← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

رؤوسهم دليل على أن ذلك أمركان يتواتر منهم وأنه قد كثر حتى صار كالعادة لهم وأنه لم يكن نادرا في بعض الأحوال وذلك يؤكد ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث. وقوله تخفق رؤوسهم معناه تسقط أذقانهم على صدورهم وهذا لا يكون إلاّ عن نوم مثقل. قال ذو الرمة يذكر سرى الليل وغلبة النوم: وخافق الرأس وسط الكور قلت له ...زع بالزمام وجوف الليل مركوم قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح في آخرين قالوا حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوط بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : وكاء السِّه العينان فمن نام فليتوضأ. السه اسم من أسماء الدبر والوكاء الرباط الذي يشد به القربة ونحوها من الأوعية وفي بعض الكلام الذي يجري مجرى الأمثال حفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وفي هذا الحديث ما يؤيد ماقلناه من أن النوم عينه ليس بحدث وإنما ينتقض به الطهر إذا كان مع إمكان انحلال الوكاء غالبا فأما مع إمساكه بأن يكون واطدا بالأرض فلا. ومن أهل العلم من يذهب إلى أن النوم قليله وكثيره حدث إلاّ أنه لا يسمى هذا النوع منه نوما مطلقا إنما يسميه نعاسا قال وذلك لأنه إذا وجد منه النوم عدم معه التماسك أصلا وأنشد فيه قول الشاعر: وسنان أثقله النعاس فرنَّقت ... في عينه سنة وليس بنائم وقال المفضل الضبي السنة في الرأس والنوم في القلب ويشهد لذلك قول النبي ﷺ : تنام عيناي ولا ينام قلبي.

стр. 72

ومن باب الرجل يطأ الاذى برجله قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عَن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق قال قال عبد الله كنا لا نتوضأ من موطىء ولا نكُف شعرا ولا ثوبا. الموطىء ما يوطأ من الأذى في الطرق وأصله الموطوء بالواو وإنما أراد بذلك أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم لأنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها. وقوله لا نكف شعرا ولا ثوبا أي لا نقيها من التراب إذا صلينا صيانة لهما عن التتريب ولكن نرسلهما حتى يقعا بالأرض فيسجدا مع الأعضاء. ومن باب في المذي قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي النَّضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه فإن عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله. قال المقداد فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن عروة أن عليا ﵁ قال للمقداد وذكر نحو هذا. قال فسأله المقداد فقال رسول الله ﷺ : ليغسل ذكره وأنثييه. قوله فلينضح فرجه معناه ليغسله بالماء وأمر بغسل الأنثيين استظهارا بزيادة التطهير لأن المذي ربما انتشر فأصاب الأنثيين ويقال إن الماء البارد إذا أصاب

стр. 73

الأنثيين رد المذي وكسر من غربه فلذلك أمره بغسلهما. وفيه من الفقه أن المذي نجس وأنه ليس فيه إلاّ الوضوء. ومن باب الإكسال قال أبو داود: حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان، عَن أبي حازم عن سهل بن سعد حدثني أُبيّ بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد. قال معنى الماء من الماء إنما هو وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق وكان الحكم في صدر الاسلام أن مخالطة الرجل المرأة حتى يلتقي الختانان منهما من غير إترال لا يوجب الاغتسال فأحد الماءين المذكورين في الخبر هو المني والماء الآخر الغسول الذي يغسل به. ثم نسخ ذلك واستقر الحكم على أن الختانين إذا التقيا فقد وجب الغسل سواء كان هناك إنزال أو لم يكن، وقد بقي على المذهب الأول جماعة من الصحابة لم يبلغهم خبر التقاء الختانين. منهم سعد بن أبي وقاص وأبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج وزيد بن خالد وممن ذهب إلى قولهم سليمان الأعمش ومن المتأخرين داود بن علي. وروى شريك عن داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله الماء من الماء قال إنما ذلك في الاحتلام. وفي قوله الماء من الماء مستدل لمن ذهب إلى طهارة المني وذلك أنه سماه ماء

стр. 74

وهذا الاسم على إطلاقه لا يكون إلاّ في الطاهر ألا ترى أنه قال لايقولن أحدكم أرقت ماء وليقل بُلْتُ فمنع إطلاق هذا الاسم على النجاسة. ومن باب الجنب يؤخر الغسل قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن علي بن مدرك، عَن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير عن عبد الله بن نُجيّ عن أبيه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب. قوله لا تدخل الملائكة بيتا يريد الملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الملائكة الذين هم الحفظة فإنهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب. وقد قيل أنه لم يرد بالجنب ههنا من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى أوان حضور الصلاة ولكنه الذي يجنب فلا يغتسل ويتهاون به ويتخذه عادة فإن النبي ﷺ قد كان يطوف على نسائه في غسل واحد، وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه. وقالت عائشة كان رسول الله ﷺ ينام وهوجنب من غير أن يمس ماء. وأما الكلب فهو أن يقتني كلبا ليس لزرع ولا ضرع أو صيد، فأما إذا كان يرتبطه للحاجة إليه في بعض هذه الأمور أو لحراسة داره إذا اضطر إليه فلا حرج عليه. وأما الصورة فهي كل صورة من ذوات الأرواح كانت لها أشخاص منتصبة أو كانت منقوشة في سقف أوجدار أومصنوعة في نمط أومنسوجة في ثوب أو ما كان فإن قضية العموم تأتي عليه فليجتنب وبالله التوفيق.

стр. 75

ومن باب الجنب يقرأ قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مُرة عن عبد الله بن سلمة قال دخلت على عليّ أنا ورجلان رجل منا ورجل من بني أسد فبعثهما علي ﵁ وجها. وقال إنكما عِلجان فعالجا عن دينكما. فدخل المخرج ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك فقال إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا ولم يكن يحجبُه أو قال يحجزُه عن القرآن شيء ليس الجنابة. قوله إنكما علجان يريد الشدة والقوة على العمل يقال رجل عَلج وعُلج إذا كان قوي الخلقة وثيق البنية، وقوله عالجا عن دينكما أي جاهدا وجالدا. وقوله ليس الجنابة معناه غير الجنابة، وحرف ليس لها ثلاثة مواضع أحدها أن تكون بمعنى الفعل ترفع الاسم وتنصب الخبر كقولك ليس عبد الله عاق وتكون بمعنى لا كقولك رأيت عبد الله ليس زيدا تنصب به زيدا كما تنصب بلا وتكون بمعنى غير، كقولك ما رأيت أكرم من عمرو ليس زيد أي غير زيد وهو يجر ما بعده. وفي الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن وكذلك الحائض لا تقرأ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة. وكان أحمد بن حنبل يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحنوها وكان يوهن حديث علي هذا ويضعف أمرعبد الله بن سلمة وكذلك قال مالك في الجبنب أنه لا يقرأ الآية ونحوها. وقد حكي عنه أنه قال تقرأ الحائض ولا يقرأ الجبنب لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن لأن أيام

