← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

واختلفوا في الفقراء منهم يؤخذ منهم أم لا فقال أصحاب الرأي لا يؤخذ من الفقير الذي لا كسب له، واختلف فيه قول الشافعي فأحد قوليه أنه لا شيء عليه وأوجبها في القول الثاني لأنه يجعلها بمنزلة كراء الدار وأجرة السكنى والدار للمسلمين لا لهم والكراء يلزم الفقير والغني. وقوله أوعدله أي ما يعادل قيمته من الثياب قال الفراء يقال هذا عدل الشيء بكسر العين أي مثله في الصورة وهذا عدله بفتح العين إذا كان مثله في القيمة. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عَوانة عن هلال بن خباب عن ميسرة أبي صالح عن سويد بن غفلة قال سرت أو أخبرني من سار مع مصدق النبي ﷺ فإذا في عهد رسول الله ﷺ أن لا تأخذ من راضع لبن قال وكان يأتي المياه حين ترد الغنم فيقول أدوا صدقات أموالكم قال فعمد رجل منهم إلى ناقة كَوماء قال وهي عظيمة السنام فأبى أن يقبلها قال فخطم له أخرى دونها وذكر الحديث. قوله لا تأخذ من راضع الراضع ذات الدر فنهيه عنها يحتمل وجهين: أحدهما أن لا يأخذ المصدق عن الواجب في الصدقة لأنها خيار المال ويأخذ دونها وتقديره لا تأخذ راضع لبن ومن زيادة وصلة في الكلام كما تقول لا تأكل من حرام ولا تنفق من سحت أي لا تأكل حراماً. والوجه الاخر أن يكون عند الرجل الشاة الواحدة أو اللقحة قد اتخذها للدر فلا يؤخذ منها شيء وقد جاء في بعض الحديث لا تُعَدُّ فاردتكم. والكوماء هي التي ارتفع سنامها فكان كالكومة فوقها يقال كومت كومة من التراب إذا جمعت بعضه فوق بعض حتى ارتفع وعلا قال أبو النجم يصف الإبل:

стр. 352

الحمد لله الوهوب المجزل ... كُومَ الذُّرى من خَوَل المخوَّل وقوله فخطم له أخرى أي قادها إليه بخطامها والإبل إذا أرسلت في مسارحها لم يكن عليها خُطُم وإنما تخطم إذا أريد قودها. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا وكيع عن زكريا بن إسحاق المكي عن عمرو بن أبي سفيان الجمحي عن مسلم بن ثَفنة اليشكري عن سعد بن دَيْسم قال كنت في غنم لي فجاءني رجلان على بعير فقالا إنا رسولا رسول الله ﷺ إليك لتؤدي صدقة غنمك فقلت وما علي فيها فقالا شاة فعمدت إلى شاة قد عرفتها وعرفت مكانها ممتلئة مخضا وشحما فأخرجتها إليهما فقالا هذه شاة الشافع وقد نهانا رسول الله ﷺ أن نأخذ شاة شافعا قلت فأي شيء تأخذان قالا عناقا أو جذعة أو ثنية قال فعمدت إلى عناق معتاط والمعتاط التي لم تلد وقد حان ولادها فأخرجتها إليهما فجعلاها على بعيرهما ثم انطلقا. المخض اللبن والشافع الحامل وسميت شافعا لأن ولدها قد شفعها فصارا زوجاً والمعتاط من الغنم هي التي قد امتنعت عن الحمل لسمنها وكثرة شحمها، يقال اعتاطت الشاة وشاة معتاط ويقال ناقة عائط ونوق عيط. قلت وهذا يدل على أن غنمه كانت ماعزة ولوكانت ضائنة لم يجزه العناق ولا يكون العناق إلاّ الأنثى من المعز. وقال مالك: الجذع يؤخذ من الماعز والضأن. وقال الشافعي يؤخذ من الضأن ولا يؤخذ من المعز إلاّ الثني. وقال أبو حنيفة لا يؤخذ الجذعه من الماعز ولا من الضأن. قال أبو داود: قرأت في كتاب عبد الله بن سالم الحمصي عند آل عمرو بن

стр. 353

الحارث الحمصي عن الزبيدي قال: وأخبرني يحيى بن جابر عن جبير بن نفير عن عبد الله بن معاوية الغاضري من غاضرة قيس قال: قال النبي ﷺ ثلاث من فعلهن فقد طعِم طُعم الإيمان من عبد الله وحده وأنه لا إلّه إلاّ الله وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولم يعط الهرمة ولا الدرنه ولا المريضة ولا الشُرَط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره. قوله رافدة عليه أي معينة وأصل الرفد الإعانة والرفد المعونة والدرنة الجرباء وأصل الدرن الوسخ والشرط رذالة المال قال الشاعر: وفي شُرط المِعزى لهن مُهور قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا زكريا بن إسحاق المكي عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عَن أبي معبد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إلّه إلاّ الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب. قلت في هذا الحديث مستدل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشرائع الدين وإنما خوطبوا بالشهادة فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات لأنه ﷺ قد أوجبها مرتبة وقدم فيها الشهادة ثم تلاها بالصلاة والزكاة.

стр. 354

وفيه دليل على أنه لا يجوز دفع شيء من صدقات أموال المسلمين إلى غير أهل دينهم، وهو قول عامة الفقهاء. وفيه دليل على أن سنة الصدقة أن تدفع إلى جيرانها وأن لا تنقل من بلد إلى بلد. وكره أكثر الفقهاء نقل الصدقة من البلد الذي به المال إلى بلد آخر إلاّ أنهم مع الكراهة له قالوا إن فعل ذلك أجزأه، إلاّ عمر بن عبد العزيز فإنه يروى عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان. وفيه مستدل لمن ذهب إلى إسقاط الزكاة عمن في يده مائتا درهم وعليه من الدين مثلها لأن له أخذ الصدقة وذلك من حكم الفقراء. وقد قسم النبي ﷺ الناس قسمين: آخذاً ومأخوذا منه فإذا جعلناه معطى مأخوذاً منه كان خارجا عن هذا التقسيم. ولكن قد جوز أبوحنيفة أن يأخذ من عشر الأرض من يعطي العشر وذلك أن العشر في القليل والكثير عنده واجب. وقد يستدل بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب الزكاة في مال الأيتام وذلك أنه لما كان معدوداً من جملة الفقراء الذين تقسم فيهم الزكاة كان معدودا في جملة الأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة إذ كان آخر الكلام معطوفا على أوله. وقد اختلف الناس في ذلك فأوجبها في ماله مالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلى وابن عمر وجابر وعائشة، وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وابن سيرين. وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى عليه الزكاة ولكن يحصيها الولي فإذا بلغ الطفل أعلمه ليزكي عن نفسه. وقال أصحاب الرأي لا زكاة عليه في ماله إلاّ فيما أخرجت أرضه ويلزمه زكاة الفطر.

