وقد نشأت فكرة السيادة نتيجة الصراع الذي جرى في القرن السادس عشر الميلادي في فرنسا بين الملوك من جهة، والإقطاعيين والباباوات من جهة أخرى، فكانت هذه النظرية سندًا فكريًا للملوك لفرض سيطرتهم الداخلية ضد الأمراء الإقطاعيين، ولفرض سيطرتهم الخارجية ضد الإمبراطور والبابا، وإذا كانت الكنيسة تتمتع بنظرية الحق الإلهي لشرعنة طاعتها وخضوع الناس لها، فإن الملوك اتخذوا نظرية السيادة سندًا شرعيًا لفرض طاعتهم، حيث صار الانضواء تحت الملك في تلك الحقبة عند عدد من الفلاسفة طوق نجاة للخلاص من التشرذم والانقسام الذي أحدثته الحروب الدينية، ثم تحولت السيادة بعد ذلك فانتقلت من الملك إلى الأمة على يد الثورة الفرنسية (١).
لهذا؛ ذهب عدد من المعاصرين إلى عدم الحاجة إلى طرح هذا السؤال في الفكر السياسي الإسلامي، فهو قد نشأ في ظل ظرف تاريخي واجتماعي مختلف، وبغرض تحقيق هدف معين، ولهذا فلا معنى لتكرار إعادة السؤال بعد إنتهاء الحاجة منه في ظل مجتمع إسلامي لا يعاني إشكالية الإقطاع ولا إشكالية السلطة الدينية التي كانت تسود التاريخ الأوروبي (٢)، خصوصًا (أن الثظرية الإسلامية لا تعرف مثل هذه السلطة المطلقة، وإنما السلطة طبقًا لها ترد عليها قيود مهمة) (٣). فالشريعة إنما عرفت السلطة والسلطان، أما السيادة بهذا المعنى فـ (إن الاعتراف بالسيادة لأي
стр. 212
جهة إنسانية فكرة بعيدة عن الإسلام) (١).
ومع دقة هذا الكلام وعمق نظرته، إلا أن أكثر المعاصرين فضلوا الإجابة عن هذا السؤال، والنظر في مضمونه وحقيقته، والبحث عن إجابةٍ شافيةٍ له؛ بحسب ما يعرفون من أصول الفكر السياسي الإسلامي وقواعده.
ومن خلال تتبُع أجوبة المعاصرين نجدها تنحصر فى ثلاثة اتجاهات رئيسية:
السيادة للَّه أو للشريعة، السيادة للأمة، والسيادة مزدوجة.
الاتجاه الأول:
أن السيادة في الدولة الإسلامية للَّه أو للشريعة الإسلامية.
وقد ذهب إلى هذه الرؤية عدد غفير من المعاصرين، فمن أقوالهم مثلًا:
قال د. عبد الحكيم العيلي: (ومضمون ذلك التفرقة بين السيادة وبين سلطة الحكم، فالسيادة بيد اللَّه وحده، أما سلطة الحكم فهي مفوضة إلى الأمة تمارسها في حدود السيادة) (٢).
وقال د. فؤاد النادي: (ذلك يؤدي إلى عدم تردّدنا في نقض القول بأن الأمة الإسلامية هي صاحبة السيادة، وأنها منبع ومصدر السلطات في الدولة الإسلامية، ولا يخفف من هذه النتيجة -وهي رفض رأي أن الأمة صاحبة السيادة ومصدرها- القول بأن هذه السيادة ترتبط بما قرره الشارع، بحيث تعد القواعد الشرعية الحدود الطبيعية التي لا يجوز لها أن تتخطاها؛ ذلك أن مثل هذا القول ينفي عن الأمة بداهة
стр. 213
أنها صاحبة السيادة طالما أنها لا تستطيع بمقتضى إرادتها العليا أن تضع قانونًا ملزمًا أو تقرر أمرًا يخرج عن نطاق ما رسمه الشارع) (١).
وقال د. صبحي عبده سعيد: (لا محل ولا مجال في ظل الإسلام ونظام الحكم فيه، أن تثار مسألة السيادة لمن تكون في المجتمع؛ لأن هذه السيادة تنعقد للَّه وحده ولا يجترئ إنسان أن ينازعه هذا الاختصاص) (٢).
وقال الأستاذ محمد أسد: (أما الدولة الإسلامية ولو قامت كنتيجة لإرادة الشعب فظلت خاضعة لإشرافه؛ فإنما تستمد سيادتها من قبل اللَّه، فإذا سادت وفق الشروط الشرعية فلها على رعاياها حق الطاعة والولاء) (٣).
وعدد غفير من الباحثين غيرهم (٤).
стр. 214
الاتجاه الثاني:
أن السيادة أو مصدر السلطات هو للأمة، ومن أقوالهم هنا:
قال د. محمد ضياء الدين الريمس: (فهي التي تقوم على الشورى في مبدئها في سيرها وقانونها، شرع الإسلام والحاكم ليس إلا منفذًا للشريعة، والأمة هي صاحبة السيادة ومصدر السلطات) (١).
وقال د. قحطان الدوري: (الأمة هي صاحبة السلطة العليا في البلاد، فهي الموجب الأول في العقد للإمام ولأعضاء مجلس الشورى، وهؤلاء هم الذي يمثلونها وينطقون باسمها، وهم الذين يسنون القوانين على ضوء ما جاءت به الشريعة، ويسوسون الناس بما يرضي اللَّه ورسوله، والأمة مشرفة عليهم ومراقبة لأعمالهم تعدّل الزيغ وتقوّم المعوج) (٢).
وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي: (ومن هنا تعلم أن المسلمين بعد وفاته ﷺ ومبايعتهم أبا بكر على الوجه الذي حصل؛ كانوا أول من سن أن الأمة مصدر جميع السلطات، وأنها هي التي تختار من يحكمها بدين الإسلام، وشريعة الإسلام هي القانون الإلهي الذي وضع ذلك وجعله متبعًا في كل إمام وخليفة) (٣).
وغيرهم (٤).
стр. 215
أما الاتجاه الثالث فهو محاولة للتوفيق بين الرأيين والجمع بين الاتجاهين، فجعل هناك سيادة للَّه وسيادة للأمة في الوقت نفسه (١).
حقيقة الخلاف بين هذه الاتجاهات:
لن تجد عناءً حين تفحص هذه الاتجاهات حتى تصل إلى نتيجة أنها متفقة في المضمون كان اختلفت في الصياغة، فليس ثم خلف حقيقي بين هذه الاتجاهات، فهي تتفق جميعًا على أن للأمة سلطة في اختيار الحكومة التي تتولى أمرها، ولها سلطة على مراقبتها ومحاسبتها وخلعها، وليس لأحد أن يفرض على الأمة ما لا تريد، غير أن هذه السلطة والسيادة مقيدة بحدود الشريعة الإسلامية، فلا تستطيع أن تخالفها، ولا مشروعية لهذه المخالفة، فهذه السيادة محكومة قانونًا بسيادة وسلطة أعلى منها.
فهذه صورة المسألة عند الاتجاهات الثلاثة جميعًا، فمن قال السيادة للَّه قصد أن التشريع والطاعة المطلقة للَّه، وأما الأمة فلها السلطان والحكم فيما لا يعارض الشريعة. ومن قال إن السيادة للأمة فيعني أن لها الاختيار فيما لا يتعارض مع الشريعة، فالمضمون متفق عليه والخلاف بينهما في تحديد مصطلح السيادة على أي شيء يكون؟ فهو خلف في تنزيل مصطلح السيادة لا غير.
стр. 216
فقد (تناول الفكر الإسلامي المعاصر هذه المسألة فظهرت ثلاث نظريات، الأولى وترى أن السيادة للتشريع الإلهي، والثانية ترى أن السيادة للأمة، والثالثة أطلق عليها نظرية ازدواج السلطة تقودنا جميعًا إلى سيادة للأمة الإسلامية مقيدة لصالح سيادة أسمى وأعلى منها مرتبة وهي سيادة التشريع المنزل من عند اللَّه) (١).
وقد نبه إلى كون الخلاف لفظيًا عدد من الباحثين (٢).