стр. 76

الحيض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول، وروي عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأسا بقراءة الجنب القرآن وأكثر العلماء على تحريمه. ومن باب الجنب يدخل المسجد قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأفلتُ بن خليفة حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت سمعت عائشة ﵂ تقول جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب. وجوه البيوت أبوابها ولذلك قيل لناحية البيت التي فيها الباب وجه الكعبة. وقوله وجهوا هذه البيوت عن المسجد أي احرفوا وجوهها يقال وجهت الرجل إلى ناحية كذا إذا جعلت وجهه إليها ووجهته عنها إذا صرفته عن جهتها إلى جهة غيرها. وفي الحديث بيان أن الجنب لا يدخل المسجد وظاهر قوله ﷺ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب يأتي على مقامه في المسجد ومروره فيه. وقد اختلف العلماء في ذلك فقال أصحاب الرأي لا يدخل الجنب المسجد إلاّ بأحد الطهرين وهو قول سفيان الثوري فإن كان مسافرا ومر على مسجد فيه عين ماء تيمم بالصعيد ثم دخل المسجد واستقى. وقال مالك والشافعي ليس له أن يقعد في المسجد وله أن يمر فيه عابر سبيل. وتأول الشافعي قوله تعالى ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآية. على أن المراد به المسجد وهو موضع الصلاة وعلى هذا تأوله أبوعبيدة معمر بن المثنى. وكان أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الظاهر يجيزون للجنب دخول المسجد إلاّ أن أحمد كان يستحب له أن يتوضأ

стр. 77

إذا أراد دخوله وضعفوا هذا الحديث وقالوا افلتُ راويه مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه، والآية على مذهب هؤلاء الطائفة المتقدمة متأولة على أن عابري سبيل هم المسافرون تصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون، وقد روي ذلك عن ابن عباس. ومن باب الجنب يصلي بالقوم وهو ناس قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن زياد الأعلم عن الحسن، عَن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أَنْ مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر ماء فصلى بهم. قلت في هذا الحديث دلالة على أنه إذا صلى بالقوم وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته إن صلاتهم ماضية ولا إعادة عليهم وعلى الإمام الإعادة وذلك أن الظاهر من حكم لفظ الخبر أنهم قد دخلوا في الصلاة معه ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء فأتم الصلاة بهم، وإذا صح جزء من الصلاة حتى يجوز البناء عليه جاز سائر أجزائها، والاقتداء بالإمام طريقه الاجتهاد، وإنما كلِفَ المأموم الظاهِرَ من أمره وليس عليه الإحاطة لأنه يتعذر دركها فإذا أخطأ فيما حكمه الظاهر لم ينقض عليه فعله كالحاكم لا ينقض عليه حكمه فيما طريقه الاجتهاد وإن أخطأ فيه ولا سبيل للمأموم إلى معرفة طهاره الإمام ولا عتب عليه إن عزب عنه علمها وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ ولا يعلم له مخالف وإليه ذهب الشافعي. وفي الحديث دليل على أن افتتاح المأموم صلاته قبل الإمام لا تبطل صلاته وفيه حجة لمن ذهب إلى البناء على الصلاة في الحدث.

стр. 78

ومن باب في الرجل يجد البِلةَ في منامه قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن خالد الخياط حدثنا عبد الله العمري عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة قالت سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلام قال يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل قال لا غسل عليه. فقالت أم سليم المرأة ترى ذلك أعليها الغسلُ قال نعم إنما النساء شقائق الرجال. قلت ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى البلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق. وروي هذا القول عن جماعة من التابعين هم عطاء والشعبي والنخعي وقال أحمد بن حنبل أعجب إليّ أن يغتسل إلاّ رجلا به أبردة. وقال أكثر أهل العلم لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط ولم يختلفوا أنه إذا لم ير الماء وإن كان رأى في النوم أنه قد احتلم فإنه لا يجب عليه الاغتسال، وعبد الله بن عمر العمري ليس بالقوي عند أهل الحديث. وقوله النساء شقائق الرجال أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع فكأنهن شققن من الرجال. وفيه من الفقه إثبات القياس والحاق حكم النظير بالنظير وأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا بالنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها، وفيه ما دل على فساد قول من زعم من أهل الظاهر أن من أعتق شركاً له في جارية بينه وبين شريكه وكان موسراً فإنه لا يقوَّم عليه نصيب شريكه ولا تعتق الجارية لأن الحديث إنما ورد في العبد دون الأمة.

стр. 79

ومن باب الغسل من الجنابة قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو عاصم عن حنظلة عن القاسم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة جاء بشيء نحو الحِلاب فأخذ بكفيه فبدأ بشِق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. الحلاب إناء يسع قدر حلبة ناقة، وقد ذكره محمد بن إسماعيل في كتابه وتأوله على استعمال الطيب في الطهور وأحسبه توهم أنه أريد بالمحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي. وليس هذا من الطيب في شيء وإنما هوعلى ما فسرتم لك ومنه قول الشاعر: صاح هل رأيت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي حدثنا الحارث بن وجيه حدثنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله: تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة. ظاهر هذا الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة لأنه لا يكون شعره كله شعرة شعرة مغسولا إلاّ بنقضها وإليه ذهب إبراهيم النخعي وقال عامة أهل العلم إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينقض شعره يجزيه. والحديث ضعيف والحارث بن وجيه مجهول وقد يحتج به من يوجب الاستنشاق في الجنابة لما في داخل الأنف من الشعر. واحتج بعضهم في إيجاب المضمضة بقوله وأنقوا البشرة وزعم أن داخل الفم من البشرة، وهذا خلاف قول أهل اللغة لأن البشرة عندهم هي ما ظهر من البدن

стр. 80

فباشره البصر من الناظر إليه، وأما داخل الأنف والفم فهو الأدمة والعرب تقول فلان مُؤدَم مُبشر إذا كان حسن الظاهر مخبوء الباطن كذلك أخبرني أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى. ومن باب في المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة أن امرأة من المسلمين قالت يا رسول اللهإ ني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة. قال إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حَثَيات من ماء ثم تفيضي على ساتر جسدك فإذا أنت قد طهرت. قولها أشد ضفر رأسي أي فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض يقال ضفرت الشعر إذا فعلت ذلك به وضفرت شراك النعل ونحوه والعقائص يقال لها الضفاير. وفي قوله ﷺ فإذا أنت قد طهرت دليل على أنه إذا انغمس في الماء أوبلل به بدنه من غير دلك باليد وامرار بها عليه فقد أجزأه، وهو قول عامة الفقهاء إلاّ مالك فانه قال إذا اغتسل من الجنابة فانه لا يجزيه حتى يُمر يده على جسده. وكذلك قال في الوضوء إذا غمس يده أو رجله في الماء لم يجزئه وإن نوى الطهارة حتى يمر يديه على رجليه يتدلك بهما. وفيه دليل على أن الفيضة الواحدة من الماء إذا عمت تجزيه وأن الغسلات الثلاث إنما هي على الاستحباب وليست على الوجوب.

