← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1442

معالم السنن (شرح سنن أبي داود)

الخطابي

Полный текст (1 377 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

النبي ﷺ ثم رجعوا عنه فلم يلزمهم برضاهم الأول حتى كان ما رضوا به ظاهراً. وقوله فلاحاه معناه نازعه وخاصمه، وفي بعض الأمثال عاداك من لاحاك. وروي، عَن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما أقادا من العمال. وممن رأى عليهم القود الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه. ومن باب عفو النساء عن الدم قال أبو داود: حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد عن الأوزاعي سمع حصناً أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة. قال الشيخ: قوله ينحجزوا معناه يكفوا عن القتل وتفسيره أن يقتل رجل وله ورثة رجال ونساء فأيهم عفا وإن كانت امرأة سقط القود وصار دية. وقوله الأول فالأول يريد الأقرب فالأقرب. قلت يشبه أن يكون معنى المقتتلين ههنا أن يطلب أولياء القتيل القود فيمتنع القتلة فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك فجعلهم مقتتلين بنصب التاءين يقال اقتتل فهومقتتل، غير أن هذا إنما يستعمل أكثره فيمن قتله الحُب. وقد اختلف الناس في عفو النساء فقال أكثر أهل العلم عفو النساء عن الدم جائز كعفو الرجال. وقال الأوزاعي وابن شبرمة ليس للنساء عفو، وعن الحسن وإبراهيم النخعي ليس للزوج ولا للمرأة عفو في الدم. ومن باب من قتل في عِمِيّا بين قوم قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد قال وحدثنا ابن السرح حدثنا سفيان وهذا حديثه عن عمرو عن طاوس قال من قتل، وقال ابن عبيد قال: قال

стр. 1017

رسول الله ﷺ من قتل في عِمِيّا في رمي يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصا فهو خطأ وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمداً فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرف ولا عدل. قال الشيخ: قوله عميا وزنه فعيلا من العمى كما يقال بينهم رميا أي رمى، ومعناه أن يترامى القوم يوجد بينهم قتيل لا يدرى من قاتله ويعمى أمره فلا يتبين ففيه الدية. واختلف العلماء فيمن تلزمه دية هذا القتيل؛ فقال مالك بن أنس ديته على الذين نازعوهم. وقال أحمد بن حنبل ديته على عواقل الآخرين إلاّ أن يدعوا على رجل بعينه فيكون قسامة، وكذلك قال إسحاق. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ديته على عاقلة الفريقين اللذين اقتتلوا معاً. وقال الأوزاعي عقله على الفريقين جميعاً إلاّ أن تقوم بينة من غير الفريقين أن فلاناً قتله فعليه القود والقصاص. وقال الشافعي هو قسامة إن ادعوه على رجل بعينه أو طائفة بعينها وإلا فلا عقل ولا قود. وقال أبو حنيفة هو على عاقلة القبيلة التي وجد فيهم إذا لم يدع أولياء القتيل على غيرهم. وقوله لا يقبل منه صرف ولا عدل فسروا العدل الفريضة، والصرف التطوع. ومن باب في الدية كم هي قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله

стр. 1018

صلى الله عليه وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشر ابن لبون ذكر. قال الشيخ: هذا الحديث لا أعرف أحداً قال به من الفقهاء، وإنما قال أكثر العلماء إن دية الخطأ أخماس، كذلك قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وكذلك قال مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل خمس بنو مخاض، وخمس بنات مخاض وخمس بنات لبون وخمس حقاق وخمس جذاع. وروي هذا القول عن عبد الله بن مسعود ﵁ وقال مالك والشافعي خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون. وحكي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة بن عبد الرحمن والليث بن سعد ولأبي حنيفة وأصحابه فيه أثر، إلاّ أن راويه عن عبد الله عن خشف بن مالك وهو مجهول لا يعرف إلاّ بهذا الحديث. وعدل الشافعي عن القول به لما ذكرنا من العلة في راويه ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات. وقد روي عن النبي ﷺ في قصة أنه ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض. وقد روي عن نفر من العلماء أنهم قالوا دية الخطأ أرباع وهم الشعبي والنخعي والحسن البصري. وإليه ذهب إسحاق بن راهويه إلا أنهم قالوا خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض. وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

стр. 1019

قال أبو داود: حدثنا يحيى بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن عثمان حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلم، قال فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ﵁ فقام خطيباً فقال: إلاّ ان الإبل قد غلت. قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا؛ وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية. قال الشيخ: قوله كانت قيمة الدية، يريد قيمة الإبل التي هي الأصل في الدية وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى لعزة الإبل عندهم فبلغت القيمة فى زمانه من الذهب ثمانمائة دينار ومن الورق ثمانية آلاف درهم فجرى الأمر بذلك إلى أن كان عمر ﵁ وعزت الإبل في زمانه فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار ومن الورق اثني عشر ألفاً. وعلى هذا بنى الشافعي أصل قوله في دية العمد فأوجب فيها الإبل وأن لا يصار إلى النقود إلاّ عند اعواز الإبل فإذا أعوزت كان فيها قيمتها بالغة ما بلغت، ولم يعتبر قيمة عمر ﵁ التي قومها في زمانه لأنها كانت قيمة تعديل في ذلك الوقت والقيم تختلف فتزيد وتنقص باختلاف الأزمنة وهذا على قوله الجديد. وقال في قوله القديم بقيمة عمر وهي اثنا عشر ألفاً أو ألف دينار. وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ في الورق.

стр. 1020

قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا زيد بن الحباب عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن رجلاً من بني عدي قتل فجعل رسول الله ﷺ ديته اثني عشر ألفاً. قال الشيخ: وقد اختلف الناس فيما يجب في دية العمد، فقال الشافعي يجب فيها مائة من الإبل، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها. وروي ذلك عن زيد بن ثابت، وقال مالك وأحمد بن حنبل تجب الدية أرباعاً؛ خمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول سليمان بن يسار والزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن. وقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه جعل في شبه العمد مائة من الإبل أرباعاً وعدد هذه الأصناف. قلت ودية شبه العمد مغلظة كدية العمد، فيشبه أن يكون أحمد إنما ذهب إليه لأنه لم يجد فيها سنة فصار إلى أثر في نظيرها وقاسها عليه. وعند أبي حنيفة دية العمد من الذهب ألف دينار ومن الدراهم عشرة آلاف ولم يذكر فيها الإبل. وكذلك قال سفيان الثوري، وحكي ذلك عن ابن شبرمة. وقال مالك وأحمد وإسحاق في الدية إذا كانت نقداً هي من الذهب ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألفاً، وروي ذلك عن الحسن البصري وعروة بن الزبير. وقال مالك لا أعرف البقر والغنم والحلل.

