. قلت روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة وهذا الإسناد أصحها. وفيه أنه ثنى الأذان وأفرد الإقامة وهو مذهب أكثر علماء الأمصار وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد الشام واليمن وديار مصر ونواحي المغرب إلى أقصى حجر من بلاد الإسلام. وهو قول الحسن البصري ومكحول والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم. وكذلك حكاه سعد القَرَظ وقد كان أذن لرسول الله ﷺ في حياته بقبا، ثم استخلفه بلال زمان عمر ﵁، فكان يفرد الإقامة ولم يزل ولد أبي محذورة وهم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة ويحكونه عن جدهم إلاّ أنه قد روي

стр. 152

في قصة أذان أبي محذورة الذي علمه رسول الله ﷺ منصرفه من حنين ان الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة، وقد رواه أبو داود في هذا الباب، إلاّ أنه قد روي من غير هذا الطريق أنه أفرد الإقامة غير أن التثنية عنه أشهر إلاّ أن فيه إثبات الترجيع فيشبه أن يكون العمل من أبي محذورة ومن ولده بعده إنما استمر على افراد الإقامة إمّا لأن رسول الله ﷺ أمره بذلك بعد الأمرالأول بالتثنية، وإما لأنه قد بلغه أنه أمر بلالا بإفراد الإقامة فاتبعه وكان أمرالأذان ينقل من حال إلى حال ويدخله الزيادة والنقصان، وليس كل أمور الشرع ينقلها رجل واحد ولا كان وقع بيانها كلها ضربة واحدة وقيل لأحمد وكان يأخذ في هذا بأذان بلال أليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال فإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمررسول الله ﷺ فقال أليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه. وكان سفيان الثوري وأصحاب الرأي يرون الأذان والإقامة مثنى مثنى على حديث عبد الله بن زيد من الوجه الذي روى فيه تثنية الإقامة. وقوله طاف بي رجل يريد الطيف وهو الخيال الذي يلم بالنائم يقال منه طاف يطيف ومن الطواف يطوف ومن الإحاطة بالشيء أطاف يطيف. وفي قوله ألقها على بلال فإنه أندى صوتا منك دليل على أن من كان أرفع صوتا كان أولى بالأذان لأن الأذان إعلام فكل من كان الإعلام بصوته أوقع كان به أحق وأجدر. وقوله وثم استأخر غير بعيد يدل على أن المستحب أن تكون الإقامة في غير موقف الأذان.

стр. 153

ومن باب في الإقامة قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن أيوب، عَن أبي قلابة عن أنس قال أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وحدثنا حميد بن مسعدة حدثنا إسماعيل عن خالد الحذاء، عَن أبي قلابة عن أنس مثل حديث وهيب قال إسماعيل فحدثت به أيوب فقال إلا الإقامة. قلت قوله (أمر بلال أن يوتر الإقامة) يريد أن رسول الله ﷺ هو البذي أمره بذلك والأمر مضاف إليه دون غيره لأن الأمرالمطق في الشريعة لا يضاف إلاّ إليه. وقد زعم بعض أهل العلم أن الآمر له بذلك أبو بكر أو عمر ﵄ وهذا تأويل فاسد لأن بلالا لحق بالشام بعد موت رسول الله ﷺ واستخلف سعد القَرظ على الأذان في مسجد رسول الله ﷺ . قوله في رواية إسماعيل عن أيوب إلاّ الإقامة، يريد أنه كان يفرد ألفاظ الإقامة كلها إلاّ قوله قد قامت الصلاة فإنه كان يكرر مرتين وعلى هذا مذهب عامة الناس في عامة البلدان إلاّ في قول مالك فإنه كان يرى أن لا يقال ذلك إلاّ مرة واحدة، وهكذا يروى في أذان سعد القرظ. وقد اختلفت الروايات عنه في ذلك أيضاً، وفي هذ الباب سنة أخرى وهي أن المؤذن يقعد قعدة بين الأذان والإقامة. وقد ذكره أبو داود في حديث ابن أبي ليلى في قصة الصلاة وأنها أحيلت ثلاثة أحوال، قال وحدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال لقد هممت أن آمر رجالا يقومون على الآطام ينادون الناس بحين الصلاة وذكر قصة رؤيا عبد الله بن زيد إلى أن قال رأيت رجلا عليه ثوبان أخضران فقام فأذن ثم قعد قعدة ثم قام الحديث. الآطام جمع الأطم وهي كالحصن المبني بالحجارة.

