مركز البيان للبحوث والدراسات [١٤٥]
معركة النص
تأليف
فهد بن صالح العجلان
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
(ح) مجلة البيان، ١٤٣٣ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
العجلان، فهد صالح
معركة النص/ فهد صالح العجلان - الرياض، ١٤٣٣ هـ
ص ١٤٤، ١٦.٥ × ٢٢ سم
ردمك: ٠ - ٠٧ - ٨١٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨
١ - الفكر الإِسلامي
٢ - تحليل النص
٣ - المقاصد الشرعية ... أ. العنوان
ديوي ٢٥٠ ... ٤٣٦/ ١٤٣٣
رقم الإيداع: ٤٣٦/ ١٤٣٣
ردمك: ٠ - ٠٧ - ٨١٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
قصة المعركة
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فحين تقرأ كتابًا أو تقلِّب صحيفة أو تحرِّك موقعًا إلكترونيًا فتجد المقولات التي تُصادِم النص الشرعي صراحة، وتدعو لرؤية مغايرة بالكلية ومصادمة تمامًا للأحكام الشرعية، فإن من المفارقات أن تجد أن كل هذا -بحسب كاتبه- لا يعارض النص ولا يناقض أحكامه؛ وإنما يخالف تفسيرًا فقهيًا معيَّنًا لا يقرُّه النص ولا يتوافق مع أصول الشريعة.
هذا خيط موحَّد يجمع أكثر الأفكار والرؤى المعاصرة التي تُصادِم النص وتناقض الإجماع؛ فلا تكاد تجد أحدًا يبدي صراحته في عدم اعتباره لقيمة النص الشرعي، بل إن كلَّ تلك المخلَّفات الفكرية والمخالفات الشرعية تُقدَّم في قالب التفسير الفقهي للنص، والسَّير على خط الاعتدال والوسطية التي دافعها
стр. 5
الغيرة على النص من اختطاف الرؤى التفسيرية المتطرفة.
لقد أدرك خصوم النص أن المعركة ضد النص محسومة النتائج، وكل خطوة للأمام انكشاف تام ودخول لخط النار، وفي الضمير الحي للشعوب المسلمة من معانى الحب والتعظيم والفداء للدين وقِيَمه ما يجعله يشمئز من مرأى هذا المحارِب، فضلًا عن قبول رأيه أو تفهُّمِ دواعيه.
عَلِم خصوم النص أن قواهم الفكرية والإعلامية عاجزة عن تمزيق سياج النص للنفوذ إلى قلب الشعوب المسلمة، فكان لابد من حيلة تكون موصلة إلى هذه الغاية من غير الاصطدام بهذا السياج المُحكَم, فتحركت بوصلة المعركة من مواجهة مع النص إلى تخطٍّ للنص عن طريق مسايرة النص الشرعي بجعل كلِّ الرؤى والمفاهيم المنحرفة داخلة في مفهوم النص، ويقبُلها الفَهْم والتفسير الفقهي بطريقة شَرَحَ مفاصل إستراتيجيتها أحدهم بقوله: (طريق لا عقلاني للعقلانية)!
لم يتغير شيء من تلك المفاهيم، فمفاهيم المعركه الأولى هي ذاتها مفاهيم المعركة الثانية، لكنها بدلًا من أن تكون ضد النص الشرعي أصبحت مسايِرة له ومتوافِقة معه، وأصبحت مفاهيمهم المأخوذة من القيم الوافدة (بقدرة قادر) مفاهيم شرعية تضافرت النصوص على تقريرها!
هذا التغيُّر الإستراتيجي قد يراه بعض الناس إيجابيًا وتصحيحًا لدى خصوم النص، لكن الواقع أن هذا التغيير خطر جدًا على المفاهيم والأحكام الشرعية؛ لأن عامة الناس ليس لديهم قدرة تفصيلية على معرفة الحق والباطل، وإنما المعيار المعتمد لديهم هو في موافقة النص أو مخالفته، وحين تُقدَّم الانحرافات الفكرية
стр. 6
في قوالب شرعية، فمن السهل وقوع التلبيس على كثيرٍ من الناس لظنهم أنها موافقة للدين ولما يريده اللَّه ورسوله.
إن تعظيم الشعوب المسلمة للنصوص الشرعية هو أقوى أسباب الحفاظ على هوية وثقافة هذه المجتمعات، وحين تتمكن اللصوصية الثقافية من كسر هذا السياج والدخول بعدها في عمق النص لممارسة العبث والتأويل للأحكام والمفاهيم الشرعية؛ فإن هذا مؤشِّرُ خَطَرٍ وبلاء سيحل بمفاهيم الناس وقيمهم من حيث لا يشعرون.
لا حلَّ أمام هذه اللصوصية الثقافية إلا بتكاتف العلماء والمثقفين والمفكرين الغيورين على كشف هذه الممارسات العبثية وإزالة الأقنعة التي تُخفي عوارها، وإعلان المفاصلة التامة مع أفكار التأويل والتحريف للنصوص الشرعية؛ بحيث يكون حالها كحال المعطِّل والمنكِر، بل أشد من ذلك، وأن يكون واضحًا لدى الوعي المسلم أن الاستدلال بالنص الشرعي ليس دائمًا علامة اتباع واستهداء، بل كثيرًا ما يكون توظيفًا يراد به تحويل النص من كونه حلًا لمشكلات الثقافة العصرية إلى جعله مشكلة يتخلص منها للدخول في ثقافة العصر.
حالة تجاوز النص هذه، يقابلها من الجهة الأخرى حالة رفض المساحة الاجتهادية التي يقبلها النص، أو يتعارض فيها مع نصوص أخرى، فلا يحتمل خلاف أهل العلم ويضيق صدره عن تقبل النظر والاجتهاد المنضبط بأصول الشرع وقواعد الاجتهاد، ويضيِّق فهمَ النص باجتهاده الفقهي الخاص وتغيب عنه سعة الفقه واختلاف مدارسه، وهذا مما يعقِّد حالة المعركة ويجعل خيوطها تتشابك في
стр. 7
أذهان الكثيرين فيقعون بسببها حيرى مترديين في حسم موقفهم من معركة النص.
وهي -تحديدًا- بحاجة لكتابات العلماء الراشدين لأنهم الأقدر على ضبط الميزان الذي يكشف الانحراف الذي لا يحتمله النص والفهم الاجتهادي الذي يتسع له الدليل، وهم الأولى برسم وتحديد معالم الخلاف السائغ، من الخلاف غير السائغ، من الانحراف المرفوض.
فاختلاطها في عين الإنسان وعدم ظهور معايير بينة للحد الفاصل بينها توقع المسلم في الحيرة، فتكون سببًا لأن تُقْبَل تفسيرات معارضة للشرع لوجود خلاف في فهم الشريعة، أو تُرفض تفسيرات صحيحة لوجود منحرفين عن فهم الشريعة!
وفي هذا المجال دراسات وبحوث متعددة تناولت مشكورةً قضايا كثيرة في هذه المقصد، وما يزال بحاجة لجهد وبيان أكثر، فالقضايا الأساسية تتطلب باستمرار مزيد تأكيد وتوضيح وإزالة مشتبهات.
وهذه موضوعات متفرقة تسلط الضوء على صورةٍ من أحداث هذه المعركة، وتعالج في أثنائها عددًا من القضايا الشرعية والفكرية المختلفة، هي مساهمة متواضعة، أدعو اللَّه أن يتقبلها ويبارك فيها, ولا حول اللَّه ولا قوة إلا باللَّه.
стр. 8
الانقياد المشروط
اعتاد كثير من ذوي التوجهات المنحرفة عن النص الشرعي أن يقلِّب في كتب الفقهاء أو يستفيد من التقنية الحديثة لاستخراج الأقوال والاختيارات الفقهية (القديمة والحديثة) التي يرونها تتفق مع بعض رؤاهم؛ ليضعوا من أجزائها زورقًا آمنًا؛ لتجاوز أمواج الاعتراض والنكير التي لا تزداد نحو عبثهم إلا دفعًا وتصاعدًا.
