← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومن باب الاستعفاف قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف منها والمسألة اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة. قال أبو داود اختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث قال عبد الوارث اليد العليا المتعففة وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب المنفقة وقال واحد عن حماد المتعففة. قلت رواية من قال المتعففة أشبه وأصح في المعنى وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله ﷺ قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلى ما يطابقه في معناه أولى. وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ يجعلونه عن علو الشيء إلى فوق وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هومن علاء المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها وأنشدني أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس قال أنشدنا ابن الأعرابي في معناه: إذا كان باب الذل من جانب الغنى ...سموت إلى العلياء من جانب الفقر يريد به التعزز بترك المسألة والتنزه عنها. ومن باب الصدقة على بني هاشم قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع أن النبي ﷺ بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع اصحبني فإنك تصيب منها فقال حتى آتي النبي ﷺ فأسأله فأتاه فسأله فقال مولى القوم

стр. 387

من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة. قلت أما النبي ﷺ فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لا تحل له وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء. وقال الشافعي لا تحل الصدقة لبني المطلب لأن النبي ﷺ من سهم ذي القربى وأشركهم فيه مع بني هاشم ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم وتلك العطية عوض عوضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة. فأما موالي بني هاشم فإنه لا حظ لهم في سهم ذي القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيهاً له. وقال مولى القوم من أنفسهم على سبيل التشبيه في الاستنان بهم والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة التي هى أوساخ الناس. ويشبه أن يكون ﷺ قد كان يكفيه المؤنة ويزيح له العلة إذ كان أبو رافع مولى له وكان يتصرف له في الحاجة والخدمة فقال له على هذا المعنى إذا كنت تستغني بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فإنك مولانا ومنا. قلت وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه وكان المعنى في ذلك أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا فكان ﷺ يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة عنه. والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلم يجز أن يكون يد أعلى من يده في ذات الله وفي أمر الآخرة. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم المعنى قالا: حَدَّثنا حماد عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ كان يمر بالتمرة العائره فما يمنعه من أخذها إلاّ مخافة أن تكون صدقة.

стр. 388

العائرة هي الساقطة على وجه الأرض لا يعرف من صاحبها ومن هذا قيل عار الفرس إذا انفلت على صاحبه فذهب على وجهه ولا يدفع وهذا أصل في الورع وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من شيء طلقا لنفسه فإنه يجتنبه ويتركه. وفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة في طريق ونحوها أن له أخذها وأكلها إن شاء وأنها ليست من جملة اللقطة التي حكمها الاستيناء بها والتعريف لها. قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا محمد بن الفضيل عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: بعثني أبى إلى النبي ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة. قلت وهذا لا أدري ما وجهه والذي لا أشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس والمشهور أنه أعطاه من سهم ذوي القربى من الفيء ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل الصدقة أن ثبت الحديث قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة فقد روى أنه شُكي إليه العباس في منع الصدقة فقال هى عليَّ ومثلها كأنه كان قد تسلف منه صدقة عامين فردها أو رد صدقة أحد العامين عليه لما جاءته إبل الصدقة فروى الحديث من رواه على الاختصار من غير ذكر السبب فيه والله أعلم.

стр. 389

ومن ظب من تصدق بصدقة ثم ورثها قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريده عن أبيه بريدة أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت كنت تصدقت على أمي بوليدة وأنها ماتت وتركت تلك الوليدة. قال قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. قلت الصدقة في الوليدة معناها التمليك وإذا ملكتها في حياتها بالأقباض ثم ماتت كان سبيلها سائر أملاكها. والوليدة الجاريه الحديثة السن والولائد الوصائف. ومن باب حقوق المال قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عَوانة عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق عن عبد الله قال كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقِدر. قلت يقال في تفسير الماعون أنه الشيء الذي لا يجوز منعه من الارفاق التي للناس فيها متاع، وزعم بعض أهل اللغة أن الماعون مشتق من المعن وهو الشيء القليل وزنه فاعول منه والعرب تقول ماله سَعْنة ولا مَعْنة أي قليل ولا كثير وقال النمر بن تولب: * فإن هلال مالك غير مَعْن* وإنما اشتق للصدقة والمعونة هذا الاسم لأن الواجب من حق الزكاة والصدقات إنما هو قليل من كثير، وقد جاء الماعون بمعنى الزكاة قال الراعي.

стр. 390

قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا يريد الصلاة والزكاة. قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلاّ جعله يوم القيامة يحمي عليها في نار جهنم فيكوي بها جبهته وجنبه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلاّ جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيُبطح لها بقاع قَرْقَر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم هى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلاّ جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم هى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. القرقر المستوى الأملس من الأرض والعقصاء الملتوية القرن والجلحاء التي لا قرن لها. وإنما اشترط نفي العقص والالتواء في قرونها ليكون أنكى لها وأدنى أن تمور في المنطوح. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن قتادة، عَن أبي عمير الغُداني، عَن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ وذكر

стр. 391

الحديث إلى أن قال فما حق الإبل قال تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة وتُفقِر الظهر وتُطرِق الفحل وتسقي اللبن. الغزيرة الكثيرة اللبن والمنيحة الشاة اللبون أو الناقة ذات الدر تعار لدرها فإذا حلبت ردت إلى ربها. وإفقار الظهر اعارته للركوب يقال أفقرت الرجل بعيري إذا أعرته ظهره يركبه ويبلغ عليه حاجته واطراق الفحل إعارته للضراب لا يمنعه إذا طلبه ولا يأخذ عليه عسبا، ويقال طرق الفحل الناقة فهي مطروقة وهي طروقة الفحل إذا حان لها أن تطرق. قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين. قوله جاد عشرة أوسق. قال إبراهيم الحربي يريد قدرا من النخل يُجَذُّ منه عشرة أوسق وتقديره تقدير مجذوذ فاعل بمعنى مفعول وأراد بالقنو العذق بما عليه من الرطب والبسر يعلق للمساكين يأكلونه وهذا من صدقة المعروف دون الصدقة التي هي فرض واجب. ومن باب حق السائل قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل حدثني يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت الحسين عن حسين بن علي قال قال رسول الله ﷺ للسائل حق وإن جاء على فرس. قلت معنى هذا الكلام الأمر بحسن الظن بالسائل إذا تعرض لك وأن لا تجبهه

