Полный текст (1 377 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
فذكره الحجور ليس بشرط يتغير به الحكم ولكنه غالب الحال وكقوله ﴿إلاّ أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولم يجز ذكر الخوف من مذهب أكثر الفقهاء للفرق ولكن لأنه الغالب ولم يفرقوا في البيوع الفاسدة بين القائم والتالف منها فيما يجب من رد السلعة إن كانت قائمة والقيمة إن كانت تالفة. وهذا البيع مصيره إلى الفساد لأنا نرفعه من أصله إذا تحالفا ونجعله كأنه لم يقع ولسنا نثبته ثم نفسخه ولوكنا فعلنا ذلك لكان في ذلك تكذيب أحد الحالفين ولا معنى لتكذيبه مع إمكان تصديقه ويخرج ذلك على وجه يعذر فيه مثل أن يحمل أمره على الوهم وغلبة الظن في نحو ذلك.
واحتجوا فيه أيضاً بقوله اليمين على المدعى عليه، وهذا لا يخالف حديث التحالف لأن كل واحد منهما مدع من وجه ومدعى عليه من وجه آخر وليس اقتضاء أحد الحكمين منه بأولى من الآخر، وقد يجمع بين الخبرين أيضاً بأن يجعل اليمين على المدعى عليه إذ كانت يمين نفي وهذه يمين فيها إثبات.
قال الشيخ وأبو حنيفة لا يرى اليمين في الاثبات، وقد قال به ههنا مع قيام السلعة، وقد خالف أبو ثور جماعة الفقهاء في هذه المسألة فقال القول قول المشتري مع قيام السلعة، ويقال إن هذا خلاف الإجماع مع مخالفته الحديث والله أعلم.
وقد اعتذر له بعضهم أن في إسناد هذا الحديث مقالاً فمن أجل ذلك عدل عنه.
قال الشيخ هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله وذلك يدل على أن له أصلاً كما اصطلحوا على قبول قوله لا وصية لوارث، وفي إسناده ما فيه.
قال الشيخ وسواء عند الشافعي كان اختلافهما في الثمن أو في الأجل أو
стр. 807
في خيار الشرط أو في الرهن أو في الضمين فإنهما يتحالفان قولاً بعموم الخبر وظاهره إذ ليس فيه ذكر حال من الاختلاف دون حال.
وعند أصحاب الرأي لا يتحالفان إلاّ عند الاختلاف في الثمن.
ومن باب الشفعة
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج، عَن أبي الزببر عن جابر، قال قال رسول الله ﷺ الشفعة في كل شرك ربعة أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع فهو أحق به حتى يؤذنه.
قال الشيخ الربع والربعة المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه، يقال هذا ربع وهذه ربعة بالهاء كما قالوا دار ودارة.
وفي هذا الحديث إثبات الشفعة في الشركة وهو اتفاق من أهل العلم وليس فيه عن المقسوم من جهة اللفظ ولكن دلالته من طريق المفهوم أن لا شفعة في المقسوم كقوله الولاء لمن أعتق دلالته أنه لا ولاء إلاّ للمعتق.
وفيه دليل على أن الشفعة لا تجب إلاّ في الأرض والعقار دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان ونحوها.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا عبد الرزاق، قال: حَدَّثنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
قال الشيخ هذا الحديث أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك من مثبته من الحديث الأول وكلمة إنما تعمل بركنيها فهي مثبتة للشيء نافية لما سواه،
стр. 808
فثبت أنه لا شفعة في المقسوم.
وأما قوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فقد يحتج بكل لفظة منها قوم، أن اللفظة الأولى ففيها حجة لمن لم ير الشفعة في المقسوم، وأما اللفظة الأخرى فقد يحتج بها من يثبت الشفعة بالطريق وإن كان المبيع مقسوماً.
قال الشيخ ولا حجة لهم عندي في ذلك وإنما هو الطريق إلى المشاع دون المقسوم وذلك أن الطريق يكون في المشاع شائعاً بين الشركاء قبل القسمة وكل واحد منهم يدخل من حيث شاء ويتوصل إلى حقه من الجهات كلها، فإذا قسم العقار بينهم منع كل واحد منهم أن يتطرق شيئاً من حق صاحبه وأن يدخل إلى ملكه إلاّ من حيث جعل له فمعنى صرف الطرق هو هذا والله أعلم.
ثم إنه علق الحكم فيه بمعنيين أحدهما وقوع الحدود وصرف الطرق معاً فليس لهم أن يثبتوه بأحدهما وهو نفي صرف الطرق دون نفي وقوع الحدود.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال: حَدَّثنا الحسن بن الربيع، قال: حَدَّثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن ابن شهاب، عَن أبي سلمة أو عن سعيد بن المسيب أو عنهما جميعاً، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ إذا قسمت الأرض وحدت فلا شفعة فيها.
قال الشيخ وفي هذا بيان أن الشفعة تبطل بنفس القسمة والتمييز بين الحصص بوقوع الحدود ويشبه أن يكون المعنى الموجب للشفعة دفع الضرر بسوء المشاركة والدخول في ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالقسمة وأملاك
стр. 809
الناس لا يجوز الاعتراض عليها بغير حجة.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمع عمرو بن الشريد سمع أبا رافع سمع النبي ﷺ يقول الجارأحق بسقبه.
قال الشيخ السقب القرب يقال ذلك بالسين والصاد حميعاً قال الشاعر:
لا صقب دارها ولا أمم
وقد يحتج بهذا من يرى الشفعة بالجوار وإن كان مقاسماً، إلاّ أن هذا اللفظ مبهم يحتاج إلى بيان وليس في الحديث ذكر الشفعة فيحتمل أن يكون أراد الشفعة، وقد يحتمل أن يكون أراد أنه أحق بالبر والمعونه وما في معناهما، وقد روي عن النبي ﷺ أن رجلاً قال إن لي جارين إلى أيهما أهدي قال إلى أقربهما منك داراً أو باباً.
وقد يحتمل أن يجمع بين الخبرين فيقال إن الجار أحق بسقبه إذا كان شريكاً فيكون معنى الحديثين على الوفاق دون الاختلاف واسم الجار قد يقع على الشريك لأنه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة كالمرأة تسسى جارة لهذا المعني ويدل على ذلك قول الأعشى يريد زوجته:
أجارتنا بيني فإنك طالقه...... كذاك أمور الناس تغدو وطارقه
وقد تكلم أهل الحديث في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه، فقال بعضهم عن عمرو بن الشريد، عَن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه، عَن أبي رافع وأرسله بعضهم. وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلاّ للشريك أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب.
стр. 810
قال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حَدَّثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال جار الدار أحق بدار الجار والأرض.
قال الشيخ وهذا أيضاً قد يحتمل أن يتأول على الجار المشارك دون المقاسم كما قلناه في الحديث الأول وقد تكلموا في إسناده، قال يحيى بن معين لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هو صحيفة وقعت إليه أو كما قال، وقال غيره سمع الحسن من سمرة حديث العقيقة حسب.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا هشيم قال أخبرنا عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحداً.
قال الشيخ عبد الملك بن أبي سليمان لين الحديث وقد تكلم الناس في هذا الحديث. وقال الشافعي نخاف أن لا يكون محفوظاً وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير ولا يعارض حديثهما بحديث عبد الملك.
وحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث وقال إن روى عبد الملك حديثا آخر مثل هذا تركت حديثه وجعله بعضهم رأياً لعطاء أدرجه عبد الملك في الحديث، وقال أبو عيسى الترمذي قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا فقال تفرد به عبد الملك، وروي عن جابر خلاف هذا.
