Полный текст (1 377 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
يحنا حنوا إذا أكب على الشيء قال كثير:
أعزة لو شهدت غداة بنتم ... حنوء العائدات على وسادي
فيه من الفقه ثبوت أنكحة أهل الكتاب وإذا ثبتت أنكحتهم ثبت طلاقهم وظهارهم وإيلاؤهم.
وفيه دليل على أن نكاح أهل الكتاب يوجب التحصين إذ لا رجم إلاّ على المحصن. ولو أن مسلماً تزوج يهودية أو نصرانية ودخل بها ثم زنا كان عليه الرجم وهو قول الزهري، وإليه ذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه الكتابية لا تحصن المسلم وتأول بعضهم معنى الحديث على أنه إنما رجمهما بحكم التوراة ولم يحملهما على أحكام الإسلام وشرائطه.
قلت وهذا تأويل غير صحيح لأن الله سبحانه يقول ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩] وإنما جاءه القوم مستفتين طمعاً في أن يرخص لهم في ترك الرجم ليعطلوا به حكم التوراة فأشار عليهم رسول الله ﷺ ما كتموه من حكم التوراة ثم حكم عليهم بحكم الإسلام على شرائطه الواجبة فيه.
وليس يخلو الأمر فيما صنعه رسول الله ﷺ من ذلك عن أن يكون موافقاً لحكم الإسلام أو مخالفا له فإن كان مخالفاً فلا يجوز أن يحكم بالمنسوخ ويترك الناسخ.
وإن كان موافقاً له فهو شريعته والحكم الموافق لشريعته لا يجوز أن يكون مضافاً إلى غيره ولا أن يكون فيه تابعاً لمن سواه.
وفيه دليل على أن المرجوم لا يشد ولا يربط ولو كان مربوطاً لم يمكنه أن يحنا عليها ويقيها الحجارة.
стр. 982
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس قال: قال محمد بن مسلم سمعت رجل من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ونحن عند ابن المسيب، عَن أبي هريرة، قال زنا رجل من اليهود وامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله قلنا فتيا نبي من أنبيائك قال فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المجلس في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم بكلمة حتى أتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زني إذا أحصن قالوا يحمم ويُجبَّه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار فيقابل أقفيتهما ويطاف بهما قال وسكت شاب منهم فلما رآه النبي ﷺ سكت الظّ به النشدة فقال اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم قال النبي ﷺ فما أول ما ارتخصتم في أمر الله قال زنا ذو قرابة من ملك ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنا رجل في أسرة من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه فقالوا لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم فقال النبي ﷺ فإني أحكم بما في التوراة ثم أمر بهما فرجمهما.
التحميم تسويد الوجه بالحمم والتجبية مفسر في الحديث ويشبه أن يكون أصله الهمز وهو يجبأ من التجبئة وهو الردع والزجر، يقال جبأته فجبأ أي ارتدع فقلبت الهمزة هاء، والتجبية أيضاً أن تنكس رأسه فيحتمل أن يكون المحمول على الحمار إذا فعل ذلك به نكس رأسه فسمي ذلك الفعل تجبية.
وقد يحتمل أيضاً أن يكون ذلك من الجبه وهو الاستقبال بالمكروه،
стр. 983
وأصل الجبه إصابة الجبهة يقال جبهت الرجل إذا أصبت جبهته كما تقول رأسته أصبت رأسه.
وقوله ألظّ به النشدة معناه القسم وألح عليه في ذلك ومنه قوله ﷺ ألظوا بيا ذا
الجلال والإكرام أي سلوا الله بهذه الكلمة وواظبوا على المسألة بها.
والأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته.
وفي قوله فإني أحكم بما في التوراة حجة لمن قال يقول أبي حنيفة إلاّ أن الحديث عن رجل لا يعرف، وقد يحتمل أن يكون معناه أحكم بما في التوراة احتجاجاً به عليهم وإنما حكم بما كان في دينه وشريعته فذكره التوراة لا يكون علة للحكم.
ومن باب الرجل يزني بحريمه
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا خالد بن عبد الله حدثنا مطرف، عَن أبي الجهم عن البراء بن عازب قال بينما أنا أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من رسول الله ﷺ إذ أتوا قبة فاستخرجوا منها رجلاً فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه.
قوله أعرس كناية عن النكاح والبناء على الأهل وحقيقته الإلمام بالعرس. وفيه بيان أن نكاح ذوات المحارم بمنزلة الزنى وأن اسم العقد فيه لا يسقط الحد.
قال أبو داود: حدثنا عمرو بن قسيط الرقي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه قال لقيت عمي ومعه راية فقلت أين تريد قال بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله.
стр. 984
قلت وفي هذا التصريح بذكر النكاح وظاهره العقد وقد تأوله بعضهم على الوطء بلا عقد، وهذا تأويل فاسد ويدل على ذلك ما حدثنا أحمد بن هشام الحضرمي حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثنا حفص بن غياث عن أشعث بن سواد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال مر بي خالى ومعه لواء فقلت أين تذهب فقال بعثني النبي ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه.
قلت فهذا جاء بلفظ التزويج كما ترى. ومن ادعى أن هذا النكاح شبهة فسقط من أجلها الحد فقد أبعد لأن الشبهة إنما تكون في أمر يشبه الحلال من بعض الوجوه وذوات المحارم لا تحل بوجه من الوجوه ولا في حال من الأحوال، وإنما هو زنا محض وإن لقب بالنكاح كمن استأجر أمة فزنى بها فهو زنا وإن لقب باسم الاجارة ولم يكن ذلك مسقطاً عنه الحد وإن كانت المنافع قد تستباح بالإجارات.
وزعم بعضهم أن النبي ﷺ إنما أمر بقتله لاستحلال نكاح امرأة أبيه، وكان ذلك مذهب أهل الجاهلية كان الرجل منهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه من الأجنبي فيرثها كما يرث ماله وفاعل هذا على الاستباحة له مرتد عن الدين فكان هذا جزاؤه القتل لردته.
قلت وهذا تأويل فاسد ولو جاز أن يتأول ذلك في قتله لجاز أن يتأول مثله في رجم من رجمه ﷺ من الزناة فيقال إنما قتله بالرجم لاستحلال الزنا وقد كان أهل الجاهلية يستحلون الزنا فلا يجب على من زنى الرجم حتى يعتقد هذا الرأي وهذا ما لا خفاء بفساده وإنما أمر ﷺ بقتله لزناه ولتخطيه الحرمة في أمه.
стр. 985
وقد أوجب بعض الأئمة تغليظ الدية على من قتل ذا محرم، وكذلك أوجبوا على من قتل في الحرم فألزموه دية وثلثاً وهو قول عثمان بن عفان ﵁.
وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه أتي بشارب في رمضان فضربه حد السكر وزاده عشرين لارتكابه ما حرم الله عليه في ذلك الشهر.
وقد اختلف العلماء فيمن نكح ذات محرم فقال الحسن البصري عليه الحد وهو قول مالك بن أنس والشافعي.
وقال أحمد بن حنبل يقتل ويؤخذ ماله، وكذلك قال إسحاق على ظاهر الحديث وقال سفيان يدرأ عنه الحد إذا كان التزويج بشهود.
وقال أبو حنيفة يعزر ولا يحد.
وقال صاحباه أما نحن فنرى عليه الحد إذا فعل ذلك متعمداً.