стр. 392

بالتكذيب والرد مع إمكان الصدق في أمره يقول لا تخيب السائل إذا سألك وإن راقك منظره فقد يكون له الفرس يركبه ووراء ذلك عيلة ودين يجوز له معهما أخذ الصدقة. وقد يكون من أصحاب سهم السبيل فيباح له أخذها مع الغنى عنها وقد يكون صاحب حمالة أو غرامة لديون ادّانها في معروف واصلاح ذات البين ونحو ذلك فلا يرد ولا يخيب مع إمكان أسباب الاستحقاق. واختلفوا فيمن أعطى من الصدقة على أنه فقير فتبين غنياً. قال أبوحنيفة ومحمد بن الحسن يجزئه، وروي ذلك عن الحسن البصرى، وقال الثورى لا يجزد وكذلك قال الشافعي في أحد قوليه وهو قول أبي يوسف. ومن باب الصدقة على أهل الذمة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء قالت قدمت عليَّ أمي راغبة في عهد قريش وهي راغمة مشركه فقلت يا رسول الله إن أمى قدمت علي وهي راغمة افأصلها قال نعم فصلي أمك. قولها راغبة في عهد قريش أي طالبة بري وصلتي وقولها راغمة معناه كارهة للإسلام ساخطة عليّ تريد أنها لم تقدم مهاجرة راغبة في الدين كما كان يقدم المسلمون من مكة للهجرة والإقامة بحضرة رسول الله ﷺ وإنما أمر بصلتها لأجل الرحم. فأما دفع الصدقة الواجبة إليها فلا يجوز وإنما هي حق للمسلمين لا يجوز صرفها إلى غيرهم ولو كانت أمها مسلمة لم يكن أيضاً يجوز لها إعطاؤها الصدقة فإن خلَّتها مسدودة بوجوب النفقة لها على ولدها إلاّ أن تكون غارمة فتعطى من سهم الغارمين. فأما من سهم الفقراء والمساكين فلا وكذلك إذا

стр. 393

كان الوالد غازيا جاز للولد أن يدفع إليه من سهم السبيل. ومن باب الرجل يخرج من ماله قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته وقال رسول الله ﷺ يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس. خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. قوله يستكف الناس معناه يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها ببطن كفه يقال تكفف الرجل واستكف إذا فعل ذلك. ومن هذا قوله ﷺ لسعد ﵁ أنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. وقوله ﷺ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أي عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب التي تنوبه كقوله في حديث آخر خير الصدقة ما أبقت غنى. وفي الحديث من الفقه أن الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتا وأن لا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة لما يخاف عليه من فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير

стр. 394

كلاً على الناس. قلت ولم ينكر على أبي بكر الصديق ﵁ خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الرجل الذي رد عليه الذهب. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إن خير الصدقة ما ترك غنى وأبدأ بمن تعول. قوله ما ترك غنى يتأول على وجهين أحدهما أن يترك غني للمتصدق عليه بأن تجزل له العطية والاخر أن يترك غنى للمتصدق وهو أظهرهما ألا تراه يقول وابدأ بمن تعول أي لا تضيع عيالك وتُفضل على غيرك. ومن باب المرأة تصدق من بيت زوجها قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن منصور عن شقيق عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت قال النبي ﷺ إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجر بما أنفقت ولزوجها أجر بما اكتسبت ولخازنه مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعض. قلت هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان في أن رب البيت قد يأذن لأهله ولعياله وللخادم في الإنفاق مما يكون في البيت من طعام وأدام ونحوه ويطلق أمرهم في الصدقة منه إذا حضرهم السائل ونزل بهم الضيف فحضهم رسول الله ﷺ على لزوم هذه العادة واستدامة ذلك الصنيع ووعدهم الأجر والثواب عليه وأفرد كل واحد منهم باسمه ليتسارعوا

стр. 395

إليه ولا يتقاعدوا عنه. والخازن هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمأكول من خادم وقهرمان وقيم لأهل المنزل في نحو ذلك من أمر الناس وعاداتهم في كل أرض وبلد وليس ذلك بأن تقتات المرأة أو الخازن على رب البيت بشيء لم يؤذن لهما فيه ولم يطلق لهما الإنفاق منه بل يخاف أن يكونا آثمين إن فعلا ذلك والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن سوَّار المصري حدثنا عبد السلام بن حرب عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير بن حية عن سعد. قال لما بايع رسول الله ﷺ النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر فقالت ما نبي الله أنأكل على آبائنا وأبنائنا فما يحل لنا من أموالهم قال الرطب تأكلنه وتهدينه. قوله امرأة جليلة الجليلة تكون بمعنيين أحدهما أن تكون خليقة جسيمة يقال امرأة خليقة وخلِّيقاء كذلك والآخر أن تكون بمعنى المسنة يقال جل الرجل إذا كبر وأسن وجلت المرأة إذا عجزت وإنما خص الرطب من الطعام لأن خطبه أيسر والفساد إليه أسرع إذا ترك فلم يؤكل وربما عفن ولم ينتفع به فيصير إلى أن يلقى ويرمى به وليس كذلك اليابس منه لأنه يبقى على الخزن وينتفع به إذا رفع وادخر فلم يأذن لهم في استهلاكه، وقد جرت العادة بين الجيرة والأقارب أن يتهادوا رطب الفاكهة والبقول وأن يغرفوا لهم من الطبيخ وأن يتحفوا الضيف والزائر بما يحضرهم منها فوقعت المسامحة في هذا الباب بأن يترك الاستئذان له وأن يجري على العادة المستحسنة في مثله وإنما جاء هذا فيمن ينبسط إليه في ماله من الآباء والأبناء دون الأزواج والزوجات فإن الحال بين الوالد والولد ألطف من أن يحتاج معها إلى زيادة استقصاء في الاستثمار للشركة

стр. 396

النسبية بينهما والبعضية الموجودة فيهما. فأما نفقة الزوجة على الزوج فإنها معاوضه على الاستمتاع وهي مقدرة بكمية ومتناهية إلى غاية فلا يقاس أحد الأمرين بالآخر وليس لأحدهما أن يفعل شيئا من ذلك إلاّ بأذن صاحبه وقد وضعه أبو داود في باب المرأة تصدق من بيت زوجها. ومن باب صلة الرحم قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس قال لما نزلت ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحنة يا رسول الله أرى ربنا يسألنا من أموالنا فإني أشهدك أني قد جعلت أرضى بأريحا له فقال رسول الله ﷺ اجعلها في قرابتك فقسمها بين حسان بن ثابت وأُبيّ بن كعب. قلت فيه من الفقه أن الحبس إذا وقع أصله مبهما ولم يذكر سبله وقع صحيحا. وفيه دلالة على أن من أحبس عقارا على رجل بعينه فمات المحبس عليه ولم يذكر المحبس مصرفها بعد موته فإن مرجعها يكون إلى أقرب الناس بالواقف. وذلك أن هذه الأرض التي هي بأريحا لما حبسها أبو طلحة بأن جعلها لله عز وجل