وحكي عن أمية بن خالد عن شعبة قال قلت له ما لك لا تحدث عن عبد الملك وأنت تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي وسيع عبد الملك بن أبي سليمان وأنه كان حسن الحديث قال من حسنه فرقت.
قال الشيخ قد يحتمل أيضاً أن يوفق بينه وبين الأحاديث المتقدمة فيتأول
стр. 811
على المشاع لأن الطريق إنما يكون واحداً على الحقيقة في المشاع دون المقسوم.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة فذهب أكثر العلماء إلى أن لا شفعة في المقسوم وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄؛ وإليه ذهب أهل المدينة سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز والزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور.
وقال أصحاب الرأي الشفعة واجبة للجار وإن كان مقاسماً على اختلاف بينهم في ترتيب الجوار، إلاّ أنهم لم يختلفوا أن الشريك مقدم على الجار المقاسم، وقالوا إن سلم الشريك في الدار فالشريك في الطريق أحق من جار الدار.
قال الشيخ وفي هذا ترك للقول بالشفعة لأن الجار الملاصق أقرب من الشريك في الطريق، واستدل مالك والشافعي بقوله والشفعة فيما لم يقسم على أن ما لا يحتمل القسم كالبئر ونحوها لا شفعة فيه.
وقال أبو حنيفة والثورى الشفعة فيها قائمة.
قال الشيخ وهذا أولى لأن القصد بقول الشفعة فيما لم يقسم ليس بيان ما تجب فيه الشفعة مما ينقسم أو لا ينقسم؛ إنما هو بيان سقوط الشفعة فيما قد قسم، فإذا كان معنى الشفعة إزالة الضرر فإن هذا المعنى قائم في البئر وفيما أشبهها، وإلى هذا ذهب أبو العباس بن سريج، فقال إذا كان إزالة الضرر فيما يمكن إزالته واجبة ففيما لا يمكن إزالته أولى.
ومن باب الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد،
стр. 812
عَن أبي بكر بن محمد عن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال أيما رجل أفلس فأدرك الرجل متاعه بعينه فهو أحق به من غيره.
قال الشيخ وهذه سنة النبي ﷺ قد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان ﵁ وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ ولا يعلم لهما مخالف في الصحابة وهو قول عروة بن الزبير وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وابن شبرمة هو أسوة الغرماء.
وقال بعض من يحتج لقولهم هذا مخالف للأصول الثابتة ولمعانيها والمبتاع قد ملك السلعة وصارت من ضمانه فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، وتأولوا الخبر على الودائع والبيوع الفاسدة ونحوها.
قال الشيخ والحديث إذا صح وثبت عن رسول الله ﷺ فليس إلاّ التسليم له وكل حديث أصل برأسه ومعتبر بحكمه في نفسه فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة أو يتذرع إلى إبطاله بعدم النظير له وقلة الاشباه في نوعه وههنا أحكام خاصة وردت بها أحاديث، فصارت أصولاً كحديث الجنين وحديث القسامة والمصراة.
وروى أصحاب الرأي حديث النبيذ وحديت القهقهة في الصلاة وهما مع ضعف سندهما مخالفان للأصول فلم يمتنعوا من قبولها لأجل هذه العلة وأما نقض ملك المالك فقد جاء في غير موضع من الأصول، كالمشتري الشقص يملكه بالعقد ثم ينقض حق الشفيع ملكه فيسترجعه، وتملك المرأة الصداق بنفس
стр. 813
العقد بدليل أنه لو كان عبداً فأعتقته أو باعته كان العتق نافذاً والبيع جائزاً ثم أنه إذا طلقها الزوج قبل الدخول انتقض الملك عليها في نصفه.
وقد يختلف المتبايعان في الثمن بعد العقد فيتحالفان ويعود الملك إلى البائع وقد يؤجر داره سنة بأجرة معلومة فتهدم الدار فيرد المؤاجر الأجرة ويكاتب عبده ثم يعجز فيبطل العقد ويعود ملكاً يتصرف فيه كما كان، وقد يقدم المرتهن بما في يده من الرهن على سائر الغرماء فيكون أحق به ولم يستنكر شيء من هذه الأمور ولم يعبأ بمخالفتها سائر الأصول، وكذلك الحكم في المفلس. وقد قال الكوفيون لو وهب عبداً له على عوض فأفلس المرتهن فإن رب الهبة أحق بعين ماله، والموهوب منه المال مالك عندهم ملكاً تاماً، ولكن لأجل تعلقه بالعوض ينفق عليه ملكه، وهذا بعينه هو حكم الإفلاس على معنى ما ورد به الخبر. وكذلك قالوا في المحال عليه إذا أفلس رجع المحتال على المحيل.
وأما تأويل من تأول الحديث وخرجه على الودائع ونحوها فإنه غير مستقيم لأن ذلك يعطل فائدة الخبر إذ كان ذلك أمراً معلوماً من طريق العلم العام من جهة الإجماع، والخبر الخاص إنما يرد لبيان حكم خاص، وأبو هريرة راوي الحديث قد تأوله على البيع الصحيح لما جاءه خصمان، فقال هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ بذلك فدل على صحة ما ذهبنا إليه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء.
стр. 814
قال الشيخ ذهب مالك إلى جملة ما في هذا الحديث، وقال إن كان قبض شيئاً من ثمن السلعة فهو أسوة الغرماء.
وقال الشافعي لا فرق بين أن يكون قبض شيئاً أو لم يقبضه في أنه إذا وجد عين ماله كان أحق به.
وقال مالك إذا مات المبتاع فوجد البائع عين سلعته لم يكن أحق بها.
وعند الشافعي إذا مات المبتاع مفلساً والسلعة قائمة فلصاحبها الرجوع فيها.
وقد روي، عَن أبي هريرة من غير هذا الطريق أن رسول الله ﷺ قال من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به. وقد ذكره أبو داود في هذا الباب.
، قال: حَدَّثنا محمد بن بشار، قال: حَدَّثنا ابن أبي ذئب، عَن أبي المعتمر عن عمر بن خَلْده، عَن أبي هريرة.
وحديث مالك الذي احتج به مرسل غير متصل.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف الطائي،، قال: حَدَّثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبايري،، قال: حَدَّثنا إسماعيل بن عياش عن الزبيدي عن الزهري، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ وذكر الحديث وقال فيه فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً فما بقي فهو أسوة الغرماء وأيما امرىء هلك وعنده متاع بعينه اقتضى منه شيئاً أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء.
قال الشيخ وهذا الحديث مسنداً من هذا الطريق يضعفه أهل النقل في رجلين من رواته ورواه مالك مرسلا فدل أنه لا يثبت مسنداً ولو صح لكان
стр. 815
متأولاً على أن البائع مات موسراً بدليل الخبر المتقدم الذي رواه عمر بن خلدة وأما إذا كان قد اقتضى شيئاً من الثمن فان الشافعي لا يجعله في بقية الثمن أسوة الغرماء وذلك لأن هذا الخبر لما لم يصح عنده متصلا صار إلى القياس فجمع بين الأمرين ولم يفرق لأن الذي له الارتجاع في كل الشيء كان له ذلك في بعضه كالشفيع إذا كان له أن يأخذ الشقص كله كان له أن يأخذ البعض الباقي بعد تلف البعض.
ومن باب من أحيا حسيراً
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد قال وحدثنا موسى، قال: حَدَّثنا أبان عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن الشعبي قال عن أبان أن عامر الشعبي حدثه أن رسول الله ﷺ قال من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له قال في حديث أبان قال عبيد الله فقلت عمن قال عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ .
قال الشيخ وهذا الحديث مرسل وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ملكها لم يزل عن صاحبها بالعجز عنها وسبيله سبيل اللقطة فإذا جاء ربها وجب على واجدها رد ذلك عليه.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق هي لمن أحياها إذا كان صاحبها تركها مهلكة واحتج إسحاق بحديث الشعبي هذا وقال عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة فيها وفي النواة التي يلقيها من يأكل التمران قال صاحبها لم أبحها للناس فالقول قوله ويستحلف إن لم يكن أباحها للناس.
стр. 816
ومن باب الرهن
قال أبو داود: حدثنا هناد عن ابن المبارك عن زكريا عن الشعبي، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويحلب النفقة.
قال الشيخ قوله وعلى الذي يحلب ويركب النفقة كلام مبهم ليس في نفس اللفظ منه بيان من يركب ويحلب من الراهن أو المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن.
وقد اختلف أهل العلم في تأويله فقال أحمد بن حنبل للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وكذلك قل له إسحاق بن راهويه.
وقال أحمد بن حنبل ليس له أن ينتفع منه بشيء غيرهما.
وقال أبو ثور إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد، قال وذلك لقوله وعلى الذي يحلب ويركب النفقة.
وقال الشافعي منفعة الرهن للراهن ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الاحتفاط به للوثيقة.
وعلى هذا تأول قوله الرهن مركوب ومحلوب يرى أنه منصرف إلى الراهن الذي هو مالك الرقبة.
وقد روى نحو من هذا عن الشعبي وابن سيرين.
وفي قوله الرهن مركوب ومحلوب دليل على أنه من اعار الراهن أو أكراه
стр. 817
من صاحبه لم يفسخ الرهن.
قال الشيخ ﵀ وهذا أولى وأصح لأن الفروع تابعة لأصولها والأصل ملك الراهن، ألا ترى أنه لو رهنه وهو يسوى مائة، ثم زاد حتى صار يسوى مائتين ثم رجعت قيمته إلى عشرة إن ذلك كله في ملك الراهن.
ولم يختلفوا أن للمرتهن مطالبة الراهن بحقه مع قيام الرهن في يده ولأنه لا يجوز للمرتهن أن يجحد المال في هذه الحال ولو كان الرهن عبداً فمات كان على الراهن كفنه، فدل ذلك على ثبوت ملكه عليه وإن كان ممنوعا من إتلافه لما يتعلق به من حق المرتهن ولو جاز للمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة لكان ذلك معاوضة مجهول بمجهول وذلك غير جائز فدل على صحة تأول من تأوله على الراهن.
وقد روى الشافعي في هذا ما يؤكد قوله حديث الأصم.
قال أخبرنا الربيع، قال: حَدَّثنا الشافعي، قال: حَدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبى فديك عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه، قال ووصله ابن المسيب، عَن أبي هريرة من حديث ابن أبي أنيسة.
ففي هذا ما دل على صحة قول من ذهب إلى أن دره وركوبه للراهن دون المرتهن، فأما قوله لا يغلق الرهن معناه أنه لا يستغلق ولا ينعقد حتى لا يفك والغَلق الفكاك، وحقيقته أن الرهن وثيقة في يد المرتهن يترك في يده إلى غاية
стр. 818
يكون مرجعها إلى الراهن وليس كالبيع يستغلق فيملك حتى لا يفك.
وقوله الرهن من صاحبه، معناه الرهن لصاحبه، والعرب تضع من موضع اللام قال الشاعر:
أمن آل ليلى عرفت الديارا ... أبجنب الشقيق خلا قفارا
وكقول زهير:
* أمن أم أوفى دِمنَة لم تكلم *
وإذا كان الرهن من ملك صاحبه كان تلفه من ملكه دون ملك المرتهن.
وفي قوله له غنمه دليل على أنه يملك من غنمه وهو دره وولده وسائرمنافعه ما لا يملك من الأصل في الحال، ولولا ذلك لم يكن لهذا التفصيل معنى ولا كان فيه فائدة إذ كان معلوماً أن الفروع تابعة في الملك لأصولها ولاحقة في الحكم بها.
وفيه دليل على أن المنافع غير داخلة في الرهن. وفيه دليل أن استدامة القبض ليس بشرط في الرهن، وذلك أن الراهن لا يركبها إلاّ وهي خارجة من قبض المرتهن غير أنه لا يركبها إلاّ نهاراً ويردها بالليل إلى المرتهن ولا يسافر بها.
وقد اختلف الفقهاء فيما يحدث للرهن من نماء أو نتاج وثمرة هل يدخل في الرهن أم لا.
فقال أصحاب الرأي الولد والنتاج والثمرة رهن مع الأصل، إلاّ أنهم فرقوا بين الرهن والولد في الضمان فقالوا الرهن مضمون والولد الحادث بعد الرهن غير مضمون.
وقال الشافعي النماء المتميز من الرهن لا يدخل في الرهن.
وفي قوله وعليه غرمه دليل على أن الرهن غير مضمون، وفيه دليل على أن
стр. 819
مؤنته على الراهن، ومعنى الغرم النقص ههنا.
وقد اختلف الناس في هذا فقال الشافعي وأحمد بن حنبل هو غير مضمون وقال مالك هو غير مضمون فيما يظهر هلاكه من عقار وحيوان ونحوهما، وما كان مما لا يظهر فهو مضمون.
وقال أصحاب الرأي إن كان الرهن أكثر مما رهن به فهلك بما فيه والمرتهن أمين في الفضل، وإن كان أقل رد عليه النقصان وكذلك قال سفيان الثوري وهو قول النخعي، واحتجوا بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في الرهن يترادان الفضل فإن أصابته جائحة برئ.
وليس يصح عن النبي ﷺ في ضمان الرهن حديث، وقد روى شريح والحسن والشعبي ذهبت الرهان بما فيها.
قال الشيخ ذكر أبو داود في هذا الباب حديثا لا يدخل في أبواب الرهن.
، قال: حَدَّثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حَدَّثنا جرير عن عمارة بن القعقاع، عَن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة مكانهم من الله، قالوا يا رسول الله ﷺ فخبرنا من هم، قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها وذكر الحديث.
стр. 820
قال الشيخ قوله تحابوا بروح الله فسروه القرآن، وعلى هذا يتأول قوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] وسماه روحاً والله أعلم لأن القلوب تحيى به كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.
ومن باب الرجل يأكل من مال ولده
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عمارة بن عمير عن عمته عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه.
قال الشيخ فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجداً لها، واختلفوا في صفة من تجب لهم النفقة من الآباء والأمهات، فقال الشافعي إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمن فإن كان له مال أو كان صحيح البدن غير زمن فلا نفقة له عليه.
وقال سائر الفقهاء نفقة الوالدين واجبة على الولد ولا أعلم أحدا منهم اشترط فيها الزمانة كما اشترطها الشافعي.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع، قال: حَدَّثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ﷺ إن لي مالاً وولداً وإن والدي يجتاح مالي، قال أنت ومالك لوالدك إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم.
قال الشيخ قوله يجتاح مالي، معناه يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول جاحهم الزمان، واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة وهي الآفة التي تصيب المال فتهلكه.
стр. 821
ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده مآله إنما هو سبب النفقة عليه، وإن مقدارما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه إلاّ بأن يجتاح أصله ويأتي عليه فلم يعذره النبي ﷺ ولم يرخص له في ترك النفقة عليه، وقال له أنت ومالك لوالدك، على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من ماله نفسه وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فإما أن يكون أراد به إباحة ماله وخلاه واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحداً ذهب إليه من الفقهاء والله أعلم.
ومن باب الرجل يجد عين ماله عند رجل
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عوف،، قال: حَدَّثنا هشيم عن موسى بن السائب عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه.