ومن باب الرجل يزني بجارية امرأته
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا قتادة عن خالد بن عرفطة عن حبيب بن سالم أن رجلاً يقال له عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة فقال لأقضين فيك بقضية رسول الله ﷺ إن كانت احلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلدوه مائة، قال قتادة كتبت إلى حبيب بن سالم فكتب إليَّ بهذا.
قلت هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه.
قال أبو عيسى سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال أنا أنفي هذا الحديث.
وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ إيجاب الرجم
стр. 986
على من وطىء جارية امرأته، وبه قال عطاء بن أبي رباح وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال الزهري والأوزاعي يجلد ولا يرجم.
وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أقر أنه زني بجارية امرأته يحد وإن قال ظننت أنها تحل لي لم يحده.
وعن الثوري أنه قال إذا كان يعرف بالجهالة يعزر ولا يحد، وقال بعض أهل العلم في تخريج هذا الحديث أن المرأة إذا أحلتها له فقد أوقع ذلك شبهة في الوطء فدرىء عنه الرجم، وإذا درأنا عنه حد الرجم وجب عليه التعزير لما أتاه من المحظور الذي لا يكاد يعذر بجهله أحد نشأ في الإسلام أو عرف شيئا من أحكام الدين فزيد في عدد التعزير حتى بلغ به حد الزنا للبكر ردعاً له وتنكيلاً.
وكأنه نحا في هذا التأويل نحو مذاهب مالك فإنه يرى للإمام أن يبلغ بالتعزير مبلغ الحد وإن رأى أن يزيد عليه فعل.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها.
قلت هذا حديث منكر وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع.
وقد روي عن الأشعث صاحب الحسن أنه قال بلغني أن هذا كان قبل الحدود.
قلت لا أعلم أحداً من الفقهاء يقول به، وفيه أمور تخالف الأصول.
стр. 987
منها إيجاب المثل في الحيوان ومنها استجلاب الملك بالزنا.
ومنها إسقاط الحد عن البدن وايجاب العقوبة في المال.
وهذه كلها أمور منكرة لا تخرج على مذهب أحد من الفقهاء وخليق أن يكون الحديث منسوخاً إن كان له أصل في الرواية والله أعلم.
ومن باب من عمل عمل قوم لوط
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.
قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني ابن خثيم قال سمعت سعيد بن جبير ومجاهد يحدثان عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه في البكر يوجد على اللوطية قال يرجم.
قلت في هذا الصنع هذه العقوبة العظيمة وكأن معنى الفقهاء فيه أن الله سبحانه أمطر الحجارة على قوم لوط فقتلهم بها ورتبوا القتل المأمور به على معاني ما جاء فيه في أحكام الشريعة فقالوا يقتل بالحجارة رجماً إن كان محصناً ويجلد مائة إن كان بكراً ولا يقتل.
وإلى هذا ذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والنخعي والحسن وقتادة وهو أظهر قولي الشافعي.
وحكي ذلك أيضاً، عَن أبي يوسف ومحمد.
وقال الأوزاعي حكمه حكم الزاني، وقال مالك بن أنس وإسحاق بن راهويه يرجم إن أحصن أو لم يحصن وروى ذلك عن الشعبي.
стр. 988
وقال أبو حنيفة يعزر ولا يحد وذلك أن هذا الفعل ليس عندهم زنا.
وقال بعض أهل الظاهر لا شيء على من فعل هذا الصنيع.
قلت وهذا أبعد الأقاويل من الصواب وأدعاها إلى إغراء الفجار به وتهوين ذلك بأعينهم وهو قول مرغوب عنه.
ومن باب فيمن أتى بهيمة
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثني عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أتي بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه، قال قلت ما شأن البهيمة قال ما أراه قال ذلك إلاّ أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس أن شريكاً وأبا الأحوص وأبا بكر بن عياش حدثوهم عن عاصم عن ابن رزين عن ابن عباس ﵁ قال: ليس على الذي يأتي بهيمة حد.
قال أبو داود وحديث عاصم يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو.
قلت يريد أن ابن عباس لو كان عنده في هذا الباب حديث عن النبي ﷺ لم يخالفه.
وقال يحيى بن معين عمرو بن أبي عمرو ليس به بأس وليس بالقوي.
وقال محمد بن إسماعيل عمرو صدوق ولكن روى عن عكرمة مناكير ولم يذكر في شيء عمن حديثه أنه سمع من عكرمة.
قلت وقد عارض هذا الحديث نهي النبي ﷺ عن قتل الحيوان إلاّ لمأكلة.
وقد اختلف العلماء فيمن أتي هذا الفعل فقال إسحاق بن راهويه يقتل إذا تعمد ذلك
стр. 989
وهو يعلم ما جاء فيه عن رسول الله ﷺ فإن درأ عنه إمام القتل فلا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائة تشبيهاً بالزنا.
وروي عن الحسن أنه قال يرجم إن كان محصناً ويجلد إن كان بكراً.
وقال الزهري يجلد مائة أحصن أو لم يحصن.
وقال أكثر الفقهاء يعزر وكذلك قال عطاء والنخعي وبه قال مالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي الشافعي وقوله الآخر إن حكمه حكم الزاني.
ومن باب الأمة تزني ولم تحصن
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عَن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير، قال ابن شهاب لا أدري في الثالثة أو الرابعة والضفير الحبل.
فيه من الفقه وجوب إقامة الحد على المماليك إلاّ أن حدودهم على النصف من حدود الأحرار اقوله تعالى ﴿فلهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] .
ولا يرجم المماليك وإن كانوا ذوي أزواج لأن الرجم لا يتنصف فعلم أنهم لم بدخلوا في الخطاب ولم يعنوا بهذا الحكم.
وأما قوله إذا زنت ولم تحصن فقد اختلف الناس في هذه اللفظة فقال بعضهم إنها غير محفوظة.
وقد روي هذا الحديث من طريق غير هذا ليس فيه ذكر الإحصان.
وقال بعضهم إنما هو مسألة عن أمة زنت ولا زوج لها فقال النبي ﷺ : تجلد أي
стр. 990
كما تجلد ذوات الزوج وإنما هو اتفلق حال في المسؤول عنه وليس بشرط يتعلق به في الحكم فيختلف من أجل وجوده وعدمه.
وقد اختلف الناس في المملوكة إذا زنت ولا زوج لها، فروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال لا حد عليها حتى تحصن وكذلك قال طاوس.
وقرأ ابن عباس ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] وقرأها أحصن بضم الألف.
وقال أكثر الفقهاء تجلد وإن لم تتزوج ومعنى الإحصان فيهن الإسلام.
وقرأها عاصم والأعمش وحمزة والكسائي أحصن مفتوحة الألف بمعنى أسلمن. والضفير الحبل المفتول.
وفيه دليل على أن الزنا عيب في الرقيق يرد به ولذلك حط من القيمة وهضم من الثمن.
وفيه دليل على جواز بيع غير المحجورعليه ماله بما لا يتغابن به الناس.
قال أبو داود: حدثنا ابن نفيل حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ بهذا الحديث، وقال إن زنت فليضربها كتاب الله ولا يثرّب عليها.
معنى التثريب التعيير والتبكيت يقول لا يقتصر على أن يبكتها بفعلها أو يسبها ويعطل الحد الواجب عليها.
وفيه دليل على أن للسيد أن يقيم الحد على مملوكه دون السلطان.
وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ والحسن البصري والزهري، وبه قال سفيان الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي.
стр. 991
وقال أبو حنيفة وأصحابه يرفعها إلى السلطان ولا يتولى إقامة الحد عليها.