стр. 397

ولم يذكر سبلها صرفها رسول الله ﷺ إلى أقرب الناس به من قبيلته فقياس ذلك فيمن وقفها على رجل فمات الموقوف عليه وبقي الشيء محبس الأصل غير مبين السبل أن يوضع في أقاربه وأن يتوخى بذلك الأقرب فالأقرب ويكون في التقدير كأن الواقف قد شرطه له وهذا يشبه معنى قول الشافعي. وقال المزني يرجع إلى أقرب الناس به إذا كان فقيرا، وقصة أبي بن كعب تدل على أن الفقير والغني في ذلك سواء. وقال الشافعي كان أبيّ يعد من مياسير الأنصار. وفيه دلالة على جواز قسم الأرض الموقوفة بين الشركاء وأن للقسمة مدخلاً فيما ليس بمملوك الرقبة. وقد يحتمل أيضاً أن يكون أريد بهذا القسم قسمة ريعها دون رقبتها وقتد امتنع عمر بن الخطاب ﵁ من قسمة أحباس النبي ﷺ بين علي والعباس لما جاءاه يلتمسان ذلك. قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري، عَن أبي هريرة قال أمرالنبي ﷺ بالصدقة فقال رجل يا رسول الله عندي دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندي آخر قال تصدق به على ولدك. قال عندي آخر قال تصدق به على زوجك. قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك. قال عندي آخر قال أنت أبصر. قلت هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه ﷺ قدم الأولى فالأولى والأقرب وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه ثم بولده لأن ولده كبعضه فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه. ثم ثلث بالزوجة وآخرها عن درجة الولد

стр. 398

لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم تجب نفقتها عليه. ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه. ثم قال له فيما بعد أنت أبصر. أي إن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت. وقياس هذا في قول من رأى أن صدقة الفطر تلزم الزوج عن الزوجة ولم يفضل من قوته أكثر من صاع أن يخرجه عن ولده دون الزوجة لأن الولد مقدم الحق على الزوجة ونفقة الأولاد إنما تجب بحق البعضية النسبية ونفقة الزوجة إنما تجب بحق المتعة العوضية وقد يجوز أن ينقطع ما بين الزوجين بالطلاق والنسب لا ينقطع أبدا ومعنى الصدقة في هذا الحديث النفقة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا أبو إسحاق عن وهب بن جابر الخَيْواني عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت. قوله من يقوت يريد من يلزمه قوته والمعنى كأنه قال للمتصدق لا تتصدق بما لا فضل فيه عن قوت أهلك تطلب به الأجر فينقلب ذلك إثماً إذا أنت ضيعتهم. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح ويعقوب بن كعب وهذا حديثه قالا: حَدَّثنا ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ من سره أن يبسط الله عليه في رزقه ويُنَسأ في أثره فليصل رحمه. قوله ينسأ في أثره معناه يؤخر في أجله يقال للرجل نسأ الله في عمرك وأنسأ عمرك والأثر ههنا آخر العمر قال كعب بن زهير: والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي العين حتى ينتهي الأثر قال أبو داود: حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حَدَّثنا سفيان عن

стр. 399

الزهري، عَن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي من وصلها وصلته ومن قطعها بَتَته. قلت في هذا بيان صحة القول بالاشتقاق في الأسماء اللغويه وذلك أن قوما أنكروا الاشتقاق وزعموا أن الأسماء كلها موضوعة وهذا يبين لك فساد قولهم. وفيه دليل على أن اسم الرحمن عربي مأخوذ من الرحمة وقد زعم بعض المفسرين أنه عبراني. قلت والرحمن بناؤه فعلان وهو بناء نعوت المبالغة كقولهم غضبان وإنما يقال لمن يشتد غضبه ولم يغلب عليه الغضب ضجر وجرد ونحو ذلك حتى إذا امتلأ غضبا قيل غضبان وكقولهم سكران وإنما هو قبل ذلك طَرِب ثم ثمِل فإذا طفِح قيل سكران ولا يجوز أن يسمى بالرحمن أحد غير الله ولذلك لا يثنى ولا يجمع كما ثنوا وجمعوا الرحيم فقيل رحيمان ورحماء وقوله بتته معناه قطعته والبت القطع. ومن باب الشُح قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث، عَن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا. قلت الشح أبلغ في المنع من البخل وإنما الشح بمنزلة الجنس والبخل بمنزلة النوع، وأكثر ما يقال البخل إنما هو في إفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام وهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة.

стр. 400

وقال بعضهم البخل أن يضن بمال والشح أن يبخل بماله وبمعروفه، والفجور ههنا الكذب، وأصل الفجور الميل والانحراف عن الصدق ويقال للكاذب قد فجر أي انحرف عن الصدق. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة قال حدثتني أسماء بنت أبي بكر قالت: قلت يا رسول الله ما لي شيء إلاّ ما أدخل عليَّ الزبير بيته أفأعطي منه قال اعطي ولا تُوكي فيوكى عليك. قلت معناه اعطي من يصيبك منه ولا توكي أي لا تدخري والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به يقول لا تمنعي ما في يدك فتنقطع مادة بركة الرزق عنك. وفيه وجه آخر وهو أن صاحب البيت إذا أدخل الشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضا إلى ربة المنزل فهي تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت وربما تدخر منه الشيء لغابر الزمان فكأنه قال إذا كان الشىء مفوضا إليك موكولا إلى تدبيرك فاقتصري على قدر الحاجة في النفقة وتصدقي بالباقي ولا تدخري والله أعلم. كتاب اللقطة قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غَفَلة قال غزوت مع زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فوجدت سوطا فقال لي أطرحه فقلت لا ولكن إن وجدت صاحبه وإلا استمتعت به، قال

стр. 401

فحججت فمررت على المدينة فسألت أُبيّ بن كعب فقال وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت رسول الله ﷺ فقال عرفها حولا فعرفتها حولا ثم أتيته فقال عرفها حولا فعرفتها حولا ثم أتيته فقال عرفها حولا فعرفتها ثم أتيته فقلت لم أجد من يعرفها. قال احفظ عددها ووكاءها ووعاءها فان جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها وقال لا أدري ثلاثا قال عرفها أو مرة واحدة. قال أبو داود: حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا حماد حدثنا سلمة بن كهيل بإسناده ومعناه قال في التعريف عامين أو ثلاثة، وقال اعرف عددها ووعاءها ووكاءها زاد فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه. قال أبو داود ليس يقول ذا الكلمة إلاّ حماد في هذا الحديث، يَعني فعرف عددها. في هذا الحديث من الفقه إن أخذ اللقطة جائز فإنه ﷺ لم ينكر على أُبيّ أخذها والتقاطها. وممن روى ذلك عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن زيد وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وكره أخذها أحمد بن حنبل. قلت وفيه أن اللقطة إذا كان لها بقاء ولم يكن مما يسرع إليها الفساد فيتلف قبل مضي السنة فإنها تعرف سنة كاملة. وقد اختلفت هذه الرواية في تحديد المدة فقال فيها لا أدري قالها مرة أو ثلاثا وجاء في خبر زيد بن خالد الجهني عن رسول الله ﷺ عرفها حولا واحداً من غير شك فيه وهو مذهب عامة الفقهاء. وفي قوله فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها دليل على أن له أن يتملكها بعد السنة ويأكلها بعد السنة إن شاء غنياً كان الملتقط لها أو فقيرا وكان أبي بن كعب من مياسير الأنصار ولوكان لا يجوز للغني أن يتملكها بعد تعريف السنة لأشبه أن لا يبيح له