стр. 355

قال أبو داود: حدثنا مهدي بن حفص ومحمد بن عبيد المعنى قالا: حَدَّثنا حماد عن أيوب عن رجل يقال له ديسم عن بشير بن الخصاصية قال قلنا إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا فقال لا. قلت: يشبه أن يكون نهاهم عن ذلك من أجل أن للمصدق أن يستحلف رب المال إذا اتهمه فلو كتموه شيئاً منها واتهمهم المصدق لم يجز لهم أن يحلفوا على ذلك فقيل لهم احتملوا لهم الضيم ولا تكذبوهم ولا تكتموهم المال. وقد روي أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك. وفي هذا تحريض على طاعة السلطان وإن كان ظالماً وتوكيد لقول من ذهب إلى أن الصدقات الظاهرة لا يجوز أن يتولاها المرء بنفسه لكن يخرجها إلى السلطان. قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري وأبو الوليد الطيالسي المعنى قالا: حَدَّثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن أبي أوفى قال كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل على آل فلان قال فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبى أوفى. قلت: الصلاة في هذا الموضع معناه الدعاء والتبرك وهو تأويل قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] ومن هذا قول الأعشى: وقابلها الريح في دنِّها ... وصلى على دَنِّها وارتسم قال أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد ودعا لها بأن لا تحْمُض ولا تفسد. وفيه دليل على أن الصلاة التي هي بمعنى الدعاء والتبريك يجوز أن يصلى على غير النبي ﷺ .

стр. 356

فأما الصلاة التي هي تحية لذكر رسول الله ﷺ فإنها بمعنى التعظيم والتكريم وهي خصيصا له لا يشركه فيها إلاآلُهُ، وإنما يستحق المزكي الصلاة والدعاء إذا أعطى الصدقة طوعا ولا يستحقها من استخرجت منه الصدقة كرها وقهراً. قال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم ومحمد بن المثنى قالا: حَدَّثنا بشر بن عمر، عَن أبي الغُصن عن صخر بن إسحاق عن عبد الرحمن بن جابر بن عتيك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: سيأتيكم رُكَيب مبغضون فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم. قوله ركيب تصغير ركب وهو جمع راكب كما قيل صحب في جمع صاحب وتجر في جمع تاجر، وإنما عنى به السعاة إذا أقبلوا يطلبون صدقات الأموال فجعلهم مبَغَّضين لأن الغالب في نفوس أرباب الأموال بغضهم والتكره لهم لما جبلت عليه القلوب من حب المال وشدة حلاوته في الصدر إلاّ من عصمه الله ممن أخلص النية واحتسب فيها الأجر والمثوبة. وفيه من العلم أن السلطان الظالم لا يغالب باليد ولا ينازع بالسلاح. ومن باب أين تُصَدق الأموال قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن أبي عدي عن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا تؤخذ صدقاتهم إلاّ في دورهم. قلت الجلب يفسر تفسيرين يقال أنه في رهان الخيل وهو أن يجلب عليها عند الركض، ويقال هو في الماشية. يقول لا ينبغي للمصدق أن يقيم بموضع

стр. 357

ثم يرسل إلى أهل المياه فيجلبوا إليه مواشيهم فيصدقها ولكن ليأتهم على مياههم حتى يصدقهم هناك. وأما الجنب فتفسيره أيضاً على وجهين: أحدهما أن يكون في الصدقة وهو أن أصحاب الأموال لا يجنبون على مواضعهم أي لا يبعدون عنها حتى يحتاج المصدق إلى أن يتبعهم ويمعن في طلبهم. وقيل إن الجنب في الرهان وهو أن يركب فرسا فيركضه وقد أجنب معه فرسا آخر فإذا قارب الغاية ركبه وهو جام فيسبق صاحبه. ومن باب صدقة الزرع قال أبو داود: حدثنا هارون بن سعيد بن الهيثم الأيلي حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر. قال أبو داود البعل ماشرب بعروقه ولم يتعن في سقيه، وكذلك قال أبو عبيد والسواني جمع السانية وهي البعير الذى يسنى عليه أي يستقى. والنضح مثله وهو السقي بالرشاء وهذا مما تقدم بيانه وأن النبي ﷺ جعل الصدقة ما خفت مؤنته وكثرت منفعته على التضعيف توسعة على الفقراء وجعل ما كثرت مؤنته على التنصيف رفقا بأرباب الأموال. قلت وأن الزرع الذي يسقى بالقنى فالقياس على هذا أن ينظر فإن كان لا مؤنة فيها أكثر من مؤنة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات فسبيلها سبيل

стр. 358

النهر والسيح في وجوب العشر فيها وإن كان تكثر مؤنتها بأن لا تزال تتداعى وتنهار ويكثر نضوب مائها فيحتاج إلى استحداث حفر فسبيلها سبيل ماء الآبار التي تنزح منها بالسواني والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا ابن وهب عن سليمان، يَعني ابن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن فقال خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر. قلت فيه من الفقه أن الزكاة إنما تخرج من أعيان الأموال وأجناسها ولا يجوز صرف الواجب منها إلى القِيَم. وفيه دليل على أن من وجبت عليه شاة في خمس من الإبل فأعطى بعيراً منها فإنه يقبل منه. وقال داود لا يقبل منه ذلك ويكلف الشاة لأنه خلاف المفروض عليه وحكي ذلك عن مالك أيضاً. قلت الأصل أن الواجب عليه في كل جنس من أجناس الأموال جزء منه إلاّ أن الضرورة دعت في هذا إلى العدول عن الأصل إلى غيره وذلك لأمرين أحدهما أن الزكاة أمرها مبني على أخذ القليل من الكثير فلو كان البعير مأخوذا من الخمس لكان خمس المال مأخوذا وهو كثير وفي ذلك إجحاف بأرباب الأموال، والمعنى الآخر أنه لو جعل فيها جزء من البعير لأدى ذلك إلى سوء المشاركة باختلاف الأيدي على الشخص الواحد فعدل عنه إلى الشاة إرفاقا للمعطي والآخذ والله أعلم، فإذا أعطى رب المال بعيرا منها فقد تبرع بالزيادة على الواجب وكان عليه مأجورا إن شاء الله.

стр. 359

ومن باب زكاة العسل قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني حدثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء هلال أحد بني مُتعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وسأله أن يحمي واديا يقال له سَلَبة فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأل عن ذلك فكتب عمر إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء. قلت في هذا دليل على أن الصدقة غير واجبة في العسل وأن النبي ﷺ إنما أخذ العشر من هلال المُتعي إذ كان قد جاء بها متطوعا وحمى له الوادي إرفاقا ومعونة له بدل ما أخذ منه وعقل عمر بن الخطاب المعنى في ذلك فكتب إلى عامله يأمره بأن يحمي له الوادي إن أدى إليه العشر وإلا فلا ولو كان سبيله سبيل الصدقات الواجبة في الأموال لم يخيره في ذلك وكيف يجوز عليه ذلك مع قتاله في كافة الصحابة مع أبي بكر ما نعي الزكاة. وممن لم ير فيه الصدقة مالك وابن أبي ليلى والثوري والشافعي وأبو ثور. وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وأوجبها مكحول والزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في العسل العشر. وقوله حمى له الوادي، معناه أن النحل إنما ترعى من البقل والنبات أنوارها وما رخُص ونعُم منها فإذا حميت مراعيها أقامت فيها وأقبلت تعسِل في الخلايا كثرت منافع أصحابها وإذا شوركت في تلك المراعي نفرت عن تلك المواضع

