سطوة هذه المفاهيم على بعض العقول هي التي دعت أهل البصيرة من باحثي الفكر الإسلامي المعاصر إلى ضرورة الحذر في تقبل هذه المفاهيم، يقول محمد أسد ناصحًا: (إننا عندما نتحدث عن إرادة الشعب في حدود مفهوم الفكر السياسي في الإسلام، لا بد لنا من أن نفكر بحذر شديد كيلا نقع في الخطأ فنكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، أي أننا يجب أن نحرص على ألا نحل محل الاستبداد الغريب عن الإسلام الذي حكمنا خلال القرون الماضية نظامًا لا صلة له هو الآخر بالإسلام، لأنه يدعو لسيادة مطلقة للشعب) (١).
فخلل هذه المفاهيم لا يزول بمجرد تغيير المصطلحات:
فـ (لا يكفي إذن لإصلاح الديمقراطية أن نغير اسمها ونصفها بأنها شورى، بل لا بد من أن تقوم على الأسس الشرعية للشورى الإسلامية، وأول هذه الأسس التزامها بمبادئ الشريعة الإسلامية وعدم فصلها عنها) (٢).
فالمطلوب من الباحث أن يفهم الإسلام كما هو لا أن يسعى لتجميله وتحسين صورته:
(وما درى هؤلاء أنهم يشوهون الإسلام لأنه لا بد لهم في محاولتهم هذه أن يميلوا إلى التصنع والتأويل حتى تتم لهم تلك المحاولات.
ومن هنا يأتي التحريف والتزييف والوقوع في الزلل والأخطاء في الإسلام ونظمه، وتغليف جوهره الصافي بسحابات الضباب والأفكار الغربية.
стр. 247
ولما كانت النظريات ليست في غالبها إلا مجرد انعكاسات للفلسفة التي يقوم عليها النظام السياسي الذي ظهرت في ظله أو انعكاسًا لواقع هذه النظم ذاتها، فإن محاولة الباحثين في الإسلام لتفسير النظم السياسية الإسلامية على هدى تلك النظريات لن يجرنا إلى أخطاء في التطبيق، وإنما إلى أخطاء فادحة في منهج البحث والدراسة.
فإن لكل نظام فلسفته وتاريخه ونظمه، والإسلام يستقل استقلالًا تامًا عن كل النظم كان تشابه من وجه أو آخر مع بعضها أو في أجزاء منها، لكنه يظل متفردًا من حيث ذاتيته وأساسه الاعتقادي على وجه الخصوص، ولا يصح أن نفسر أي نظام من نظمه إلا على ضوء أسسه الفكرية الخاصة) (١).
والتلفيق حالة من الوهن تحتاج لمثل هذه العزة والثقة:
(دفعهم حماسهم للإسلام إلى أن يثبتوا فيه بغير دراسة متعمقة كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضر، متوهمين أن في ذلك خدمة جليلة للإسلام، فكأنه في أعينهم طفل يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين ولا ينالون من الشرف شيئًا إلا إذا أخرجوا للناس مبادئ وأصولًا من دينهم مثل مبادئ النظم السائدة في عصرهم.
فإذا راجت الديمقراطية كان الإسلام ديمقراطيًا، وإذا راجت الاشتراكية كان الاسلام اشتراكيًا، وإذا راجت نظرية سيادة الأمة كانت هذه النظرية من نظريات الإسلام) (٢).
стр. 248
حينها لن يقع في مرض الخوف من: (أن يعاب على التفكير الفقهي الإسلامي أنه لا يوجد به مكان لكل نظرية سياسية أو دستورية قديمة أو حديثة) (١).
هى جاذبية إعلامية. . ولكن؟
حين تتحدث في الإعلام بلغة: إن الشعوب قد تحررت ونالت سيادتها كاملة، فلا يمكن فرض أي شيء عليها، فمن حقها اختيار أي منظومة تريدها، وإن اختارت الإسلام فهذا من حقها، كان رفضته فهذا من حقها، والإسلام يكفل الحريات كاملة. . . إلخ.
هو حديث له جاذبية، ويثير مكامن الرضا والاستحسان في وجوه فئات مختلفة لا تزال تحمل عداءً للمشروع الإسلامي، وسيريح المتحدث مزاجه من مسائل وإشكالات كثيرة تحاصر الإسلاميين، كما أنه هو الممكن في عدد من البلاد الإسلامية.
لكنه في الحقيقة قلمٌ يجري على أحكام الشريعة بالتعديل والتغيير، ويجترئ على اللَّه، فيجعل مراد اللَّه تابعًا لما هو ممكن في الواقع، ويوجه الأحكام بحسب المتاح، ويكون السياق الإعلامي المناسب هو المعيار الذي يحدد تفاصيل الأحكام الشرعية!
стр. 249
عَلمانيةُ ما قبل الأسلمة !
يُعدُّ كتاب (الإسلام وأصول الحكم) أولَ دراسة شرعية تؤسِّس للفكرة العَلمانية داخل الوسط الإسلامي، وقد نشره الشيخ القاضي علي عبد الرازق عام ١٩٢٥ م بعد عامٍ من القضاء رسميًا على مسمى الخلافة العثمانية، أحدث به معركة ثقافية وسياسية ضخمة.
تقوم فكرة الكتاب المركزية على تفسير (الدين الإسلامي) بما يتفق مع التصور الغربي للدين، فرسالة النبي ﷺ ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متظافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان) (١).
فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي ﷺ : (رسولًا لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة) (٢)، وإنما أحدث ذلك
стр. 250
المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية ليست من أحكام الإسلام (١).
شذوذ هذا الرأي ونكارته أحدث ردة فعل صارمة شديدة ضده، فأصدرت هيئة كبار العلماء في مصر بتوقيع (٢٤) عالمًا، بيانًا ذكروا فيه أخطاء الكتاب البارزة، وحصروها في ٧ مخالفات ظاهرة (٢)، ثم توالت الردود العلمية، فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: (نقض الإسلام وأصول الحكم)، وكتب الطاهر بن عاشور: (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، وألَّف محمد بخيت المطيعي رسالته: (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، وأرَّخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالته: (الإسلام والخلافة)؛ فكانت -مع جهود علمية أخرى- سببًا في سقوط الكتاب سقوطًا مريعًا في جانبه العلمي، وكشفت عن أخطائه وسوء تصوّراته، حتى أصبحت قيمة الكتاب في حدثه التاريخي وليس في القيمة العلمية الضعيفة والمتناقضة في تقريراته.
لم يتوقف الأمر عند هذا، بل أصبح مبحث الإسلام (دين ودولة) من المباحث المركزية في الفكر الإسلامي المعاصر، فتوالت الدراسات والبحوث المؤصلة لهذا المفهوم، والمجيبة عن جميع الإشكالات والشبهات التي يثيرها أصحاب الاتجاه العَلماني، وحدَّدت الدوافع لتبني مثل هذا التفسير العَلماني للإسلام، وشارك فيها أهل العلم من جميع التخصصات المختلفة.
стр. 251
عامة الدراسات المعاصرة التي تبحث الجانب السياسي في الإسلام في أي مجالٍ من مجالاته، كالدراسات عن النظام السياسي أو القانون الدستوري أو نظام الدولة أو الخلافة أو البيعة؛ لا بد أن تعرّج على رأي عبد الرازق بالنقض تفصيلًا، وتزيده نقضًا بحديثها المسهب عن جميع القضايا السياسية من منظور شرعي.
كان لهذه الجهود العلمية الحثيثة أثر ظاهر في كسر العمود الفقري للعَلمانية، وفي قطع الطريق عن أي أمل لمحاولة إنعاش هذه الفكرة، حتى أصبح كثير من العَلمانيين يتحاشى الانتساب لها، وصار اسم علي عبد الرازق مشوّهًا ومثيرًا للنقد والامتعاض لما أحدثه من هذه السنة السيئة، بل إن بعض المفكرين الذين تأثروا بمدِّ العَلمانية سرعان ما عادوا وأعلنوا توبتهم كما فعل الشيخ خالد محمد خالد حين أسَّس للعَلمانية في رسالته الأولى (من هنا نبدأ) التي نشرها عام ١٩٥٠ م، ثم عاد فنقضها في رسالته الأخيرة (الدولة في الإسلام) والتي قرر فيها أنه كان في تصوره لمفهوم الدين متأثرًا بطبيعة الأنظمة المستبدة في أوروبا، وخاضعًا لتأثير ما كان يُنسب إلى بعض الإسلاميين من أخطاء، فأدى به ذلك لاعتناق العَلمانية.
