← Общие книги

Общие книги · id 14435

معركة النص

فهد العجلان

Полный текст (285 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تصادم شهوات الناس هو من استلهام روح الدستور، وحينها فلن يتعرَّض لأصل الشريعة بالتغيير؛ وإنما سينال التغيير جزءًا كبيرًا من أحكامها لتتلاءم مع الذائقة المعاصرة في حريات الاعتقاد والدعوة وإقامة الشعائر والمساواة المطلقة والتخفُّف من أحكام الإلزام والمنع. سادسا: أن النظم السياسية المعاصرة لم تجعل للأكثرية إرادة مطلقة؛ لأن استبداد الأكثرية أشد عنفًا وطغيانًا من استبداد الفرد الذي يحاربونه؛ ولهذا قيَّدوا إرادة الأكثرية بجملة من الحقوق التي لا يجوز للأكثرية أن تمسَّها ولا أن تسنَّ فيها قوانين تنافيها؛ فالحريات والمساواة وحقوق الأقلية والمواطنة وغيرها حدود مُحكَمَة لا يمكن لإرادة الأكثرية أن تتجاوزها؛ إذن فإرادة الأكثرية لا تعمل في فضاء مطلق، بل هي مقيَّدة بأصول فكرية محددة؛ فعجبًا لماذا يضعف بعض الإسلاميين عن المطالبة بأن تكون الشريعة من الحدود التي لا يجوز المساس بها؟ لماذا لا يطالبون -على أقل الأحوال- بتحكيم الشريعة من خلال إرادة الأمة، فيقررون أن الأمة دينها الإِسلام ولن تختار غير الإِسلام فيطالبوا باختيار الناس وأن الإِسلام هو خيارهم بلازم كونهم مسلمين، ما حاجتهم لأن يعتقنوا مثل هذه التأصيلات المضللة؟ لماذا يتصور البعض أنه لابد أولًا من إعطاء الناس الخيار المطلق ثم بعد ذلك المطالبة بتطبيق الشريعة؟ سابعا: أن القول بأن المجتمعات المسلمة ستختار الإسلام لا يساوي القول بأن الشريعة هي الحاكمة ابتداء كما سبق من الأوجه، وفيها أيضًا إشكالية أخرى، وهي أن مجرد الاعتراض على الشريعة وحكمها هو فعل مجرم في النظام السياسي

стр. 37

الإِسلامي، وهي ورطة لا يمكن أن يتخلص منها من خلال هذه الديمقراطية الملفقة، فإذا استطعت أن تصل إلى حكم الإِسلام من خلال الديمقراطية فإنك لن تستطيع أن تمنع الآخرين من رفض الإِسلام ونقد حكمه، أو المطالبة بإزالة مادته من الدستور، فوجود المادة في الدستور لا يمنع من نقدها وأحقية المطالبة بإزالتها وهو حق تكفله النظم المعاصرة لكونه ينسجم مع ثقافتها لكنه لا يمكن أن يكون مقبولًا في النظام السياسي الإسلامي. ثامنا: إذا كانت الديمقراطية ليست سوى وسائل إجرائية لحفظ الحقوق وتقييد صلاحية السلطة ومراقبة أدائها، فإن القول بأن الأكثرية حين تريد غير حكم الشريعة فلها الحق في ذلك يشكك في الموضوع برمَّته؛ فالتمسك برأي الأكثرية حتى ولو رفضت الإِسلام يجعل الموضوع ليس إجرائيًا فحسب، بل فلسفة عميقة تقوم على مبادئ ومنطلقات منافية للشريعة، فالنشاط الفكري الذي يسعى إلى (أسلمة) الديمقراطية بجعلها مجرد أشكال إجرائية يسقط في الامتحان سريعًا حين يتمسَّك برأي الأكثرية حتى ولو خالفت الشريعة؛ فهذا لا يمكن أن يكون مجرد إجراء. تاسعا: حقيقة الإشكال ليست مع المشاركة في العملية الديمقراطية لتحقيق أرجح المصلحتين ودرء أشد المفسدتين؛ فهذه حالة اجتهادية تقديرية يُسلَك فيها ما يكون أنفع للإسلام والمسلمين، إنما الإشكال هو في التصور الفاسد الذي سبق الحديث عنه وهو أمر خارج عن المشاركة ومختلف عن ظروف الحاجة؛ فالضرورة والحاجة لا تدفع المسلم إلى الرجوع للمفاهيم بالتحريف والتأويل لأن لها أحكامها الخاصة.

стр. 38

قد كان الواجب أن يكون تعظيمهم للشريعة وتطبيق أحكامها أعظم في نفوسهم من ضمان مجيء الحكم بالإِسلام على وَفْقِ النظريات السياسية الغربية، وبإمكانهم أن يقرروا التحاكم إلى الدساتير مع جعل الشريعة سلطة عليا فوق الدساتير، فيكون لإرادة الناس وضع ما يريدون في الدساتير، وتكون الشريعة وأحكامها فوق هذه الدساتير وحاكمة عليها، وهي سياسة موجودة حتى في النظم السياسية المعاصرة التي تقرر حق الأغلبية في اختيار النظام السياسي الذي يريدون، وتقرر في الوقت نفسه أن ثَمَّ أصولًا ومبادئ في تفاصيل حقوق الإنسان وحرياته ترفض أن يقوم أي دستور على معارضته، فمن المرفوض تمامًا في الثقافة الديمقراطية المعاصرة أن يقوم دستور على انتهاك أي حقٍّ من حقوق الإنسان أو حرياته على وَفْقِ المعيار الغربي، أيكون قدر الإِسلام في قلوب أتباعه دون قدر حقوق الإنسان لدى أولئك الغربيين!

стр. 39

جامعة الانحرافات الفكرية المعاصرة هلع وارتباك وتحفّز يصيب كثيرًا من المؤلفين المعاصرين في موضوعات النظام السياسي حين يمر على بحث (حد الردة) في الإِسلام؛ فهو يشكل إحراجًا لا يطاق أمام ضغط الثقافة الغربية المعاصرة التي تضع (الحرية الدينية) في قمة هرم الحقوق والحريات المدنية التي تحتضنها، وتقاتل في سبيل التزام جميع الأمم والحضارات بها على وَفْق التفسير والمعيار الغربي. فتوالت البحوث والدراسات التي تبحث في الدلائل الشرعية عما يخفف من شدة نكير الأصوات المستغربة ليصلوا بيهذا الحكم الشرير إلى (النفي) أو (التأويل) أو (التكييف) الذي يجعله متلائمًا مع الحالة المعاصرة. وهذا ما يفسر لك أن البحث في إشكالية الردة وإثارة الخلاف حول حكم المرتد لم يكن له أي حضور في المذاهب الفقهية السالفة؛ فمع أن الفقهاء يختلفون في كثيرٍ من المسائل، ويتنازعون حتى في المسائل التي وردت نصوص صريحة فيها إلا أن إقامة الحد على الرجل المرتد لم يكن مجال خلافٍ بينهم؛ فقد أجمع عليه الفقهاء كافة،

стр. 40

وحكى الإجماع عليه عشرات من الفقهاء من مختلف الأزمان (١)، بينما تجد هذا الحكم حاضرًا ومشكلًا في الدراسات المعاصرة، وهو ما يدلل على أن العامل المؤثر فيها ليس هو النظر في الاجتهاد الفقهي بقدر ما هو تأثر بروح الثقافة الغربية. الملفت للانتباه أن التخلُّص من هذا الحكم الشرعي لم يسر على طريقة واحدة؛ فلئن اتفقت كلمة كثير من المعاصرين على ضرورة الانفكاك من تبعات هذا الحكم، إلا أن وسيلة تنفيذ ذلك قد تعدَّدت في ما بينهم، فاجتمعت علينا طرائق كثيرة نستخلص من كل واحدة منها منزعًا من منازع الانحراف الفكري، تتباين في ما بينها تباينًا كبيرًا إلا أنها تجتمع على وصف الحال بأنه (إشكالية حد الردة). فبعضهم: ينكر هذا الحكم لعدم ذكره في القرآن الكريم، فينظر في الآيات القرآنية التي تخاطب الكفار وتحكي مقولاتهم فلا يجد فيها أي عقوبة لهم في الدنيا، وهو ما يعني أن الشريعة لا ترتب أي عقابٍ دنيوي على من يمارس حريته الدينية في الدنيا، وهذا التفسير يستبطن الانحراف القائم على (إنكار) سنة النبي ﷺ ورفض الإيمان بها؛ لأن حد الردة لم يثبت إلا في سنة النبي ﷺ ، فالمطالبة بأن يُذكر الحكم في القرآن يعني أن السنة غير كافية في هذا الباب. ولا يصل الأمر بآخرين إلى هذا الحد؛ فهو يثبت السنة النبوية لكنه يحكم على حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" (٢) بأنه من قبيل أحاديث (الآحاد) ولا يستقيم