في قوله فليضربها كتاب الله دليل على أن الضرب المأمور به هو تمام الحد المذكور في الكتاب الذي هو عقوبة الزاني دون ضرب التعزير والتأديب.
وقال أبو ثور في هذا الحديث إيجاب الحد وإيجاب للبيع أيضاً لا يمسكها إذا زنت أربعاً.
ومن باب إقامة الحد على المريض
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو أمامة عن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضني فعاد جلدة على عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني قد وقعت على جارية دخلت علي فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلاّ جلد على عظم فأمر به رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة.
قوله أضني معناه أصابه الضنى وهو شدة المرض وسوء الحال حتى ينحل بدنه ويهزل، ويقال إن النضى انتكاس العلة.
وفيه من الفقه أن المريض إذا كان ميؤوساً منه ومن معاودة الصحة والقوة إياه وقد وجب عليه الحد فإنه يتناول بالضرب الخفيف الذي لا يهده.
وممن قال من العلماء بظاهر هذا الحديث الشافعي، وقال إذا ضربه ضربة واحدة بما يجمع له من الشماريخ فعلم أن قد وصلت كلها إليه ووقعت به أجزأه ذلك.
стр. 992
وكان بعض أصحاب الشافعي يقول إذا كان السارق ضعيف البدن فخيف عليه من القطع التلف لم يقطع.
وقال بعضهم هذا الحديث أصل في وجوب القصاص على من قتل رجلاً مريضا بنوع من الضرب لو ضرب بمثله صحيحاً لم يهلك فإنه يعتبر خلقة المقتول في الضعف والقوة وبنيته في احتمال الألم فإن من الناس من لو ضرب الضرب المبرح الشديد لاحتمله بدنه وسلم عليه، ومنهم من لا يحتمله ويسرع إليه التلف بالضرب الذي ليس بالمبرح الشديد فإذا مات هذا الضعيف كان ضاربه قاتلاً له وكان حكم الآخر بخلافه لقوة هذا وضعف ذلك.
قلت وهذا قول فيه نظر وضبط ذلك غير ممكن واعتباره متعذر والله أعلم.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه لا نعرف الحد إلاّ حداً واحداً الصحيح والزمن فيه سواء.
قالوا ولو جاز هذا لجاز مثله في الحامل أن تضرب بشماريخ النخل ونحوه، فلما أجمعوا أنه لا يجري ذلك في الحامل كان الزمن مثل ذلك.
ومن باب الحد في الخمر
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن على ومحمد بن المثنى وهذا حديثه قالا: حَدَّثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن محمد بن علي بن ركانة عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ لم يَقِت في الخمر حداً.
وقال ابن عباس شرب رجل فسكر فلقي يميل في الفج فانطلق به إلى النبي ﷺ فلما حاذى بدار العباس ﵁ انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر
стр. 993
ذلك للنبي ﷺ فضحك وقال أفعلها ولم يأمر فيه بشيء.
قلت في هذا دليل على أن حد الخمر أخف الحدود وإن كان الخطب فيه أيسر منه في سائر الفواحش.
وقد يحتمل أن يكون إنما لم يتعرض له بعد دخوله دار العباس ﵁ من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول، وإنما لقي في الفج يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه رسول الله ﷺ وتركه على ذلك والله أعلم.
والفج الطريق. وقوله لم يقت أي لم يوقت يقال وقت يقت ومنه قول الله تعالى ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] .
قال أبو داود: حدثنا مسدد وموسى بن إسماعيل المعنى قالا: حَدَّثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج حدثني حضين بن المنذر الرقاشي هو أبو ساسان قال شهد عثمان بن عفان ﵁ وأتي بالوليد بن عتبة فشهد عليه حمران ورجل آخر فشهد أحدهما أنه رآه يشربها، يَعني الخمر، وشهد الآخر أن رآه يتقاياها، قال عثمان ﵁ أنه لم يتقاياها حتى شربها وقال لعلي كرم الله وجهه أقم عليه الحد فقال علي للحسين ﵄ أقم عليه الحد فقال الحسن ﵁ ولِّ حارَّها من تولى قارَّها، فقال علي كرم الله وجهه لعبد الله بن جعفر أقم عليه الحد فأخذ السوط فجلده وعليّ يعد فلما بلغ أربعين قال حسبك جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر ﵁ أربعين وجلد عمر ﵁ ثمانين وكلٌ سنة وهذا أحب إليَّ منه.
قوله ول حارها من تولى قارها مَثَل أي ول العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع. والقار البارد.
стр. 994
وقال الأصمعي معناه ولِّ شديدها من تولى هينها وكلاهما قريب.
وفي قول علي ﵁ عند الأربعين حسبك دليل على أن أصل الحد في الخمر إنما هو أربعون وما وراءها تعزير. وللإمام أن يزيد في العقوية إذا أداه اجتهاده إلى ذلك، ولو كانت الثمانون حداً ما كان لأحد فيه الخيار، وإلى هذا ذهب الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه الحد في الخمر ثمانون ولا خيار للإمام فيه.
وقوله وكل سنة يريد أن الأربعين سنة قد عمل بها النبي ﷺ في زمانه، والثمانون سنة رآها عمر ﵁ ووافقه من الصحابة علي فصارت سنة.
وقد قال ﷺ اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان عن عاصم، عَن أبي صالح عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاجلدوهم ثم إن شربوا فاقتلوهم.
قلت قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل فإنما يقصد به الردع والتحذير كقوله ﷺ من قتل عبده قتلناه ومن جذع عبده جذعناه وهو لو قتل عبده لم يقتل به في قول عامة العلماء، وكذلك لو جذعه لم يجذع له بالاتفاق.
وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا ثم نسخ لحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. وقد روي عن قبيصة بن ذؤيب ما يدل على ذلك.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرنا قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي فجلده ورفع القتل وكانت رخصة.
стр. 995
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد أن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر قال كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر فقال للناس اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا ومنهم من ضربه بالميتخة. قال ابن وهب الجريدة الرطبة.
قلت هكذا قال الميتخة الياء قبل التاء وهي اسم للعصا الخفيفة وهي أيضاً المتيخة التاء المعجمة من فوق قبل الياء وسميت متيخة لأنها تتوخ أي تأخذ في المضروب من قولك تاخت أصبعي في الطين.
ومن باب في التعزير
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله الأشج عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عَن أبي بردة الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يقول: لا يجلد فوق عشر جلدات إلاّ في حد من حدود الله.
قلت قد اختلفت أقاويل العلماء في مقدار التعزير ويشبه أن يكون السبب في اختلاف مقاديره عندهم ما رواه من اختلاف مقادير الجنايات والأجرام فزادوا في الأدب ونقصوا منه على حسب ذلك.
وكان أحمد بن حنبل يقول للرجل أن يضرب عبده على ترك الصلاة وعلى المعصية فلا يضرب فوق عشر جلدات، وكذلك قال إسحاق بن راهويه.
وكان الشعبي يقول التعزير ما بين سوط إلى ثلاثين.
وقال الشافعي لا يبلغ بعقوبته أربعين وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن.
стр. 996
وقال أبو يوسف التعزير على قدر عظم الذنب وصغره على قدر ما يرى الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقل من ثمانين.
وعن ابن أبي ليلى إلى خمسة وسبعين سوطاً.
وقال مالك بن أنس التعزير على قدر الجرم فإن كان جرمه أعظم من القذف ضرب مائة أو أكثر.