стр. 402

الاستمتاع منها إلاّ بالقدر الذي لا يخرجه عن حد الفقر إلى حد الغنى فلما أباح له الاستمتاع بها كلها دل أن حكم الغني والفقير لا يختلف في ذلك وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعائشة إباحة التملك والاستمتاع بعد السنة. وقالت طائفة إذا عرفها سنة ولم يأت صاحبها تصدق بها روي ذلك عن علي وابن عباس وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وإليه ذهب مالك. وفي قوله من رواية حماد فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووكاءها فادفعها إليه دلالة على أنه إذا وصف اللقطة وعرف عددها دفعت إليه من غير تكليف بينة سواها وهو مذهب مالك وأحمد. وقال الشافعي إن وقع في نفسه أنه صادق وقد عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن دفعها إليه إن شاء ولا أخبره على ذلك إلاّ ببينة لأنه قد يصيب الصفة بأن يستمع الملتقط يصفها وكذلك قال أصحاب الرأي. قلت ظاهر الحديث يوجب دفعها إليه إذا أصاب الصفة وهو فائدة قوله عفاصها ووكاءها فإن صحت هذه اللفظة في رواية حماد وهي قوله فعرف عددها فادفعها إليه كان ذلك أمراً لا يجوز خلافه وإن لم يصح فالاحتياط مع من لم يرالرد إلاّ بالبينة لقوله ﵇ البينة على المدعي. ويتأول على هذا المذهب قول اعرف عفاصها ووكاءها على وجهين أحدهما أنه أمره بذلك لئلا يختلط بماله فلا يتميز منه والوجه الآخر لتكون الدعوى فيها معلومة فإن الدعوى المبهمة لا تقبل. قلت وأمره بإمساك اللقطة وتعريفها أصل في أبواب من الفقه إذا عرضت

стр. 403

الشبهة فلم يتبين الحكم فيها وإلى هذا ذهب الشافعي في كثير من المسائل مثل أن يطلق إحدى نسائه من غير تعيين ومات فإن الثمن يوقف بينهن حتى تتبين المطلقة منهن أو يصطلحن على شيء في نظائر لها من الأحكام. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعغر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة فقال عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه فقال يا رسول الله فضالة الغنم فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب قال يا رسول الله فضالة الإبل فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه. وقال مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها حتى يأتيها ربها. قلت الوكاء الخيط الذي يشد به الصرة والعفاص الوعاء الذي يكون فيه النفقة وأصل العفاص الجلد الذي يلبس رأس القارورة. وفي الحديث دليل على أن قليل اللقطة وكثيرها سواء في وجوب التعريف إذا كان مما يبقى إلى الحول لأنه عم اللفظ ولم يخص. وقال قوم ينتفع بالقليل التافه من غير تعريف كالنعل والسوط والجراب ونحوها مما يرتفق به ولا يتمول. وعن بعضهم أن ما دون عشرة دراهم قليل. وقال بعضهم إنما يعرف من اللقطة ما كان فوق الدينار واستدل بحديث علي ﵁ أنه وجد دينارا فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأمره أن يشتري به دقيقا ولحما فلما وضع الطعام جاء صاحب الدينار قال فهذا لم يعرفه سنة لكن استنفقه حين وجده فدل ذلك على فرق ما بين القليل من اللقطة والكثير منها. وقد ذكر أبو داود حديث عليّ

стр. 404

في موضع من هذا الكتاب. وقوله في ضالة الغنم هي لك أولأخيك أو للذئب فيه دليل على أنه إنما جعل هذا حكمها إذا وجدت بأرض فلا يخاف عليها الذئاب فيها. فأما إذا وجدت في قرية وبين ظهراني عمارة فسبيلها سبيل اللقطة في التعريف إذ كان معلوماً إن الذئاب لا تأوي إلى الأمصار والقرى. وأما ضالة الإبل فإنه لم يجعل لواجدها أن يتعرض لها لأنها قد ترد الماء وترعى الشجر وتعيش بلا راع وتمتنع على أكثر السباع فيجب أن يخلي سبيلها حتى يأتي ربها، وفي معنى الإبل الخيل والبغال والظباء وما أشبهها من كبار الدواب التي تمعن في الأرض وتذهب فيها. وقوله في الإبل معها حذاؤها وسقاؤها فإنه يريد بالحذاء اخفافها يقول إنها تقوى على السير وقطع البلاد وأراد بالسقاء أنها تقوى على ورود المياه فتحمل ريها في أكراشها. قلت فإن كانت الإبل مهازيل لا تنبعث فإنها بمنزلة الغنم التي قيل فيها هي لك أو لأخيك أو للذئب. وفى قوله ثم استنفق بها وقوله هي لك أو لأخيك دليل على أنه لا ينقض عليه البيع فيها إذا كان قد باعها ولكن يغرم القيمة لأنه أذن له في أن يستنفقها فقد أذن له فيما يتوصل به إلى الاستنفاق بها من بيع ونحوه. قال أبو داود: حدثنا محمد بن رافع وهارون بن عبد الله المعنى قالا: حَدَّثنا ابن أبي فديك عن الضحاك، يَعني ابن عثمان عن بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ سئل عن اللقطة فقال عرفها سنة فإن جاء باغيها فأدها إليه وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه. قلت قوله ثم كلها يصرح بإباحتها له بشرط أن يؤدي ثمنها إذا جاء صاحبها فدل أنه لا وجه لكراهة الاستمتاع بها. وقال مالك بن أنس إذا أكل الشاة التي وجدها بأرض الفلاة ثم جاء صاحبها لم يغرمها وقال لأن النبي ﷺ جعلها له ملكاً بقوله هي لك أو لأخيك، وكذلك قال داود والحديث حجة عليهما وهو قوله بعد إباحة الأكل فإن جاء باغيها فأدها