قال الشيخ هذا في الغصوب ونحوها إذا وجد ماله المغصوب والمسروق عند رجل كان له أن يخاصمه فيه ويأخذ عين ماله منه ويرجع المأخوذ منه على من باعه إياه.
ومن باب الرجل يأخذ حقه من تحت يده
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس،، قال: حَدَّثنا زهير،، قال: حَدَّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن هنداً أم معاوية جاءت رسول الله ﷺ فقالت إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وبني فهل علي من جناح أن آخذ من ماله شيئا قال خذي
стр. 822
ما يكفيك وبنيك بالمعروف.
قال الشيخ فيه من الفقه وجوب نفقة النساء على أزواجهن ووجوب نفقة الأولاد على الآباء، وفيه أن النفقة إنما هي على قدر الكفاية، وفيه جواز أن يحكم الحاكم بعلمه وذلك أنه لم يكلفها البينة فيما أدعته من ذلك إذ كان قد علم رسول الله ﷺ ما بينهما من الزوجية وأنه كان كالمستفيض عندهم بخل أبي سفيان وما كان نسب إليه من الشح.
وفيه جواز الحكم على الغائب، وفيه جواز ذكر الرجل ببعض ما فيه من العيوب إذا دعت الحاجة إليه. وفيه جواز أن يقضي الرجل حقه من مال عنده لرجل له عليه حق يمنعه منه وسواء كان ذلك من جنس حقه أو من غير جنس حقه وذلك لأن معلوماً أن منزل الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق التي تلزمه لهم ثم أطلق أذنها في أخذ كفايتها وكفاية أولادها من ماله ويدل على صحة ذلك قولها في غير هذه الرواية أن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يدخل على بيتي ما يكفيني وولدي.
قال الشيخ وقد استدل بعضهم من معنى هذا الحديث على وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج قال وذلك أن أبا سفيان رجل رئيس في قومه ويبعد أن يتوهم عليه أن يمنع زوجته نفقتها ويشبه أن يكون ذلك منه في نفقة خادمها فوقعت الإضافة في ذلك إليها إذ كانت الخادم داخلة في ضمنها ومعدودة في جملتها والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء وأحمد بن إبراهيم قالا: حَدَّثنا طلق بن غنام عن شريك قال ابن العلاء وقيس، عَن أبي حصين، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ادِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا
стр. 823
تخن من خانك.
قال الشيخ وهذا الحديث يعد في الظاهر مخالفاً لحديث هند وليس بينهما في الحقيقة خلاف وذلك لأن الخائن هو الذي يأخذ ما ليس له أخذه ظلماً وعدواناً فأما من كان مأذوناً له في أخذ حقه من مال خصمه واستدراك ظلامته منه فليس بخائن وإنما معناه لا تخن من خانك بأن تقابله بخيانة مثل خيانته وهذا لم يخنه لأنه يقبض حقاً لنفسه والأول يغتصب حقاً لغيره. وكان مالك بن أنس يقول إذا أودع رجل رجلاً ألف درهم فجحدها المودع ثم أودعه الجاحد ألفاً لم يجز له أن يجحده. قال ابن القاسم صاحبه أظنه ذهب إلى هذا الحديث.
وقال أصحاب الرأي يسعه أن يأخذ الألف قصاصاً عن حقه لو كان بدله حنطة أو شعيراً لم يسعه ذلك لأن هذا بيع وأن إذا كان مثله فهو قصاص.
وقال الشافعي يسعه أن يأخذه عن حقه في الوجهين جميعاً واحتج بخبر هند.
ومن باب قبول الهدايا
قال أبو داود: حدثنا علي بن بحر، قال: حَدَّثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها.
قال الشيخ قبول النبي ﷺ الهدية نوع من الكرم وباب من حسن الخلق يتألف به القلوب، وقد روي عنه ﷺ أنه قال تهادوا تحابوا، وكان أكل الهدية شعاراً له وأمارة من أماراته ووصف في الكتب المتقدمة بأنه قبل الهدية ولا يأكل الصدقة، وإنما صانه الله سبحانه عن الصدقة وحرمها عليه لأنهأ أوساخ الناس وكان ﷺ إذا قبل الهدية أثاب عليها لئلا يكون لأحد عليه يد
стр. 824
ولا يلزمه له منة، وقد قال الله ﴿لا أسألكم عليه أجراً﴾ [الشورى: ٢٣] فلو كان يقبلها ولا يثيب عليها لكانت في معنى الأجر، وهدية الولاة والحكام رشوة وهو ﷺ رئيسهم وسيدهم فلم يجز له أن يأخذ ولا يعطي وأن يقبل ولا يثيب.
وقال بعض العلماء في قول الله تعالى ﴿فلا تمنن تستكثر﴾ [المدثر: ٦] هذا خاص للنبي ﷺ ، قال ومعناه أن يهدي الشيء ليعتاض أكثر منه، قال وهذا لا يحرم على غيره كما يحرم عليه ﷺ .
وقد ذهب غير واحد من الفقهاء إلى أن الهدية تقتضي الثواب وإن لم يشترط واستدل في ذلك بالحديث الذي يروى عن النبي ﷺ أنه أهدى له أعرابي فأثابه فلم يرض، فقال ﷺ لقد هممت أن لا اتهب إلاّ من قرشي أو أنصاري أو دوسي، وقد ذكره أبو داود بمعناه في هذا الباب.
ومنهم من حمل أمر الناس في الهدية على وجوه وجعلهم في ذلك على ثلاث طبقات، فقال هبة الرجل ممن هو دونه كالخادم ونحوه إكرام له والطاف، وذلك غير مقتض ثواباً، وهبة الصغير لكبير طلب رفد ومنفعة والثواب فيها واجب، وهبة النظير لنظيره والغالب فيها معنى التودد والتقرب، وقد قيل إن فيها ثواباً فأما إذا وهب هبة واشترط فيها الثواب فهو لازم.
وقد ذهب بعض العلماء في ذلك إلى أنها عقد من عقود المعاوضات، وقال يجب أن يكون العوض معلوماً وأثبت فيها شرائط المبايعات من خيار الثلاث والرد بالعيب ونحوه.
стр. 825
ومن باب الرجوع في الهدية
قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حَدَّثنا أبان وهمام وشعبة قالوا حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال العائد في هبته كالعائد في قيئه. قال همام قال قتادة ولا نعلم القيء إلاّ حراماً.
قال الشيخ هذا الحديث لفظه في التحريم عام ومعناه خاص وتفسيره في حديث ابن عمر الذي عقبه أبو داود بذكره.
، قال: حَدَّثنا مسدد قال، حَدَّثنا حسين المعلم، قال: حَدَّثنا عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده.
قال الشيخ وإنما استثنى الوالد لأنه ليس كغيره من الأجانب والأباعد، وقد جعل رسول الله ﷺ للأب حقا في مال ولده قال أنت ومالك لأبيك وهو إذا سرق ماله مع الغنى عنه لم يقطع ولو وطىء جاريته لم يحد وجعلت يده في ولايه مال الولد كيده، ألا ترى أنه يلي عليه البيع والشراء ويقبض له وإذا كان كذلك صار في الهبة منه والاسترجاع عنه في معنى من وهب ولم يقبض إذا كانت يده كيده وهو مأمون عليه غير متهم فيما يسترده منه فأمره محمول في ذلك على أنه نوع من السياسة وباب من الاستصلاح، وليس كذلك الأجنبي ومن ليس بأب من ذوي الأرحام وقد يظن به التهمة والعداوة وأن يكون إنما دعا إلى ارتجاعها عبث أو موجدةٌ في نحوها من الأمور.