стр. 41

العمل بها لأنها ظنية، وهذا انحراف في إنكار شيء من سنة الرسول ﷺ يشكل أكثر أحاديثه، ﵊. وآخرون لا ينكرون العمل بخبر الآحاد لكنهم لا يرون العمل به في المجالات المهمة كمجال التشريع، وهذا انحراف في وضع شرائط معاصرة حاكمة على السنَّة النبوية؛ وكأن موضوعات التشريع هي المهمة دون موضوعات العبادة أو الاعتقاد أو الأخلاق. ويأتي الحديث عند الفئة الرابعة: في تقسيم السنة إلى سنة تشريعية وسنة غير تشريعية، وعلى سوء فهمهم لهذا التقسيم، إلا أن الإشكال الأبرز هنا أن المعيار لمعرفة التشريعي في السنة من غير التشريعي معيار مضطرب وغير محدَّد؛ وإنما يستخدم عند كثيرين لإزاحة بعض الأحكام. ويأتي بعضهم بذريعة (الخلاف الفقهي) ليزيح حضور الحاكم عن طريقه, مع أن المسألة ليس فيها خلاف أصلًا (١)، ولو كان ثمَّ خلاف بين الفقهاء في أي حكم

стр. 42

شرعي فالخلاف لا يلغي العمل، وليس من شرط العمل بالأحكام الشرعية أن يتم الاتفاق عليها. وسادس هذه الانحرافات: من يفسِّر حد الردة بأنه (الخروج) على الدولة ونظامها مما يطلق عليه في النظم المعاصرة (الخيانة العظمى) وتبيح التعامل معه بالقتل، وهذا التفسير جميل متلائم مع الفكر السياسي المعاصر لكنه بعيد عن دلائل الشريعة وكلام الفقهاء، وهو من قبيل تطويع الشريعة لتستقيم مع الثقافية المعاصرة، ويبدو مقنعًا لكثير من الغربيين والمستغربين لكن أصحاب هذا التفسير سيقعون في ورطة مع عقلاء الغربيين وأتباعهم الذين يدركون حقيقة هذا الحكم الشرعي، وسيكون مثل هذا التفسير سبيلًا للاستطالة على الشريعة من جهة أن هذا التفسير يتضمَّن اعترافًا من أصحابه بأن الحكم الشرعي على التفسير الفقهي المعروف مرفوض عقلًا. وسابع الانحرافات: الاستمساك بالمصلحة في كافَّة صورها لتعطيل العمل بالنص، وموضع الانحراف هنا ليس في ترك العمل بالحكم الشرعي في حال وجود مصلحة معتبرة من ضرورة أو حاجة ماسة، بل هذا اجتهاد شرعي وإن حصل اختلاف في تطبيقاته؛ وإنما الإشكال أن يعطَّل الحكم بكليَّته بدعوى المصلحة، وأن تكون المصلحة حاضرة عند النظر في ثبوت الحكم الشرعي ابتداءً؛ فبدلًا من تقرير ثبوت هذا الحكم مع عدم إمكانية تطبيقه أو وجود ضرر أو غياب مصالح معتبرة عند العمل به، يأتي صاحب المصلحة لينفي هذا الحكم من أساسه بدعوى المصلحة، وهذا خلل؛ لأن المصلحة (بشروطها) قد توقف العمل بالحكم الشرعي؛ غير أنها لا تزيل وصف الشرعية عن الحكم تمامًا.

стр. 43

وثامنهم وهو من ذرية السابع: من يتحدث عن ضرورة تقديم صورة حسنة للغربيين، وأن الحديث عن حد للمرتد في زمان شيوع ثقافة الحريات الدينية وقيام النظم السياسية الغربية على حمايتها يقدم صورة مشوهة عن الإِسلام. . . إلخ. هذا الكلام الذي يقال في كثيرٍ من أحكامنا الشرعية، ومع ذلك ما تزال دعوة الإِسلام تنتشر في الأوساط الغربية بشكل مذهل، وهو ما يعني أن وَهْم التشويه الذي يتحدث عنه هؤلاء الناس محض خيالٍ علمي، وهو قائم على تصوُّر (غارق في الوهم) بأن تحسين صورة الإِسلام ولو بإخفاء وتغيير الحقيقة سيكفُّ خصوم الإِسلام عن مواصلة التشويه. والتاسع: يشيع الرعب والذعر من أن تقرير مثل هذا الحكم سيكون سببًا لاستغلال بعض النظم السياسية له في سبيل القضاء على مخالفيهم وتسويغ جرائمهم؛ فحين يأتي بعض الناس فيسيء تطبيق حكمٍ شرعي ما، فالحل في هذا النظر العقلي أن يلغى الحكم الشرعي كله! ويأتي بعضهم: فينفي هذا الحكم لمعارضته لأصل قطعي محكم هو (الحريات) وهذا الانحراف مركب من وجهين: فوجهه الأول أنه يضرب بالأصول الكلية على هامة الأحكام الفرعية، مع أن الأصول إنما تثبت من خلال اجتماع الفروع، وإلا فعلى هذه العقلية من التفكير يمكن أن ننفي حكم الربا لأنه معارض لأصل قطعي هو (حلُّ البيع)! وننفي حرمة شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير لأنه معارض لأصل قطعي هو (حلُّ الطعام)! والوجه الثاني: أنه جاء بمفهوم غربي بتفسيره المعاصر (الحريات) ليجعله أصلًا شرعيًّا، بل وقطعيًا أيضًا. تلك عشرة كاملة، هي أبرز وسائل البحوث المعاصرة (للتخلَّص) من هذا

стр. 44

الحكم الشرعي، قد اجتمعت فيه منابت الانحراف المعاصرة من جذورِ بقاعٍ شتَّى، حضر فيها (منكر) السنَّة و (مضيِّق) العمل بها و (مقطَّع أوصالها)، ومن يعطِّل الأحكام الشرعية بدعوى (الخلاف) أو (المصلحة)، ومن يعارض الأحكام الشرعية بأصول فكرية محدثة، ومن (يخاف) من الحكم الشرعي أو (يخاف عليه)، فأصبح النظر إلى هذا الحكم (جامعًا) للانحرافات الفكرية المعاصرة، وحين يأتي المسلم فيقرر هذا الحكم كما جاء في النصوص الشرعية وبما نقله كافة الفقهاء، فإنه يسجل شهادة خير لنفسه -ليحمد اللَّه عليها- بسلامته وبعده عن مثل هذه الانحرافات التي كثر الافتتان بها.

стр. 45

الشاطبي المفترى عليه لا أظن أن أحدًا من العلماء قد قُدِّم بحالة مختلفة عن صورته الحقيقة كما حصل مع الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)؛ فلقد حرص كثير من المنحرفين على وضع اسم (الشاطبي) في واجهة تأويلاتهم المنحرفة للأحكام والنصوص الشرعية, واتخذوا من (موافقات) الشاطبي ذريعة للتهوين من كافَّة النصوص الجزئية بدعوى المصلحة أو العقل أو التمسك بالأصول والكليات و (بذلك يكون الشاطبي قد دشن قطيعة ايبستمولوجية حقيقية مع طريقة الشافعي وكل الأصوليين الذين جاؤوا بعده) (١). فالشاطبي بهذا قد انفصل بمشروعه المقاصدي عن جادة العلماء في تتبع الفروع الفقهية والعناية بانصوص الجزئية لأنه قد: (دعا إلى ضرورة بنائها -أعنى الأصول- على مقاصد الشارع بدل بنائها على استثمار ألفاظ النصوص الدينية كما دأب على العمل بذلك علماء الأصول انطلاقًا من الشافعي) (٢).