وما دام أن الخلاف اصطلاحي، فهو مما يتوممع فيه، لهذا فـ (إذا أراد علماؤنا أن يصطلحوا على مفهوم جديد للسيادة لا يعرف الإطلاق ولا الأصالة ولا التفرد. . . إلخ ما عرف من السيادة في الفكر الغربي، فلا مشاحة في الاصطلاح، ويقال سيادة مقيدة بأحكام الشرع أو سيادة محكومة بضوابط الشريعة) (٣).
فما دام أن ثم اتفاقًا على المضمون، فإن من يقرر بأن السيادة للشريعة لا يعارض -في واقع الأمر- من يقول بأن السيادة للأمة، فهو يقول: (إذا كان لا بد من نسبة السيادة إلى جماعة أو هيئة من البشر فلا بد من التأكيد على أنها سيادة نسبية محدودة بحدود الشريعة الإلهية) (٤).
стр. 217
السيادة للشرع والسلطان للأمة:
وهذه صياغة معاصرة تجمع الاتجاهات جميعًا، فهي عبارة محكمة توضح أن السلطة والحكم بيد الأمة، لكنها مقيدة بالسيادة والتشريع الإلهي فلا تتعداه، فحق الأمة في السلطة لا في السيادة؛ لأنها محكومة، لهذا تجد الحديث عن الحكم والاختيار والسلطة والشورى والبيعة والنظام والحرية والرضا، يقرن عند المؤلفين المعاصرين بأنه تحت شرع اللَّه.
(فلا تعتبر البيعة شرعًا إلا برضا المسلمين ومشورتهم واتفاق غالبيتهم؛ لأنها ابتداءً حق من حقوق الأمة الإسلامية ترك الشرع لها اختيار من تريد أن يحكمها بالشرع) (١).
(ليس من شك في أن الأمة هي المكلفة برعاية ذلك وتنفيذه، ولهذا يجب أن يكون سلطانها مطلقًا وسيادتها على بنيها عامة غير مقيدة ولا محدودة إلا بما قيدها اللَّه به وحدده لها) (٢).
(السلطة في النظام الإسلامي تخضع لقانون هو شريعة عامة لا يملك الحكام مخالفتها ولا تملك الأمة ذاتها تعديلها أو تبديلها، وبذلك كانت الدولة الإسلامية التي أقيمت في القرن السابع الميلادي أول دولة قانونية دستورية بالمعنى الصحيح) (٣).
(وإنما السلطة للأمة تعطيها لجماعة بقيود، فليست سلطة مطلقة، وإنما مقيدة بقيود مهمة شرعية ورقابية وتأهيلية) (٤).
стр. 218
(لا يستطيع الشعب تبديل وتعديل هذه القواعد؛ لأنها ليست من صنعه، وإن كان قد ارتضى الخضوع لها والإيمان بها) (١).
فالأحكام الشرعية قيود قانونية لسلطة الأمة لا تملك الخروج عنها ولا تجاوزها؛ لأن سلطتها مقيدة بسلطة شرعية أعلى منها.
حقيقة سيادة الأمة:
فحقيقة سيادة الأمة التي تتفق عليها الاتجاهات جميعًا، أنها سيادة تنفيذ للشرع، وليست سيادة تعلو عليها أو تنافسها أو تتخذ بديلة عنها:
(أساس حق الأمة في الاختيار يكمن في كونها هي المخاطبة أصلًا بتنفيذ الشرع، ولتعذر قيامها بهذا الواجب بصورتها الجماعية فإنها تنيب من يقوم بهذا التنفيذ نيابة عنها وتحت إشرافها ليقوم بتنفيذ ما هي مكلفة به شرعًا) (٢).
(هذه المسؤولية الضخمة الملقاة على عاتق الجماعة تقتضي أن يكون السلطان من حق الجماعة نفسها لتستعين به على تنفيذ ما هي مسؤولة عنه، وهو تنفيذ أحكام الشرع وإدارة شؤونها وفق هذه الأحكام) (٣).
(رضاها أساس في صحة الولاية العامة، فمصدر سلطة الحاكم الأعلى في الدولة مستمدة من الشورى السياسية هذه أو الانتخاب الحر، ونعني بالسلطة هنا سلطة تنفيذ شرع اللَّه فيهم بما يستلزم ذلك من الاجتهاد التشريعي فيما لا نص فيه
стр. 219
بالتفريع على مبادئه والمصالح الجدية الحقيقية المعتبرة) (١).
ومن يملك سيادة التنفيذ يملك التفويض، فالسلطة عقد تفوض الأمة فيه من يحكمها بالشرع، فـ: (اختيار الخليفة من هذا الوجه يؤكد أن الخلافة ليست إلا عقد نيابة يتم بين الجماعة والخليفة، فتوكل الجماعة إلى الخليفة أن يقوم فيها بأمر اللَّه وأن يدير شؤونها في حدود ما أنزل اللَّه، ويقبل الخليفة أن يقوم بالأمر في الجماعة طبقًا لما أمر اللَّه) (٢).
فهي المخاطبة بالشريعة: (إن أساس حق الأمة في انتخاب الخليفة لأنها هي المخاطبة في القرآن لتنفيذ أحكام الشرع وإقامة المجتمع السليم ونشر الإسلام في الافاق، فالأمة إذًا مطالبة باختيار الحاكم من تحديد مسؤوليتها عن تنفيذ أحكام الإسلام، وهذه السلطة أوكلها إليها الشارع ثم كلفها أن تختار خليفة عنها ليقوم عنها بمباشرة السلطة في تنفيذ ما هي مكلفة به) (٣).
(إذا كان اللَّه هو أساس السلطة ومنبعها، فإن السلطة لا تستبد بأمرها طبقة مخصوصة، بل هي بأيدي عامة المسلمين، وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشؤونها وفق ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية، فالإسلام يتيح حاكمية شعبية مقيدة تعمل في حدود السيادة الإلهية ونطاقها) (٤).
стр. 220
(الحاكم نائب عن الأمة في تنفيذ حكم اللَّه الذي اختارته وهي التي تملك عزله، وهي التي وكل إليها تقويمه إذا حاد وتسديده إذا أخطأ) (١).
(البيعة عقد، ثم إن هذا العقد وكالة، فالوكيل فيه هو الإمام؛ لأن الناس يفوضون إليه وظيفة رعاية شؤونهم والنظر فيها بما يحقق مصالحهم على وفق ما جاء به الشرع) (٢).
وهذا يعني أن سيادة الأمة سيادة مقيَدة:
(نادى القرآن بالحكم المقيد بأمر اللَّه والمحكوم المنظوم بالشرعة الاجتماعية والأخلاقية، وأناط الرقابة على كل منهما لسلطة الأمة الشورية) (٣).
(والحاكمية ليست مقيدة لسلطة الدولة فقط، بل لسلطة الأغلبية في النظام الديمقراطي) (٤).
(لأن الحاكم والمحكومين فيها مقيدون بفكرة معينة وبمجموعة من القيم الخلقية والتشريعية التي تكوّن إطارًا قانونيًا ملزمًا للجماعة بأسرها، ما جعلهم يطلقون عليها المبادئ فوق الدستورية) (٥).
(أما عن حدود سيادة الدولة أو سيادة مجموع الأفراد المكونين للدولة الإسلامية، فهي الحدود التي فرضتها الشريعة الإسلامية، وللأمة أن تضع أنظمتها
стр. 221
وقوانينها في حدود هذه السيادة) (١).
(السلطة في الدولة الإسلامية إن كانت تستمد مشروعيتها وأساس وجودها من رضا الشعب واختياره وتوكيله إياها بالسهر على شؤونه، إلا أنها مقيدة بأن تحكم بما أنزل اللَّه) (٢).
(سياسة الدولة الإسلامية سياسة مقيدة بحكم الشريعة الإسلامية، ذلك التقييد الذي لا يؤدي إلى تعطيل نص أو الخروج عليه أو مجافاة قاعدة من القواعد الإسلامية) (٣).
(وأما حدود سيادة الأمة أو سيادة مجموع الأفراد المكونين للدولة الإسلامية، فهي القيود والحدود التي فرضتها الشريعة الإسلامية على ممارسة هذه السيادة، وليس للأمة مجتمعة أو متفرقة، متفقة مع رئيس الدولة أو مختلفة معه، ممثلة في هيئة تأسيسية أو غير ممثلة؛ أن تتصرف فيما جعله اللَّه حقًا للأفراد أو واجبًا على الأفراد أو الجماعات. . وللأمة الإسلامية أن تكيف نظمها وتضع القوانين والدساتير في حدود هذه السيادة) (٤).
