← Книги сунны

Книги сунны · id 14440

صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان

ناصر الدين الألباني

Полный текст (1 053 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان مضموما إليه «الزوائد على الموارد» بقلم العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني المتوفى سنة (١٤٢٠ هـ) - رحمه الله تعالى - [المجلد الأول] دار الصميعي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية مَحْفُوظَة للناشر، فَلَا يسمح مُطلقًا بطبع أَو نشر أَو تَصْوِير أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ. ويحظر تخزينه أَو برمجته أَو نسخه أَو تسجيله فِي نطاق استعادة المعلومات فِي أَي نظام كَانَ ميكانيكي أَو إلكتروني أَو غَيره يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ. وَلَا يسمح بترجمة الْكتاب أَو جُزْء مِنْهُ إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر. جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر الطَّبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م دَار الصميعي للنشر والتوزيع هَاتِف: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩ - فاكس: ٤٢٤٥٣٤١ الرياض - السويدي - شَارِع السويدي الْعَام ص. ب: ٤٩٦٧ - الرَّمْز البريدي: ١١٤١٢ المملكة الْعَرَبيَّة السعودية

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كَلِمَةُ النَّاشِر الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِين، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى أَفْضَلِ المُرْسَلِين؛ نَبِيَّنا مُحَمَّدٍ؛ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. أَمَّا بَعْدُ: فَتَتَشَرَّفُ (دارُ الصُّمَيْعِيَّ للنَشْرِ وَالتَوْزِيع) بإخْراجِ هَذا الكِتَابِ القَيِّمِ "صَحِيحِ" وَ"ضَعِيفِ مَوَارِدِ الظَّمْآن" - للشَّيْخِ العَلَاّمَةِ، المُحَدِّثِ الكَبِيرِ: مُحَمَّدٍ ناصِرِ الدِّينِ الألبانِيَّ ﵀، وَأَدْخَلَهُ فَسِيحَ جِنانِهِ -. وَهَذا الكِتَابُ القَيَّمُ؛ كَانَ مِنْ أَهْمَّ أَسْبابِ عَلَاقَتِي الطَّيَّبَةِ بِشَيْخِنا العَلَّامَةِ الألبانِيَّ ﵀؛ وَذَلِكَ بِصُحْبَةِ الشَّيْخِ الفاضِلِ: عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ الحَلَبِيِّ - نَفَعَ اللهُ بِهِ -، حَيْثُ تَكَلَّلَتِ الزِّيارَةُ - بِحَمْدِ اللهِ وَمِنَّتِهِ - بالتَّوْفِيقِ وَالنَّجاح. وَلَقَدْ مَكَثْتُ عِنْدَ الشَّيْخِ ﵀ قُرابَةَ ساعَتَينِ، كَأَنَّها - لِطِيبِ المُقام؛ عِنْدَ الإمام - دَقائِقُ مَعْدُودة، وَثَوان مَحْدُودَة. فَمَا أرْوَعَ اسْتِقْبَالَه! وَمَا أحْسَنَ خُلُقَه! ﵀ رَحْمَةً واسِعَةً -. وَلَقَدْ كانَتْ آخِرَ مُكالَمَةٍ لَنَا مَعَ الشَّيْخِ ﵀ عَقِبَ حُصُولِهِ عَلَى جائِزَةِ المَلِكِ فَيْصَلٍ لِخِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ لِتَهْنِئَتِهِ وَالمُبارَكَةِ لَهُ - فِيها -. وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ الشَّيْخَ لا يُجِيبُ (كُلَّ) مُتَّصِلٍ بِهِ؛ لِكَثْرَةِ المُتَّصِلِينَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْحاءِ العالَمِ؛ وَلوَفْرَةِ انْشِغالِهِ وَأَشْغالِهِ، وَمَعَ هذا كُلَّهِ؛ فَقَدْ أَجابَ عَلَى مُكالَمَتِي، وَبَعْدَ السَّلامِ وَالدُّعاءِ - كَعَادَتِنا - اعْتَذَرَ شَيْخُنا ﵀ مِنَّي عَنْ تأَخُّرِ انْتِهاءِ العَمَلِ في هذا الكِتَابِ - وَهَذا مِنْ أَخْلاقِهِ العالِيَةِ -؛ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ اتِّصالِيَ - يا شَيْخَنا - هُوَ مِنْ أَجْلِ أَن أُهَنَّئَكُمْ عَلَى حُصُولِكُمْ عَلَى جائِزَةِ المَلِكِ فَيْصَلٍ ﵀ في الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ؛ فَقالَ لِي - بِكُل خُشُوع وَتَواضُعٍ -: "بَشَّرَكَ اللهُ بالخَيْرِ، وَادْعُ اللهَ أَنْ يُبَشَّرَنا بِدُخُولِ الجَنَّةِ".