стр. 1021

وقال يعقوب ومحمد على أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الغنم ألفا شاة وعلى أهل الحلل مائتا حلة. وكذلك قال أحمد وإسحاق في البقر والغنم. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومسدد المعنى قالا: حَدَّثنا حماد عن خالد عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة فكبر ثلاثاً وقال إلاّ أن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعي من دم أو مال تحت قدمي إلاّ ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت، ثم قال إلاّ ان دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها. وحديث مسدد أتم. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن علي بن زيد عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ بمعناه. قال الشيخ: المأثرة كل ما يؤثر ويذكر من مكارم أهل الجاهلية ومفاخرهم وقوله تحت قدمي معناه إبطالها وإسقاطها. وأما سدانة البيت فهي خدمته والقيام بأمره وكانت الحجابة في الجاهلية في بني عبد الدار والسقاية في بني هاشم فأقرهما رسول الله ﷺ فصار بنو شيبة يحجبون البيت وبنو العباس يسقون الحجيج. وفي الحديث من الفقه إثبات قتل شبه العمد، وقد زعم بعض أهل العلم أن ليس القتل إلاّ العمد المحض أو الخطأ المحض. وفيه بيان أن دية شبه العمد مغلظة على العاقلة. وقد يستدل بهذا الحديث على جواز السلم في الحيوان إلى مدة معلومة وذلك لأن الإبل على العاقلة مضمونة في ثلاث سنين.

стр. 1022

وفيه دلالة على أن الحمل في الحيوان صفة تضبط وتحصر. وقد اختلف الناس في دية شبه العمد فقال بظاهر الحديث عطاء والشافعي وإليه ذهب محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه هي أرباع. وقال أبو ثور دية شبه العمد أخماس. وقال مالك بن أنس ليس في كتاب الله إلاّ الخطأ المحض والعمد فأما شبه العمد فلا نعرفه. قلت يشبه أن يكون الشافعي إنما جعل الدية في العمد أثلاثاً بهذا الحديث، وذلك أنه ليس في العمد حديث مفسر، والدية في العمد مغلظة وهي في شبه العمد كذلك فحمل إحداهما على الأخرى. وهذه الدية تلزم العاقلة عند الشافعي لما فيه من شبه الخطأ كدية الجنين. ومن باب الأعضاء قال أبو داود: حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا عبدة، يَعني ابن سليمان حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن غالب التمار عن حميد بن هلال عن مسروق بن أوس، عَن أبي موسى هو الأشعري عن النبي ﷺ قال الأصابع سواء عشر عشر من الإبل. قال وحدثنا عباس العنبري حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء. قال وحدثنا زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا حسين المعلم

стр. 1023

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال في الأسنان خمس خمس. قال الشيخ: سوى رسول الله ﷺ بين الأصابع في دياتها فجعل في كل اصبع عشراً من الإبل وسوى بين الأسنان وجعل في كل سن خمساً من الإبل وهي مختلفة الجمال والمنفعة ولولا أن السنة جاءت بالتسوية لكان القياس أن يفاوت بين دياتها كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يبلغه الحديث فإن سعيد بن المسيب ﵁ روى عنه أنه كان يجعل في الإبهام خمس عشرة، وفي السبابة عشراً، وفي الوسطى عشراً، وفي البنصر تسعاً، وفي الخنصر ستاً حتى وجد كتاباً عند أبي عمرو بن حزم عن رسول الله ﷺ أن الأصابع كلها سواء فأخذ به، وكذلك الأمر في الأسنان كان يجعل فيما أقبل من الأسنان خمسة أبعرة، وفي الأضراس بعيراً بعيراً. قال ابن المسيب فلما كان معاوية وقعت أضراسه فقال أنا أعلم بالأضراس من عمر فجعلهن سواء، قال ابن المسيب فلو أصيبت الفم كلها في قضاء عمر ﵁ لنقصت الدية ولو أصيبت في قضاء معاوية لزادت الدية، ولو كنت أنا لجعلتها في الأضراس بعيرين بعيرين. واتفق عامة أهل العلم على ترك التفضيل وإن في كل سن خمسة أبعرة، وفي كل اصبع عشراً من الإبل خناصرها وأباهمها سواء، وأصابع اليد والرجل في ذلك سواء كما جعل في الجسد دية كاملة؛ الصغير الطفل، والكبير المسن، والقوي العَبَل، والضعيف النضو في ذلك سواء. ولو أخذ على الناس أن يعتبروها بالجمال والمنفعة لاختلف الأمر في ذلك اختلافاً لا يضبط ولا يحصر فحمل على الأسامي وترك ما وراء ذلك من الزيادة والنقصان في المعاني.

стр. 1024

ولا أعلم خلافاً بين الفقهاء أن من قطع يد رجل من الكوع فإن عليه نصف الدية، إلاّ أن أبا عبيد بن حرب زعم أن نصف الدية إنما تستحق في قطعها من المنكب لأن اسم اليد على الشمول والاستيفاء إنما يقع على ما بين المناكب إلى أطراف الأنامل. قال أبو داود: وجدت في كتابي عن شيبان ولم أسمعه منه فحدثناه أبو بكر صاحب لنا ثقة حدثنا شيبان حدثنا محمد بن راشد حدثنا سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال قضى رسول الله ﷺ الأنف إذا جدع الدية كاملة وإن جدعت ثُندوته فنصف العقل خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب والورق أو مائة بقرة أو ألف شاة، وفي اليد إذا قطعت نصف العقل، وفي الرجل إذا قطعت نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون من الإبل أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاة والجائفة مثل ذلك. وفي الأصابع في كل اصبع عشر من الإبل، وفي الأسنان خمس من الإبل في كل سن وقضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئاً إلاّ مما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلهم وقال رسول الله ﷺ ليس للقاتل شيء وإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه ولا يرث القاتل شيئاً. قال الشيخ لم يختلف العلماء في أن الأنف إذا استوعب جدعاً ففيه الدية كاملة، فأما الثندوة المذكورة في هذا الحديث فإن كان يراد بها روبة الأنف فقد قال أكثر الفقهاء أن فيها ثلث الدية، وروي ذلك عن زيد بن ثابت؛ وكذلك قال مجاهد ومكحول، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق.