стр. 81

ومن باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن أسيد بن حُضير وعباد بن بشر أتيا النبي ﷺ فسألاه أن يأذن لهما في وطء النساء في المحيض خلافا لليهود فتمعر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما قال فخرجا واستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما. قوله تمعر وجهه معناه تغير والأصل في التمعر قلة النضارة وعدم إشراق اللون ومنه المكان الأمعر وهو الجدب الذي ليس فيه خصب. وقوله فظننا أنه لم يجد عليهما يريد علمنا فالظن الأول حسبان والآخر علم ويقين، والعرب تجعل الظن مرة حسباناً ومرة علما ويقينا لاتصال طرفيه بهما فمبدأ العلم ظن وآخره يقين قال الله تعالى ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ [البقرة: ٤٦] معناه يوقنون. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن مِسعَر عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت كنت أتعرّق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته. العظم العراق بما عليه من اللحم تريد أني كنت انتهسه وآخذ ما عليه من اللحم. ومن باب الحائض تناول من المسجد قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة قالت قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد فقلت إني حائض فقال رسول الله ﷺ إن حيضتك ليست في يدك.

стр. 82

الخمرة السجادة التي يسجد عليها المصلي ويقال سميت خمرة لأنها تخمر وجه المصلي عن الأرض أي تستره. وقوله ليست حيضتك في يدك الحيضة بكسر الحاء الحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كما قالوا القعدة والجلسة يريدون حال القعود والجلوس. وأما الحيضة مفتوحة الحاء فهي الدفعة من دفعات دم الحيض. وفي الحديث من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد وأن من حلف لا يدخل دارا أو مسجدا فإنه لا يحنث بإدخال يده أو بعض جسده فيه ما لم يدخله بجميع بدنه. ومن باب في اتيان الحائض قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار أو بنصف دينار. قلت قد ذهب إلى إيجاب الكفارة عليه غير واحد من العلماء منهم قتادة والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وبه قال الشافعي قديما ثم قال في الجديد لا شيء عليه. قلت ولا ينكر أن يكون فيه كفارة لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان وقال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله وزعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس (ولا يصح متصلا مرفوعا والذمم برية إلاّ أن تقوم الحجة بشغلها وكان ابن عباس) يقول إن أصابها في فور الدم تصدق بدينار وإن كان في آخره فنصف دينار.

стр. 83

وقال قتادة دينار للحائض ونصف دينار إذا أصابها قبل أن تغتسل وكان أحمد ابن حنبل يقول هو مخير بين الدينار والنصف الدينار. وروي عن الحسن أنه قال عليه ما على من وقع على أهله في شهر رمضان. ومن باب في الرجل يصيب من أهله دون الجماع قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يأمرنا في فوح حيضنا أن نتزر ثم يباشرنا وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه. فوح الحيض معظمه وأوله ومثله فَوعة الدم، يقال فاح وفاع بمعنى واحد وجاء في الحديث النهي عن السير في أول الليل حتى تذهب فوعته يريد إقبال ظلمته كما جاء النهي عن السير حتى يذهب فحمة العشاء. وقولها أيكم يملك إربه يروى على وجهين. أحدهما الإرب مكسورة الألف والآخر الأرب مفتوحة الألف والراء وكلاهما معناه وطر النفس وحاجتها يقال لفلان عندي أرب وإرب أي بغية وحاجة. ومن باب في المرأة تستحاض ومن قال تدع الصلاة عدد الأيام التي كانت تحيض قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسارعن أم سلمة أن امرأة كانت تُهَراقُ الدماء على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ قال: لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن في الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة

стр. 84

قدر ذلك من الشهر فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفربثوب ثم لتصلّ. قلت هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة، ثم تستحاض فتهريق الدماء ويستمر بها السيلان. أمرها رسول الله ﷺ أن تدع الصلاة من الشهر قدر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها، فإذا استوفت عدد تلك اليام اغتسلت مرة واحدة وصار حكمها حكم الطواهر في وجوب الصلاة والصوم عليها وجواز الطواف إذا حجت وغشيان الزوج إياها، إلاّ أنها إذا أرادت أن تصلي توضأت لكل صلاة تصليها لأن طهارتها طهارة ضرورية فلا يجوز أن تصلي بها صلاتي فرض كالمتيمم ولولا أنها قد كانت تحفظ عدد أيامها التي كانت تحيضها أيام الصحة لم يكن لقوله ﷺ : لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها معنى. إذ لا يجوز أن يردها إلى رأيها ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه والاستثفار أن تشد ثوبا تحتجز به يمسك موضع الدم ليمنع السيلان وهومأخوذ من الثفر. وفيه من الفقه أن المستحاضة يجب عليها أن تستثفر وأن تعالج نفسها بما يسد المسلك ويرد الدم من قطن ونحوه كما قال في حديث حمنة أنعت لك الكرسف وقال لها تلجمي واستثفري. وفيه دليل على أنها إذا لم تفعل ذلك كان عليها إعادة الوضوء إذا خرج منها دم. وإنما جاء قوله ﷺ تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير فيمن قد تعالجت بالاستثفار ونحوه فإذا جاء بعد ذلك شيء غالب لا يرده الثفر حتى تقطر لم يكن عليها إعادة الوضوء. فأما إذا لم تكن قدمت العلاج فهي غير معذورة

стр. 85

وإنما أتيت من قبل نفسها فلزمها الوضوء. وهكذا حكم من به سلس البول يجب عليه أن يسد المجرى بقطن ونحوه، ثم يشده بالعصائب فإن لم يفعل فقطر أعاد الوضوء. وفي هذا الباب حروف منها أن عائشة قالت رأيت مِركنها مَلآن دما والمرْكنُ شبه الجفنة الكبيرة ومنها قوله إذا أتاك قرؤك فلا تصلي وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء يريد بالقرء هنا الحيض يقال قرء وقرء ويجمع على القروء وحقيقة القرء الوقت الذي يعود فيه الحيض أو الطهر ولذلك قيل للطهر قرء كما قيل للحيض قرء، وذهب إلى أن الأقراء في العدة الحيض عمر بن الخطاب ﵁ وإلى أنها الأطهار عائشة. وروي ذلك أيضاً عن زيد بن ثابت ومنها قوله ﷺ : إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العروق فاتصل الدم وليس بدم الحيض الذي يقذفه الرحم لميقات معلوم فيجري مجرى سائر الأثفال والفضول التي تستغني عنها الطبيعة فتقذفها عن البدن فتجد النفس راحة لمفارقتها وتخلصها عن ثفلها وأذاها. ومن باب من قال إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة قال أبو داود: حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: حَدَّثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ : استحيضت سبع سنين. فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي. قال أبو داود: زاد الأوزاعي في هذا الحديث عن الزهري عن عروة