يعترف بعدها أنه أخطأ حين جعل أخطاء بعض الإسلاميين مصدرًا للتفكير وليس موضوعًا للتفكير، فدفعه هذا الشحن النفسي إلى الابتعاد عن الحقيقة وتبني مقدمات غير مستقلة فكريًا (١).
كان لهذه الحملات العلمية والشعبية أثر عميق يعبِّر عنه أحد المؤلفين العَلمانيين بقوله: (كانت لهذه الحملة على العَلمانية عمومًا، وعلى طه حسين وعلي عبد الرازق بوجه الخصوص، نتائج كثيرة، كانت اثنتان منها على قدر كبير من الأهمية، وهما: ضمور الإصلاحية الإسلامية وجمودها على بعض لحظات بدايتها والتآكل
стр. 252
الداخلي في مواقف بعض العَلمانيين الليبراليين المصريين) (١).
حتى أصبح اسم (علي عبد الرازق) مشوّهًا إلى حدٍ امتعض منه هذا المؤلف قائلًا: (بل اضطر حتى بعض القائلين بمَدَنية السلطة إلى ممارسة طقس رفض كتاب عبد الرازق) (٢).
هذا التشويه للعَلمانية دفع كثيرًا من المتأثرين بالفكر العَلماني للبحث عن جذور إسلامية يمكن استنبات المضامين العَلمانية فيها، بحيث تقدَّم الفكرة العَلمانية كفكرة إسلامية تراثية لتخطي مصادمة الجمهور، وهي دعوة رائجة لدى عدد من المفكرين المعاصرين المستشعرين لحالة النفور الشعبي من العَلمانية، وهو ما تذمر منه بعض العَلمانيين واعتبروه انهزامًا أمام الفكر الإسلامي وتخليًا عن أساس الفكرة العَلمانية وعلامة تراجع وانتكاس لها: (الأخطر من كل هذا والأكثر تدليلًا على تراجع الفكر العَلماني عندنا: ما نشهده من محاولات حثيثة من قبل المفكرين العَلمانيين لدعم موقفهم عن طريق اللجوء إلى القرآن والسنة، غير مدركين أنهم يقدِّمون بهذا أكبر التنازلات للحركات المناوئة للعَلمانية) (٣).
يدفعنا هذا للتساؤل عن حظوظ العَلمانيين في إمكانية إعادة بناء الرؤية العَلمانية التي قدمها علي عبد الرازق:
فهل يمكن لهذه الفكرة أن يعود وهجها وحضورها الشعبي؟
وهل يمكن حدوث معارك ثقافية معاصرة تجدد الدماء في هذه القضية؟
стр. 253
ربما يكون لدينا عشرات الإجابات لهذا السؤال نظرًا لاختلاف الزاوية التي ينظر منها كل شخص، وأرى أن فكرة عبد الرازق تحتوي على جانبين:
الجانب الأول: تفسير الإسلام تفسيرًا عَلمانيًا بحيث يكون مجرد رسالة روحية ليس لها أي علاقة بالجانب الدنيوي، إنما تكون علاقة المسلم بالدين محصورةً في الشأن الخاص، وأما الشؤون الدنيوية كافة فهي خارجة عن المجال الديني.
هذه الرؤية ليس لها أي حضور يُذكر في الوسط المسلم، وحين تكدُّ بصرك في البحث عن آثار أهلها لن تجدهم إلا في أوساط الحداثيين وبعض المفكرين في مؤلفاتهم وصالوناتهم ذات التأثير المحدود، ربما تنتشر بعض آرائهم عند الناس شتمًا وعيبًا ليس إلا.
الجانب الثاني: علمنة النظام السياسي في الإسلام بإبعاد الأحكام الدينية عن السياسة، فيكون الجانب السياسي جانبًا دنيويًا مصلحيًا لا يستند فيه إلى أحكام شرعية ملزمة.
هذا الجانب لا يلغي أن الدين في الإسلام يشمل جوانب حياتية كثيرة، لكن يرفض أن يكون للدين حضور في النظام السياسي الملزم.
هل يمكن إعادة ترميم هذه الرؤية من جديد؟
ثم سؤال آخر لا بد من الإجابة عنه لأنه مدخل مهم للإجابة عن هذا السؤال، وهو:
لماذا يرفض العَلمانيون حضور الدين في الجانب السياسي؟
فالدافع لعَلمانية الحكم هو ما يثيره حضور الدين في النظام من إشكالات، فليس لديهم إشكال مع الدين في الجانب الخاص، ولا إشكال مع الدين في قضايا
стр. 254
الدنيا الأخرى، إنما وجود الدين في النظام له عدد من السلبيات هي التي دفعتهم لتبني هذه العلمنة.
فتأثير الدين على النظام السياسي والقوانين غير مقبول في العقلية العَلمانية لمرتكزين أساسين:
الأول: عدم إيمانهم أساسًا بوجود رؤية دينية قطعية صحيحة، وإنما هي كلها اجتهادات نسبية، ووجهات نظر خاصة، وفرض الدين يعني فرض رؤية خاصة، ما يعني استبدادًا باسم الدين، وعدوانًا على الآخرين بسبب فهم ضيق للدين، ولذا فهم يعتمدون على مرجعية أخرى مختلفة.
ثانيًا: أن الدولة المعاصرة دولة مدنية تعتمد على أسس من العقل والتجربة والخبرة مستقلة تمامًا عن الدين، فخضوعها للدين سيكون انتهاكًا للحريات وحقوق الأقليات والمرأة والمساواة وغيرها من منجزات الدولة المعاصرة، ويستحضرون في هذا عددًا من التجارب التاريخية والحديثة التي يرونها ملازمة للحكم بالدين.
إذا استحضرنا هذين الدافعين اللذين يدفعان نحو (علمنة النظام السياسي) بإبعاد الدين عنه، يسهل علينا أن نجيب عن سؤال:
هل يمكن لهذه العلمانية أن يكون لها شيوع وانتشار في المرحلة الحالية؟
الواقع يجيب بوضوح: نعم، وما يؤهلها للانتشار أكثر هو أن هذه العَلمانية بدأت تتسلل إلى تفكير بعض الإسلاميين، وصار (المضمون العَلماني) هذا يعبَّأ في أوعية إسلامية، فأصبح النموذج العَلماني نموذجًا متسقًا مع المفهوم الإسلامي ولا يصادم الأحكام الشرعية، بل ويُقدِّم له عددًا من النصوص والدلائل الشرعية التي تدعمه وتؤيده كما تقرِّر ذلك بعض الدراسات والمؤتمرات والمحاضرات المعاصرة.
стр. 255
فالذي حصل أن إشكاليَّتي التفكير العَلماني في نفي (وجود رؤية دينية قطعية) بما يعني فرض رؤية استبدادية، و (طبيعة الدولة الحديثة التي لا تعتمد على الدين) بما يثير عددًا من الإشكالات؛ قد تسرَّبت إلى عقول بعض الإسلاميين، فأصبحت هذه الإشكالات حاضرة في تفكيرهم بدرجات متفاوتة، ولا شك أن حضورها لن يكون كما هو لدى العَلمانيين، فثم اختلاف كبير في التصورات بينهما، لكن الإشكال ذاته موجود بدرجة معينة وقد يزيد ويضعف بحسب عوامل كثيرة، هذا كله يسهم في أن تعود العَلمانية في جانبها السياسي من خلال بعض الإسلاميين أنفسهم.
كيف يمكن ذلك؟
الواقع أن (بعض الإسلاميين) صار يقدم عددًا من الرؤى التجديدية في الفكر الإسلامي يفسر بها النظام السياسي الإسلامي تجعلها متقاربة لحد كبير -إن لم تكن متطابقة- مع الرؤية العَلمانية للنظام السياسي، فالنتيجة بين الطرفين واحدة وإن اختلفا في الطريق الموصل إليها.
فتكثيف العَلمانيين للدوافع التي تخوف الناس من الحكم الإسلامي، مع وجود بعض الرؤى التجديدية المنسوبة إلى الإسلام، يعطي فرصة كبيرة لمفهوم (علمنة النظام السياسي) أن يكون له حضور في المرحلة القادمة.