وقف بعدها يشير بطَرْف عينه إلى كلِّ من يذكِّره بقول اللَّه وقول رسوله ﷺ بأن (فلانًا) يرى كذا, وأنه يرى رجحان اختيار (فلان) , وأن المسألة فيها اختلاف, فلا يصحُّ التضييق على الناس ما دام في المسألة خلاف لأحد من الفقهاء. إنَّ هذه القضية قد فصل فيها أَحَكم الحاكمين في نصٍّ مُحْكَم تنزيله؛ إذ قال -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وقال -سبحانه-: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما يحدث من خلاف في الأحكام
стр. 9
الشرعية، فإن مردَّه إلى كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ ، هذا ما يستشعره بالضرورة كلُّ منقادٍ لأمر اللَّه وأمر رسوله ﷺ ، وأما الاحتجاج بخلاف الفقهاء في ترك العمل بالنصوص فهو قلب للقضية؛ إذ أصبح حكم اللَّه ورسوله حينها متوقفًا على كلام الفقهاء؛ فما دام ثَمَّ قول فقهي مخالف فالنصوص متعطِّلة لحين الاتفاق على العمل بها، وبدلًا من أن تُحَاكَم أقوال الفقهاء لنصوص الوحي، تصبح دلالة الوحي متوقِّفة حتى يتمَّ الاتفاق على مفهومها. لا شك أن هذه ممارسة بعيدة كلَّ البعد عمَّا كان عليه الفقهاء في خلافاتهم الفقهية؛ فهم وإن اختلفوا في كثير من المسائل إلا أنهم متفقون -قطعًا- على أن دلالة النصوص هي الحاكمة عليهم وأن أقوالهم تتلاشى مع حضور الوحي، ولم يكن أحد منهم يشترط (الإجماع) على النص حتى يتمَّ العمل به، ولا كان خلاف الفقهاء سقفًا يحول دون نفوذ شعاع الوحي، وقد كان هذا مفهومًا متقرِّرًا لدى جميع فقهاء المذاهب؛ فقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية أن المختلَف في تحريمه لا يكون حلالًا؛ حيث وصفه قائلًا: (هذا مخالف لإِجماع الأمة، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإِسلام) (١). وحَكَم الفقيه ابن حزم على مَنْ هذا حاله، فقال: (ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما أجمعت عليه الأمة فقط، ويترك كلَّ ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقًا بإِجماع الأمة) (٢)، كما حكى ابن القطَّان اتفاق العلماء على حرمة ترك ما صحَّ من الشرع والاكتفاء فقط بما أُجمع عليه (٣).
وبلسان الناقد البصير يقول الإِمام الشاطبي عن هذه الظاهرة (وقد زاد هذا
стр. 10
الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا من حجج الأباحة) (١).
ويطول المقام في تتبُّع أقوال الفقهاء في هذا الأصل الذي نختمه بهذه الخلاصة التي حرَّرها الحافظ ابن عبد البر: (الاختلاف ليس بحجَّة عند أحد عَلِمْتُه من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجَّة في قوله) (٢).
ولا شكَّ أنَّ هذا موقف صارم، ورأي شديد ضدَّ من يعطِّل دلالة النصوص بحجَّة الخلاف لإدراك الفقهاء لِمَا في هذا الرأي من جنوح عن حقِّ التعظيم والانقياد الواجب للنص الشرعي.
إن خلاف الفقهاء في القضايا الفقهية كان لاختلافهم في تأويل النص؛ فهو من النص يبدأ وإليه يعود. ومَنْ خالف حُكْم النص، فإنما خالفه لاجتهاد يُثَاب فيه على جهده وصِدْق نيَّته؛ وإن خالف النص. ولم يكن حالهم حال المعرِض تمامًا عن النص، وبعد أن حسم خياراته وحدَّد موقفه بحسب المفاهيم والقيم التي يؤمن بها رجع للنصِّ الشرعي؛ ليبحث عن مخرج وحلٍّ لمشكلة النصِّ يتمكَّن بها من تخفيف حدَّة الاعتراض التي لا يطيقها فجاء بزورق الخلاف الفقهي؛ فهل يستويان؟ ومن طريف الأمر: أنَّهم -مع كلِّ هذا- حين يأتي الحكم المجمَع عليه بين فقهاء الإِسلام ويتأكَّد لهم اتفاق فقهاء الإِسلام على حكمٍ من الأحكام التي لا تروق للذائقة العصرية؛ فإن بوصلة التفكير لديهم يتحرَّك سهمها إلى الجهة المقابلة فيتذكَّر أن الإجماع من الأساس مشكوك فيه ويورد بعض شُبَه منكري الإجماع في التشكيك في حجِّية الإجماع أو إمكانية وقوعه واستحالة الجزم بنفي وجود قول فقهي معيَّن.
стр. 11
حتى وإن تمكَّنتَ -بعد هذا كلِّه- من إثبات الإجماع وأوقفتَه بعينيه على دلائل الإجماع؛ فإن بوصلة (الزورق) الفقهي سترفع لافتة: أن ثَمَّ اختيارات فقهية من المعاصرين، ومن غير المتخصِّصين -عند الحاجة إليهم- تخالف في هذا، وأنه يراه القولَ الموافق للنص الشرعي! فهذا التفكير المنطقي يشترط الإِجماع للاتفاق على النص، وحين يأتي الإِجماع يشكِّك في صحته وإمكانيَّته، وحين يزول هذا التشكيك يرجع ليتمسَّك بأي قَشَّة من أقوال المعاصرين! هل لهذه (الظاهرة) تفسير أو علاج خير من أن يقرأ فيها قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢].
стр. 12
البقع السوداء
لن يجد القارئ للانحرافات الفكرية المعاصرة عناءً في إدراك طريقة تسويق كثير من الانحرافات المعاصرة من خلال رفعها على منصة الخلاف الفقهي؛ إذ أصبح الاستناد إلى خلاف الفقهاء غالبًا على كثيرٍ من تلك الدراسات والمقالات، ومع أنَّ الانحراف الفكري يستند إلى الخلاف الفقهي إلا أن طبيعة الخلاف الفقهي وسموَّ مرجعيته وشخصية أهله تجعله غير قابل للتقليد، فينكشف سريعًا كلُّ من يحاول أن يغطي انحرافه بستار الخلاف الفقهي، وتبدو البقع السوداء واضحة عن يمينه وشماله كاشفةً للبصير براءة هذا الانحراف عن الخلاف الفقهي.
ولعلِّي هنا أضرب مثالًا للبقع السوداء التي تلازم الانحراف الفكري حين يتستر بالخلاف الفقهي بمسألة (حدود الحجاب الشرعي) الذي يرضاه اللَّه ورسوله ﷺ ، ولا أظن أن ثمَّ مسألة فقهية يعرف الناس الخلاف فيها كهذه المسألة، وكثيرًا ما يتكئ (المنحرف) عن النص على آرائك تبرير التبرُّج والتعرِّي من خلال إشاعة هذا
стр. 13
الخلاف الفقهي وإثارته وترجيح قول على قول، وفي حسبانه أن رأيه في اختيار (جواز كشف المرأة المسلمة لوجهها وكفَّيها) سيكون مألوفًا هادئًا لأنه من جنس كلام الفقهاء، غير أنه لم يفطن للبقع السوداء التي تطفو على سطح قلمه تكشف للناس عمق الظلمة والسواد الذي ينضح من هذا الخلاف، وأن العاقل البصير حين يرى هذه البقع سيعرف أنه أمام انحراف فكري يفسد المرأة المسلمة ويتعدى على أحكام الشريعة وليس أمام خلاف فقهي فرعي؛ وإن كان (الانحراف الفكري) و (الخلاف الفقهي) كلاهما يتحدثان عن كشف الوجه.