стр. 154

ومن باب رفع الصوت قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمَري حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عثمان، عَن أبي يحيى، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس. قلت مدى الشيء غايته والمعنى أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت. وقيل فيه وجه آخر وهو أنه كلام تمثيل وتشبيه يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو تقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله له. قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه. التثويب هنا الإقامة والعامة لا تعرف التثويب إلاّ قول المؤذن في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم. ومعنى التثويب الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه. وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه فيديره عند الأمريرهقه من خوف أو عدو، ثم كثر استعماله في كل اعلام يجهر به صوت، وإنما سميت الإقامة تثويبا لأنها إعلام بإقامة الصلاة والأذان إعلام بوقت الصلاة. ومن باب ما يجب على المؤذن من تعهد الوقت قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن فُضيل حدثنا الأعمش

стр. 155

عن رجل، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين. قوله الإمام ضامن قال أهل اللغة الضامن في كلام العرب معناه الراعي والضمان معناه الرعاية قال الشاعر: رعاكِ ضمان الله يا أم مالك ... ولله أن يشقيك أغنى وأوسع والإمام ضامن بمعنى أنه يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم، وقيل معناه ضامن الدعاء يعمهم به ولا يختص بذلك دونهم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء، وقد تأوله قوم على معنى أنه يتحمل القراءة عنهم في بعض الأحوال وكذلك يتحمل القيام أيضاً إذا أدركه راكعا. ومن باب أخذ الأجر على الأذان قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا سعيد الجريري، عَن أبي العلى عن مطرف عن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص أنه قال يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً. قلت أخذ المؤذن الأجر على أذانه مكروه في مذاهب أكثر العلماء وكان مالك بن أنس يقول لا بأس به ويرخص فيه وقال الأوزاعي الإجارة مكروهة ولا بأس بالجعل وكره ذلك أصحاب الرأي ومنع منه إسحاق بن راهويه. وقال الحسن أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله وكرهه الشافعي وقال لا يرزق الإمام المؤذن إلاّ من خمس الخمس سهم النبي ﷺ فإنه مرصد لمصالح الدين ولا يرزقه من غيره.

стр. 156

ومن باب الأذان قبل دخول الوقت قال أبو داود: نا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب المعنى قالا: حَدَّثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره رسول الله ﷺ أن يرجع فينادي الا ان العبد قد نام قال أبو داود لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلاّ حماد بن سلمة. قوله الا ان العبد نام يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به أنه غفل عن الوقت كما يقال نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها ولم يقم بها. الوجه الآخر أن يكون معناه أنه قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا عن نومهم وسكونهم، ويشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله ﷺ يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر. وثبت عنه ﷺ أنه قال: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. وممن ذهب إلى تقديم أذان الفجر قبل دخول وقته مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وكان أبو يوسف يقول: بقول أبي حنيفة في أن ذلك لا يجوز ثم رجع فقال لا بأس أن يؤذن للفجر خاصة قبل طلوع الفجر اتباعا للأثر. وكان أبو حنيفة ومحمد لا يجيزان ذاك قياسا على سائر الصلوات وإليه ذهب سفيان الثوري. وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن ذلك جائز إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله ﷺ فأما إذا لم يؤذن فيه إلاّ واحد فإنه لا يجوز أن يفعله إلاّ بعد دخول الوقت، فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 157

في الوقت الذي نهى فيه بلالا إلاّ مؤذن واحد وهو بلال ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذنا لأن الحديث في تأذين بلال قبل الفجر ثابت من رواية ابن عمر. ومن باب تقام الصلاة ولم يأت الإمام قال أبو داود: حدثنا أحمد بن علي السدوسي حدثنا عون بن كهمس عن أبيه كهمس قال قمنا بمنى إلى الصلاة والإمام لم يخرج فقعد بعضنا فقال لي شيخ من أهل الكوفة ما يقعدك قلت ابن بريدة قال هذا السَمودُ فقال الشيخ حدثنا عبد الرحمن بن عَوسجة عن البراء بن عازب قال كنا نقوم في الصفوف عهد رسول الله ﷺ طويلا قبل أن يكبر وذكر الحديث. قلت: السمود يفسَّر على وجهين أحدهما أن يكون بمعنى الغفلة والذهاب عن الشيء يقال رجل سامد هامد أي لاه غافل. ومن هذا قول الله تعالى ﴿وأنتم سامدون﴾ [النجم: ٦١] أي لاهون ساهون، وقد يكون السامد أيضاً الرافع رأسه. قال أبوعبيد ويقال منه سَمَدَ يَسمِدُ ويسمد سمودا وروي عن علي أنه خرج والناس ينتظرونه قياما للصلاة فقال ما لي أراكم سامدين. وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قياما ولكن قعوداً ويقولون: ذلك السَّمود. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ نجيّ في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم. قوله نجي أى مناج رجلا كما قالوا نديم بمعنى منادم ووزير بمعنى موازر، وتناجى القوم إذا دخلوا قى حديث سر وهم نجوى أى متناجون.

стр. 158

وفيه من الفقه أنه قد يجوز له تأخير الصلاة عن أول وقتها لأمر يحزبه. ويشبه أن يكون نجواه في مهم من أمرالدين لا يجوز تأخيره وإلا لم يكن ليؤخر الصلاة حتى ينام القوم لطول الانتظار له والله أعلم. ومن باب التشديد في ترك الجماعة قال أبو داود: حدثنا هارون بن عباد حدثنا وكيع عن المسعودي عن علي بن الأقمر، عَن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى وإن الله تعالى شرع لنبيه ﷺ سنن الهدى ولقد رأيتنا وإن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف وما منكم من أحد إلاّ وله مسجد في بيته ولوصليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم. قوله ليهادى بين رجلين أي يرفد من جانبيه ويؤخذ بعضديه يتمشى به إلى المسجد. وقوله لكفرتم أي يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئا منها حتى تخرجوا من الملة. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة، عَن أبي رزين عن ابن أم مكتوم أنه سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني رجل ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلاومني فهل من رخصة أن أصلي في بيتي قال فهل تسمع النداء؟ قال نعم. قال: لا أجد لك رخصة. قوله لا يلاومني هكذا يروى في الحديث والصواب لا يلايمني أي لا يوافقني ولا يساعدني، فأما الملاومة فإنها مفاعلة من اللوم وليس هذا موضعه.