وقد اختلف الناس في هذا فقال الشافعي بظاهر هذا الحديث وجعل للأب
стр. 826
الرجوع فيما وهب لابنه ولم يجعل له الرجوع فيما وهب للأجنبي.
وقال مالك له الرجوع فيما وهب له إلاّ أن يكون الشيء قد تغير في حاله فإن تغير لم يكن له أن يرتجعه.
وقال أبو حنيفة ليس للأب الرجوع فيما وهب لولده ولكل ذي رحم من ذوي أرحامه وله الرجوع فيما وهب للأجانب وتأولوا خبر ابن عمر على أن له الرجوع عند الحاجة إليه والمعنى في ذلك عند الشافعي أنه جعل ذلك بحق الأبوة والشركة التي له في ماله.
ومن باب الرجل يفضل بعض ولده على بعض في النحل
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدَّثنا هشيم قال أخبرنا يسار قال وأخبرنا مغيرة قال وأخبرنا داود عن الشعبي ومجالد وإسماعيل بن سالم عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال نحلني أبي نحلاً. قال إسماعيل نحله غلاماً له قال فقالت له أمي عمرة بنت رواحة ايت رسول الله ﷺ وأشهده فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك لم، فقال إني نحلت ابني النعمان نحلاً وأن عمرة سألتني أن أشهدك على ذلك، فقال ألك ولد سواه، قال قلت نعم قال فكلهم أعطيته مثل ما أعطيت النعمان، قال قلت لا قال فقال بعض هؤلاء المحدثين هذا جور وقال بعضهم هذا تلجئة فأشهد على هذا غيري.
قال الشيخ واختلف أهل العلم في جواز تفضيل بعض الأبناء على بعض في النحل والبر، فقال مالك والشافعي التفضيل مكروه فإن فعل ذلك نفذ، وكذلك قال أصحاب الرأي.
وعن طاوس أنه قال إن فعل ذلك لم ينفذ وكذلك قال إسحاق بن راهويه
стр. 827
وهو قول داود.
وقال أحمد بن حنبل لا يجوز التفضيل، ويحكى ذلك أيضاً عن سفيان الثوري واستدل بعض من منع ذلك بقوله هذا جور، وبقوله هذا تلجئة والجور مردود والتلجئة غير جائز ويدل على ذلك حديثه الآخر.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال حدثني النعمان بن بشير قال أعطاه أبوه غلاماً فقال له رسول الله ﷺ ما هذا الغلام، قال غلام أعطانيه أبي، قال فكل إخوتك أعطى كما أعطاك، قال لا قال فاردده.
واستدل من أجازه من رواية مالك عن الزهري عن ابن النعمان أن أباه بشير أتى به النبي ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلاماً؛ فقال النبي ﷺ أكل ولدك نحلت مثله، قال لا، قال فارجعه. حدثناه الأصم حدثنا الربيع، قال أخبرنا الشافعي عن مالك.
قالوا فقوله ارجعه يدل بظاهره على أنه قد رده بعد خروجه عن ملكه وأن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه بعد القبض.
ويدل على ذلك أيضاً قوله أيسرك أن يكونوا في البر سواء فدل أن ذلك من قبيل البر واللطف لا من قبيل الوجوب واللزوم.
قالوا ويدل على ذلك أيضاً قوله أشهد على هذا غيري ولو لم يكن جائزاً لكانت الشهادة عليها باطلة من الناس كلهم.
وفي الخبر دليل على ثبوت ولاية الأب على ابنه الصغير وعلى جواز بيعه وشرائه وقبضه له وجواز بيع ماله من نفسه.
стр. 828
وفيه دليل على جواز دخول الحاكم في الشهادات لأنهم إنما جاؤوا النبي ﷺ ليشهدوه على ذلك.
وفيه دليل على جواز حكمه بعلمه لأن ذلك هو فائدة إشهاده، فأما قوله هذا جور فمعناه هذا ميل عن بعضهم إلى بعض وعدول عن الفعل الذي هو أفضل وأحسن، ولا خلاف أنه لو آثر بجميع ماله أجنبيا وحرمه أولاده أن فعله ماض فكيف يرد فعله في إيثار بعض أولاده على بعض. وقد فضل أبو بكر عائشة عنهما بجداد عشرين وسقاً ونحلها إياها دون أولاده وهم عدد فدل ذلك على جوازه وصحة وقوعه.
وقد قال بعض أهل العلم إنما كره ذلك لأنه يقع في نفس المفضول بالبر شيء فيمنعه ذلك من حسن الطاعه والبر، وربما كان سببا لعقوق الولد وقطيعة الرحم بينه وبين اخوته.
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسوي بين أولاده الذكران والإناث في البر والصلة أيام حياته ولكن يفضل ويقسم على سهام الميراث وروي ذلك عن شريح.
وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه واحتج من رأى التسوية بين الذكر والانثى بقوله أليس يسرك أن يكونوا في البر واللطف سواء قال نعم أي فسو كذلك في العطية بينهم وقالوا ولم يستثن ذكراً من أنثى.
قال الشيخ ونقل محمد بن إسحاق في سيره أن بشيراً لم يكن له ابنة يومئذ وفعل أبي بكر في تقديم عائشة وتفضيلها بعشرين وسقا يؤيد المذهب الأول.
ومن باب عطية المرأة بغير إذن زوجها
قال أبو داود: حدثنا أبو كامل، قال: حَدَّثنا
стр. 829
خالد بن الحارث، قال: حَدَّثنا حسين عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال لا يجوز لامرأة عطية إلاّ بإذن زوجها.
قال الشيخ هذا عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة واستطابة نفس الزوج بذلك إلاّ أن مالك بن أنس قال ترد ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج.
قال الشيخ ومحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيد وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال للنساء تصدقن فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يتلقاها بكسائه وهذه عطية بغير إذن أزواجهن.
ومن باب العمرى والرقبى
قال أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني قال، حَدَّثنا محمد بن شعيب قال أخبرني الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن جابر أن رسول الله ﷺ قال من أعمر عمرى فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه.
قال الشيخ العمرى أن يقول الرجل لصاحبه أعمرتك هذه الدار ومعناه جعلتها لك مدة عمرك فهذا إذا اتصل به القبض كان تمليكاً لرقبة الدار وإذا ملكها في حياته وجاز له التصرف فيها ملكها بعده وارثه الذي يرث سائر أملاكه وهذا قول الشافعي وقول أصحاب الرأي.
ويحكى عن مالك أنه قال العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة فإن جعلها عمرى له فهي له مدة عمره لا تورث فان جعلها له ولعقبه بعده كانت منفعته ميراثا لأهله.
قال الشيخ وفي قوله ﷺ فهي له ولعقبه بيان وقوع الملك في الرقبة والمنفعة
معاً ويؤكد ذلك حديث الآخر من طريق مالك نفسه وقد رواه أبو داود في هذا الباب.
стр. 830
، قال: حَدَّثنا محمد بن يحيى ومحمد بن المثنى قالا: حَدَّثنا بشر بن عمر، قال: حَدَّثنا مالك عن ابن شهاب، عَن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله ﷺ قال أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث.
قال الشيخ لا عذر لمالك بعد هذا والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لا ترقبوا ولا تعمروا فمن ارقب شيئاً أو اعمره فهو لورثته.
قال الشيخ والرقبى أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه فيكون الدار التي جعلها رقبي لآخر من بقي منهما.
وقال أبو حنيفة العمرى موروثة والرقبى عارية وعند الشافعي الرقبى موروثة كالعمرى وهو حكم ظاهر الحديث.
ومن باب تضمين العارية
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال على اليد ما أخذت حتى تؤدي ثم إن الحسن نسي قال هو أمينك لا ضمان عليه.