стр. 46

وحين تقرأ للشاطبي كما هو ستجد أن الصورة مختلفة تمامًا، وأن هذا التصور لا يحكي حقيقة الشاطبي ولا موافقاته؛ فهو تصوير للشاطبي بحسب ما يريد للشاطبي أن يكون، وعلى وَفْق ما يراد من موافقاته أن تخدم مشاريع التخفُّف من الأحكام الشرعية. إن أدنى قراءة عابرة لرسالة (الموافقات) التي كتبها الشاطبي تكشف حقيقة هذا الخداع والافتراء الذي بُغِي به على هذا الإِمام، وستجد أن تعظيم الشريعة ومراعاة نصوصها وجزئياتها وتقديم الدليل الشرعي على كلِّ ما سواه من عقل ومصلحة واجتهاد هو أصل محكم وثابت قطعي يعتمده الشاطبي أساسًا لكل شيء يكتبه في الموافقات، فهو على جادَّة الأئمة الأسلاف في تعظيم النصوص الشرعية والانقياد لها وفي كيفية استنباط أحكامها. فالعقل عند الشاطبي لا يتقدَّم على النقل بل: (العقل إنما ينظر من وراء الشرع) (١). فهو تابع منقاد له، بل حتى المسائل الشرعية التي يُستَدل بالعقل فيها على صحَّة النقل فإنما هي عنده على كيفية: (إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا ويتأخر العقل فيكون تابعًا) (٢). والنصوص الجزئية لها عناية تامة، وقد أخلى لها في (موافقاته) حيزًا واسعًا لإدراكه بخطر التهاون بها: (فإِن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًا ليس بحق في نفسه) (٣).

стр. 47

وقد كَسَر أيَّ استغلالٍ لنظريته في المقاصد بأن قرَّر بكل وضوح: (أنَّ من أخذ بالجزئي معرضًا عن كليِّه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئيه) (١). فلا مكان لنظريته المقاصدية لمنطق نسف الجزئيات تمسكًا بالمقاصد. ثمَّ صعد بالدليل الجزئي لأعلى درجات الأهمية والاحتياط حين جعل ثبوته كافيًا لجعله أصلًا برأسه: فـ (كلُّ دليل شرعي يمكن أخذه كليًا وسواء علينا أكان كليًا أم جزئيًا إلا ما خصَّه الدليل) (٢). واتباع الهوى: مزلق خطر ينحرف بالشريعة عن أصل وضعها؛ فـ: (المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا للَّه اختيارًا كما هو عبد اللَّه اضطرارًا) (٣). وتفريعًا على هذا الأصل شدد الشاطبي على حرمة اتباع رخص الفقهاء في الأقوال الفقهية لأن: (تتبع الرخص ميلٌ مع أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه) (٤). وأوجب على المفتي أن يختار للمستفتي أرجح القولين، ولا يفتيه بجميع القولين معًا حتى لا يكون هذا سببًا لاتباع الهوى في الأحكام: (فإِنه إذا أفتى بالقولين معًا على التخيير فقد أفتى في النازلة بالإِباحة وإطلاق العنان وهو قول ثالث خارج عن القولين) (٥).

стр. 48

لأن حاصل هذا مناقضة أصل وضع الشريعة فـ (متى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة فلا يصح القول بالتخيير على حال) (١). ويعتني بتعظيم منهج السلف الصالح وفقههم: في نفس قارئ موافقاته، فيخاطبه بمنطق العالم الناصح: (الحذر الحذر من مخالفة الأولين فلو كان ثمَّ فضلٌ ما لكان الأولون أحقُّ به) (٢). فاتباع منهج السلف أصل يعرف به السلم صحة طريقه وسلامة منهجه: (فيقال لمن استدلَّ بأمثال ذلك: هل وجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل الأولين أو لم يوجد؟ فإِن زعم أنه لم يوجد -ولابد من ذلك- فيقال له: أفكانوا غافلين عما تنبهت له أو جاهلين به أم لا؟ ولا يسعه أن يقول بهذا لأنه فتح لباب الفضيحة على نفسه وخرق للإِجماع، وإن قال: إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه الأدلة كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها قيل له: فما الذي حال بينهم وبين العمل بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها، ما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيه على الخطأ دونك أيها المتقوِّل، والبرهان الشرعي والعادي قال على عكس القضية، فكل ما جاء مخالفًا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه) (٣). ولأهمية جانب التعبُّد للَّه والقيام بحق الطاعة، يطالب بإلغاء كل المباحث والمسائل التي لا تثمر عبادة أو سلوكًا شرعيًا فـ (كلُّ مسألة مرسومة في أصول الفقه

стр. 49

لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونًا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية) (١). وذلك حتى تتجه همَّة طالب العلم إلى العمل والعبادة لأن: (كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به للَّه تعالى) (٢). ولفهم القرآن على ظاهره والتحذير من تأويله، يعيب مسلكَ التأويل من متأوِّلة النصوص: (وهؤلاء من أهل الكلام هم النابذون للمنقولات اتباعًا للرأي، وقد أداهم ذلك إلى تحريف كلام اللَّه بما لا يشهد للفظه عربي ولا لمعناه برهان) (٣). والسير على خلاف الظاهر يؤدِّي لإبطال الشريعة لأن (دعوى أن مقصود الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها؛ وإنما المقصود أمر آخر وراءه، ويطَّرد هذا في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك أن يلتمس منه معرفة مقاصد الشارع وهذا رأي كلِّ قاصد لإِبطال الشريعة) (٤). ولشدَّة تعظيمه لمقام الكلام في الشريعة يحذر من الكلام فيها؛ لأنه تحديد لمقصود اللَّه ويذكِّره بموقف قيامه بين يدي رب العالمين: (ومنها أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم عليه أن ما يقوله تقصيد منه للمتكلم والقرآن كلام اللَّه فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد اللَّه من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله اللَّه -تعالى- من أين قلت عني هذا) (٥).

стр. 50

ويقدِّم المصالح الدينية على المصالح الدنيوية مطلقًا: فـ (المصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية على الإِطلاق) (١). هذه إشارات سريعة توضح منهج الإِمام الشاطبي وحقيقة موافقاته، وفي كتابه العظيم (الموافقات) أضعاف أضعاف هذه النقولات التي تُظهِر منهج تعظيم الشريعة لدى هذا الإِمام، وهو ما يفتِّت أي إمكانية لاستغلال اسمه أو مشروعه المقاصدي لتمرير الانحرافات والتجاوزات؛ لأجل ذلك دعا بعض المنحرفين لتجاوز الشاطبي عند دراسة المقاصد، وأن يكون ثمَّ إنشاء جديد للمقاصد يتجاوز به المقاصد الشاطبية؛ لأن الشاطبي قد قطع فيها الطريق على أي منفذ تسلك منه مقاصد النفوس.

