Полный текст (1 377 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وقال أبو حنيفة حولان وستة أشهر وخالفه صاحباه، وقال زفر بن الهذيل ثلاث سنين.
ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين إذا كانت يسيراً حكم الحولين.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: حَدَّثنا وكيع عن سليمان بن المغيرة، عَن أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا رضاع إلاّ ما أنشر العظم وأنبت اللحم.
قال الشيخ أنشر العظم معناه ما شد العظم وقواه، والإنشار بمعنى الإحياء في قوله تعالى ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ [عبس: ٢٢] ويروى أنشز العظم بالزاي معجمة ومعناه زاد في حجمه فنشره.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي صالح حدثنا عنبسة قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير عن عائشة وأم سلمة ﵄ أن أبا حذيفة بن عتبة بن عبد شمس تبنىَّ سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله تعالى في ذلك ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] إلى قوله ﴿فاخوانكم في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٥] فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم أن له أباً كان مولى وأخاً في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله ﷺ إنا كنا نرى سالماً ولداً فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فُضُلاً وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 842
أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيراً خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس حتى ترضع في المهد، وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس.
قال الشيخ ذهب عامة أهل العلم في هذا إلى قول أم سلمة وحملوا الأمر في ذلك على أحد الوجهين إما على الخصوص وإما على النسخ ولم يروا العمل به.
وقد استدل الشافعي بهذا الحديث على أن العدد الذي يقع به حرمة الرضاع هو الخمس وهو مع ذلك لا يقول برضاع الكبير فكأنه يقول إن الخبر تضمن أمرين رضاع الكبير وتعليق الحكم على عدد الخمس فإذا جرى النسخ في أحدهما لمعنى لم يوجب نسخ الآخر مع عدم ذلك المعنى، وقد يصح الاستدلال للواجب بما ليس بواجب ألا ترى أن النبي ﷺ حين مر به الرجل فسلم عليه وهو يبول لم يرد ﵇ حتى تيمم بالتراب فضرب كفيه فمسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه فاتخذه العلماء أصلا في إيجاب الضربتين في التيمم ومسح الذراعين وإن كان ذلك منه في غير موضع الوجوب.
وقولها ويراني فضلاً أي يراني مبتذلة في ثياب مهنتي، يقال تفضلت المرأة إذا تبذلت في ثياب مهنتها.
ومن باب هل يحرم ما دون خمس رضعات
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الله بن
стр. 843
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ أنها قالت كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي النبي ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن علئشه ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : لا تحرم المصة ولا المصتان.
قال الشيخ وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي من اعتبار عدد الخمس في التحريم إلاّ أن أكثر الفقهاء قد ذهبوا إلى أن القليل من الرضاع وكثيره محرم وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وإليه ذهب أصحاب الرأي.
وقال أبو عبيد لا يحرم أقل من ثلاث رضعات كأنه ذهب إلى استعمال دليل الخطاب من قوله لا يحرم المصة والمصتان فكان ما زاد على المصتين وهو الثلاث بخلاف حكم ما دونها وهو قول أبي ثور وداود.
وقد حكي عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات وهو قول شاذ لا اعتبار به.
وأما قولها فتوفي رسول الله ﷺ وهو مما يقرأ من القرآن فإنها تريد بذلك قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ حتى صار بعض من لم يبلغه النسخ يقرأه على الرسم الأول.
وفيه دليل على جواز نسخ رسم التلاوة وبقاء الحكم ونظيره نسخ التلاوة في الرجم وبقاء حكمه، إلاّ أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز أن يثبت ذلك بين الدفتين والأحكام تثبت بأخبار الآحاد فجاز أن يقع العمل بها والله أعلم.
стр. 844
ومن باب الرضخ عند الفصال
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن النفيلي، قال: حَدَّثنا أبو معاوية وحدثنا ابن العلاء، قال: حَدَّثنا ابن إدريس عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن أبيه، قال قلت يا رسول الله ما يذهب عني مذَمة الرضاع قال الغرة العبد أو الأمة.
قوله مذمة الرضاع يريد ذمام الرضاع وحقه، وفيه لغتان مَذَمَّة ومَذِمَّة بكسر الذال وفتحها تقول أنها قد خدمتك وأنت طفل وحضنتك وأنت صغير فكافئها بخادم يخدمها تكفيها المهنة قضاء لذمامها وجزاء لها على إحسانها.
ومن باب ما يكره الجمع بينهن من النساء
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا داود بن أبي هند عن عامر، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على ابنة أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى.
قال الشيخ يشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يخاف من وقوع العداوة بينهن ما لأن المشاركة في الحظ من الزوج توقع المنافسة بينهن فيكون منها قطيعة الرحم، وعلى هذا المعنى تحريم الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء وهو أكثر قول أهل العلم.
وقياسه أن لا يجمع بين الأمة وبين عمتها أو خالتها في الوطء.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، قال: حَدَّثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة
стр. 845
رضي الله عنها عن قول الله تعالى ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية قالت يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها.
قوله بغير أن يقسط في صداقها، معناه بغيرأن يعدل فيه فيبلغ به سنة مهر مثلها، يقال أقسط الرجل في الحكم اذا عدل، وقسط إذا جار قال الله تعالى ﴿واقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] وقال ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ [الجن: ١٥] قال وتأويل الآية وبيان معناها أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى فقال ﴿وإن خفتم من أنفسكم المشاحة في صدقاتهن وأن لا تعدلوا فتبلغوا بهن صداق أمثالهن فلا تنكحوهن وانكحوا غيرهن من الغائب اللواتي أحل الله لكم خطبتهن من واحدة إلى أربع وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فانكحوا منهن واحدة أو ما ملكتم من الإماء﴾ .
ومن باب نكاج المتعة
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري، قال كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء فقال له رجل يقال له الربيع بن سبرة أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع.
قال الشيخ تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين وقد كان ذلك مباحاً في صدر الإسلام ثم حرمه في حجة الوداع وذلك في آخر أيام رسول الله ﷺ فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأئمة إلاّ شيئا ذهب إليه بعض الروافض.
стр. 846
وكان ابن عباس يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به. حدثنا ابن السماك، قال: حَدَّثنا الحسن بن سلام السواق، قال: حَدَّثنا الفضل بن دكين، قال: حَدَّثنا عبد السلام عن الحجاج، عَن أبي خالد عن المنهال عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس هل تدري ما صنعت وبما أفتيت قد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء، قال وما قالت، قلت قالوا:
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى تصدر الناس
فقال ابن عباس إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا حللت إلاّ مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الحنزير وما تحل إلاّ للمضطر وما هي إلاّ كالميتة والدم ولحم الخنزير.
قال الشيخ فهذا يبين لك أنه إنما سلك فيه مذهب القياس وشبهه بالمضطر إلى الطعام وهو قياس غير صحيح لأن الضرورة في هذا الباب لاتتحقق كهي في باب الطعام الذي به قوام النفس وبعدمه يكون التلف، وإنما هذا من باب غلبة الشهوة ومصابرتها ممكنة وقد تحسم حدتها بالصوم والعلاج فليس أحدهما في حكم الضرورة كالآخر.
ومن باب في الشغار
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك وحدثنا مسدد،، قال: حَدَّثنا يحيى عن عبيد الله كلاهما عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن الشغار قال مسدد في حديثه قلت لنافع ما الشغار، قال ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير
стр. 847
صداق وينكح أخت الرجل وينكحه أخته بغير صداق.