قال الشيخ في هذا الحديث دليل على أن العارية مضمونة وذلك أن على كلمة الزام وإذا حصلت اليد أخذه صار الأداء لازماً لها والأداء قد يتضمن العين إذا كادت موجودة والقيمة إذا صارت مستهلكة ولعله أملك بالقيمة منه بالعين.
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن محمد وسلمة بن شبيب قالا: حَدَّثنا يزيد بن
стр. 831
هارون قال أخبرنا شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه ادراعاً يوم حنين فقال اغصباً يا محمد قال لا بل عارية مضمونة.
قال الشيخ وهذا يؤكد ضمان العارية وفي قوله عارية مضمونة بيان ضمان قيمتها إذا تلفت لأن الأعيان لا تضمن ومن تأوله على أنها تؤدي ما دامت باقية فقد ذهب عن فائدة الحديث.
وقال قوم إذا اشترط ضمانها صارت مضمونة فان لم يشترط لم يضمن وهذا القول غير مطابق لمذاهب الأصول والشيء إذا كان حكمه في الأصل على الأمانة فإن الشرط لا يغيره عن حكم أصله ألا ترى أن الوديعة لما كانت أمانة كان شرط الضمان فيها غير مخرج لها عن حكم أصلها وإنما كان ذكر الضمان في حديث صفوان لأنه كان حديث العهد بالإسلام جاهلاً بأحكام الدين فأعلمه رسول الله ﷺ أن من حكم الإسلام أن العواري مضمونة ليقع له الوثيقة بأنها مردودة عليه غير ممنوعة منه في حال.
قال أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، قال: حَدَّثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم.
قال الشيخ قوله مؤداة قضية الزام في أدائها عيناً حال القيام وقيمة عند التلف وقوله المنحة مردودة فإن المنحة هي ما يمنحه الرجل صاحبه من أرض يزرعها مدة ثم يردها أو شاة يشرب درها ثم يردها على صاحبها أو شجرة يأكل ثمرتها وجملتها أنها تمليك المنفعة دون الرقبة وهي من معنى العواري وحكمها الضمان كالعارية.
стр. 832
وفيه دليل على أن المنحة إذا كانت مما ينقل ويلزم في نقلها مؤنة من كراء أو أجرة فإن جميع ذلك على الممنوح له لأنه قد إشترط عليه ردها وهي لا تكون مردودة حتى تصل إلى صاحبها. والزعيم الكفيل والزعامة الكفالة ومنه قيل لرئيس القوم الزعيم لأنه هو المتكفل بأمورهم.
وقد اختلف الناس في تضمين العارية فروي عن علي وابن مسعود ﵄ سقوط الضمان فيها وقال شريح والحسن وإبراهيم لا ضمان فيها وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي واسحاق بن راهويه.
وروي عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما قالا هي مضمونة وبه قال عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال مالك بن أنس ما ظهر هلاكه كالحيوان ونحوه غير مضمون وما خفي هلاكه من ثوب ونحوه فهو مضمون.
ومن باب من أفسد شيئاً يضمن مثله
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا يحيى عن سفيان قال حدثني فليت العامري عن جسرة بنت دجاجة قالت: قالت عائشة ﵂ ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفية صنعت طعاماً لرسول الله ﷺ فبعثت به فأخذني أفْكَل فكسرت الإناء فقلت يا رسول الله ما كفارة ما صنعت قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام.
قال الشيخ يشبه أن يكون هذا من باب المعونة والاصلاح دون بت الحكم بوجوب المثل فإن القصعة والطعام المصنوع ليس لهما مثل معلوم. ثم ان هذا طعام وإناء حملا من بيت صفية وما كان في بيوت أزواجه من طعام ونحوه فإن
стр. 833
الظاهر منه والغالب عليه أنه ملك رسول الله ﷺ وللمرء أن يحكم في ملكه وفيما تحت يده مما يجري مجرى الأملاك فيما يراه أرفق إلى الصلاح وأقرب وليس ذلك من باب ما يحمل عليه الناس من حكم الحكام في أبواب الحقوق والأموال، وفي إسناد الحديث مقال ولا أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إلى أنه يجب في غير المكيل والموزون مثل إلاّ أن داود يحكى عنه أنه أوجب في الحيوان المثل وأوجب في العبد العبد، وفي العصفور العصفور وشبهه بحمار الصيد.
قال الشيخ والذي ذهب إليه في ذلك خلاف مذاهب عامة العلماء والحكم في جزاء الصيد حكم خاص في التقييد وحقوق الله تعالى تجري فيها المساهلة ولا تحمل على الاستقصاء وكمال الاستيفاء كحقوق الآدميين، وقد أوجب النبي ﷺ في المعتق شركاً له في عبد القيمة لا المثل فدل هذا على فساد ما ذهب إليه والأفْكَل الرِعدة.
ومن باب المواشي تفسد زرع قوم
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي،، قال: حَدَّثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل.
قال الشيخ وهذه سنة لرسول الله ﷺ خاصة في هذا الباب، ويشبه أن يكون إنما فرق بين الليل والنهار في هذا لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار ويوكلون بها الحفاظ والنواطير. ومن عادة أصحاب المواشي أن يسرحوها بالنهار ويردونها مع الليل إلى المراح فمن خالف هذه العادة
стр. 834
كان به خارجاً عن رسوم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع فكان كمن ألقى متاعه في طريق شارع أو تركه في غير موضع حرز فلا يكون على آخذه قطع.
وبالتفريق بين حكم الليل والنهار قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي لا فرق بين الأمرين ولم يجعلوا على أصحاب المواشي غرماً، واحتجوا بقول العجماء جبار.
قال الشيخ وحديث العجماء جبار عام وهذا حكم خاص والعام ينبئ على الخاص. ويرد إليه فالمصير في هذا إلى حديث البراء والله أعلم.
كتاب النكاح
ومن باب التحريض على النكاح
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حَدَّثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال إني لأمشي مع عبد الله بن مسعود بمنى إذ لقيه عثمان فاستحلاه فلما رأى عبد الله أن ليست له حاجة قال لي تعال يا علقمة فجئت فقال له عثمان ألا نزوجك يا أبا عبد الرحمن بجارية بكراً لعله يرجع إليك عن نفسك ما كنت تعهد، فقال عبد الله لئن قلت ذلك لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول من استطاع منكم الباءة فليزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع منكم فعليه بالصوم فإنه له وجاء.
قال الشيخ الباءة كناية عن النكاح، وأصل الباءة الموضع الذي يأوي إليه الإنسان، ومنه اشتق مباءة الغنم وهو المراح الذي تأوي إليه عند الليل، والوجاء رض الأنثيين والخصا نزعهما.
стр. 835
وفيه من الفقه استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، وفيه دليل على أن النكاح غير واجب، ويحكى عن بعض أهل الظاهر أنه كان يراه على الوجوب وفيه دليل على جواز التعالج لقطع الباءة بالأدوية ونحوها.
وفيه دليل على أن المقصود في النكاح الوطء وأن الخيار في العُنَّة واجب.
ومن باب ما يؤمر من ترويج ذات الدين
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حَدَّثنا يحيى بن سعيد قال حدثني عبيد الله قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال تنكح النساء لأربع لمالها ولحسبها ولدينها ولجمالها فاظفر بذات الدين تربت يداك.
قال الشيخ فيه من الفقه مراعاة الكفاءة في المناكح وأن الدين أولى ما اعتبر فيها.
وقوله تربت يداك كلمة معناها الحث والتحريض وأصل ذلك في الدعاء على الإنسان، يقال ترب الرجل إذا افتقر وأترب إذا أثرى وأيسر، والعرب تطلق ذلك في كلامها ولا يقصد بها وقوع الأمر.