стр. 4

رَحِمَ اللهُ شَيْخَنَا رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَضَاعَفَ لَهُ في حَسَنَاتِهِ، وَأَدْخَلَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ، وَجَمَعَنا اللهُ وَإيَّاهُ في جَنَّاتٍ وَنَهَر؛ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر. وَلا أَنْسَى في نِهَايَةِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ؛ أَنْ أَتَقَدمَ بالشُّكْرِ الجَزِيلِ لِكُل مَنْ كانَ لَهُ يَدٌ - مِنْ إخْوانِنا طَلَبَةِ العِلْمِ - لِمَا كانَ لَهُمْ مِنْ جُهُودٍ مُمَيَّزَةٍ في إخْراجِ هَذا السَّفْرِ العَظِيمِ المُبارَكِ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَ بهذا الكِتَابِ إخْوانَنا المُسْلِمِين، في مَشارِقِ الأَرْضِ وَمَغارِبِها، وَأَنْ يَرْحَمَ شَيْخَنا الألبانِيَّ رَحْمَةً واسِعَةً. كَتَبَهُ عَبدُ اللهِ بنُ حَسَنٍ الصُّمَيعِيُّ (دار الصُّمَيعيِّ للنَّشْر وَالتّوْزِيعِ) الرَّياض ١/ ٩/ ١٤٢١ هـ ـ

стр. 5

مقدمة إِن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإني - انطلاقًا من مشروعي الكبير "تقريب السنَّة بين يدي الأمة"، واستمرارًا في العمل فيه، وإخراج ما يمكن إخراجه منه إلى إخواني المؤمنين حتى آخرَ رمق من حياتي -؛ فإني أقدِّم اليوم: "صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" وليس يخفى على أهل العلم أهميةُ كتاب "الموارد"؛ وذلك لأن مؤلِّفه الحافظ الهيثمي - رحمه الله تعالى - قد استصفى فيه الأحاديث الزائدة على أحاديث "الصحيحين" من كتاب "صحيح ابن حبان" ﵀، الذي كان قد تفنَّن في ترتيبه ترتيبًا غريبًا بقصدٍ حسنٍ، وهو حضُّ طلاب العلم على حفظه كما يحفظون القرآن الكريم؛ لِتسهيل الرجوع إليه عند الحاجة! ترتيبًا فريدًا لم يُسبق إليه، وسماه: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قطع

стр. 6

في سندها، ولا ثبوتِ جرحٍ في ناقليها" كما ذكر في مقدمته (١). ولهذا الترتيب الغريب - غير المطروق - تتابع العلماء على التصريح بِعُسْر الانتفاع به؛ كالحافظ الذهبي، والحافظ العسقلاني، والإمام السيوطي، والشيخ أحمد شاكر ﵏ جميعًا - (٢)؛ خلافًا لمن عاند، وكابر، وشغّب من المعاصرين الذي لا يستفيد من علم المتقدمين إذا خالف ما يظنه أنه من العلم، وإنما هو مجرد الإجلال، والإكبار، والتقليد لأحد الكبار، والدفاع عنه بغير علم، ولا كتاب منير (٣). من أجل ذلك؛ جاء من بعده الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بَلْبَان الفارِسيُّ المصري الحنفي (ت ٧٣٩)، فرتّبه على الكتب والأبواب، فكان عملًا جليلًا حقًّا؛ قرَّب الكتاب لطالبيه، وحافظ على أصله بدقة الرجل العالم الثقة الأمين، كما قال محققه الشيخ أحمد شاكر ﵀ في مقدمته عليه (١/ ١٧). وقد تبعه الحافظ الهيثمي في تيسير الانتفاع بكتابه "موارد الظمآن"، فرتبه - أَيضًا - على الكتب والأبواب الفقهية؛ كما نص عليه في المقدمة، ولكنه لم يلتزم فيها ما التزمه الأمير علاء الدين من المحافظة على كتب وأبواب أصله، وإنما ترجم لأحاديثه بما أداه إليه اجتهاده من الكتب والأبواب. وإن مما لا شك فيه أن هذا الترتيب - دون أي شك - أنفع لعامّة الناس، وأيسر للاستفادة والتفقه والمراجعة، ولذلك قيل: فقه البخاري في تراجم أبوابه في "صحيحه"، فلا جرم أنَّه سار على هذا الدرب كبار الأئمَّة والحفاظ؛