стр. 1025

وقال بعضهم في الروبة النصف على ما جاء في الحديث، وحكاه ابن المنذر في الاختلاف ولم يسم قائله، ولم يختلفوا أن في اليدين الدية وإن في كل يد نصف الدية، وفي الرجل الواحدة كذلك. واختلفوا في اليد الشلاء فروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال فيها ثلث ديتها، وكذلك قال مجاهد وهو قول أحمد وإسحاق. وقال الشافعي فيها حكومة، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه وأجمعوا أنه إذا ضرب يده الصحيحة فشلت إن فيها دية اليد كاملة ولم يختلفوا في أن في المأمومة ثلث الدية. والمأمومة ما كان من الجراح في الرأس وهي ما بلغت أم الدماغ. وكذلك الجائفة فيها ثلث الدية في قول عامة أهل العلم فإن نفذت الجائفة حتى خرجت من الجانب الآخر فإن فيها ثلثي الدية لأنهما حينئذ جائفتان. وأما قوله إن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئاً إلاّ ما فضل عن ورثتها فإنه يريد العقل الذي يجب بسبب جنايتها على عاقلتها، يقول إن العصبة يتحملون عقلها كما يتحملونه عن الرجل وانها ليست كالعبد الذي لا تحتمل العاقلة جنايته وإنما هي في رقبته. وفيه دليل على أن الأب والجد لا يدخلان في العاقلة لأنه قد يسهم لهما السدس وإنما العاقلة للأعمام وأبناء العمومة ومن كان في معناهم من العصبة. وأما قوله فإن لم يكن له وارث فوارثه أقرب الناس إليه فإنه يريد أن بعض الورثة إذا قتل الموروث حرم ميراثه وورثه من لم يقتل من سائر الورثة فإن لم يكن له وارث إلاّ القاتل حرم الميراث ويدفع تركته إلى أقرب الناس منه

стр. 1026

بعد القاتل، وهذا كالرجل يقتله ابنه وليس له وارث غير ابنه القاتل وللقاتل ابن فإن ميراث المقتول يدفع إلى ابن القاتل ويحرمه القاتل. وقوله فإن قتلت فعقلها بين ورثتها، يريد أن الدية موروثة كسائر الأموال التي تملكها أيام حياتها يرثها زوجها، وقد ورث النبي ﷺ امرأة أشيم الصنابي من دية زوجها. قال أبو داود: حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: حَدَّثنا حسين، يَعني المعلم عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال في المواضح خمس. قال الشيخ: الموضحة ما كان في الرأس والوجه وقد جعل النبي ﷺ فيهل خمساً من الإبل وعلق الحكم بالاسم فإذا شجه موضحة صغرت أم كبرت ففيها خمس من الإبل، فإن شجه موضحتين ففيهما عشر من البل وعلى هذا القياس. وأنكر مالك موضحة الأنف وأثبتها الشافعي وغيره، فأما الموضحة في غير الوجه والرأس ففيها حكومة. قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد السُلمي حدثنا مروان، يَعني ابن محمد حدثني الهيثم بن حميد حدثني العلاء بن الحارث حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السادَّة لمكانها بثلث الدية. قال الشيخ: يشبه أن يكون والله أعلم إنما أوجب فيها الثلث على معنى الحكومة كما جعل في اليد الشلاء الحكومة. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في العين القائمة واليد الشلاء ثلث الدية وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على معنى الحكومة.

стр. 1027

وقد ذهب إسحاق بن راهويه إلى أن فيها ثلث الدية بمعنى العقل. ومن باب دية الجنين قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وهارون بن عباد الأزدي المعنى قالا: حَدَّثنا وكيع عن هشام عن عروة عن المسور بن مخرمة أن عمر ﵁ استشار الناس في املاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة شهدت رسول الله ﷺ قضى فيها بغرة عبد أو أمة فقال ائتني بمن يشهد معك، قال فأتاه محمد بن مسلمة فشهد له. قال الشيخ: إملاص المرأة إسقاطها الولد، وأصل الإملاص الازلاق وكل شيء يزلق من اليد ولا يثبت فيها فهو مَلَص. ومنه قول الشاعر: فرَّ وأعطاني رشاً مِلَّصاً والغرة النسمة من الرقيق ذكراً كان أو أنثى، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، وإنما سمي غرة لبياضه لا يقبل في الدية عبد أسود أو جارية سوداء. حدثني بذلك أبو محمد الكُرابي حدثنا عبد الله بن شبيب حدثنا زكريا بن يحيى المنقري عن الأصمعي، عَن أبي عمرو ويرى أن عمر إنما استشهد مع المغيرة بغيره استثباتاً في القضية واستبراء للشبهة، وذلك أن الديات إنما جاء فيها الإبل والذهب والورق. وقد ذكر أيضاً في بعض الروايات البقر والغنم والحلل ولم يأت في شيء منها في الرقيق فاستنكر عمر ﵁ ذلك في بدأة الرأي فاستزاده في البيان حتى جاء الثبت والله أعلم.

стр. 1028

قال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار سمع طاوساً عن ابن عباس عن عمر أنه سأل عن قضية النبي ﷺ في ذلك، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة وأن تقتل. قال الشيخ: المسطح عود من عيدان الخباء، وفيه دليل على أن القتل إذا وقع بما يقتل مثله غالباً من خشب أو حجر أو نحوهما ففيه القصاص كالحديث إلاّ أن قوله وأن تقتل لم يذكر في غير هذه الرواية. قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حَدَّثنا مجالد قال حدثنى الشعبي عن جابر بن عبد الله أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد قال فجعل النبي ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها، قال فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله ﷺ لا ميراثها لزوجها وولدها. قال الشيخ: دلالة هذا الحديث أن القتل كان يشبه الخطأ فجعل رسول الله ﷺ ديتها على عاقلة القاتلة. وفيه بيان أن الولد ليس من العاقلة وأن العاقلة لا ترث إلاّ ما فضل عن أصحاب السهام. قال أبو داود: حدثنا وهب بن بيان وابن السرح قالا: حَدَّثنا ابن وهب خبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عَن أبي هريرة قال:

стр. 1029

اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ قال فقضى رسول الله ﷺ دية جنينها غرة عبد أو أمة وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حَمَل بن النابغة الهذلي كيف أغرم دية من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله ﷺ إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع. قال الشيخ: قوله وورثها ولدها ومن معهم يريد الدية. وفيه بيان أن الدية موروثة كسائر مالها الذي كانت تملكه أيام حياتها. وفيه دليل على أن الجنين يورث وتكون ديتها على سهام الميراث وذلك أن كل نفس تضمن بالدية فإنه يورث كما لو خرج حياً ثم مات. وقوله ولا استهل، الاستهلال رفع الصوت، يريد أنه تعلم حياته بصوت نطقٍ أو بكاء أو نحو ذلك. وقوله ذلك يطل، يروى هذا الحرف على وجهين: أحدهما بطل على معنى الفعل الماضي من البطلان والآخر يطل على مذهب الفعل الغائب من قولهم طُل دمه إذا اهدر يُطل. وقوله ﷺ هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع فإنه لم يعبه بمجرد السجع دون ما تضمنه سجعه من الباطل. وانما ضرب المثل بالكهان لأنهم كانوا يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين فيستميلون القلوب ويستصغون الأسماع إليها. فأما إذا وضع السجع في موضع حق فإنه ليس بمكروه وقد تكلم رسول الله ﷺ بالسجع في مواضع من كلامه كقوله للأنصار، إما أنكم تقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع.