-بعد قليل- سنستعرض عددًا من هذه الرؤى التجديدية التي يقدمها بعض الإسلاميين ونقارنها بالمفهوم العَلماني، لنبحث عن أوجه الاتفاق والاختلاف، ونتمعّن بعدها في (قصة العَلمانية المؤسلمة) وما الذي تجاوزته من (عَلمانية ما قبل الأسلمة)!
стр. 256
قصة العلمانية المؤسلمة !
سأستعرض هنا عددًا من الرؤى التجديدية في الفكر السياسي كما يعرضها بعض المعاصرين، وسنفحصها جميعًا من خلال مقارنتها بـ (المضمون العلماني) لنكشف وجه الاختلاف الذي تفترق فيه هذه الرؤى عن المضمون العلماني.
عرضنا فيما سبق لـ (أسلمة العلمانية) وذكرنا أن لها جانبين:
الجانب الأول: علمنة الدين الإسلامي كله وجعله مجرد علاقة روحية بين العبد وربه وليس له أي شأن بالأحكام الدنيوية، وهذه علمانية صلعاء هرب منها كثير من العلمانيين المعاصرين، فلا إمكانية لإعادة أسلمتها من جديد.
الجانب الثانى: العلمانية في جانبها السياسي القائمة على فصل الدين عن النظام السياسي وعدم خضوع الأحكام السياسية الملزمة لأي رؤية دينية، وهذه الرؤية قابلة لأن تؤسلم ويتصالح معها بعض الإسلاميين، ويمكن أن تعبأ في أوعية جديدة كالرؤى التجديدية المعاصرة:
стр. 257
الرؤية الأولى:
أن الإسلام لم يأتِ في الجانب السياسي ونظام الحكم إلا بمبادئ كلية عامة وليس فيه أي تشريعات أو أحكام تفصيلية، فالواجب في الحكم الإسلامي هو الشورى والحرية والعدالة والمساواة ونحوها، وليس ثمَّ أحكام للشريعة في السياسة والحكم سوى هذه المبادئ.
حين نفحص هذا الوعاء نجد أن المبادئ العامة أمور كلية فطرية متفق عليها بين جميع الناس، فلا وجود لمنظومة فكرية ذات بال تقول إنها ترفض الحرية أو العدالة أو المساواة، وإنما الخصومة والنزاع دائمًا في التفصيلات والتشريعات الجزئية.
وعندما بحث الأستاذ القانوني د. عبد الحميد متولي الخلاف في مسألة الإسلام دين ودولة وذكر قول علي عبد الرازق في نفي وجود دولة، وقول من يرى وجود دولة بمعنى مبادئ عامة؛ ذكر أنه لا خلاف بينهما على الحقيقة، وأن هذه الرؤية لا تختلف كثيرًا عن رؤية علي عبد الرازق، و (لو أن المسألة وضعت هذا الوضع لما كان ثمة موضع للخلاف؛ لأنه لا يمكن أن يكون ثمة خلاف في أن القرآن جاء بمبادئ الشورى والحرية والمساواة والعدالة وغيرها مما يتعلق بنظام الحكم) (١).
وهذه المبادئ الإسلامية كما يقول أحدهم ساخرًا: (ليست هذه القيم سوى المعاني الديمقراطية ذاتها بعد ترجمتها إلى المصطلحات الإسلامية) (٢).
الرؤية الثانية:
أن مهمة الدولة في الإسلام هي حفظ الحقوق ورعاية الحريات وتوفير مناخ
стр. 258
آمن للحرية الفكرية والتعددية الثقافية من دون أي تدخل لفرض رؤية معينة، ويساق لأجل ذلك عدد من النصوص والأدلة.
معنى هذا أن مهمة الدولة في حفظ الدين هي أن تتيح له حرية الوجود من دون أن يكون هناك أي فرض أو إلزام بشيء منه، ولا تنسَ أن تستحضر أن الحرية هنا ستكون للدين ولما يضاده، فحقيقة هذا الكلام هو إعادة صياغة للفكرة العلمانية بطريقة تكون مقبولة إسلاميًا، فالخلاف (الإسلامي/ العلماني) لم يكن عن السماح للدعوة أو منعها، بل حول الإلزام والفرض للأحكام الشرعية.
الرؤية الثالثة:
أنه لا يمكن تصور فصل الدين عن الدولة؛ لأن الدولة إنما تقوم على الشعب، وهو شعب مسلم، فالإسلام مؤثر في تفكيرهم وسلوكهم بما يظهر أثر ذلك على الدولة.
وهذا تفسير جديد لمفهوم (فصل الدين عن الدولة) الذي كان محور النزاع الإسلامي/ العلماني يراد به زحزحة الخلاف عن مكانه الحقيقي، فلم يكن محل النزاع هو النوازع الذاتية التي تؤثر على تفكير الشخص، إنما كان تحديدًا عن أثر الدين على القوانين والنظم من جهة الفرض والإلزام، وهو ما يرفضه مثل هذا التفكير، لكنه أشغل الذهن بتحويله لمسار آخر.
الرؤية الرابعة:
أن الأحكام الشرعية تحتاج إلى شرعية سياسية حتى تكون ملزمة قانونًا، فإذا اختار الناس الحكم بها فتكون لها شرعية لأنها اختيرت من الناس، وإن لم تحز على اختيار الأكثرية فلا شرعية سياسية لها.
стр. 259
وهذه الرؤية تسعى للمواءمة بين الإلزام بالشريعة وبين الحداثة السياسية المعاصرة، فتجتهد في تكييف الإلزام الشرعي وإخراجه بشكل مدني بشري قائم على اختيار الناس كأي قانون آخر، فالحكم بالإسلام حينئذ لن يكون مبينًا على رؤية دينية ولزوم شرعي، بل لأنه قانون مدني مثل أي قانون آخر جاء بقانون ويمكن أن يذهب بقانون، فله شرعيته واحترامه السياسي ما دام قانونًا، وتذهب هذه الشرعية بذات الطريقة التي جاءت بها، لهذا لا يرفض كثير من العلمانيين تحكيم الشريعة حين يأتي عن طريق اختيار الناس؛ لأن المشروعية العليا حينها للناس وليس للشريعة.
الرؤية الخامسة:
أن كل جريمة معصية، وليس كل معصية جريمة، فلا يلزم من كون الشيء حرامًا أن يكون مجرمًا قانونًا، فالمحرم آثم شرعًا ويعاقب عليه في الآخرة، وكذا تارك الواجب، وأما في الدنيا فلا يلزم أن يكون عليه عقاب أو منع.
وحين يكون الأمر مجرد تجريم أخروي فليس لدى العلمانيين أي إشكال مع هذا التفكير، بل هي ذات رؤية علي عبد الرازق، فهو لم يقل إن من حق الشخص أن يفعل المحرمات ويترك الواجبات ولا عقاب عليه في الآخرة! إنما حديثه عن الجانب الدنيوي، فنفي التجريم عن المحرمات الشرعية -إلا عن المحرمات التي تجرم في القانون المعاصر- هو ذات الرؤية العلمانية لكن عبر مدخل جديد.
الرؤية السادسة:
أن رابطة الدولة في العصر الإسلامي الأول كانت تقوم على الدين نظرًا للظرف التاريخي الذي عاصرته، فكان حضور الدين تبعًا لطبيعة الرابطة، بينما الرابطة المعاصرة هي رابطة دنيوية تعاقدية بحتة، وحينها تتوقف كافة الأحكام الشرعية لأنها مرتبطة بظرف معين قد اختلف.
стр. 260
وهذا في الحقيقة هو ذات المضمون العلماني بإعادة صياغة فقط وبالبحث عن سياق إسلامي مناسب يمكن أن تسير عليه العربة العلمانية.
الرؤية السابعة:
أن تصرفات الرسول ﷺ المتعلقة بالإمامة والقضاء كلها قضايا مصلحة دنيوية ليست تشريعًا من السماء، فالشؤون الدستورية والسياسية هي من المصالح المتغيرة، وما جاء فيها من أحكام فهو لأجل الاستفادة منها والبناء على أصولها ومناهجها القائمة على اعتبار المصالح وليس لأجل الالتزام بها.
ومعنى هذا الكلام أنه لا وجود لتشريعات ملزمة في النظام السياسي الإسلامي، وما وجد سابقًا هو مرحلة تاريخية ليس إلا.
هذه سبعة تفسيرات للنظام السياسي صدرت من عدد من المعاصرين، لست أريد تقويمها تفصيلًا وبيان ما فيها من قصور، إنما أريد مقارنتها بالنموذج العلماني للنظام السياسي.