стр. 7

كأصحاب الكتب الستة، وابن خزيمة في "صحيحه"، وابن الجارود في "المنتقى" وغيرهم. بل إني أقول: إنه هو الأوفق للشرع، والمتجاوب مع أمره ﷺ : "يسروا، ولا تعسروا ... "، متفق عليه، وهو مخرج في "الصحيحة" (١١٥١). تقويمي لكتاب "زوائد الموارد " وإذا كان من المعروف عند أهل العلم أن للفرع حكم الأصل إيمانًا وكفرًا، وصحة وضعفًا ما لم يعرض للفرع عارض يخرجه عن أصله، ويلحقه بنقيضه، كما يشير إلى ذلك قول النبي ﷺ : "ما من مولود إلَاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء؟! حتى تكونوا أنتم تجدعونها"، متفق عليه، واللفظ للبخاري "الإرواء" (٥/ ٤٩ - ٥٠). فلقد تكلّم علماؤنا ﵏ في "صحيح ابن حبان" في كتب "المصطلح" وغيرها كثير، كلٌّ حسب بحثه واجتهاده، وتوسع في ذلك بعض المتأخرين والمبالغين في تقديره وتبجيله، وبخاصة منهم العلامة الفاضل الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى -، ولذلك فإني سوف لا أُثقل على المقدمة ببسط أقوالهم في ذلك ومناقشتها؛ فإن ذلك يتطلب مني فراغًا ووقتًا وتأليفًا لكتاب خاص في الموضوع، الأمر الذي لا أستطيعه، وأنا في صددها، والكتاب تحت الطبع. ولذلك؛ فإني سألخّص أقوالهم بقدر ما يمكنني من التلخيص، ثم أتوجه لبيان ما هو المختار والمصطفى عندي دون أن أقلد في ذلك أحدًا، أو أداريه، أو أن أُوخذَ بسيف الرهبة، أو المفاخرة، أو المصلحة التجارية؛ كما بدا لي أن بعض المعاصرين لي فعله!

стр. 8

وابتداءً أقول: لست بحاجة إلى أن أنمِّق كلمات في الثناء على حافظنا (محمد بن حِبّان البستي)؛ فإنه - والحمد لله - من المتفق عليه بين العلماء والحفاظ على إجلاله، واحترامه، وحفظه، وثقته، ونبوغه، ويكفينا في ذلك قول الحافظ الذهبي المشهود له بالحفظ، والنقد، والمعرفة بمقادير الرجال ومنازلهم، لا تأخذه في ذلك لومة لائم أَنَّه: "الحافظ، الإمام، العلامة ... الثقة في نقله ... " (انظر "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٢٩٠)، "المغني" (٥٦٤/ ٥٣٧٨) - وغيرهما -). ذلك لأن بحثي ليس في شخصه، وإنما هو في كتابه "التقاسيم والأنواع" الذي منه كتابنا "موارد الظمآن"؛ حتى أتمكّن من تحقيق ما قصدت إليه من (التقويم) المشار إليه، فأقول: أولًا: لقد صنفه بعض الحفاظ في المرتبة الثالثة من بين الكتب التي التزم مؤلفوها الصحة، فقالوا: ١ - "الصحيحان". ٢ - "صحيح ابن خزيمة". ٣ - "صحيح ابن حبان"، انظر مقدمة الشيخ أحمد شاكر عليه (١/ ١١ - ١٤). وقال الحافظ ابن كثير - فيه، وفي "صحيح ابن خزيمة" -: "هما خير من "المستدرك" بكثير، وأنظف أسانيدَ ومتونًا": "اختصار علوم الحديث" (١/ ١٠٩ "الباعث الحثيث"). ثانيًا: وصفه بعضهم بالتساهل في التوثيق والتصحيح، وقرنوه في ذلك أو كادوا بالحاكم، فقال الحافظ ابن الصلاح في "المقدمة"، والعراقي في شرحه