стр. 1030

وروي عنه أنه قال خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة. وقال أبا عمير ما فعل النغير. وقال في دعائه اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقوله لا يسمع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع. أعوذ بك من هؤلاء الأربع. ومثل ذلك في الكلام كثير. وفي الخبر دليل على أن الدية في شبه الخطأ على العاقلة. قلت والغرة إنما تجب في الجنين إذا سقط ميتاً فإن سقط حياً ثم مات ففيه الدية كاملة. وفيه بيان أن الأجنة وإن كثرت ففي كل واحد منها غرة. واختلفوا في سن الغرة التي يجب قبولها ومبلغ قيمتها، فقال أبو حنيفة وأصحابه عبد أو أمة تعدل خمسمائة درهم، وقال مالك ستمائة درهم، وقصد كل واحد من الفريقين نصف عشر الدية، لأن الدية عند العراقي عشرة آلاف درهم، وعند المدني اثنا عشر ألفاً. وقيل خمسون ديناراً وهي أيضاً نصف العشر من دية الحر لأنهم لم يختلفوا أن الدية من الذهب ألف دينار. وقد استدل بعض الفقهاء من قوله قضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة على أن دية الأجنة سواء ذكراناً كانت أو اناثاً لأنه أرسل الكلام ولم يقيده بصفة. قال ولو كان يختلف الأمر في ذلك بالأنوثة والذكورة لبينه كما بين الدية في الذكر والأنثى من الأحرار البالغين. قلت وهذه القضية صادقة في الحكم، إلاّ أن الاستدلال فيه بهذا اللفظ من

стр. 1031

هذا الحديث لا يصح لأنه حكاية فعل ولا عموم لحكاية الفعل. وإنما يصح هذا الاستدلال من رواية من روى أن النبي ﷺ قضى في الجنين بغرة من غير تفصيل والله أعلم. ومذهب الشافعي في دية الجنين قريب من مذاهب من تقدم ذكرهم، إلاّ أنه قومها من الإبل، فقال خمس من الإبل خمساها وهو بعيران قيمة خَلَفتين وثلاثة أخماسها قيمة ثلاث جذاع وحقاق، وذلك لأن دية شبه العمد عنده مغلظة منها أربعون خلفة وثلاثون حقة وثلاثون جذعة، فإن أعطى الغرة دون القيمة لم يقبل حتى يكون ابن سبع سنين أو ثمان. ويقبل عند أبي حنيفة الطفل وما دون السبع كالرقبة المستحقة في الكفارات. قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا عيسى عن محمد، يَعني ابن عمرو، عَن أبي سلمة، عَن أبي هريرة قال: قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل. قال أبو داود روى هذا الحديث حماد وخالد الواسطي عن محمد، يَعني ابن عمرو ولم يذكرا فيه بفرس أو بغل. قال الشيخ: يقال إن عيسى بن يونس قد وهم فيه وهو يغلط أحياناً فيما يرويه إلاّ أنه قد روى عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير أنهم قالوا الغرة عبد أو أمة أو فرس. ويشبه أن يكون الأصل عندهم فيما ذهبوا إليه حديث أبي هريرة هذا والله أعلم. وأما البغل فأمره أعجب ويحتمل أن تكون هذه الزيادة إنما جاءت من قبل بعض الرواة على سبيل القيمة إذا عدمت الغرة من الرقاب والله أعلم.

стр. 1032

ومن باب دية المكاتب قال أبو داود: حدثنا مسدد عن يحيى بن سعيد واسماعيل عن هشام قال وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال قضى رسول الله ﷺ في دية المكاتب يقتل يُوَدي ما أدَّى من مكاتبته دية الحر وما بقي ديه المملوك. قال الشيخ: أجمع عامة الفقهاء على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في جنايته والجناية عليه. ولم يذهب إلى هذا الحديث من العلماء فيما بلغنا إلاّ إبراهيم النخعي. وقد روي في ذلك أيضاً شيء عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وإذا صح الحديث وجب القول به إذا لم يكن منسوخاً أو معارضاً بما هو أولى منه والله أعلم. ومن باب دية الذمي قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: دية المعاهد نصف دية الحر. قال الشيخ: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، وهو قول مالك وابن شبرمة وأحمد بن حنبل غير أن أحمد قال إذا كان القتل خطأ. فإن كان عمداً لم يقد به ويضاعف عليه باثني عشر ألفاً. وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري ديته دية المسلم؛ وهو قول الشعبي والنخعي ومجاهد، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود ﵄.

стр. 1033

وقال الشافعي وإسحاق بن راهويه ديته الثلث من دية المسلم وهو قول ابن المسيب والحسن وعكرمة. وروي ذلك أيضاً عن عمر ﵁ خلاف الرواية الأولى وكذلك عن عثمان بن عفان ﵁. قلت وقول رسول الله ﷺ أولى ولا بأس بإسناده، وقد قال به أحمد ويعضده حديث آخر وقد رويناه فيما تقدم من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف. ومن باب الرجل يقاتل الرجل فيدفع عن نفسه قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه، قال قاتل أجير لي رجلاً فعض يده فانتزعها فندرت ثنيته فأتى النبي ﷺ فأهدرها وقال أتريد أن يضع يده في فيك تقضمها كالفحل. قال الشيخ: فيه بيان أن دفع الرجل عن نفسه مباح وأن ذلك إذا أتى على نفس العادي عليه كان دمه هدراً إذا لم يكن له سبيل إلى الخلاص منه إلاّ بقتله. واستدل به الشافعي في صول الفحل قال إذا دفعه فأتى عليه لم تلزمه قيمته. ومن باب فيمن تطبب ولا يعلم منه طب قال أبو داود: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي أن الوليد أخبرهم حدثني ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: من تطبب ولم يعلم منه طِب فهو ضامن.

стр. 1034

قال الشيخ: لا أعلم خلافاً في المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامناً والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدي، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته. ومن باب ما يكون جباراً لا يضمن صاحبه قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن يزيد حدثنا سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عَن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: الرجْل جُبار. قال الشيخ: معنى الجبار الهدر، وقد تكلم الناس في هذا الحديث وقيل إنه غير محفوظ وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ. قالوا وإنما هوالعجماء جرحها جبار ولو صح الحديث لكان القول به واجباً. وقد قال به أبو حنيفة وأصحابه. وذهبوا إلى أن الراكب إذا رمحت دابته إنساناً برجلها فهو هدر فإن نفحته بيدها فهو ضامن. قالوا وذلك أن الراكب يملك تصريفها من قدامها ولا يملك منها فيما وراءها. وقال الشافعي اليد والرجل سواء لا فرق بينهما وهو ضامن والملكة منه قائمة في الوجهين إن كان فارساً. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة سمعا أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ قال: العجماء جرحها جُبار، والمعدِن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس. قوله العجماء جرحها جبار، العجماء البهيمة وسميت عجماء لعجمتها وكل من لم