وقال أبو ثور التعزير على قدر الجناية وتسرع الفاعل في الشر وعلى ما يكون أنكل وأبلغ في الأدب وإن جاوز التعزير الحد إذا كان الجرم عظيماً مثل أن يقتل الرجل عبده أو يقطع منه شيئا أو يعاقبه عقوبة يسرف فيها فيكون العقوبة فيه على قدر ذلك وما يراه الإمام إذا كان مأموناً عدلاً.
وقال بعضهم لا يبلغ بالأدب عشرين لأنها أقل الحدود وذلك أن العبد يضرب في شرب الخمر عشرون.
وقد تأول بعض أصحاب الشافعي قوله في جواز الزيادة على الجلدات العشر إلى ما دون الأربعين أنها لا تزداد بالأسواط ولكن بالأيدي والنعال والثياب ونحوها على ما يراه الإمام كما روي فيه حديث عبد الرحمن بن الأزهر.
قلت التعزير على مذاهب أكثر الفقهاء إنما هو أدب يقصر على مقدار أقل الحدود إذا كانت الجناية الموجبة للتعزير قاصرة عن مبلغ الجناية الموجبة للحد كما أن أرش الجناية الواقعة في العضو أبداً قاصر عن كمال ذلك العضو وذلك أن العضو إذا كان في كله شيء معلوم فوقعت الجناية على بعضه كان معقولاً أنه لا يستحق فيه كل ما في العضو.
стр. 997
الجزء الرابع
****************
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الديات
ومن باب الإمام يأمر بالعفو في الدم
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي حدثنا يحيى بن سعيد عن عوف حدثنا حمزة أبو عمر العائذي حدثني علقمة بن وائل حدثني وائل بن حجر قال كنت عند النبي ﷺ إذ جيء برجل قاتل في عنقه النِّسعة قال فدعا ولي المقتول، فقال أتعفو، قال لا، فتأخذ الدية قال لا، قال افتقتل، قال نعم، قال اذهب به فلما كان في الرابعة قال أما إنك إن عفوت عنه يبوء بإثمه واثم صاحبه قال فعفا عنه قال وانا رأيته يجر النِّسعة.
قلت فيه من الفقه أن الولي مخير بين القصاص أو أخذ الدية.
وفيه دليل على أن دية العمد تجب حالة في مال الجاني.
وفيه دليل على أن للإمام أن يتشفع إلى ولي الدم في العفو بعد وجوب القصاص.
وفيه إباحة الاستيثاق بالشد والرباط ممن يجب عليه القصاص إذا خشي انفلاته وذهابه.
وفيه جواز قبول إقرار من جيء به في حبل أو رباط.
وفيه دليل على أن القاتل إذا عفا عنه لم يلزمه التعزير.
стр. 998
وحكي عن مالك بن أنس أنه قال يضرب بعد العفو مائة ويحبس سنة.
وقوله فإنه يبوء باثمه واثم صاحبه، معناه أنه يتحمل إثمه في قتل صاحبه فأضاف الإثم إلى صاحبه إذ صار بكونه محلاً للقتل سبباً لإثمه، وهذا كقوله سبحانه ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧] فأضاف الرسول إليهم وإنما هو في الحقيقة رسول الله أرسله إليهم.
وأما الإثم المذكور ثانيا فهو إثمه فيما قارفه من الذنوب التي بينه وبين الله سوى الإثم الذي قارفه من القتل فهو يبوء به إذا أعفي عن القتل ولو قل لكان القتل كفارة والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف حدثنا عبد القدوس بن الحجاج حدثنا يزيد بن عطاء الواسطي عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه قال جاء رجل إلى النبي ﷺ بحبشي فقال إن هذا قتل ابن أخي قال فكيف قتلته قال ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله، قال هل لك مال تؤدي ديته قال لا، قال أفرأيت إن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته، قال لا، قال فمواليك يعطونك ديته، قال لا قال للرجل خذه فخرج به ليقتله، فقال رسول الله ﷺ أما إنه إن قتله كان مثله فبلغ الرجل قوله فقال هو ذا فمر به ما شئت فقال رسول الله ﷺ أرسله قال مرة دعه يبوء بإثم صاحبه وإثمه فيكون من أصحاب النار قال فأرسله.
قال الشيخ قول أما أنه إن قتله كان مثله يحتمل وجهين.
أحدهما أنه لم ير لصاحب الدم أن يقتله لأنه ادعى أن قتله كان خطأ أو كان شبه العمد فأورث ذلك شبهة في وجوب القتل.
والوجه الآخر أن يكون معناه أنه إذا قتله كان مثله في حكم البواء فصارا
стр. 999
متساويين لا فضل للمقتص إذا استوفى حقه على المقتص منه.
قال أبو داود: حدثنا وهب بن بيان حدثني ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السلمى يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه أن محلِّم بن جثامة الليثي قتل رجلاً من أشجع في الإسلام وذلك أول غِيَرٍ قضى به رسول الله ﷺ فتكلم عيينة في قتل الأشجعي لأنه من غطفان، وتكلم الأقرع بن حابس دون محلم لأنه من خندف، قال فارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط فقال رسول الله ﷺ يا عيينة ألا تقبل الغير، قال عيينة لا والله حتى أدخل على نسائه الحرب والحزن ما أدخل على نسائي ثم ارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله ﷺ يا عيينة ألا تقبل الغير فقال عيينة مثل ذلك أيضاً إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له مُكيتل عليه شِكة وفي يده دَرِقة، فقال يا رسول الله إني لا أجد لما فعل هذا في غرة الإسلام مثلاً إلاّ غنماً وردت فرُمي أولها فنفر آخرها اسنن اليوم وغير غداً وذكر باقي الحديث.
الغير الدية والشكة السلاح وغرة الإسلام أوله.
وقوله اسنن اليوم وغير غداً مثل يقول إن لم تقتص منه اليوم لم تثبت سننك غداً ولم ينفذ حكمك بعدك وإن لم تفعل ذلك وجد القائل سبيلاً إلى أن يقول مثل هذا القول، أعني قوله اسنن اليوم وغير غداً فتتغير لذلك سنتك وتتبدل أحكامها.
وفيه دليل على أن ولي الدم مخير بين القصاص وأخذ الدية وأن للإمام أن يطلب إلى ولي الدم في العفوعن القود على أخذ الدية.
стр. 1000
ومن باب ولي العبد يرضى بالدية
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا ابن أبي ذئب حدثني سعيد بن أبي سعيد قال سمعت أبا شريح الكعبي قال: قال رسول الله ﷺ إلاّ أنكم معشر خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل وبين أن يَقتلوا.
قلت وفيه بيان أن الخيار إلى ولي الدم في القصاص وأخذ الدية وأن القاتل إذا قال لا أعطيكم المال فاستقيدوا مني واختار أولياء الدم المال كان لهم مطالبته به.
ولو قتله جماعة كان لولي الدم أن يقتل منهم من شاء ويطالب بالدية من شاء وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس ﵁ وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وعطاء وقتادة.
وقال الحسن والنخعي ليس لأولياء الدم إلاّ الدم إلاّ أن يشاء القاتل أن يعطي الدية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس له إلاّ القود فإن عفا فلا يثبت له المال إلاّ برضا القاتل.
وكذلك قال مالك بن أنس. وفي قوله فأهله بين خيرتين دليل على أن الدية مستحقة لأهله كلهم ويدخل في ذلك الرجال والنساء والزوجات لأنهم جميعاً أهله.