стр. 9

عليه (ص ١٨ - حلب): "إنه يقارب الحاكم في التساهل، لكن هذا أشد تساهلًا منه". وقال الحافظ ابن عبد الهادي تلميذ ابن تيمية في صدد رده على السبكي تقويته لحديث في الزيارة النبوية في إسناده من وثقه ابن حبان: "ليس فيه ما يقتضي صحة الحديث الذي رواه، ولا قوته، وقد عُلم أن ابن حبان ذكر في هذا الكتاب الذي جمعه في الثقات عددًا كثيرًا، وخلقًا عظيمًا من المجهولين الذين لا يعرف هو - ولا غيره - أحوالهم، وقد صرح ابن حبان بذلك في غير موضع من هذا الكتاب ... " (١). ثالثًا: نقل الحافظ الذهبي عن الإمام أبي عمرو بن الصلاح أنه قال في ابن حبان: "غلط الغلط الفاحش في تصرفه". فعقب عليه الذهبي بقوله: "وصدق أبو عمرو، وله أوهام كثيرة، تتبع بعضها الحافظ ضياء الدين". وأقره الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٥/ ١١٣). وذكر الذهبي في ترجمته من "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٩٧): "أن في "تقاسيمه" من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة: عجائب" (٢).

стр. 10

إذا عرف ما ذكرت؛ فإني أرى أنه لا منافاة بين الاجتهادات والأقوال المذكورة، وذلك بعد ممارستي - والحمد لله - لهذا العلم الشريف، والتزامي لقواعده التي وضعها أساطين الحفاظ والعلماء، واستعانتي بهم على تطبيق الجزئيّات على الكليات، والفروع على الأصول، واستفادتي من تجارِبهم وممارستهم إياه أكثر من نصف قرن من الزمان، فأقول: أولًا: هو بحق - كما ذكروا - في المرتبة الثالثة بعد "الصحيحين"، وذلك لغزارة مادته، وكثرة أحاديثه التي بلغ عددها نحو (٧٥٠٠) (١)، والأحاديث التي انتقدتها منه بواسطة "الموارد" لا تبلغ الأربع مئة - فيما يبدو - حتى الآن؛ لأننا لم ننته بعد من تصحيح تجارب "الضعيف" منه؛ أي: بنسبة خمسة في المئة تقريبًا، لكن ينبغي أن لا ننسى أن النسبة يمكن أن ترتفع؛ لأن قسمًا كبيرًا من "الصحيح" لم نورده في "الضعيف" لمتابعات وشواهد قويناه بها؛ وإلَاّ فهي ضعيفة الأسانيد، كما سيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله تعالى -. ثانيًا: هو متساهل في التوثيق والتصحيح دون ما شك أو ريب، وهو مما سيأتي تفصيل القول فيه - بإذنه - تعالى -. ثالثًا: الأحاديث المنكرة فيه، يلتقي تمامًا مع ما قبله، وبخاصة إذا فُسَّرَ الحديث المنكر بما تفرد به الضعيف، سواءً خالف أو لم يخالف - كما هو مذهب أحمد وغيره -. والذي يهمني في هذه المقدمة؛ إنما هو تحقيق القول في تساهله المذكور، وتقويم مصدريه، إلَاّ وهما كتاباه "الثقات"، و"الصحيح"؛ لأنه عليهما قام كتاب "موارد الظمآن"، فأقول:

стр. 11

(الفصل الأول): تقويم كتاب "الثقات " ابتداءً؛ يكفينا الاستشهاد على تساهله فيه قول أعرَف الحفاظ بالرجال بعد الحافظ الذهبي؛ ألا وهو الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني ﵀؛ فإنه قال في مقدمة كتابه "لسان الميزان" (١/ ١٤): "قال ابن حبان: من كان منكر الحديث على قلته؛ لا يجوز تعديله إلَّا بعد السبر، ولو كان ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار؛ لَكان عدلًا مقبول الرواية، إذ الناس في أحوالهم (١) على الصلاح والعدالة؛ حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، هذا حكم المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلَاّ الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها". قال الحافظ عقبه: "قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان؛ من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه؛ كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه: مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهو مسلك ابن حبان في "كتاب الثقات" الذي ألَّفه؛ فإنه يذكر خلقًا ممن نص عليهم أبو حاتم - وغيره - على أنهم مجهولون، وكأَن عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره، وقد أفصح ابن حبان بقاعدته، فقال: (العدل من لم يعرف فيه الجرح؛ إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم

стр. 12

يجرح؛ فهو عدل حتى يتبيّن جرحه؛ إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم) (١). قال الحافظ - عَقِبَهُ -: "وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به: (إذا تعرَّى راويه من أن يكون مجروحًا، أو فوقه مجروح، أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلًا، أو منقطعًا، أو كان المتن منكرًا) (٢). هكذا نقله الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي"، وقد تصرف في عبارة ابن حبان، لكنه أتى بمقصده، وسياق بعض كلامه في (أيوب) - آخِرِ مذكور في حرف الألف -. قال الخطيب: أقل ما يرتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من المشهورين بالعلم؛ إلَاّ أَنَّه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما". قلت: ونص كلام ابن حبان ﵀ في مقدمة كتابه "الثقات" (١/ ١١): "ولا أذكر في هذا الكتاب إلَاّ الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم". ثم أكد ذلك بقوله (ص ١١ - ١٢): "فكل من أذكره في هذا الكتاب؛ فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا؛ فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال: إما أن يكون فوقه رجل ضعيف، أو دونه، أو يكون إسناده مرسلًا، أو منقطعًا، أو فيه رجل مدلس لم

стр. 13

يبين سماعه". انتهى باختصار. فكنت أود أن ينقله الحافظ مع ما نقل؛ لأنه أعم وأشمل في بيان منهج ابن حبان في "ثقاته" أولًا، ثم هو يبين خطأ ما نقله عن ابن عبد الهادي ثانيًا؛ إذ ليس فيه: "راويه من أن يكون مجروحًا" - كما تقدم -؛ لأن الخصال الخمس هي عنده في غيره كما هو ظاهر؛ لأنه عنده ثقة يحتج بخبره إذا سلم إسناده من خصلة من تلك الخصال الخمس، وما يقع مثل هذا الخطإ إلَاّ من التلخيص، وسرعة النقل! ومن الغرائب أن الحافظ السخاوي قد نقله عن شيخه الحافظ ابن حجر، لكن بعبارة أخرى في صدد بيان اصطلاح ابن حبان في "صحيحه"؛ نصها في "فتح المغيث" (١/ ٣٧): "فإنه يخرّج في "الصحيح" ما كان راويه ثقة، غير مدلس، ولم يكن هناك إرسال، ولا انقطاع، ولم يكن في الراوي جرح ولا تعديل (!)، وكان كل من شيخه، والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده ثقة". قلت: فهذا خلط آخر ينسب إلى ابن حبان، وهو منه بريء، يدلك عليه أن أول المنسوب إليه هنا إنما هو في شروط الحديث الصحيح، وآخره فيمن هو الثقة عنده! والأول هو الذي يدلُّ عليه كلامه الذي نقلته عنه آنفًا؛ أن الشروط المذكورة إنما هي في حديث الثقة عنده، وليس فيمن هو الثقة؟ فتأمل! والظاهر أن الحافظ السيوطي تنبه لهذا الخطإ، فنقل ما عزاه السخاوي لابن حجر، لكن السيوطي لم يسمه؛ بل أشار إلى تمريضه بقوله في "تدريب الراوي" (١/ ١٠٨): "قيل ... "! على أن قول الحافظ: "ولم يكن في الراوي جرح ولا تعديل" لا يستقيم مع كلام ابن حبان أولًا؛ لأنه غير مذكور في شروطه كما رأيت، وهذا مثل لو قال:

стр. 14

"مجهول"، وهذا ينافي من جهة أخرى قول ابن حبان المتقدم: "العدل من لم يعرف فيه الجرح ... " إلخ، فمن ليس فيه جرح؛ فهو عنده عدل، ولذلك انتقده الحافظ - كما سبق -، فكيف يدخل في شروطه التي ينبغي أن يكون إسناد الثقة عنده سالمًا منها من كان عنده ثقة عدلًا؟! والصواب أن يذكر مكانه: "ضعيف" - كما تقدم في نص ابن حبان - نفسه -. ثم إن قول الحافظ: "ولم يأت بحديث منكر" ينبغي أن يُحمل على أحد رواة إسناد الثقة عنده، وليس كما فهمه بعض الجهلة المدعين المعرفة بهذا العلم؛ حيث قال: "يَشترط ابن حبان في الراوي الذي يكون ثقة - حسب تعريفه - أن لا يأتي بخبر منكر؛ لكي يدخله في (الثقات) " (١)!! وعزا ذلك في الحاشية لكتاب "فتح المغيث"، و"تدريب الراوي" بالجزء والصفحة، وهو كذب عليهما! وهو مما يؤكد جهله وقلة علمه؛ فإنه ليس من شرط الثقة أن لا يروي حديثًا منكرًا؛ لأن معنى ذلك أن يكون معصومًا من الخطإ، وهل يقول هذا عاقل يفهم ما يلفظه لسانه، أو يجري قلمه؟! وإنما يكون شرطًا فيه أن لا تكثر المناكير في رواياته، ولذلك فرقوا بين من قيل فيه: "يروي المناكير"، وبين من قيل فيه: "منكر الحديث"، فهذا ضعيف بخلاف الأول، وقد سبق (ص ١١) في كلام ابن حبان ما يشهد لهذا التفريق، وهو أمر معروف في علم المصطلح. ومعذرة إلى القراء الكرام؛ فقد ابتعدت قليلًا عن موضوع البحث بسبب