• الانحراف الفكري يتحدث في حجاب الوجه، فيثني على السفور ويبدي محاسنه وفضائله وكيف أنه يحقق للمرأة ثقة وراحة لا يؤديها الغطاء الذي يعرقل مسيرتها ويثير الغرائز نحوها، ويفيض الانحراف الفكري على هذا النحو بشيء من السخرية أحيانًا، وهم يجهلون أن الحجاب باتفاق جميع الفقهاء هو من الأمور المشروعة المتفق على أنها من شريعة الإِسلام، فتفضيل السفور على الحجاب والطعن في الحجاب بهذه الطريقة هو في حقيقته إساءةٌ إلى شرع وطعنٌ في سنَّة وتعدٍّ على حكم شرعي على أي قول فقهي كان، ولم يكن الخلاف الفقهي في يوم من الأيام يسير في هذه المسألة على خطِّ الإشادة بالسفور والطعن في الحجاب؛ لأن هذا من العدوان على السنن, وهم من أشد الناس انتصارًا لها. أترون أن خلاف الفقهاء في سنية صلاة الجماعة في المساجد -مثلًا- يبيح لأحد أن يطعن في مرتادي المساجد ويتهمهم بالتخلُّف والجمود في مقابل من يصلي في بيته من المتحضرين والمعتدلين! فهل يخرج مثل هذا من منبع فقهي صافٍ؟
• يغطي المنحرف حقيقة فكره في منبع هذا الخلاف الفقهي فيدعو إلى (منع)
стр. 14
حجاب الوجه ومحاصرته، ويسعى لمحاربته وسن القوانين المجرِّمة له، وتضيق نفسه ذرعًا واشمئزازًا من رؤية المنتقبات، ويستغرب -بعد كلِّ هذا- من تشنيع الناس عليه في هذه الممارسة وهو يظن أنه يسبح في المحيط المائي للخلاف الفقهي، وما شعر ببقعة السواد الضخمة التي تحيط بما حوله تكشف عن حجم الجراثيم التي يحملها حين يدعو إلى تجريم الشريعة والتبرُّم منها ومن القائمين بها كراهيةً، يخشى أن يكون معها ممن قال المولى فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩].
• يرى (المنحرف) بعيني رأسه التهاون الكبير في أمر الحجاب، وتمر عليه يوميًا صور التفسخ والتعري في القنوات والصحف والأماكن التي يعمل أو يدرس فيها، فلا ينبس فيها بحرف ولا يتحرك فيه شيء، بينما يسطِّر المقالات والدراسات التي يرجح فيها القول الفقهي بجواز كشف المرأة لوجهها وكفيها بناء على الأدلة الشرعية كما يعتقد؛ فهل غدا (الفقيه) متحمِّسًا لنشر رأي فقهي أكثر من حماسته لإنكار المنكرات المجمَع عليها وتصحيح المفاهيم القطعية التي كثر التهاون فيها، أم أنَّها بقعة سوداء!
• تتفجَّر ينابيع الحماسة في أنامل هذا المنحرف على إشهار القول الفقهي بأن وجه المرأة وكفيها ليس بعورة، بينما لا يفكر أن يذكر اتفاق الفقهاء على أن ما عداهما فهو عورة وواجب الستر بالقطع واليقين، ولا يريد أن يجهد فكره ليعلم أن وجود خلاف في كشف الوجه والكفين لا يسوغ أن يقف مبررًا للفساد والانحراف الذي تجاوز هذا بكثير، ولا يستوعب العقل الفقهي أن يفهم حالة من
стр. 15
يقف في وجه إنكار التكشُّف والتبرُّج الفاضح بدعوى جواز كشف الوجه!
• عاش الفقهاء ﵏ قرونًا وهم يتداولون هذه المسألة الخلافية، في جوٍّ معظِّم للحجاب ولمقاصده، داعٍ للحفاظ عليه وسدِّ الذرائع الممزقة له، مشيعٍ لأحكام الشريعة المتعلقة بصيانة المرأة من تحريم الخلوة والاختلاط ووجوب الحجاب وغضِّ البصر والنهي عن التزيُّن والخضوع في القول والأمر بالقرار في البيت، وعاشت هذه المسألة في قلوب حيَّة تألم من أي انحراف أو فساد يصيب بعض نساء زمنهم، غير أن هذا كله تبخَّر ولم يبق منه على السطح إلا (كشف المرأة لوجهها وكفيها) فجاء بها من أقصى الخلاف الفقهي يسعى فرحًا بضالته.
ومهما حاول المنحرف أن يبدي الوجه الفقهي المشرق في عرضه لهذه القضية فإن بشرة الانحراف الداكنة لابد وأن يعلوها تلك الندبات السوداء التي لا تصبر طويلًا أمام أشعة الشمس الطاهرة.
هذا مجرد مثال، ولست بحاجة في خاتمته أن أشدد التأكيد على أن مقصود الحديث فيه هو تسليط الإضاءة النقدية على ممارسات المنحرفين في التستر خلف بعض الاختيارات الفقهية، وليس غضًّا من قولٍ فقهي، ولا طعنًا في فقهاء أجلَّاء أو لمزًا لمن يختار هذا القول الفقهي أو ذاك لاجتهاد يثاب عليه في كل حال.
وهكذا، اختبر كلَّ خلاف فقهي يسوقه (منحرف فكري) في أي مسألة كانت، وستجد البقع السوداء طافية على سطحه، ومهما حاول أن يسترها بكلِّ ما أوتي من براعة وسلاسة لفظية واحترازية فإن هذه البقع السوداء تأبى إلا الظهور؛ ليعلم المسلم أنه أمام خلل فكري وليس خلافًا فقهيًا.
стр. 16
في الطريق إلى العلمانية
(الأحكام الشرعية لا يصلح فيها الإِلزام أو المنع؛ من أحب أن يصلي أو يزكي أو يترك الحرام فهو إنسان يعرف مصلحة نفسه، ومن لم يفعل فلا يصلح أن نلزمه أو نمنعه لأن هذا شأن بينه وبين ربه).
هذا فحوى ما سمعته في سياق حديثنا الودي مع سائق الأجرة الذي تكرم بإيصالنا ذات يوم، ودعته ثم فارقته، وقد آذتني هذه الجملة كثيرًا، ليس لأني أسمعها للمرة الأولى، فمؤداها متكدس في المقروء والمسموع؛ لكنَّ المؤذي فيها أنها تصدر من رجل الشارع العادي، وتترجم معنى حاضرًا بقوة في الثقافة الشعبية لعالمنا العربي والإِسلامي.
إذا كانت الأوامر الشرعية غير ملزمة، والنواهي غير ممنوعة فإن السير على هذا الطريق يوصلك إلى بوابة العلمانية وإن لعنتها وبصقت عليها. فالعلمانية تعني
стр. 17
فصل الدين عن الدولة بمعنى عزل الأحكام الشرعية أن تكون مؤثرة في نظامٍ عام ملزم للناس، وحين تكون الأحكام الشرعية شأنًا خاصًّا يُحمَد فاعله ولا يتعرَّض لتاركه وليس لها تعلُّق بنظام أو سلطة فنحن بهذا في وسط باحة العلمانية.
إن إسقاط (الإِلزام) و (المنع) من الأحكام الشرعية هو من مفاصل النزاع مع الفكر العلماني؛ فالفلسفة العلمانية لا تمانع من حضور الطاعات وترك المنهيات لاعتبارات دينية لدى الناس، بل إنها قد تحمي ذلك وتحرسه، ما دام شأنًا خاصًّا لا يؤثر على الآخرين ولا يترتب عليه منع أو فرض لهذه الأحكام وإعلاء لها إلى مقام التقنين والإلزام، ومثل هذا سيؤدي إلى تعطيل الأحكام الشرعية عن القيادة والحكم وإن كانت حاضرة في الوجود لمن أحب.
إن الأوامر والنواهي الشرعية في كتاب اللَّه وسنَّة رسوله ﷺ متجهة إلى الفرد والمجتمع، ومتعلقة بخاصّة المسلم وبنظامه الذي يحكمه؛ فالمسلم حين يقرأ قوله -تعالي-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله -سبحانه-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقوله -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فإن هذا الخطاب متجه للفرد بأن يمتثل أوامر ربه ويتجنَّب نواهيه، ومتجه أيضًا للمجتمع ليحكم بما يريد رب العالمين منه، ولم يكن أحد من السابقين يظن أن هذا الخطاب متجه للفرد، وأما الجماعة فشيء آخر، فالتفكير بهذه الطريقة إنما هو من رواسب التأثير العلماني المكثف في عقول الناس؛ حيث أحدث لكثيرٍ منهم حمل أوامر الشريعة ونواهيها على الشأن الخاص للفرد فقط دون النظام والمجتمع.