стр. 1001
وفيه دليل على أن بعضهم إذا كان غائباً أو طفلاً لم يكن للباقين القصاص حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب لأن من كان له خيار في أمر لم يجز أن يفتات عليه قبل أن يختار لأن في ذلك إبطال خياره، وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال مالك وأبو حنيفة للكبار أن يستوفوا حقوقهم في القود ولا ينتظر بلوغ الصغار.
وفيه دليل على أن القاتل إذا مات فتعذر القود فإن للأولياء أن يأخذوا الدية من ورثته وذلك لأنهم خيروا بين أن يعلقوا حقوقهم في الرقبة أو الذمة فمهما فات أحد الأمرين كان لهم استيفاء الحق من الآخر.
وقال أبو حنيفة إذا مات فلا شيء لهم لأن حقهم إنما كان في الرقبة وقد فاتت فلا سبيل لهم على ورثته فيما صار من ملكه إليهم.
ومن باب فيمن سقى رجلاً سَمّاً
أو أطعمه شيئاً فمات
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه ثم قال لهم رسول الله ﷺ ارفعوا أيديكم وأرسل رسول الله ﷺ إلى اليهودية فدعاها فقال لها سممت هذه الشاة، قالت اليهودية من أخبرك، قال أخبرتني هذه الذراع، قالت نعم، قال فما أردت إلى ذلك، قالت قلت إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها
стр. 1002
رسول الله ﷺ ولم يعاقبها وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجله.
قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة وذكر نحو حديث جابر وقال فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت ولم يذكر أمرالحجامة.
قال الشيخ قوله مصلية هي المشوية بالصلأ.
وقد اختلف الناس فيما يجب على من جعل في طعام رجل سماً فأكله فمات فقال مالك بن أنس عليه القود وأوجب الشافعي في أحد قوليه إذ جعل في طعامه سماً وأطعمه إياه أو في شرابه فسقاه ولم يعلمه أن فيه سماً.
قال الشافعي وإن خلطه بطعام فوضعه ولم يقل له فأكله أو شربه فمات فلا قود عليه.
قلت والأصل أن المباشرة والسبب إذا اجتمعا كان حكم المباشرة مقدماً على السبب كحافر البئر والدافع فيها. فأما إذا استكرهه على شرب السم فعليه القود في مذهب الشافعي ومالك.
وعن أبي حنيفة إن سقاه السم فمات لم يقتل به وإن أوجره إيجاراً كان على عاقلته الدية.
قلت أما حديث اليهودية فقد اختلفت الرواية فيه وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل. وحديث جابر أيضاً ليس بذاك المتصل لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً.
ثم أنه ليس في هذا الحديث أكثر من أن اليهودية أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1003
بأن بعثت بها إليه فصارت ملكاً له وصارت أصحابه أضيافاً له، ولم تكن هي التي قدمتها إليهم واليه وما هذا سبيله فالقود ساقط لما ذكرنا من علة المباشرة وتقديمها على السبب.
وفي الحديث دليل على إباحة أكل طعام أهل الكتاب وجواز مبايعتهم ومعاملتهم مع إمكان أن يكون في أموالهم الربا ونحوه من الشبهة.
وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الهدية توجب العوض وذلك أنه ﷺ لا يقبل الهدية من يهودية إلاّ من حيث يرى فيها التعويض فيكون ذلك عنده بمنزلة المعاوضة بعقد البيع والله أعلم.
ومن باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد
قال أبو داود: حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة قال وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال من قتل عبده قتلناه.
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا سعيد بن عامر، عَن أبي عامر، عَن أبي عروبة عن قتادة بإسناد شعبة مثله. وزاد أن الحسن نسي هذا الحديث، فكان يقول لا يقتل حر بعبد.
قلت قد يحتمل أن يكون الحسن لم ينس الحديث ولكنه كان يتأوله على غير معنى الإيجاب ويراه نوعاً من الزجر ليرتدعوا فلا يقدموا على ذلك كما قال ﷺ في شارب الخمر إذا شرب فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه، ثم قال في الرابعة والخامسة فإن عاد فاقتلوه ثم لم يقتله حتى جيء به قد شرب رابعاً أو خامساً.
стр. 1004
وقد تأوله بعضهم على أنه إنما جاء في عبد كان يملكه مرة فزال عنه ملكه وصار كفأً له بالحرية فإذا قتله كان مقتولاً به.
وهذا كقوله ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي من كن له أزواجاً قبل الموت.
وقد اختلف الناس فيما يجب على من قتل عبده أو قتل عبد غيره فروي، عَن أبي بكر وعمر ﵄ أنه لا يقتص منه إذا فعل ذلك وكذلك روي عن ابن الزبير ﵁ وهو قول الحسن وعطاء وعكرمة وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة القصاص بين الأحرار والعبيد ثابت في النفس. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
وهذا فيمن قتل عبداً لغيره عمداً وقال سفيان الثوري إذا قتل عبده أو عبد غيره عمداً قتل به، وقد اختلف عنه في ذلك.
وحكي أنه قال مثل قول أبي حنيفة وأصحابه وأجمعوا أن القصاص بين الأحرار وبين العبيد ساقط في الأطراف، وإذا منعوا منه في القليل كان منعه في الكبير أولى.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث سمرة منسوخ وقال لما ثبتا ثبتا معاً فلما نسخا نسخا معاً يريد لما سقط الجدع بالإجماع سقط القصاص كذلك.
ومن باب القسامة
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ومحمد بن عبيد المعنى قالا: حَدَّثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع
стр. 1005
بن خديج أن مُحيِّصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر فتفرقا في النخل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة فأتوا النبي ﷺ فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال رسول الله ﷺ الكُبَر الكُبر وقال ليبدأ الأكبر فتكلما في أمر صاحبهما فقال رسول الله ﷺ يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته قالوا أمر لم نشهده كيف نحلف قال فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا يا رسول الله قوم كفار فوداه رسول الله ﷺ من قبله.
قال أبو داود: ورواه بشر بن المفضل ومالك عن يحيى قالا فيه يحلفون خمسين يميناً ويستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم، وقال عبدة عن يحيى كما قال حماد.
قال الشيخ قوله الكبر الكبر إرشاد إلى الأدب في تقديم ذوي السن والكبر.
وفيه من الفقه جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
وفيه جواز وكالة الحاضر وذلك أن ولي الدم إنما هو عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل وحويصة ومحيصة أبناء عمه.
وفيه من الفقه أن الدعوى في القسامة مخالفة لساتر الدعاوى وأن اليمين يبدأ فيها المدعي قبل المدعى عليه.
وفيه دلالة على وجوب رد اليمين على المدعي عند نكول المدعى عليه.
وقد اختلف الناس فيمن يبدأ به في القسامة فقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل يبدأ بالمدعي قولاً بظاهر الحديث.
وقال أبو حنيفة وأصحابه يبدأ بالمدعى عليه على قضية سائر الدعاوى.
قلت وهذا حكم خاص جاءت به السنة لا يقاس على سائر الأحكام وللشريعة
стр. 1006
أن تخص كما لها أن تعم ولها أن تخالف بين سائر الأحكام المتشابهة في الصفة كما أن لها أن توفق بينها ولها نظائر كثيرة في الأصول.
وقال أبو حنيفة وأصحابه أن المدعى عليهم يحلفون ويغرمون الدية وليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، وإنما جاءت اليمين في البراءة أو الاستحقاق على مذهب من قال باليمين مع الشاهد وقد بدىء في اللعان بالمدعي وهو الزوج وأنما هو أيمان، ألا ترى أن المتلاعنين يقولان نشهد بالله فلو كان معنى اللعان معنى الشهادة لجاز فيه حذف الاسم واقتصر فيه على مجرد قولهما نشهد وقد قال ﷺ في حديث الملاعنة لولا الايمان لكان لي ولها شأن فثبت أن اللعان ايمان ثم كان مبدوءاً فيه بالمدعي كما ترى.