قال الشيخ تفسير الشغار ما بينه نافع، وقد روى أبو داود أيضاً في هذا الباب بإسناده عن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلاه صداقاً فأمر معاوية بالتفرقة بينهما وقال هذا الشغار الذي نهى رسول الله ﷺ عنه.
قال الشيخ فإذا وقع النكاح على هذه الصفة كان باطلاً لأن النبي ﷺ نهى عنه، وأصل الفروج على الحظر والحظر لا يرتفع بالحظر وإنما يرتفع بالإباحة.
ولم يختلف الفقهاء أن نهي النبي ﷺ عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها على التحريم، وكذلك نهيه عن نكاح المتعة فكذلك هذا.
وممن أبطل هذا النكاح مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد.
وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري النكاح جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها، ومعنى النهي في هذا عندهم أن يستحل الفرج بغير مهر.
وقال بعضهم أصل الشغر في اللغة الرفع، يقال شغر الكلب برجله إذا رفعها عند البول قال فإنما يسمى هذا النكاح شغاراً لأنهما رفعا المهر بينهما.
قال الشيخ وهذا القائل لا ينفصل ممن قال بل سمي شعارا لأنه رفع العقد من أصله فارتفع النكاح والمهر معاً ويبين لك أن النهي قد انطوى على الأمرين معاً أن البدل ههنا ليس شيئاً غير العقد ولا العقد شيئاً غير البدل فهو إذا فسد مهراً فسد عقداً وإذا أبطلته الشريعة فإنما أفسدته على الجهة التي كانوا يوقعونه وكانوا يوقعونه مهراً وعقدا فوجب أن يفسدا معاً.
стр. 848
وكان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تروج امرأة واستثنى عضوا من أعضائها وهو ما لا خلاف في فساده.
قال فكذلك الشغار لأن كل واحد منهما قد زوج وليته واستثنى بعضه حتى جعله مهراً لصاحبتها.
وعلله بعضهم فقال لأن المعقود له معقود به وذلك لأن العقد لها وبها فصار كالعبد تزوج على أن يكون رقبته صداقا للزوجة.
ومن باب في التحليل
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حَدَّثنا زهير قال حدثني إسماعيل عن عامر عن الحارث عن علي قال إسماعيل وأراه قد رفعه إلى النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: لعن المحلل والمحلل له.
قال الشيخ أما إذا كان ذلك عن شرط بينهما فالنكاح فاسد لأنه عقد تناهى إلى مدة كنكاح المتعة، وإذا لم يكن ذلك شرطاً وكان نية وعقيدة فهو مكروه، فإن أصابها الزوج ثم طلقها وانقضت العدة فقد حلت للزوج الأول وقد كره غير واحد من العلماء أن يضمرا أو ينويا أو أحدهما التحليل وإن لم يشترطاه.
وقال إبراهيم للنخعي لا يحللها لزوجها الأول إلاّ أن يكون نكاح رغبة فإن كان نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثانى أو المرأة أنه محلل فالنكاح باطل ولا تحل للأول.
وقال سفيان الثوري إذا تزوجها وهو يريد أن يحلها لزوجها ثم بدا له أن يمسكها
стр. 849
لا يعجبني إلاّ أن يفارقها ويستأنف نكاحاً جديداً، وكذلك قال أحمد بن حنبل، وقال مالك بن أنس يفرق بينهما على كل حال.
ومن باب نكاج العبد بغير إذن سيده
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع،، قال: حَدَّثنا الحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ أيما عبد تروج بغير إذن مواليه فهو عاهر.
قال الشيخ العاهر الزاني والعهر الزنى، وإنما بطل نكاح العبد من أجل أن رقبته ومنفعته مملوكتان لسيده وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده وكان في ذلك ذهاب حقه فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه، وممن أبطل عقد هذا النكاح الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقال مالك وأصحاب الرأي إن أجازه السيد جاز وإن أبطله بطل، وعند الشافعي لا يثبت النكاح وإن أجازه السيد لأن عقد النكاح لا يقع عنده موقوفاً على إجازة الولي.
ومن باب الرجل يخطب على خطبة أخيه
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يخطب الرجل على خطبة أخيه.
قال الشيخ نهيه عن ذلك نهي تأديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد، وهو قول أكثر العلماء، إلاّ أن مالك بن أنس قال إن خطبها على خطبة أخيه فملكها فرق بينهما إلاّ أن يكون قد دخل بها فلا يفرق بينهما.
وقال داود إن خطبها رجل بعد الأول وعقد عليها فالنكاح باطل.
стр. 850
وفي قوله على خطبة أخيه دليل على أن ذلك إنما نهي عنه إذا كان الخاطب الأول مسلماً ولا يضيق ذلك إذا كان الخاطب الأول يهودياً أو نصرانياً لقطع الله الأخوة بين المسلمين وبين الكفار.
وقال الشافعي إنما نهي عن ذلك في حال دون حال وهو أن تأذن المخطوبة في إنكاح رجل بعينه فلا يحل لأحد أن يخطبها في تلك الحالة حتى يأذن الخاطب له واحتج بحديث فاطمة بنت قيس. حدثناه الأصم حدثنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ قال لها في عدتها من طلاق زوجها إذا حللت فآذنيني، قالت فلما حللت أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباني فقال رسول الله ﷺ أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه أنكحي أسامة، قالت ففعلت فاغتبطت به.
قال الشيخ فخطبته إياها لأسامة على خطبة معاوية وأبي جهم تدل على جواز ذلك إن لم يكن وقع الركون منها إلى الخاطب الأول أو الإذن منها فيه.
وفي هذا الحديث أنواع من الفقه منها جواز التعريض للمرأة بالخطبة في عدتها وفيه أن المال معتبر في بعض أنواع المكافأة. وفيه دليل على جواز نكاح المولى القرشية. وفيه دليل على جواز تأديب الرجل امرأته.
وفيه دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب على وجه النصيحة لها والإرشاد إلى ما فيه حظها لم يكن ذلك غيبة يأثم فيها.
وقوله لا يضع عصاه عن عاتقه يتأول على وجهين أحدهما التأديب والضرب لها والآخر أن يكون معناه الأسفار والظعن عن وطنه، يقال رفع الرجل عصاه
стр. 851
إذا سار ووضع عصاه إذا نزل وأقام.
ومن باب الرجل ينظر إلى المرأة
وهو يريد أن يتزوجها
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حَدَّثنا محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد بن عبد الرحمن، يَعني ابن سعد بن معاذ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل.
قال الشيخ إنما أبيح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط ولا ينظر إليها حاسراً ولا يطلع على شيء من عورتها وسواء كانت أذنت له في ذلك أو لم تأذن وإلى هذه الجملة ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل، وإلى نحو هذا أشار سفيان الثوري.
ومن باب الولي
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان، قال: حَدَّثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له.
قوله أيما امرأة كلمة استيفاء واستيعاب، وفيه إثبات الولاية على النساء كلهن ويدخل فيها البكر والثيب والشريفة والوضيعة والمولى ههنا العصبة.
وفيه بيان أن المرأة لا تكون ولية نفسها وفيه دليل على أن ابنها ليس من أوليائها إذا لم يكن عصبة لها.