стр. 1035

يقدر على الكلام فهو أعجم. ومعنى الجبار الهدر، وإنما يكون جرحها هدْر إذا كانت منفلتة غائرة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق. أما البئر فهو أن يحفر بئراً في ملك نفسه فيتردى فيها إنسان فإنه هدر لا ضمان عليه فيه. وقد يتأول أيضاً على البئر أن تكون بالبوادي يحفرها الإنسان فيحييها بالحفر والإنباط فيتردى فيها إنسان فيكون هدراً. والمعدن ما يستخرجه الإنسان من معادن الذهب والفضة ونحوها، فيستأجر قوماً يعملون فيها فربما انهارت على بعضهم يقول فدماؤهم هدر لأنهم أعانوا على أنفسهم فزال العتب عمن استأجرهم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن المتوكل حدثنا عبد الرزاق قال وأنبأنا جعفر بن مسافر حدثنا يزيد بن المبارك حدثنا عبد الملك الصنعاني كلاهما عن معمر عن همام بن منبه، عَن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : النار جبار. قال الشيخ: لم أزل أسمع أصحاب الحديث يقولون غلط فيه عبد الرزاق إنما هو البئر جبار حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق، ومن قال هو تصحيف البئر احتج في ذلك بأن أهل اليمن يسمون النار يكسرون النون منها فسمع بعضهم على الإمالة فكتبه بالياء ثم نقله الرواة مصحفاً. قلت إن صح الحديث على ما روي فإنه متأول على النار يوقدها الرجل في ملكه لأرب له فيها فتطير بها الريح فتشعلها في بناء أو متاع لغيره من حيث

стр. 1036

لا يملك ردها فيكون هدراً غير مضمون عليه والله أعلم. ومن باب جناية العبد قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة، عَن أبي نضرة عن عمران بن حصين أن غلاماً لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله إنا أناس فقراء فلم يجعل عليه شيئاً. قال الشيخ: معنى هذا أن الغلام الجاني كان حراً وكانت جنايته خطأ وكانت عاقلته فقراء وإنما تواسي العاقلة عن وُجْد وسعة ولا شيء على الفقير منهم. ويشبه أن يكون الغلام المجني عليه أيضاً حراً لأنه لو كان عبداً لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى لأن العاقلة لا تحمل عبداً كما لا تحمل عمداً ولا اعترافاً وذلك في قول أكثر أهل العلم. فأما الغلام المملوك إذا جنى على عبد أو حرٍّ فجنايته في رقبته في قول عامة الفقهاء. واختلفوا في كيفية أخذ أرش الجناية من رقبته فقال سفيان الثوري ومحمد بن الحسن إذا كانت الجناية خطأ فإن شاء مولاه فداه وإن شاء دفعه. وكذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق، وقد روي ذلك عن علي ﵁، وهو قول الشعبي وعطاء والحسن وعروة بن الزبير ومجاهد والزهري. وإذا كان القتل عمداً فإن أبا حنيفة وسفيان الثوري يقولان إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عقلوا، فإن عفوا فلا سبيل عليه في شيء بعد العفو وليس لهم أن يسترقوه.

стр. 1037

وقال مالك إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا فلهم قيمة العبد ولسيد العبد إن شاء يعطي قيمته وإن شاء سلم العبد وليس عليه غير ذلك. وقال الشافعي إذا قتل عبد عبد رجل فسيد العبد المقتول بالخيار بين أن يقتل أو يكون له قيمة العبد المقتول في رقبة العبد القاتل فإن أداها سيد العبد القاتل متطوعاً فليس لسيد العبد المقتول إلاّ ذلك إذا عفا عن القصاص. وإن رأى سيد العبد القاتل أن يؤديها لم يجبر عليه وبيع العبد القاتل، فإن وفى ثمنه بقيمة العبد المقتول فهو له وإن نقص فليس له غير ذلك وإن زاد كان الفضل لسيده. ومن باب القصاص في السن قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا المعتمر عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال كسرت الرُّبَيّع أخت أنس بن النَّضر ثنية امرأة، فأتوا النبي ﷺ فقضى بكتاب الله القصاص، فقال أنس بن النَّضر والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها اليوم، فقال يا أنس كتاب الله القصاص فرضوا بأرش أخذوه فعجب النبي ﷺ فقال: إن من عباد الله من لوأ قسم على الله لأبره. قال الشيخ: قوله كتاب الله القصاص معناه فرض الله الذي فرضه على لسان نبيه ﷺ وأنزله من وحيه. وقال بعضهم أراد به قول الله ﴿وكتبنا عليهم﴾ إلى قوله ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥] وهذا على قول من يقول إن شرائع الأنبياء لازمة لنا وأن الرسول ﷺ كان يحكم بما في التوراة. وقيل هذا إشارة إلى قوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] إلى قوله ﴿والجروح قصاص﴾ [المائدة: ٤٥] والله أعلم.

стр. 1038

كتاب الأيمان والنذور قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي عن أبيه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله ﷺ فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي ألك بينة قال لا، قال فلك يمينه، فقال يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حلف عليه ليس يتورع من شيء، فقال ليس لك منه إلاّ ذلك فانطلق ليحلف له فلما أدبر قال رسول الله ﷺ أما لئن حلف على مال ليأكله ظالماً ليلقين الله وهو عنه معرض. قال الشيخ: في هذا الحديث دليل على أن ما يجري بين المتخاصمين من كلام تشاجر وتنازع وإن خرج بهما الأمر في ذلك إلى نسب كل واحد منهما صاحبه فيما يدعيه قبله إلى خيانة وفجور واستحلال في نحو ذلك من الأمور، فإنه لا حكومة بينهما في ذلك. وفيه دليل على أن الصالح المظنون به الصدق والطالح الموهوم منه الكذب في الحكم سواء، وإنه لا يحكم لهما ولا عليهما إلاّ بالبينة العادلة. وفي قوله فانطلق ليحلف له، وقوله فلما أدبر دليل على أن اليمين إنما كانت في عهد رسول الله ﷺ عند المنبر، ولولا ذلك لم يكن لانطلاقه في مجلس رسول الله ﷺ وإدباره عنه معنى ويشهد لذلك قول رسول الله ﷺ من حلف عند منبري ولو على سواك أخضر تبوأ مقعده من النار.

стр. 1039

وفي قول الكندي هي أرضي في يدي أزرعها، دليل على اليد تثبت على الأرض بالزراعة وعلى الدار بالسكنى وبعقد الإجارة عليهما وبما أشبههما من وجوه التصرف والتدبير. قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين مصبورة كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار. قال الشيخ: اليمين المصبورة هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم فيصبر من أجلها أي يحبس وهي يمين الصبر، وأصل الصبر الحبس، ومن هذا قولهم قتل فلان صبرا ً، أي حبساً على القتل وقهراً عليه. وقال هدبة بن خشرم وكان قتل رجلاً فطلب أولياء القتيل القصاص وقدموه إلى معاوية ﵁ فسأله عما ادعى عليه فأنشأ يقول: رُمينا فرامينا فصادف رمينا ... منية نفس في كتاب وفي قدر وأنت أمير المؤمنين فما لنا ... وراءك من مفدى ولا عنك من قصر فإن يك في أموالنا لم نضق بها......ذرعاً وإن صبراً فنصبر للدهر يريد بالصبر القصاص، وقيل لليمين مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها فأضيف الصبر إلى اليمين مجازاً واتساعاً. ومن باب الحلف بالأنداد قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف

стр. 1040

على يمين فقال في حلفه واللات فليقل لا إله إلاّ الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق، يَعني بشيء. قال الشيخ: فيه دليل على أن الحلف باللات لا يلزمه كفارة اليمين وإنما يلزمه الإنابة والاستغفار، وفي معناها إذا قال أنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام إن فعلت كذا وكذا وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد. وقال النخعي وأبو حنيفة وأصحابه إذا قال هو يهودي إن فعل كذا فحنث كان عليه الكفارة، وكذلك قال الأوزاعي وسفيان الثوري وقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه نحو من ذلك. وقوله من قال لصاحبه تعال أقامرك قليتصدق، معناه فليتصدق بقدر ما جعله خطراً في القمار. ومن باب الحلف بالآباء قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر ﵁، قال سمعني رسول الله ﷺ وأنا أقول وأبي فقال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم؛ قال عمر فوالله ما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً. قال الشيخ: قوله آثراً يريد مخبرا به من قولك آثرت الحديث آثره إذا رويته يقول ما حلفت ذاكراً عن نفسي ولا مخبراً به عن غيري. قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عَن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله في حديث قصة الأعرابي فقال النبي ﷺ : أفلح وأبيه إن صدق.

стр. 1041

قال الشيخ: قد ذكرنا هذا الحديث في كتاب الصلاة وأشبعنا بيانه هناك وليس بين هذا وبين حديث عمر خلاف على الوجه الذى تأولناه عليه فأغنى ذلك عن إعادته ههنا والله أعلم. ومن باب كراهية الحلف بالأمانة قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف بالأمانة فليس منا. قال الشيخ: هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته. وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا قال وأمانة الله كان يميناً ولزمته الكفارة فيها، وقال الشافعي لا يكون ذلك يميناً ولا يكون فيها كفارة. ومن باب يحلف بالبراءة أو بملة غير الإسلام قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً. قال الشيخ فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام فإنه يأثم ولا يلزمه الكفارة وذلك لأنه إنما جعل عقوبتها في دينه ولم يجعل في ماله شيئاً.

стр. 1042

ومن باب الاستثناء في اليمين قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث. قال الشيخ: معنى قوله فاستثنى هو أن يستثنى بلسانه نطقاً دون الاستثناء بقلبه لأن في هذا الحديث من غير رواية أبي داود من حلف فقال إن شاء الله معلقة بالقول. وقد دخل بهذا كل يمين كانت بطلاق أو عتاق أو غيرهما لأنه ﷺ عم ولم يخص. ولم يختلف الناس في أنه إذا حلف بالله ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا، واستثنى ان الحنث عنه ساقط، فأما إذا حلف بطلاق أو عتاق واستثنى، فإن مالك بن أنس والأوزاعي ذهبا إلى أن الإستثناء لا يغني عنه شيئاً، والعتق والطلاق واقعان، وعلة أصحاب مالك في هذا أن كل يمين تدخلها الكفارة فإن الإستثناء يعمل فيها وما لا مدخل للكفارة فيه فالإستئناء فيه باطل. وقال مالك إذا حلف بالمشي إلى بيت الله واستثنى فإن الاستثناء ساقط والحنث له لازم. ومن باب بكون القسم يميناً قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عبيد الله عن ابن عباس، قال كان أبو هريرة يحدث، أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال إني أرى الليلة فذكر رؤيا فعبرها أبو بكر فقال النبي وص أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، فقال أقسمت عليك يا رسول الله

стр. 1043

لتحدثني ما الذي أخطأت، فقال له النبي ﷺ لا تقسم. قال الشيخ: فيه مستدل لمن ذهب إلى أن القسم لا يكون يميناً بمجرده حتى يقول أقسمت بالله، وذلك لأن النبي ﷺ قد أمر بإبرار القسم فلو كان قوله أقسمت يميناً لأشبه أن يبره، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. وقد استدل من يرى القسم يميناً على وجه آخر فيقول لولا أنه يمين ما كان النبي ﷺ يقول لا تقسم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه. ومن باب اليمين في الغضب وقطيعة الرحم قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر ﵁ إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك. سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا يملك. قال الشيخ: قوله رتاج الكعبة، أصل الرتاج الباب وليس يراد به الباب نفسه، وإنما المعنى أن يكون ماله هدياً إلى الكعبة أو في كسوة الكعبة والنفقة عليها أو نحو ذلك من أمرها. وفيه من الفقه أن النذر إذا خرج مخرج اليمين كان بمنزلة اليمين في أن الكفارة تجزي عنه وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. وعن عائشة ﵂ والحسن وطاوس أنهم قالوا فيما هذا معناه كفارة يمين. وقال الشعبي والحكم وحماد فيمن حلف بصدقة ماله لا شيء عليه.

стр. 1044

وقال مالك إذا حلف بصدقة ماله يخرج ثلث ماله. وقال أبو حنيفة وأصحابه ينصرف ذلك إلى ما فيه الزكاة من المال دون ما لا زكاة فيه من العقار والخرثى والدواب. وفيه بيان أن النذر إذا كان في معصية لم يلزم. قال أبو داود: حدثنا المنذر بن الوليد الجارودي حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم. ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارتها. قال الشيخ قد نطقت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ بأن الكفارة لازمة لمن حنث في يمينه وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة، وحديث أبي موسى الأشعري وحديث أبي هريرة، وقال أبو داود وكذلك جاءت الأحاديث بذكر الكفارة إلاّ ما لا يعبأ به. وقد روي عن بعضهم أنه رأى هذا من لغو اليمين، وقال لا كفارة فيه إذا كان معصية. وحكي معنى ذلك عن مسروق بن الأجدع وسعيد بن جبير. ومن باب الكفارة قبل الحنث قال أبو داود: حدثنا يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال له يا عبد الرحمن إذا حلفت

стр. 1045

على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير. قال الشيخ: فيه دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃. وهو مذهب الحسن البصري وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق؛ إلاّ أن الشافعي قال وإن كفر بالصوم قبل الحنث لم يجزه وإن كفر بالطعام أجزأه. واحتج أصحابه في ذلك بأن الصيام مرتب على الاطعام فلا يجوز إلاّ مع عدم الأصل كالتيمم لما كان مرتباً على الماء لم يجز إلاّ مع عدم الماء. وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تجزيه الكفارة قبل الحنث على وجه من الوجوه لأنها لا تجب عليه بنفس اليمين وإنما يكون وجوبها بالحنث وأجازوا تقديم الزكاة قبل الحول، ولم يجوز مالك تقديمها قبل الحول كما جوز تقديم الكفارة قبل الحنث وأجازهما الشافعي معاً على الوجه الذي ذكرته لك. ومن باب الرقبة المؤمنة قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحجاج الصواف حدثنا يحيى بن أبي بكير عن هلال بن أبي ميمونه عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله جارية لي صككتها صكة فعظم ذلك على رسول الله ﷺ قلت أفلا أعتقها؛ قال ائتني بها، قال فجئت بها، فقال أين الله، قالت في السماء، قال من أنا، قالت أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة. قال الشيخ: قوله أعتقها فإنها مؤمنة، خرج مخرج التعليل في كون الرقبة مجزية في الكفارات بشرط الإيمان لأن معقولاً أن النبي ﷺ إنما أمره بعتقها