قلت وفي إلزامه اليهود بقوله فيدفع برمته دليل على أن الدية تجب على سكان المحلة دون أرباب الخطة لأن خيبر كانت للمهاجرين والأنصار.
وفيه دليل على أن المدعى عليهم إذا حلفوا برئوا من الدم وهو قوله فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم.
وفيه أن الحكم بين المسلم والذمي كالحكم بين المسلمين في الاحتساب بيمينه وإبرائه بها عن الحق المدعى قبله.
وفيه أن يمين المشرك مسموعة على المسلم كيمين المسلم عليه، وقال مالك لا تسمع ايمانهم على المسلمين كشهاداتهم.
وظاهر لفظ هذا الحديث حجة لمن رأى وجوب القتل بالقسامة وهو قوله ويستحقون دم صاحبكم.
وقوله فيدفع برمته وإليه ذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبو ثور، وروي
стр. 1007
ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وإسحاق بن راهويه لا يقاد بالقسامة إنما تجب بها الدية.
وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ والحسن البصري وابراهيم النخعي.
وقد روي ذلك أيضاً عن النخعي أنه قال القسامة جور شاهدان يشهدان.
وكان الحكم لا يرى القسامة شيئاً.
قلت وتأويل هؤلاء قوله ويستحقون دم صاحبكم أي دية صاحبكم لأنهم يأخذونها بسبب الدم فصلح أن يسمى ذلك دماً.
وقد روى من غير هذا الطريق إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب فدل ذلك على صحة هذا التأويل.
قلت ويشبه أن يكون إنما وداه رسول الله ﷺ من قبله للعهد الذي كان جعله لليهود فلم يحب أن يبطله ولم يحب أن يهدر دم القتيل فوداها من قبله وتحملها للإصلاح بينهم.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك، عَن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتي محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في قفير أو عين وساق بعض الحديث إلى أن قال: فقال رسول الله ﷺ إما أن تدوا صاحبكم واما أن تؤذنوا بحرب.
قال الشيخ: قوله إما أن تدوا، فيه دليل على أن الواجب بالقسامة الدية
стр. 1008
وقد كني بالدم عنها إذ كانا يتعاقبان في الحكم فجاز أن يعبر بأحدهما عن الآخر.
وقد أنكر بعض الناس قوله. وإما أن تؤذنوا بحرب، وقال إن الأمة على خلاف هذا القول فدل على أن خبر القسامة غير معمول به.
قلت ووجه الكلام بين وتأويله صحيح وذلك أنهم إذا امتنعوا من القسامة ولزمتهم الدية فأبوا أن يؤدوها إلى أولياء الدم أوذنوا بحرب كما يؤذنون بها إذا امتنعوا من اداء الجزية.
قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار أن النبي ﷺ قال لليهود وبدأ بهم يحلف منكم خمسون رجلاً فأبوا وذكر الحديث.
قال الشيخ في هذا حجة لمن رأى أن اليمين على المدعى عليهم، إلاّ أن أسانيد الأحاديث المتقدمة أحسن اتصالاً وأوضح متوناً. وقد روى ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه بدأ في اليمين بالمدعين سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج وسويد بن النعمان.
وقال الشافعي لا يحلف في القسامة إلاّ وارث لأنه لا يملك بها إلاّ دية القتيل ولا يحلف الإنسان إلاّ على ما يستحقه الورثة يقسمون على قدر موارثيهم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان أنبأنا الوليد وحدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد، عَن أبي عمرو عن عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قتل بالقسامة رجلاً من بني نصر بن مالك ببَحْرة الرُّغاء على شط لية.
قال الشيخ البحرة البلدة تقول العرب هذه بحرتنا أي بلدتنا قال الشاعر:
كأن بقاياه ببحرة مالك ... بقية سحق من رداء محبّر
стр. 1009
ومن باب يقاد من القاتل بحجر مثل ما قتل
قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا همام عن قتادة عن أنس أن جارية رض رأسها بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا أفلان أفلان حتى سُمي اليهودي فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فاعترف فأمر النبي ﷺ أن يرض رأسه بالحجارة.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن إدريس عن شعبة عن هشام ابن زيد عن جده أنس أن جارية كان عليها أوضاح لها وذكر الحديث.
قال الشيخ يريد بالأوضاح حلياً لها.
وفيه دليل على وجوب قتل الرجل بالمرأة وهو قول عامة أهل العلم إلاّ الحسن البصري وعطاء فإنهما زعما أن الرجل لا يقتل بالمرأة.
وفيه دليل على جواز اعتبار القتل فيقتص من القاتل بمثل ما فعله، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وروي ذلك عن الشعبي وعمر بن عبد العزيز.
وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه لا يقتص منه إلاّ بالسيف وكذلك قال عطاء.
قال الشيخ: ما يوجد في هذا الحديث بهذه اللفظة، أعني قوله فاعترف فقتل وفيها الشفاء والبيان أن النبي ﷺ لم يقتل اليهودي بإيماء المدعي أو بقوله.
وقد شغب بعض الناس في هذا حين وجد أكثر الروايات خالياً عن هذه اللفظة فقال كيف يجوز أن يقتل أحد بقول المدعي وبكلامه فضلاً عن إيمائه برأسه وأنكروا هذا الحديث وأبطلوا الحكم في اعتبار جهة المماثلة.
قال الشيخ وهذه اللفظة لو لم تكن مرورية في هذه القصة لم يكن ضائراً لأن من العلم الشائع المستفيض على لسان الأمة خاصهم وعامهم أنه لا يستحق
стр. 1010
مال ولا دم إلاّ ببينة، وقد يروى كثير من الأحاديث على الاختصار اعتماداً على إفهام السامعين والمخاطبين به.
وقد احتج بعض من لا يرى اعتبار جهة المماثلة نهي النبي ﷺ عن المثلة، وهذا معارضة لا تصح لأن النهي عن المثلة إنما هو في ابتداء العقوبة بها فأما القصاص فلا يتعلق بالمثلة؛ ألا ترى أن من جدع أذناً أو فقأ عيناً من كفؤ له اقتص منه ولم يكن ذلك مثلة وعارضوا أيضاً بنهي النبي ﷺ أن يعذب أحد بعذاب الله، فقالوا إذا أحرق رجلاً بالنار فإنه لا يحرق بها قصاصاً ويقتل بالسيف.
وهذا مثل الأول وباب القصاص من هذا بمعزل، وقد قال ﷺ لأسامة اغد على أُبْنى صباحاً وحرق. وأجاز عامة الفقهاء أن يرمى الكفار بالنيران إذا خافوهم ولم يطيقوا دفعهم عن أنفسهم إلاّ بها فعلم أن طريق النهي عن استعمال النار خارج عن باب القصاص المباح وعن باب الجهاد المأمور به وإن من قتل رجلاً بالإحراق بالنار فإن للولي أن يقتل القاتل بالنار كذلك.
وقد تمثلوا أيضاً في هذا بأمور كمن قتل رجلاً بالسحر وكمن سقى رجلاً خمراً أو والى عليه بهما حتى مات، وكمن ارتكب فاحشة من إنسان فكان فيها تلفه وليس يلزم شيء من هذا والأصل فيه الحديث.