стр. 405

إليه. وقال الشافعي يغرمها كما يغرم اللقطة يلتقطها في المصر سواء. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حفص حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن أبيه يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أنه قال سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة قال تعرفها حولاً فإن جاء صاحبها دفعتها إليه وإلا عرفت وكاءها وعفاصها ثم أفضها في مالك فإن جل صاحبها دفعتها إليه. قوله ثم افضها في مااك معناه ألقها في مالك وأخلطها به من قولك فاض الأمر والحديث إذا انتشر وشاع، فيقال ملك فلان فائض إذا كان شائعا مع أملاك شركائه غير مقسوم ولا متميز منها، وهذا يبين لك أن المراد بقوله اعرف عفاصها ووكاءها إنما هو ليمكنه تمييزها بعد خلطها بماله إذا جاء صاحبها لا أنه جعله شرطاً لوجوب دفعها إليه بغير بينة يقيمها أكثر من ذكر عددها وإصابة الصفة فيها. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا خالد، يَعني الطحان قال وحدثنا موسى

стр. 406

بن إسماعيل أخبرنا وهيب المعنى عن خالد الحذاء، عَن أبي العلاء عن مطرف، يَعني ابن عبد الله عن عياض بن حماد قال: قال رسول الله ﷺ من وجد لقطة فليشهد ذا عدل. أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء. قوله فليشهد أمر تأديب وإرشاد وذلك لمعنيين أحدهما ما يتخوفه في العاجل من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها فتدعوه إلى الخيانة بعد الأمانة والآخر ما لا يؤمن من حدوث المنية به فيدعيها ورثته ويحوزونها في جملة تركته. قال أبو داود: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خُبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة. ومن سرق منه بعد أن يؤويه الجَرين فبلغ ثمن المجَن فعليه القطع. ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة. قال وسئل عن اللقطه فقال ما كان في طريق المِيتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة وما كان من الخراب ففيها وفي الركاز الخمس. قلت الخبنة ما يأخذه الرجل في ثوبه فيرفعه إلى فوق، ويقال للرجل إذا رفع ذيله في المشي قد رفع خبنته. وقوله فعليه غرامة مثليه يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعيد لينتهي فاعل ذلك عنه. والأصل أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله وقد قيل أنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ والله أعلم.

стр. 407

وإنما سقط القطع عمن سرق الثمر المعلق لأن حوائط المدينة ليس عليها حيطان وليس سقوطه عنه من أجل أن لا قطع في عين الثمر فإنه مال كساتر الأموال ألست ترى أنه قد أوجب القطع في ذلك الثمر بعينه إذا كان أواه الجرين فإنما كان الفرق بين الأمرين الحرز. والطريق الميتاء هي المسلوكة التي يأتيها الناس. وقوله وما كان من الخراب فإنه يريد بالخراب العادي الذي لا يعرف له مالك وسبيله سبيل الركاز وفيه الخمس وسا ئره لواجده. فأما الخراب الذي كان مرة عامراً ملكاً لمالك ثم خرب فإن المال الموجود فيه ملك لصاحب الخراب ليس لواجده منه شيء فان لم يعرف صاحبه فهو لقطة. قال أبو داود: حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة أحسبه، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها. قلت سبيل هذا سبيل ما تقدم ذكره من الوعيد الذي يراد به وقوع الفعل وإنما هو زجر وردع، وكان عمر بن الخطاب يحكم به وإليه ذهب أحمد بن حنبل وأما عامة الفقهاء فعلى خلافه. قال أبو داود: حدثنا عمر بن عون حدثنا خالد، عَن أبي حيان التيمي عن المنذر بن جرير قال كنت مع جرير بالبوازيج فجاء الراعي بالبقر وفيها بقرة ليست منها فقال له جرير أخرجوها سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يأوي الضالة إلاّ ضال. قلت هذا ليس بمخالف للأخبار التي جاءت في أخذ اللقطة. وذلك أن اسم الضالة لا يقع على الدرهم والدنانير والمتاع ونحوها، وإنما الضالة اسم للحيوان

стр. 408

التي تضل عن صاحبها كالإبل والبقر والطير وما في معناها فإذا وجدها المرء لم بجز له أن يعرض لها ما دامت بحال تمتنع بنفسها وتستقل بقوتها حتى يأخذها ربها. كتاب الصيام قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً والحبلى والمرضع إذا خافتا، يَعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. قلت مذهب ابن عباس في هذا أن الرخصة مثبتة للحبلى والمرضع، وقد نسخت في الشيخ الذي يطيق الصوم فليس له أن يفطر ويفدي إلاّ أن الحامل والمرضع وإن كانت الرخصة قائمة لهما فإنه يلزمهما القضاء مع الإطعام، وإنما لزمهما الإطعام مع القضاء لأنهما يفطران من أجل غيرهما شفقة على الولد وإبقاء عليه، وإذا كان الشيخ يجب عليه الإطعام وهو أنه رخص له في الإفطار من أجل نفسه فقد عقل أن من ترخص فيه من أجل غيره أولى بالإطعام وهذا على مذهب الشافعي وأحمد. وقد روي ذلك أيضاً عن مجاهد. فأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يطعم ولا قضاء عليه لعجزه. وقد روي ذلك عن أنس وكان يفعل ذلك بعدما أسن وكبر، وهو قول أصحاب الرأي ومذهب الشافعي والأوزاعي. وقال الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي في الحبلى والمرضع تقضيان ولا تطعمان كالمريض، وكذلك روي عن الحسن وعطاء والنخعي والزهري. وقال مالك بن أنس في الحبلى هي كالمريض تقضي

стр. 409

ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم. ومن باب الشهر يكون تسعاً وعشرين قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو، يَعني ابن سعيد بن العاص عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ إنَّا أُمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنَس سليمان إصبعه في الثالثة، يَعني تسعا وعشرين. قوله أمية إنما قيل لمن لا يكتب ولا يقرأ أمي لأنه منسوب إلى أمة العرب وكانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، ويقال إنما قيل له أمي على معنى أنه باق على الحال التي ولدته أمه لم يتعلم قراءة ولا كتاباً. وقوله خنس إصبعه أي أضجعها فأخرها عن مقام أخواتها، ويقال للرجل إذا كان مع أصحابه في مسير أو سفر فتخلف عنهم قد خنس عن أصحابه. وقوله الشهر هكذا يريد أن الشهر قد يكون هكذا أي تسعاً وعشرين وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون، وإنما احتاج إلى بيان ما كان موهوماً أن يخفى عليهم لأن الشهر في العرف وغالب العادة ثلاثون فوجب أن يكون البيان فيه مصروفا إلى النادر دون المعروف منه. فلو ان رجلا حلف أو نذر أن يصوم شهرا بعينه فصامه فكان تسعا وعشرين كان بارا في يمينه ونذره ولو حلف ليصومن شهرا لا يعينه فعليه إتمام العدة ثلاثون يوما. وفي الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالإشارة واعمال دلالة الإيماء كمن قال امرأتي طالق وأشار بأصابعه الثلاث فإنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال. قال أبو داود: حدثنا سليمان حدثنا حماد حدثنا أيوب عن نافع عن ابن