السؤال المركزي هنا: في أي شئ تختلف هده التصورات عن النظام السياسى العلماني؟
سؤال مباشر يحتاج لإجابة واضحة، فإن كان ثمَّة فرق واضح فيجب إظهار هذا (المضمون الإسلامي) المختلف ليكون الناس على بينة.
سأجيب عنه بشكل منفرد، وأرجو من أصحاب هذه التصورات أن يقدموا إجاباتهم.
رأيي بوضوح أن فرق هذه التصورات عن النموذج العلماني فرق ذاتي لا موضوعي، بمعنى أن ثمَّة فروقًا قد تكون ظاهرة لكنها بحسب الاجتهاد الشخصي
стр. 261
البحت، فقد يتفق عدد من الأشخاص على إشاعة مثل هذه التصورات، ويكون لدى بعضهم فرق واضح بين رؤيتهم والرؤية العلمانية، بينما لا يستطيع غيرهم أن يوضح ذلك الفرق.
لماذا حصل هذا؟
لأن التصور بحد ذاته ليس فيه افتراق ظاهر عن النموذج العلماني، فهذه التصورات السبعة في الحقيقة لا تختلف كثيرًا عن التصور السياسي العلماني، وإن جاءت بطريقة مختلفة، وبُحث لها عن مسار إسلامي.
فالنموذج العلماني قائم على إلغاء مبدأ وجود قوانين ملزمة على الجميع استنادًا إلى سبب ديني وحكم ديني، وكل التصورات السبعة موصلة لذات النتيجة التي يقوم عليها النموذج العلماني.
لهذا صار من المحرج جدًا حضور اسم العلمانية هنا، فالعلمانية مشوهة لأبعد حد، وهذه الرؤى متقاربة جدًا مع جانبها السياسي.
لهذا قال بعضهم: يجب إعادة تفسير العلمانية لأنها ظُلمت كثيرًا.
وقال آخر: العلمانية فيها جوانب إيجابية، فقد قيدت سلطة رجال الدين ولا إشكال في قبول ما فيها من حق.
وقال ثالث: إن كانت علمانية متطرفة فلا يمكن قبولها، وأما العلمانية المعتدلة فيمكن قبولها والاستفادة منها.
وقال غيره: هناك علمانية تحارب الدين، وعلمانية تتصالح مع الدين.
стр. 262
هذه التقسيمات وغيرها تكشف عن وجود أزمة حقيقية في كيفية التخلص من ورطة اسم العلمانية، فثمَّة شعور بضرورة تحريك العلمانية من مكانها إلى مناطق جديدة حتى يسلم الشخص من تحمُّل تبعة بشاعة اسم العلمانية لكل من يقترب منها.
وواقع الأمر أن علمانية علي عبد الرازق لم تكن علمانية ملحدة، ولا متطرفة تعادي التدين، بل من يقرأ كتابه (الإسلام وأصول الحكم) سيجد أنه يظهر احترام النصوص ويستدل بالقرآن، فإشكالية الفكر الإسلامي مع العلمانيين لم تكن في الأساس لأنهم لا يؤمنون باللَّه أو يقتلون من يصلي، فهؤلاء خلافنا معهم في الإسلام، وأما العلمانية فخلافنا معهم في حكم الإسلام وتفسيرهم للإسلام، فلا معنى لأن يقول بعضهم ثمَّة علمانية ملحدة وغير ملحدة؛ لأن الخلاف مع الملاحدة في شيء أخطر من الفكرة العلمانية.
يجيب بعضهم عن إشكالية التقارب مع العلمانية فيقول: العلمانية ليست تفسيرًا واحدًا، فكل نظام له نموذج مختلف، بل حتى الأنظمة العلمانية المتوافقة في الفكر تجد بينها اختلافًا كبيرًا.
وهذا جواب يصرف نظر بعض الناس عن الإشكال لكنه لا يقول شيئًا، فمن البديهي أن الأنظمة العلمانية تختلف، ككل الأفكار والاتجاهات، فلا يوجد في الدنيا اتجاه أو مذهب أو فكر لا يقوم على خلافات ورؤى متباينة، إنما هذه الخلافات ترجع لأصول محددة وتتفق على جذور مشتركة وإلا لما صارت فكرة واحدة ولا كانت منظومة محددة، فحديثنا هنا ليس عن (فروع) تفصيلية في العلمانية، بل عن الأصل العلماني المشترك.
стр. 263
من الملفت للنظر هنا أن مبررات العلمانيين ودوافعهم لرفض الحكم بالإسلام أو التشكيك فيه أصبحت متسربة ومتداولة عند بعض الإسلاميين، فصرتَ تقرأ في أدبيات بعض الإسلاميين مثل هذه العبارات:
(عن أي شريعة تتحدثون؟ لا يمكن فرض رؤية دينية محددة، نحن لا ننكر أن التحريم والتحليل للَّه لكن هذا لا يعني أن يكون حرامًا في الدنيا، هناك فرق بين الشريعة وتطبيق الشريعة فالشريعة مقدسة وأما تطبيق الشريعة فاجتهادي، ونحن نريد تنزيه الدين وجعله مقدسًا بعيدًا عن ألاعيب السياسة وعبث المستبدين حتى لا يتحمل الدين سوء بعض أتباعه).
ونحو هذه المبررات التي تصاغ بأشكال مختلفة، وهي ذات المبررات والدوافع التي تحرك العلمانيين بالعرب، بل ستصدم حين تجد أن ما يكرره بعض الإسلاميين هنا هو عين ما يقوله العلمانيون!
وحتى تتضح إشكالية هذا النهج الجديد الذي يخطه بعض الإسلاميين، نريد أن نعود بهم قليلًا إلى حيث لحظة (علي عبد الرازق) لنضع أيدينا على مشهد الصراع الإسلامي العلماني على أي شيء كان، فهل كان (علي عبد الرازق) يريد هدم الإسلام وتدمير المسلمين والانتقام منهم؟ بالتأكيد لا، وإنما كان يقدم تصورات منحرفة في النظام السياسي.
لهذا تجد بعضهم يثني عليه: بأنه إنما أراد استنقاذ الوعي الإصلاحي والمدني بالدولة والشأن العام، وما نجح في ذلك ليس لأن طريقته ما كانت مقنعة، بل بسبب تكالب المستعمرين على ديار المسلمين وتظاهرهم بمعارضة إعادة الخلافة (١).
стр. 264
ويشيد به آخر: بأنه حريص أشد الحرص على أن يجنب الإسلام مزالق السياسة وأن يباعد بينه وبين معارك الحياة وأهواء الحاكمين، بحيث لا يخضع لسلطان أحد ولا يضاف إلى حساب أحد، يخشى أن يتولد نظام من الإسلام فيتحمل الإسلام أوزار هذا النظام (١).
ويقول آخر منافحًا عنه: (جريمة علي عبد الرازق أنه طلب الحرية للدين في مواجهة الملك) (٢).
الغاية من هذا كله، أن الرؤية العلمانية لا يجوز -موضوعيًا- أن تنقلب رؤية إسلامية بمجرد أن تحوَّل إليها بعض الإسلاميين!
стр. 265
نظرية القرافي عند المعاصرين. . أين الخلل ؟
هل كان يدور بخلد الفقيه المالكي شهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤ هـ) أن اسمه سيتردد بعد وفاته بقرون في محاولة التلفيق بين النظام السياسي الإسلامي والعَلماني؟
هل كان "القرافي" يريد في حديثه عن تصرفات النبي ﷺ بالإمامة والقضاء ما ذكره بعض المعاصرين عنه أنه دليل على أن "الأحكام الشرعية السياسية تصرفات غير مُلزِمة؛ وإنما هي مرتبطة بالأئمة يقيمونها بحسب الأصلح"؟
لا بأس، لنلملم أطراف هذا الموضوع، ونعيد ترتيب المشهد من جديد، ولنشرح القصة بالكامل، لنعرف أين يقع "القرافي" وأين يقع بعض المعاصرين الذين يستشهدون بـ"القرافي" كثيرًا.