стр. 159

وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب ولو كان ذلك ندبا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم. وكان عطاء بن أبي رباح يقول ليس لأحد من خلق الله في الحضر والقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة. وقال الأوزاعي لا طاعة للوالدين في ترك الجمعة والجماعات سمع للنداء أو لم يسمع. وكان أبو ثور يوجب حضور الجماعة، واحتج هو أو غيره ممن أوجبه بأن الله سبحانه أمرأن يصلى جماعة في حال الخوف ولم يعذر في تركها فعقل أنها في حال المن أوجب. وأكثر أصحاب الشافعي على أن الجماعة فرض على الكفاية لا على الأعيان وتأولوا حديث ابن أم مكتوم على أنه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. واحتجنوا بقوله ﷺ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعنشرين درجة. قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد، عَن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم. قال يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال النبي ﷺ : تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح فحي هلا. قوله حي هلا كلمة حث واستعجال قال لبيد (ولقد تسمع صوتي حيّ هل) . ومن باب المشي إلى الصلاة قال أبو داود: حدثنا أبو توبة حدثنا الهيثم بن حميد عن يحيى عن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن، عَن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ومن خرج

стр. 160

إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلاّ إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين. تسبيح الضحى يريد به صلاة الضحى وكل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة. وقوله لا ينصبه معناه لا يتعبه ولا يزعجه إلاّ ذلك وأصله من النصب وهو معاناة المشقة يقال أنصبني هذا الأمر وهو أمر منصب ويقال أمر ناصب أي ذو نصب كقول النابغة: (كليني لِهَمًّ ما أميمة ناصبِ) . قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلاّ الصلاة لا ينهزه إلاّ الصلاة لم يخط خطوة إلاّ رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد. قوله لا ينهزه أي لا يبعثه ولا يشخصه إلاّ ذلك، ومن هذا انتهاز الفرصة وهو الانبعاث لها والمبادرة إليها. ومن باب الهدي في المشي إلى المساجد قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري أن عبد الملك بن عمر حدثهم عن داود بن قيس حدثني سعد بن إسحاق حدثنا أبو ثمامة الخياط أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد أدرك أحدهما صاحبه قال فوجدني وأنا مشبك يدي فنهاني عن ذلك وقال إن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يده فإنه في صلاة.

стр. 161

قلت تشبيك اليد هو إدخال الأصابع بعضها في بعض والاشتباك بها. وقد يفعله بعض الناس عبثا وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجده من التمدد فيها، وربمل قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه يريد به الاستراحة وربما استجلب به النوم فيكون ذلك سببا لانتقاض طهره فقيل لمن تطهر وخرج متوجها إلى الصلاة لا تبشك بين أصابعك لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي. ومن باب خروج النساء إلى المسجد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات. التفل سوء الرائحة يقال امرأة تفلة إذا لم تطيب ونساء تفلات، وقد استدل بعض أهل العلم بعموم قوله لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، على أنه ليس للزوج منع زوجته من الحج لأن المسجد الحرام الذي يخرج إليه الناس للحج والطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه. ومن باب السعي إلى الصلاة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثنا ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. قال أبو داود وكذا قال الزبيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة

стр. 162

عن الزهري وما فاتكم فأتموا وكذلك روى ابن مسعود عن النبي ﷺ وأبو قتادة وأنس كلهم قال فأتموا. قلت في قوله فأتموا دليل أن الذي أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الاتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره. وإلى هذا ذهب الشافعي في أن ما أدركه المسبوق من صلاة إمامة هو أول صلاته. وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل هو آخر صلاته وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وقد روي ذلك عن مجاهد وابن سيرين واحتجوا بما روي في هذا الحديث من قوله وما فاتكم فاقضوا قالوا والقضاء لا يكون إلاّ للفائت. قلت قد ذكر أبو داود في هذا الباب أن أكثر الرواة اجتمعوا على قوله وما فاتكم فأتموا، وإنما ذكر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم. قال وكذا قال ابن سيرين، عَن أبي هريرة وكذا قال أبو رافع عن أبى هريرة. قلت وقد يكون القضاء بمعنى الاداء للأصل كقوله تعالى ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] وكقوله ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ [البقرة: ٢٠٠] وليس شيء من هذا قضاء لفائت فيحتمل أن يكون قوله وما فاتكم فاقضوا أي أدوه في تمام جمعا بين قوله فأتموا وبين قوله فاقضوا ونفيا للاختلاف بينهما. ومن باب يصلي معهم إذا كان في المسجد قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة أخبرني يعلى عن عطاء