стр. 15

بيان بعض الأوهام التي وقعت حول مذهب ابن حبان في كتابه "الثقات". ومجمل القول فيه: أنه شذ في تعريفه (العدل) بأنه من لم يعرف بجرح عن الحفاظ الذين دُوِّنَتْ أقوالهم في مبسوطات كتب العلماء، ولخصت فوائدها في (علم مصطلح الحديث)، الذي صار مرجعًا لكل باحث متبع، لا يحيد عنه إلَاّ ذو هوى ومبتدع، أو جاهل مُدّعٍ مغرض، كما شذ في قوله أنه لم يذكر في "ثقاته" إلَّا الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم؛ بل إنه تناقض في ذلك كل التناقض، وهاك البيان: ١ - أما شذوذه في تعريف (العدل)؛ فقد اتفق العلماء على أن (العدل): هو المسلم البالغ، العاقل الذي سلم من أسباب الفسق، وخوارم المروءة، على ما حقق في (باب الشهادات) من كتب الفقه؛ إلَاّ أن الرواية تخالف الشهادة في شرط الحرية، والذكورة، وتعداد الراوي. هذا نص كلام الشيخ أحمد شاكر ﵀ في "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" لابن كثير (ص ١٠٢ - بتحقيقه)، آثرته بالذكر؛ لأنه من المبالغين في الاعتداد بِـ "الثقات" كما يدل عليه تعليقاته في "صحيح ابن حبان"، و"مسند أحمد"، و"سنن الترمذي" وغيرها، ولي معه في ذلك قصة؛ لعلِّي حكيتها في بعض ما كتبت، فإنْ تذكرت مكانها؛ أشرت إليه. وكأني بشيخ الإسلام ابن تيمية عنى ابن حبان بالرد عليه بقوله في "الفتاوى" (٥/ ٣٥٧): "وأما قول من يقول: الأصل في المسلمين العدالة؛ فهو باطل؛ بل الأصل في بني آدم الظلم والجهل؛ كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ومجرد التكلم بالشهادتين لا يوجب انتقال الإنسان من الظلم والجهل إلى العدل".

стр. 16

وله تفصيل جيد جدًّا في من تقبل شهادته، فليراجعه من شاء استفادته. ٢ - وأما تناقض ابن حبان في (العدل)؛ فقد قال في شروط رواة "صحيحه" - كما في مقدمته المذكورة في طبعات "الإحسان" (١/ ١١٢ - شاكر) -: "والعدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلَّا من لم يوجد معه معصية بحال؛ أدَّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل؛ إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها". قلت: فهذا يلتقي تمامًا مع تعريف العلماء للعدل؛ فإنه التزم فيه التعرف على أحواله في طاعة الله، وابتعاده عن معاصيه؛ إلَاّ أنه استثنى منها ما لا ينجو منه أحد، فبطل بذلك قوله: أن العدل من لم يعرف بجرح! على أنه تناقض مرَّة أخرى؛ فإنه لم يفِ بالتزام هذا الشرط في "صحيحه"، ولا بالشروط الأخرى التي ذكرها معه - وقد سبق ذكرها في الكثير من أحاديثه -، خلافًا لمن قال بأنه وفَّى - كما سيأتي بيان ذلك عند الكلام على "صحيحه" إن شاء اللَّه تعالى -. إخلال ابن حبان في "ثقاته" بشرط الصدق: وإنما عليَّ الآن الإتيان بالدليل القاطع على إخلاله بشرطه المتقدم أنه لا يذكر في "ثقاته" إلَاّ الصدوق الذي يجوز الاحتجاج بخبره، فضلًا عن ذكره فيه عشرات - إن لم أقل: مئات الضعفاء والمجهولين عنده هو - بَلْهَ عند غيره -، ثم أتبع ذلك ببيان تناقضه من كلامه هو - عفا الله عنا وعنه -. أما من أخلَّ بشرطه فيهم؛ فهم على قسمين: الأول: المجهولون الذين صرح بأنه لا يعرفهم، وقد كنت ذكرت نماذج منهم لا بأس بها في بعض المؤلفات؛ مثل "تمام المنَّة" (ص ٢٠ - ٢٥) تحت