(جعل الأمة الإسلامية صاحبة السلطان في شؤونها ما دامت تستعمل ذلك السلطان في حدود الكتاب والسنة) (٥).
وإذا كانت سيادة مقيدة، فإن مخالفة الشريعة تفقد السيادة شرعيتها، فلا يكون لها اعتبار:
стр. 222
(وبذلك تكون سيادة الأمة مقيدة بهذا التشريع الإلهي، فإذا تجاوزته فقدت مشروعيتها، وفي التحليل النهائي فإننا نجد أنفسنا أمام سيادة للأمة الإسلامية مقيدة لصالح سيادة أسمى وأعلى منها مرتبة، وهي سيادة التشريع المنزل من عند اللَّه) (١).
(يعتبر الالتزام بتحقيق ذلك الهدف في الدولة الإسلامية هو الحد الأدنى اللازم لوجوب طاعة القائم على السلطة) (٢).
(فلا تستطيع السلطة الحاكمة تجاوز الحدود المقررة في كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ ، ولا يستطيع الأفراد أن يتواطؤوا أو يمالئوا حاكمًا على إهدار أحكام الشريعة) (٣).
(البيعة المرادة بالشرع انتخاب حقيقي يعبر فيه الناس عن اختيارهم شخص الخليفة الذي سيتولى أمورهم، وطبيعي أن يلتزم المبايعون بالطاعة ما التزم الخليفة بأحكام الدين وتقيد بها) (٤).
(لا شرعية لتصرف يخالف كتاب اللَّه أو سنته ولا ينسجم معهما) (٥).
(لقد أدرك الصحابة ﵃ هذا الأصل، وهو مبدأ مشروعية ما يصدر عن الإمام من أوامر، وأنه لا بد لها أن تكون مشروعة غير مصادمة للكتاب والسنة، وإلا فقدت قيمتها ووجب رفضها وعدم تنفيذها) (٦).
стр. 223
السيادة بين الفكر الإسلامى والفكر الغربي:
لقد كان الفكر السياسي المعاصر واعيًا بالفرق الجذري بين مفهوم السيادة في الفكر الغربي ومفهومها في الفكر الإسلامي، فالقائلون بأن السيادة للَّه أو السيادة للأمة أو السيادة مزدوجة كانوا واعين بأن هذه السيادة -أيًا كانت- تختلف جذريًا عن السيادة في الفكر الغربي؛ لأنها سيادة مقيدة ليست مطلقة، وسيادة تستمد شرعيتها من الشريعة وليست سامية ومستقلة عنها، لهذا عقدوا المقارنة بين مفهوم السيادة في الفكر الغربي ومفهومها في الفكر الإسلامي، فأظهروا الفروق الجذرية التي تكشف اختلاف السيادة في المنظومتين:
١ - مصدر السيادة (فمصدر السيادة في العقيدة هو اللَّه. . وفي النظريات الغربية فمردها إلى الإرادة العامة للأمة) (١).
(الديمقراطية تصدر عن فكرة أن الشعب سيد نفسه ليحكم نفسه بالمنهج الذي يراه مناسبًا، وهذا مغاير للإسلام رأسًا؛ لأنه قائم على التسليم للَّه وحده بسلطة التشريع) (٢).
(السيادة في الديمقراطية الغربية تعني أن إرادة الشعب هي العليا، وأنها في أمور السياسة والحكم والتشريع تبرم ما تشاء وتنتقض ما تشاء، لا يحدها في ذلك حد. . أما السيادة في الفكر السياسي الإسلامي فإنها محدودة من جانب واحد ومطلقة من الجانب الآخر، ففي الجانب الأول يحدها القرآن والسنة اللذان يعتبران من القواعد فوق الدستورية التي تلتزم السلطة التأسيسية باحترامها حين تضع الدستور) (٣).
стр. 224
في (حين أن الحكام في الديمقراطية الغربية بإمكانهم أن يفعلوا باسم الأمة ما يشاؤون؛ لأن إرادة الأمة لا تعلوها إرادة) (١).
٢ - أن سلطة الأمة السياسية في الفكر الإسلامي تعمل في إطار الأحكام الإسلامية ولا اعتبار لها فيما خالف ذلك: (فالمبدأ الإسلامي يعمل في إطار الأحكام الإسلامية التي وردت بها النصوص الصحيحة الصريحة وما أجمعت عليه الأمة بحيث لا تتعارض مع ما يمكن أن يطلق عليه النظام العام للإسلام، ولو تعارض فهو مجرد رأي مبدد الأثر جملة وتفصيلًا) (٢).
(ومن ثم، فاجتهاد المسلمين إنما هو داخل هذه المقاييس، ولكن الديمقراطية تترك للبشر حرية وضع هذه المقاييس) (٣).
بخلاف سلطة الأمة في الفكر الغربي، فإنها سلطة مطلقة لا يحدها شيء من خارجها: (فإذا كانت سلطة الأمة لا تملك الخروج عن هذه النصوص ولا التعديل أو التبديل فيها ولا الزيادة أو النقصان منها ولا نسخها؛ فإنها بذلك تختلف اختلافًا جوهريًا عن سلطة الأمة في الديمقراطيات الغربية، فسلطة الأمة في هذه الديمقراطيات مطلقة، فالقرارات التي يصدرها المجلس الممثل لها تصبح قانونًا واجب النفاذ وتجب له الطاعة حتى إن جاءت مخالفة للقانون الأخلاقي أو متعارضة مع المصالح الإنسانية العليا) (٤).
(منطلق الأساس الفكري لمصطلح الديمقراطية يعطي أفراد المجتمع السياسي سلطات شبه مطلقة في رسم مناهج حياة الشعب في مدلولها الاجتماعي بالصورة التي يرضونها وعلى الطريقة التي يرونها دون حدود أو قيود إلا حدود الدستور،
стр. 225
وحتى هذا الأخير يكون قابلًا للتغيير والتعديل. . أما في ظل الأساس الشرعي لمصطلح الشورى، فإن الجماعة السياسية تكون مقيدة في ثبوتها وفي دلالتها بالكتاب والسنة بما يتلاءم مع متغيرات الزمان والمكان) (١).
وأقوال كثيرة عند المعاصرين تقرر هذا المعنى (٢).
٣ - صلاحية التشريع في النظم السياسية المعاصرة تتسع لكل شيء لا يعارض الدستور، بل لها تعديل الدستور نفسه: (في الزمن المعاصر فإن السلطة التشريعية بإمكانها أن تشرع ما تشاء من الأحكام فيما لا يتعارض مع الدستور، بل هي تملك عادة هذا التعديل في مواد الدستور طبقًا لإجراءات معينة، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر أن الهيئة التأسيسية في الأمة لها الحق في أن تضمّن الدستور ما تشاء من الأحكام، ومعنى هذا أن الدستور ذاته عرضة للتعديل جزئيًا أثناء الحياة النيابية وكليًا عندما ترغب الأمة في إيقاف العمل بالدستور ليحل محله دستور جديد.
وفي المقابل فإن القرآن الكريم دستور الأمة الاسلامية إذا صح التعبير، وكذلك السنة النبوية الصحيحة؛ كلاهما ثابت لا تغيير فيهما ولا تبديل) (٣).
(ولكنه ليس كالنظام الديمقراطي الحديث في أن الشعب يملك التشريع وتعديل النظام كيف يشاء) (٤).
стр. 226
(أما سلطة البرلمان فهي مشرعة الأبواب، فمن حقها التشريع المطلق في كافة المجالات، وكل نظام فهو قابل للتغيير والتبديل) (١).
(أما سلطات المجلس النيابي في الديمقراطية المعاصرة فمطلقة، وإذا كان الدستور يقيدها، فإن الدستور نفسه قابل للتغيير، ولذلك يقال إن الأمة مصدر السلطات في الديمقراطية المعاصرة على الإطلاق، ولكن في الدولة الإسلامية فمصدر السلطات الكتاب والسنة النبوية، أي أن مصدر السلطة هو الشريعة الإسلامية، وإذا قلنا إن الأمة الإسلامية مصدر السلطات فنضيف إلى ذلك أنها مقيدة بنصوص الشريعة) (٢). وأقوال أخرى كثيرة (٣).