стр. 410

عمر أن رسول الله ﷺ قال الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأقدروا له فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له فإن رئي فذلك. وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قترة أصبح مفطراً وإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائماً. قال وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب. قوله غم عليكم من قولك غممت الشيء إذا غطيته فهومغموم. وقوله فأقدروا له معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين، يقال قدرت الشيء أقدره قدرا بمعنى قدرته تقديرا ومنه قوله تعالى ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] . وكان بعض أهل العلم يذهب في ذلك غير هذا المذهب ويتأوله على التقدير له بحساب سير القمر في المنازل والقول الأول أشبه ألا تراه يقول في رواية أخرى فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما. حدثناه جعفر بن نصير الخالدي حدثنا الحاوث بن أبي أسامة حدثنا سليمان بن داود حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن ابن المسيب، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غُم عليكم فصوموا ثلاثين يوما. وقد روي ذلك أيضاً من طريق ابن عمر أخبرنا محمد بن هاشم حدثنا الدبَري عن عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ إن الله جعل الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا له ثلاثين يوما. قلت وعلى هذا قول عامة أهل العلم ويؤكد ذلك نهيه ﷺ عن صوم يوم الشك، وكان أحمد يقول إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان لعلة في السماء

стр. 411

صام الناس وإن كان صحواً لم يصوموا أتباعاً لمذهب ابن عمر. وقوله وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطا للصوم ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان ولا يفطر إلاّ مع الناس، والقتَرة الغبرة في الهواء الحائلة بين الأبصار وبين رؤية الهلال. قال أبو داود: حدثنا مسداد أن يزيد بن زريع حدثه، قال: حَدَّثنا خاك الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ قال شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة. قلت اختلف الناس في تأويله على وجوه فقال بعضهم معناه أنهما لا يكونان تاقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب. وقال بعضهم معناه إنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان فإن كان أحدهما تسعا وعشرين كان الآخر ثلاثين على الكمال. قلت وهذا القول لا يعتمد لأن دلالته تخلف إلاّ أن يحمل الأمر في ذلك على الغالب الأكثر. وقال بعضهم إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان. ومن باب إذا أخطأ القوم الهلال قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد الله حدثنا حماد في حديث أيوب عن محمد بن المنكدر، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال فيه وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون. معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن

стр. 412

قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلاّ بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض فلا شيء عليهم من وزر أو عتب. وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك؛ وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده ولو كلفوا إذا أخطؤوا العدد أن يعيدوا أن يأمنوا أن يخطؤوا ثانيا وأن لا يسلموا من الخطأ ثالثا ورابعا فإن ما كان سبيله الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه. ومن باب تقدم الشهر قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن مطرف عن عمران بن حصين. وسعيد الجريري، عَن أبي العلاء عن مطرف عن عمران أن رسول الله ﷺ قال لرجل هل صمت من سَرَر شعبان شيئا قال لا قال فإذا أفطرت فصم يوماً، وقال أحدهما يومين. قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا حسين عن زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلاّ أن يكون شيء يصومه أحدكم. قلت هذان الحديثان متعارضان في الظاهر ووجه الجمع بينهما أن يكون الأول إنما هو شيء كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذره فأمره بالوفاء به أو كان ذلك عادة قد اعتادها في صيام أواخر الشهور فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له ﷺ أن يقضيه. وأما المنهي عنه في حديث ابن عباس فهو أن يبتدأ المرء متبرعا به من غير

стр. 413

إيجاب نذر ولا عادة قد تعودها فيما مضى والله أعلم. وسرر الشهر آخره وفيه لغتان يقال سرر الشهر وسراره. قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن العلاء الزُبيدي من كتابه حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء، عَن أبي الأزهر المغيرة بن فروة قال قام معاوية في الناس بدير مسحل الذي على باب حمص فقال يا أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا، وأنا متقدم بالصيام فمن أحب أن يفعله فليفعله قال فقام إليه مالك بن هبيرة فقال يا معاوية أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول صوموا الشهر وسرَّه. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال قال الوليد سمعت أبا عمرو، يَعني الأوزاعي يقول سره أوله. قلت أنا أنكر هذا التفسير وأراه غلطا في النقل ولا أعرف له وجها في اللغة، والصحيح ان سره آخره هكذا حدثناه أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقي عن الوليد عن الأوزاعي قال سِره آخره وهذا هو الصواب. وفيه لغات يقال سر الشهر وسَرَرُ الشهر وسراره وسمي آخر الشهر سرا لاستسرار القمر فيه. وأما قوله صوموا الشهر فإن العرب تسمي الهلال الشهر تقول رأيت الشهر أي الهلال وأنشد ابن الأعرابي: اَبْدانَ من نجد على مَهَل ...والشهر مثل قلامة الظفر أي الهلال ولذا كان أول الشهر مأمورا بصيامه في قوله صوموا الشهر فقد علم أن الأمربصيام سره غير أوله.

стр. 414

ومن باب إذا رُأى الهلال ببلد قبل آخر بليلة قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إسماعيل، يَعني ابن جعفر أخبرني محمد بن أبي حرمله أخبرني كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليله الجمعة ثم قدمت المدينة من الشام في آخر الشهر فسألني ابن عباس فقال متى رأيتم الهلال قلت رأيته ليلة الجمعة، قال أنت رأيته قلت نعم ورآه الناس فصاموا وصام معاوية، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقلت أفلا نكتفي برؤيه معاوية وصيامه قال لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . قلت اختلف الناس في الهلال يستهله أهل بلد في ليلة ثم يستهله أهل بلد آخر في ليلة قبلها أو بعدها فذهب إلى ظاهر حديث ابن عباس القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعكرمة وهو مذهب إسحاق وقالوا لكل قوم رؤيتهم. وقال ابن المنذر قال أكثر الفقهاء إذا ثبت بخبر الناس أن أهل بلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروه، وهو قول أصحاب الرأي ومالك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. ومن باب كراهة صوم يوم الشك قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير أخبرنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس، عَن أبي إسحاق عن صلة قال كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ .

стр. 415

قلت اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك فقال قوم إنما نهى عن صيامه إذا نوى به أن يكون عن رمضان. فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز. هذا قول مالك بن أنس والأوزاعي وأصحاب الرأي، ورخص فيه على هذا الوجه أحمد وإسحاق. وقالت طائفة لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي فيه وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان، هكذا قال عكرمة وروي معناه، عَن أبي هريرة وابن عباس. وكانت عائشة وأسماء ابنتا أبي بكر ﵃ تصومان ذلك اليوم، وكانت عائشة تقول لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب صوم يوم الشك إذا كان من ليله في السماء سحاب أو قترة فإن كان صحواً ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وقال الشافعي إن وافق يوم الشك يوما كان يصومه صامه وإلا لم يصمه وهو أن يكون من عادته أن يصوم صوم داود فإن وافق يوم صومه صامه وإن وافق يوم فطره لم يصمه. قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا يتقدم أحدكم صوم رمضان بيوم ولا يومين إلاّ أن يكون صوما يصومه رجل فليصم ذلك اليوم. قلت معناه أن يكون قد اعتاد صوم الاثنين والخميس فيوافق صوم اليوم المعتاد فيصومه ولا يتعمد صومه إن لم تكن له عادة وهذا قريب من معنى

стр. 416

الحديث الأول. قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا انتصف شعبان فلا تصوموا. قلت هذا حديث كان يذكره عبد الرحمن بن مهدي من حديث العلاء وروت أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان كله ويصله برمضان ولم يكن يصوم من السنة شهرا تاما غيره. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد قال قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه ثم قال اللهم إن هذا يحدث عن أبيه، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، فقال العلاء اللهم إن أبى حدثني، عَن أبي هريرة ويشبه أن يكون حديث العلاء أثبت على معنى كراهة صوم يوم الشك ليكون في ذلك اليوم مفطرا أو يكون استحب إجمام الصائم في بقية شعبان ليتقوى بذلك على صيام الفرض في شهر رمضان كما كره للحاج الصوم بعرفة ليتقوى بالإفطار على الدعاء. ومن باب الشهادة على هلال شهر شوال قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد بن العوام، عَن أبي مالك الأشجعي حدثنا الحسين بن الحارث الجَدَلي جديلة قيس. أن أمير مكة خطب ثم قال عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك لرؤيته فإن لم نره وشهد شاهد عدل نسكنا بشهادتهما قال فسألت الحسين بن

стр. 417

الحارث من أمير مكة، فقال الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب ثم قال الأمير إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني وشهد هذا من رسول الله ﷺ وأومأ بيده إلى رجل قال الحسين، فقلت لشيخ إلى جنبي من هذا الذي أومأ إليه الأمير، قال هذا عبد الله بن عمر وصدق كان أعلم بالله منه فقال بذلك أمرنا رسول الله ﷺ . قلت لا أعلم اختلافا في أن شهادة الرجلين العدلين مقبولة في رؤية هلال شوال وإنما اختلفوا في شهادة رجل واحد، فقال أكثر العلماء لا يقبل فيه أقل من شاهدين عدلين. وقد روي عن عمر بن الخطاب من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه أجاز شهادة رجل واحد في أضحى أو فطر، ومال إلى هذا القول بعض أهل الحديث وزعم أن باب رؤية الهلال باب الإخبار فلا يجري مجرى الشهادات ألا ترى أن شهادة الواحد مقبولة في رؤية هلال شهر رمضان فكذلك يجب أن تكون مقبولة في هلال شهر شوال. قلت لو كان ذلك من باب الإخبار لجاز فيه أن يقول أخبرني فلان أنه رأى الهلال فلما لم يجز ذلك على الحكاية عن غيره علم أنه ليس من باب الإخبار والدليل على صحة ذلك أنه يقول أشهد أني رأيت الهلال كما يقول ذلك في سائر الشهادات ولكن بعض الفقهاء ذهب في أن رؤية هلال رمضان خصوصا من باب الإخبار وذلك لأن الواحد العدل فيه كاف عند جماعة من العلماء واحتج بخبر ابن عمر أنه قال أخبرت رسول الله ﷺ إني رأيت الهلال فأمرالناس بالصيام.

стр. 418

قلت ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز فيه المرأة والعبد. قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي وإنا لحديثه أتقن قالا: حَدَّثنا مروان وهو ابن محمد عن عبد الله بن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عَن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال ترايا الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه. قلت فيه بيان أن شهادة الواحد العدل في رؤية هلال شهر رمضان مقبولة وإليه ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو قول أحمد بن حنبل. وكان أبو حنيفة وأبو يوسف يجيزان على هلال شهر رمضبان شهادة الرجل الواحد العدل وإن كان عبدا، وكذلك المرأة الواحدة وإن كانت أمة ولا يجيزان في هلال الفطر إلاّ رجلين أو رجلا وامرأتين. وكان الشافعي لا يجيز في ذلك شهادة النساء، وكان مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه يقولون لا يقبل على هلال شهر رمضان ولا على هلال الفطر أقل من شاهدين عدلين. وفي قول ابن عمر ترايا الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته وقبوله في ذلك قوله وحده دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد وأنه لا فرق بين أن يكون المخبر بذلك منفردا عن الناس وحده وبين أن يكون مع جماعة من الناس فلا يشاركه أصحابه في ذلك. وقال بعض أهل العراق إذا ترايا الناس الهلال وكان صحواً فقال واحد منهم قد رأيته لم أقبله قال وهذا مثل أن يكون جماعة قد حضروا الإمام يوم الجمعة فأخبر واحد منهم أنه خطب موليا وجهه عن القبلة ولم يصدقه على ذلك الجماعة الحضور فإنه لا يقبل.

стр. 419

قلت وهذا مخالف لما شبهوه به لأن مثل تلك الحال لا يخفى على ذي بصر. والحاد البصر والكليل يستويان في ذلك. وأما الهلال فقد يزل عن بعض أبصار الناس لدقته وضؤلة شخصه ويتجلى لمن كان أحد بصرا وأجود استدراكا. ولو أن جماعة حضروا في محفل فشهد عدلان منهم على رجل من جماعتهم أنه قام فيهم فطلق امرأته وأنكره الباقون كان القول قولهما دون قول من أنكر وإن كانوا كلهم ذوي آذان سميعة واحساس سليم فكذلك هذا لا فرق بين الأمرين. قال أبو داود: حدثنا محمد بن بكار بن الريان حدثنا الوليد، يَعني ابن ثور قال وحدثنا الحسن بن علي حدثنا حسين عن زائدة المعنى عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال، قال الحسن، يَعني هلال رمضان، فقال أتشهد أن لا إله إلاّ الله، قال نعم قال أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم، قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا. قلت وهذا يدل على مثل ما دل عليه خبر ابن عمر، وفيه حجة لمن أجرى الأمر في رؤ ية هلال شهر رمضان مجرى الإخبار ولم يحملها على أحكام الشهادات وفيه أيضاً حجة لمن رأى أن الأصل في المسلمين العدالة، وذلك أنه لم يطلب أن يعلم من الأعرابي غير الإسلام فقط ولم يبحث بعد عن عدالته وصدق لهجته. ومن باب السحور قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه، عَن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر. قلت معنى هذا الكلام الحث على التسحر وفيه الإعلام بأن هذا الدين يسر

стр. 420

لا عسر فيه. وكان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام ثم نسخ الله ذلك ورخص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله ﴿كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] . قال أبو داود: حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا حماد بن خاك الخياط حدثنا معاوية بن صالح عن يوسف بن سيف عن الحارث بن زياد، عَن أبي رُهم عن العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان فقال هلم إلى الغداء المبارك. قلت إنما سماه غداء لأن الصائم يتقوى به على صيام النهار فكأنه قد تغدى والعرب تقول غدا فلان لحاجته إذا بكر فيها وذلك من لدن وقت السحر إلى طلوع الشمس قال: أمن آل نُعم أنت غادٍ فمبكر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه قال سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو يقول. قال رسول الله ﷺ : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق الذي هكذا حتى يستطير. قوله يستطير معناه يعترض في الأفق وينشر ضوءه هناك قال الشاعر: لهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبُويرة مستطير قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن النعمان حدثني قيس بن طلق عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ كلوا واشربوا ولا يَهِيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر.