стр. 360

وأمعنت في طلب المرعى فيكون ريعها حينئذٍ أقل. وقد يحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يكون ذلك بأن يحمى لهم الوادي الذي يُعسَّل فيه فلا يترك أحد أن يتعرض للعسل فيشتاره وذلك أن سبيل العسل سبيل المياه والمعادن والصيود وليس لأحد عليها ملك وإنما تملك باليد لمن سبق إليها فإذا حمى له الوادي ومنع الناس منه حتى يجتازه هؤلاء القوم وجب عليهم بحق الحماية إخراج العشر منه، ويدل على صحة هذا التأويل قوله فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء. ومعنى هذا الكلام أن النحل إنما تتبع مواقع الغيث وحيث يكثر المرعى وذلك شأن الذطب لأنها تألف الغياض والمكان المعشب. ومن باب الخرص قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن مسعود عن سهل بن أبي حَثْمة قال: أمرنا رسول الله ﷺ قال إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع. قال أبو داود الخارص يدع الثلث للخُرْفة وكذا قال يحيى بن القطان. قلت في هذا الحديث إثبات الخرص والعمل به وهو قول عامة أهل العلم إلاّ ما روي عن الشعبي أنه قال الخرص بدعة وأنكر أصحاب الرأي الخرص. وقال بعضهم إنما كان ذلك الخرص تخويفاً للأكَرَة لئلا يخونوا فأما أن يلزم به حكم فلا وذلك أنه ظن وتخمين وفيه غرر وإنما كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار. قلت العمل بالخرص ثابت وتحريم الربا والقمار والميسر متقدم، وبقي الخرص يعمل به رسول الله ﷺ طول عمره وعمل به أبو بكر وعمر رضى الله عنهما في

стр. 361

زمانهما وعامة الصحابة على تجويزه والعمل به لم يذكر عن أحد منهم فيه خلاف. فأما قولهم أنه ظن وتخمين فليس كذلك بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازين وإن كان بعضها أحصر من بعض وإنما هذا كإباحته الحكم بالاجتهاد عند عدم النص مع كونه معرضا للخطأ. وفي معناه تقويم المتعلقات من طريق الاجتهاد. وباب الحكم بالظاهر باب واسع لا ينكره عالم. قلت: وقد ذهب بعض العلماء في تأويل قوله دعوا الثلث أو الربع إلى أنه متروك لهم من عرض المال توسعة عليهم فلو أخذوا باستيفاء الحق كله لأضر ذلك بهم. وقد يكون منها السقاطة وينتابها الطير ويخترفها الناس للأكل فترك لهم الربع توسعة عليهم وكان عمر بن الخطاب يأمر الخراص بذلك. ويقول عمر قال أحمد وإسحاق. وذهب غير هؤلاء إلى أنه لا يترك لهم شيئا شائعا في جملة النخل بل يفرد لهم نخلات معدودة قد علم مقدار ثمرها بالخرص. ومن باب خرص العنب قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن السري الناقط حدثنا بشر بن منصور عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسِيد قال أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما يؤخذ صدقة النخل تمرا. قلت إنما يخرص من الثمر ما يحيط به البصر بارزا لا يحول دونه حائل ولا يخفى موضعه في خلال ورق المثنجر والعنب في هذا المعنى كثمر النخل. فأما سائر الثمار فإنها لا يجري فيها الخرص لأن هذا المعنى فيها معدوم.

стр. 362

وفائدة الخرص ومعناه أن الفقراء شركاء أرباب الأموال في الثمر فلو منع أرباب المال من حقوقهم ومن الانتفاع بها إلى أن تبلغ الثمرة غاية جفافها لأضر ذلك بهم ولو انبسطت أيديهم فيها لأخل ذلك بحصة الفقراء منها إذ ليس مع كل أحد من التقية ما تقع به الوثيقة في أداء الأمانه فوضعت الشريعة هذا العيار ليتوصل به أرباب الأموال إلى الانتفاع ويحفظ على المساكين حقوقهم. وإنما يفعل ذلك عند أول وقت بدو صلاحها قبل أن يؤكل ويستهلك ليعلم حصة الصدقة منها فيخرج بعد الجفاف بقدرها تمرا وزبيبا. وفيه دليل على صحة القسمة في الثمار بين الشركاء بالخرص لأنه إذا صح أن يكون عيارا في إفراز حصة الفقراء من حصة أرباب الأموال كان كذلك عيارا في إفراز حصص الشركاء. قلت ولم يختلف أحد من العلماء في وجوب الصدقة في التمر والزبيب. واختلفوا في وجوب الصدقة في الزيتون، فقال ابن أبي ليلى لازكاة فيه لأنه أُدْم غير مأكول بنفسه وهو آخر قولي الشافعي. وأوجبها أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي والثوري إلاّ أنهم اختلفوا في كيفية ما يؤخذ من الواجب فيه فقال أصحاب الرأي يؤخذ من ثمرته العشر أو نصف العشر. وقال الأوزاعي يؤخذ العشر منه بعد أن يعصر زيتا صافياً. وأما الحبوب فقد اختلف العلماء فيها فقال أصحاب الرأي تجب الصدقة في الحبوب ما كان مقتاتاً منها أو غير مقتات. وقال الشافعي كل ما جمع من الحبوب أن يزرعه الآدميون وييبس ويدخر ويقتات ففيه الصدقة. فأما ما يتفكه به أوما يؤتدم به أو يتداوى به فلا شيء فيه.

стр. 363

ومن باب زكاة الفطر قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قالا: حَدَّثنا مروان هو ابن محمد قال عبد الله حدثنا أبو يزيد الخولاني وكان شيخ صدق وكان ابن وهب يروي عنه حدثنا سيار بن عبد الرحمن هو الصدفي عن عكرمة عن ابن عباس قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. قوله فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر فيه بيان أن صدقة الفطر فرض واجب كافتراض الزكوات الواجبة في الأموال. وفيه أن ما فرض رسول الله ﷺ فهو كما فرضه الله تعالى في كتابه لأن طاعته صادرة عن طاعته. وقد قال بفرضية زكاة الفطر ووجوبها عامة أهل العلم غير أن بعضهم تعلق فيها بخبر مروي عن قيس بن سعد أنه قال أمرنا بها رسول الله ﷺ قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا بها ولم ينهنا فنحن نفعله. قلت وهذا لا يدل على زوال وجوبها وذلك أن الزيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه غير أن محل ساتر الزكوات الأموال ومحل زكاة الفطر الرقاب. وقد عللت بأنها طهرة للصائم من الرفث واللغو فهي واجبة على كل صائم غني ذي جدة ويسر أو فقير يجدها فضلا عن قوته إذ كان وجوبها عليه بعلة التطهير وكل من الصائمين محتاجون إليها، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب.