٤ - أن الدولة في الفكر الغربي تنشأ أولًا ثم تضع ما تشاء من القوانين، وأما في الفكر الإسلامي فهي إنما نشأت طبقًا لمبادئ القانون الإسلامي، (فالدولة تنشأ أولًا ثم يدور البحث في تكييف ما يلائمها، أما الدولة في الإسلام فإنها نشأت طبقًا لمبادئ القانون الإسلامي) (٤).
(المفهوم الإسلامي يخالف الديمقراطية في أساس وجودها، فالتشريع في الإسلام سابق على الأمة وعلى الدولة، وهو يحكمها بتشريعه الإلهي ولا تحكمه هي بتشريعها الوضعي) (٥).
стр. 227
لهذا فسيادة الأمة في الفكر الغربي قائمة على تهميش الدين، بخلاف السيادة في الإسلام:
(تقوم الديمقراطية أساسًا على مبدأ فصل الدين عن المجتمع، وولادتها جاءت بعد مفارقة الدين) (١).
(كما أن هذه الديمقراطية تسعى لحكم الدنيا بقوانين وضعية على خلاف شرع اللَّه، بمعنى أنها تسعى لتعديل حكم اللَّه، أما نظام الحكم في الدولة الإسلامية فيسعى لحفظ الدين ونشره وحمايته وحكم الدنيا به) (٢).
فـ (معيار الصواب في ظل هذه الشرعية يتمثل في مدى تعبير المشرع عن إرادة الأمة ومدى تلبيته لأهوائها ورغائبها ومدى خضوعه لقاعدة دستورية القوانين) (٣).
الخلاصة:
هذه الاتجاهات والمواقف ترسم لنا معالم رؤية واضحة في فهم وإدراك (السيادة)، وأن عامة المؤلفين في الفكر السياسي الإسلامي كانوا يسيرون على جادة بئنة ومتماسكة في التمييز بين السيادة في الفكر الغربي والفكر الإسلامي، غير أن ضغط المفاهيم الغربية قد شتت الرؤية عند بعض الإسلاميين، وأربك خطواتهم، فأصبحت تسير في طرق متناقضة، تسير على جادة الفكر الإسلامي حينًا، وتأخذ من الفكر العَلماني شيئًا آخر، وهي قصة سنرسم ملامحها ونحكي تفاصيلها بعد قليل بإذن اللَّه.
стр. 228
سؤال السيادة. . والإجابات المتعثِّرة
عرضنا في: (سؤال السيادة في الفكر الإِسلامي المعاصر) لاتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر في الجواب عن سؤال السيادة، وتبيّن من خلالها أن ثم رؤية واضحة في إجابة هذا السؤال لدى عامة الباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر، مضمون هذا الجواب أن (السيادة للشرع والسلطان للأمة)، فسيادة الأمة سيادة تنفيذ لأحكام الشريعة ولها صلاحية اختيار من يحكمها ومراقبته، ولا يجوز اغتصاب هذا الحق منها بلا رضا ومشورة منها، وهو معنى تتفق عليه جميع الاتجاهات وإن اختلفت في اختيار الصياغة المناسبة.
هذا الوضوح لدى عامة الباحثين يقابله حالة من التناقض والارتباك أحدثه (سؤال السيادة) مع عددٍ من الإسلاميين لم يتمكنوا من الجزم بوضوح بأن سيادة الأمة لا يمكن أن تتجاوز سيادة الشريعة، وأن صلاحيات الأمة مفتوحة الفضاء ما لم تخالف الشريعة، بل جعلوا لهذه السيادة مشروعية وقبولًا ولو رفضت الشريعة وتجاوزتها.
стр. 229
فيقرّر أحدهم أن الشريعة ليست قيدًا على السيادة، وإنما هي محل للسيادة!
فـ (لا تمثل الشريعة الإسلامية قيدًا على سيادة الأمة، وإنما هي محل لإعمال هذه السيادة أفاء بها اللَّه لمخلوقاته، فسيادة الأمة مطلقة مستنيرة لا قيود عليها) (١).
وشرعية القوانين إنما تحدّد بحسب قناعات الناس لا بحسب اعتبار الشريعة لها:
فـ (شرعية الأحكام والقوانين لا تتوقف على اعتقاد فئة من الناس اتفاقها مع مبادئ الحق أو مخالفتها له، بل تتوقف على قدرة هذه الفئة على إقناع الجمهور بمصداقية رأيها وفاعلية اجتهادها) (٢).
فالأمر بالمعروف بالإِلزام يكون بحسب ما هو معروف ومتّبع لدى الأمة، وليس بحسب ما هو معروف في الشريعة:
(الائتمار بين الناس ينحصر فقط فيما أصبح معروفًا بينهم عرفًا متّبعًا عندهم، أما ما خرج عن العرف من الحق والخير فتتحدّد مسؤولية الأمة في الدعوة إليه وتبليغه إلى الناس بالحكمة والموعظة الحسنة) (٣).
ولأن المشروعية بيد الأمة بشكل مطلق فلا تفرض الشريعة إلا عبر إرادة الأكثرية:
فـ (لا يحق لأي أقلية إسلامية في مجتمع ما أن تطالب بتطبيق الشريعة وفرضها على الناس بقوة الحديد، بل يلزمها العمل لجعل مبادئ الإسلام وقيمه عرفًا مقبولًا بين الناس) (٤).
стр. 230
حتى إن كان الحكم شرعيًا مقطوعًا به:
(فإن إيمان المؤمن بوجوب أمر ديني عليه لا يعطيه الحق بفرضه على الآخرين، فهو مكلف به دينًا، وذلك لا يكفي لجعله قانونًا عامًا في المجتمع، بل عليه أن يحاول إقناع الآخرين به حتى يتبناه المجتمع بالطرق الديمقراطية) (١).
فلا نقول إن الشريعة قيد على سلطة الأمة، بل إن الأمة لها مطلق التشريع وهي لن تخالف الشريعة!
(لا حرج علينا لو قلنا إن الإسلام ديمقراطي وإن الشعب المسلم هو مصدر السلطات جميعًا وهو يغير القوانين ويسنها حسب ما يوحي إليه عقله، وكل ما لم يسوغه عقله يضرب به عرض الحائط ويخرجه من الدستور إخراجًا؛ لأن العقل المسلم لا يمكن أن يحيد عن شرع اللَّه، ومن حاد عقله عن ذلك فهو ليس بمسلم وليس بداخل في الشعب) (٢).
فالحكم بالشريعة هو من حكم الشعب لأنها دين الشعب!
(إن الحكم الذي يكون قولًا وفعلًا متجسد العدل هو حكم الشعب، والشرع الذي يكون قولًا وفعلًا شرع العدل هو شرع الشعب، وتتجلى سيادة الشعب أول ما تتجلى في حقه في اختيار نظام حكمه، وحقه في التشريع لهذا النظام، وحقه في اختيار حكامه، وحقه في المشاركة في الحكم) (٣).
(فهي التي تؤمن بأن ما يصدر عن اللَّه هو الحق وما هو عن غير اللَّه فبالشورى التي هي الحق أيضًا) (٤).
стр. 231
فالمشروعية في النهاية بيد الأكثرية، سواءً اختارت الشريعة أو غير الشريعة:
(فإن اختارت الأمة منظومة القيم والمبادئ الإسلامية مرجعية عليا وإطارًا للتشريع والقوانين، فلا يحق لأحد أن يفتئت عليها أو يفرض ما يناقض ويعارض مرجعيتها الدستورية، وإن اختارت تعطيل الشريعة فسيكون الموقف إعلان الإنكار والاعتراض الواضح لهذا الاختيار، مع القبول والإقرار السياسي به نتيجة للمسار التعاقدي الدائم) (١).
حقيقة الخلاف مع هذا الاتجاه:
إن كان الفكر الإسلامي قد شاعت فيه مقولات (السيادة للَّه، السيادة للأمة، السيادة المزدوجة)، فهذه الاتجاهات لا تختلف في المضمون، أما الخلاف هنا فهو خلاف حقيقي، فالإشكال هنا ليس في الصياغة ولا في تحديد مفهوم السيادة، إنما الخلاف هنا في الموقف من حاكمية الشريعة، فهي عندهم تابعة لإرادة الأكثرية حتى تكون منسجمة مع مفهومها في الفكر السياسي الغربي.