стр. 51

بين (مقاصد الشريعة) و (مقاصد النفوس) ! (نحن بحاجة إلى إعادة النظر في هذا الحكم حسب المقاصد الشرعية) و (لابد من مراعاة المقاصد الشرعية عندما نتحدث عن هذه القضية). وعبارات أخرى مختلفة، ستراها -ولا بد- عند أي رؤية منحرفة تتعامل مع النصوص والأحكام الشرعية؛ فعامة الانحراف المعاصر حين يتعامل مع النصوص والأحكام الشرعية الجزئية فإنه لا بد -في سياق تجاوزه لأي حكم وإنكاره له- أن يرفع لافتة (المقاصد الشرعية) كتصريح شرعي للمارسات غير الشرعية. المقاصد الشرعية التي كتب فيها فقهاء الإسلام بدءًا من الجويني والغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي تختلف اختلافًا تامًا عن هذه المقاصد التي يشيع كثير من الناس الحديث عنها؛ فالمقاصد عند فقهاء الإسلام قواعد كليَّة مستخرجة من استقراء كلي لكافة النصوص والأحكام الجزئية، ولا يصح أن يرد بها أي حكم أو نص جزئي، بخلاف هذه المقاصد التي تترجم المقاصد التي تريدها (نفوسهم) وتميل إليها (اختياراتهم) ويسعون من خلالها لرد جملة من النصوص والأحكام غير المرغوب فيها.

стр. 52

من أهم قواعد المقاصد الشرعية أن لا يرد بها الأحكام الجزئية، فإذا ثبت نص شرعي أو حكم فقهي فلا يجوز أن ينقض أو يتجاوز بدعوى أنه مخالف لقاعدة مقاصدية فهذا باطل لا علاقة له بعلم المقاصد (فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًا ليس بحقٍّ في نفسه) (١). وإذا كانت المقاصد الشرعية تقوم على ضرورة اعتبار الكليات فإنها تقوم على اعتبار الجزئيات كذلك (كما أنَّ من أخذ بالجزئي معرضًا عن كليه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئيه) (٢). فالمقاصد الشرعية تعتمد على تفاصيل الأحكام الجزئية، تقوم عليها، ولا تنكرها، بل حتى ولو وجد تعارض بين قاعدة مقاصدية وحكم جزئي تفصيلي فإن المنهج الصحيح في ذلك ليس إنكار الجزئي بل (إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كليَّة ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بدَّ من الجمع في النظر بينهما) (٣). فإذا وصل الأمر إلى حصول تعارض بين (الكليات) و (الفروع) فهذا يستدعي الجمع بينهما لأهمية كلٍّ من الكليات والفروع التفصيلية، وهو شيء لا يفهمه (مقاصديو النفوس) حيث ينكرون النصوص والأحكام الشرعية ثمَّ يبحثون بعد هذا عن الطريقة المقاصدية المناسبة لرفض مثل هذه الأحكام! لقد كان الشاطبي مدركًا غاية الإدراك خطورة استعمال المقاصد من غير

стр. 53

المؤهلين، ولأجله منعهم من موافقاته وجعلهم في حرج من قراءتها أو الاستفادة منها (لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريَّان من علم الشريعة أصولها وفروعها معقولها ومنقولها) (١). كما أطال الحديث عن ضرورة العناية بالجزئيات، وأن المقاصد لا تقوم إلا عليها، وهذا كله لإدراكه أن طبيعة المقاصد وما فيها من كليات عامة تستدعي دخول غير المؤهلين واستغلال بعض المنحرفين مما يؤدي إلى تعطيل الشريعة، وهذا ما دعا بعض المنحرفين الذين يفهمون حقيقة المقاصد الشرعية أن يسمي المقاصد بأنها تبرير للأحكام الشرعية ليس إلا، وقد صدق، فالمقاصد ليست إلا بحثًا عن فلسفة لقواعد وعلل للشريعة من خلال الأحكام والنصوص، فاذا وجد نصٌّ مخالف فان المقاصد تعدل في الفلسفة حتى تدخل هذا الحكم لا أن تلغيه لمخالفته للمقاصد. إن دعوتهم للأخذ بالمقاصد لإسقاط بعض الأحكام الشرعية تؤدي إلى نسف الشريعة بكاملها، وتعطيل كافة أحكامها، وإسقاط قطعياتها وضرورياتها، وليس عسيرًا على أي أحد أن ينفي أي حكم شرعي ويربط ذلك بمقاصد عُلْيا، وقد مارس المعاصرون في ذلك من ألوان العدوان على الأحكام الشرعية ما لا يحصيه إلا اللَّه؛ فـ (الحدود الشرعية) منافية لمقصد الشريعة في الرحمة وإشاعة الأمن، و (حدِّ الردة) منافٍ لمقصد الشريعة في التسامح والحرية، و (الحجاب) منافٍ لتكريم المرأة و (كلُّ فتوى بتحريم أي حكم) تنافي مقصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج و (الحكم بكفر من لم يؤمن برسالة محمد ﷺ يتعارض مع مقصد

стр. 54

إرساله رحمة للعالمين و (حرمة الربا) أو (منع المحرمات) يؤدي إلى حصول حرج ومشقة تنافي مقصد الشريعة! ولأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية بصيرًا بأمر عموميات المقاصد حين قال: (من استحلَّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل اللَّه فهو كافر) (١). فهذه المقاصد الكلية تتسم بالعمومية المطلقة التي تشترك فيها عامة الاتجاهات، فاختصاص الشريعة إنما يكون بتفصيل هذه المقاصد وشرحها وتقييدها فإذا ألغى الإنسان الاعتبار بهذا لم يكن قد أخذ من الشريعة بشيء. وهكذا تغيب أحكام الشريعة الجزئية بسبب مخالفتها لـ (مقاصد النفوس) كما يسميها بعض الفضلاء؛ فهي مقاصد لما تريده نفوسهم وما يتوافق مع أهوائهم جعلوها قواعد كلية تحاكَم إليها النصوص والأحكام الفقهية، وتلك النفوس تكاد تحصر مقاصدها في الجانب الدنيوي المحض، وهو ما يختلف تمامًا عن المقاصد الشرعية المستفادة من نصوص الكتاب والسنة التي تدلك على أن (الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية) (٢). بل إن المصالح الدنيوية تابعة للمصالح الأخروية فـ (المصلح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواءُ النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية) (٣). وإذا كان إشاعة علم المقاصد الشرعية ضروريًا في مرحلة ما لشيوع التعصب

стр. 55

والجهل والتضييق على الناس، فإن المبالغة في تقرير المقاصد الشرعية وإشاعتها وتعظيم قدرها وضرورتها عند عامة الناس وقد اختلف الحال سيكون على حساب تعظيم النصِّ الشرعي والانقياد له، وسيكون سببًا لظهور مقاصد النفوس لتشيع عبثها وانحرافها بدعوى (مقاصد الشريعة).

стр. 56

مصارع المغرقين حدَّث العالم الجليل ابن أبي ذئب بحديث (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين) (١) فقال له أبو حنيفة: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ قال: فضرب صدري وصاح بي صياحًا منكرًا ونال مني، وقال: أحدثك عن رسول اللَّه وتقول تأخذ به! وذلك الفرض علي وعلى من سمعه (٢). وسأل رجل الإمام الشافعي عن مسألة فقال: يروى فيها كذا وكذا عن النبي ﷺ . فقال له السائل: يا أبا عبد اللَّه تقول به؟ فرأيت الشافعي أرعد وانتقص فقال: يا هذا! أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن النبي ﷺ حديثًا فلم أقل به، نعم على السمع والبصر على السمع والبصر (٣). وقال: إذا رويت عن النبي ﷺ حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأنا أشهدكم أن

стр. 57

عقلي قد ذهب (١). وقال وكيع بن الجراح لشخصٍ اعترض عليه بقول أحد التابعين: أقول لك قال رسول اللَّه ﷺ وتقول قال إبراهيم؟ ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا (٢). وروعة هذه النماذج تغري الكاتب بالاسترسال وتشدُّ القارئ لطلب المزيد بما يقف القلم معه عاجزًا عن استقصاء أحوالها؛ لأنها نماذج رائعة مسطرة بمدادٍ من نور في سجل علماء الإسلام، تكشف خاصية التجرد والتسليم لخطاب النبي ﷺ ، فالآراء والاجتهادات تتوقف وتوضع جانبًا حين يأتي حديث النبي ﷺ . لم يكن أحد من فقهاء الإسلام يرد حديث النبي ﷺ بل ولا حتى يتوقف في ذلك لأي سبب كان، وكلُّ ما وقع من ترك أحدٍ من الفقهاء لبعض الأحاديث فإنما كان بسبب عذر خاص به ناشئٍ عن عدم بلوغ الحديث له أو كونه يتأوله بما يخالف ظاهره، وأما أن يكون أحد منهم قد ترك حديثًا واحدًا (تركًا غير جائز فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة) (٣). ولا عجب فالعلماء هم أعظم الناس خشية للَّه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ومن تمام هذه الخشية ولوازمها أن يسلم وينقاد لمن أمره اللَّه - تعالى- بطاعته والتسليم لكلامه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. [آل عمران: ٣١]