стр. 1046

على سبيل الكفارة عن ضربها، ثم اشترط أن تكون مؤمنة فكذلك في كل كفارة. وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد لا يجزيه إلاّ رقبة مؤمنة في شيء من الكفارات. وقال أبو حنيفة وأصحابه يجزيه غير المؤمنة إلاّ في كفارة القتل، وحكي ذلك عن عطاء أيضاً. ومن باب يستثني في اليمين من بعد ما سكت قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك عن سماك عن عكرمة أن رسول الله ﷺ قال والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً، ثم قال إن شاء الله. قال أبو داود قد أسند هذا الحديث غير واحد عن شريك بإسناد أسنده إلى النبي ﷺ . قال الشيخ: في هذا دليل على أن الاستثناء المعقب به الفصول المتصلة من الكلام راجعة إلى جميع ما تقدم منها. وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا حلف بالله وبالحج والعمرة ثم استثنى كان الاستثناء عاماً فيها كلها، فأما إذا قال عبدي حر إن كلمت فلاناً عبدي الآخر حر ان كلمت فلاناً إن شاء الله ثم كلمه فإن عبده في اليمين الأولى حر في القضاء ولا يدين في ذلك إلاّ فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك لو قال لامرأته إن كلمت فلاناً فأنت طالق إن كلمت فلاناً فأنت طالق إن شاء الله، ثم كلمت فلاناً كانت التطليقة الأولى واقعة عليها في القضاء إذا كلمت فلان. فأما فيما بينه وبين الله فلا يقع عليها.

стр. 1047

قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن بشر عن مسعر عن سماك عن عكرمة يرفعه قال والله لأغزون قريشاً ثم قال إن شاء الله، ثم قال والله لأغزون قريشاً إن شاء الله ثم قال والله لأغزون قريشاً ثم سكت ثم قال إن شاء الله. قال الشيخ لم يختلف العلماء في أن استثناءه إذا كان متصلاً بيمينه فإنه لا يلزمه كفارة. وقال بعضهم له أن يستثني ما دام في مجلسه روي ذلك عن طاوس والحسن البصري. وقال قتادة إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه. وقال أحمد بن حنبل يكون الاستثناء مادام في ذلك الأمر، وعن ابن عباس أنه قال. له استثناؤه بعد حين. وعن مجاهد له أن يستثني بعد سنين وعن سعيد بن جبير بعد أربعة أشهر. قلت وعامة أهل العلم على خلاف قول ابن عباس وأصحابه ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لكان للحالف المخرج من يمينه حتى لا يلزمه كفارة بحال، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفرعن يمينه. كتاب النذر ومن باب النهي عن النذر قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن منصور بن المعتمر عن عبد الله بن مرة قال عثمان الهمداني عن عبد الله بن عمر قال أخذ رسول الله ﷺ ينهى عن النذر ثم اتفقا

стр. 1048

ويقول أنه لا يرد شيئاً وإنما يستخرج به من البخيل. قال الشيخ: معنى نهيه عن النذر إنما هو تأكيد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد شيئاً قضاه الله. يقول فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم، فإذا فعلتم فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم، هذا معنى الحديث ووجهه. وقد أجمع المسلمون على وجوب النذر إذا لم يكن معصية ويؤكده قوله أنه يستخرج به من البخيل فيثبت بذلك وجوب استخراجه من ماله ولو كان غير لازم لم يجز أن يكره عليه والله أعلم. وفي قوله إنه لا يرد شيئاً دليل على أن النذر إنما يصح إذا كان معلقاً بشيء كما تقول إن شفا الله مريضي فلله عليّ أن أتصدق بالف درهم أو أن يقدم غائبي أو يسلم مالي أو نحو ذلك من الأمور. فأما إذا قال لله علي أن أتصدق بالف درهم فليس هذا بنذر، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه وهو غالب مذهبه. وحكى أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى قال النذر وعد بشرط. وقال أبو حنيفة النذر لازم وإن لم يعلق بشرط.

стр. 1049

ومن باب النذر في معصية قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن طلحة بن عبد الملك الايلي عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. قال الشيخ: في هذا بيان أن النذر في المعصية غير لازم وإن صاحبه منهي عن الوفاء به، وإذا كان كذلك لم تجب فيه كفارة ولو كان فيه كفارة لأشبه أن يجري ذكرها في الحديث وأن يوجد بيانها مقروناً به، وهذا على مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري إذا نذر في معصية فكفارته كفارة يمين، واحتجوا في ذلك بحديث الزهري وقد رواه أبو داود في هذا الباب. قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين. قال الشيخ: لو صح هذا الحديث لكان القول به واجباً والمصير إليه لازماً إلاّ أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة عن عائشة فحمله عن الزهري وأرسله، عَن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير. وبيان ذلك ما رواه أبو داود حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا أيوب بن سليمان، عَن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال، عَن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عَن أبي سلمة

стр. 1050

عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ مثله. قال أبو داود: قال أحمد وإنما الحديث حديث ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ فوهم فيه سليمان بن أرقم. قلت وقالوا إن محمد بن الزبير هو الحنظلي وأبوه مجهول لا يعرف والحديث من طريق الزهري مقلوب، ومن هذا الطريق فيه رجل مجهول فالاحتجاج به ساقط والله أعلم. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عبيد الله بن زحران أنبأنا سعيد وهو الرعيني أخبره أن عبد الله بن مالك أخبره أن عقبة بن عامر أخبره أنه سأل رسول الله ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة فقال مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام. قال الشيخ: أن أمره إياها بالاختمار فلأن النذر لم ينعقد فيه لأن ذلك معصية والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار، وأما نذرها المشي حافية فالمشي قد يصح فيه النذر على صاحبه أن يمشي ما قدر عليه فإذا عجز ركب وأهدى هدياً. وقد يحتمل أن تكون أخت عقبة كانت عاجزة عن المشي بل قد روي ذلك من رواية ابن عباس ﵁ وقد ذكره أبو داود. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن مطر عن عكرمة عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية وأنها لا تطيق ذلك فقال النبي ﷺ إن الله لغنى عن مشي