ولا يغب عن بالك أن الخلاف في كل ما سبق ليس في موقفٍ من حزب إسلامي أو شخصية إسلامية أو قضية اجتهادية، الحديث عن أصل الحكم بالشريعة بقطعياتها المجمع عليها.
وحين تجعل سيادة الشريعة تابعة لسيادة الأكثرية فعدا ما فيه من إشكالات -سنتحدث عنها بعد قليل- فإن الشريعة نفسها ستكون محكومة بما لا يخالف المفاهيم المعاصرة التي جاءت بهذه السيادة.
стр. 232
وهو معنى ظاهر، يقول د. رضوان السيد: (إصرار الإسلاميين على مرجعية الشريعة وليس الشعب له دلالته، فهناك أحكام قطعية في الشريعة في مسائل الحدود والقصاص والحقوق والواجبات لفئات المواطنين تعتبرها نخب اجتماعية وثقافية واسعة منافية لحقوق الإنسان وضرورات المساواة بين المواطنين، وهي كذلك بمقاييس العصر التي تسود العالم اليوم) (١).
ولهذا ذهب أحد الباحثين إلى أن: (الإمبراطورية الإسلامية -شأنها شأن كل إمبراطورية- لم تتأسّس على عقد اجتماعي يسوي بين مواطنيها، وما كان فيها من تسامح ديني وسياسي -يستحق الفخر والإشادة في سياقه التاريخى- ليس قريبًا مما نطمح إليه من تحقيق مفهوم المواطنة المعاصر) (٢).
فالنظام السياسي الإسلامي يجب أن (يعدل) وفق المواصفات الشائعة في الثقافة الغربية.
لأن بناء الدولة الإسلامية الذي كان قائمًا (على قانون الفتح وأخوة العقيدة كما كان حال الإمبراطورية الإسلامية، لم يعد مناسبًا أخلاقيًا ولا ممكنًا عمليًا، فالدول المعاصرة لا تتأسّس على الاشتراك في الدين أو العرق، بل على أساس الجغرافيا) (٣).
(وليس يعني هذا أن العلمانية الغربية هي الحل لعقدنا السياسية الحالية، الحل هو الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية) (٤).
стр. 233
فحين تنزع عن الدولة رابطتها، وتجعل لها رابطة عقدية جديدة تتغير بسببها الأحكام الشرعية، فأي فرق بين (الدولة العلمانية) وهذه الدولة ذات المرجعية الإسلامية!
ظاهرة (التلفيق) بين المفهوم الإسلامي والغربي:
هذه الآراء المتعثرة تتفاوت فيما بينها، لكنها تنطلق من إشكالية موحدة، هي ظاهرة التلفيق بين المفهوم الإسلامي والغربي، فهي تريد تحقيق سيادة الأمة بمفهومها الغربي، وتريد في الوقت نفسه أن لا تتعارض مع الشريعة، وهذا التلفيق لا يمكن أن يستقيم إلا عبر الوقوع في عدد من المحاذير الشرعية.
وليس هذا جديدًا على الفكر الإسلامي، ففي ذاكرته عدد من النماذج التلفيقية وقعت في أوقات متباعدة وفي أبوابٍ مختلفة، إلا أن دافعها المحرك لها ثابت لم يتغير.
أصول التلفيق فى مفهوم السيادة:
هنا عدد من الأصول التي تستند إليها فكرة التلفيق لتقريب مفهوم السيادة الغربي وتخريجه في صورةٍ يتوهم أنها لا تعارض الإسلام:
الأصل الأول: أن حكم الشريعة إنما يكون من خلال تصويت الأكثرية، لأن أي حكم بخلاف ذلك فهو إكراه، واللَّه تعالى يقول ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
الأصل الثاني: أن المشروعية الدينية لا تستلزم المشروعية السياسية، فالسيادة للشريعة دينًا لا يجعلها مشروعة سياسيًا، فالمشروعية السياسية تستند إلى رأي الأكثرية.
стр. 234
الأصل الثالث: أن سيادة الأمة هي الطريق الأمثل لحكم الشريعة في عصرنا الحاضر، وليس بيد الناس استطاعة شرعية لتطبيقها من دون هذا الطريق.
الأصل الرابع: أن سيادة الشريعة لا تطبق إلا عبر الناس أنفسهم، فإن لم تجعل السيادة بيد الناس فستجعلها بيد المتغلب، وكونها بيد الناس أضمن، كما أنهم هم المكلفون بتطبيق الشريعة.
وعامة ما يقال في هذا السياق لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة.
مناقشة الأصل التلفيقي الأول:
يقول هذا الأصل أنه لا بد من رضا الأكثرية وإلا كان إكراهًا.
وهذا التلفيق يخالف المنهج الإِسلامي في أساسين:
الأساس الأول: أن تسمية حكم الإسلام هنا (إكراهًا) هي تسمية منطلقة بحسب الرؤية الديمقراطية، وليست بحسب الرؤية الإسلامية، فالاختيار حسب المفهوم الديمقراطي الليبرالي يتحدد من خلال التصويت الانتخابي، وأي حرمان منه فهو إكراه، وأما الاختيار في التصور الإسلامي فهو تابع للإسلام، فالمسلم حين يدخل في الإسلام فقد اختار أن يحكم بالإسلام، فليس هناك درجة أخرى من الاختيار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [النور: ٤٧]، فالرضا بحكم الإسلام هو من لوازم إيمان المسلم، فكما أن المسلم لا يختار بعد إسلامه أن يصلي أو يصوم أو يبر والديه، فكذلك لا يختار حكم الإسلام.
إذن، فحين تحكم المسلمين بالإسلام فهذا من اختيارهم، وليس فيه أي إكراه، فالاختيار يعرف بدخولهم في الإسلام، وليس بإجراء انتخابي معين، فقبل أن
стр. 235
نستدل بآية الإكراه يجب أن نستوعب أن هذا الإكراه هو (إكراه ديمقراطي ليبرالي)، وليس هو (الإكراه الشرعي).
الأساس الثاني: أن تحكيم الإسلام وخضوع الناس لحكمه وقوانينه ليس من الإكراه في شيء، ولا علاقة له بقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فجعل هذه الآية ذريعة لتعطيل الشريعة غلط وفهم منحرف عنها، ويظهر هذا من وجوه:
١ - أن علماء التفسير قد اختلفوا في تفسير هذه الآية إلى ما يزيد على ستة أقوال ليس فيها أي إشارة إلى أنها تشمل المسلمين، بل كل الأقوال ترجع إلى الكفار بعدم إكراههم على ترك دينهم والدخول في الإسلام قسرًا أو التعرض لهم إن دفعوا الجزية، ولم يقل أحد بتاتًا إنها تشمل المسلمين (١).
٢ - أن تحكيم الشريعة ليس من الإكراه في الدين، فهو خضوع لقوانينها وأحكامها، وليس فيه إكراه أحد على مخالفة دينه.
وعلى افتراض أن ذلك إكراه، فالعموم في الآية (عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين، وهل يقتل الكافر إلا على الدين) (٢).
٣ - أن أحكام الإسلام كانت تطبق في الدولة الإسلامية في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، تطبق على المسلم والكافر، وما كان يؤخذ آراء الناس لمعرفة رضاهم أو سخطهم، بل إن الفتوحات الإسلامية أخضعت بلدانًا كثيرة ولم تخيرهم في حكم الإسلام وهم غير مسلمين، فكيف تخير المسلمين في حكمهم بالإسلام؟
стр. 236
٤ - والقول بأن تحكيم الشريعة من الإكراه في الدين يلزم منه نفي وجود أي إكراه في الدين، وهو منافٍ لحقيقة الإسلام، ففيه واجبات ومحرمات وحدود وعقوبات، فلازم هذا القول أن يجعل الإسلام رسالة روحية محضة ليس فيها أي إلزام سياسي -كما هي الرؤية العلمانية-، وأما القول بأن الإسلام فيه إلزامات مع القول بعموم (لا إكراه في الدين) لكل إكراه، فظاهر التناقض!