стр. 18
لا أدري كيف يتعامل هذا التفكير مع العقوبات الشرعية المحددة في كتاب اللَّه في قطع يد السارق وجلد الزاني والقاذف، فالحكم هنا تجاوز مجرد الإلزام أو المنع الذي يستكثرونه على الشريعة إلى العقوبة المحددة، وحتى الأحكام التي لم ترد الشريعة بعقوبات محددة لها هي من الجرائم التي تستحق (التعزير) بحسب حال الذنب وصاحبه والعوارض المحتفَّة به، (١) فالأوامر والنواهي لا تقف فقط عند حد الإلزام والمنع بل تصل إلى حد العقوبة وهو أمر أعلى من مجرد الإلزام.
وأعلى من هذا كله أنَّ اللَّه -تعالى- قد أمر بالتحاكم إلى ما أنزل، ووصف المستنكفين عنه بالأوصاف العظيمة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، بما يفهم منه كل مسلم أن أحكام الشريعة أحكام قضائية عليا ملزمة، وأن الحكم بها والفصل بين الناس بناء عليها من قطعيات الشريعة، ومن ينفي (الإلزام) و (المنع) كيف يستقيم على فهمه وجود حكم بغير ما أنزل اللَّه؟ وما دامت الأوامر والنواهي شأنًا خاصًّا فما معنى الحكم إذن؟
وتجد في كتاب اللَّه ثناء عظيمًا على هذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وأعطاها اللَّه أمانًا من الهلاك ما دامت ممتثلة له ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، وقد فسَّرها النبي ﷺ في جوابه عن سؤال زينب بنت جحش ﵂: أنهلك
стр. 19
وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (١).
وبقوله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (٢) فانتشار الخبث سبب لهلاك الناس حتى الصالحين منهم؛ ما دام وجودهم لم يكن سببًا للتقليل من الخبث الذي لن يتحقق بدون إلزام ومنع.
كما بيَّن النبي ﷺ مراتب هذه الخيرية فجعل (الإلزام) و (المنع) هو أول هذه المراتب وأعلاها فقال ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٣).
وإذا زال (الإلزام) بأوامر اللَّه و (المنع) عن مناهي اللَّه لم يكن ثمَّ ميزة لهذه الأمة إلا مجرد أن تفعل المعروف وتترك المنكر، وإذا حَسُن أمرها نصحت بالكلام من غير نظام ولا إلزام ولا سلوك عام، وليس في هذا ميزة يُفتَخَر بها؛ لأن فعل المعروف ونصح بعض الناس به تفعله كل الأمم والحضارات، فأي شيء يميِّز أمة محمد ﷺ ؟
لا شك -بعد هذا- أن (الإلزام) و (المنع) سيكون بالحكمة والموعظة الحسنة، ولن يكون مردُّه إلى آحاد الناس مطلقًا، ولن يطالَب الإنسان بشيء من ذلك في حال الضعف وعدم القدرة، أو في حال ترتَّب عليه مفسدة أعظم منه، فكل ذلك
стр. 20
من القواعد الشرعية المستحضرة في هذا المقام، وهي من مكمِّلات أصل الإلزام في الشريعة، ولا يجوز أن تتخذ أداة لتكسير هذا الأصل.
أعرف جيدًا أن صاحبنا حين قال هذا الجملة لم يقصد حقيقتها ولم يدرك لوازمها، وأجزم أنه سيتعوذ باللَّه ويستغفره من مثل هذا القول في مواطن أخرى، لكن هذا لا يعني التهاون مع مثل هذه المفاهيم؛ لأنَّ استمرار حضورها مع ضعف البيان يعطيها الوقت للبقاء والتمدُّد وشقِّ أخاديد الانحراف في عمق المجتمعات المسلمة، لتنساب بهدوء من حيث لا نشعر في طريقها إلى العلمانية.
стр. 21
علمنة الأحكام الشرعية
ستجهد ذهنك كثيرًا حين تريد الوصول إلى أصحِّ الأقوال لأصل كلمة (العلمانية) ومفهومها؛ نظرًا لأعداد الدراسات المعاصرة المتفرقة في هذا المضمار, إلا أن جميع الدراسات تتفق أن حقيقة العلمانية تكمن في درجة الابتعاد عن (الدين) فبعضها يرفع من درجة الانحراف العلماني ليقصي الدين بالكليَّة عن جميع مناحي الحياة, وتقترب عند آخرين فيكون ابتعاد (الدين) منحصرًا في شؤون النظام والحكم.
لا حاجة بنا لأى حديث مع (المفهوم الأول) لأنه مفهوم استئصالي للدين, ومثل هذا تنكره النفوس بداهة فيكفي أن يفهم المسلم معناه حتى يرفضه وينكره؛ وإنما تكمن الإشكالية في المفهوم الثاني الذي لا ينكر الدين ولا ينفيه وإنما يقطِّعه من أطرافه ويقزِّم من عليائه فيؤمن به من تحت سقف الإلزام والنظام والحكم.
ونسجل هنا بإشادة وإعجاب: أن جهود العلماء والمصلحين والباحثين خلال عقودٍ من السنين في التحذير من العلمانية وبيان خطرها وتشديد النكير على
стр. 22
أصحابها قد ساهم في خلق حالة وعي وإدراك عميق لدى الشعوب المسلمة تنفر بها من العلمانية حتى على المفهوم الأقل تطرفًا، وهو ما جعل كثيرًا من العلمانيين يهربون من مجرَّد الانتساب إليها.
إذن، فالوعي المسلم مدرك لخطر العلمانية بمفهومها المتطرف أو بمفهومها العتدل (الأقل تطرفًا). والإشكالية التي هي بحاجة إلى وعي وبحث وعناية هي في تسرُّب بعض المفاهيم العلمانية إلى الأحكام الشرعية؛ حيث أصبحت جملة من الأحكام الفقهية تقدَّم بصورة جديدة تجعلها مقبولة لدى التفكير (العلماني)، فالتفكير العلماني يرفض قيام القوانين والأنظمة في الدولة المدنية بناءً على (رؤية دينية) ومن ثَمَّ فلا تحفُّظ لديه على كثيرٍ من الأحكام الشرعية التي ليس لها تأثير على النظام العام: كأداء العبادات واجتناب المحرَّمات وأداء الصدقات. . . إلخ؛ وإنما الإشكالية في الأحكام التي لها تأثير كالحدود ومنع المعاصي والإلزام بالواجبات فجاءت هذه الخطوة لتتعامل مع هذه الأحكام بطريقة معيَّنة تجعلها مقبولة للتفكير العلماني.
هذا ما دفع بعضهم لرفع خاصية (المنع) و (الإِلزام) عن الأحكام الشرعية، فقدَّم الأحكام الشرعية على أنَّها أوامر ونواهٍ يطلب من المسلم فعلها أو اجتنابها، ومن يخالف في ذلك فيمكن مراقبته ومحاسبته من خلال النصيحة والموعظة الحسنة من غير أن يكون ثمَّ منع لهذه المحرَّمات أو إلزام لتلك الواجبات فضلًا عن العقوبات والحدود، فرسمها في هذه الصورة بحالة مقبولة تمامًا لدى التفكير العلماني المعاصر.
وتطبيق الشريعة وما يتبع ذلك من أحكام وآثار هو عند آخرين من آثار تطبيق الديمقراطية واختيار الأكثرية، فالإلزام بالأحكام الشرعية ليس راجعًا إلى كونها
стр. 23
دينًا وشريعةً من رب العالمين؛ وإنما لكونها قانونًا ونظامًا قد تعاقد عليه الناس كما يتعاقدون على أي نظام آخر من أنظمتهم الدنيوية.
وحدُّ الردَّة في الشريعة الإِسلامية ليس هو للمرتد عن الإِسلام كما كان الفقهاء يقولون؛ وإنما هو للخارج عن القانون والمتمرِّد على الدولة فيكون جزاؤه القتل كما تعتمده النظم المعاصرة في ما يسمى بـ (الخيانة العظمى).