стр. 421

قوله لا يهيدنكم معناه لا يمنعنكم الأكل وأصل الهيد الزجر، يقال هدت الرجل أهيده هيداً إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب يريد هِيْد هِيْد والساطع المرتفع وسطوعها ارتفاعها مصعداً قبل أن يعترض. ومعنى الأحمر ههنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة وذلك أن البياض إذا تتام طلوعه ظهرت أوائل الحمرة والعرب تشبه الصبح بالبلَق في الخيل لما فيه من بياض وحمرة، وقد جعله عمر بن أبي ربيعة شقرة فقال: فلما تقضى الليل إلاّ أقله ...وكادت توالي نجمه تتغوّر فما راعني إلاّ مناد تحملوا ...وقد لاح معروف من الصبح أشقر قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا حصين بن نمير قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن إدريس المعنى عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت هذه الآية ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] قال أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود ووضعتهما تحت وسادتي فنظرت فلم أتبين فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال إن وسادك إذاً لعريض طويل إنما هو الليل والنهار. وقال عثمان إنما هو سواد الليل وبياض النهار. قوله إن وسادك إذاً لعريض فيه قولان أحدهما يريد أن نومك إذاً لكثير وكنى بالوساد عن النوم إذا كان النائم يتوسده أو يكون أراد أن ليلك إذا لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل والشرب حتى يتبين لك سواد العقال من بياضه. والقول الآخر أنه كنى بالوساد عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوساد إذا نام والعرب تقول فلان عريض القفا إذا كانت فيه غباوة وغفلة.

стр. 422

وقد روي في هذا الحديث من طريق آخر أنه قال إنك عريض القفا والعرب تسمي بياض الصبح أول ما يبدو خيطاً قال النابغة: فلما تبدت لنا سَدْفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا ومن باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه. قلت هذا على قوله إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم أو يكون معناه أن يسمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن تكون السماء متغمة فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر معه معدومة ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضاً، فأما إذا علم انفجار الصبح فلا حاجة به إلى أذان الصارخ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ومن باب وقت فطر الصائم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع قال وحدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود المعنى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ إذا جاء الليل من هاهنا وذهب النهار من هاهنا. قال مسدد وغابت الشمس فقد أفطر الصائم. قوله فقد أفطر الصائم معناه أنه قد صار في حكم المفطر وإن لم يأكل وقيل معناه أنه قد دخل في وقت الفطر وحان له أن يفطر كما قيل أصبح الرجل إذا

стр. 423

دخل في وقت الصبح وأمسى وأظهر كذلك. وفيه دليل على بطلان الوصال. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا سليمان الشيباني. قال سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم فلما غربت الشمس قال يا بلال انزل فاجدح لنا فقال يا رسول الله لو أمسيت قال انزل فاجدح لنا قال يا رسول الله إن عليك نهاراً. قال انزل فاجدح لنا فجدح فشرب رسول الله ﷺ ثم قال إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم وأشار بأصبعه قبل المشرق. قوله أجدح لنا الجدح أن يخاض السويق بالماء ويحرك حتى يستوي وكذلك اللبن ونحوه. والمجدح العود المجنح الرأس الذي يخاض به الأشربة ليرق ويستوي. ومن باب الوصال قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال قالوا فإنك تواصل قال إني لست كهيئتكم أني أطعم وأسقى. قلت الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله ﷺ وهو محظور على أمته ويشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يتخوف على الصائم من الضعف وسقوط القوة فيعجزوا عن الصيام المفروض وعن سائر الطاعلت أو يملوها إذا نالتهم المشقة فيكون سببا لترك الفريضة. قوله إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى يحتمل معنيين أحدهما أني أعان على الصيام وأقوى عليه فيكون ذلك بمنزلة الطعام والشراب لكم. ويحتمل أن يكون قد يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمهما فيكون ذلك خصيصا

стр. 424

كرامة لا يشركه فيها أحد من أصحابه والله أعلم. ومن باب الغيبة للصائم قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، عَن أبي الزناد عن الأعرج، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم. قوله لا يرفث يريد لا يفحش والرفث الخنا والفحش. وقوله فليقل إني صائم يتأول على وجهين أحدهما فليقل ذلك لصاحبه نطقا باللسان يرده بذلك عن نفسه. والوجه الآخر أن يقول ذلك في نفسه أي ليعلم أنه صائم فلا يخوض معه ولا يكافئه على شتمه لئلا يفسد صومه ولا يحبط أجر عمله. ومن باب الاستنشاق للصائم قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله ﷺ بالغ في الاستنشاق إلاّ أن تكون صائماً. فيه من الفقه أن وصول الماء إلى موضع الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه، وقد يستدل بذلك من يوجب الاستنشاق في الطهارة قالوا ولولا وجوبه لكان يطرحه عن الصائم أصلا احتياطاً على صومه فلما لم يفعل ذلك دل على أنه واجب لا يجوز تركه وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه.

стр. 425

ومن باب من أفطر قبل غروب الشمس قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن العلاء المعنى قالا: حَدَّثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أيى بكر قالت أفطرنا يوما في رمضان في غيم في عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس وقال أسامة قلت لهشام أمروا بالقضاء قال وبُدَّ من ذلك. قلت اختلف في وجوب القضاء في مثل هذا فقال أكثر أهل العلم القضاء واجب عليه وقال إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر لا قضاء عليه ويمسك بقية النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن البصرى وشبهوه بمن أكل ناسيا في الصوم. قلت الناسي لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غيبوبة الشمس فالنسيان خطأ في الفعل وهذا خطأ في الوقت والزمان والتحرز منه ممكن. ومن باب السواك للصائم قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح حدثنا شريك (ح) وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن عاصم بن عبيد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم زاد مسدد في حديثه ما لا أعُدُ ولا أُحصي. قلت السواك مستحب للصائم والمفطر إلاّ أن قوما من العلماء كرهوا للصائم أن يستاك آخر النهار استبقاء لخلوف فمه، وإلى هذا ذهب الشافعى وهو قول الأوزاعي وروي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب عطاء ومجاهد.
следующие страницы →