стр. 852
وفيه بيان أن العقد إذا وقع لا بإذن الأولياء كان باطلاً، وإذا وقع باطلاً لم يصححه إجازة الأولياء، وفي إبطال هذا النكاح وتكراره القول ثلاثاً تأكيد لفسخه ورفعه من أصله، وفيه إبطال الخيار في النكاح.
وفيه دليل على أن وطء الشبهة يوجب المهر وايجاب المهر إيجاب درء الحدود وإثبات النسب ونشر الحرمة.
وفي قوله فالمهر لها بما أصاب منها دليل على أن المهر إنما يجب بالإصابة فإن الدخول إنما هو كناية عنها.
وقوله فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، يريد به تشاجر العضل والممانعة في العقد دون تشاجر المشاحة في السبق إلى العقد، فأما إذا تشاجروا في العقد ومراتبهم في الولاية سواء فالعقد لمن سبق إليه منهم إذا كان ما فعل من ذلك نظراً لها.
ومعنى قوله بغير إذن مواليها هو أن يلي العقد الولي أو يوكل بتزويجها غيره فيأذن له في العقد عليها.
وزعم أبو ثور أن الولي إذا أذن للمرأة في أن تعقد على نفسها صح عقدها النكاح على نفسها، واستدل بهذه اللفظة في الحديث، ومعناه التوكيل بدليل ما روي أن النساء لا تلين عقد النكاح.
وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناد هذا الحديث وضعفه بشيء حدثنيه الحسن بن يحيى بن حمويه عن علي بن عبد العزيز، عَن أبي عبيد،، قال: حَدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وذكر الحديث قال وزاد في آخره شيئا ما أرى أحداً يذكره غيره.
стр. 853
قال ابن جريج ثم لقيت الزهري فذكرت ذلك له فلم يعرفه.
قال الشيخ ذكر أبو عيسى الترمذي عن يحيى بن معين أنه قال لم يذكر هذا الحديث عن ابن جريج إلاّ إسماعيل بن علية، قال يحيى وسماع إسماعيل من ابن جريج ليس بذلك إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد فيما سمع من ابن جريج وضعف يحيى رواية إسماعيل عن ابن جريج.
قال أبوعيسى وحديث عائشة ﵂ هذا عندي حديث حسن صحيح وقد رواه الحجاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة ورواه هشام بن عروة أيضاً.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن قدامة بن أعين،، قال: حَدَّثنا أبو عبيدة الحداد عن يونس وإسرائيل، عَن أبي إسحاق، عَن أبي بردة، عَن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: لا نكاح إلاّ بولي.
قال الشيخ قوله لا نكاح إلاّ بولي فيه نفي ثبوت النكاح على معمومه ومخصوصه إلاّ بولي.
وقد تأوله بعضهم على نفي الفضيلة والكمال وهذا تأويل فاسد لأن العموم يأتي على أصله جوازاً أو كمالاً، والنفي في المعاملات يوجب الفساد لأنه ليس لها إلاّ جهة واحدة، وليس كالعبادات والقرب التي لها جهتان من جواز ناقص وكامل، وكذلك تأويل من زعم أنها ولية نفسها. وتأول معنى الحديث على أنها إذا عقدت على نفسها فقد حصل نكاحها بولي، وذلك أن الولي هو الذي يلي على غيره، ولو جاز هذا في الولاية لجاز مثله في الشهادة فتكون هي الشاهدة
стр. 854
على نفسها فلما كان في الشاهد فاسداً كان في الولي مثله.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس،، قال: حَدَّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة أنها كانت عند ابن جحش فهلك عنها، وكان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة فزوجها النجاشي رسول الله ﷺ وهي عندهم.
قال الشيخ إنما ساق النجاشي المهر عن رسول الله ﷺ فأضيف التزويج إليه وكان الذي عقد عليها رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري ووكله بذلك رسول الله ﷺ وبعث به إلى الحبشة في ذلك، وقد روي أن الذي ولي تزويجها بالعقد عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو ابن عم أبي سفيان إذ كان أبوها أبو سفيان كافراً لا ولاية له على مسلمة.
وقد يحتمل أيضاً أن يكون النجاشي قد عقد أولاً فكان ذلك بمعنى التسمية فلم يعتبر صحته ثم أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري فاستأنف العقد وألزمه والله أعلم.
ومن باب في العضل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني أبو عامر عبد الملك بن عمرو، قال: حَدَّثنا عباد بن راشد عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار، قال كانت لي أخت تخطب إليّ فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها فقلت والله لا أنكحها أبداً، قال ففيّ نزلت هذه الآية ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا
стр. 855
تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢] الاية قال فكفرت عن يميني فأنكحتها إياه.
قال الشيخ هذا أدل آية في كتاب الله تعالى على أن النكاح لا يصح إلاّ بعقد ولي ولو كان لها سبيل إلى أن تنكح نفسها لم يكن للعضل معنى ولا كان المنع يتحقق من جهة الولي. ولو كان عقد المرأه على نفسها يصح إذا تروجها كفء لم يتعذر عليها أن تفعل ذلك، وقد كان الذي خطبها إنما هو ابن عمها المكافىء لها في النسب المتقدم لها في الصحبة فدل ما قلناه على صحة ما ذهبنا إليه والله أعلم.
وقد اختلف الناس في عقد النكاح بغير ولي، فقال بظاهر الحديث جماعة منهم سفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي هريرة ﵃، وبه قال ابن المسيب والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وقتادة.
وفرق مالك بن أنس بين المرأة الشريفة والدنيئة فقال لا بأس أن تستخلف المرأه الدنيئة على نفسها من يزوجها، فأما على امرأة لها قدر وغنى فإن تلك لا ينبغى أن يزوجها إلاّ الأولياء أو السلطان.
وقال أبو حنيفة إذا زوجت المرأة نفسها بشاهدين من كفوٍ فهو جائز.
وقال يعقوب ومحمد النكاح موقوف حتى يجيزه الولي والحاكم.
ومن باب إذا نكح الوليان
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل،، قال: حَدَّثنا حماد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما.
стр. 856
قال الشيخ اتفق أهل العلم على هذا ما لم يقع الدخول من الثاني بها فإن وقع الدخول بها فإن مالكاً زعم أنه لا يفرق بينهما، وكذلك روي عن عطاء، وهذا إذا كان قد علم نكاح المتقدم منهما من المتأخر فإن زوجاها معاً هذا من زيد وهذا من عمرو ولا يعلم أيهما المتقدم فالنكاح مفسوخ في قول أكثر الفقهاء.
وزعم بعضهم أنه يفرق بينهما ويقال لهما طلقاها جميعاً حتى تبين ممن كانت زوجة له، وهو قول أبي ثور.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، قال حدثني علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء: ١٩] وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابة فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فاحكم الله عن ذلك أو نهى عن ذلك.
قال الشيخ قوله أحكم الله معناه منع، قال جرير بن الخَطَفي:
ابني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
ومن باب الاستئمار
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان، قال حدثني يحيى، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر إلاّ بإذنها، قالوا يا رسول الله وما إذنها قال: أن تسكت.
قال ظاهر الحديث يدل على أن البكر إذا أنكحت قبل أن تستأذن فتصمت أن النكاح باطل كما يبطل نكاح الثيب قبل أن تستأمر فتأذن بالقول،
стр. 857
وإلى هذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وهو قول أصحاب الرأي.