стр. 163

عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ وهو غلام شاب فلما أن صلى إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال ما منعكما أن تصليا معنا قالا قد صلينا في رحالنا قال فلا تفعلوا إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام. لم يصل فليصل معه فإنها نافلة. قوله ترعد فرائصهما هي جمع الفريصة وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب تفترص عند الفزع أي ترتعد. وفى الحديث من الفقه أن من صلى في رحله ثم صادف جماعة يصلون كان عليه أن يصلي معهم أي صلاة كانت من الصلوات الخمس، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبه قال الحسن والزهرى. وقال قوم يعيد إلاّ المغرب والصبح، كذلك قال النخعي وحكي ذلك عن الأوزاعي. وكان مالك والثوري يكرهان أن يعيد صلاة المغرب وكان أبو حنيفة لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب والفجر إذا كان قد صلاهن. قلت وظاهر الحديث حجة على جماعة من منع عن شيء من الصلوات كلها ألا تراه يقول إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه ولم يستثن صلاة دون صلاة. وقال أبو ثور لا يعاد الفجر والعصر إلاّ أن يكون في المسجد وتقام الصلاة فلا يخرج حتى يصليها. وقوله فإنها نافلة يريد الصلاة الآخرة منهما والأولى فرضه. فأما نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصرحتى تغرب فقد تأولوه على وجهين أحدهما أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب.

стр. 164

فأما إذا كان لها سبب مثل أن يصادف قوما يصلون جماعة فإنه يعيدها معهم ليحرز الفضيلة. والوجه الآخر أنه منسوخ وذلك أن حديث يزيد بن جابر متأخر لأن في قصته أنه شهد مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، ثم ذكر الحديث. وفي قوله فإنها نافلة دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب. وفيه دليل على أن صلاته منفردا مجزية مع القدرة على صلاة الجماعة وإن كان ترك الجماعة مكروها. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال قرأت على ابن وهب أخبرني عمروعن بكير أنه سمع عفيف بن عمرو بن المسيب يقول حدثني رجل من أسد بن خزيمة أنه سأل أبا أيوب الأنصاري. قال يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة فأصلي معهم فقال أبو أيوب سألنا عن ذلك النبي ﷺ فقال ذلك له سهم جمع. قوله سهم جمع يريد أنه سهم من الخير جمع له فيه حظان. وفيه وجه آخر قال الأخفش سهم جمع يريد سهم الجيش وسهم الجيش هوالسهم من الغنيمة قال والجمع ههنا الجيش واستدل بقوله تعالى ﴿يوم التقى الجمعان﴾ [آل عمران: ١٦٦] وبقوله ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر: ٤٥] وبقوله ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ [الشعراء: ٦١] . ومن باب إذا صلى ثم أدرك جماعة هل يعيد الصلاة قال أبو داود: حدثنا أبو كامل حدثنا يزيد بن زُريع حدثنا حسين عن عمرو بن شعيب عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 165

لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. قلت هذه صلاة الإيثار والاختيار دون ما كان لها سبب كالرجل يدرك الجماعة وهم يصلون فيصلي معهم ليدرك فضيلة الجماعة توفيقا بين الاخبار ورفعا للاختلاف بينهما. ومن باب من أحق بالإمامة قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة أخبرني إسماعيل بن رجاء سمعت أوس بن ضَمْعج يحدث، عَن أبي مسعود البدري قال قال رسول الله ﷺ : يؤم القومَ اقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلاّ بإذنة. قال شعبة فقلت لإسماعيل ما تكرمته فقال فراشه. قال أبو داود وكذلك قال يحيى القطان عن شعبة وأقدمهم قراءة. قلت هذه الرواية مخرجة من طريق شعبة على ما ذكره أبو داود. والصحيح من هذا رواية سفيان عن إسماعيل بن رجاء حدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن النبي ﷺ قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة. فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة. وإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا. قلت وهذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب وذلك أنه جعل ﷺ ملاك أمرالإمامة القراءة وجعلها مقدمة على سائر الخِصال المذكورة معها. والمعنى في ذلك أنهم

стр. 166

كانوا قوما أُميين لا يقرؤون فمن يعلم منهم شيئا من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم لأنه لا صلاة إلاّ بقراءة وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة وكانت ركناً من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها. ثم تلا القراءة بالسنة وهي الفقه ومعرفة أحكام الصلاة وما سنه رسول الله ﷺ فيها وبينه من أمرها فإن الإمام إذا كان جاهلا بأحكام الصلاة وبما يعرض فيها من سهو ويقع من زيادة ونقصان أفسدها أو أخرجها فكان العالم بها والفقيه فيها مقدَّما على من لم يجمع علمها ولم يعرف أحكامها. ومعرفة السنة وإن كانت مؤخرة في الذكر وكانت القراءة مبدوءاً بذكرها فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن ما يجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفاً عن درجته في علم الفقه ومعرفة السنة. وإنما قدم القارىء في الذكر لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم. وقال أبو مسعود كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يحكم علمها أو يعرف حلالها وحرامها أو كما قال. فأما غيرهم ممن تأخر بهم الزمان فإن أكثرهم يقرأون القرآن ولا يفقهون فقراؤهم كثير والفقهاء منهم قليل. وأما قوله فإن استووا في السنة فأقدمهم هجرة فإن الهجرة قد انقطعت اليوم إلاّ أن فضيلتها موروثة فمن كان من أولاد المهاجرين أو كان في آبائه وأسلافه من له قدم أو سابقة في الإسلام أو كان آباؤه أقدم إسلاما فهو مقدم على من لا يعد لآبائه سابقة أو كانوا قريبي العهد بالإسلام فإذا كانوا متساوين في هذه الخلال الثلاث فأكبرهم سناً مقدم على من هو أصغر سنا منه لفضيلة السن.