والزيادة المحرمة في الشريعة من الربا الذي يجب منعه ليس هو ما اتفق الفقهاء عليه من الزيادة على الدَّين، وإنما هو الزيادة على الفقراء في ما يحصل به ضرر عليهم فيتدخَّل النظام لمنعه كما يتدخَّل لمنع أي ضرر دنيوي.
والجهاد في الشريعة الإِسلامية ليس هو الجهاد لإِعلاء كلمة اللَّه تعالى؛ وإنما هو في القتال للدفاع عن الأراضي المحتلَّة فقط كما تقرره جميع القوانين المعاصرة في حقِّ الشعوب لصدِّ المعتدي على أراضيها.
وشرط الإِسلام الذي يتفق الفقهاء على اشتراطه لكل من يتولى الرئاسة العامة أو القضاء أو الإِمارة، أصبح أمرًا تاريخيًا متعلقًا بظرف معيَّن حين كانت الدول تقوم على التمايز الديني وقد زال سببه مع الدولة المدنية التي تلغي تأثير الدين في التمييز بين المواطنين الذين تشملهم المساواة.
ووصف الأنوثة المؤثر في (الشهادة) و (الولاية) وفي غيرها كما اتفق عليه الفقهاء أصبح متعلقًا كذلك بظرف زمني معيَّن كانت المرأة لا تشارك الرجال ولا تخالطهم وقد زال هذا المعنى في العصر الحاضر فلم يعد لوصف الأنوثة ذي الصبغة الدينية أي تأثير.
стр. 24
كذلك أصبح (الولاء) و (البراء) في معاملة غير المسلمين متعلقًا بظرف زماني كان العداء فيه ظاهرًا بين المسلمين ومخالفيهم، فكان لابد من حضور وصف البراءة منهم، ومن لا تكون حاضرة لديه فهو مظنة تهمة على ميله وتعاطفه مع العدو المحارِب للدولة، وقد زال هذا المعنى مع الدول المعاصرة التي تقوم علاقاتها على المصالح الدنيوية دون اعتبارات أخرى.
والضوابط الشرعية التي يلزم النظام حفظها في العلاقة بين الرجل والمرأة هي محاربة الابتزاز وتجريم التحرش الذي تقرِّره القوانين المعاصرة لما فيه من تجاوز وتعدٍّ، مع إضعافٍ أو تغييبٍ للضوابط الدينية المحضة كالخلوة والتبرُّج وغضِّ البصر والخضوع في القول وغيرها.
وهكذا. . . تبقى الأحكام الشرعية على مسمياتها، بعد أن ينتَزَع منها الوصف الديني الذي لا يستقيم مع الذائقة العلمانية المعاصرة وتحوُّل الأحكام الشرعية إلى كيفيات ومواقع مختلفة لا تتصادم مباشرة مع التفكير العلماني المعاصر.
يا ليتهم علموا أن هذه الطريقة في التعامل مع أحكام الشريعة قد تحقق مكاسب سريعة في التخلُّص من إحراجات الأسئلة العلمانية المتلاحقة، وربَّما ترسم بعض صور الاستحسان على شفاه أقوام عن الخطاب الشرعي، غير أنَّها ستكون صك اعتراف منهم بأن الأحكام الشرعية بصورتها الحقيقية تعاني من الخلل والقصور، وأن هذا الاجتهاد المعاصر هو سبيل التخلص من أزمة العيب الذي يلاحق الأحكام الشرعية.
стр. 25
إذن، فما سيكون جوابهم عن المخالف الفطن حين يقول لهم: إن القول الذي تفرُّون منه هو قول كافة الفقهاء وهم أعلم بالإِسلام وبفقه الشريعة منكم؛ فإِن كان في الأمر عيب ونقص وخلل فهو في ذات الشريعة (باعترافكم)!
إنه تأويل للأحكام الشرعية بطريقة تقرِّبها كثيرًا من التفكير العلماني وتخفِّف من غلواء ضغط الثقافة المعاصرة عليها، غير أنَّها تبتعد عن مقاصد التشريع وتخرج عن دائرة التفكير الفقهي بقدر بُعدِها عن النصِّ الشرعي، وربَّما دخلت على بعض الأفاضل والأجلَّاء لاجتهاد وتأويل هم مأجورون ومثابون عليه، وليس في هذا حديث إساءة أو تقويم لهم، غير أن مراعاة القائل واعتبار اجتهاده وقصده الحسن لا يحول دون بيان خطأ الرأي وتوضيح العوامل التي قد تكون مؤثرة فيه.
стр. 26
يؤمنون بالشريعة. . . إلا قليلًا !
لم يكن لديَّ شكٌّ أن هذا خطأ، وانحراف، ومعارضة تنافي واجب التسليم للَّه ولرسوله ﷺ . . . هذا ما كان يدور في خاطرى وصوت القائل يتردد في أذني يؤكد -بعد إنكاره لبعض الأحكام الشرعية-: (أنه يؤمن بأن الشريعة والنصوص النبوية لا تنافي العقل أو تتعارض مع المصلحة، وإن وجد خلاف ذلك فإن من إيمانه بالشريعة أن ينزهها عن هذا الحكم؛ فلا يقرُّه ولا يؤمن به).
وقد كنت أحسبها واضحة عند من يسمعها حتى بعثَّر حساباتي ما سمعته وقرأته من بعض الناس مِن حَمْلِه مثل هذا الكلام على معنى (أنَّ الشريعة والنصوص النبويّة تأتي على ما فيه المصلحة والعقل).
تأمل في عبارته جيدًا. . . إنه لم يجعل أحكام الشريعة مؤدِّية لما فيه مصلحة، وما يتفق مع العقل والفطرة السويَّة؛ وإنما وضع (شرطًا) للأحكام الشرعية التي سيؤمن بها ويقبلها، وهو أن تكون على ما فيه المصلحة والعقل، فهو انقياد للنصوص الشرعيَّة (مشروط) بسلامة النتيجة؛ بحيث لا تخالف العقل والمصلحة.
стр. 27
أين من يقرأ في نصوص الشريعة ويبحث في أحكامها لينظر في مراد اللَّه ومراد رسوله ﷺ لأجل أن يؤمن به ويعمل بمقتضاه، ويؤمن بعد ذلك كلِّه، أنَّ هذا هو العقل والمصلحة ويعتمد في سبيل ذلك على أقاويل الصحابة وتفاسير التابعين ومذاهب الفقهاء واللغويين حتى يهتدي إلى مراد اللَّه ومراد رسوله ﷺ ؟
أين هذا ممن يضع أحكامًا عقليَّة مسبقة ومصالح دنيوية محددة يرى أنَّها بحسب هواه وعقله القاصر هي العقل والمصلحة التي لا تأتي الشريعة بما ينافيها، فإذا وجد آية مُحْكَمة أو حديثًا صحيحًا يهزُّ بعض جوانب هذه الثوابت المتقررة لديه بادر بتكذيب الخبر أو تأويله لأنه ينافي العقل والمصلحة.
ليست هي مقابلة بين (الشريعة) و (العقل)، بل هي مقابلة بين الشريعة وعقل هذا الإنسان وفهمه وإدراكه؛ فهو يجعل أحكام الشريعة مرهونة التطبيق حتى تنفكَّ من معارضتها للعقل بحسب فهمه، فإذا لم يفهم بطلت الشريعةُ، فأصبح عدم الفهم لحكمة الشريعة سببًا لتوقُّف العمل بالأحكام الشرعية.