стр. 1051

أختك فلتركب ولتهد بدنة. قال الشيخ: فأما قوله فلتصم ثلاثة أيام فإن الصيام بدل من الهدي خيرت فيه كما خير قاتل الصيد أن يفديه بمثله إذا كان له مثل وإن شاء قومه وأخرجه إلى المساكين وإن شاء صام بدل كل مد من الطعام يوماً وذلك قوله ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ [المائدة: ٩٥] والله أعلم. وقد اختلف الناس فيمن نذر المشي إلى بيت الله فقال الشافعي يمشي إن أطاق المشي فإن عجز أراق دماً وركب. وقال أبو حنيفة وأصحابه يركب ويريق دماً سواء أطاق أو لم يطق. ومن باب النذر فيما لا يملك . قال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: حَدَّثنا حماد عن أيوب، عَن أبي قلابة عن ابن المهلب عن عمران بن حصين قال كانت العضباء لرجل من عقيل وكانت من سوابق الحاج قال فأسر فأتى به النبي ﷺ وهو في وثق والنبي ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال يا محمد علام تأخذني وتأخذ سابقة الحاج قال نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف وكان ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي ﷺ قال وقد قال فيما قال وأنا مسلم أو قال قد أسلمت فلما مضى النبي ﷺ قال ابن عيسى ثم ناداه يا محمد يا محمد قال وكان النبي ﷺ رحيماً رفيقاً، فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال إني مسلم قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم رجعت إلى حديث سليمان فقال يا محمد إني جائع فأطعمني إني ظمآن فاسقني، قال فقال النبي ﷺ هذه حاجتك أو قال هذه حاجته، قال فودي الرجل بعد بالرجلين قال وحبس رسول الله ﷺ العضباء

стр. 1052

لرحله، قال فأغار المشركون على سرح المدينة فذهبوا به وذهبوا بالعضباء، قال فلما ذهبوا به وأسروا امرأة أبي ذر، قال وكانوا إذا كانوا من الليل يريحون إبلهم فبم في أفنيتهم، قال فنوموا ليلة فقامت المرأة فجعلت لا تضع يدها على بعير إلاّ رغا حتى أتت العضباء، قال فأتت على ناقة دلول مجرَّشة. قال ابن عيسى فلم ترغ فركبتها ثم جعلت لله عليها إن نجاها لتنحرنها، قال فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فأخبر النبي ﷺ بذلك فأرسل إليها فجيء بها وأخبر بنذرها، فقال بئس ما جزرتها أو جزيتها إن الله أنجاها عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم. قال الشيخ: قوله أخذت بجريرة حلفائك ثقيف اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم هذا يدل على أنهم كانوا عاقدوا بني عقيل أن لا يعرضوا للمسلمين ولا أحد من حلفائهم فنقض حلفاؤهم العهد ولم ينكره بنو عقيل فأخذوا بجريرتهم. وقال آخرون هذا رجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله؛ فإذا جاز أن يؤخذ بجريحة نفسه وهي كافرة جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره. ويحكى معنى هذا عن الشافعي، وفيه وجه ثالث وهو أن يكون في الكلام إضمار يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك ثقيف فيفدى بك الأسراء الذين أسرهم ثقيف، ألا تراه يقول ففودي الرجل بعد بالرجلين. وقوله إني مسلم ثم لم يخله النبي ﷺ مع ذلك لكنه رده إلى دار الكفر فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله سبحانه على كذبه وأعلمه أنه تكلم به على التقية

стр. 1053

دون الإخلاص، ألا تراه يقول له هذه حاجتك حين قال إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، وليس هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ فإذا قال الكافر إني مسلم قبل منه إسلامه ووكلت سريرته إلى ربه وقد انقطع الوحي وانسد علم باب الغيب. وقوله لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح يريد أنك لو تكلمت بكلمة الإسلام طائعاً راغباً فيه قبل الأسار أفلحت في الدنيا بالخلاص من الرق وأفلحت في الآخرة بالنجاة من النار. وفيه دليل على أن المسلم إذا حاز الكافر ماله ثم ظفر به المسلمون فإنه يرد إلى صاحبه المسلم ولا يغنمه آخذه ولذلك قال النبي ﷺ لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم. قوله مجرَّشة معناها الوطية المذللة، يقال فلان جرشته الأمور أي راضته وذللته. وفي الحديث دليل على أن النهي عن أن تسافر المرأة إلاّ مع ذي محرم إنما جاء في الأسفار المباحة دون السفر الواجب اللازم لها بحق الدين. ومن باب النذر في معصية قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقال هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليتكلم وليقعد وليستظل وليتم صومه. قال الشيخ: قد تضمن نذره نوعين من طاعة ومعصية فأمره النبي ﷺ بالوفاء بما كان منهما طاعة وهو الصوم وأن يترك ما ليس بطاعة من القيام

стр. 1054

في الشمس وترك الكلام وترك الاستظلال بالظل وذلك لأن هذه الأمور مشاق تتعب البدن وتؤذيه وليس في شيء منها قربة إلى الله سبحانه، وقد وضعت عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم. فأما المشي إلى بيت الله فالنذر فيه لازم لأن ذلك من المقدور عليه ولم يزل الناس يحجون مشاة كما يحجون ركباناً، وقال سبحانه ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧] . فأما إذا تجاوز المشي والرحلة إلى أن يبلغ به الحفا والوجا وما أشبه ذلك فإنه خروج إلى المشقة التي تتعب الأبدان وربما أتلفتها فتخرج حينئذ عن أن تكون قربة وتنقلب النذور فيه معصية فلا يلزم الوفاء ولا يجب الكفارة فيه والله أعلم. ومن باب ما يؤمر بوفائه من النذور قال أبو داود: حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقفي من أهل الطائف، قال حدثتني سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كرده، قالت خرجت مع أبي في حجة رسول الله ﷺ فرأيت رسول الله ﷺ وسمعت الناس يقولون رسول الله فجعلت أبده بصري فدنا إليه أبي وهو على ناقة له معه درة كدرة للكتاب فسمعت الأعراب والناس يقولون الطبطبية الطبطبية، فقال أبي يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم قال رسول الله ﷺ هل بها من هذه الأوثان، قال لا، قال فأوف بما نذرت به لله. قال الشيخ: قولها ابده بصري معناه اتبعه بصري وألزمه إياه لا أقطعه عنه

стр. 1055

يقال ابد فلان فلاناً بصره وأباده بصره بمعنى واحد. والطبطبية حكاية وقع الأقدام. وفيه دليل على أن من نذر طعاماً أو ذبحاً بمكة أو في غيره من البلدان لم يجز أن يجعله لفقراء غير أهل هذا المكان وهذا على مذهب الشافعي وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان. قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة عن عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني قد نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال أوفي بنذرك. قال الشيخ: ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذور وأحسن حال أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات ولهذا أبيح ضرب الدف واستحب في النكاح لما فيه من الإشاعة بذكره والخروج به عن معنى السفاح الذي هو استسرار به واستتار عن الناس فيه والله أعلم. ومما يشبه هذا المعنى قول النبي ﷺ لحسان حين استنشده وقال له كأنما ينضح به وجوه القوم النبل وكذلك استنشاده عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهما. ومن باب النذر عن الميت قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس ﵁ أن سعد بن عبادة
следующие страницы →