стр. 167

ولأنه إذا تقدم أصحابه في السن فقد تقدمهم في الإسلام فصار بمنزلة من تقدمت هجرته، وعلى هذا الترتيب يوجد أقاويل أكثر العلماء في هذا الباب. قال عطاء بن أبي رباح يؤمهم أفقههم فإن كانوا في الفقه سواء فأقرأهم فإن كانوا في الفقه والقراءة سواء فأسنهم. وقال مالك يتقدم القوم أعلمهم فقيل له أقرأهم قال قد يقرأ من لا يرضى، وقال الأوزاعي يؤمهم أفقههم. وقال الشافعي إذا لم تجتمع القراءة والفقه والسن في واحد قدموا أفقههم إذا كان يقرأ من القرآن ما يكتفي به في الصلاة وإن قدموا أقرأهم إذا كان يعلم من الفقه ما يلزمه في الصلاة فحسن. وقال أبو ثور يؤمهم أفقههم إذا كان يقرأ القرآن وإن لم يقرأه كله. وكان سفيان وأحمد بن حنبل وإسحاق يقدمون القراء قولا بظاهر الحديث. وأما قوله ولا يؤم الرجل في بيته معناه أن صاحب المنزل أولى بالإمامة في بيته إذا كان من القراءة والعلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة. وقد روى مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم. وقوله ولا في سلطانه فهذا في الجمعات والأعياد لتعلق هذه الأمور بالسلاطين فأما في الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم بالإمامة فإن جمع السلطان هذه الفضائل كلها فهو أولاهم بالإمامة في كل صلاة. وكان أحمد بن حنبل يرى الصلاة خلف أئمة الجور ولا يراها خلف أهل البدع. وقد يتأول أيضاً قوله ولا في سلطانه على معنى ما يتسلط عليه الرجل من ملكه في بيته أو يكون إمام مسجده في قومه وقبيلته. وتكرمته فراشه وسريره وما يعد لإكرامه من وطاء ونحوه.

стр. 168

قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أيوب عن عمرو بن سلمة قال كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وقال كذا وكنت غلاما حافظا فحفظت من ذلك قرآنا كثيرا فانطلق أبي وافدا إلى النبي ﷺ في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال يؤمكم أقرؤكم. فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين. قوله كنا بحاضر. الحاضر القوم النزول على ما يقيمون به ولا يرحلون عنه. ومعنى الحاضر المحضور فاعل بمعنى مفعول. وقد اختلف الناس في إمامة الصبي غير البالغ إذا عقل الصلاة. فممن أجاز ذلك الحسن وإسحاق بن راهويه. وقال الشافعي يؤم الصبي غير المحتلم إذا عقل الصلاة إلاّ في الجمعة. وكره الصلاة خلف الغلام قبل أن يحتلم عطاء والشعبي ومالك والثوري والأوزاعي. وإليه ذهب أصحاب الرأي. وكان أحمد بن حنبل يضعف أمرعمرو بن سلمة. وقال مرة دعه ليس بشيء بين. وقال الزهري إذا اضطروا إليه أمهم. قلت: وفي جواز صلاة عمرو بن سلمة لقومه دليل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لأن صلاه الصبي نافلة. ومن باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون قال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا عبد الله بن عمر بن غانم عن عبد الرحمن بن زياد عن عمران بن عبد المعافري عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 169

كان يقول: ثلاثةٌ لا تقبل منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون. ورجلٌ أتى الصلاة دِبارا والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته ورجل اعتبد محرره. قلت يشبه أن يكون هذا الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة فيتقحم فيها ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته. فأما إن كان مستحقا للإمامة فاللوم على من كرهه دونه. وشكي رجل إلى علي بن أبي طالب وكان يصلي بقوم وهم له كارهون فقال إنك لخروط يريد أنك متعسف في فعلك ولم يزده على ذلك. وقوله وأتى الصلاة دبارا فهو أن يكون قد اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها. واعتباد المحرر يكون من وجهين أحدهما أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره وهو شر الأمرين. والوجه الآخر أن يستخدمه كرها بعد العتق. ومن باب إمامة من صلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان حدثنا عبيد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتي قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. قلت: فيه من الفقه جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لأن صلاة معاذ مع رسول الله ﷺ هي الفريضة وإذا كان قد صلى فرضه كانت صلاته بقومه نافلة له. وفيه دليل على جواز إعادة صلاة في يوم مرتين إذا كان للإعادة سبب من الأسباب التي تعاد لها الصلوات. واختلف الناس في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. فقال مالك إذا اختلفت نية الإمام والمأموم في شيء من الصلاة لم يعتد المأموم بما صلى معه واستأنف