وقال مالك بن أنس وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه إنكاح الأب البكر البالغ جائز وإن لم تستأذن، ومعنى استئذانها عندهم إنما هو على استطابة النفس دون الوجوب كما جاء الحديث باستئمار أمهاتهن وليس ذلك بشرط في صحة العقد.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد (ح) وحدثنا أبو كامل حدثنا يزيد بن زريع المعنى قال حدثني محمد بن عمرو، قال: حَدَّثنا أبو سلمة، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها.
قال الشيخ فيه دليل على أن الصغيرة لا يزوجها غير الأب وذلك لأنها لا تستأمر إلاّ بعد البلوغ إذ لا معنى لإذنها ولا عبرة لإبائها قبل ذلك فثبت أنها لا تزوج حتى تبلغ الوقت الذي يصح منها الإذن أو الامتناع، واليتيمة ههنا هي البكر البالغ التي مات أبوها قبل بلوغها فلزمها اسم اليتم فدعيت به وهي بالغ، والعرب ربما ادعت الشيء بالاسم الأول الذي إنما سمي به لمعنى متقدم ثم ينقطع ذلك المعنى ولا يزول الاسم من ذلك أنهم يسمون الرجل المستجمع السن غلاماً وحد الغلومة ما بين أيام الصبى إلى أوقات الشباب.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال كان الغلام الذي قتله الخضر رجلاً مستجمع السن وقالت ليلى الأخيلية:
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العقام الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
стр. 858
فجعلته غلاماً وهو رجل محتنك السن وكذلك مذهبهم في نسبة الشيء واضافته إلى من كان مرة يملكه، كقولهم دار عمرو بن حُريث، وبستان ابن عامر، وقصر أوس، وقبة الحجاج. وقد يلي الرجل الإمارة والقضاء زماناً ثم يعزل فيدعى أميراً أو قاضياً، ومثل هذا كثير في كلامهم. وكذلك اليتيمة المذكورة في هذا الحديث هي التي قد لزمها اسم اليتم في صغرها بموت أبيها فاشتهرت به ثم دعيت بذلك في الكبر على هذا المعنى الذي وصفناه بدليل ما تقدم ذكره من الكلام في أول الفصل والله أعلم.
وقد اختلف أهل العلم في جواز نكاح غير الأب الصغيرة، فقال الشافعي لا يزوجها غير الأب والجد، ولا يزوجها الأخ ولا العم ولا الوصي.
وقال الثوري لا يزوجها الوصي. وقال حماد بن أبي سليمان ومالك بن أنس للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ، وروي ذلك عن شريح.
وقال أصحاب الرأي لا يزوجها الوصي حتى يكون ولياً لها. وللولي أن يزوجها وإن لم يكن وصياً إلاّ أن لها الخيار إذا بلغت.
ومن باب البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا حسين بن محمد، قال: حَدَّثنا جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية بكراً أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ .
قال الشيخ ففى هذا الحديث حجة لمن لم ير نكاح الأب ابنته البكر جائزاً إلا يإذنها. وفيه أيضاً حجة لمن رأى عقد النكاح يثبت مع الخيار؛ غير أن أبا داود ذكر على أثره في هذا الباب أن المعروف من هذا الحديث أنه مرسل غير
стр. 859
متصل؛ كذا رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ ليس فيه ابن عباس.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن إسماعيل بن أمية، قال أخبرني الثقة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : آمروا النساء في بناتهن.
قال الشيخ مؤامرة الأمهات في بضع البنات ليس من أجل أنهن تملكن من عقد النكاح شيئاً، ولكن من جهة استطابة أنفسهن وحسن العشرة معهن، ولأن ذلك أبقى للصحبة وأدعى إلى الإلفة بين البنات وأزواجهن إذا كان مبدأ العقد برضاء من الأمهلت ورغبة منهن، وإذا كان بخلاف ذلك لم يؤمن تضريتهن ووقوع الفساد من قبلهن والبنات إلى الأمهات أميل ولقولهن أقبل، فمن أجل هذه الأمور يستحب مؤامرتهن في العقد على بناتهن والله أعلم.
وقد يحتمل أن يكون ذلك لعلة أخرى غير ما ذكرناه، وذلك أن المرأة ربما علمت من خاص أمر ابنتها ومن سر حديثها أمراً لا يستصلح لها معه عقد النكاح، وذلك مثل العلة تكون بها، والآفة تمنع من إيفاء حقوق النكاح وعلى نحو هذا يتأول قوله ولا تزوج البكر إلاّ بإذنها وإذنها سكوتها، وذلك أنها قد تستحي من أن تفصح بالإذن وأن تظهر الرغبة في النكاح فيستدل بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع، أو بسبب لا يصلح معه النكاح لا يعلمه غيرها والله أعلم.
ومن باب الثيب
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن مسلمة قالا: حَدَّثنا مالك
стр. 860
عن عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : الأيّم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها واذنها صماتها.
قال الشيخ قد استدل أصحاب الشافعي بقوله الأيم أحق بنفسها من وليها، على أن ولي البكر أحق بها من نفسها، وذلك من طريق دلالة المفهوم لأن الشيء إذا قيد بأخص أوصافه دل على أن ما عداه بخلافه، وقالوا والأسماء للتعريف والأوصاف للتعليل.
قالوا والمراد بالأيم ههنا الثنيب لأنه قابلها بالبكر فدل على أنه أراد بالأيم الثيب.
وقد جاء ذكر الثيب في هذا الحديث من رواية زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل بإسناده، قال الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأمرها أبوها.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن زياد عن زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل بإسناده، قال الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأمرها أبوها، قال أبو داود أبوها ليس بمحفوظ.
قالوا فقوله الثيب أحق بنفسها من وليها يجمع نصاً ودلالة والعمل واجب بالدلالة وجوبه بالنص ودلالته أن غير الثيب وهي البكر حكمها خلاف حكم الثيب في كونها أحق بنفسها، وتأولوا استئمار البكر على معنى استطابة النفس دون الوجوب.
قالوا ومعنى قوله أحق بنفسها أي في اختيار الغير لا في العقد بدليل أنها لو عقدت على نفسها لغير كفوء رد النكاح من غير خلاف فيه.
وقد استدل به أصحاب أبي حنيفة في أن للمرأة أن تعقد على نفسها بغيرإذن الولي، إلاّ أنهم لم يفرقوا بين البكر البالغ والثيب في ذلك، وقد دل الحديث
стр. 861
على التفرقة.
وقد يحتج به أصحاب داود أيضاً لمذهبهم أن البكر لا يزوجها غير الولي، وأن للثيب أن تعقد على نفسها.
وفيه حجة لمن رأى الإشارة والإيماء من الصحيح الناطق يقوم مقام الكلام.
وعند الشافعي أن إذن البكر والاستدلال بصماتها على رضاها إنما هو بمعنى الاستحباب دون الوجوب وذلك خاص في الأب والجد فإن زوجها غير أبيها فإنه لا يرى صماتها إذناً في النكاح.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد الأنصاريين عن خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت له فرد نكاحها.
قال الشيخ ذكرها الثيوبة في هذا الحديث يدل على أن حكم البكر بخلاف ذلك، والأوصاف إنما تذكر تعليلاً.
وأما خبر عكرمة أن جارية بكراً أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي ﷺ فقد ذكر أبو داود أنه خبر مرسل.