ثم العقوبات على ضربين أحدهما مأذون فيه أن يستعمل فيمن استحقه على وجه من الوجوه، والآخر محظور من جميع الوجوه، وقد أمرنا بجهاد الكفار ومعاقبتهم على كفرهم ضرباً بالسلاح ورمياً بالحجارة وإضراماً عليهم بالنيران ولم يبح لنا أن نقتلهم بسقي الخمر وركوب الفاحشة منهم فأما السحر فهو أمر يلطف ويدق والتوصل إلى علمه يصعب ومباشرته محظورة على الوجوه كلها فإذا تعذرت
стр. 1011
علينا معرفة جهة الجناية وكيفيتها صرنا إلى استيفاء الحق منه بالسيف إذ هو دائرة القتل وكان سبيله سبيل من ثبت عند الحاكم أنه قتل فلاناً عمداً ولم يبين جهة القتل وكيفيته فإنه يقتل بالسيف، كذلك إذا تعذرت جهة المماثلة قتل بالسيف والله أعلم.
ومن باب إيقاد المسلم بالكافر
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حَدَّثنا يحيى بن سعيد بن أبي عروبة حدثنا قتادة عن الحسن عن قيس بن عُبَاد قال انطلقت أنا والأشتر إلى علي كرم الله وجهه، فقلنا هل عهد إليك نبي الله شيئاً لم يعهده إلى الناس قال لا إلاّ ما في كتابي هذا، قال مسدد فأخرج كتاباً.
وقال أحمد كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه: المؤمنون تكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم إلاّ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ ذكر نحو حديث علي زاد فيه ويجير عليهم اقصاهم ويرد مُشدهم على مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم.
قال الشيخ: قوله المؤمنون تكافأ دماؤهم، يريد أن دماء المسلمين متساوية في القصاص والقود، يقاد الشريف منهم بالوضيع، والكبير بالصغير، والعالم بالجاهل والرجل بالمرأة.
وفيه مستدل لمن رأى أن يقتل الحر بالعبد لأن قضية العموم تعطي ذلك.
стр. 1012
قوله وهم يد على من سواهم معناه النصرة والمعونة من بعضهم لبعض.
قوله يسعى بذمتهم أدناهم معناه أن الواحد منهم إذا أجار كافراً وآمنه على دمه حرم دمه على المسلمين كافة وإن كان المجير أدناهم مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً أو نحو ذلك ليس لهم أن يخفروا ذمته.
قوله لا يقتل مؤمن بكافر فيه البيان الواضح أن المسلم لا يقتل بأحد من الكفار كان المقتول منهم ذمياً أو معاهداً أو مستأمناً أو ما كان.
وذلك أنه نفي في نكرة فاشتمل على جنس الكفار عموماً، وقد قال ﷺ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم فكان الذمي والمستأمن في ذلك سواء.
وقد اختلف الناس في هذا فقال بظاهر الحديث جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ثبت ذلك عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت.
وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه ورضي عنهم أجمعين، وهو قول عطاء وعكرمة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وبه قال سفيان الثوري وابن شبرمة وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال الشعبي والنخعي يقتل المسلم بالذمي، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وتأولوا قوله لا يقتل مؤمن بكافر أي بكافر حربي دون من له عهد وذمة من الكفار وادعوا في نظم الكلام تقديماً وتأخيراً كأنه قال لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، وقالوا ولولا أن المراد به هذا لكان الكلام خالياً عن الفائدة لأن معلوماً بالإجماع أن المعاهد لا يقتل في عهده فلم يجز حمل الخبر الخاص على شيء قد استفيد معرفته من جهة العلم العام المستفيض.
стр. 1013
واحتجوا أيضاً بخبر منقطع عن ابن السلماني أن النبي ﷺ أقاد مسلماً بكافر.
قلت لا يقتل مؤمن بكافر كلام تام مستقل بنفعه فلا وجه لتضمينه بما بعده وإبطال حكم ظاهره وحمله على التقديم والتأخير وإنما يفعل ذلك عند الحاجة والضرورة في تكميل ناقص وكشف عن مبهم ولا ضرورة بنا في هذا الموضع إلى شيء من ذلك.
فأما تحديده ذكر المعاهد وأنه لا يقتل ما دام مقيماً على عهده فإن للنبي ﷺ أن يكرر البيان وأن يظاهر بذكر الشيء مرة بعد أخرى إشباعاً في البيان وإفهاما للمخاطبين بالكلام.
وقد يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما أسقط القصاص عن المسلم إذا قتل كافراً احتاج إلى أن يؤكد حق دم المعاهد فيجدد القول فيه لأن ظاهر ذلك يوجب توهين حرمة دم الكفار ولا يؤمن أن يكون في ذلك الإغراء بهم فخشي إقدام المتسرع من المسلمين إلى دمائهم إذا أمن القود فأعاد القول في حظر دمائهم رفعاً للشبهة وقطعاً لتأويل متأول والله أعلم.
وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر وهو أن يكون معناه لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار ولا يقتل معاهد ببعض الكفار وهو الحربي ولا ينكر أن لفظة واحد يعطف عليها شيئان فيكون أحدهما راجعاً على جميعها والاخر راجعاً إلى بعضها.
وقوله من أحدث حدثاً فعلى نفسه يريد أن من جنى جناية كان مأخوذاً بها لا يؤخذ بجرمه غيره، وهذا في العمد الذي يلزمه في ماله دون الخطأ الذي يلزم عاقلته.
وقوله من آوى محدثا فعليه لعنة الله يريد من آوى جانياً أو أجاره من خصمه
стр. 1014
وحال بينه وبين أن يقتص منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقوله يرد مشدهم على نعفهم ومتسريهم على قاعدهم مفسر في كتاب الجهاد من هذا الكتاب.
ومن باب فيمن وجد رجلاً مع أهله فقتله
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد وعبد الوهاب بن نجدة الحوطي المعنى قالا: حَدَّثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل عن أبيه، عَن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله الرجل يجد مع أهله رجلاً أيقتله، قال لا، قال سعد بلى والذي أكرمك بالحق ينتظر فيه إلى أن يأتي بأربعة شهداء، قال النبي ﷺ اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، قال عبد الوهاب انظروا إلى ما يقول سعد.
قال الشيخ: يشبه أن يكون مراجعة سعد النبي ﷺ طمعاً في الرخصة لا رداً لقوله ﷺ ، فلما أبى ذلك رسول الله ﷺ وأنكر عليه قوله سكت سعد وانقاد.
وقد اختلف الناس في هذه المسألة فكان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول إن لم يأت بأربعة شهداء أعطى برمته أي أقيد به.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أهدر دمه ولم ير فيه قصاصاً.
قلت ويشبه أن يكون إنما رأى دمه مباحاً فيما بينه وبين الله إذا تحقق الزنا منه فعلاً وكان الزاني محصناً.
وذكر الشافعي حديث علي ﵁ ثم قال وبهذا نأخذ غير أنه قال: ويسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل وامرأته إذا كانا ثيبين وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل ولا يسقط عنه القود في الحكم.
стр. 1015
وكذلك قال أبو ثور، وقال أحمد بن حنبل إن جاء ببينة أنه قد وجده مع امرأته في بيته فقتله يهدر دمه، وكذلك قال إسحاق.