لدينا إذن ثلاثة أمور:
ماذا قال "القرافي"؟
стр. 266
وماذا فهم بعض المعاصرين منه؟
وما مدى صحة هذا الفهم؟
أما رأي "القرافي" فهو يقرر أن ما صدر عن النبي ﷺ باعتباره إمامًا للمسلمين، فهو خاص بالأئمة ولا يقوم به عموم الناس، وما صدر عنه ﷺ باعتباره قاضيًا فهو للقضاة ولا يقوم به عموم الناس، وما صدر عنه باعتباره تبليغًا وفتوى فهو لعموم الناس، فمثلًا توزيع الغنائم وتجهيز الجيوش فعله النبي ﷺ باعتباره إمامًا فلا يسوغ لأحد أن يوزع الغنائم أو يجهِّز الجيوش إلا إن كان إمامًا، وليس هذا مثل الفتوى الصادرة عن النبي ﷺ التي تكون لعموم المسلمين، وما فعله النبي ﷺ باعتباره قاضيًا فهو حكم قضائي لا يشمل عموم الناس، مثلًا قول النبي ﷺ لهند بنت عتبة: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١)، هو حكم قضائي فلا يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إلا بعد حكم القاضي؛ لأن تصرُّف الرسول ﷺ كان باعتباره قاضيًا على رأي بعض أهل العلم، وقال آخرون: يجوز للمرأة أن تأخذ بلا إذن قضائي؛ لأن تصرف النبي ﷺ هنا كان إفتاء لها وليس قضاء على زوجها.
فأحكام الإمامة والقضاء والفتيا كلها قضايا تشريع، لكن منها ما هو تشريع لعموم الناس يقومون به من دون إذن إمام ولا حُكْم قاضٍ، ومنه ما هو تشريع خاص بالإمامة لا يصدر إلا عن إمام، وتشريع خاص بالقضاء لا يصدر إلا عن قاض، فما صدر عن الرسول ﷺ باعتباره قاضيًا أو إمامًا فأحكامها متعلقة بالأئمة والقضاة؛ سواءً كانت واجبة أو مندوبة أو مباحة، وإلا فالأصل هو كونها أحكامًا تشريعية عامة لجميع الناس.
стр. 267
هذه خلاصة نظرية "القرافي" في التصرفات النبوية (١).
وأما في عصرنا الحاضر فقد فُهم القرافي من عددٍ من المعاصرين بشكل مختلف تمامًا، وأصبح رأي "القرافي" يتكرر في بعض الدراسات السياسية بتفسير لا يمت لتنظير القرافي بأي صلة.
ماذا فهم بعض المعاصرين من نطرية "القرافي"؟
يقولون: إن أفعال النبي ﷺ وأقواله الواردة في باب الحكم الدستوري والسياسي ليست ملزمة، بل هي أمور فعلها النبي ﷺ باعتباره إمامًا، وبما يحقق المصلحة المقصودة في ذلك الزمان، ولهذا فالأئمة من بعده يجتهدون في بناء الأحكام السياسية بحسب المصلحة التي بنى عليه النبي ﷺ تلك الأحكام التي ليست ملزمة لهم كأحكام العبادات والمعاملات والمقدرات التي جاء فيها نصوص ملزمة لعموم الناس.
هذه خلاصة تلك الآراء.
فهل هذا هو كلام "القرافي"؟
بالتأكيد: لا.
إذن، أين الخلل؟
الخلل دخل عليهم من وقوعهم في خطأين اثنين:
الخطأ الأول: عملية النقل الخطيرة التي مارسوها على كلام القرافي؛ فهو يتحدث عن تصرفات محددة من الرسول ﷺ فجعلوه يقصد كل الأحكام السياسية؟
стр. 268
فالقرافي يتحدث عن فعل صدر عنه ﷺ باعتباره إمامًا، ولم يقل: كل أحكام السياسة، فهو يتحدث عن أفعال معتنة قام بها الرسول ﷺ باعتباره إمامًا: كإقامة الحدود وتجهيز الجيوش وقسمة الغنائم ونحوها، ولم يقل هذا في كل باب السياسة! وكان يتحدث عن تصرفات، وليس عن كل الأقوال والأفعال في الباب، فهذا تحريف سيئ لكلامه.
كما أن النبي ﷺ له تصرفات باعتباره قاضيًا، ولا يقول أحد: إن كل أحكام القضاء اجتهادية مصلحية لا نصوص فيها!
فمثلًا حين يقول النبي ﷺ : "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (١) هل يقول عاقل: إن هذا تصرف منه ﵊ باعتباره إمامًا؟ فمن حق الحكام أن يحددوا باجتهادهم هل يفلح القوم إن ولَّوا أمرهم امرأة أو لا يفلحون؟
وحين يقول النبي ﷺ لمن سأله: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا" (٢). هل يقول أحد: إن هذا حكم للائمة أو للناس فهم الذين يحددون اعتبار الصلاة هنا أو عدم اعتبارها؟ وما الحاجة لسؤال الصحابة للنبي ﷺ إذن إن كانت كل شؤون السياسة مصلحية بحتة؟
لهذا قال القرافي (فما فعله ﵇ بطريق الإمامة: كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الإقطاعات في الأراضي والمعادن ونحو ذلك، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر؛ لأنه ﵊ فعله بطريق الإمامة وما
стр. 269
استبيح إلا بإذنه فكان ذلك شرعًا مقررًا) (١).
فالموضوع عن تصرف معيَّن وليس عن كل أحكام الباب، فهذه عملية نقلٍ قفزت على مفازات عدة حتى وصلت إلى هذه النتيجة!
فتصرفات الإمامة هي جزء من السياسة، وليست هي كل السياسة، فثمَّ أحكام كثيرة شرعية هي من صميم السياسة ولا علاقة لها بموضوع التصرفات.
الخطأ الثاني: أن القرافي جعلها أحكامًا خاصة بالأئمة، ولم يخرجها عن التشريع؛ فهي تشريع حسب تأصيله لكن لا يقوم بها إلا الإمام، وأما هذا الفهم العصري فقد ألغى عنها التشريع بالمرَّة فجعلها أحكامًا مصلحية متغيرة، وهذا بعيد جدًا عن تقرير القرافي، فتصرفات الإمامة المختصة بالأئمة منها ما هو واجب على الإمام كإقامة الحدود، ومنها ما هو مندوب أو مباح حسب كل حكم، ولهذا اختلف العلماء في جملة من الأحكام السياسية، وما خطر ببال أحد منهم أن كل أحكام السياسة خارجة عن التشريع، ولو كان هذا ورادًا عندهم لما أتعبوا أذهانهم في الحديث عن كونها واجبة أو مباحة أو مندوبة أو منسوخة. . . إلخ؛ لأنها في النهاية ستكون خاصة بعصر الرسول ﷺ ولا تُلزِم أحدًا، كما هو هذا الفهم العصري المغلوط!
فهما غلطتان حرَّفتا برأي القرافي وقلبتاه رأسًا فخرج رأي جديد لم يعرفه القرافي ولا كان يدور في خلد أحد من عصره، فالقرافي يتحدث عن جزئية معيَّنة في السياسة وهم جعلوه يتحدث عن كل السياسة! والقرافي يتحدث عن تشريع وإلزام لكنه خاص بالأئمة والقضاة فأخذوا برأيه بعد أن سحبوا قضية التشريع ووضعوها عند الباب.
стр. 270
فصار رأيهم المحدث يقول: السياسة ليس فيها أحكام وتشريعات ملزمة؛ وإنما تقوم على مبادئ كلية عامة، تعتمد على المصلحة المتغيرة.
هي نتيجة وصلوا إليها عن طريق "القرافي" ووصل إليها آخرون من مسار مصلحة "الطوفي" وغيرهم من جهة مقاصد "الشاطبي".
تقول هذه النتيجة: إن بالإمكان تجاوز كثير من الأحكام الشرعية التفصيلية التي يجري عليها الخلاف المعاصر؛ حيث لم تعد ملزِمة كما كان الإسلاميون يفهمونها سابقًا.
سيخطر في ذهنك سريعًا بعد قراءة هذا التفسير سؤال مشروع يقول:
ما فرق هذا الكلام عن العَلمانية؟
فالخلاف مع العَلمانية حول النظام السياسي المعتمِد على تشريعات وأحكام ثابتة، وحين تكون أبواب السياسة خارجة عن التشريع فالخلاف إذن على أي شيء؟
وهو سؤال محرج يتطلب جوابًا واضحًا عن الفرق الذي يميز هذا الطرح الإسلامي عن الطرح العَلماني، وقد ذكروا في التفريق أمرين:
الفرق الأول: أن أصحاب هذا التفسير يؤمنون بالمبادئ الكلية والأصول العامة للشريعة، ويؤمنون بقيام الأحكام على المصلحة كما راعتها الشريعة بخلاف الفكر العَلماني.