стр. 364

ويشبه أن يكون إنما ذهب من رأى إسقاطها عن الأطفال إلى هذا لأنهم إذا كانوا لا يلزمهم الصيام فلا يلزمهم طهرة الصيام. فأما أكثر أهل العلم فقد أوجبوها على الأطفال إيجابها على البالغين. وأما وقت إخراجها فالسنة أن تخرج قبل الصلاة، وهو قول عامة أهل العلم وقد رخص ابن سيرين والنخعي في إخراجها بعد يوم الفطر. وقال أحمد أرجو أن لا يكون بذلك بأس. وقال بعض أهل العلم تأخير إخراجها عن وقتها من يوم الفطر كتأخير إخراج زكاة الأموال عن ميقاتها فمن أخرها كان آثما إلاّ من عذر. ومن باب كم يؤدى في صدقة الفطر قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين. قال أبو داود: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا محمد بن جَهضم حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر بمعناه وزادوا الصغير والكبير. قلت فيه من الفقه أن وجوب زكاة الفطر وجوب فرض لا وجوب استحباب وفيه بيان أنها واجبة على الصغير والكبير. وفيه دليل على أنها واجبة على من ملك مائتي درهم أو لم يملكها. وقد اختلف أهل العلم في ذلك فقال أصحاب الرأي من حلت له الصدقة فلا تجب عليه صدقة الفطر والحد في ذلك عندهم ملك المائتين.

стр. 365

وقال مالك بن أنس صدقة الفطر على الغني والفقير؛ وهو قول الشعبي وابن سيرين وعطاء والزهري. وقال الشافعي إذا فضل عن قوت المرء وقوت أهله مقدار ما يؤدي عن زكاة الفطر وجبت عليه، وكذلك قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل. واختلفوا في وجوبها على الصغير الطفل فقال أكثر الفقهاء هي واجبة على الصغير وجوبها على الكبير. وقال محمد بن الحسن لا تجب صدقة الفطر في مال الصغير يتيما أو غير يتيم. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال صدقة الفطر إنما هي على من أطاق الصوم. وقوله على كل حر أو عبد ظاهره إلزام العبد نفسه إلاّ أنه لا ملك له فيلزم السيد إخراجه عنه. وقال داود هولازم للعبد وعلى سيده أن يمكنه من الكسب حتى يكسب فيؤديه. وفيه دليل على أنه يزكي عن عبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للخدمة لأن عموم اللفظ يشملهم كلهم. وفي دلالته وجوبها على الصغير منهم والكبير والحاضر والغائب، وكذلك الآبق منهم والمرهون والمغصوب وفي عبيد عبيده وفي كل من أضيف إلى ملكه. وفيه دليل على أنه لا يزكي عن عبيده الكفار لقول من المسلمين فقيده بشرط الإسلام فدل أن عبده الذمي لا يلزمه وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وروي ذلك عن الحسن البصري. وقال الثوري وأصحاب الرأي يؤدي عن العبد الذمي وهو قول عطاء والنخعي.

стр. 366

وفيه دليل على أن إخراج أقل من صاع لا يجوز وذلك أنه ذكر في الخبر التمر والشعير وهما قوت أهل ذلك الزمان في ذلك المكان فقياس ما تقتاتونه من البر وغيره من الأقوات أنه لا يجزي منه أقل من صاع. وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق لا يجزيه من البر أقل من صاع، وروي ذلك عن الحسن وجابر بن زيد. وقال أصحاب الرأي والثوري يجزيه نصف صاع من بر، فأما سائر الحبوب فلا يجزيه أقل من صاع غير أن أبا حنيفة قال يجزيه من الزبيب نصف صاع كالقمح. وروى جماعة من الصحابة إخراج نصف صاع من البر. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا داود بن قيس عن عياض بن عبد الله، عَن أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا أومعتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مُدَّين من سَمْراء الشام يعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه أبدا ما عشت. قال أبو داود ورواه بعضهم عن ابن عُلية عن ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام عن عياض، عَن أبي سعيد وقال أو صاعا من حنطة وليس بمحفوظ. قلت قوله صاعا من طعام زعم بعض أهل العلم أن الطعام عندهم اسم خاص للبر قال ويدل على صحة ما تأولناه من ذلك أنه قد ذكر في الخبر الأقط والشعير

стр. 367

والتمر والزبيب وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو ولم يذكر الحنطة وكانت أغلاها وأفضلها كلها فلولا أنه أرادها بقوله صاعا من طعام لكان يجزي ذكرها عند التفصيل كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات. وزعم غيره أن هذا جملة قد فصلت والتفصيل لا يخالف الجملة، وإنما قال في أول الحديث صاعا من طعام ثم فصله فقال صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو كذا أو كذا واسم الطعام شامل لجميع ذلك. وإنما كان يجوز ما قاله من تأول الطعام على البر خاصة لو كان قال صاعا من طعام أو صاعا من كذا بحرف أو الفاصلة بين الشيئين ثم نسق عليه ما بعده شيثا شيئا. قلت قد رواه غير أبي داود بحرف أو الفاصلة من أول الحديث إلى آخره حدثنا الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا أنس بن عياض عن داود بن قيس سمع عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح يقول إن أبا سعيد الخدري قال كنا نخرج في زمان رسول الله ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من زبيب أو صاعا من اقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر وذكر الحديث. قلت إن صح عن النبي ﷺ أنه أمر أن يخرج صاع من قمح فأخرج عنه نصف صاع على سبيل البدل على ما رواه معاوية فإنه لا يجزىء لما فيه من الربا لأن حقيقته بيع صاع قمح بنصف صاع منه، ولكنه إذا خرج نصف صاع منه جزا عن نصف الحق وعليه أن يخرج النصف الاخر. وفي الحديث دليل على أن إخراج القيمة لا يجوز وذلك لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم فدل أن المراد بها الأعيان لا قيمتها. وفيه دليل على أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ونحوهما لأن هذه الحبوب

стр. 368

كلها أموال كاملة المنفعة لم يذهب من منافعها شيء، وهذا المعنى غير موجود في الدقيق والسويق ونحوهما. قال أبو داود: حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: حَدَّثنا حماد بن زيد عن النعمان بن راشد عن الزهري عن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : صاع من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه. قلت في هذا حجة لمذهب من أجاز نصف الصاع من البر. وفيه دليل على أنها واجبة على الطفل كوجوبها على البالغ. وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه، ألا تراه يقول وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره. وفي قوله ذكر أو أنثى دليل لمن أسقط صدقة الزوجة عن الزوج لأنه في الظاهر إيجاب على المرأة فلا يزول الفرض عنها إلاّ بدليل، وهو مذهب أصحاب الرأي وسفيان الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يخرج الزوج عن زوجته لأنه يمونها. وقد يروى فيه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: عمن تمونون. قلت إن صح قوله عمن تمونون وإلا فلا يلزمه ذلك عن زوجته ولوكان لها عبيد كان عليها إخراج الصدقة عنهم فلأن يلزمها إخراجها عن نفسها أولى. وم باب تعجيل الزكاة قال أبو داود: حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا شبابة عن ورقاء، عَن