стр. 58

هو منهج سار عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان من أئمة الإسلام وفقهاء المذاهب، غير أنَّه ثمة منهج آخر ما زال في نفسه ضعف من كمال التسليم لسنَّة النبي ﷺ ، فيضع من الشروط والقيود على سنَّة النبي ﷺ بقدر ما في قلبه من مرض الشك وضعف الانقياد؛ فبعضهم يضعف في قلبه التسليم حتى ينعدم حين يلغي اعتبارَ السنة -إطلاقًا- من التشريع فلا يؤمن إلا بالقرآن فقط، وهي دعوى مخادعة؛ وإلا فلو آمن بالقرآن حقًا لآمن بسُنة النبي ﷺ جاءت بذلك نصوص القرآن، بل واقع الحال أنهم لا يؤمنون بقطعيات القرآن في القضايا التي تنافي الثقافة العَلمانية المعاصرة؛ فحقيقة الأمر أنه استثقال للتشريع ومحاولة للتخفف من جزء كبير منه. وبعضهم يشترط في السنَّة أن تكون متواترة لا آحادًا، فيلغي أكثرية سنة النبي ﷺ بتقسيمات محدَثَة لم يعرفها الصحابة والتابعون ولا مَن بعدهم. وبعضهم يشترط في الآحاد التي يقبلها أن لا تكون في العقائد أو أن تكون في غير القضايا التشريعية المهمة كمسائل السياسة والحكم ونحوها. والملفت للنظر أن هذه الشروط التي يضعون تتبخر حين يكون الحديث في هواهم؛ فتجد من يشترط التواتر يستدل بأحاديث الآحاد ويرد أحاديث المتواتر، ومن يشترط أن لا تكون في القضايا العقدية أو التشريعية المهمة يستدل ببعض الأحاديث حين تكون موافقة لهواه ويرد بعض الأحاديث المتواترة ولو كانت في هذه الأبواب المهمة. وآخرون يشترطون في السنَّة أن تكون قطعية الدلالة أو قطعية الدلالة والثبوت

стр. 59

أو مُجمَع عليها بين العلماء أو لا تكون معارِضة للعقل أو المصلحة أو مقاصد الشريعة. . . وخذ ما شئت من هذه الشروط والقيود التي لا تنتهي ولا تتوقف عند حد، وكلما جاء حديث على خلاف ما تهوى النفوس جاءت هذه الشروط والقيود للتخلص منه، وهي صورة منافية للتسليم الذي كان عليه أئمة الإسلام وفقهاؤه الكبار. إن سنة الرسول ﷺ سياج واحد، واختراق حديث واحد وترك العمل به بلا سبب سيؤدي إلى مزيد من التهاون والتساهل بأجزاء أخرى من السنة يتسع تدريجيًا حتى يصل إلى تعطيل السنة كلها، وحين يعوِّد المسلم نفسه ويعتاد قلبه على وضع الشروط والقيود لما يقبله من سنة النبي ﷺ ، فإنه يكون قد بدأ في شقِّ طريقٍ جديدة خارجًا به عن جادة أهل السنة والجماعة؛ فما يلبث أن يزداد انحرافه وشتاته إلى أن لا يبالي اللَّه به في أي أودية الضلالة هلك (ولهذا تجد من تعوَّد معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه إيمان) (١). وتجد من يضع مثل هذه الشروط لا يجد نفرة أو غضاضة في قلبه من إنكار شيء من السنة ولو بلا سبب؛ لأن هذه الشروط لم تأتِ -أصلًا- إلا من حالة شك بأصل ثبوت السنَّة، فكان التهاون في حديث واحد نابعًا من مرض يثير التهاون في المزيد من السنة. لقد كان علماء الإسلام مدركين تمامًا خطر التهاون ولو بحديث واحد من أحاديث النبي ﷺ ويستحضرون أن ترك حديث واحد بلا عذر خرق يغرق سفينة

стр. 60

النجاة؛ لهذا قال نعيم بن حماد: من ترك حديثًا معروفًا فلم يعمل به وأراد له علَّة أن يطرحه فهو مبتدع (١). إنها سنة النبي ﷺ هي مثل سفينة نوح من ركبها نجا من الغرق ووصل إلى العافية والسلامة التي يريدها، ومن تركها وبحث عن النجاة بطرق أخرى فالغرق والهلاك لا بدَّ آتيه ولو بعد حين، ومن لا يقبل السنة إلا بشروط وقيود فقد ركب السفينة وهو يجتهد في شق خروق في أسفلها وأعلاها فما تبرح به السفينة حتى تغرق فلا ينفعه حينها نداء الناصحين له: (اركب معنا ولا تكن مع المغرقين).

стр. 61

هوس التفسير السياسي تتملّكني الدهشة والإعجاب كلّما نظرت في بعض المواقف الصارمة لأئمة السلف من الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعامل مع (السلطة السياسية)، ولو فتح الشخص صفحة ذلك التاريخ لانهالت على ناظرية عشرات القصص والأخبار في إنكار الدخول على السلاطين أو تولي القضاء لهم وإسقاط الرواية عمن وجدوه مترخِّصًا في ذلك، إلى مواقف أشدَّ حسمًا وصرامة كمثل ما روى أن (خلفًا البزَّار) رفض الرواية عن شيخه (الكسائي) بسبب انه سمعه مرة يقول: سيدي الرشيد، فقال: (إن إنسًانا مقدار الدنيا عنده أن يجعل من إجلالها هذا الإجلال لحري أن لا يؤخذ عنه شيء من العلم) (١). أتساءل مع القارئ الكريم ما سبب هذه الصرامة التى سكلها أولئك الأئمة؟ بحلو لكثير من الناس أن يبحث لها عن مبررات وأعذار لأن ثمَّ قناعة في

стр. 62

التفكير الفقهي المعاصر بعدم رجحان مثل هذه المواقف بناءً على قاعدة جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي آراء قابلة في تفاصيلها للاجتهاد والأخذ والرد، غير أن ما يدهش المتابع حقًّا أنَّ هذا الموقف -في جملته- قد كان صيانة ربانية وعناية إلهية لهذه الشريعة من حيث لا نشعر؛ لأن (التفسير السياسي) هو أعظم قوس جائرة سددت إلى جسد التراث الإسلامي؛ فكل الدراسات الفكرية المعاصرة التي أخذت تنبش في تاريخ الإسلام وتراثه كانت تعتمد بشكل رئيسي على تأثير السياسة على النصوص الشرعية وطرائق الاستدلال والاجتهادِ، وأنَّ الأحكام والنصوص لم يكن مردُّها إلى التشريع والديانة بقدر ما هي متأثِّرة بواقعها الذي صاغته السياسة. وحين يعرف المتابع حقيقة ما كان عليه العلماء في ذلك الزمن، وبُعدَهم عن السلطة، وتحاشيهم عنها، وتحفُّظهم من مجرد الدخول عليها أو تولي القضاء لديها عرف أن مثل هذا الاتهام ضرب من الهجاء والشتيمة لا أساس له من البحث العلمي. يغطِّي التفسير السياسي مساحة واسعة من حركة خلايا العقل العَلماني المعاصر، ولو تعطَّل هذا التفسير لتوقَّفت حركة تلك القراءات عن البحث في تراث الفقهاء ونصوص السنة، فلا يقرأ الباحث منهم أي حكم أو ينظر في أي نص إلا ويفتش عن أثر السياسة في الموضوع، وبطريقة كسولة جدًا لا تتعدى ربط أي نص شرعي بأقرب حدث سياسي، وتعليق أي حكم بأدنى سلطان (فما من شيء في هذا التاريخ إلا وهو مبصوم بخاتم السياسة، الفكر والفقه والاجتماع والاقتصاد واللغة والفن والجغرافيا والسيكولوجيا، بل والنص الشرعي ذاته) (١).