стр. 86

أن عائشة ﵂ قالت فأمرها النبي إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي. قلت وهذا خلاف الأول وهو حكم المرأة التي تميز دمها فتراه زمانا أسود ثخينا فذلك إقبال حيضها ثم تراه رقيقا مشرقا فذلك حين إدبار الحيضة ولا يقول لها رسول الله ﷺ هذا القول إلاّ وهي تعرف إقبالها وإدبارها بعلامة تفصل بها بين الأمرين وبين ذلك حديثه الآخر. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن محمد، يَعني ابن عمرو حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق. قال أبو داود: وقد روى أنس بن سيرين عن ابن عباس في المستحاضة قال إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي. قلت فهذا يبين لك أن الدم إذا تميز كان الحكم له وإن كانت لها أيام معلومة. واعتبار الشيء بذاته وبخاص صفانه أولى من اعتباره بغيره من الأشياء الخارجة عنه فإذا عدمت التمييز فالاعتبار للأيام على معنى حديث أم سلمة. وقول ابن عباس إذا رأت الدم البحراني يريد الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الرحم ونسب إلى البحر لكثرته وسعته والتبحر التوسع في الشيء والانبساط فيه. قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة

стр. 87

شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ استفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم فقال: أنعت لك الكُرسُف فإنه يذهب الدم. قالت هو أكثر من ذلك قال فاتخذي ثوباً فقالت هو أكثر من ذلك إنما اثُج ثجا قال رسول الله ﷺ سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر وإن قويت عليهما فأنت أعلم وقال لها إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيِّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ وهذا أعجب الأمرين إليّ. قال أبو داود: روى هذا الحديث عمرو بن ثابت عن ابن عقيل لم يجعل قوله وهذا أعجب الأمرين إليّ كلام النبي ﷺ جعله كلام حمنة. قلت وهذا خلاف الحكم الأول في حديث أم سلمة وخلاف الحكم الثاني في حديث عائشة وإنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام ولا هي مميزة لدمها وقد استمر بها الدم حتى غلبها فرد رسول الله ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر

стр. 88

والأمر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عاداتهن ويدل على ذلك قوله كما تحيض النساء ويطهرن من ميقات حيضهن وطهرهن، وهذا أصل في قياس أمرالنساء بعضهن على بعض في طب الحيض والحمل والبلوغ وما أشبه هذا من أمورهن ويشبه أن يكون ذلك منه ﷺ على غير وجه التخيير بين الستة والسبعة لكن على معنى اعتبارحالها بحال من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل إقليمها فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستا قعدت ستا وإن سبعا فسبعا. وفيه وجه آخر وذلك أنه قد يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلاّ أنها قد نسيتها فلا تدري أيتهما كانت فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تتيقنه من أحد العددين. ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله في علم الله أي فيما علم الله من أمرك من ستة أوسبعة. وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك وصار في المبتدأة التي لا تمييز للدم معها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين فلا تترك الصلاة إلاّ أقل مدة الحيض عنده وهي يوم وليلة، ثم تغتسل وتصلي سائر الشهرلأن الصلاة لا تسقط بالشك وإلى هذا مال الشافعي في أحد قوليه. وقوله أنعت لك الكرسف يريد القطن وقولها أثج ثجا، الثج شدة السيلان. وقوله إنما هي ركضة الشيطان فإن أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها يريد به الإضرار والإفساد كما تركض الدابة وتصيب برجلها ومعناه والله أعلم

стр. 89

أن الشيطان قد وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمردينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته وإضافة النسيان في هذا إلى فعل الشيطان كهو في قوله سبحانه ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ [يوسف: ٤٢] وكقول النبي ﷺ : إن نساني الشيطان شيئا من صلاتي فسبحوا أوكما قال أي إن لبس علي. ومن باب المستحاضة تغتسل لكل صلاة قال أبو داود: حدثنا هناد عن عبدة عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة. قال وحدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة قال أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلى. قلت هذا الحديث مختصر وليس فيه ذكر حال هذه المرأة لا بيان أمرها وكيفية شأنها في استحاضتها وليس كل امرأة مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها أوكانت لها أيام فنسيتها فهي لا تعرف موضعها ولا عددها ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئا من الصلاة وكان عليها أن تغتسل عند

стр. 90

كل صلاة لأنه قد يمكن أن تكون ذلك الوقت قد صادف زمن انقطاع دمها فالغسل عليها عند ذلك واجب. ومن كان هذا حالها من النساء لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات لإمكان أن تكون حائضا وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس وتقضيه بعد ذلك لتحيط علما بأن قد استوفت عدد ثلاثين يوما في وقت كان لها أن تصوم فيه وإن كانت حاجة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يوما لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة وهذا على مذهب من رأى أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما. ومن باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا واحداً قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن سهلة بنت سُهيل استحيضت فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل وتغتسل للصبح. قلت وهذه والأولى سواء وحالهما حال واحدة إلاّ أن النبي ﷺ لما رأى الأمر قد طال عليها وقد جهدها الاغتسال لكل صلاة رخص لها في الجمع بين الصلاتين لما يلحقه من مشقة السفر. وفيه حجة لمن رأى للمتيمم أن يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد لأن علتهما واحدة وهي الضرورة وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو قول ابن المسيب وسفيان الثوري والحسن والزهري. وقال مالك والشافعي وأحمد

стр. 91

وإسحاق يتيمم لكل فريضة ولا يجمع به بين فريضتين. وقد روي ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وبه قال النخعي والشعبي وقتادة. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى رسول الله ﷺ وذكر الحديث إلى أن قال لها ثم اتغسلي ثم صلي وتوضئي لكل صلاة. ثم ان أبا داود ذكر طرق هذا الحديث وضعف أكثرها، يَعني الوضوء عند كل صلاة. قال ودل على ضعف حديث حبيب بن أبي ثابت عن عائشة وذكرت الحديث قالت فكانت تغتسل لكل صلاة. قلت أما قول أكثر الفقهاء فهو الوضوء لكل صلاة وعليه العمل في قول عامتهم. ورواية الزهري لا تدل على ضعف حديث حبيب بن أبي ثابت لأن الاغتسال لكل صلاة في حديث الزهري مضاف إلى فعلها وقد يحتمل أن يكون ذلك اختيارا منها. وأما الوضوء لكل صلاة في حديث حبيب فهو مروي عن رسول الله ﷺ ومضاف إليه وإلى أمره إياها بذلك والواجب هو الذي شرعه النبي ﷺ وأمر به دون ما فعلته وأتته من ذلك. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سُمي مولى أبي بكر أن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة قال تغتسل من ظهر إلى ظهر وتتوضأ لكل صلاة فإن غلبها الدم استثفرت بثوب.