стр. 369

أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب على الصدقة فمنع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلاّ أن كان فقيرا فأغناه الله. وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا فقد احبس أدراعه وعتاده في سبيل الله. وأما العباس عم رسول الله ﷺ فهي علىَّ ومثلها ثم قال أما شعرت أن عم الرجل صنو الأب أو صنو أبيه. قوله ما ينقم ابن جميل إلاّ أن كان فقيرا فأغناه الله فيه دليل على أن مانع الصدقة إذا لم يكن ممتنعا بقتال وقوة وسلاح فإنها تستخرج منه ولا يعاقب عليه. وإنما كان قتال أبي بكر مانعي الزكاة لأنهم امتنعوا من أدائها واعترضوا دونها بالسلاح. وقوله إن خالداً أحبس أدراعه وعتاده في سبيل الله فإن العتاد كل ما أعده الرجل من سلاح أو مركوب وآلة للجهاد يقال اعتدت الشيء إذا هيأته، ومن هذا سميت عتيدة العطر والزينة، وتأويل هذا الكلام على وجهين أحدهما أنه إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد على أنها كانت عنده للتجارة فأخبر النبي ﷺ أنه لا زكاة عليه فيها إذ قتد جعلها حبسا في سبيل الله. وفيه دليل على وجوب الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة وهو كالإجماع من أهل العلم. وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها وهومسبوق بالإجماع. وفي الحديث دليل على جواز إحباس آلات الحروب من الدروع والسيوف والحجف. وقد يدخل فيها الخيل والإبل لأنها كلها عتاد للجهاد. وعلى قياس ذلك

стр. 370

الثياب والبسط والفرش ونحوها من الأشياء التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها. وفيه دليل على أن الوقف والحبس قد يصح من غير إخراج من يد الواقف والمحبس وذلك أن الشيء لو لم يكن في يده لم يكن لمطالبته بالزكاة عنه معنى. والوجه الآخر أن يكون معناه أنه قد اعتذر لخالد ودافع عنه يقول إذا كان قد احبس أدراعه وعتاده في سبيل الله تبرراً وتقرباً إليه سبحانه وذلك غير واجب عليه فكيف يجوز عليه منع الصدقة الواجبة عليه. وقوله في صدقة العباس هي عليَّ ومثلها فإنه يتأول على وجهين أحدهما أنه كان قتد تسلف منه صدقة سنتين فصارت ديناً عليه. وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها وقد اختلف العلماء في ذلك فأجاز كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها، وذهب إليه الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي والشافعي، وكان مالك بن أنس لا يرى تعجيلها عن وقت محلها. وروي عن الحسن البصري أنه قال إن للصلاة وقتا وللزكاة وقتا فمن صلى قبل الوقت أعاد، ومن زكى قبل الوقت أعاد. قلت: قول الحسن البصري ظاهر والمعنى بخلافه لأن الأجل إذا دخل في الشيء رفقاً بالإنسان فإن له أن يسوس من حقه ويترك الارتفاق به كمن عجل حقا مؤجلا لآدمي وكمن أدى زكاة مال غائب عنه وإن كان على غير يقين من وجوبها عليه لأن من الجائز أن يكون ذلك المال تالفا في ذلك الوقت. والوجه الآخر هو أن يكون قد قبض ﷺ منه صدقة ذلك العام الذي شكاه فيها العامل وتعجل صدقة عام ثان، وقال هي عليّ ومثلها أي الصدقة التي قد

стр. 371

حلت وأنت تطالبه بها مع مثلها من صدقة عام واحد لم تحل وذلك أن بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم يجوزها أكثر من صدقة عام واحد. وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون ﷺ قد تحمل بالصدقة وضمن أداءها عنه لسنتين ولذلك قال إن عم الرجل صنوأبيه يريد أن حقه في الوجوب كحق أبيه عليه إذ هما شقيقان خرجا من أصل واحد فأنا أنزهه عن منع الصدقة والمطل بها وأؤديها عنه والأول أصوب لأن الضمان فيما لم يجب على العباس ضمان مجهول وضمان المجهول غير جائز. وقد روي أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يأذن له في تعجيل صدقته فرخص له في ذلك. وقد رواه أبو داود. قال أبو داود: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الحجاج بن دينار عن الحكم عن حُجَية عن علي ﵁ أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن يحل فرخص له في ذلك وقال مرة فأذن له في ذلك. وقوله صنو أبيه، معناه أن العم شقيق الأب وأصل ذلك في النخلتين تخرجان من أصل واحد يقال صنو وصنوان وقنو وقنوان وقل ما جاء من الجمع على هذا البناء. وقد روى حديث العباس على خلاف هذا الوجه وهو أنه قال في صدقته هي عليه ومثلها معها، وقد رواه أبو عبيد وقال أرى أنه كان أخر عنه الصدقة عامين وليس وجه ذلك إلاّ أن يكون من حاجة بالعباس إليها فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر ثم يأخذها منه بعدُ. حدثنيه عبد الله بن محمد المسكي حدثنا علي بن عبد العزيز، عَن أبي عبيد.

стр. 372

ومن باب من يعطى الصدقة وحَدّ الغنى قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خُموش أو خُدوش أوكدوح في وجهه فقيل يا رسول الله وما الغنى قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب. قال يحيى فقال عبد الله بن عثمان لسفيان حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير فقال سفيان فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. قلت الخموش هي الخدوش، يقال خمشت المرأة وجهها إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها، والكدوح الآثار من الخدش والعض ونحوه، وإنما قيل للحمار مكدّح لما به من اثار العضاض. وأما تحديده الغنى الذي يحرم معه الصدقة بخمسين درهما فقد ذهب إليه قوم من أهل العلم ورأوه حدا في غنى من تحرم عليه الصدقة منهم سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وأبى القول به آخرون وضعفوا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا وأما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده وإنما قال فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد حسب، قالوا وليس في الحديث أن من ملك خمسين درهما لم تحل له الصدقة، إنما فيه أنه كره له المسألة فقط وذلك أن المسألة إنما تكون مع الضرورة ولا ضرورة بمن يجد ما يكفيه في وقته إلى المسألة. وقال مالك والشافعي لا حد للغنى معلوم وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته فإذا اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة وإذا احتاج حلت له.

стр. 373

قال الشافعي قد يكون الرجل بالدرهم غنيا مع كسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. وجعل أصحاب الرأي الحد فيه مائتي درهم وهو النصاب الذي تجب فيه الزكاة وإنما أمرنا أن نأخذ الزكاة من الأغنياء وأن ندفعها إلى الفقراء وهذا إذا ثبت أنه غني يملك النصاب الذي تجب عليه فيه الزكاة فقد خرج به من حد الفقر الذي يستحق به أخذ الزكاة. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي اذهب إلى رسول الله ﷺ فسله لنا شيئا نأكله فجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله ﷺ أسأله فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله ﷺ يقول: لا أجد ما أعطيك فتولى الرجل عنه وهومغضب وهو يقول لعمري إنك لتعطي من شئت فقال ﷺ يغضب عليَّ أن لا أجد ما أعطيه من سأل منكم وعنده أوقية أو عَدلها فقد سأل الحافا قال الأسدي فقلت لَلِقْحة لنا خير من أوقية قال فرجعت ولم أسأله فقدم علي رسول الله ﷺ بعد ذلك شعير وزبيب فقسم لنا منه أو كما قال حتى أغنانا الله. اللقحة الناقة المِرية وهي التي تمري أي التي تحلب وجمعها لقاح، والأوقية عند أهل الحجاز أربعون درهما. وذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تحديد الغني إلى هذا الحديث، وزعم أن من وجد أربعين درهما حرمت عليه الصدقة. وقوله أوعدلها يريد قيمتها، يقال هذا عدل الشيء أي ما يساويه في القيمة