стр. 170

وكذلك قال الزهري وربيعة. وقال أصحاب الرأي إن كان الإمام متطوعا لم يجزىء من خلفه الفريضة. وإن كان الإمام مفترضا وكان من خلفه متطوعا كانت صلاتهم جائزة وجوزوا صلاة المقيم خلف المسافر. وفرض المسافر عندهم ركعتان. وقال الشافعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل صلاة المفترض خلف المتنفل جائزة وهو قول عطاء وطاوس. وقد زعم بعض من لم ير ذلك جائزاً أن صلاة معاذ مع رسول الله ﷺ نافلة وبقومه فريضة وهذا فاسد إذ لا يجوز على معاذ أن يدرك الفرض وهوأفضل العمل مع أفضل الخلق فيتركه ويضيع حظه منه ويقنع من ذلك بالنفل الذي لا طائل فيه. ويدل على فساد هذا التأويل قول الراوي كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء والعشاء هي صلاة الفريضة وقد قال ﷺ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة فلم يكن معاذ يترك المكتوبة بعد أن شهدها وقد أقيمت وقد أثنى عليه رسول الله ﷺ بالفقه فقال أفقهكم معاذ. ومن باب الإمام يصلي من قعود قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ ركب فرسا فصرع عنه فجُحِش شقهُ الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهوقاعد وصلينا وراءه قعوداً فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائماً فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين. قلت وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر وأبي هريرة وعائشة ولم

стр. 171

يذكر صلاة رسول الله ﷺ آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام وهذا آخر الأمرين من فعله ﷺ . ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أن يذكر الحديث في بابه ويذكر الذي يعارضه في باب آخر على أثره ولم أجده في شيء من النسخ فلست أدري كيف أغفل ذكر هذه القصة وهي من أمهات السنن وإليه ذهب أكثر الفقهاء ونحن نذكره لتحصل فائدتة وتحفظ على الكتاب رسمه وعادته. حدثنا محمد بن الحسن بن سعيد الزعفراني حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا علي بن عاصم أخبرني يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت ثقل رسول الله ﷺ ليلة الإثنين فلما ناداه بلال صلاة الغداة قال قولوا له فليقل لأبي بكر فليصل بالناس قال فرجع إلى أبي بكر فقال له ان رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فتقدم أبو بكر فصلى بالناس وكان أبو بكر إذا صلى لا يرفع رأسه ولا يلتفت فوجد رسول الله ﷺ خفة فخرج يهادي بين رجلين أسامة ورجل آخر فلما رآه الناس تفرجت الصفوف لرسول الله ﷺ فعلم أبو بكر أنه لا يتقدمُ ذلك المتقدم أحد فدفعه رسول الله ﷺ فأقامه في مقامه وجعله عن يمينه وقعد رسول الله ﷺ فكبر بالناس فجعل أبو بكر يكبر بتكبيره وجعل الناس يكبرون بتكبير أبي بكر. قلت وفي إقامة رسول الله ﷺ أبا بكر عن يمينه وهومقام المأموم، وفي تكبيره بالناس وتكبير أبي بكر بتكبيره بيان واضح أن الإمام في هذه الصلاة رسول الله ﷺ وقد صلى قاعداً والناس من خلفه وهي آخر صلاة صلاها

стр. 172

بالناس فدل أن حديث أنس وجابر منسوخ. ويزيد ما قلناه وضوحا ما رواه أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله ﷺ وذكر الحديث قالت فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على يسار أبى بكر وكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائماً يقتدي به والناس يقتدون بأبي بكر. حدثونا به عن يحيى بن محمد بن يحيى حدثنا مسدد حدثنا أبومعاوية. والقياس يشهد لهذا القول لأن الإمام لا يسقط عن القوم شيئا من أركان الصلاة مع القدرة عليه ألا ترى أنه لا يحيل الركوع والسجود إلى الإيماء فكذلك لا يحيل القيام إلى القعود. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي والشافعي وأبو ثور. وقال مالك لا ينبغي لأحد أن يؤم بالناس قاعداً وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونفر من أهل الحديث إلى خبر أنس وأن الإمام إذا صلى قاعداً صلى من خلفه قعودا. وزعم بعض أهل الحديث أن الروايات اختلفت في هذا فروى الأسود عن عائشة أن النبي ﷺ كان إماما وروى سفيان عنها أن الإمام أبو بكر فلم يجز أن يترك له حديث أنس وجابر. ويشبه أن يكون أبو داود إنما ترك ذكره لأجل هذه العلة. وفي الحديث من الفقه أنه تجوز الصلاة بإمامين أحدهما بعد الاخر من غير حدث يحدث بالإمام الأول. وفيه دليل على جواز تقدم بعض صلاة المأموم صلاة الإمام. وقوله فجحش شقه معناه أنه انسحج جلده والجحش كالخدش أو أكثر من ذلك.