стр. 92

قال أبو داود قال مالك إني لا أظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر إنما هو من طهر إلى طهر ولكن الوهم دخل فيه فقلبه الناس فقالوا من ظهر إلى ظهر. قلت ما أحسن ما قال مالك وما أشبهه بما ظنه من ذلك لأنه لا معنى للاغتسال من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ولا أعلمه قولا لأحد من الفقهاء وإنما هو من طهر إلى طهر وهو وقت انقطاع دم الحيض. وقد يجيء ما روي من الاغتسال من ظهر إلى ظهر في بعض الأحوال لبعض النساء وهو أن تكون المرأة قد نسيت الأيام التي كانت عادة لها ونسيت الوقت أيضاً، إلاّ أنها تعلم أنها كلما انقطع دمها في أيام العادة كان وقت الظهر فهذه يلزمها أن تغتسل عند كل ظهر وتتوضأ لكل صلاة ما بينها وبين الظهر من اليوم الثاني، فقد يحتمل أن يكون سعيد إنما سئل عن امرأة هذا حالها فنقل الراوي الجواب ولم ينقل السؤال على التفصيل والله أعلم. ومن باب من لم يذكر الوضوء إلاّ عند الحدث قال أبو داود: حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن عكرمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي فإن رأت شيئا من ذلك توضأت وصلت. قال أبو داود وكان ربيعة لا يرى على المستحاضة وضوءا عند كل صلاة إلاّ أن يصيبها حدث غير الدم فتوضأ. قلت: الحديث لا يشهد لما ذهب إليه ربيعة، وذلك أن قوله فإن رأت شيئا من ذلك توضأت وصلت يوجب عليها الوضوء ما لم تتيقن زوال تلك العلة وانقطاعها عنها وذلك لأنها لا تزال ترى شيئا من ذلك أبدا إلاّ أن تنقطع عنها

стр. 93

العلة وقد يحتمل أن يكون قوله فإن رأت يمعنى فإن علمت شيئا من ذلك ورؤية الدم لا تدوم أبدا وقال أهل التفسير قوله تعالى ﴿وأ رنا مناسكنا﴾ [البقرة: ١٢٨] معناه علّمنا. وقول ربيعة شاذ ليس عليه العمل وهذا الحديث منقطع وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش. ومن باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قتادة عن أم الهُذيل عن أم عطية قالت كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا. قلت اختلف الناس في الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء فروي عن عليّ أنه قال ليس ذلك بحيض ولا تترك لها الصلاة ولتتوضأ ولتصلي. وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي. وقال سعيد بن المسيب إذا رأت ذلك اغتسلت وصلت به قال أحمد بن حنبل. وعن أبي حنيفة إذا رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم الصفرة أو الكدرة يوما أو يومين ما لم يجاوز العشرة فهو من حيضتها ولا تطهر حتى ترى البياض خالصا. واختلف قول أصحاب الشافعي في هذا فالمشهور من مذهب أصحابه أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم يجاوز خمسة عشر يوما فإنها حيض. وقال بعضهم إذا رأتها في أيام العادة كان حيضا ولا يعتبرها فيما جاوزها، فأما البكر إذا رأت أول ما رأت الدم صفرة أو كدرة فإنهما لا تعدان في قول أكثر الفقهاء حيضا وهو قول عائشة وعطاء. وقال بعض أصحاب الشافعي حكم المبتدأة بالصفرة والكدرة حكم الحيض.

стр. 94

ومن باب في وقت النفساء قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا علي بن عبد الأعلى، عَن أبي سهل عن مُسَّة عن أم سلمة قالت كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوما أو أربعين ليلة. قلت: النفاس في قول أكثر الفقهاء أربعون يوما وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس بن مالك وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. قال أبوعبيد وعلى هذا جماعة الناس. وروي عن الشعبي وعطاء أنهما جعلا النفاس أقصاه شهرين وإليه ذهب الشافعي وقال به مالك في الأول ثم رجع عنه وقال يسئل النساء عن ذلك ولم يحد فيه حدا. وعن الأوزاعي تقعد كامرأة من نسائها من غير تحديد. فأما أقل النفاس فساعة عند الشافعي وكذلك قال مالك والأوزاعي وإلى هذا مال محمد بن الحسن. فأما أبو حنيفة فإنه قال أقل النفاس خمسة وعشرون يوما. وقال أبو يوسف أدنى ما تقعد له النفساء أحد عشر يوما، فإن رأت الطهر قبل ذلك فيكون أدناه زائدا على أكثر الحيض بيوم. وعن الأوزاعي في امرأة ولدت ولم تر دما قال تغتسل وتصلي من وقتها وحديث مُسة أثنى عليه محمد بن إسماعيل وقال مسة هذه أزدية واسم أبي سهل كثير بن زياد وهو ثقة وعلي بن عبد الأعلى ثقة. ومن باب الاغتسال من الحيض قال أبو داود: حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة، يَعني ابن الفضل

стр. 95

حدثنا محمد، يَعني ابن إسحاق عن سليمان بن سُحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من غفار سماها أن النبي ﷺ أردفها على حقيبة رحله فحاضت قال فنزلت وإذا بها دم مني [وكانت أول حيضة حضتها قال فتقبضت إلى الناقة واستحييت فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال ما لك] لعلك نَفِست قلت نعم قال فأصلحي من نفسك ثم خذي إناءً من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم [ثم عودي لمركبك قالت فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء] قالت وكانت لا تطهر من حيض إلاّ جعلت في طهورها ملحا [وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت. فيه من الفقه أنه استعمل الملح في غسل الثياب وتنقيته من الدم، والملح مطعوم فعلى هذا يجوز غسل الثياب بالعسل إذا كان ثوباً من إبريسم يفسده الصابون وبالخل إذا أصابه الحبر ونحوه ويجوز على هذا التدلك بالنخالة وغسل الأيدي بدقيق الباقلّي والبطيخ ونحو ذلك من الأشياء التي لها قوة الجلاء. وحدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت الحمام بمصر فرأيت الشافعي يتدلك بالنخالة. وقوله نفست أي حضت يقال نفست المرأة مفتوحة النون مكسورة الفاء إذا حاضت ونفست بضم النون إذا أصابها النفاس. قلت: وفي هذا الباب من حديث عائشة أن النبي ﷺ علم المرأة كيف تغتسل