стр. 374

وهذا عدله بكسر العين أي نظيره ومثله في الصورة والهيئة. قال أبو داود: حدثنا النفيلي حدثنا مسكين حدثنا محمد بن المهاجر عن ربيعة بن يزيد، عَن أبي كبشة السلولي حدثنا سهل بن الحنظلية قال قدم على عهد رسول الله ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألاه وأمر معاوية فكتب لهما بما سألاه. فأما الأقرع بن حابس فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق. وأما عيينة فأخذ كتابه فأتى النبي ﷺ مكانه فقال أتراني يا محمد حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فقال رسول الله ﷺ من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار فقالوا يا رسول الله وما يغنيه قال قدر ما يغديه ويعشيه. صحيفة المتلمس لها قصة مشهورة عند العرب وهو المتلمس الشاعر وكان هجا عمرو بن عبد الملك فكتب له كتابا إلى عامله يوهمه أنه أمر له فيه بعطية وقد كان كتب إليه يأمره بقتله فارتاب المتلمس به ففكه وقُرىء له، فلما علم ما فيه رمى به ونجا فضربت العرب المثل بصحيفته بعد. وقوله ما يغديه ويعشيه فقد اختلف الناس في تأويله فقال بعضهم من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة فقد حرمت عليه المسألة. وقال آخرون هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدم ذكرها. قلت وإنما أعطاهما رسول الله ﷺ من سهم المؤلفة قلوبهم فإن الظاهر من حالهما أنهما ليسا بفقيرين وهما سيدا قومهما ورئيسا قبائلهما.

стр. 375

قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد الله، يَعني ابن عمر بن غانم عن عبد الرحمن بن زياد أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي أنه سمع زياد بن الحارث الصُدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته قال فأتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله ﷺ : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك. قلت في قوله فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد وأن الواجب تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم ولو كان معنى الاية بيان المحل دون بيان الحصص لم يكن للتجزئة معنى وسل على صحة ذلك قوله أعطيتك حقك فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقاً وإلى هذا ذهب عكرمة وهو قول الشافعي. وقال إبراهيم النخعي إذا كان المال كثيرا يحتمل الأجزاء قسمه على الأصناف وإن كان قليلا جاز أن يوضع في صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل تفريقها أولى ويجزئه أن يضعه في صنف واحد. وقال أبو ثور إن قسمه الإمام قسمه على الأصناف وإن تولى قسمه رب المال فوضعه في صنف واحد رجوت أن يسعه. وقال مالك بن أنس يجتهد ويتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخَلة والفاقة فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم. وإن رآها في أبناء السبيل في عام آخر حولها إليهم. وقال أصحاب الرأي هو مخير يضعه في أي الأصناف شاء.

стр. 376

وكذلك قال سفيان الثوري، وقد روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح. وفي قوله إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين أحدهما ما تولى الله بيانه في الكتاب وأحكم فرضه فيه فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي ﷺ وبيان شهادات الأ صول. والوجه الآخر ما ورد ذكره في الكتاب مجملا ووكل بيانه إلى النبي ﷺ فهو يفسره قولا وفعلا أو يتركه على إجماله ليتنبه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطا واعتبارا بدلائل الأصول وكل ذلك بيان مصدره عن الله وعن رسوله ﷺ . ولم يختلفوا في أن السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها في الأحوال كلها، وإنما اختلفوا في سهم المؤلفة فقالت طائفة من أهل العلم سهمهم ثابت يجب أن يعطوه هكذا قال الحسن البصرى. وقال أحمد بن حنبل يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. وقالت طائفة انقطعت المؤلفة بعد رسول الله ﷺ روي ذلك عن الشعبي. وكذلك قال أصحاب الرأي. وقال مالك سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام الباقية. وقال الشافعي لا يعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام. وأما العاملون فهم السعاة وجباة الصدقة فإنما يعطون عمالة قدر أجرة مثلهم. فأما إذا كان الرجل هو الذي يتولى إخراج الصدقة وقسمها بين أهلها فليس فيها للعاملين حق.

стр. 377

قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حَدَّثنا جرير عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئا ولا يفطنون به فيعطونه. قلت الأكلة مضمومة اللقمة والأكلتان اللقمتان، فأن الأكلة مفتوحة فهي الواحدة والمرة من الأكل. وفي الحديث دليل على أن المسكين في الظاهر عندهم والمتعارف لديهم هو السائل الطواف وإنما نفى ﷺ عنه اسم المسكنة لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزيادة عليها فتزول حاجته وسنقط عنه اسم المسكنة، وإنما تدوم الحاجة والمسكنة ممن لا يسأل ولا يفطن له فيعطى. وقد اختلف الناس في المسكين والفقير والفرق بينهما روي عن ابن عباس أنه قال المساكين هم الطوافون والفقراء فقراء المسلمين وعن مجاهد وعكرمة والزهري أن المسكين الذي يسأل والفقير الذي لا يسأل. وعن قتادة أن الفقير هو الذي به زمانة والمسكين الصحيح المحتاج. وقال الشافعي الفقير من لا مال له ولا حرفة يقع منه موقعا زمناً كان أو غير زمن وللمسكين من له مال أو حرفة لا تقع منه موقعا ولا تغنيه سائلا كان أو غير سائل. وقال بعض أهل اللغة المسكين الذي لا شيء له والفقير من له البلغة من العيش واحتج بقول الراعي. أما الفقير الذي كانت حَلوبته ... وَفْقَ العيال فلم يترك له سَبَد قال فجعل للفقير حلوبة، وقال غيره من أهل اللغة إنما اشترط له الحلوبة قبل

стр. 378

الفقر فلما انتزعت منه ولم يترك له سبد صار فقيرا لا شيء له، قال والمسكين أحسن حالا من الفقير، واحتج بقول الله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] فأثبت لهم مع المسكنة ملكاَ وكسبا وهما السفينة والعمل بها في البحر. وقال بعض من ينصر القول الأول إنما سماهم مساكين مجازا وعلى سبيل الترحم والشفقة عليهم إذ كانوا مظلومين، وقيل إن المسكنة مشتقة من السكون والخشوع اللازمين لأهل الحاجة والخصاصة والميم زيادة في الاسم. وقيل إن الفقير مشبه بمن أصيب فِقاره فانقصف ظهره من قولهم فقرت الرجل إذا أصبت فقاره كما يقال بطنته إذا أصبت بطنه ورأسته إذا أصبت رأسه إلى ما أشبه ذلك من نظائر هذا الباب. ويشبه أن يكون الفقير أشدهما حاجة ولذلك بدىء بذكره في الآية على سائر أصناف أهل الفاقة والخلة والفقر هو الذي يقابل الغنى إذا قيل فقير وغني فصار أصلا للفاقة وعنه يتفرع المسكنة وغيرها من وجوه الحاجة. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار. قال أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جَلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. قلت هذا الحديث أصل في أن من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم. وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد دون أن يضم إليه الكسب فقد يكون من الناس من يرجع إلى قتوة بدنه ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل فمن كان هذا سبيله لم يمنع من الصدقة بدلالة الحديث. وقد استظهر