стр. 173

ومن باب في الرجلين يؤم أحدهما صاحبه قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس. قال بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله ﷺ فاطلق القِربة فتوضأ ثم أوكى القربة ثم قام إلى الصلاة فقمت فتوضأت كما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني وراءه فأقامني عن يمينه فصليت معه. قلت: فيه أنواع من الفقه منها أن الصلاة بالجماعة في النوافل. ومنها أن الاثنين جماعة. ومنها أن المأموم يقوم عن يمين الإمام إذا كانا اثنين. ومنها جواز العمل اليسير في الصلاة ومنها جواز الإتمام بصلاة من لم ينو الإمامة فيها. ومن باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون قال أبو داود: حدثني القعنبي أراه عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس أن جدته مليكة دعت النبي ﷺ لطعام صنعته فأكل منه ثم قال قوموا فلأصلي لكم. قال أنس فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين. قلت: فيه من الفقه جواز صلاة الجماعة في التطوع وفيه جواز صلاة المنفرد خلف الصف لأن المرأة قامت وحدها من ورائهما. وفيه دليل على أن إمامة المرأة للرجال غير جائزة لأنها لما زحمت عن مساواتهم في مقام الصف كانت من أن تتقدمهم أبعد. وفيه دليل على وجوب ترتيب مواقف المأمومين وأن الأفضل يتقدم على من دونه في الفضل. وكذلك قال ﷺ ليليني ذوو الأحلام والنهى. وعلى هذا

стр. 174

القياس إذا صلى على جماعة من الموتى فيهم رجال ونساء وصبيان وخناثى فإن الأفضل منهم يكون الإمام فيكون الرجل أقربهم منه ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة فإن دفنوا في قبر واحبد كان أفضلهم أقربهم إلى القبلة ثم يليه الذي هو أفضل وتكون المرأة آخرهم إلاّ أنه يكون بينها وبين الرجل حجاب من لبن ونحوه. ومن باب الإمام يحدث بعدما يرفع رأسه قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة. قلت هذا الحديث ضعيف وقد تكلم الناس في بعض نقلته وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذاك بقدر التشهد على ما رووا عن ابن مسعود. ثم لم يقودوا قولهم في ذلك لأنهم قالوا إذا طلعت عليه ااشمس أوكان متيمما فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم فقد فسدت صلاته. وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد أن ذاك لا يفسد صلاته ويتوضأ؛ ومن مذهبهم أن القهقهة لا تنقض الوضوء إلاّ أن تكون في صلاة والأمر في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بين. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم.

стр. 175

قلت: في هذا الحديث بيان أن التسليم ركن الصلاة كما أن التكبير ركن لها وأن التحليل منها إنما يكون بالتسليم دون الحدث والكلام لأنه قد عرفه بالألف واللام وعيَّنه كما عيَّن الطهور وعرفه فكان ذلك منصرفا إلى ما جاءت به الشريعة من الطهارة المعروفة والتعريف بالألف واللام مع الإضافة يوجب التخصيص كقولك فلان مبيته المساجد تريد أنه لا مبيت له يأوي إليه غيرها. وفيه دليل أن افتتاح الصلاة لا يكون إلاّ بالتكبير دون غيره من الأذكار. ومن باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثنا محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن معاوية بن أبى سفيان قال قال رسول الله ﷺ : لا تبادروني بركوع ولا سجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت إني قد بَدُنت. قوله تدركوني إذا رفعت يريد أنه لا يضركم رفع رأس وقد بقي عليكم شيء منه إذا أدركتموني قائماً قبل أن اسجد وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يدعو بكلام فيه طول. وقوله إني قد بدنت يروى على وجهين أحدهما بدنت بتشديد الدال ومعناه كبر السن يقال بدن الرجل تبدينا إذا أسن والآخر بدُنت مضمومة الدال غير مشدودة ومعناه زياده الجسم واحتمال اللحم. وروت عائشة أن رسول الله ﷺ لما طعن في السن احتمل بدنه اللحم. وكل واحد من كبر السن واحتمال اللحم يثقل البدن ويثبط عن الحركة. ومن باب التشديد فيمن يرفع رأسه قبل الإمام أو يضع قبله قال أبو داود: حدثنا حغص بن عمرحدثنا شعبة عن محمد بن زياد، عَن أبي

стр. 176

هريرة قال قال رسول الله ﷺ : أما يخشى أو لا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار. قلت واختلف الناس فيمن فعل ذلك فروي عن ابن عمر أنه قال لا صلاة لمن فعل ذلك. وأما عامة أهل العلم فإنهم قالو قد أساء وصلاته مجزية غير أن أكثرهم يأمرونه بأن يعود إلى السجود، وقال بعضهم يمكث في سجوده بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك منه. ومن باب جماع أبواب ما يصلى فيه قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن المسيب، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال أو لكلكم ثوبان. قوله أولكلكم ثوبان لفظه لفظ استفهام ومعناه الإخبار عما كان يعلم من حالهم من العدم وضيق الثياب يقول فإذا كنتم بهذه الصفة وليس لكل واحد منكم ثوبان والصلاة واجبة عليكم فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبه منه شيء. يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حقويه ولكن يتزر به ويرفع طرفيه فيخالف بينهما ويشده على عاتقه فيكون بمنزلة الإزار والرداء.