стр. 96

من الحيض فقال لها خذي فرصة ممسكة. الفرصة القطعة من القطن أو الصوف تفرص أي تقطع، وقد طيِبت بالمسك أو بغيره من الطيب فتتبع بها المرأة أثر الدم ليقطع عنها رائحة الأذى. وقد تتأول أن الممسكة على معنى الإمساك دون الطيب يقال مسَّكت الشيء وأمسكته يريد أنها تمسكها بيدها فتستعملها. وقال هذا القائل متى كان المسك عندهم بالحال التي يمتهن في هذا فيتوسعوا في استعماله هذا التوسع. ومن باب التيمم قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النُفيلي حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت بعث رسول الله ﷺ أُسيَد بن حُضير وأبا سامعة في طلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فأنزل الله سبحانه آية التيمم فقال لها أسيد بن حضير يرحمك الله ما نزل بك امرٌ تكرهينه إلاّ جعل الله للمسلمين ولكِ فرجا. قوله فصلوا بغير وضوء حجة لقول الشافعي فيمن لا يجد ماء ولا ترابا أنه لا يترك الصلاة إذا حضر وقتها على حال وذلك أن القوم الذين بعثهم رسول الله ﷺ في طلب العقد كانوا على غير ماء ولم يكن رخص لهم بعد في التيمم بالتراب وإنما نزلت آية التيمم بعدُ فكانوا في معنى من لا يجد اليوم ماءً ولا ترابا ولوكانوا ممنوعين من الصلاة وتلك حالهم لأنكره النبي ﷺ حين أعلموه ذلك ولنهاهم عنه فيما يستقبلونه إذ لا يجوز سكوته على باطل يراه ولا تأخيره البيان

стр. 97

في واجب عن وقته، إلاّ أن الشافعي يرى إعادة هذه الصلاة إذا زالت الضرورة وكان الإمكان. وقد احتج بعض من ذهب إلى أنه لا يصلي إذا لم يجد ماء ولا ترابا بقول النبي ﷺ لا يقبل الله صلاة بغير طهور. قال وهذا لا يجد طهوراً فلا صلاة عليه. قال وهذا لا يسقط عنه الصلاة ألا تراه يقول: لا يقبل الله صلاة حائض إلاّ بخمار وهي إذا لم تجد ثوبا صلت عريانة فكذلك هذا إذا لم يجد طهورا صلى على حسب الإمكان. وقد يؤمر الطفل بالطهارة والصلاة ويحج به ولا يصح في الحقيقة شيء منها وتؤمر المستحاضة بالصلاة وطهرها غير صحيح. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى وابن أبي خلف قالا: حَدَّثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار وذكر الحديث.

стр. 98

قلت: لم يختلف أحد من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين وإنما جرى القوم في استيعاب اليد بالتيمم على ظاهر الاسم وعموم اللفظ لأن ما بين مناط المنكب إلى أطراف الأصابع كله اسم لليد. وقد يقسم بدن الإنسان على سبعة آراب اليدان والرجلان ورأسه وظهره وبطنه ثم قد يفصل كل عضو منها فيقع تحته اسما خاصة كالعضد في اليد والذراع والكف واسم اليد يشتمل على هذه الأجزاء كلها. وإنما يترك العموم في الأسماء ويصار إلى الخصوص بدليل يفهم أن المراد من الاسم بعضه لا كله، ومهما عدم دليل الخصوص كان الواجب إجراء الاسم على عمومه واستيفاء مقتضاه برمته. وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب إلى إدخال الذراع في المرفقين في التيمم وهو قول ابن عمر وابنه سالم والحسن والشعبي. وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري وهو قول مالك والشافعي. ووجه الاحتجاج له من صنيع عمار وأصحابه أنهم رأوا إجراء الاسم على العموم فبلغوا بالتيمم إلى الآباط وقام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين فسقط وبقي ما دونهما على الأصل لاقتضاء الاسم إياه. ويؤيد هذا المذهب أن التيمم بدل من الطهارة بالماء والبدل يسد مسد الأصل ويحل محله وإدخال المرفقين في الطهارة بالماء واجب فليكن التيمم بالتراب كذلك. وقد يقول من يخالف في هذا لوكان حكم التيمم حكم الطهارة بالماء لكان التيمم على أربعة أعضاء، فيقال له إن العضوين المحذوفين لا عبرة بهما لأنهما

стр. 99

إذا سقطا سقطت المقايسة عليهما. فأما العضوان الباقيان فالواجب أن يراعى فيهما حكم الأصول ويستشهد لهما بالقياس ويستوفى شرطه في أمرهما كركعتي السفر قد اعتبر فيهما حكم الأصل وإن كان الشطر الآخر ساقطا. وذهب هؤلاء إلى حديث ابن عمر. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو علي الموصلي حدثنا محمد بن ثابت العبدي حدثنا نافع قال انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فقضى ابن عمر حاجته. وكان من حديثه يومئذ أن قال مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل يتوارى في السكة ضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل. ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين وهو قول عطاء بن أبي رباح ومكحول، وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامة أصحاب الحديث. وذكر أبو داود في هذا الباب حديث ابن أبزى من طريق أبي قتادة وهو أصح الأحاديث وأوضحها. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر قال سألت رسول الله ﷺ عن التيمم فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين. وروي من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل عن ابن أبزى عن عمار. وذكر الحديث فقال يا عمار إنما كان يكفيك هكذا ثم ضرب بيده إلى الأرض

стр. 100

أحدهما على الأخرى ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة. قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص عن الأعمش قالوا فالمعول في هذا إنما هو على تعليم النبي ﷺ إياهم لا على فعلهم الأول واجتهادهم من حيث سبق إلى أوهامهم في وجوب استيعاب اليد كلها. قالوا وحديث ابن عمر لا يصح لأن محمد بن ثابت العبدي ضعيف جدا لا يحتج بحديثه. قلت وهذا المذهب أصح في الرواية والمذهب الأول أشبه بالأصول وأصح في القياس. واختلفوا في نفض الكفين أو النفخ فيهما، فقال مالك ينفضهما نفضا خفيفا. وقال أصحاب الرأي ينفضهما، وقال الشافعي إذا علقت الكفان غباراً كثيرا نفض. وقال أحمد بن حنبل لا يضرك نفضت أولم تنفض. قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق، قال كنت جالساً بين عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً، قال أبو موسى كيف تصنعون بهذه الآية ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ [النساء: ٤٣] فقال عبد الله لو أرخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى ألم تسمع قول عمار لعمر بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال إنما كان يكفيك أن تضع هكذا فضرب بيده على الأرض فنفضها ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح

стр. 101

وجهه. وقال عبد الله أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار. قلت في دلالة هذا الحديث أن مذهب عمر في تأويل آية الملامسة أن المراد بها غير الجماع وإن اللمس باليد ونحوه ينقض الطهارة. وكذلك مذهب ابن مسعود ولولا أنه كذلك عندهما لم يكن لهما عذر في ترك التيمم مع ورود النص فيه. ومن باب الجنب يتيمم قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عَون ومسدد قالا: حَدَّثنا خالد الواسطي عن خالد الحذاء، عَن أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان، عَن أبي ذر. قال كانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست فأتيت النبي ﷺ فقال: ثكلتك أمك ما أبا ذر إن الصعيد الطيب وضوءُ المسلم ولو إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك. قلت يحتج من هذا الحديث بقوله ﷺ الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات كثيرة وهومذهب أصحاب أبي حنيفة ويحتجون أيضاً بقوله فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك في إيجاب انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على عموم الأحوال سواء كان في صلاة أو غيرها. ويحتج به من يرى إذا وجد من الماء ما لا يكفي لكمال الطهارة أن يستعمله في بعض أعضائه ويتيمم للباقي. وكذلك فيمن كان على بعض أعضائه جرح فإنم يغسل ما لا ضررعليه في غسله ويتيمم للباقي منه. وهو قول الشافعي ويحتج به أصحابه أيضاً في أن لا يتيمم في مصر لصلاة فرض ولا جنازة ولا عيد لأنه

стр. 102

واجد للماء فعليه أن يمسه جلده. ومعنى قوله ولو إلى عشر سنين، أي أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة يكفيه لعشرسنين. ومن باب إذا خاف الجنب البرد لم يغتسل قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص. قال احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت إني سمعت الله يقول ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ [النساء: ٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا. قلت فيه من الفقه أنه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء وجعله بمنزلة من خاف العطش ومعه ماء فأبقاه لشفته وتيمم خوف التلف. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فشدد فيه عطاء بن أبي رباح وقال يغتسل وإن مات واحتج بقوله ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] وقال الحسن نحوا من قول عطاء. وقال مالك وسفيان يتيمم وهو بمنزلة المريض، وأجازه أبوحنيفة في الحضر، وقال صاحباه لا يجزيه في الحضر. وقال الشافعي إذا خاف على نفسه من شدة البرد تيمم وصلى وأعاد صلاة صلاها كذلك ورأى أنه من العذر النادر وإنما جاءت الرخص النامة في الأعذار العامة.

стр. 103

قال أبو داود: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر. قال خرجنا في سفر فأصاب رجلاً معنا حجر فشجه في رأسه فاحتلم، فقال لأصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم، فقالوا لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبرناه بذلك فقال قتلوه قتلهم الله الا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب أويُعصب شك موسى على جرحه خِرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. قلت في هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة له. وفيه من الفقه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء ولم ير أحد الأمرين كافيا دون الآخر. وقال أصحاب الرأي إن كان أقل أعضائه مجروحاً جمع بين الماء والتيمم، وإن كان الأكثر كفاه التيمم وحده وعلى قول الشافعي لا يجزيه في الصحيح من بدنه قل أو كثر إلاّ الغسل. ومن باب في المتيمم يجد الماء بعدما صلى في الوقت قال أبو داود: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار، عَن أبي سعيد الخدري قال خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الاخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذى لم يعد الصلاة: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك

стр. 104

وقال للذي توضأ وأعاد لك الأجر مرتين. قال أبو داود، ذكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ إنما هو عن عطاء بن يسار. قلت في هذا الحديث من الفقه أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها كهو للمتطهر بالماء؛ وقد اختلف الناس في هذه المسألة فروي عن ابن عمر أنه قال: يتلوَّم مابينه وبين آخر الوقت وبه قال عطاء وأبوحنيفة وسفيان. وهوقول أحمد بن حنبل وإلى نحو من ذلك ذهب مالك، إلاّ أنه قال إن كان في موضع لا يرى فيه وجود الماء يتيمم وصلى في أول وقت الصلاة. وعن الزهري لا يتيمم حتى يخاف ذهاب الوقت واختلفوا في الرجل يتيمم فيصلي ثم يجد الماء قبل خروج الوقت، فقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري يعيد الصلاة، واستحبه الأوزاعي ولم يوجبه، وقالت طائفة لا إعادة عليه روي ذلك عن ابن عمر وبه قال الشعبي وهو مذهب مالك وسفيان وأصحاب الرأي والشافعي وأحمد وإسحاق. ومن باب في الغسل يوم الجمعة قال أبو داود: حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا معاوية عن يحيى أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر أتحتبسون عن الصلاة فقال الرجل ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت فقال عمر رضي

стр. 105

الله عنه والوضوء أيضاً أو لم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. فيه دلالة على أن غسل يوم الجمعة غير واجب ولو كان واجبا لأشبه أن يأمره عمر ﵁ بأن ينصرف فيغتسل فدل سكوت عمر ﵁ ومن معه من الصحلبة على أن الأمر به على معنى الاستحباب دون الوجوب. وقد ذكر في هذا الخبر من غير هذا الوجه أن الرجل الذي دخل المسجد هو عثمان بن عفان وفي رواية أخرى دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ وليس يجوز عليهما وعلى عمر ومن بحضرته من المهاجرين والأنصار أن يجتمعوا على ترك واجب. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار، عَن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. قلت قوله واجب معناه وجوب الاختبار والاستحباب دون وجوب الفرض كما يقول الرجل لصاحبه حقك علي واجب وأنا أوجب حقك وليس ذلك بمعنى اللزوم الذي لا يسع غيره ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر ﵁ الذي تقدم ذكره. وقد اختلف الناس في وجوب الغسل يوم الجمعة فكان الحسن يراه واجباً وقد حكي ذلك عن مالك بن أنس، وقال ابن عباس هوغير محتوم. وذهب عامة الفقهاء إلى أنه سنة وليس بفرض ولم تختلف الأمة في أن صلاته مجزية إذا لم يغتسل فلما لم يكن الغسل من شرط صحتها دل أنه استحباب كالاغتسال