وزعم بعض أهل العلم إن القصد به في هذا الحديث وقوع الأمر وتحقيق الدعاء. وأخبرني بعض أصحابنا عن ابن الأنباري أحسبه رواه عن الزهري أنه قال إنما قال النبي ﷺ له ذلك لأنه رأى أن الفقر خير من الغنى.
واختلف العلماء في تحديد الكفاءة فقال مالك بن أنس الكفاءة في الدين وأهل الإسلام كلهم بعضهم لبعض أكفاء وهو غالب مذهب الشافعي، وقد اعتبر فيها أيضاً الحرية وربما اعتبر غير ذلك أيضاً.
وقد روي معنى قول مالك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير وعمر بن عبد العزيز وابن سيرين وابن عون وحماد بن أبي سليمان.
стр. 836
وقال سفيان الثوري الكفاءة الدين والحسب، وكان يرى التفريق إذا نكح المولى عربية، وكذلك قال أحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأي قريش بعضهم لبعض أكفاء وكل من كان من الموالي له أبوان أو ثلاثة في الإسلام فبعضهم لبعض أكفاء، وإذا أعتق عبد أو أسلم ذمي فإنه ليس بكفؤ لامرأة لها أبوان أو ثلاثة في الإسلام من الموالي. وإذا تزوجت المرأة غير كفؤ فسلم أحد من الأولياء فليس لمن بقي من الأولياء أن يفرقوا بينهما.
وروي عن ابن عباس أنه لم ير المولى كفؤاً للعربية، وروي مثل ذلك عن سلمان الفارسي.
ومن باب تزويج الابكار
قال أبو داود: كتب إلي حسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال غربها قال أخاف أن تتبعها نفسي، قال فاستمتع منها.
قال الشيخ قوله لا تمنع يد لامس، معناه الريبة وأنها مطاوعة لمن أرادها لا ترد يده وقوله غربها معناه أبعدها يريد الطلاق وأصل الغرب البعد.
وفيه دليل على جواز نكاح الفاجرة وإن كان الاختيار غير ذلك.
وأما قوله ﴿والزانية لا ينكحنها إلاّ زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٣] فإنما نزلت في امرأة من الكفار خاصة وهي بغي بمكة يقال لها عناق، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ.
ومعنى قوله فاستمتع منها أي لا تسمها إلاّ بقدر ما تقضي متعة النفس منها
стр. 837
ومن وطئها والاستمتاع من الشيء الانتفاع به إلى مدة، ومن هذا نكاح المتعة الذي حرمه رسول الله ﷺ ومنه قوله تعالى ﴿إنما هذه الحياة الدنيا متاع﴾ [غافر: ٣٩] أي متعة إلى حين ثم تنقطع.
ومن باب الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها
قال أبو داود: حدثنا عمر بن عون، قال: حَدَّثنا أبو عَوانة عن قتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
قال الشيخ قد ذهب غير واحد من العلماء إلى ظاهر هذا الحديث ورأوا أن من أعتق أمة كان له أن يتزوجها بأن يجعل عتقها عوضاً عن بعضها، وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحكى ذلك أيضاً عن الأوزاعي.
وكره ذلك مالك بن أنس وقال هذا لا يصلح، وكذلك قال أصحاب الرأي.
وقال الشافعي إذا قالت الأمة أعتقني على أن أنكحك وصداقي عتقي فأعتقها على ذلك فلها الخيار في أن تنكح أو تدع ويرجع عليها بقيمتها فإن نكحته ورضيت بالقيمة التي عليها فلا بأس.
وتأول هذا الحديث من لم يجز النكاح على أنه خاص للنبي ﷺ إذ كانت له خصائص في النكاح ليست لغيره وقال بعضهم معناه أنه لم يجعل لها صداقا؛ وإنما كانت في معنى الموهونه التي كان النبي ﷺ مخصوصا بها، إلاّ أنها لما استبيح نكاحها بالعتق صار العتق كالصداق لها وهذا كقول الشاعر:
* وأُمهرن أرماحاً من الحظ ذبلاُ *
أي استبحن بالرماح فصرن كالمهيرات، وكقول الفرزدق.
стр. 838
وذات حليل أنكحتنا رماحنا ... حلالاً لمن يَبني بها لم تطلق
واحتج أهل المقالة الأولى بأنها لو قالت طلقني على أني أخيط لك ثوباً لزمها ذلك إذا طلقها: فكذلك إذا قالت أعتقني على أن أنكحك.
وحكوا عن أحمد بن حنبل أنه قال لا خلاف أن صفية كانت زوجة النبي ﷺ ولم ينقل من نكاحها غير هذه اللفظة فدل أنها سبب النكاح.
قال الشيخ وأجاب عن الفصل الأول بعض من خالفهم فقال إنما صح هذا في الثوب لأنه فعل والفعل يثبت في الذمة كالعين والنكاح عقد والعقد لا يثبت في الذمة والعتق على النكاح كالسلم فيه ولو أسلم رجل امرأة عشرة دراهم على أن يتزوج بها لم يصح كذلك هذا.
فأما الفصل الاخر وهو ما حكي عن أحمد فقد يحتمل أن يكون ذلك خصوصاً للنبي ﷺ ويحتمل أن يكون ﷺ قد استأنف عقد النكاح عليها ولم ينقل ذلك مقروناً بالحديث لأن من سنته ﷺ أن النكاح لا ينعقد إلاّ بالكلام أو بما يقوم مقامه من الإيماء في الأخرس ونحوه، ويحمل ما خفي من ذلك على حكم ما ظهر، وروي أنه نكحها وجعل عتقها صداقها فإن ثبت ذلك فلا حاجة بنا معه إلى التأويل والله أعلم.
ومن باب من قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة.
وفي هذا الحديث بيان أن حرمة الرضاع في المناكح كحرمة الأنساب وأن
стр. 839
المرتضعين من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد وهذا قد يجري على عمومه في تحريم المرضعة وذوي أرحامها على المرضع مجرى النسب، وذلك أنه إذا أرضعته صارت أماً له فحرم عليه نكاحها ونكاح ذات محارمها، وهي لا تحرم على أبيه ولا على أخيه ولا على ذوي أنسابه غير أولاده وأولاد أولاده.
وفيه دليل على أن الرضاع بلبن السفاح لا يوقع الحرمة بين الرضيع وبين المسافح وأولاده كما تقع الحرمة من لادته ولا يثبت به النسب.
وفيه أن ما يلحق به النسب من نكاح صحيح أونكاح بشبهة من مسلمة أو ذمية فإنه يحرم بالرضاع فيه النكاح.
وفيه أن الجمع بين الأختين من الرضاع محرم، وكذلك بين المرأة وعمتها أو خالتها من الرضاع.
وفيه أن لبن الضِرار محرم كغيره من اللبن الذي ليس بضرار، وكان ابن أبي ذئب يقول لبن الضرار لا يحرم من النكاح وعامة أهل العلم على خلافه.
ومن باب لبن الفحل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير العبدي قال أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت دخل عليّ أفلح بن أبي القعيس فاستترت منه فقال تستترين مني وأنا عمك، قالت قلت من أين، قال أرضعتك امرأة أخي قالت إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: أنه عمك فليلج عليك.
قال الشيخ تنزيل هذا الباب أن يجعل المرضع بمنزلة الولد من زوج المرضعة
стр. 840
وهو لوكان ولد من مائه حرم على أخيه إذ كان له عما، فكذلك إذا رضع من لبن كان حدوثه بفعله لأن النبي ﷺ جعل الرضاع في التحريم كالولادة، وقد قال عامة الفقهاء بتحريم لبن الفحل وانتشار الحرمة به إلاّ نفر يسير منهم إسماعيل بن علية وداود الأصفهاني، وقد روي ذلك عن ابن المسيب.