وإسناد حديث خنساء بنت خدام إسناد جيد متصل وقد قيل أنه كان نكاح ضرار ورووا فيه سبباً لم يحضرني إسناده.
ومن باب الاكفاء
قال أبو داود: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حَدَّثنا حماد، قال: حَدَّثنا محمد بن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ
стр. 862
فقال النبي ﷺ : يا بني بياضة انكحوا أبا هند وانكحوا إليه، قال وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة.
قال الشيخ في هذا الحديث حجة لمالك ولمن ذهب مذهبه في أن الكفاءة بالدين وحده دون غيره وأبو هند مولى بني بياضة ليس من أنفسهم. والكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء بالدين والحرية والنسب والصناعة، ومنهم من اعتبر فيها السلامة من العيوب واليسار فيكون جماعها ست خصال.
ومن باب تزويج من لم تولد
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن المثنى قالا: حَدَّثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الله بن يزيد بن مِقْسَم الثقفي من أهل الطائف، قال حدثتني سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونه بنت كَرْدَمٍ قالت خرجت مع أبي في حجة رسول الله ﷺ فرأيت رسول الله ﷺ فدنا إليه أبي وهو على ناقة له ومعه درة كدرة الكتاب فسمعت الأعراب والناس وهم يقولون الطبطبية الطبطبية الطبطبية فدنا إليه أبي فأخذ بقدمه فأقرَّ له ووقف عليه واستمع منه فقال إني حضرت جيش عِثران قال ابن المثنى جيش غثران فقال طارق بن المرقع من يعطيني رمحاً بثوابه، فقلت وما ثوابه، قال أزوجه أول بنت تكون لي فأعطيته رمحي ثم غبت عنه حتى علمت أنه قد ولد له جارية وبلغت ثم جئته فقلت له أهلي جهزهن إليّ فحلف أن لا يفعل حتى أصدقه صداقاً جديداً غير الذي كان بيني وبينه وحلفت أن لا أصدق غير الذي أعطيته، فقال رسول
стр. 863
الله ﷺ : وبقرن أيّ النساء هي اليوم، قال قد رأت القتير قال أرى أن تتركها قال فراعني ذلك ونظرت إلى رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك مني، قال: لا تأثم ولا يأثم صاحبك.
قال الشيخ قولها يقولون الطبطبية يحتمل وجهين أحدهما أن يكون أرادت بها حكاية وقع الأقدام أي يقولون بأرجلهم على الأرض طب طب.
والوجه الآخر أن يكون كناية عن الدرة يريد صوتها إذا خفقت.
وقوله بقرن أي النساء يريد سن أي النساء هي، والقرن بنو سنٍ واحد، يقال هؤلاء قرن زمان كذا، وأنشدني أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:
إذا مضى القرن الذي أنت فيهم ...وخلفت في قرن فأنت غريب
والقتير الشيب، ويشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أشار عليه بتركها لأن عقد النكاح على معدوم العين فاسد، وإنما كان ذلك منه موعداً له، فلما رأى أن ذلك لا يفي بما وعد وأن هذا لا يقلع عما طلب أشار عليه بتركها والإعراض عنها لما خاف عليهما من الإثم إذا تنازعا وتخاصما إذ كان كل واحد منهما قد حلف أن يفعل غير ما حلف عليه صاحبه وتلطف ﷺ في صرفه عنها بالمسألة عن سنها حتى قرر عنده أنها قد رأت القتير أي الشيب وكبرت وأنه لا حظ له في نكاحها.
وفيه دليل على أن للحاكم أن يشير على أحد الخصمين بما هو أدعى إلى الصلاح وأقرب إلى التقوى.
ومن باب في الصداق
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا عبد العزيز بن محمد، قال: حَدَّثنا يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم، عَن أبي سلمة قال سألت عائشة
стр. 864
رضي الله عنها عن صداق النبي ﷺ فقالت ثنتا عشرة أوقية ونَش فقلت وما نش قالت نصف أوقية.
قال الشيخ الأوقية أربعون درهماً والنش عشرون درهماً، وهو اسم موضوع لهذا القدر من الدراهم غير مشتق من شيء سواه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب الثقفي، قال: حَدَّثنا مُعلى بن منصور، قال: حَدَّثنا ابن المبارك،، قال: حَدَّثنا معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة.
قال الشيخ معنى قوله زوجها النجاشي أي ساق إليها المهر فأضيف عقد النكاح إليه لوجود سببه منه وهو المهر.
وقد روى أصحاب السير أن الذي عقد النكاح عليها خالد بن سعيد بن العاص وهو أبو عمر بن أبي سفيان وأبو سفيان إذ ذلك مشرك وقبل نكاحها عمرو بن أمية الضمري وكله رسول الله ﷺ بذلك وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ومن باب أقل المهر
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد عن ثابت البناني وحميد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردغ زعفران فقال النبي ﷺ : مَهيم فقال يا رسول الله تزوجت امرأة قال ما أصدقتها، قال وزن نواة من ذهب قال أولم ولو بشاة.
стр. 865
قال الشيخ ردغ الزعفران أثر لونه وخضابه، وقوله مَهيم كلمة يمانية معناه مالك وما شأنك، ويشبه أن يكون المسألة إنما عرضت من حاله من أجل الصفرة التي رآها عليه من ردغ الزعفران، وقد نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل فأنكرها، ويشبه أن يكون ذلك شيئاً يسيراً فرخص له فيه لقلته.
ووزن نواة من ذهب فسروها خمسة دراهم من ذهب وهو اسم معروف لمقدار معلوم.
وقوله أولم ولو بشاة من الوليمة وهو طعام الأملاك.
قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن جبريل البغدادي أخبرنا يزيد أخبرنا موسى بن مسلم بن رومان، عَن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: من أعطى في صداق امرأة ملء عكفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل.
قال الشيخ فيه دليل على أن أقل المهر غير موقت بشيء معلوم وإنما هو على ما تراضى به المتناكحان.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه لا توقيت في أقل المهر وأدناه هو ما تراضوا به. قال سعيد بن المسيب لو أصدقها سوطاً لحملت له. وقال مالك أقل المهر ربع دينار.
وقال أصحاب الرأي أقله عشرة دراهم، وقدروه بما يقطع فيه يد السارق عندهم، وزعموا أن كل واحد منهما إتلاف عضو.
ومن باب التزويج على العمل يعمل
قال أبو داود: حدثنا القعنبي، عَن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك
стр. 866
فقامت قياما طويلاً، فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : هل عندك من شيء تصدقها إياه فقال ما عندي إلاّ إزاري هذا فقال رسول الله ﷺ إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئاً، قال لا أجد شيئاً، قال فالتمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا، فقال رسول الله ﷺ : فهل معك من القرآن شيء قال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها، فقال له رسول الله ﷺ : قد زوجتكها بما معك من القرآن.
قال الشيخ فيه من الفقه أن منافع الحر قد يجوز أن يكون صداقاً كأعيان الأموال ويدخل فيه الإجارة وما كان في معناها من خياطة ثوب ونقل متاع ونحو ذلك من الأمور.