стр. 17

عنوان "القاعدة الخامسة: عدم الاعتماد على توثيق ابن حبان" (الطبعة الثانية/ سنة ١٤٠٨)، و"الرد على التعقيب الحثيث" (ص ١٨ - ٢١)، وغيرهما (١). ولذلك فلا أريد أن أثقل على هذه المقدمة بذكرها إلَاّ بما لا بد منه؛ لتقريب الأمر وتوضيحه، ثم أتبع ذلك بأمثلة أخرى هي أقوى منها، لم يسبق لي أن ذكرتها، ولا غيري - فيما أعلم -: المثال الأول: (حميد بن علي بن هارون القيسي)، ذكر له بعض المناكير، ثم قال: "فلا يجوز الاحتجاج به بعد روايته مثل هذه الأشياء عن هؤلاء الثقات، وهذا شيخ ليس يعرفه كبير أحد". ومثله كثير، وكثير جدًّا ممن يقول فيهم عبارته التقليدية: "لا أعرفه"، ويزيد تارة: "ولا أعرف أباه".

стр. 18

وقد أحصيت منهم حتى الآن في كتابي الجديد "التيسير" (١) قرابة مائة راوٍ، والحبل جرار! المثال الآخر: (عبد الله بن أبي يعلى الأنصاري)، قال: "مجهول، لا أعلم له شيئًا غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه". وأمَّا الأمثلة الأخرى - والأقوى - التي أشرت إليها آنفًا؛ فأكتفي منها بمثالين - أيضًا -: الأول: قال (٥/ ٤٧٢): " (نافع)، شيخ، جهدت جهدي، فلم أقف على (نافع) هذا؛ من هو؟ "! والآخر: (فرع شهيد القادسية)، قال: (٧/ ٣٢٦): "لست أعرفه، ولا أعرف أباه، وإنما ذكرته للمعرفة، لا للاعتماد على ما يرويه"! قلت: وهذا منه نص هام جدًّا جدًّا، وشهادة منه - لا أقوى منها - على أن كتابه "الثقات" ليس خاصًّا بهم، وإنما هو لمعرفتهم، ومعرفة غيرهم من المجهولين، والضعفاء ونحوهم -؛ فهو يبطل إبطالًا لا مرد له كُلِّيَّتَهُ المتقدمة: أن كل من ذكره في كتابه "الثقات" صدوق، يجوز الاحتجاج بخبره! ومثله في الدلالة على إبطاله قوله المتقدم في ترجمة (حميد بن علي القيسي).

стр. 19

غير أَنَّ هذا النصَّ زاد عليه أنه أعلمنا أنه يذكر هؤلاء للمعرفة، لا على أنهم من الثقات الذين يحتج بخبرهم عنده. القسم الآخر ممن أخل بشرطه: من صرح هو بضعفه، أو بما يعنيه، أو يؤدي إليه: ١ - (مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام)، قال في آخر ترجمته (٧/ ٤٧٨): "وقد أدخلته في "الضعفاء"، وهو ممن أَستخير الله فيه". ٢ - (مالك بن سليمان بن مرة النهشلي الهروي)، قال فيه (٩/ ١٦٥): "يخطئ كثيرًا، على أنه من (١) جملة الضعفاء أدخل - إن شاء الله -، وهو ممّن أستخير الله فيه". وقد فعل، فأدخلهما في "الضعفاء". وأما ما في معناه؛ فهو على أنواع: الأول: من قال فيه: "يخطئ كثيرًا"، وهم نحو عشرة، غير (مالك بن سليمان) المتقدم، وبعضهم في "الصحيحين"، فضلًا عن "صحيحه" هو، وسأورد منهم اثنين، هما بالضعفاء أولى: أحدهما: (ربيعة بن سيف المعافري)، قال فيه (٦/ ٣٠١): "كان يخطئ كثيرًا" (٢). ومع ذلك أخرج له في "صحيحه" حديث: "لو بلغت معهم الكدى؛ ما