وهذا فرق غير كافٍ ولا مقنع؛ لأن الأصول العامة والمبادئ الكلية تتميز بالعمومية المطلَقَة بما يمكن إدراج كافة التفسيرات فيها، ولن يكون لدى الفكر
стр. 271
العَلماني حساسية من مبادئ العدل والحرية والشورى والمساواة حين تكون مجرد مبادئ كلية عامة، وأما المصلحة فالفكر العَلماني إنما يدعو من قديم لأن تعتمد المصلحة بعيدًا عن الأحكام التشريعية التفصيلية.
الفرق الثاني: أن العلمانية ليست شيئًا واحدًا ولا فكرًا محددًا، فيمكن بمثل هذه الرؤية التقريب والتوافق مع تفسير معين للعَلمانية لا يحمل عداءَ للإسلام وأهله، فهؤلاء يمكن تبئي موقفًا قريبًا من موقفهم لأن رؤيتهم لا تعارض الإسلام وإنما الخلاف مع العَلمانية المعادية للإسلام.
إذن، ليس ثَمَّة مشكلة كبيرة مع الفكر العَلماني المعتدل الذي لا يعادي الدين؛ لأنه في النهاية حصل اتفاق على إبعاد أي أحكام شرعية ملزِمة من الحكم، وصار الاعتماد على المصلحة المتغيرة؛ فأساس الخلاف بين الإسلاميين والعَلمانيين هو في الإلزام بأحكام بناءً على رؤية دينية، وحين لا يعتمد النظام السياسي الإسلامي على أي أحكام شرعية محددة فقد حصل الاتفاق والتقارب بين الفكر العَلماني والإسلامي.
ربما يفرح بعض الناس بهذا التقارب على أنه حل وسط وخيار جديد للعمل الإسلامي المعاصر، لكن واقع الأمر -بكل أسف- أنه ليس خيارًا جديدًا، بل هو تحويل للنظرية الإسلامية لتكون متوافقة مع المنظومة العَلمانية التي لم تغير شيئًا من منهجها، بل بقيت في مكانها وجاءت إليها المنظومة الإسلامية بعد أن حققت الحد الأدنى من الشرط العَلماني المقبول.
يتوهم أن الصراع (الإسلامي - العلماني) قديمًا كان مع العَلمانيين المتطرفين الذين يعادون الدين ويسعون لاستئصاله، فيشعر بارتياح لأنه استطاع أن يكسب
стр. 272
بعض العَلمانيين، وما علم أن الصراع -أساسًا- كان مع العَلمانية التي لا تعادي الدين، وأن النزاع -تحديدًا- كان في كيفية فرض نموذج ديني على الناس، وأما العَلمانية المعادية للدين فهؤلاء خلاف الإسلاميين معهم لم يكن في النظام السياسي أصلًا، فلا معنى الآن لاستثنائهم لأنهم كانوا من الأصل خارج النزاع!
فقصة العَلمانية التي لا تعارض الإسلام -باختصار- هي ذاتها العلمانية التي حاربها الإسلاميون سابقًا ثم أصبحت مع مرور الأيام لا تعارض الإسلام!
стр. 273
فاحكم بينهم. . . أو أعرض عنهم
أستاذٌ فاضلٌ كان كثيرًا ما يكرر على مسمعي هذه الكلمات:
(أساس الخلل في كثير من الانحرافات المعاصرة أنها تعتمد على بعض النصوص وتترك بعضًا، فأخذُها ببعض النصوص جعلها تظن أنها تعتمد على الشريعة، ولو نظرت في النصوص جميعًا لظهر لها الانحراف بشكل جليٍّ).
وما أكثر الوقائع التي جعلتني أتذكر هذه الكلمات، وأكثر شيءٍ شدني فيها أنها تفسر حالة بعض الانحرافات التي تستدل (بصدق) بآيات من القرآن أو بأحاديث من سُنة النبي ﷺ في ما يُعلم -قطعًا- أنه مخالف لأحكام الشريعة وتأباه قواعدها وأصولها ولا يقول به فقيه، وهو أحد تطبيقات اتباع المتشابه الذي حذرنا اللَّه -تعالى- منه في كتابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
تذكرت هذه الكلمات مرة أخرى قبل أيام لما رأيت بعض الناس يستشهد بقول اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
стр. 274
يستدل بها على أن من رفض أن يحكم بالشريعة فلا يُلزَم بها، فلا بد أن يختارها ويؤمن بها، وحين لا يكون مؤمنًا بها لا يكون ملزَمًا كما خير اللَّه في هذا الآية نبيه ﷺ في أن يحكم بينهم أو يعرض عليهم، ولو كان الحكم ملزمًا لما حصل اختيار.
صدمت من هذا الاستدلال؛ لأن هذه النتيجة تضرب حكمًا قطعيًا من أحكام الإسلام، فكيف استهان أن يضرب هذا الأصل بمجرد فهم عارض طرأ عليه؟
وحتى لو جهل الباحث عن الحق معنى هذه الآية فمن العقل والحكمة أن ينظر في النتيجة التي يأخذها من الآية، فلا يمكن أن يأتي بها على حالة يراها ممزِّقة لأحكام وآيات كثيرة؛ فأين هو عن قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ونحو هذه الدلائل القاطعة أن الإسلام حاكم على الجميع ولا يجوز تجاوزه أو التخيير في حكمه بمجرد أن أحدًا أو جماعة لا تريد ذلك.
إذن، ما تفسير قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
لأهل التفسير اتجاهان في تفسير هذه الآية، الاتجاه الأول: يرى أنها منسوخة بقول اللَّه -تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. والاتجاه الآخر: يرون أنها غير منسوخة وأنه لا تعارض بينها وبين قوله -تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]؛ لأن المقصود أنه مخيَّر، فإذا حكم وجب الحكم بما أنزل اللَّه (١).
стр. 275
وبناءً عليه، يرى بعض الفقهاء أنه يلزم القاضي أن يحكم بينهم إذا ترافعوا إليه (١)، ويرى آخرون أنه لا يلزم القاضي أن يحكم بين أهل الكتاب حين يأتوه (٢).
وعلى كلا اتجاهي التفسير، وعلى كلتا الرؤيتين الفقهيتين فالحكم يتعلق بجزئية معيَّنة، هي تحاكم أهل الكتاب إلى القاضي المسلم في ما لا يلزمهم من أحكام الإسلام، فالآية لا تتحدث عن (أهل الإسلام) الذين يلزمهم أن يحكموا بالإسلام في كافة قضاياهم، ولا تتحدث عن (أهل الكتاب) فيما يلزمهم من أحكام الإسلام، إنما موضوع الآية في بعض الأحكام التي جعلت الشريعة لأهل الكتاب بأن لهم أن يتحاكموا فيها إلى دينهم، فإن اختاروا التحاكم إلى المسلمين فهل يلزم المسلمين الحكم بينهم؟
هذا هو محل الآية، هو في الحكم بين أهل الكتاب في ما لا يلزمهم، فجاء هذا الاستدلال ليجعله حكمًا عامًا لجميع الناس مسلمهم وكافرهم، ويجعله حكمًا عامًا لكافة القضايا ولو أدى لعدم الحكم بالإسلام، فضرب في أصول الإسلام يمنة ويسرة من حيث يظن أنه يستدل بآية قطعية الثبوت والدلالة! وهي مشكلة قد لا تظهر للقارئ إلا بعد أن ينظر في النصوص كلها فيتضح له عمق هذا الإشكال ومخالفته القطعية؛ لهذا كان العلماء يوصون بأهمية الرجوع لكلام أهل العلم بكتاب اللَّه قبل الحكم لأنهم ينظرون في النصوص جميعًا فلا يقعون في مثل هذه الانحرافات والأخطاء الفادحة.
стр. 276
فهذا الخطأ صدم برأيه المتسرع أمرين محكَمَين من محكَمَات الشريعة التي أجمع العلماء عليها:
المحكم الأول: أن المسلم لا يُحكَم في النظام الإسلامي بغير الإسلام أبدًا، وحتى لو اختلف مع كِتَابيٍّ فيجب الحكم بينهم بحكم الإسلام، وهو محل وفاق بين العلماء، وفيه ما لا يحصر من نقولات الإجماع، فمنها -مثلًا-:
(فأما إذا كان التحاكم بين مسلم وذمي ومعاهد وجب على الحاكم أن يحكم بينهم قولًا واحدًا -سواء كان المسلم طالبًا أو مطلوبًا- لأنهم يتجاذبان إلى الإسلام والكفر فوجب أن يكون حكم الإسلام أغلب) (١).