стр. 106

للعيد وللإحرام الذي يقع الاغتسال فيه متقدماً لسببه ولو كان واجباً لكان متأخراً عن سببه كالاغتسال للجنابة والحيض والنفاس. .قال أبو داود: حد، حَدَّثنا يزيد بن خالد بن موهب وعبد العزيز بن يحيى قالا: حَدَّثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إبراهيم، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل، عَن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا قال رسول الله ﷺ : من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتب الله له ثم أنصت إذا خرج إمامُه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها، قال ويقول أبو هريرة وزيادة ثلاثة أيام ويقول إن الحسنة بعشر أمثالها. قلت وقرانه بين غسل الجمعة وبين لبس أحسن ثيابه ومسه للطيب يدل على أن الغسل مستحب كاللباس والطيب. وقوله كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التى قبلها، يريد بذلك ما بين الساعة التي تصلى فيها الجمعة إلى مثلها من الجمعة الأخرى لأنه لو كان المراد به ما بين الجمعتين على أن يكون الطرفان وهما يوما الجمعة غير داخلين في العدد لكان لا يحصل من عدد الحسوب له أكثر من ستة أيام. ولو أراد ما بينهما على معنى إدخال الطرفين فيه بلغ العدد ثمانية فإذا ضمت إليها الثلاثة الأيام المزيدة التي ذكرها أبو هريرة صار جملتها إما أحد عشر يوماً على أحد الوجهين، وإما تسعة أيام على الوجه الآخر فدل أن المراد به ما قلنا على سبيل التكسير لليوم ليستقيم الأمرفي تكميل عدد العشرة. وقد اختلف الفقهاء فيمن أقر لرجل بما بين درهم إلى عشرة دراهم. فقال أبو حنيفة يلزمه تسعة دراهم وقال أبو يوسف ومحمد يلزمه عشرة دراهم ويدخل فيه

стр. 107

الطرفان والواسطة، وقال أبو ثور لا يلزمه أكثر من ثمانية دراهم ويسقط الطرفان. وهو قول زفر. وهذا أغلب وجوه ما يذهب إليه أصحاب الشافعي. قال أبو داود: حدثنا محمد بن حاتم الجراجرائي نا ابن المبارك عن الأوزاعي حدثني حسان بن عطية حدثنا الأشعث الصنعاني حدثنا أوس بن أوس الثقفي. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها. قوله غسل واغتسل وبكر وابتكر اختلف الناس في معناهما فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين. وقال ألا تراه يقول في هذا الحديث ومشى ولم يركب ومعناهما واحد، وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد. وقال بعضهم: قوله غسل معناه غسل الرأس خاصة وذلك لأن العرب لهم لِمم وشعور، وفي غسلها مؤونة فأفرد ذكر غسل الرأس من أجل ذلك. وإلى هذا ذهب مكحول. وقوله واغتسل معناه غسل سائرالجسد. وزعم بعضهم أن قوله غسل معناه أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ليكون أملك لنفسه وأحفظ في طريقه لبصره. قال ومن هذا قول العرب فحل غُسَلة إذا كان كثير الضراب. وقوله بكر وابتكر زعم بعضهم أن معنى بكر أدرك باكورة الخطبة وهي أولها، ومعنى وابتكر قدم في الوقت. وقال ابن الأنباري معنى بكر تصدق قبل خروجه. وتأول في ذلك ما روي في الحديث من قوله باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.

стр. 108

قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعه الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. قوله راح إلى الجمعة معناه قصدها وتوجه إليها مبكرا قبل الزوال وإنما تأولناه على هذا المعنى لأنه لا يجوز أن يبقى عليه بعد الزوال من وقت الجمعة خمس ساعات، وهذا جائز في الكلام أن يقال راح لكذا ولأن يفعل كذا بمعنى أنه قصد إيقاع فعله وقت الرواح كما يقال للقاصدين إلى الحج حجاج ولما يحجوا بعد، وللخارجين إلى الغزو غزاة ونحو ذلك من الكلام. فأما حقيقة الرواح فإنما هي بعد الزوال يقال غدا الرجل في حاجته إذا خرج فيها صدر النهار وراح لها إذا كان ذلك في عجز النهار أو في الشطر الآخر منه. وأخبرني الحسن بن يحيى، عَن أبي بكر بن المنذر، قال كان مالك بن أنس يقول لا يكون الرواح إلاّ بعد الزوال، وهذه الأوقات كلها في ساعة واحدة. قلت كأنه قسم اثساعة التي تحين فيها الرواح للجمعة أقساماً خمسة فسماها ساعات على معنى التشبيه والتقريب كما يقول القائل قعدت ساعة وتحدثت ساعة ونحوه يريد جزءاً من الزمان غير معلوم، وهذا على سعة مجاز الكلام وعادة الناس في الاستعمال. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا زكريا

стр. 109

حدثنا مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيبب العنزي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها حدثته أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت. قلت قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام والمعاني ترتبها وتنزلها فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل على أنه كان يفعله ويأمر به استحباباً. ومعقول أن الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجم رشاش من الدم فالاغتسال منه استظهار بالطهارة واستحباب للنظافة. وأما الاغتسال من غسل الميت فقد اتفق أكثر العلماء على أنه على غير الوجوب. وقد روي، عَن أبي هُرَيْرَة عن النبي ﷺ قال: من غسل ميتاً فليغتسل. وروي عن ابن المسيب والزهري معنى ذلك، وقال النخعي وأحمد وإسحاق يتوضأ غاسل الميت وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا ليس على غاسل الميت غسل، وقال أحمد لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث. وقال أبو داود حديث مصعب بن شيبة ضعيف ويشبه أن يكون من رأى الاغتسال منه إنما رأى ذلك لما لا يؤمن أن يصيب الغاسل من رشاش المغسول نضح وربما كانت على بدن الميت نجاسة فأما إذا علمت سلامته منها فلا يجب الاغتسال منه والله أعلم. ومن باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة قال أبو داود: حدثنا مسددحدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت كان الناس مهان أنفسهم فيروحون

стр. 110

إلي الجمعة بهيأتهم فقيل لهم لو أغتسلتم. المهان جمع الماهن وهو الخادم يريد أنهم كاموا يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم يكفونهم المهنة والأنسان إذا باشر العمل الشاق حمي بدنه وعرق سيما في البلد الحار فربما تكون منه الرائحة الكريهة فأمروا بالأغتسال تنظيفاً للبدن وقطعاً للرائحة. قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ : من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل. قوله فبها قال الأصمعي معناه فبالسنة أخذ، وقوله ونعمت يريد ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة أو نحو ذلك، وإنما ظهرت التاء التي هي علامة التأنيث لإظهار السنة أو الخصلة أو الفعلة، وفيه البيان الواضح أن الوضوء كاف للجمعة وإن الغسل لها فضيلة لا فريضة. ومن باب في الرجل يُسْلِم يؤمر بالغسل قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير العبدي حدثنا سفيان حدثنا الأغر عن خليفة بن حصين عن جده قيس بن عاصم قال أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن اغتسل بماء وسدر. قلت هذا عند أكثر أهل العلم على الاستحباب لا على الإيجاب، وقال الشافعي إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل فإن لم يفعل ولم يكن جنباً أجزأه أن يتوضأ ويصلي. وكان أحمد بن حنبل وأبو ثور يوجبان الاغتسال على الكافر إذا أسلم قولاً بظاهر الحديث قالوا ولا يخلو المشرك في أيام كفره من جماع أو احتلام
следующие страницы →