стр. 379

صلى الله عليه وسلم مع هذا في أمرهما بالإنذار وقلدهما الأمانة فيما بطن من أمرهما. قال أبو داود: حدثنا عباد بن موسى الختلي حدثنا إبراهيم، يَعني ابن سعد أخبرني أبي عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرة سَوِي. قلت معنى المرة القوة وأصلها من شدة فتل الحبل؛ يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله فمعنى المرة في الحديث شدة أسر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكد والتعب. وقد اختلف الناس في جواز أخذ الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب فقال الشافعي لا تحل له الصدقة، وكذلك قال إسحاق بن راهويه وأبو عبيد. وقال أصحاب الرأي يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مائتي درهم فصاعداً. ومن باب من يجوز له الصدقة ممن هو غني قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: لا تحل الصدقة لغني إلاّ لخمسة لغاز في سبيل الله أولعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عَن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ بمعناه. قلت فيه بيان أن للغازي وإن كان غنيا أن يأخذ الصدقة ويستعين بها في غزوه وهو من سهم سبيل الله وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال أصحاب الرأي لا يجوز أن يعطى الغازي من الصدقة

стр. 380

إلاّ أن يكون منقطعا به. قلت سهم السبيل غير سهم ابن السبيل وقد فرق الله بينهما بالتسمية وعطف أحدهما على الآخر بالواو الذي هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر فقال ﴿وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠] والمنقطع به هو ابن السبيل فأما سهم ابن السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب. وقد جاء في هذا الحديث ما بينه ووكد أمره فلا وجه للذهاب عنه. وفي قوله أو رجل اشتراها بماله دليل على أن المصدق إذا تصدق بالشيء ثم اشتراه من المدفوع إليه فإن البيع جائز وقد كرهه أكثر العلماء مع تجويزهم البيع في ذلك. وقال مالك بن أنس إن اشتراه فالبيع مفسوخ. وأما الغارم الغني فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدَّان في المعروف وإصلاح ذات البين وله مال إن بيع فيها افتقر فيوفر عليه ماله ويعطي من الصدقة ما يقضي به دينه، وأما الغارم الذي يدَّان لنفسه وهو معسر فلا يدخل في هذا المعنى لأنه من جملة الفقراء. وأما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله فسواء كان غنياً أو فقيراً فإنه يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعاً، وأن المهدى له الصدقة فهو إذا ملكها فقد خرجت عن أن تكون صدقة وهي ملك لمالك تام الملك جائز التصرف في ملكه. وقد روي أن بريرة أهدت لعائشة لحماً تصدق به عليها فقربته لرسول الله ﷺ وأخبرته بشأنها فقال هذا أوان بلغت حلها وكان رسول الله ﷺ لا تحل له الصدقة.

стр. 381

ومن باب كم يعطي الرجل الواحد من الزكاة قال أبو داود: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا أبو نعيم حدثنا سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن يسار وزعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن النبي ﷺ وداه مائة من إبل الصدقة، يَعني دية الأنصاري الذي قتل بخيبر. قلت يشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أعطاه ذلك من سهام الغارمين على معنى الحمالة في إصلاح ذات البين إذ كان قد شجر بين الأنصار وبين أهل خيبر في دم القتيل الذي وجد بها منهم فإنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات. وقد يحتج بهذا من يرى جمع الصدقة في صنف واحد من أهل السهام الثمانية وهذا محتمل ولكن في وسع رسول الله ﷺ أن يسوي بين الأصناف من صدقات مختلفة ولعله قد كان يجتمع عنده من سهم الغارمين مئون وألوف فليس فيما يحتج به من ذلك كبير درك. وقتد اختلف الناس في قدر ما يعطاه الفقير من الصدقة فكره أصحاب الرأي أن يبلغ به مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو له عيال. وكان سفيان الثوري يقول لا يدفع إلى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما، وكذلك قال أحمد بن حنبل. وعلى مذهب الشافعي يجوز أن يعطي على قدر حاجته من غير تحديد فإذا زال اسم الفقر عنه لم يعط. ومن باب ما يجوز فيه المسألة قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمرى حدثنا شعبة عن عبد الملك

стр. 382

بن عمير عن زيد بن عقبة الفزاري عن سمرة عن النبي ﷺ قال: المسايل كُدُوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلاّ أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمرلا يجد منه بدا. قلت قول إلاّ أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمرلا يجد بداً هو أن يسأل حقه من بيت المال الذي في يده وليس هذا على معنى استباحة الأموال التى تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أملاك المسلمين. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن هارون بن رباب حدثني كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا صدقه فنأمر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلاّ لأحد ثلاثة رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه قد أصابت فلانا الفاقة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ثم يمسك وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتاً. قلت في هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة ويدخل في أبواب من العلم والحكم وذلك أنه قد جعل من تحل له المسألة من الناس أقساماً ثلاثة غنياً وفقيرين وجعل الفقر على ضربين فقراً ظاهراً وفقراً باطناً، فالغني الذي تحل له المسألة هو صاحب الحمالة وهي الكفالة والحميل الكفيل والضمين وتفسير الحمالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببهما العداوة والشحناء ويخاف

стр. 383

منها الفتق العظيم فيتوسط الرجل فيما بينهم ويسعى في إصلاح ذات البين ويتضمن مالاً لأصحاب الطوايل يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم الألفة فهذا الرجل صنع معروفاً وابتغى بما أتاه صلاحا فليس من المعروف أن تورّك الغرامة عليه في ماله ولكن يعان على أداء ما تحمله منه ويعطي من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما تضمنه منه. وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة فهو رجل أصابته جائحة في ماله فأهلكته والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه والنار تحرقه والبرد يفسد زرعه وثماره في نحو ذلك من الأمور وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها فإذا أصاب الرجل شىء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينه يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها. وأما النوع الآخر فإنما هو فيمن كان له ملك ثابث وعرف له يسار ظاهر فادعى تلف ماله من لص طرقه أو خيانة ممن أودعه أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثر ظاهر المشاهدة والعيان فإذا كان ذلك ووقعت في أمره الريبة في النفوس لم يعط شيئا من الصدقة إلاّ بعد استبراء حاله والكشف عنه بالمسألة عن أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه قد أصابت فلانا الفاقة واشتراطه الحجى تأكيد لهذا المعنى أي لا يكونوا من أهل الغباوة والغفلة ممن يخفى عليهم بواطن الأمور ومعانيها وليس هذا من باب الشهادة ولكن من باب التبيين والتعرف وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه أو

стр. 384

جيرانه أو من ذوي الخبرة بشأنه أنه صادق فيما يدعيه أعطى الصدقة. وفيه من العلم أن من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام فطلب المحكوم له به حبسه وادعى المطلوب الإفلاس والعدم فإن الواجب في ذلك أن ينظر فإن كان الطالب إنما استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل أن يقرضه مالا أو يبيعه متاعا فيقبضه إياه فإنه يحبس ولا يقبل قوله في العُدم لأنه قد ثبت له ملك ما صار إليه وحصل في يده من ذلك فالظاهر من حاله الوجد واليسار حتى تقوم دلالة على إفلاس حادث بعده فإن أقام البينة على ذلك لم يحبس وخلي عنه وإن كان ذلك مستحقا عليه بجناية من إتلاف مال أو أرش جراحة جرحه بها في بدنه أو من قبل مهر امرأة أو ضمان أوما أشبهها مما لم يتقدم فيه تمليك ولا إقباض فإنه لا يحبس له وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منع أو بيع عليه وإلا أنظر إلى الميسرة. وأصل الناس العُدْم والفقر وقد روي عن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم يسقط من بطن أمه ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله تعالى ويغنيه أو كما قال: وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: مطل الغني ظلم وقال: ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته فإنما جعله ظالما مع الواجد والغني فلا يجوز حبسه وعقوبته وهو ليس بظالم. وفي قوله أقم حتى تأتينا صدقة فنأمر لك بها دليل على جواز نقل الصدقة من بلد إلى أهل بلد آخر. وفيه أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي تكون بها قوام العيش وسداد الخله وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ليس فيه حد معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة أخبرنا عيسى بن يونس عن الأخضر