(واتفقوا -في ما أعلم- على أنه إذا ترافع مسلم وكافر أن على القاضي الحكم بينهم) (٢).
(وإن تحاكم مسلم وذمي وجب الحكم بينهما بغير خلاف لأنه يجب دفع ظلم كل واحد منهما عن صاحبه) (٣).
(فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما لا يختلف القول فيه؛ لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة) (٤).
وغيرهم ممن نقل هذا الإجماع المحكَم (٥).
وإذا كان هذا في مسلم مع كتابي؛ فكيف إذن إن كان بين مسلمين؟
стр. 277
فليس للمسلم خيار في قبول الشريعة أو رفضها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، بل إن رفضها يعتبَر في النظام الإسلامي جناية تستحق العقوبة وليس المكافَأة!
المحكَم الثاني: أن هذا ليس في كل القضايا بل في بعض القضايا التي تركتها الشريعة لأهل الكتاب، وليس في كل الأحكام فإن (الأمة أجمعت على أن أهل الذمة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأن عهود الذمة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللُهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددتْ لهم شرائعهم) (١).
فحكم الإسلام شامل بعدله ورحمته وكماله جميع المنضوين تحت سلطانه؛ غير أنه ترك لغير المسلمين بعض الأحكام فجعل لهم أن يتحاكموا فيها بينهم لأن حكم الإسلام فيها أنهم غير ملزمين بأحكام المسلمين، وذلك مثل عباداتهم وأنكحتهم ومعاملاتهم وما يستحلونه كشرب الخمر، وأما ما تجاوز ذلك فهم ملزمون فيه بأحكام الإسلام.
وثَمَّ اختلاف في فروع المذاهب الفقهية في حدود ما يختص بغير المسلمين فعله مما لا يجوز للمسلمين فعله، سيصل قارئها لنتيجة قطعية ظاهرة هي أن ثَمَّ مساحةً معيَّنة (بشروطها) فقط هي التي لا يلزمهم فيها حكم الإسلام، وهي التي جرى الخلاف فيها في ما لو جاؤوا هل يلزم الحكم بينهم؟ لأنها مساحة تركتها الشريعة لهم، ولن يجد أحدًا يقول: إنهم مخيَّرون في أحكام الإسلام كلها، بل هم متفقون على لزوم أحكام الإسلام عليهم في الجملة (٢).
стр. 278
خلاصة هذا الكلام كله:
أن حكم الآية خاص بأهل الذمة فقط، وخاص ببعض أقضيتهم، لكن هذا تحوَّل بكل تهاون وعجلة إلى أن يكون شاملًا للمسلمين، وشاملًا لكل القضايا، من دون أن يتروَّى قائله قليلًا في هذه النتيجة التي تضرب في المحكمات من حيث لا يشعر!
فعجبًا كيف يستدل بآية قرآنية ليقع في هذا الخطأ الفادح!
وفيه عِبَر:
١ - ضرورة النظر في النصوص جميعًا، وأن الاستدلال بالنص الشرير لا يكفي ما لم يضم لجميع النصوص في الباب حتى يتضح مراد اللَّه ومراد رسوله ﷺ .
٢ - ضرورة مراجعة كلام أهل العلم والنظر في أقوالهم وتفسيراتهم، فمن الكسل المعرفي والعجز العلمي أن يخوض المسلم في مثل هذه القضايا الكبيرة وهو خِلْو الذهن عن الاستفادة من تراث قرون تعاقبت فيها الأذهان والأقلام في التحرير والنظر والتدبر في كلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ .
٣ - ضرورة صيانة أحكام الشريعة من التفسيرات العاجلة التي يدفعها ضغط واقع معيَّن أو حاجة ماسة ما، فيجد المسلم نفسه يتقبَّل كثيرًا من الأقوال والتفسيرات متخففًا من الأصول المنهجية والقواعد العلمية في النظر والاستدلال لأن ثم قوة دافعة تجعله لا يقف عندها كثيرًا.
стр. 279
الربيع العربي. . . إلى (الأسلمة). . . أم (اللبرلة) . . .؟!
بعد عقودٍ متوالية من السنين، جاء الربيع العربي لينفض (الحقوق والحريات) من تحت ركام الظلم والفساد والجبروت الذي خلفته تلك النظم الفاسدة، فأصبحت هموم الناس وأحاديثهم تدور حول تلك الحقوق التي كانت مغيبة في ما مضى، فلا حديث يعلو في مجتمعات المسلمين الآن فوق حديث الحقوق والحريات.
ولئن اتفقت كلمة كافة الناس على مبدأ (الحقوق والحريات) فإن ثَمَّ اختلافًا جذريًا بيِّنًا حول الفلسفة التي تنطلق منها هذه الحقوق، والإطار الكلِّي الذي يحكمها ويضع حدودها، فكل اتجاه يسعى لتقديم نموذجه الفكري حاكمًا وموجهًا لهذه الحقوق، ويوجِّه كافة الوسائل لإقناع الناس لتبني هذا النموذج الخاص.
كل المعطيات الواقعية تكشف أن إرادة جمهور الناس تبحث عن النموذج الإسلامي للحقوق والحريات، قد تختلف في تحديده وفي حجم تفاعلها معه لكن يبقى النموذج الإسلامي -أيًّا كان تفسيره- هو النموذج المحبَّب لتلك الشعوب؛
стр. 280
فالانتماء العميق للإسلام في نفوس أكثر الناس غرس فيها مغناطيس تجذب أي رؤية حقوقية تنطلق من أحكام الإسلام ومبادئه.
لكن هذا لا يكفي، فالفكر الليبرالي يملك من المقومات الفكرية والحشد الإعلامي والسياسي والمالي والدعم الخارجي ما يجعله قادرًا على تغيير مفاهيم الناس وإقناعهم بالنموذج الليبرالي؛ فحالة الحقوق والحريات التي أظهرت العمق الإسلامي الشعبي يمكن أن تكون نافذة لتسلل الليبرالية في نفوس المسلمين.
يستدعي هذا من الدعاة والعاملين للإِسلام العناية بأمرين:
الأول: توضيح المفهوم الإسلامي للحقوق والحريات وإظهاره بشكل جلي حتى يكون الناس على بيِّنة من أمرهم، فلا تلتبس عليهم المفاهيم، فوضوح المعنى الشرعي كافٍ لأكثر الناس؛ لأنهم مؤمنون بالإسلام فيسلِّمون بكلِّ أحكامه ديانة وانقيادًا لأمر اللَّه وأمر رسوله ﷺ ، ولا تحتاج معهم سوى أن توضِّح المفهوم الشرعي وتكشف أيَّ لبس أو انحراف عنه؛ لأن حالهم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وابتعاد كثيرين عن الإيمان بالمفاهيم الشرعية راجع بشكل أساسي إلى جهلهم بها أو التباسها عليهم.
الثاني: إقناع الناس بأن النموذج الإسلامي للحقوق والحريات هو الأقدر على حفظ حقوقهم، وعنده من الضمانات ما ليست عند غيره، وفيه من الخصائص ما يعمِّق من تأثيره بما تعجز عنه بقية النماذج، وهذا الخطاب نافع جدًا لكثيرٍ من الناس الذين لديهم شكٌّ أو تردُّدٌ في تبنِّي النموذج الإسلامي فيضعفون عن المطالبة بالحقوق الشرعية لضعف قناعتهم به، كما أن مثل هذا الخطاب الواقعي العقلاني سيحفظ المسلِّمين لأحكام الإسلام من تسلل المفاهيم الليبرالية جرَّاء ضغط دلائلها وبراهينها.
стр. 281
هذان العاملان يُختَصران في (بيان الحكم الشرعي) و (إقامة الدلائل والبراهين عليه)، ولئن كان علماء الإسلام هم الأقدر على الجانب الأول، فإن المعنى الثاني يحتاج لمشاركة فئات أخرى من المتخصصين في القانون والعلوم السياسية والفكر والاقتصاد وبقية العلوم المعاصرة لإقامة منظومة علمية متكاملة من المفاهيم والدلائل والتجارب التي تكشف تفوُّق النموذج الإسلامي؛ ليزول الغبش عمن في قلبه شيء، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا.