لهذا؛ لا تجد هذا الفهم عند أحدٍ من المتقدمين، فتفسيرهم للآية ينسجم مع فهمهم لأصول الشريعة وقطعياتها، فلا يمكن أن يقول بأن الآية مطلقة العموم في كل إكراه، لأن هذا ينقض أحكام الإسلام بوضوح، لهذا (لم يختلف أحد من الأمة كلها في أن هذه الآية ليست على ظاهرها، لأن الأمة مجمعة على إكراه المرتد على دينه) (١).
٥ - لا إشكال لدى أصحاب هذه الدعوى من تطبيق الشريعة إن جاءت بتصويت الأكثرية، إذن كيف تكره الأقلية على ذلك ما دام أنه لا إكراه في الدين حسب تصوركم؟ ثم لو أراد بعض من صوت مع الأكثرية أن يتراجع فهل يكره على الدين لمجرد أنه شارك في التصويت؟
فإذا كان تحكيم الشريعة إكراهًا، فلا يجوز تطبيقه على الأقلية ولو أرادت الأكثرية، فعجيب أمر هذا التطبيق، يكون إكراهًا ثم يزول الإكراه بمجرد تصويت الأكثرية! وكأن الآية تقول ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إلا إن اختارت الأكثرية فأكرهوا الأقلية عليه! والظريف -والمؤسف- أن الأكثرية هذه متعلقة بنسبة غير محددة، فيمكن أن تكون ٧٠ % أو ٦٠ % أو أقل أو أكثر، فأي جرأة على اللَّه فوق أن تحدد نسبة معينة
стр. 237
تقول هي التي أعرف من خلالها أن هذا إكراه داخل في مراد اللَّه في قوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
فقاعدة (لا إكراه في الدين) أرادوا بها أن تكون (عذرًا) في ترك تطبيق الشريعة إن رفضت الأكثرية، وهي في الحقيقة تلغي تطبيق الشريعة بالكلية ولو أرادت الأكثرية!
أرأيتم كيف ظهرت إشكالية التلفيق؟
يريد حكم الشريعة، ويريد حكم الأكثرية، فيأتي بمفهوم خاطئ لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فيتورط معه لأنه يؤدي به إلى تعطيل الشريعة وعدم الحكم بها أبدًا!
ويجعل ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ عامًا يشمل الحكم بالشريعة فيتورط لأنه يؤدي لإلغاء كل الإلزامات في الشريعة حتى تكون رسالة روحية علمانية!
مناقشة الأصل التلفيقى الثاني:
يقول هذا الأصل: إن سيادة الشريعة جانب ديني، وحتى يحمل صفة (المشروعية السياسية) لا بد له من الرجوع إلى رأي الأكثرية!
من طبيعة أي تلفيق أنه يحتاج لحذف شيء من أحد الطرفين حتى يستطيع أن يلفق بينهما.
والذي حصل هنا أنه حصل حذف في أحكام الإسلام فجُعلت دينية وليست سياسية، وهذا مفهوم لا تعرفه الشريعة.
стр. 238
لماذا؟
لأن الشريعة نظام حياة ونظام دولة وليست رسالة روحية منزوية عن الواقع، فالأحكام الدينية حسب تصور الإسلام، هي أحكام سياسية.
فأي حكم في الواقع يخالف الشريعة فالمسلم مأمور بتغييره (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده) (١)، وأحكام الإسلام يجب أن تكون هي الحاكمة والفيصل بين الناس في حقوقهم ومنازعاتهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وأي قرار سياسي يجب ألا يخالف الشريعة وإلا فلا اعتبار له (إنما الطاعة في المعروف) (٢)، إما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (٣)، وأي نظام فمشروعيته مقيدة بالشريعة (إلا أن تروا كفرًا بواحًا) (٤).
فحين تستحضر هذه الأحكام يتضح لك صورة الأحكام في الإسلام، فالأحكام الدينية هي أحكام سياسية، والأحكام السياسية لا مشروعية لها إن خالفت الأحكام الدينية، فتصور الحكم الديني منعزلًا عن الحكم السياسي هي رؤية علمانية لا علاقة لها بالشريعة (٥).
فحين يقول إن تطبيق الشريعة واجب دينًا، لكنه يحتاج لمشروعية سياسية، فهو يتحدث عبر منطق مختلف عن الشريعة، فوجوب تطبيق الشريعة هو تطبيقها
стр. 239
سياسيًا وتغيير أي مخالفة لها ورفض أي قرار ينافيها، وهذه كلها أحكام سياسية، أما مجرد الاعتقاد بوجوب التطبيق من دون تطبيق أي شيء، فهذا ليس هو الواجب ديانة، بل إن الخلاف مع الفكر العلماني إنما هو في تطبيق الشريعة وليس في اعتقاد تطبيقها، والأمر القرآني جاء في تطبيق الشريعة وليس في مجرد الاعتقاد ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
مناقشة الأصل التلفيقي الثالث:
يقول هذا الأصل: إن سيادة الأمة هي الوسيلة الممكنة لتطبيق الشريعة في العصر الحاضر.
والخلل هنا أنه يقرر أن السيادة وسيلة إلى تطبيق الشريعة، وهذا يعني أنه مراعاة لظرف زمني معين، بينما حقيقة الرأي تقوم على تأصيل كلي لا يرتبط بضرورة أو حالة معينة.
فهم يتحدثون أن الشريعة لا إكراه فيها، وأن المشروعية السياسية بحاجة لمشروعية دينية، ثم يرجعون فيفسرون سيرة النبي ﷺ وخلفائه بما يتفق مع هذه الرؤية، فتقريرهم قائم على اعتبار (سيادة الأمة) أصلًا كليًا، والاستدلال هنا قائم على اعتبار أنها ظرف زمني معين!
فليس محل الخلاف أن يشارك الإسلاميون في النظم التي لا تتخذ الشريعة مرجعية لها في سبيل أن يصلوا من خلال هذا إلى جعل السيادة للشريعة، إنما الخلاف في الأصل الكلي القائم على جعل المشروعية للأمة ولا حكم للشريعة إلا من خلالها مطلقًا، وليس لأجل ظرف زمني معين.
стр. 240
فهو يعتذر بأنه مضطر لأجل واقع، بينما كلامه تأصيل كلي دائم، كما لو أن شخصًا شارك في بنك ربوي لأجل مصلحة راجحة ثم صار بعد ذلك يقول إن الربا حلال لأنه لا فرق بينه وبين البيع واللَّه تعالى يقول ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]!
فكما أن بعض الإسلاميين يشارك في بعض النظم العلمانية لأجل الإصلاح، فهذا لا يجيز له أن يقول بأن الشريعة جاءت بفصل الدين عن الدولة؛ لأنه هو الممكن في تلك المرحلة! ولا يمكن أن يقال إن الخلاف بين (الإسلامي) الذي يشارك في نظام علماني و (العلماني) الذي يرى فصل الدين عن الدولة خلف يسير!
مناقشة الأصل التلفيقي الرابع:
أن أحكام الشريعة لا تطبق إلا عبر الناس، وهم أضمن للشريعة.
وهنا حديث في البدهيات، فلا شك أن كل الأفكار والاتجاهات لا تطبق إلا من خلال الناس، هذه بدهية لا معنى للنقاش حولها، بل حتى الاستبداد والظلم يطبق من خلال الناس، فالخلاف هنا خلف في (المشروعية) وليس في (التنفيذ) أو (الوجود).
فعامة الباحثين في الفكر الإسلامي يقول إن سيادة الأمة سيادة تنفيذ، ولا إشكال، الخلل هنا أنهم جعلوها سيادة تشريع يمكن أن تشرع ما يخالف الشريعة، ولا تكون الشريعة نافذة إلا بعد رضاهم.
وكونهم أضمن للشريعة، يعني أنهم يتحدثون عن (تنفيذ)، بينما الخلاف في (التشريع).
стр. 241
حكم الفرد أم حكم الأكثرية؟
ويأتي هنا عادة المقارنة بين حكم الفرد وحكم الأكثرية، فيقول كما أنكم تقبلون بحكم الفرد ولو خالف الشريعة، فكذلك نحن هنا نقبل بحكم الأكثرية إن خالفت الشريعة.