وفيه دليل على جواز الأجرة على تعليم القرآن والباء في قوله بما معك باء التعويض كما تقول بعتك هذا الثوب بدينار أو بعشرة دراهم؛ ولو كان معناها ما تأوله بعض أهل العلم من أنه إنما زوجه إياها لحفظه القرآن تفضيلاً له لجعلت المرأة موهوبة بلا مهر وهذه خصوصية ليست لغير النبي ﷺ ولولا أنه أراد به معنى المهر لم يكن لسؤاله إياها هل معك من القرآن شيء معنى لأن التزويج ممن لا يحسن القرآن جائز جوازه ممن يحسنه. وليس في الحديث أنه جعل المهر ديناً عليه إلى أجل فكان الظاهر أنه جعل تعليمه القرآن إياها مهراً لها.
وفي للخبر دليل على أن المكافأة إنما هي في حق الدين والحرية دون النسب والمال، ألا ترى أنه لم يسأل هل هو كفؤ لها أم لا، وقد علم من حاله أنه لا مال له.
وفيه دليل على أنه لا حد لأقل المهر، وفيه أنه لم يسألها هل أنت في عدة من
стр. 867
زوج أو وطء شبهة أو نحو ذلك أم لا، وهذا شيء يفعله الحكام احتياطاً فلو ترك تارك وحمل الأمر على ظاهر الحال وصدقها على قولها كان ذلك جائزاً ما لم يعلم خلافه.
وقد اختلف الناس في جواز النكاح على القرآن، فقال الشافعي بجوازه على ظاهر الحديث، وقال مالك لا يجوز وهو قول أصحاب الرأي.
وقال أحمد بن حنبل أكرهه، وكان مكحول يقول ليس لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يفعله.
وقال الشافعي فيمن نكح هذا النكاح إذا طلقها قبل أن يدخل بها ففيه قولان أحدهما أن لها نصف المثل والآخر أن لها نصف أجر التعليم.
ومن باب من تزوج ولم يفرض
لها صداقاً ومات عنها
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: حَدَّثنا يزيد بن زريع، قال: حَدَّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود أتى في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها الصداق فاختلفوا إليه شهراً أو قال مرات؛ قال فإني أقول فيها إن لها صداقا كصداق نسائها لا وكس ولا شطط وإن لها الميراث وعليها العدة فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. والله ورسواه بريئان، فقام ناس من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان فقالوا يا ابن مسعود نحن نشهد أن رسول الله ﷺ قضاها فينا في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود فرحاً شديداً.
قال الشيخ قوله لا وكس ولا شطط الوكس، النقصان والشطط العدوان
стр. 868
وهو الزيادة على قدر الحق، يقال أشط الرجل في الحكم إذا تعدى الحق وجاوزه قال الشاعر:
ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي ...فيزعمن أن أودي بحقي باطل
وفيه من الفقه جواز الاجتهاد في الحوادث من الأحكام فيما لم يوجد فيه نص مع إمكان أن يكون فيها نص وتوقيف.
وقوله فإن يكن صواباً فمن الله أي من توفيق الله وان يكن خطأ فمني ومن تسويل الشيطان وتلبيسه على وجه الحق فيه.
وقوله والله ورسوله بريئان، يريد أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يتركا شيئاً لم يبينّاه في الكتاب أو في السنة ولم يرشدا إلى صواب الحق فيه إما نصاً وإما دلالة فهما بريئان من أن يضاف إليهما الخطأ الذي يؤتي المرء فيه من جهة عجزه وتقصيره.
وفيه بيان أن المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول بها كان لها مهر المثل وإليه ذهب أصحاب الرأي وهو أصح قولين للشافعي فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة ولها نصف مهر، واعتبر الشافعي مهر المثل بنساء عصبتها اختها وعمتها وبنات أعمامها وليست أمها ولا خالتها من نسائها.
ومن باب في تزويج الصغار
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وأبو كامل قالا: حَدَّثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت سبع سنين، قال سليمان أو ست ودخل بي وأنا بنت تسع.
قال الشيخ في هذا دلالة على أن البكر التي أمر باستئذانها في النكاح إنما هي البالغ دون الصغيرة التي لم تبلغ لأنه لا معنى لاذن من لم تكن بالغاً ولا
стр. 869
اعتبار برضاها ولا بسخطها.
وكان أحمد بن حنبل يجعل هذا حداً في تزويج الأبكار لغير الآباء والأجداد ويقول لا أرى للولي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين فإذا بلغت تسع سنين فرضيت فلا خيار لها.
قال الشيخ ولعله قد بلغه أن نساء العرب أو أكثرهن يدركن إذا بلغن هذا السن والله أعلم.
ومن باب المقام عند البكر
قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب قال حدثني يحيى عن سفيان قال حدثني محمد بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا، ثم قال ليس لك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي.
قال الشيخ اختلف العلماء في تأويل ذلك، فقال بعضهم الثلاث تخصيص للثيب لا يحتسب بها عليها ويستأنف القسم فيما يستقبل، وكذلك السبع للبكر وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقد روي ذلك عن الشعبي.
وقال أصحاب الرأي البكر والثيب في القسم سواء وهو قول الحكم وحماد. وقال الأوزاعي إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثا وإذا تزوج الثيب على البكر يمكث يومين.
قال الشيخ السبع في البكر والثلاث في الثيب حق العقد خصوصاً لا يحاسبان على ذلك ولكن يكون لهما عفواً بلا قصاص.
стр. 870
وقوله إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي ليس فيه دليل على سقوط حقها الواجب لها إذا لم يسبع لها وهو الثلاث التي هي بمعنى التسويغ لها ولو كان ذلك بمعنى التبدئة ثم يحاسب عليها لم يكن للتخيير معنى لأن الإنسان لا يخير بين جميع الحق وبين بعضه فدل على أنه بمعنى التخصيص.
قال الشيخ ويشبه أن يكون هذا من المعروف الذي أمر الله تعالى به في قوله ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩] وذلك أن البكر لما فيها من الخفر والحياء تحتاج إلى فضل إمهال وصبر وحسن تأن ورفق ليتوصل الزوج إلى الأرب منها، والثيب قد جربت الأزواج وارتاضت بصحبة الرجال فالحاجة إلى ذلك في أمرها أقل إلاّ أنها تخص بالثلاث تكرمة لها وتأسيساً للإلفة فيما ببنه وبينها والله أعلم.
ومن باب الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقد
قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن اسحاق الطالقاني، قال: حَدَّثنا عبدة، قال: حَدَّثنا سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال لما تزوج عليٌ فاطمة ﵄، قال له رسول الله ﷺ أعطها شيئاً، قال ما عندي شيء، قال أين درعك الحُطمية.
قال الشيخ الحطمية منسوبة إلى حطمة بطن من عبد القيس كانوا يعملون الدروع. ويقال إنها الدرع السابغة التي تحطم السلاح.
وقد اختلف الناس في الدخول قبل أن يعطي من المهر شيئاً فكان ابن عمر يقول لا يحل لمسلم أن يدخل على امرأته حتى يقدم إليها حقل أو كثر.
وروي عن ابن عباس الكراهية في ذلك وكذلك عن قتادة والزهري.
وقال مالك بن أنس لا يدخل حتى يقدم شيئاً من صداقها أدناه ربع دينار
стр. 871
أو ثلاثة دراهم سواء فرض لها أو لم يكن فرض.
وكان الشافعي يقول في القديم إن لم يسم لها مهراً كرهت أن يطأها قبل أن يسمي أو يعطيها شيئاً، وقول سفيان الثوري قريب من هذا ورخص في ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري والنخعي وهو قول أحمد وإسحاق.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن معمر، قال: حَدَّثنا محمد بن بكر البرساني قال أخبرنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو أخته.