стр. 385

بن عجلان، عَن أبي بكر الحنفى عن أنس بن مالك أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ فقال له أما في بيتك شيء قال بلى حِلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه قال ائتني بهما فأتاه بهما فأخذهما رسول الله ﷺ بيده فقال من يشتري هذين فقال رجل أنا آخذهما بدرهم فقال من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال اشتر بأحدهما طعاما فانفذه إلى أهلك واشتر بالاخر قدوما فأتنى به فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عوداً بيده، ثم قال اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله ﷺ هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلاّ لثلاث لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أولذي دم موجع. في هذا الحديث من الفقه جواز بيع المزايدة وأنه ليس بمخالف لنهيه أن يبيع الرجل على بيع أخيه لأن ذلك إنما هو بعد وقوع العقد ووجوب الصفقة وقبل التفرق من المجلس وهذا إنما هو في حال المراودة والمساومة وقبل تمام المبايعة. وفيه إثبات الكسب والأمر به. وفيه أنه لم ير الصدقة تحل له مع القوة على الكسب. وقوله فقر مدقع فهو الفقر الشديد وأصله من الدقعاء وهو التراب ومعناه الفقر الذي يفضي به إلى التراب لا يكون عنده ما يقي به التراب. والغرم المفظع هو أن تلزمه الديون الفظيعة القادحة حتى ينقطع به فتحل له الصدقة فيعطى من سهم الغارمين. والدم الموجع هو أن يتحمل حمالة في حقن الدماء وإصلاح ذات البين فتحمل له المسألة فيها وقد فسرناه فيما مضى.

стр. 386

ومن باب الاستعفاف قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف منها والمسألة اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة. قال أبو داود اختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث قال عبد الوارث اليد العليا المتعففة وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب المنفقة وقال واحد عن حماد المتعففة. قلت رواية من قال المتعففة أشبه وأصح في المعنى وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله ﷺ قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى. وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ يجعلونه عن علو الشيء إلى فوق وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هومن علاء المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها وأنشدني أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس قال أنشدنا ابن الأعرابي في معناه: إذا كان باب الذل من جانب الغنى ...سموت إلى العلياء من جانب الفقر يريد به التعزز بترك المسألة والتنزه عنها. ومن باب الصدقة على بني هاشم قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع أن النبي ﷺ بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع اصحبني فإنك تصيب منها فقال حتى آتي النبي ﷺ فأسأله فأتاه فسأله فقال مولى القوم

стр. 387

من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة. قلت أما النبي ﷺ فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لا تحل له وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء. وقال الشافعي لا تحل الصدقة لبني المطلب لأن النبي ﷺ من سهم ذي القربى وأشركهم فيه مع بني هاشم ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم وتلك العطية عوض عوضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة. فأما موالي بني هاشم فإنه لا حظ لهم في سهم ذي القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيهاً له. وقال مولى القوم من أنفسهم على سبيل التشبيه في الاستنان بهم والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة التي هى أوساخ الناس. ويشبه أن يكون ﷺ قد كان يكفيه المؤنة ويزيح له العلة إذ كان أبو رافع مولى له وكان يتصرف له في الحاجة والخدمة فقال له على هذا المعنى إذا كنت تستغني بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فإنك مولانا ومنا. قلت وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه وكان المعنى في ذلك أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا فكان ﷺ يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة عنه. والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز أن يكون يد أعلى من يده في ذات الله وفي أمر الآخرة. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم المعنى قالا: حَدَّثنا حماد عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ كان يمر بالتمرة العائره فما يمنعه من أخذها إلاّ مخافة أن تكون صدقة.

стр. 388

العائرة هي الساقطة على وجه الأرض لا يعرف من صاحبها ومن هذا قيل عار الفرس إذا انفلت على صاحبه فذهب على وجهه ولا يدفع وهذا أصل في الورع وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من شيء طلقا لنفسه فإنه يجتنبه ويتركه. وفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة في طريق ونحوها أن له أخذها وأكلها إن شاء وأنها ليست من جملة اللقطة التي حكمها الاستيناء بها والتعريف لها. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا محمد بن الفضيل عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: بعثني أبى إلى النبي ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة. قلت وهذا لا أدري ما وجهه والذي لا أشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس والمشهور أنه أعطاه من سهم ذوي القربى من الفيء ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل الصدقة أن ثبت الحديث قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة فقد روى أنه شُكي إليه العباس في منع الصدقة فقال هى عليَّ ومثلها كأنه كان قد تسلف منه صدقة عامين فردها أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته إبل الصدقة فروى الحديث من رواه على الاختصار من غير ذكر السبب فيه والله أعلم.

стр. 389

ومن ظب من تصدق بصدقة ثم ورثها قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريده عن أبيه بريدة أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت كنت تصدقت على أمي بوليدة وأنها ماتت وتركت تلك الوليدة. قال قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. قلت الصدقة في الوليدة معناها التمليك وإذا ملكتها في حياتها بالأقباض ثم ماتت كان سبيلها سائر أملاكها. والوليدة الجاريه الحديثة السن والولائد الوصائف. ومن باب حقوق المال قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عَوانة عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق عن عبد الله قال كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقِدر. قلت يقال في تفسير الماعون أنه الشيء الذي لا يجوز منعه من الارفاق التي للناس فيها متاع، وزعم بعض أهل اللغة أن الماعون مشتق من المعن وهو الشيء القليل وزنه فاعول منه والعرب تقول ماله سَعْنة ولا مَعْنة أي قليل ولا كثير وقال النمر بن تولب: * فإن هلال مالك غير مَعْن* وإنما اشتق للصدقة والمعونة هذا الاسم لأن الواجب من حق الزكاة والصدقات إنما هو قليل من كثير، وقد جاء الماعون بمعنى الزكاة قال الراعي.

стр. 390

قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا يريد الصلاة والزكاة. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلاّ جعله يوم القيامة يحمي عليها في نار جهنم فيكوي بها جبهته وجنبه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلاّ جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيُبطح لها بقاع قَرْقَر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم هى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلاّ جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم هى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. القرقر المستوى الأملس من الأرض والعقصاء الملتوية القرن والجلحاء التي لا قرن لها. وإنما اشترط نفي العقص والالتواء في قرونها ليكون أنكى لها وأدنى أن تمور في المنطوح. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن قتادة، عَن أبي عمير الغُداني، عَن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ وذكر
следующие страницы →