إنَّ الحكم على الشيء بأنه موافق (للعقل) أو منافٍ له إنما يتأثَّر بذات الشخص وتجاربه وعلمه وبيئته التي يعيش فيها؛ فهو إدراك نسبي في لحظة معيَّنة تتغيَّر مع تقدُّم العمر أو اكتساب المعرفة أو حدوث التجربة، ومن ثَمَّ فالعقل الذي يتحدث عنه عقل آني متغيِّر، وكلُّ ما يقال عنه إنه العقل. . . يوجد في الضفَّة المقابلة من يقول هو ضدُّ العقل وينافي جميع المقدمات العقليَّة؛ فعلى أي الضفَّتين ستستقرُّ الأحكام الشرعية؟
إنَّ جزءًا من الشريعة -بناءً على هذه (المشروطية) - غير قابل للتنفيذ، وهذا الجزء يضيق ويتَّسع بحسب (العقل) الذي يحمله كلُّ إنسان، وبحسب
стр. 28
المصلحة التي يعرفها أو يريدها؛ فالأحكام التي يفترق فيها الرجل عن المرأة في الشريعة متوقِّفة عند العقل الذي يرى المصلحة في (المساواة)، والأمر بالأحكام الشرعية والإلزام بها وإقامة الحدود عليها متوقِّفة عند العقل الذي يرى المصلحة في (الحريات)، والنصوص الشرعية في الإيمان بأسماء اللَّه وصفاته متوقفة عند العقل الذي يرى (التأويل أو التفويض)، والإيمان بصحيح سنَّة الرسول ﷺ متوقِّف عند العقل الذي يرى المصلحة في (الاكتفاء) بالقرآن أو بالمتواتر من السنَّة أو بإخراج السنَّة عن دائرة التأثير في العقائد أو التشريعات.
وهكذا يدخل (العقل) وتأتي (المصلحة) لتسحب جزءًا من الشريعة عن الإيمان والتسليم، وإن كان هذا الجزء لدى كثير منهم هو قليل بالنسبة لما يؤمنون به من الشريعة إلا أنَّ هذا الجزء لا يدرى ما حدُّه وما ضابطه؟ فكلُّ جزء من الشريعة هو قابل لأن يقر أو يرفض، وما تؤمن به الطائفة الفلانية فمن الممكن أن تنكره الطائفة الأخرى بسبب العقل والمصلحة، وكلُّ ما يؤمنون به مما يعتقدون أنه موافق للعقل والمصلحة يمكن أن ينكَر عند آخرين لمخالفته للعقل والمصلحة.
إن المسلم حين يؤمن بأن الإِسلام هو دين اللَّه الذي أنزله على محمد ﷺ ، وأنَّ أحكامه وشرائعه هي ما يريده اللَّه ويرضاه، فإنَّ واجب التسليم للَّه أن ينقاد لأمر اللَّه وأمر رسوله ﷺ حين يصح عنه؛ فيؤمن بأن ما جاءت به الشريعة هو من أعظم المصالح وأكمل ما تهتدي إليه العقول، وكلُّ التجارب التي عارضت النصوص بدعوى المصلحة أو العقل لا يطول عليها الزمان حتى تكشف الدلائل والبراهين عن أحقية النص الشرعي بالعقل والمصلحة الذي قد غاب عن مدارك الكثيرين.
стр. 29
إن من كمال العقل أن يعتقد المسلم أن ما يجيء في الشريعة هو العقل والصلحة، وحين يضع عقلُه سقفًا يحول دون نفوذ شعاع الوحي فإنه سيحرم نفسه خيرًا عظيمًا في النصوص والأحكام التي يحكم من خلالها على (معقولات) الناس وتضع المعايير التي تحدِّد المعنى الذي يقبله العقل والذي يرفضه؛ فالواجب أن تكون أحكام الشريعة حاكمة على العقل ومحددة لأُطره ومسيِّرة لعمله، وليس العقل هو الذي يحدِّد الشريعة ويضع عليها الشروط والمواثيق.
إنهم بهذا يؤمنون بأحكام الشريعة إلا قليلًا، وهذا القليل لا يعلمه إلا اللَّه، فقد ينكشف في أبواب الاعتقاد أو المعاملات أو العبادات، وقد يكون كثيرًا أو قليلًا وقد يكون من الأحكام المجمَع عليها أو المختلَف فيها، وقد يكون من آيات القرآن أو من نصوص السنَّة، ولا يعلم أحد من أي طريق سيأتي هذا البلاء؟
ألا فَلْتنسَ كلَّ هذا، ويكفيني أن تعوف أن الفرق بين الشخصين الذَين يقول أحدهما: (أؤمن بالشريعة، وكلُّ ما فيها فهو حقّ ومصلحة) ويقول الآخر: (أؤمن بالشريعة ما لم تعارض العقل والمصحلة)؛ كالفرق بين من يقول: (أؤمن بالشريعة لأنها صدق ولا تخالف الواقع)، وبين من يقول: (أؤمن بالشريعة ما لم تكن كذبًا ومخالفة للواقع)!
شيء مدهش حقًّا، لم أكن أظن أن هذا المعنى الذي بسطتُ في شرحه كلَّ هذا، وأجهدتُ نفسي والقارئ الكريم في تتبعه وملاحقة أفكاره، قد صاغه (شيخ الإِسلام ابن تيمية) بأسطر من نور يعجز البيان عنها لولا توفيق ربِّ العالمين، يقول ﵀: (إن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان حقًا أو باطلًا، فإذا جوَّز المجوّز أن يكون في (المعقولات) ما يناقض خبر الرسول لم يشق
стр. 30
بشيء من أخبار الرسول؛ لجواز أن يكون في (المعقولات) التي لم تظهر له بعد ما يناقض ما أخبر به الرسول، ومن قال: أنا أُقِر من الصفات بما لم ينفه (العقل) أو أثبت من السمعيات ما لم يخالفه (العقل) لم يكن لقوله ضابط؛ فإِن تصديقه بالسمع مشروط بعدم (جنس) لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطًا بعدمِ ما لا ينفبط لم ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان؛ ولهذا تجد من تعوَّد معارفة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإِيمان) (١).
стр. 31
ولا تهنوا. . . في طريق المطالبة بتحكيم الشريعة
يميل بعض الإسلاميين الفضلاء إلى تصوير (تطبيق الشريعة) في النظام الإسلامي بما يتوافق مع كيفية تطبيق القوانين في النظم السياسية المعاصرة؛ وذلك من خلال أن يتفق الناس باختيارهم على دستور للحكم هذا الدستور بما يكفل عدم مخالفة أي قانون داخلي لنظام هذا الدستور.
ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكن إيجاد مخرجٍ لهذا التخريج يهوَّن فيه من أمر هذا الخلاف؛ غير أن محاولة تكييف تطبيق الشريعة بما يتلاءم مع النظام الديمقراطي المعاصر جعل تطبيق الشريعة ليس إلا مادة من موادِّ الدستور يجري عليها ما يجري علي أي مادة أخرى من إمكانية الحذف والتعديل والتقييد, ومن كون المشروعية والقوة فيها تعتمد على كونها رغبة الناس وإرادتهم لا كونها شريعة من رب العالمين, وأن الشريعة لا يمكن أن تُحكَم إلا بعد تعاقد الناس ورضاهم لأن الإرادة للأمة فلا تُكرَه على شيء لا تريده.
стр. 32
من الصراحة المهمة أن نقول: إن مثل هذا التخريج هو من قبيل لَيِّ الشريعة وتطويع أحكامها بما يجعلها متلائمة مع الثقافة الغربية المعاصرة، ولئن كان التطويع في زمن مضى حاضرًا بقوة في قضايا (المعجزات) و (الأمور الغيبية) لتعارُضها مع المنهج المادِّي الغربي فإن أعراض هذا الوهن قد انتقلت إلى جهة أخرى، من خلال تطويع الأحكام الشرعية بل والشريعة كلها بما يتوافق مع سطوة الثقافة الغربية المعاصرة في قضايا الحقوق والحريات المدنية.
إن هذا التفسير وإن أغتر به بعض الإِسلاميين إلا أنه مناقض للشريعة ومعارض لأصولها؛ فليس لنا خيار في تطبيق الإِسلام حتى ننتظر به رأي أقليَّة أو أكثرية؛ فمن يرفض الإِسلام هو خارج عن دائرته فلن تكون أحكام ديننا متوقفة على إرادته، وقد بذل الصحابة مُهَجَهُم ودماءهم في سبيل فتح البلاد لنشر الإِسلام ولم تتوقف الفتوحات في يوم من الدهر لمعرفة رأي الناس وهل يقبلون بدخول جيوش الإِسلام أم لا؟ بل إن علماء الإِسلام متفقون على أن الطائفة التي تمتنع عن حكم شرعي واحد فإنها تقاتَل حتى تلتزم بالإِسلام، (١) فلم يكن لأي طائفة خيار على ترك حكم شرعي واحد ولو اتفقت عليه كلها، وسياق الدلائل الشرعية في بطلان هذا التصور يطول.