стр. 63

فكلُّها مصبوغة بالسياسة، ولم يبقَ ما هو خارج عن تأثير السياسة إلا شيء واحد، وهو ما يكتبه مثل هذا المؤلف والبحوث والأفكار التي يقررها فهي بلا شك بعيدة عن تأثير هذه السياسة التي تبصم على كل شيء! ومع أن التفسير السياسي هو أكبر الأدوات التفسيرية التي يعتمدها هؤلاء في قراءتهم للتراث، وهو أكثرها شيوعًا وحضورًا إلا أنه في الوقت نفسه أضعف نقطة وأهش زاوية يعتمدون عليها، فنشر نماذج وأمثلة للتفسير السياسي على السطح كافٍ لكشف المستوى الموضوعي والعلمي لتلك الدراسات، وأنَّ هذا التفسير يعبِّر عن حالة مرضية أكثر من تعبيره عن روح علمية. فأحدهم يقرر تأثير السياسة على الشافعي لأنه: (الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذي تعاون مع الأمويين مختارًا راضيًا) (١). ولشدة ضغط المرض السياسي خفي عليه معرفة مولد الشافعي وهو (سنة ١٥٠ هـ) أي بعد زوال الدولة الأموية التي كان يتعاون معها بثمان عشر سنة! وباحث آخر يفسر الظاهرية التي كان عليها (ابن حزم) بأنها موقف سياسي اتخذه ابن حزم لأجل أن الدولة الأموية بالأندلس تحتاج لمشروع يناهض المشروع الثقافي لخصميها (العباسي) و (العبيدي) فجاءت بابن حزم: (لينطق باسها ويحمل مشروعها الثقافي) (٢)، وقد أعماه التفسير السياسي عن إدراك الحقيقة التاريخية الواضحة من أن الدولة الأموية بالأندلس قامت سنة (١٣٨ هـ)؛ أي قبل مولد ابن حزم بما يقارب قرنين ونصف من الزمان (ولد سنة ٣٨٤ هـ) وسقطت (سنة ٤٢٢ هـ) وابن حزم ما يزال في عز شبابه (ت ٤٥٦ هـ)!

стр. 64

ومؤلف ثالث يتهم كعبًا الأحبار بأنه يروي الأخبار تملقًا لعبد الملك بن مروان (١) مع أن كعبًا قد توفي عام ٣٤ هـ قبل أن يتولى عبد الملك الخلافة بما يزيد عن ثلاثين سنة، وهي فضيحة يستحي منها أي باحث لم يبتلى بمرض التفسير السياسي! وقد كنا نحسب مصطلح (إجماع أهل المدينة) عند المالكية دليلًا وأصلًا شرعيًا، وقد كنا غافلين عن البعد السياسي لهذا المصطلح فلم نعرف كونه سلاحًا سياسيًا وعصيانًا مدنيًا كما تفطن أحدهم له حين قال: (فلو أراد إمام دار الهجرة التقرب إلى السلطة السياسية لوجد الطريق إلى ذلك سهلًا، بإِسقاط هذا الأصل الذي انفرد به دون غيره، والذي يكفي لندرك بعده أن نرى فيه محاولة لإِضفاء الشرعية على إجماع أولئك الذين قاوموا طويلًا سلطتي دمشق وبغداد) (٢)! وخذ من الأمثلة والقراءات العقلانية التي تحكم على الحديث إذا ورد في فضل أحد بأنه من وضع أنصاره، وإذا ورد في ذم أحد بأنه من وضع أعدائه، وأي نص له علاقة بالواقع فهو من صياغة الواقع له! ومع ذلك، فالهوس بالتفسير السياسي لم يكن من إبداعهم وابتكارهم، بل هو صورة طبق الأصل من المدرسة الاستشراقية التي غرستها في أدمغة تلاميذها المقلدة فما عادوا يبصرون جيدًا من دونها، وقد أحسن العلامة (المعلمي) وصف بعض أسباب الخلل لديهم من أنهم: (إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منها) (٣) فهؤلاء الناس يعرفون الدواعي لتأثير السياسة من جهة قوة السلطان ورغبة الناس في التملق إليه لكنهم لا يعرفون الموانع التي تحول دون تأثير

стр. 65

السياسة كمثل ما عليه العلماء من الديانة والعدالة، ونفرتهم من الكذب، وما جرى من صيانة للعلم بالرواية والتدوين والجرح والتعديل، وهو ما يجعل تأثير السياسة فيها مستحيلًا. فحقيقة الأمر أن كثيرًا من القوم إنما يعبِّرون عما يجدونه في نفوسهم، فإذا شاهدوا تأثير السياسة على تغيير قناعاتهم ومذاهبهم ظنُّوا أن غيرهم لن يكون أحسن حالًا منهم، مع كثافة جهلٍ تحول دون فهمهم لحال التراث والشريعة التي يريدون تقديم تفسير لها، للحدِّ الذي يقرر فيهم أحدهم: (لقد كان القائمون بجمع الروايات "النصوص" من المحدثين هم أنفسهم الفقهاء الذين يمارسون اللحظة ذاتها، عملية التدوين النصي وعملية التنظير الفقهي وفي ظل هذا الوضع لا يؤمن من التداخل والقلب بين التشريع والتفسير) (١)، فهو يتصور أن الفقهاء لم يكونوا يفرقون بين أقوالهم وبين أقوال النبي ﷺ فيمكن للفقيه أن تختلط عليه فيجعل قوله هو قول الرسول ﷺ من حيث لا يشعر! فهذا التصور الظريف في فهم التراث الإسلامي يفسر لك سر تضخم هذا الوهم في رؤوسهم. هذا (التفسير السياسي) لا يقوم على أي إثبات أو برهنة علمية، فطريقتهم تقوم على ربط أي حكم أو نص شرعي بالسياسة من دون أي دلائل قاطعة؛ وإنما لأنه يشكُّ -أو يريد أن يشك بالأصح- يبدأ في البحث عن أي مؤثر سياسي من دون أي يقدم على ذلك أي برهنة، وهذه الطريقة في إنكار الحقائق والطعن في الشرائع بمحض الأوهام ليست مبتكرة لهم؛ فهي طريقة قديمة في التعامل مع محكمات الشريعة، فهذا أحد المبتدعة القدامى يدَّعي أن الزنادقة قد دسُّوا على

стр. 66

أهل الحديث اثنا عشر ألف حديث من حيث لا يشعرون -لاحظ ضخامة العدد- وهو ما دفع الإمام الدارمي إلى الجواب عنه متهكمًا: (دونك أيها المعارض فأوجدنا عشرة أحاديث دلسوها على أهل العلم. . أو جرب أنت فدلس عليهم عشرة حتى تراهم كيف يردونها في نحرك) (١). هل معنى هذا أن السياسة لا تؤثر ولا تستغل الأحكام الشرعية؟ أبدًا، بل لها تأثير ولا شك في ذلك، لكن تأثيرها لم يمس أصل الشريعة ولا نصوصها ولا مذاهب الفقهاء وأصولهم، فالتأثير يكمن في استغلال بعض النصوص والمواقف، وربما في تقديم بعض الفقهاء لأهوائهم وشهواتهم إرضاء للسياسة لكن ذلك لن يضر إلا من فعل، أما نصوص الشريعة وأصول الاستدلال وقواعد الفقه فقد كانت في منعة -أي منعة- عن التأثر بذلك، وكلُّ محاولة تثبت خلاف ذلك فإنها ما زالت عاجزة عن إقامة أي إثبات علمي سوى الاعتماد على الشك والخرص على طريقة أحدهم حين يحلل أحداث التاريخ منطلقًا من (يبدو) و (أظن) و (لا يستبعد) ثم بعد ذلك (فتحصل يقينًا) (٢).