قال الشيخ وهذا يتأول على ما يشترطه الولي لنفسه سوى المهر، وقد اختلف الناس في وجوبه فقال سفيان الثوري ومالك بن أنس في الرجل ينكح المرأة على أن لأبيها كذا وكذا شيئاً اتفقا عليه سوى المهر أن ذلك كله للمرأة دون الأب وكذلك روي عن عطاء وطاوس، وقال أحمد هو للأب ولا يكون ذلك لغيره من الأولياء لأن يد الأب مبسوطة في مال الولد.
وروي عن علي بن الحسين أنه زوج ابنته رجلاً واشترط لنفسه مالاً، وعن مسروق أنه زوج ابنته رجلاً واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم يجعلها في الحج والمساكين.
وقال الشافعي إذا فعل ذلك فلها مهر المثل ولا شيء للولي.
ومن باب ما يقال للمتزوج
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل عن أبيه، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج قال: بارك الله لك وبارك
стр. 872
عليك وجمع بينكما في خير.
قال الشيخ قوله رفأ يريد هناه ودعا له وكان من عادتهم أن يقولوا بالرفاء والبنين وأصله من الرفىء وهو على معنيين أحدهما التسكين؛ يقال رفوت الرجل إذا سكنت ما به من روع قال الشاعر:
رفوني وقالوا يا خويلد لم تُرع ...فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
والآخر أن يكون بمعنى الموافقة والملائمة ومنه رفوت الثوب، وفيه لغتان يقال رفوت الثوب ورفأته وأنشد أبو زيد:
عمامة غير جد واسعة ...أخيطها تارة وأرفأها
وقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى أن يقال للمتزوج بالرفاء والبنين.
ومن باب من تزوج امرأة فوجدها حبلى
قال أبو داود: حدثنا مخلد بن خالد والحسن بن علي وابن أبي السري العسقلاني المعنى قالوا أخبرنا عبد الرزاق، قال: حَدَّثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار قال ابن أبي السري من أصحاب النبي ﷺ ولم يقل من الأنصار ثم اتفقوا يقال له بصرة، قال تزوجت امرأة بكراً في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ : لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك فإذا ولدت فاجلدوها أو قال فحدوها.
قال أبو داود: روى هذا الحديث قتادة عن سعيد بن يزيد عن ابن المسيب ويحيى بن أبي كثير عن يزيد بن نعيم عن ابن المسيب وعطاء الخراساني عن ابن المسيب أرسلوه عن النبي ﷺ .
стр. 873
قال الشيخ هذا الحديث لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به وهو مرسل ولا أعلم أحداً من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حر إذا كان من حرة فكيف يستعبده ويشبه أن يكون معناه أن ثبت الخبر أنه أوصاه به خيراً أو أمره باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ فيكون كالعبد له في الطاعة مكافأة له على إحسانه وجزاء لمعروفه.
وفيه حجة إن ثبت الحديث لمن رأى الحمل من الفجور يمنع عقد النكاح وهو قول سفيان الثوري وأبي يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن النكاح جائز وهو قول الشافعي والوطء على مذهبه مكروه ولا عدة عليها في قول أبي يوسف وكذلك عند الشافعي.
قال الشيخ ويشبه أن يكون إنما جعل لها صداق المثل دون المسمى لأن في هذا الحديث من رواية زيد بن نعيم عن ابن المسيب أنه فرق بينهما ولو كان النكاح وقع صحيحاً لم يجب التفريق لأن حدوث الزنا بالمنكوحة لا يفسخ النكاح ولا يوجب للزوج الخيار. ويحتمل أن يكون الحديث إن كان له أصل منسوخا والله أعلم.
ومن باب في القسم بين النساء
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حَدَّثنا همام، قال: حَدَّثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.
قال الشيخ في هذا دلالة على توكيد وجوب القسم بين الضرائر الحرائر وإنما المكروه من الميل هو ميل العشرة الذي يكون معه بخس الحق دون ميل
стр. 874
القلوب فإن القلوب لا تملك فكان رسول الله ﷺ يسوي في القسم بين نسائه ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تواخذني فيما لا أملك، وفي هذا نزل قوله تعالى ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولوحرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩] .
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حَدَّثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غيرأن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة.
قال الشيخ فيه إثبات القرعة وفيه أن القسم قد يكون بالنهار كما يكون بالليل وفيه أن الهبة قد تجري في حقوق عشرة الزوجية كما تجري في حقوق الأموال.
واتفق أكثر أهل العلم على أن المرأة التي تخرج بها في السفر لا يحسب عليها بتلك المدة للبواقي ولا تقاص بما فاتهن في أيام الغيبة إذا كان خروجها بقرعة.
وزعم بعض أهل العلم أن عليه أن يوفي للبواقي ما فاتهن أيام غيبته حتى يساوينها في الحظ. والقول الأول أولى لاجتماع عامة أهل العلم عليه، ولأنها إنما أرفقت بزيادة الحظ بما يلحقها من مشقة السفر وتعب السير والقواعد خليات من ذلك فلو سوى بينها وبينهن لكان في ذلك العدول عن الانصاف والله أعلم.
ومن باب الرجل يتزوج امرأة ويشرط لها دارها
قال أبو داود: حدثنا عيسى بن حماد المصري، قال: حَدَّثنا اليث عن يزيد بن أبي حبيب، عَن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ أنه قال: أحق
стр. 875
الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج.
قال الشيخ كان أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه يريان أن من تزوج امرأة على أن لا يخرجها من دارها أو لا يخرج بها إلى البلد أو ما أشبه ذلك أن عليه الوفاء بذلك وهو قول الأوزاعى وقد روي معناه عن عمر ﵁.
وقال سفيان وأصحاب الرأي إن شاء ينقلها عن دارها كان له؛ وكذلك قال الشافعي ومالك، وقال النخعي كل شرط في نكاح فإن النكاح يهدمه إلاّ الطلاق وهو مذهب عطاء والشعبي والزهري وقتادة وابن المسيب والحسن وابن سيرين قال وتأويل الحديث على مذهب هؤلاء أن يكون ما يشترطه من ذلك خاصاً في المهر والحقوق الواجبة التي هي مقتضى العقد دون غيرها مما لا يقتضيه والله أعلم.
ومن باب في ضرب النساء
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حَدَّثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال قال رسول الله ﷺ : لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال ذئِرن النساء على أزواجهن فرخص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن فقال ﷺ : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم.
قوله ذئرن معناه سوء الخلق والجرأة على الأزواج والذائر المغتاظ على خصمه المستعد للشر، ويقال اذرأت الرجل بالشر إذا اغريته به فيكون معناه على هذا أنهن أغرين بأزواجهن واستخففن بحقوقهم.
وفي الحديث من الفقه أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح إلاّ أنه ضرب غير مبرح.
стр. 876
وفيه بيان أن الصبر على سوء أخلاقهن والتجافي عما يكون منهن أفضل.
ومن باب حق المرأة على الزوج
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد قال أخبرنا أبو قزعة سويد بن حجر الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه، قال أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلاّ في البيت.