إنَّ مثل هذا التخريج وإن بدا متلائمًا بعض الوقت ومقنعًا لبعض المخالفين إلا أن له أثرًا سلبيًا بالغ السوء في إثخانه بالأحكام الشرعية وتهوين قدرها في قلوب المسلمين، وذلك من جهات كثيرة، من أبرزها:
стр. 33
أولًا: أن الشريعة حين تحكم الناس (على هذا التفسير) فليس لكونها شريعة من رب العالمين وإرادة من الحي القيوم؛ وإنما مستنَد ذلك كونها رغبة الناس وإرادتهم؛ فالواجبات الشرعية من إقامة الشعائر ورفض الخمور والفواحش والربا. . . لا تستمد سلطتها من كونها أمرًا شرعيًّا، بل تستمد شرعيتها من خلال رضا الناس ورغبتهم، وهذا هو تفسير آلية عمل الدستور في النظم السياسية المعاصرة، وفي هذا من تهوين الأحكام ما يهزُّ ضمير أي معظِّم لنصوص الشريعة.
ثانيًا: وإذا كانت الشريعة إنما تحكم لإرادة أكثرية في الدستور، فبإمكانهم أن يرفضوها من خلال الطريقة نفسها؛ فالدستور ليس شأنًا جامدًا لا يتغير، بل هو قابل للتغيير والتعديل، وحينئذٍ سيكون بقاء الشريعة في النظام الإِسلامي مرتبطًا برضا وإرادة الأكثرية من الناس وليست أمرًا ثابتًا وضروريًّا، وهذه ثغرة مهولة في أساس هذا التفسير ولازم شنيع، وقد دافع عنها أصحابها بأنَّ إجراءات تعديل الدستور تبدو معقَّدة وطويلة بعض الشيء ولا يمكن للناس أن يتفقوا على تغيير مادة تطبيق الشريعة. . . إلخ، والجواب عنه أن يقال: إن مجرد القول بأن حكم الشريعة مما يمكن أن يعاد النظر فيه هو جريمة لا تحتمل، فليس لمسلم في الشريعة أن يختار في أي حكم شرعي ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فلا خيار للمؤمن في أي حكم شرعي؛ فكيف يكون له الخيار في ترك الشريعة بأكملها؟ فليس لأي مؤمن أحقية اختيار الحكم الشرعي حتى ولو كان سيختار الإِسلام؛ لأن إيمانه باللَّه يجعله منقادًا ومختارًا لأوامر اللَّه؛ فالميثاق بهذه الطريقة قائم على (إقرار) بجواز تغيير الشريعة إن أراد الناس ذلك، وهذا شرط باطل وشنيع، وحتى لو كان مثل هذا بعيدًا، فالدخول في العقود الدنيوية المحرَّمة باطل لتضمُّنه رضًا بمحرم؛
стр. 34
فكيف حين يكون العقد مجيزًا لتعطيل الشريعة بأكملها!
ثالثًا: وحين ترفض الأكثرية تطبيق حكم الإِسلام فإن هذا التفسير يحترم لهذه الأكثرية إرادتها ويسلِّم لها ما تريد، وهذا لازم شنيع يتحاشى كثيرًا الحديث عنه، وإن كان قد التزم به آخرون، فجعلوا النظام السياسي الإِسلامي بهذا يقوم على اعتبار أقوام قد حكم اللَّه على من فعل دون فعلهم بالكفر، فمن يستنكف عن التحاكم إلى الشريعة كافر بنص القرآن؛ فكيف بمن يرفض الشريعة كلها ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]؟
وقد يقال هنا بأن الأكثرية إذا رفضت الحكم بالشريعة فلا يكون بإمكانك أن تحكم بالشريعة؟ وجوابه: أن الواجب متعلق بالقدرة والاستطاعة، فإذا لم يتمكن المسلمون من الحكم بالشريعة فهم معذورون، وهو شيء خارج عن موضوعنا. غير أنَّ أصحاب هذا التفسير يرفضون الحكم بالشريعة على خلاف رغبة الأكثرية لأنَّ هذا ينافي حريَّة الاعتقاد وحق الاختيار ويؤسس للنزاع والخلاف، وهو ما يعني أن حديثهم متجه إلى تطبيق الشريعة في وضع الاستطاعة والقدرة، فلما اعترض عليهم بخطورة مثل هذا الرأي استدلوا بوضع الضرورة!
وهاهنا مغالطة كبيرة لابد من الوقوف عندها قليلًا، وهي تصوير التصويت الذي يجري في النظام الديمقراطي حين يغلب طرف طرفًا وكأن الطرف الغالب هو رأي الأكثرية التي لا يمكن إكراهها أو فرض ما يخالفها إلا بحرب وفتنة، وأنهم حين يرفضون الإِسلام فالأولى دعوتهم للإسلام لأن المشكلة حينئذٍ من الناس؛ فالمغالطة هنا ظاهرة لأن سقوط الشريعة في التصويت لا يعني رفض الناس للشريعة، بل إن في الدستور من الصياغات القانونية ما لا يفقهه أكثر الناس
стр. 35
فحين تسقط الشريعة في التصويت فليس معناه أنك أمام شعب يرفض الإِسلام، كما أن هذا التصويت يتأثر بشكل كبير جدًا بالحملات الإعلامية التي تشوِّه الصورة وتلبِّس على الناس، كما أن الأكثرية لا تعني أن أكثرية الشعب يرفض هذا، بل هي أكثرية المشاركين في العملية الانتخابية وهم في الغالب لا يشكِّلون أي أكثرية على الحقيقة.
ستعرف فداحة هذا الرأي على الشريعة حين تأتي بمثله في موضوع الحريات مثلًا، ما رأيهم لو أن مجتمعًا مَّا رأت الأكثرية فيه أن تنتهك حقوق الأقلية، وأن تضيِّق عليهم في حقوق المواطنة، وأن تجعلهم طبقة مختلفة عن الأكثرية، هل يجعلون مثل هذا قابلًا للتصويت؟ لماذا يتفقون على أن هذه القضايا خارجة عن التصويت ويدعمون أي رأي يحفظها من التصويت ولو كان من فرد ما دام أنه يحفظ الحقوق؟ فلماذا تكون الشريعة دون هذه الحريات؟
رابعا: أن أحكام الشريعة وأصولها تكون محترمة على هذا لمجيئها في الدستور؛ فاحترامها وتقديرها من احترام وتقدير الدستور، فهي من جنس المواد والقوانين المنصوص عليها في الدساتير مما هو من شؤون الإدارة والمعيشة الحياتية، فليس لها من القوَّة والخصوص شيء يذكر، والحديث عن مكانتها وقدرها إنما يكون بناء على تعظيمنا للدستور؛ فعظمة الشريعة تابعة لعظمة الدستور لا العكس.
خامسا: وإذا كان تطبيق الشريعة راجعًا لإرادة الناس، فبالإمكان تصير الشريعة والتخفُّف من بعض أحكامها مراعاة لإرادة الناس التي كانت السبب في الحكم بالشريعة، فترك بعض أحكام الشريعة والتخفُّف من قوانينها التي
стр. 36
تصادم شهوات الناس هو من استلهام روح الدستور، وحينها فلن يتعرَّض لأصل الشريعة بالتغيير؛ وإنما سينال التغيير جزءًا كبيرًا من أحكامها لتتلاءم مع الذائقة المعاصرة في حريات الاعتقاد والدعوة وإقامة الشعائر والمساواة المطلقة والتخفُّف من أحكام الإلزام والمنع.