وحقيقة هذا السؤال يكشف لك الإشكال بدقة.
فالمتغلب الفرد إن خالف الشريعة فلا مشروعية لمخالفته ولا يجوز طاعته، وأي قرار يصدر منه مخالف للشرع فلا اعتبار له.
بينما هم هنا يقولون إن الأكثرية حين تخالف الشريعة فهذا من حقها، ولها مشروعيتها، ولا مشروعية إلا من خلالها.
وهنا يظهر أن إرادة الأكثرية حسب هذا المفهوم تأتي في معارضة الشريعة وليس في معارضة الفرد، لأنها تعطي الأكثرية صلاحية مخالفة الشريعة.
نعم، لو قالوا إن الأكثرية مقيدة بالشريعة -كما هو قول عامة الباحثين- لما كان ثم نزاع، ولأصبحت الأكثرية في مقابل الفرد، أما إن أعطيتها صلاحية تجاوز الشريعة فالأكثرية هنا صارت مرجعية في مقابل مرجعية.
المرجعية العليا لمن؟
من الأسئلة المركزية هنا: ماذا لو اختار الناس غير الإسلام؟
وفائدة هذا السؤال أنه يكشف المرجعية العليا لمن؟ هل هي للأكثرية أم للشريعة؟ تمامًا كبقية الأسئلة التي تورد على الأفكار والاتجاهات لكشف مضامينها وحقائقها.
стр. 242
يتحاشى كثير منهم الجواب عنه ويقول الناس سيختارون الإسلام فلا معنى للخوف من اختيار غير الإسلام، وهذه صورة افتراضية جدلية.
حسنًا، ولماذا الخوف من التصريح بأنه لا اعتبار لهم إن خالفوا الإسلام؟
لماذا التهرب من الإجابة عن هذا السؤال ما دام أنه غير متصور ومجرد فرضية؟
بكل وضوح، لأن هذا السؤال يكشف حقيقة التشريع، هل هو للشعب أم للإسلام؟
فلو قال سيحكم بالإسلام -ولو كانت مسألة افتراضية- فهو قد أسقط مرجعية سيادة الأمة، ونموذج التلفيق يقتضي أن يحافظ على هذه السيادة كما هي.
فالقول بأن المشروعية للشريعة، ليس مثل القول بأن المشروعية للناس وهم سيختارون الشريعة، فأنت حين تجعلها للناس تجعل أحكام الشريعة غير ملزمة إلا بعد اختيار الأكثرية، كما أن اختيار الأكثرية لو خالف الإسلام فله مشروعيته، وكل هذا ينافي قطعيات الشريعة.
والقول بأن هذا لا يمكن مغالطة واضحة بعيدة تمامًا عن فهم واقع النظم المعاصرة.
فالتصويت لن يجري على طريقة أن يدخل شخص على مجلس فيقول: (هل تريدون الإسلام)؟ بل هي مواد قانونية دقيقة في دستور عام، وتعتمد على النشاط المالي والإعلامي والقدرات التأثيرية على الناس، فمن الممكن جدًا أن يتم تجاوز الشريعة من خلالها، فلماذا الهرب من الجواب؟
стр. 243
ثم إن من يقول إن الناس لن يختاروا إلا الإسلام، لا يتفطن إلى أنه يفكر من حيث لا يشعر في واقع نظام سياسي غير إسلامي، لأن هذا معناه أن النظام يكفل للناس المطالبة بتغيير الشريعة، ولهم حق التعبير عن آرائهم ضد الإسلام، وتكوين الأحزاب وتأليب الرأي العام والحشد الإعلامي الذي يشكك في الإسلام ويطالب بتغيير أحكامه، ثم بعد هذا كله يكفل لهم إمكانية تغيره، ثم يكفل التصويت من أجله، ثم بعد هذا ينظر في النتيجة.
فصاحب هذا الكلام قفز على كل هذه المقدمات التي تناقض الإسلام مناقضة قطعية، وظن أنه قد أنهى الإشكال لما جزم أن الناس لا يختارون غير الإسلام.
والقصة أن هذه الصورة يوردها رافضو الديمقراطية الليبرالية لإثبات منافاتها للنظام السياسي الإسلامي، والجواب الصحيح أن يقول من يدافع عن الديمقراطية بأنها لن تكون بهذه الصورة ما دامت ديمقراطية إسلامية كما يرون، لا أن يتعامل معها وكأنها من المسلمات، ويجعل الإشكالية فقط في كفة الأصوات الأكثر.
الغفلة عن هذه المقدمات المهمة تجعل الشخص يتوهم أن الإشكال فقط في التعامل مع نتيجة الانتخابات بل حتى هذا ما عاد إشكالًا عليها، بل هو من محاسنها وفضائلها!
(لنفرض فرضًا أن شيئًا من هذه المخاوف قد وقع وظهر بديمقراطية حقيقية أن غالبية المسلمين في قطر من الأقطار قد اختاروا ما يتنافى مع الإسلام وما يعد خروجًا عن الإسلام، فهل العيب في الديمقراطية أم العيب في الواقع القائم؟ فليست الديمقراطية هي التي أتتنا بهذا العيب، وإنما الديمقراطية كشفت لنا هذا العيب، فهذا سبب لشكر الديمقراطية والتمسك بها وليس سببًا لرفضها والقدح فيها واتهامها) (١).
стр. 244
سيادة الشريعة أم سيادة الليبرالية؟
من البدهيات في النظم السياسية المعاصرة أنه ليس هناك إرادة مطلقة للأكثرية، فلها صلاحية واسعة لكنها في النهاية محددة بقائمة من الحقوق لا يمكن أن تتجاوزها، فلا يمكن للأكثرية أن تنتهك أي حق من الحقوق المتفق عليها دوليًا، ولا يمكنها أن تعتدي على أي حق من حقوق الأقلية أو تضيق عليها فيه، فهذه الحقوق هي من المبادئ فوق الدستورية التي لا يمكن التعرض لها وليست هي محلًا للتصويت.
محل الخلاف مع أصحاب هذا الاتجاه أنه يقبل بهذه الحقوق والحدود ويرفض أن تكون (حاكمية الشريعة) ضمن هذه الحدود، فالشريعة لا بد لها من التصويت ولا يمكن أن تحكم من دون تصويت، ولا يمكن أن تكون مبدأ فوق دستوري، وأما الحدود التي وضعتها (الليبرالية المعاصرة) فهي حدود فوق دستورية ولا يمكن للأكثرية أن تتعرض لها.
أرأيتم؟ فالحقيقة أن الخلاف ليس بين (سيادة الشريعة) و (سيادة الأمة)؛ لأن الأمة في النهاية سيادتها مقيدة وتعمل في إطار معين، الخلاف هو بين (سيادة الليبرالية) على الأمة أو (سيادة الشريعة) على الأمة، فلا إشكال في القبول بقيود الليبرالية، وأما قيود الإسلام فيقف دونها ألف إشكال؟
فحين يتحدثون عن (مسار تعاقدي) للأمة لا يمكن فرض أي شيء عليها، وإلا فهو تغلب واعتداء عليها؛ لا يتحدثون عن مسار مفتوح تفعل الأمة ما تشاء، بل هو مسار محكوم بإطار وحقوق وأعراف شائعة لا يمكن أن تتجاوزها، ومع هذا هو راضٍ خاضع مقر بكل ما فيها من حدود، وإنما تتحرك الإشكالية في وجه حكم الشريعة، ثم يُظن أن الخلاف ربما يكون لفظيًا أو من مساغات الاجتهاد!
стр. 245
ستعرف حجم هذا الخلاف حين تقارن الحكم بقطعيات الشريعة مع الحكم بحالة هامشية من الحقوق التي تقرها النظم المعاصرة، فالشريعة -في نظرهم- لا بد لها من تصويت واختيار ولا مشروعية لها إلا من خلاله وتسقط من خلاله، وأما هذا الحق الهامشي فلا يصوت عليه ولا يتعرض له لأنه من الحقوق الطبيعية، وجرب بنفسك فاسأل أصحاب هذا الاتجاه عن أقل حد من التضييق لأي حق هامشي وانتظر جوابهم!