стр. 67

التسامح الفقهي تمتاز الحوارات الشرعية والفكرية على شبكات الإنترنت بأن المتابع لها يستطيع أن يعرف الحق بكافة أطرافه؛ خاصة حين يكون الحوار جادًا ومن شخصيات تملك قدرًا جيدًا من العلم بالموضوع؛ فإن القراءة لعدد من المتحاورين يجعل القارئ يتمكن من معرفة أطراف الموضوع ولو كان خلىَّ الذن عنه قبل ذلك، كم يستطيع أن يعرف كافة النصوص والسنن والقواعد فى مادة النقاش بما يضيء له الطريق الصحيح، فهذه قاعدة منهجية من الرائع حقًا أن يضعها العاقل نصب عينيه. ومن خلال هذه القاعدة المنهجية يدرك المتابع قضية (تداخل الموضوعات) و (اختلاط الملفات) فى كثير من القضايا التى يجرى فيها الحوار؛ فبعض المتحاورين لا يستحضر جوانب أخرى من الموضوع يكون غافلًا عنها فيضع كلَّ براهينه واعتراضاته على اعتبار أن الموضوع يتجه فى مسار واحد، بينما حقيقة الأمر أن ثم مسارات عدة، وعلى ملفَّات مختلفة فتميز هذه الملفات وإبراز محتوياتها نافع جدًا فى استيعاب مادة الحوار. أكتب هذا كلَّه لأجل موضوع (التسامح الفقهي)، فهو من الموضوعات التي

стр. 68

يتتابع الحوار والجدل فيها، فتتبع كلام جميع الأطراف مهم لمعرفة الحق كاملًا، وحين تختلط فيه الموضوعات فمن الضروري أن تفرد الموضوعات وتفصَّل لتتضح الصورة كاملة. ومن خلال متابعة لمثل هذه الحوارات يمكن لي أن أفصِّلها إلى الملفَّات التالية: الملف الأل: أخلاقيات وآداب الحوار: كالأدب مع المخالف وتجنُّب الإساءة اللفظية الموجهة إليه، والعدل في أي أحكام يصدرها الشخص ضد أي أحد، وترك التنقيب عن الخفايا والمقاصد التي لا يعلمها إلا اللَّه، وغير ذلك مما يدخل كله في قيمة (الخُلُق) الذي أعلت الشريعة مقامه لمرتبة الأصول الكلية التي يجب التواصي والصبر عليها، وهي وصية اللَّه لعباده ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهو خلق محمد ﷺ فلم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا بذيئًا ولا طعَّانًا ولا لغَانًا، ولطالما انتهكت ساحة هذا الخلق العظيم وحصل فيها من التجاوزات ما يصل كثير منه إلى المنكرات التي يجب الاحتساب عليها، وقد تقع هذه الإساءات في قضايا فقهية اجتهادية قابلة للنظر والخلاف، وهذا يتطلب ضرورة أن يمرن المسلم نفسه ويعوِّدها ويأطرها على ضبط النفس وكظم الغيظ والصبر والحلم. هذه الأخلاقيات ملف يجب أن ينفك عن موضوع الصواب والخطأ في البحث الفقهي والفكري؛ فالمحاور الذي تكون عبارته جافة أو نابية لا يعني أن ما يقوله باطل، والمحاور الذي يكون في قمة الذوق والأدب لا يقدم رأيًا صحيحًا بالضرورة، فيجب أن لا تكون (أخلاقيات الحوار) هي الحاكمة على (سلامة الأفكار). الملف الثانى: تأثيم المجتهد وتفسيقه وإسقاط عدالته أو الحكم عليه بالعقاب الأُخرَوي، وهو يبحث في سؤال تراثي كبير عن (أثر خطأ المجتهد) هل يكون سببًا

стр. 69

لفسقه أو كفره أو إسقاط عدالته، وثَمَّ آراء ومذاهب شتى، أرى أن خير من حرَّرها وجمع أطرافها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أطال فيها النفس وناقش كافة الأقوال في مجموع الفتاوى وخلص فيه إلى أنَّ "المجتهد المسؤول من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفتٍ وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى اللَّه ما استطاع، كان هذا هو الذي كلفه اللَّه إياه، وهو مطيع للَّه مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ولا يعاقبه اللَّه البتة" (١). هذه الرؤية المعتدلة تجعل الشخص يتجه إلى المسألة نفسها فيحكم عليها ويوضح مدى موافقتها للكتاب والسنة، وأما الحكم على القائل بالإثم والفسق والكفر فهذا باب آخر؛ فالبحث الفقهي يتجه الى المسألة وبيانها، وأما الحكم على الأشخاص فموضوع مختلف، وهذا الاشتباك بينهما هو الذي يجعل بعض الناس يتحرز عن بعض المسائل أو يقبل بها لأنه يتصور أن رفضها يعني تأثيم وتفسيق القائل بها، كما أن بعض الناس يتجه لنفسيق المجتهدين لأنه يرى أنهم أباحوا أمرًا من المحرمات، وينزاح الستار عن كلا الرؤيتين حين يتمايز في نظر الإنسان (الحكم على المسألة) عن (الحكم على المخالف). الملف الثالث: الإنكار في مسائل الخلاف، وهذه مسألة فقهية شهيرة قد اتجهت أنظار الفقهاء فيها إلى مذاهب شهيرة، أقواها -بلا شك- جعل (الإنكار) متعلقًا بالنص الشرعي؛ فكلما بعد (الخلاف الفقهي) عن النص كان أقرب للإنكار؛ لأن الشريعة جاءت بمعاني (المعروف) و (المنكر)، وهذه المفاهبم إنما يحددها النص ولسى خلاف العلماء، ووجود الخلاف لا يمنع من الإنكار بالحكمة وبحسب درجاته، فموضوع (الإنكار) متعلق بتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

стр. 70

في الشريعة، ولا يلزم من الإنكار تأثيم المخالف أو التضييق على اجتهاده؛ فهذا باب فقهي وذاك باب فقهي آخر؛ فالإنكار في كل المسائل أو بطريقة تفتقد للحكمة أو من دون مراعاة لحال المخالف، كلُّها مخالفة للتسامح الفقهي الصحيح، كما أن التسامح الفقهي لا يلغي مبدأ الإنكار في مسائل الخلاف. الملف الرابع: الاختيار بين المذاهب والأقوال الفقهية، وهو تسامح فقهي يجب أن يبقى وسطًا بين طرفين: طرف (إلزام الناس بقول واحد) ورفض أي اجتهادات وأقوال أخرى لمذاهب فقهية معتبَرة، خاصة في المسائل الاجتهادية القابلة للنظر والخلاف. وطرف (تخيير الناس بين الأقوال) وجعلها في متناولهم ليختاروا منها أسهلها وأيسرها وأقربها لنفوسهم ومقتضيات عصرهم، فلا هذا ولا ذا، فالقادر على النظر في الأدلة والمسائل لا يجوز له أن يتجاوز القول الفقهي الذي يراه راجحًا، وأما من لا يستطيع فيستفتي من يثق في دينه وعلمه من دون أن يتخيَّر من الأقوال والمذاهب ما يشاء؛ لأن هذا من الترخُّص الذي أجمع الفقهاء على ذمه وعيبه لمنافاته لأصل التكليف (١)؛ لأن المسلم متعبَّد باتباع النص ما استطاع، وجعل الأقوال في سلَّةٍ يختار منها ما يشاء يجعله متبعًا لشهوته وهوى نفسه، كما أن هذا التسامح يجب أن لا يجعل الأصل في المسائل الخلافية العفو والتجاوز وأنَّ المسألة ما دام فيها خلاف فالأمر واسع (فالمختلف في حرمته لا يكون حلالًا) وهو معلوم من دين الإسلام بالضرورة كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).