стр. 177

وهذا إذا كان الثوب واسعا فإذا كان ضيقا شده على حقويه؛ وقد جاء ذلك في حديث جابر الذي نذكره في الباب الذي يلي هذا الباب. ومن باب في الثوب إذا كان ضيقا قال أبو داود: حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ويحيى بن الفضل السجستاني وهذا لفظ يحيى قالوا: حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حزرة عن عبادة بن الوليد بن عبادة قال أتينا جابر بن عبد الله قال سرت مع رسول الله ﷺ في غزاة فقام يصلي وكانت عليّ بردة فذهبت أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لى وكانت لها ذباذب فنكستها ثم خالفت بين طرفيها ثم تواقصت عليها لا تسقط وذكر صلاته مع رسول الله ﷺ قال فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: يا جابر إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك. ذباذب الثوب أهدابه وسمي ذباذب لتذبذبها. وقوله تواقصت عليها معناه أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن إلاّ ثوب فليتزر ولا يشتمل اشتمال اليهود. قلت اشتمال اليهود المنهي عنه هو أن يجلل بدنه الثوب ويسبله من غيرأن يشيل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث فهو أن يجلل بدنه الثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، هكذا يفسر في الحديث.

стр. 178

ومن باب السدل في الصلاة قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء وإبراهيم بن موسى عن ابن المبارك عن الحسن بن ذكوان عن سليمان الأحول عن عطاء قال إبراهيم، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه. السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، وقد رخص بعض العلماء في السدل في الصلاة. روي ذلك عن عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين. وقال مالك لا بأس به ويشبه أن يكونوا إنما فرقوا بين إجازة السدل في الصلاة وبينه في غير الصلاة لأن المصلي ثابت في مكانه لا يمشي في الثوب الذي عليه. فأما غير المصلي فإنه يمشي فيه ويسدل وذلك من الخيلاء المنهي عنه وكان سفيان الثوري يكره السدل في الصلاه وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وفي غير الصلاة. وقوله وأن يغطي الرجل فاه فإن من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه فنهوا عن ذلك في الصلاة إلاّ أن يعرض للمصلي التثاؤب فيغطي فمه عند ذلك للحديث الذي جاء فيه. ومن باب في كم تصلي المرأة قال أبو داود: حدثنا مجاهد بن موسى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، يَعني ابن دينار عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليهما إزار. فقال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها. قلت واختلف الناس فيما يجب على المرأة الحرة أن تغطي من بدنها إذا صلت

стр. 179

فقال الأوزاعي والشافعي تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها وكفيها. وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وقال أحمد المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها وقال مالك بن أنس إذا صلت المرأة وقد انكشف شعرها أو صدور قدميها تعيد ما دامت في الوقت. وقال أصحاب الرأي في المرأة تصلي وربع شعرها أوثلثه مكشوف، أو ربع فخذها أو ثلثه مكشوف، أو ربع بطنها أو ثلثه مكشوف فإن صلاتها تنتقض، وإن انكشف أقل من ذلك لم تنتقض وبينهم اختلاف في تحديده. ومنهم من قال بالنصف ولا أعلم لشيء مما ذهبوا إليه في التحديد أصلا يعتمد. وفي الخبر دليل على صحة قول من لم يجز صلاتها إذا انكشف من بدنها شيء ألا تراه يقول إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها فجعل من شرط جواز صلاتها أن لا يظهر من أعضائها شىء. ومن باب تصلي المرأة بغير خمار قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد عن قتادة عن محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: لا تقبل صلاة حائض إلاّ بخمار. قلت يريد بالحائض المرأة التي قد بلغت سن المحيض ولم يرد به المرأة التي هي في أيام حيضها فإن الحائض لا تصلي بوجه. ومن باب الرجل يصلي عاقصا شعره قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج حدثنا

стр. 180

عمران بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد المقبري يحدث عن أبيه أنه رأى أبا رافع مولى النبي ﷺ مرَّ بالحسن بن علي وهو يصلي قائماً وقد غرز ضفره في قفاه فحمله أبو رافع فالتفت حسن إليه مغضبا. فقال أبو رافع اقبل على صلاتك ولا تغضب فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذلك كفل الشيطان، يَعني مقعد الشيطان، يَعني مغرز ضفره. يريد بالضفر المضفور من شعره وأصل الضفر الفتل والضفائر هي العقائص المضفورة. وأما الكفل فأصله أن يجمع الكساء على سنام البعير ثم يركب قال الشاعر: وراكب على البعير مكتفل ... يحفى على آثارها وينتعل وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحب من الأرض فيسجد معه. وقد روي أمرت أن أسجد على سبعة آراب وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً. ومن باب الصلاة في النعل قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد، عَن أبي نعامة السعدي، عَن أبي نضرة، عَن أبي سعيد الخدري. قال بينا رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره. فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم، قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا. قلت: فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه.
следующие страницы →