لهذا حين يقال: لا أحد يفرض شيئًا على (سيادة الأمة) و (حرياتها) و (قرارها). . . إلخ، فهو لا يتحدث عن حرية وسيادة مطلقة، بل يتحدث عنها وهو مدرك أنها محكومة بـ (إطار ليبرالي) لا يمكن أن تتجاوزه، ولا يريدك أن تدخل فيه المكون الأساسي والتاريخي للأمة الإسلامية (الشريعة)، فالنزاع حينها ليس مع سيادة الأمة وحرياتها وقرارها، بل مع مفهوم هذه السيادة.
مصدر الخلل:
ماذا لو قالوا: السيادة للشريعة ولا مشروعية لما يخالفها.
ما الذي يدفعهم لكل هذه الإشكالات؟ خاصة مع قناعتهم بوجوب تطبيق الشريعة، ومخالفتهم للتيار العلماني في لزوم أحكام الإسلام.
التفسير الأقرب لها هو (إشكالية التلفيق والخضوع للمفاهيم الحداثية المعاصرة).
فحين يأتي الشخص لمفهوم حداثي معين له فلسفته وسياقاته، ويريد إعماله كما هو، فإنه سيقع في إشكالات كثيرة، وكل ما ورد في هذه المقالة هو نموذج تطبيقي لأحد هذه المفاهيم.
стр. 246
سطوة هذه المفاهيم على بعض العقول هي التي دعت أهل البصيرة من باحثي الفكر الإسلامي المعاصر إلى ضرورة الحذر في تقبل هذه المفاهيم، يقول محمد أسد ناصحًا: (إننا عندما نتحدث عن إرادة الشعب في حدود مفهوم الفكر السياسي في الإسلام، لا بد لنا من أن نفكر بحذر شديد كيلا نقع في الخطأ فنكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، أي أننا يجب أن نحرص على ألا نحل محل الاستبداد الغريب عن الإسلام الذي حكمنا خلال القرون الماضية نظامًا لا صلة له هو الآخر بالإسلام، لأنه يدعو لسيادة مطلقة للشعب) (١).
فخلل هذه المفاهيم لا يزول بمجرد تغيير المصطلحات:
فـ (لا يكفي إذن لإصلاح الديمقراطية أن نغير اسمها ونصفها بأنها شورى، بل لا بد من أن تقوم على الأسس الشرعية للشورى الإسلامية، وأول هذه الأسس التزامها بمبادئ الشريعة الإسلامية وعدم فصلها عنها) (٢).
فالمطلوب من الباحث أن يفهم الإسلام كما هو لا أن يسعى لتجميله وتحسين صورته:
(وما درى هؤلاء أنهم يشوهون الإسلام لأنه لا بد لهم في محاولتهم هذه أن يميلوا إلى التصنع والتأويل حتى تتم لهم تلك المحاولات.
ومن هنا يأتي التحريف والتزييف والوقوع في الزلل والأخطاء في الإسلام ونظمه، وتغليف جوهره الصافي بسحابات الضباب والأفكار الغربية.
стр. 247
ولما كانت النظريات ليست في غالبها إلا مجرد انعكاسات للفلسفة التي يقوم عليها النظام السياسي الذي ظهرت في ظله أو انعكاسًا لواقع هذه النظم ذاتها، فإن محاولة الباحثين في الإسلام لتفسير النظم السياسية الإسلامية على هدى تلك النظريات لن يجرنا إلى أخطاء في التطبيق، وإنما إلى أخطاء فادحة في منهج البحث والدراسة.
فإن لكل نظام فلسفته وتاريخه ونظمه، والإسلام يستقل استقلالًا تامًا عن كل النظم كان تشابه من وجه أو آخر مع بعضها أو في أجزاء منها، لكنه يظل متفردًا من حيث ذاتيته وأساسه الاعتقادي على وجه الخصوص، ولا يصح أن نفسر أي نظام من نظمه إلا على ضوء أسسه الفكرية الخاصة) (١).
والتلفيق حالة من الوهن تحتاج لمثل هذه العزة والثقة:
(دفعهم حماسهم للإسلام إلى أن يثبتوا فيه بغير دراسة متعمقة كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضر، متوهمين أن في ذلك خدمة جليلة للإسلام، فكأنه في أعينهم طفل يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين ولا ينالون من الشرف شيئًا إلا إذا أخرجوا للناس مبادئ وأصولًا من دينهم مثل مبادئ النظم السائدة في عصرهم.
فإذا راجت الديمقراطية كان الإسلام ديمقراطيًا، وإذا راجت الاشتراكية كان الاسلام اشتراكيًا، وإذا راجت نظرية سيادة الأمة كانت هذه النظرية من نظريات الإسلام) (٢).
стр. 248
حينها لن يقع في مرض الخوف من: (أن يعاب على التفكير الفقهي الإسلامي أنه لا يوجد به مكان لكل نظرية سياسية أو دستورية قديمة أو حديثة) (١).
هى جاذبية إعلامية. . ولكن؟
حين تتحدث في الإعلام بلغة: إن الشعوب قد تحررت ونالت سيادتها كاملة، فلا يمكن فرض أي شيء عليها، فمن حقها اختيار أي منظومة تريدها، وإن اختارت الإسلام فهذا من حقها، كان رفضته فهذا من حقها، والإسلام يكفل الحريات كاملة. . . إلخ.
هو حديث له جاذبية، ويثير مكامن الرضا والاستحسان في وجوه فئات مختلفة لا تزال تحمل عداءً للمشروع الإسلامي، وسيريح المتحدث مزاجه من مسائل وإشكالات كثيرة تحاصر الإسلاميين، كما أنه هو الممكن في عدد من البلاد الإسلامية.
لكنه في الحقيقة قلمٌ يجري على أحكام الشريعة بالتعديل والتغيير، ويجترئ على اللَّه، فيجعل مراد اللَّه تابعًا لما هو ممكن في الواقع، ويوجه الأحكام بحسب المتاح، ويكون السياق الإعلامي المناسب هو المعيار الذي يحدد تفاصيل الأحكام الشرعية!
стр. 249
عَلمانيةُ ما قبل الأسلمة !
يُعدُّ كتاب (الإسلام وأصول الحكم) أولَ دراسة شرعية تؤسِّس للفكرة العَلمانية داخل الوسط الإسلامي، وقد نشره الشيخ القاضي علي عبد الرازق عام ١٩٢٥ م بعد عامٍ من القضاء رسميًا على مسمى الخلافة العثمانية، أحدث به معركة ثقافية وسياسية ضخمة.
تقوم فكرة الكتاب المركزية على تفسير (الدين الإسلامي) بما يتفق مع التصور الغربي للدين، فرسالة النبي ﷺ ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متظافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان) (١).
فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي ﷺ : (رسولًا لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة) (٢)، وإنما أحدث ذلك
стр. 250
المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية ليست من أحكام الإسلام (١).
شذوذ هذا الرأي ونكارته أحدث ردة فعل صارمة شديدة ضده، فأصدرت هيئة كبار العلماء في مصر بتوقيع (٢٤) عالمًا، بيانًا ذكروا فيه أخطاء الكتاب البارزة، وحصروها في ٧ مخالفات ظاهرة (٢)، ثم توالت الردود العلمية، فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: (نقض الإسلام وأصول الحكم)، وكتب الطاهر بن عاشور: (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، وألَّف محمد بخيت المطيعي رسالته: (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، وأرَّخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالته: (الإسلام والخلافة)؛ فكانت -مع جهود علمية أخرى- سببًا في سقوط الكتاب سقوطًا مريعًا في جانبه العلمي، وكشفت عن أخطائه وسوء تصوّراته، حتى أصبحت قيمة الكتاب في حدثه التاريخي وليس في القيمة العلمية الضعيفة والمتناقضة في تقريراته.
لم يتوقف الأمر عند هذا، بل أصبح مبحث الإسلام (دين ودولة) من المباحث المركزية في الفكر الإسلامي المعاصر، فتوالت الدراسات والبحوث المؤصلة لهذا المفهوم، والمجيبة عن جميع الإشكالات والشبهات التي يثيرها أصحاب الاتجاه العَلماني، وحدَّدت الدوافع لتبني مثل هذا التفسير العَلماني للإسلام، وشارك فيها أهل العلم من جميع التخصصات المختلفة.