قال الشيخ في هذا إيجاب النفقة والكسوة لها وليس في ذلك حد معلوم، وإنما هو على المعروف وعلى قدر وسع الزوج وجِدته وإذا جعله النبي ﷺ حقا لها فهولازم للزوج حضر أو غاب وإن لم يجده في وقته كان ديناً عليه إلى أن يؤديه إليها كسائر الحقوق الواجبة، وسواء فرض لها القاضي عليه أيام غيبته أو لم يفرض.
وفي قوله ولا تضرب الوجه دلالة على جواز الضرب على غير الوجه إلاّ أنه ضرب غير مبرح، وقد نهى ﷺ عن ضرب الوجه نهياً عاماً لا تضرب آدمياً ولا بهيمة على الوجه.
وقوله ولا تقبح معناه لا يسمعها المكروه ولا يشتمها بأن يقول قبحك الله وما أشبهه من الكلام.
وقوله لا تهجر إلاّ في البيت أي لا تهجرها إلاّ في المضجع ولا تتحول عنها أو تحولها إلى دار أخرى.
ومن باب ما يؤمر به من غض البصر
قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال أخبرنا شريك، عَن أبي
стр. 877
ربيعة الإيادي عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة.
قال الشيخ النظرة الأولى إنما تكون له لا عليه إذا كانت فجأة من غير قصد أو تعمد وليس له أن يكرر النظر ثانية ولا له أن يتعمده بدءا كان أو عودا.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، قال: حَدَّثنا سفيان، قال: حَدَّثنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد، عَن أبي زرعة عن جرير، قال سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال اصرف بصرك.
قال الشيخ ويروى اطرق بصرك حدثنا ابن الأعرابي، قال: حَدَّثنا علي بن عبد العزيز، قال: حَدَّثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن عمر بن سعيد، عَن أبي زرعة عن جرير، قال سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال اطرق بصرك.
قال الشيخ الأطراق أن يقبل ببصره إلى صدره والصرف أن يقبله إلى الشق الآخر أو الناحية الأخرى.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا أبو عَوانة عن الأعمش، عَن أبي وائل، عَن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ قال لا تباشر المرأة المرأة لتنعتها لزوجها كأنما ينظر إليها.
قال الشيخ فيه دلالة على أن الحيوان قد يضبط بالصفة ضبط حصر وإحالة واستدلوا به على جواز السلم في الحيوان.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حَدَّثنا أبو ثور عن معمر قال أخبرنا طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة
стр. 878
عن النبي ﷺ إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق تمنّى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه.
قال الشيخ قوله اشبه باللمم يريد بذلك ما عفا الله عنه من صغائر الذنوب وهو معنى قوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلاّ اللمم﴾ [الشورى: ٣٧] وهو ما يلم به الإنسان من صغائر الذنوب التي لا يكاد يسلم منها إلاّ من عصمه الله تعالى وحفظه وإنما سمي النظر زنا والقول زنا لأنهما مقدمتان للزنا فإن البصر رائد واللسان خاطب والفرج مصدق للزنا ومحقق له بالفعل.
وفي قوله والفرج يصدق ذلك ويكذبه مستدل لمن جعل المتلوط زانياً يجلد أو يرجم كسائر الزناة وذلك أنه قد واقع الفرج بفرجه وهو صورة الزنا حقيقة.
ومن باب وطء السبايا
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عمر بن ميسرة، قال: حَدَّثنا يزيد بن زريع، قال: حَدَّثنا سعيد عن قتادة عن صالح بن أبي الخليل، عَن أبي علقمة الهاشمي، عَن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ بعث يوم حنين بعثاً إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله في ذلك ﴿والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن.
قال الشيخ المحصنات من النساء معناه المتزوجات، وفيه بيان أن الزوجين إذا سبيا معاً فقد وقعت الفرقة بينهما كما لو سبي أحدهما دون الآخر.
وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو ثور واحتجوا بأن رسول الله ﷺ قسم السبي، وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائض حتى تحيض، ولم
стр. 879
يسأل عن ذات زوج وغيرها ولا عمن كانت سبيت منهن مع الزوج أو وحدها فدل أن الحكم في ذلك واحد.
وقال أبو حنيفة إذا سبيا جميعاً فهما على نكاحهما الأول وقال الأوزاعي ما كان في المقاسم فهما على نكاحهما فإن اشتراهما رجل فشاء أن يجمع بينهما جمع وإن شاء فرق بينهما واتخذها لنفسه بعد أن يستبرئها بحيضة.
وفي قوله إذا انقضت عدتهن دليل على ثبوت أنكحة أهل الشرك ولولا ذلك لم يكن للعدة معنى.
وقد تأول ابن عباس الاية في الأمة يشتريها ولها زوج، فقال بيعها طلاقها وللمشتري اتخلذها لنفسه وهو خلاف أقاويل عامة العلماء، وحديث بريرة يدل على خلاف قوله.
قال أبو داود: حدثنا النفيلي، قال: حَدَّثنا مسكين، قال: حَدَّثنا شعبة عن يزيد بن خمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، عَن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ كان في غزوة فرأى امرأة مُخجاً فقال لعل صاحبها ألمَّ بها قالوا نعم، قال لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهولا يحل له.
قال الشيخ المخج الحامل المقرب، وفيه بيان أن وطئ الحبالى من النساء لا يجوز حتى يضعن حملهن.
وقوله كيف يورثه وهو لا يحل له أم كيف يستخدمه وهو لا يحل له، يريد أن ذلك الحمل قد يكون من زوجها المشرك فلا يحل له استلحاقه وتوريثه، وقد يكون منه إذا وطئها أن ينفش ما كان في الظاهر حملاً وتعلق من وطئه فلا يجوز له سبيه واستخدامه.
стр. 880
وفي هذا دليل على أنه لا يجوز استرقاق الولد بعد الوطء إذا كان وضع الحمل بعده بمدة تبلغ أدنى مدة الحمل وهو ستة أشهر.
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون، قال: حَدَّثنا شريك عن قيس بن وهب، عَن أبي الودّاك، عَن أبي سعيد الخدري ورفعه أنه ﷺ قال في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة.
قال الشيخ فيه من الفقه أن السبي ينقض الملك المتقدم ويفسخ النكاح.
وفيه دليل على أن استحداث الملك يوجب الاستبراء في الإماء فلا توطأ ثيب ولا عذراء حتى تستبري بحيضة ويدخل في ذلك المكاتبة إذا عجزت فعادت إلى الملك المطلق؛ وكذلك من رجعت إلى ملكه بإقالة بعد البيع وسواء كانت الأمة مشتراة من رجل أو امرأة لأن العموم يأتي على ذلك أجمع.
وفي قوله حتى تحيض دليل على أنه إذا اشتراها وهي حائض فإنه لا يعتد بتلك الحيضة حتى تستبرىء بحيضة مستأنفة.
وقد يستدل بهذا الحديث من يى أن الحامل لا تحيض وأن الدم الذي ترام أيام حيضها غير محكوم له بحكم الحيض في ترك الصلاة والصيام، قال وذلك لأنه جعل الحيض دليل براءة الرحم فلو صح وجوده مع الحمل لانتقضت دلالته في الاستبراء ولم يكن للفرق الذي جاء في هذا الحديث بينهما معنى، وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي.
وقال الشافعي الحامل تحيض وإذا رأت الدم المعتاد أمسكت عن الصلاة وإنما جعل الحيض في الحامل علماً لبراءة الرحم من طريق الظاهر فإذا جاء ما هو
следующие страницы →