ومن باب رضاعة الكبير
قال أبو داود: حدثنا حفص بن عمر، قال: حَدَّثنا شعبة قال وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة ﵂ المعنى واحد أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل قال حفص فشق ذلك عليه وتغير وجهه ثم اتفقا قالت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال، يَعني انظرن من أخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة.
قال الشيخ معناه أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة هي ما كان في الصغر، والرضيع طفل يقوته اللبن ويسد جوعه؛ وأما ما كان منه بعد ذلك في الحال التي لا تسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلاّ الخبز واللحم وما في معناهما من الثقل فلا حرمة له.
وقد اختلف العلماء في تحديد مدة الرضاع فقالت طائفة منهم أنها حولان، وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه، واحتجوا بقوله تعالى ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣] قالوا فدل أن مدة الحولين إذا انقضت فقد انقطع حكمها ولا عبرة لما زاد بعد تمام المدة.
стр. 841
وقال أبو حنيفة حولان وستة أشهر وخالفه صاحباه، وقال زفر بن الهذيل ثلاث سنين.
ويحكى عن مالك أنه جعل حكم الزيادة على الحولين إذا كانت يسيراً حكم الحولين.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: حَدَّثنا وكيع عن سليمان بن المغيرة، عَن أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا رضاع إلاّ ما أنشر العظم وأنبت اللحم.
قال الشيخ أنشر العظم معناه ما شد العظم وقواه، والإنشار بمعنى الإحياء في قوله تعالى ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ [عبس: ٢٢] ويروى أنشز العظم بالزاي معجمة ومعناه زاد في حجمه فنشره.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن أبي صالح حدثنا عنبسة قال حدثني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير عن عائشة وأم سلمة ﵄ أن أبا حذيفة بن عتبة بن عبد شمس تبنىَّ سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى رسول الله ﷺ زيداً وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله تعالى في ذلك ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] إلى قوله ﴿فاخوانكم في الدين ومواليكم﴾ [الأحزاب: ٥] فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم أن له أباً كان مولى وأخاً في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله ﷺ إنا كنا نرى سالماً ولداً فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد ويراني فُضُلاً وقد أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 842
أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيراً خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحداً من الناس حتى ترضع في المهد، وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي ﷺ لسالم دون الناس.
قال الشيخ ذهب عامة أهل العلم في هذا إلى قول أم سلمة وحملوا الأمر في ذلك على أحد الوجهين إما على الخصوص وإما على النسخ ولم يروا العمل به.
وقد استدل الشافعي بهذا الحديث على أن العدد الذي يقع به حرمة الرضاع هو الخمس وهو مع ذلك لا يقول برضاع الكبير فكأنه يقول إن الخبر تضمن أمرين رضاع الكبير وتعليق الحكم على عدد الخمس فإذا جرى النسخ في أحدهما لمعنى لم يوجب نسخ الآخر مع عدم ذلك المعنى، وقد يصح الاستدلال للواجب بما ليس بواجب ألا ترى أن النبي ﷺ حين مر به الرجل فسلم عليه وهو يبول لم يرد ﵇ حتى تيمم بالتراب فضرب كفيه فمسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه فاتخذه العلماء أصلا في إيجاب الضربتين في التيمم ومسح الذراعين وإن كان ذلك منه في غير موضع الوجوب.
وقولها ويراني فضلاً أي يراني مبتذلة في ثياب مهنتي، يقال تفضلت المرأة إذا تبذلت في ثياب مهنتها.
ومن باب هل يحرم ما دون خمس رضعات
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الله بن
стр. 843
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ أنها قالت كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي النبي ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن علئشه ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : لا تحرم المصة ولا المصتان.
قال الشيخ وهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي من اعتبار عدد الخمس في التحريم إلاّ أن أكثر الفقهاء قد ذهبوا إلى أن القليل من الرضاع وكثيره محرم وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وإليه ذهب أصحاب الرأي.
وقال أبو عبيد لا يحرم أقل من ثلاث رضعات كأنه ذهب إلى استعمال دليل الخطاب من قوله لا يحرم المصة والمصتان فكان ما زاد على المصتين وهو الثلاث بخلاف حكم ما دونها وهو قول أبي ثور وداود.
وقد حكي عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات وهو قول شاذ لا اعتبار به.
وأما قولها فتوفي رسول الله ﷺ وهو مما يقرأ من القرآن فإنها تريد بذلك قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ حتى صار بعض من لم يبلغه النسخ يقرأه على الرسم الأول.
وفيه دليل على جواز نسخ رسم التلاوة وبقاء الحكم ونظيره نسخ التلاوة في الرجم وبقاء حكمه، إلاّ أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد فلم يجز أن يثبت ذلك بين الدفتين والأحكام تثبت بأخبار الآحاد فجاز أن يقع العمل بها والله أعلم.
стр. 844
ومن باب الرضخ عند الفصال
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن النفيلي، قال: حَدَّثنا أبو معاوية وحدثنا ابن العلاء، قال: حَدَّثنا ابن إدريس عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن أبيه، قال قلت يا رسول الله ما يذهب عني مذَمة الرضاع قال الغرة العبد أو الأمة.
قوله مذمة الرضاع يريد ذمام الرضاع وحقه، وفيه لغتان مَذَمَّة ومَذِمَّة بكسر الذال وفتحها تقول أنها قد خدمتك وأنت طفل وحضنتك وأنت صغير فكافئها بخادم يخدمها تكفيها المهنة قضاء لذمامها وجزاء لها على إحسانها.
ومن باب ما يكره الجمع بينهن من النساء
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا داود بن أبي هند عن عامر، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على ابنة أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى.
قال الشيخ يشبه أن يكون المعنى في ذلك ما يخاف من وقوع العداوة بينهن ما لأن المشاركة في الحظ من الزوج توقع المنافسة بينهن فيكون منها قطيعة الرحم، وعلى هذا المعنى تحريم الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء وهو أكثر قول أهل العلم.
وقياسه أن لا يجمع بين الأمة وبين عمتها أو خالتها في الوطء.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، قال: حَدَّثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة
стр. 845
رضي الله عنها عن قول الله تعالى ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية قالت يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها.
قوله بغير أن يقسط في صداقها، معناه بغيرأن يعدل فيه فيبلغ به سنة مهر مثلها، يقال أقسط الرجل في الحكم اذا عدل، وقسط إذا جار قال الله تعالى ﴿واقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] وقال ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ [الجن: ١٥] قال وتأويل الآية وبيان معناها أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى فقال ﴿وإن خفتم من أنفسكم المشاحة في صدقاتهن وأن لا تعدلوا فتبلغوا بهن صداق أمثالهن فلا تنكحوهن وانكحوا غيرهن من الغائب اللواتي أحل الله لكم خطبتهن من واحدة إلى أربع وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فانكحوا منهن واحدة أو ما ملكتم من الإماء﴾ .
ومن باب نكاج المتعة
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري، قال كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء فقال له رجل يقال له الربيع بن سبرة أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع.
قال الشيخ تحريم نكاح المتعة كالإجماع بين المسلمين وقد كان ذلك مباحاً في صدر الإسلام ثم حرمه في حجة الوداع وذلك في آخر أيام رسول الله ﷺ فلم يبق اليوم فيه خلاف بين الأئمة إلاّ شيئا ذهب إليه بعض الروافض.
следующие страницы →