سادسا: أن النظم السياسية المعاصرة لم تجعل للأكثرية إرادة مطلقة؛ لأن استبداد الأكثرية أشد عنفًا وطغيانًا من استبداد الفرد الذي يحاربونه؛ ولهذا قيَّدوا إرادة الأكثرية بجملة من الحقوق التي لا يجوز للأكثرية أن تمسَّها ولا أن تسنَّ فيها قوانين تنافيها؛ فالحريات والمساواة وحقوق الأقلية والمواطنة وغيرها حدود مُحكَمَة لا يمكن لإرادة الأكثرية أن تتجاوزها؛ إذن فإرادة الأكثرية لا تعمل في فضاء مطلق، بل هي مقيَّدة بأصول فكرية محددة؛ فعجبًا لماذا يضعف بعض الإسلاميين عن المطالبة بأن تكون الشريعة من الحدود التي لا يجوز المساس بها؟
لماذا لا يطالبون -على أقل الأحوال- بتحكيم الشريعة من خلال إرادة الأمة، فيقررون أن الأمة دينها الإِسلام ولن تختار غير الإِسلام فيطالبوا باختيار الناس وأن الإِسلام هو خيارهم بلازم كونهم مسلمين، ما حاجتهم لأن يعتقنوا مثل هذه التأصيلات المضللة؟ لماذا يتصور البعض أنه لابد أولًا من إعطاء الناس الخيار المطلق ثم بعد ذلك المطالبة بتطبيق الشريعة؟
سابعا: أن القول بأن المجتمعات المسلمة ستختار الإسلام لا يساوي القول بأن الشريعة هي الحاكمة ابتداء كما سبق من الأوجه، وفيها أيضًا إشكالية أخرى، وهي أن مجرد الاعتراض على الشريعة وحكمها هو فعل مجرم في النظام السياسي
стр. 37
الإِسلامي، وهي ورطة لا يمكن أن يتخلص منها من خلال هذه الديمقراطية الملفقة، فإذا استطعت أن تصل إلى حكم الإِسلام من خلال الديمقراطية فإنك لن تستطيع أن تمنع الآخرين من رفض الإِسلام ونقد حكمه، أو المطالبة بإزالة مادته من الدستور، فوجود المادة في الدستور لا يمنع من نقدها وأحقية المطالبة بإزالتها وهو حق تكفله النظم المعاصرة لكونه ينسجم مع ثقافتها لكنه لا يمكن أن يكون مقبولًا في النظام السياسي الإسلامي.
ثامنا: إذا كانت الديمقراطية ليست سوى وسائل إجرائية لحفظ الحقوق وتقييد صلاحية السلطة ومراقبة أدائها، فإن القول بأن الأكثرية حين تريد غير حكم الشريعة فلها الحق في ذلك يشكك في الموضوع برمَّته؛ فالتمسك برأي الأكثرية حتى ولو رفضت الإِسلام يجعل الموضوع ليس إجرائيًا فحسب، بل فلسفة عميقة تقوم على مبادئ ومنطلقات منافية للشريعة، فالنشاط الفكري الذي يسعى إلى (أسلمة) الديمقراطية بجعلها مجرد أشكال إجرائية يسقط في الامتحان سريعًا حين يتمسَّك برأي الأكثرية حتى ولو خالفت الشريعة؛ فهذا لا يمكن أن يكون مجرد إجراء.
تاسعا: حقيقة الإشكال ليست مع المشاركة في العملية الديمقراطية لتحقيق أرجح المصلحتين ودرء أشد المفسدتين؛ فهذه حالة اجتهادية تقديرية يُسلَك فيها ما يكون أنفع للإسلام والمسلمين، إنما الإشكال هو في التصور الفاسد الذي سبق الحديث عنه وهو أمر خارج عن المشاركة ومختلف عن ظروف الحاجة؛ فالضرورة والحاجة لا تدفع المسلم إلى الرجوع للمفاهيم بالتحريف والتأويل لأن لها أحكامها الخاصة.
стр. 38
قد كان الواجب أن يكون تعظيمهم للشريعة وتطبيق أحكامها أعظم في نفوسهم من ضمان مجيء الحكم بالإِسلام على وَفْقِ النظريات السياسية الغربية، وبإمكانهم أن يقرروا التحاكم إلى الدساتير مع جعل الشريعة سلطة عليا فوق الدساتير، فيكون لإرادة الناس وضع ما يريدون في الدساتير، وتكون الشريعة وأحكامها فوق هذه الدساتير وحاكمة عليها، وهي سياسة موجودة حتى في النظم السياسية المعاصرة التي تقرر حق الأغلبية في اختيار النظام السياسي الذي يريدون، وتقرر في الوقت نفسه أن ثَمَّ أصولًا ومبادئ في تفاصيل حقوق الإنسان وحرياته ترفض أن يقوم أي دستور على معارضته، فمن المرفوض تمامًا في الثقافة الديمقراطية المعاصرة أن يقوم دستور على انتهاك أي حقٍّ من حقوق الإنسان أو حرياته على وَفْقِ المعيار الغربي، أيكون قدر الإِسلام في قلوب أتباعه دون قدر حقوق الإنسان لدى أولئك الغربيين!
стр. 39
جامعة الانحرافات الفكرية المعاصرة
هلع وارتباك وتحفّز يصيب كثيرًا من المؤلفين المعاصرين في موضوعات النظام السياسي حين يمر على بحث (حد الردة) في الإِسلام؛ فهو يشكل إحراجًا لا يطاق أمام ضغط الثقافة الغربية المعاصرة التي تضع (الحرية الدينية) في قمة هرم الحقوق والحريات المدنية التي تحتضنها، وتقاتل في سبيل التزام جميع الأمم والحضارات بها على وَفْق التفسير والمعيار الغربي.
فتوالت البحوث والدراسات التي تبحث في الدلائل الشرعية عما يخفف من شدة نكير الأصوات المستغربة ليصلوا بيهذا الحكم الشرير إلى (النفي) أو (التأويل) أو (التكييف) الذي يجعله متلائمًا مع الحالة المعاصرة.
وهذا ما يفسر لك أن البحث في إشكالية الردة وإثارة الخلاف حول حكم المرتد لم يكن له أي حضور في المذاهب الفقهية السالفة؛ فمع أن الفقهاء يختلفون في كثيرٍ من المسائل، ويتنازعون حتى في المسائل التي وردت نصوص صريحة فيها إلا أن إقامة الحد على الرجل المرتد لم يكن مجال خلافٍ بينهم؛ فقد أجمع عليه الفقهاء كافة،
стр. 40
وحكى الإجماع عليه عشرات من الفقهاء من مختلف الأزمان (١)، بينما تجد هذا الحكم حاضرًا ومشكلًا في الدراسات المعاصرة، وهو ما يدلل على أن العامل المؤثر فيها ليس هو النظر في الاجتهاد الفقهي بقدر ما هو تأثر بروح الثقافة الغربية.
الملفت للانتباه أن التخلُّص من هذا الحكم الشرعي لم يسر على طريقة واحدة؛ فلئن اتفقت كلمة كثير من المعاصرين على ضرورة الانفكاك من تبعات هذا الحكم، إلا أن وسيلة تنفيذ ذلك قد تعدَّدت في ما بينهم، فاجتمعت علينا طرائق كثيرة نستخلص من كل واحدة منها منزعًا من منازع الانحراف الفكري، تتباين في ما بينها تباينًا كبيرًا إلا أنها تجتمع على وصف الحال بأنه (إشكالية حد الردة).
فبعضهم: ينكر هذا الحكم لعدم ذكره في القرآن الكريم، فينظر في الآيات القرآنية التي تخاطب الكفار وتحكي مقولاتهم فلا يجد فيها أي عقوبة لهم في الدنيا، وهو ما يعني أن الشريعة لا ترتب أي عقابٍ دنيوي على من يمارس حريته الدينية في الدنيا، وهذا التفسير يستبطن الانحراف القائم على (إنكار) سنة النبي ﷺ ورفض الإيمان بها؛ لأن حد الردة لم يثبت إلا في سنة النبي ﷺ ، فالمطالبة بأن يُذكر الحكم في القرآن يعني أن السنة غير كافية في هذا الباب.
ولا يصل الأمر بآخرين إلى هذا الحد؛ فهو يثبت السنة النبوية لكنه يحكم على حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" (٢) بأنه من قبيل أحاديث (الآحاد) ولا يستقيم