فمعرفة الحكم الشرعي تختلف عن القدرة على البرهنة عليه، فليس أحدهما مرتبطًا بالآخر؛ فقدرة الإنسان على معرفة الحكم الشرعي لا تجعله قادرًا على المحاججة في إثباته وإقناع الناس به، إذ هذا قد يتطلَّب مهارات وعلومًا إضافية لا تكون موجودة لدى العالِم بالحكم، وهذا ما يستدعي ضرورة التكامل بين المتخصصين بالشريعة والمتخصصين في بقية المجالات ليقوم كلُّ أحدٍ منهم بواجبه الشرعي.
كما أنَّ عدم اقتناع المسلم بعقلانية حكم شرعيٍّ ما، أو قدرته على الإقناع به لا يجيز له تجاوزه وتركه ولو بدعوى أن الأحكام الشرعية لا تخالف العقل والمصلحة؛ لأنه ليس بالضرورة يكون مدركًا لكل هذه المصالح في هذه اللحظة، كما أن فهمه وإدراكه ليس هو الحاكم على العقل والمصلحة.
لا شيء سيحفظ هذه الحقوق ويحقق ضمانات عميقة لها مثل إدراجها ضمن مفاهيم الإسلام وأحكامه، فالمفاهيم والقيم المحكومة بالإسلام تتميز بخصائص عدة، منها ما يلي:
أولًا: أنها تكتسب صفة (الثبات) و (القطع) و (الوضوح) فتكون مفاهيمَ شرعيةً ربانيةً غير قابلة للنقاش؛ فلا تخضع لتصورات معاصرة أو اجتهادات لاحقة،
стр. 282
فالنص القرآني والحديث النبوي قد قضى بها ولا معقب لحكم اللَّه، وهي قضية ربما لا تشدُّ ذهن المسلم لأنه يراها بدهية، لكنه سيعرف قيمتها وفضلها حين يقرأ في مسيرة (الحقوق) التي قد عانت مخاضًا عسيرًا في الفكر الغربي خلال تاريخه الصراعي الطويل معها، فغياب القطعيات جعل تحديد الحقوق معضلة فكرية عويصة، فمن الذي يحدد هذه الحقوق؟ سؤال يجيبه المسلم بكل استرخاء، لكنه يسبب إشكالًا عميقًا لدى كل من حيَّد الدين عن الحكم، فجاءت نظريات (الحقوق الطبيعية) والتي رفعت جملة من الحقوق فجعلتها حقوقًا غير قابلة للنقاش، وليس لهذه النظريات من مستنَد سوى فكرة خيالية تقرر أن الإنسان يولد ومعه جملة من الحقوق، ولا شيء يثبت وجود هذه الحقوق سوى أنها يجب أن تكون موجودة! فهي في الحقيقة قد تبنت المفهوم الديني في القطع بهذه الحقوق لكنهم استنكفوا عن ربطها بالدين.
ثانيًا: أن المفهوم الإسلامي للحقوق يجعلها حقوقًا دينية ذاتية قبل أن تكون حقوقًا قانونية نظامية، فالمسلم يقوم بها ويلتزم بها ديانة للَّه ووقوفًا عند حدوده، وهذا يعطي الحقوق دعمًا عميقًا لا تملك بقية النماذج أن تقترب منه، فالنظام القانوني مهما كان محكمًا ومتطورًا فهو عاجز عن الوصول إلى تلك المناطق العميقة التي يصل إليها هذا الدين، فالحقوق بهذا المفهوم ترتكز على رقابة ذاتية يراقب المسلم فيها ربه، فتكون مستحضرة في الظاهر والباطن، في ما يثبت عند القانون وفي ما لا يقدر القانون على إثباته، تنشط لها النفوس، وتمارس عليها دورًا رقابيًا احتسابيًا نابعًا من الدين، فتجاوُز الحقوق منكر يجب إنكاره من الجميع "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (١).
стр. 283
ثالثًا: أن المجتمعات المسلمة لا يصلح لها إلا المفهوم الإسلامي للحقوق والحريات، فلئن نجحت منظومة الفكر الليبرالي في المجتمعات الغربية فهذا راجع لسياقها الثقافي والتاريخي، وأما المجتمعات المسلمة فهي عميقة التدين بالإسلام لا ترضى بغير الإسلام بديلًا؛ ففرض نموذج مخالف لهويتها لن يكون متقبَّلًا وسيواجَه بمعارضات وإشكالات لن تُحَل إلا بالنموذج الذي ينسجم مع ذاتها وهويتها وتاريخها.
رابعًا: أن المطالبة بحكم الإسلام لن تتوقَّف في مجتمعات المسلمين إلا إذا حكم بالإسلام؛ فما دام أن الحكم في المجتمعات لغير الإسلام فلن تتوقَّف هذه المطالبات، وقد تسلك في سبيل ذلك وسائل غير صحيحة وتؤدي لمفاسد وأضرار، أو تتبنى رؤى مغالية أو مخالفة للإسلام، وكل الحلول لإيقاف هذه الوسائل ستبوء بالفشل، الحل الوحيد هو في التطبيق الصحيح للإسلام، والذي يظنّ أن المجتمعات المسلمة ستحيِّد الإسلام في الحكم كما حيَّدت المجتمعات الغربية الحكم الكنسي فهو غارق في الوهم لأقصى أذنيه، وهو بعيد عن فهم طبيعة الإسلام وعن إدراك عمق تأثيره في نفوس المسلمين.
خامسًا: أن الراية الإسلامية هي الراية الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عليها الناس وتستمر في ثبات وضمان، وأما الرايات الأخرى فيمكن أن تجمع الناس في مرحلة زمنية مؤقتة لكنها لا يمكن أن تستمر؛ لأنها باختصار راية مؤقتة يرتهن تأثيرها بعوامل معينة تزول هذه الراية مع زوال تلك العوامل، وقد جرَّب العالم الإسلامي رايات كثيرة تلاحقت سقوطًا، وسيتلاحق غيرها، وأما الراية العميقة في نفوس الناس وتاريخهم ومستقبلهم فهي الراية المرشحة لأن تكون محل وفاق.
стр. 284
يبقى أن ثَمَّ عاملين مُشكِلَين قد يكونا عامل إخفاق وتعثُّر للنموذج الإسلامي المعاصر:
العامل الأول: الخلل في التسوية بين الحالة المثالية والوضع الاستثنائي، فيعاملهما الشخص على اعتبارهما حالة واحدة، فإما يغلو فيطالب بتطبيق الحالة المثالية الشرعية في كافة الأوضاع من دون مراعاة لما تقتضيه الحاجة أو الضرورة أو الإمكان في تلك المجتمعات، ويتهم العاملين هناك بالقصور وتضييع الدين، وإما يفرِّط فيجعل الاستثناء هو الأصل، فينفي عن الشريعة كل ما لا يمكن تطبيقه من الأحكام الشرعية، ويعيد تركيب المفاهيم الشرعية على وَفْق الحاجات المعاصرة.
إنها غياب الرؤية الواضحة والميزان الصحيح في التفريق بين حالتي (الأصل) و (الاستثناء) فالمسلم مطالَب بتطبيق أحكام الإسلام بحسب الإمكان والاستطاعة، ومطالب في الوقت نفسه أن لا يحرِّف الأحكام الشرعية ولا يقوِّل الشريعة ما لم تقل، وهذا الخلط بارز للعيان بوضوح في المشهد الإسلامي المعاصر وهو مؤذن بتنازع يؤدِّي إلى الفشل.
العامل الثاني: الاختلاف في مفهوم النموذج الإسلامي وحدوده: حيث يستغل بعض الزائغين الاختلاف الفكري بين العاملين للإسلام من أجل ضرب النموذج الإسلامي بكليته، فينفي وجود نموذج إسلامي نظرًا لاختلاف الناس فيه، وهذا يتطلَّب ضرورة التأكيد على الأصول الكلية والقواعد القطعية في النموذج الإسلامي، وتحكيم الخلافات فيه إلى المنهج القطعي في التعامل مع الخلافات ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ويمكن وضع كثير من
стр. 285
الآليات لحسم مثل هذا الخلاف حين يكون الشخص فعلًا مؤمنًا وموقنًا بالنموذج الإسلامي؛ لكنه سيكون موهنًا للواقِعين تحت ضغط آلة المفاهيم الغربية.
فالخلط بين (الأصل) و (الاستثناء) في فهم الأحكام الشرعية تفريطًا أو إفراطًا، والخلاف في تحديد النموذج الإسلامي للحكم: هو من التحديات الفكرية الخطرة التي قد تحدث فجوة عميقة تخلخل أساس النموذج الإسلامي في نفوس الناس.