стр. 71

وحين يكون الأصل هو (النصّ) فإن ذاك يستدعي البحث عنه وإشهاره وأن تكون دائرة البحث فيه وحوله، ولو حصل خلاف واجتهاد وتأويل له فإنه منطلق من النص، وهو تطبيق لأمر اللَّه -تعالى-: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأما حين يكون الخلاف بحد ذاته حجة وعذرًا فإن هذا في النهاية سيؤدي إلى هجران النصوص وإضعاف مكانتها في النفوس، وهو ما دفع الحافظ ابن عبد البر ليقرر بوضوح أنَّ: (الاختلاف ليس بحجة عند أحد عَلِمْتُه من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجَّة في قوله) (١). الملف الخامس: التسامح مع الانحرافات العقدية: وهو موضوع خارج عن حوار (التسامح الفقهي) كلَّه؛ لأن الخلافات الفقهية تدنو من النصوص ولا تصادم أصول الشريعة وقطعياتها بخلاف الظاهرة الفكرية المنحوفة التي تترجمها (الانحرافات والمذاهب العقدية)، غير أن بعض الناس يسعى لاستغلال (التسامح الفقهي) لتهوين الانحرافات العقدية في النفوس: إما بجعلها اجتهادات بشرية قابلة للاجتهاد حيث لا وجود لمن يملك الحقيقة المطلقة، أو باعتبار أنَّ هؤلاء قد يكونوا مجتهدين ومعذورين فيبدأ في خلط ملفِّ (عذر القائل) بملف (الموقف من القول) أو يخلط فيها ملف (أخلاقيات الحوار) و (إعطاء الناس حقوقهم) وغيرها من الملفات التي تربك بعض الناس فيغفل بسببها عن استحضار أن هذه منكرات مصادمة للشريعة ومخالفة لسبيل المؤمنين. ظاهرة (اختلاط الملفات) و (دمج الموضوعات) ليست مختصة بالتسامح

стр. 72

الفقهي؛ فكثيرًا ما يلتبس على المتابع حقيقة بعض القضايا الفكرية والشرعية لأنها تأتيه جميعًا فيختلط الحق بالباطل والصواب بالخطأ، والمنهج الشرعي فيه هو ذات المنهج الصحيح في التعامل مع (الألفاظ المجملة)؛ فلا قبول لها بإطلاق ولا رفض لها بإطلاق، بل قبول للحق ورد للباطل في منهج موضوعي يستفصل عن أفراد الموضوع حتى تكتمل الرؤية في كافة أطرافها فلا تقبل باطلًا ولا تردُّ حقًا بسبب هذا الإجمال.

стр. 73

التسربات الفكرية لا تمرُّ ساعة دون أن يدخل "محمد" إلى أحد المواقع الالكترونية ليناقش عددًا من أصحاب الطوائف والتوجهات المختلفة في مسائل وقضايا كثيرة، ثم بعد أشهر من الجدل والحوار المستمر يظهر محمد برؤى وأفكار منحرفة يظنها ضرورية وأساسية للدفاع عن أحكام الشريعة وتصحيح صورة الإسلام والسنة. ولقد أصاب أخونا (عبد الرحمن) قريبًا مما أصاب (محمد) غير أنه كان أقل انهماكًا في هذه المعمعة فكان دوره يقتصر على المتابعة والقراءة مع بعض الحوارات الهامشية، فما دارت الأيام حتى كان قلب (عبد الرحمن) يحتضن كثيرًا من الإشكاليات والشبهات التي كانت تمر على عينيه الساخطتين فما لبثت أن سكنت قلبه بعد ذلك. (عبد الرحمن) و (محمد) نموذجان لظاهرتين منتشرتين في واقعنا المعاصر، ظاهرة الشخص الغيور الذي يدخل في نقاش الشبهات دفعًا لها وتحذيرًا منها،

стр. 74

وظاهرة القارئ المطلع على هذه الحوارات فضولًا وثقافة ثم ما يلبثا بعد هذا إلا قليلًا حتى ينقلب بعضهم على عقبيه أو يكون قد تأثر (كثيرًا) وتشرَّب عددًا من الأصول والمقدمات الفاسدة. سأقف مع سبب واحد يفسر واقع هذه المشكلة، وسأدع بقية الأسباب المؤثرة لمقام آخر، فلن أتحدث عن ضعف جانب العبادة والاتصال باللَّه، أو عن إشكالية تهاون المسلم في تحريك دفعات الشبهات على قلبه من دون أن يشد حبل قلبه باللَّه، ولا عن سبب العجب والثقة والاتكال على النفس الذي يضعف افتقار العبد إلى مولاه، ولا عن ضعف التأصيل الشرعي، ولا عن التفرد والاستقلال الموهوم الذي يجعل أمثال هؤلاء يأنفون عن سؤال أهل العلم والرجوع إليهم، بل لربما ظن -لعظم الوهم الذي يسكنه- أنه يخوض غمارًا لا ينقذ الإسلام ولا يحفظ أصول الدين إلا رأيه وفكره. السبب الذي أريده يتعلق بواقعة (التسليم بالمقدمات والأصول الفاسدة) فيدخل المحاور والقارئ هذه الحوارات، وفي غمار معمعة قضاياها وأمواج إشكالاتها يتخذ لنفسه عددًا من الأصول والقضايا الثابتة يدافع عنها ويجيب عن الشبهات بناءً عليها، وقد غفل عن أن هذه الأصول والقضايا لم تأته من قراءة تدبُّرية لكتاب اللَّه ولا من جلوس طويل على صحيح السنة ولا من دراسة بحثية لكتب الفقه؛ وإنما جزم بها من خلال هذه الحوارات وحسم أمرها بعد إلزام من هنا أو ورطة هناك. هي مشكلة قديمة، كثيرًا ما يبتلى بها من يقرر أصوله ومحكماته من خلال هذه الحوارات، وقد كانت سببًا ظاهرًا لبذور الانحراف العقدي الذي مزق أمة

стр. 75

محمد ﷺ من قديم، فرأس المنحرفين (الجهم بن صفوان) لم يقرر عقيدته في نفي أسماء اللَّه وصفاته إلا بعد نقاشٍ مع فرقة وثنية أحرجته بأنه لا يستطيع أن يحس خالقه ولا يشمه ولا يسمع صوته فهو إذن غير موجود، فحيَّرته هذه الشبهة ومكث أيامًا يبحث عن جواب مريحٍ لها، ثم خرج إليهم فأجابهم بأن وجود اللَّه مثل وجود الروح التي في جسد الإنسان، يقرُّ الإنسان بوجودها لكنه لا يراها ولا يسمع صوتها، ومن خلال هذا الدليل الذي قرره ليتخلص من ورطته مع الوثنيين بنى تصوُّره عن اللَّه فنفى عنه الصفات التي أخبرنا بها عن نفسه (١). وقد بذلت الفرق الكلامية جهدًا عظيمًا في سبيل إقناع الملاحدة بوجود اللَّه فجاؤوا بالدليل العقلي الشهير (دليل حدوث الأعراض والأجسام) وجعلوا إثبات اللَّه لا يقوم إلا به، فحطموا به وعبثوا بكثير من النصوص والأصول الشرعية. لاحظ أنهم لم يكونوا يرونها أصولًا فاسدة، أبدًا، بل كانت عندهم دليلًا شرعيًا وأصلًا ضروريًا لحفظ الإسلام وصدِّ هجمات أعدائه، وهو ما زادهم ثقة وتمسكًا بهذه الأصول ورفضًا لأي قاعدة أو دليل يخالفها؛ لأنه سيكون مضرًا بالإسلام حسب رأيهم. وإذا أردنا أن نتخفف من عرض الإشكالات القديمة ونأتي لواقع إشكالاتنا المعاصرة فسنجد المشكلة نفسها حاضرة لم تتغير، فمجموعة من الفضلاء يدخلون في حوارات وصدامات فكرية مختلفة وعلى أصعدة متعددة، يضطر بسبب هذه الحوارات تبني عدد من القضايا والمقدمات التي يراها مرتكزات أساسية للدفاع عن نصوص الشريعة وحفظ أحكامها، ويدعمها بعدد من الأدلة الشرعية، لكنه قد
следующие страницы →