ومن باب العامل يصاب على يديه خطأ
قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً فلاجّه رجل أو لاحاه في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي ﷺ فقالوا القود يا رسول الله فقال النبي ﷺ لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال لكم كذا وكذا فرضوا، فقال النبي ﷺ إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم، قالوا نعم فخطب رسول الله ﷺ فقال إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أرضيتم قالوا لا فهم المهاجرين بهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا عنهم فكفوا ثم دعاهم فزادهم قال أرضيتم قالوا نعم قال إني خاطب على الناس فمخبرهم برضاكم قالوا فخطب النبي ﷺ فقال أرضيتم قالوا نعم.
قال الشيخ: في هذا الحديث من الفقه وجوب الإقادة من الوالي والعامل إذا تناول دماً بغير حقه كوجوبها على من ليس بوال.
وفيه دليل على جواز إرضاء المشجوج بأكثر من دية الشجة إذا طلب المشجوج القصاص.
وفيه دليل على أن القول في الصدقة قول رب المال وأنه ليس للساعي ضربه وإكراهه على ما لم يظهر له من ماله.
وفيه حجة لمن رأى وقوف الحاكم عن الحكم بعلمه لأنهم لما رضوا بما أعطاهم
стр. 1016
النبي ﷺ ثم رجعوا عنه فلم يلزمهم برضاهم الأول حتى كان ما رضوا به ظاهراً.
وقوله فلاحاه معناه نازعه وخاصمه، وفي بعض الأمثال عاداك من لاحاك.
وروي، عَن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما أقادا من العمال.
وممن رأى عليهم القود الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه.
ومن باب عفو النساء عن الدم
قال أبو داود: حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد عن الأوزاعي سمع حصناً أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة.
قال الشيخ: قوله ينحجزوا معناه يكفوا عن القتل وتفسيره أن يقتل رجل وله ورثة رجال ونساء فأيهم عفا وإن كانت امرأة سقط القود وصار دية.
وقوله الأول فالأول يريد الأقرب فالأقرب.
قلت يشبه أن يكون معنى المقتتلين ههنا أن يطلب أولياء القتيل القود فيمتنع القتلة فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك فجعلهم مقتتلين بنصب التاءين يقال اقتتل فهومقتتل، غير أن هذا إنما يستعمل أكثره فيمن قتله الحُب.
وقد اختلف الناس في عفو النساء فقال أكثر أهل العلم عفو النساء عن الدم جائز كعفو الرجال. وقال الأوزاعي وابن شبرمة ليس للنساء عفو، وعن الحسن وإبراهيم النخعي ليس للزوج ولا للمرأة عفو في الدم.
ومن باب من قتل في عِمِيّا بين قوم
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد قال وحدثنا ابن السرح حدثنا سفيان وهذا حديثه عن عمرو عن طاوس قال من قتل، وقال ابن عبيد قال: قال
стр. 1017
رسول الله ﷺ من قتل في عِمِيّا في رمي يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمداً فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرف ولا عدل.
قال الشيخ: قوله عميا وزنه فعيلا من العمى كما يقال بينهم رميا أي رمى، ومعناه أن يترامى القوم يوجد بينهم قتيل لا يدرى من قاتله ويعمى أمره فلا يتبين ففيه الدية.
واختلف العلماء فيمن تلزمه دية هذا القتيل؛ فقال مالك بن أنس ديته على الذين نازعوهم.
وقال أحمد بن حنبل ديته على عواقل الآخرين إلاّ أن يدعوا على رجل بعينه فيكون قسامة، وكذلك قال إسحاق.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ديته على عاقلة الفريقين اللذين اقتتلوا معاً.
وقال الأوزاعي عقله على الفريقين جميعاً إلاّ أن تقوم بينة من غير الفريقين أن فلاناً قتله فعليه القود والقصاص.
وقال الشافعي هو قسامة إن ادعوه على رجل بعينه أو طائفة بعينها وإلا فلا عقل ولا قود.
وقال أبو حنيفة هو على عاقلة القبيلة التي وجد فيهم إذا لم يدع أولياء القتيل على غيرهم.
وقوله لا يقبل منه صرف ولا عدل فسروا العدل الفريضة، والصرف التطوع.
ومن باب في الدية كم هي
قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله
стр. 1018
صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشر ابن لبون ذكر.
قال الشيخ: هذا الحديث لا أعرف أحداً قال به من الفقهاء، وإنما قال أكثر العلماء إن دية الخطأ أخماس، كذلك قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وكذلك قال مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل خمس بنو مخاض، وخمس بنات مخاض وخمس بنات لبون وخمس حقاق وخمس جذاع.
وروي هذا القول عن عبد الله بن مسعود ﵁ وقال مالك والشافعي خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون.
وحكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة بن عبد الرحمن والليث بن سعد ولأبي حنيفة وأصحابه فيه أثر، إلاّ أن راويه عن عبد الله عن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلاّ بهذا الحديث.
وعدل الشافعي عن القول به لما ذكرنا من العلة في راويه ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات.
وقد روي عن النبي ﷺ في قصة أنه ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض.
وقد روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري. وإليه ذهب إسحاق بن راهويه إلا أنهم قالوا خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض. وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
стр. 1019
قال أبو داود: حدثنا يحيى بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن عثمان حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلم، قال فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ﵁ فقام خطيباً فقال: إلاّ ان الإبل قد غلت. قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا؛ وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية.
قال الشيخ: قوله كانت قيمة الدية، يريد قيمة الإبل التي هي الأصل في الدية وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى لعزة الإبل عندهم فبلغت القيمة فى زمانه من الذهب ثمانمائة دينار ومن الورق ثمانية آلاف درهم فجرى الأمر بذلك إلى أن كان عمر ﵁ وعزت الإبل في زمانه فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار ومن الورق اثني عشر ألفاً.
وعلى هذا بنى الشافعي أصل قوله في دية العمد فأوجب فيها الإبل وأن لا يصار إلى النقود إلاّ عند اعواز الإبل فإذا أعوزت كان فيها قيمتها بالغة ما بلغت، ولم يعتبر قيمة عمر ﵁ التي قومها في زمانه لأنها كانت قيمة تعديل في ذلك الوقت والقيم تختلف فتزيد وتنقص باختلاف الأزمنة وهذا على قوله الجديد.
وقال في قوله القديم بقيمة عمر وهي اثنا عشر ألفاً أو ألف دينار.
وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ في الورق.
стр. 1020
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا زيد بن الحباب عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن رجلاً من بني عدي قتل فجعل رسول الله ﷺ ديته اثني عشر ألفاً.
قال الشيخ: وقد اختلف الناس فيما يجب في دية العمد، فقال الشافعي يجب فيها مائة من الإبل، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وروي ذلك عن زيد بن ثابت، وقال مالك وأحمد بن حنبل تجب الدية أرباعاً؛ خمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول سليمان بن يسار والزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه جعل في شبه العمد مائة من الإبل أرباعاً وعدد هذه الأصناف.
قلت ودية شبه العمد مغلظة كدية العمد، فيشبه أن يكون أحمد إنما ذهب إليه لأنه لم يجد فيها سنة فصار إلى أثر في نظيرها وقاسها عليه.
وعند أبي حنيفة دية العمد من الذهب ألف دينار ومن الدراهم عشرة آلاف ولم يذكر فيها الإبل. وكذلك قال سفيان الثوري، وحكي ذلك عن ابن شبرمة.
وقال مالك وأحمد وإسحاق في الدية إذا كانت نقداً هي من الذهب ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألفاً، وروي ذلك عن الحسن البصري وعروة بن الزبير. وقال مالك لا أعرف البقر والغنم والحلل.
следующие страницы →