стр. 20

رأيت الجنة حتى يراها جدك؛ أبو أبيك"! وهو حديث منكر كما حققته في "ضعيف أبي داود" (٥٦٠)، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في آخر (٦ - الجنائز) من "ضعيف الموارد" على أنه من الزوائد. والآخر: (يزيد بن درهم العجمي)، قال فيه (٥/ ٥٣٨): "يخطئ كثيرًا". وقد ضعفه المغيرة وغيره -؛ كما في "تيسير الانتفاع" وغيره. ومثل هذا النوع من الرواة؛ قد أورد منهم عددًا وفيرًا في كتابه الآخر "الضعفاء"، أذكر اثنين منهم على سبيل المثال: أحدهما: (أصبغ بن زيد الوراق الواسطي)، قال (١/ ١٧٤): "يخطئ كثيرًا، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد". والآخر (بشر بن ميمون أبو صيفي الواسطي)، قال (١/ ١٩٢): "يخطئ كثيرًا، حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد". بل إنه قد يقول مثل هذا فيمن وصفه بالخطإ دون الكثرة فيه، مثل: ١ - (إسحاق بن إبراهيم بن نِسْطاس المدني)، قال (١/ ١٣٤): "كان يخطئ، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد". ٢ - (أيمن بن نابل المكي)، قال (١/ ١٨٣): "كان يخطئ، ويتفرد بما لا يتابع عليه، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، والذي عندي: تَنَكُّبُ حديثه عند الاحتجاج - إلَّا ما وافق الثقات - أولى من الاحتجاج به". وهذا النوع الأخير كثير جدًّا في "ثقاته"؛ بحيث إنه من الصعب حصره،

стр. 21

وهو - فضلًا عن الذي قبله، وهو الموصوف بكثرة الخطإ -كلاهما ممن نص في كتابه على أنهم من المجروحين عنده، فقد ذكر في مقدمته (١/ ٦٢) أن الجرح في الضعفاء على عشرين نوعًا، ثم فصل القول في كل نوع منها تفصيلًا، والذي يهمنا هنا قوله - تحت (النوع الثالث عشر) -: "منهم من كثر خطؤه وفحش، وكاد أن يقلب صوابه، فاستحق الترك من أجله، وإن كان ثقة في نفسه، صدوقًا في روايته؛ لأن العدل إذا ظهر عليه أكثر أمارات الجرح؛ استحق الترك، كما أن من ظهر عليه أكثر علامات التعديل؛ استتحق العدالة"! وقال تحت عنوان: "أجناس من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها": "الجنس الأول: من كان يخطئ الخطأ اليسير. فهؤلاء ليسوا عندي بالضعفاء على الإطلاق حتى لا يحتج بشيء من أخبارهم؛ بل الذي عندي أن لا يحتج بأخبارهم إذا انفردوا، فأما ما وافقوا الثقات في الروايات؛ فلا يجب إسقاط أخبارهم، فكل من يجيء من هذا الجنس في هذا الكتاب؛ فإني أقول بعقب ذكره: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد". وأكد هذا المعنى في ترجمة (عبد الله بن الحسين بن عطاء بن يسار)، فقال: (٢/ ١٦): "كان ممن يخطئ فيما يروي، فلم يكثر خطؤه حتى استحق الترك، ولا سلك سَنَنَ الثقات حتى يدخل في جملة الأثبات، فالإنصاف في أمره أن يترك ما لم يوافق الثقات من حديثه، والاعتبار بما وافق الثقات". قلت: ومن تأمل جليًّا في هذه الأمثلة من كلام ابن حبان - رحمه الله تعالى -؛ ظهر له أمران ظاهران جدًّا:

стр. 22

أحدهما: أن الموصوف عنده بالخطإ مطلقًا، أو مقيدًا بِـ (كثيرًا): مجروح عنده، ويجمعهما في أنه لا يحتج به إذا انفرد. وهذا هو المهم في بحثنا هنا. والآخر: أنه يحكم على من (يخطئ كثيرًا) بالترك دون الأول، وقد أبان عن هذا الحكم وعن سببه - أيضًا -: في ترجمته لِـ (يحيى بن سعيد التميمي المدني)، فقال (٣/ ١١٨): "كان ممن يخطئ كثيرًا، وكان رديء الحفظ (١)، فوجب التنكب عما انفرد من الروايات، والاحتجاج بما وافق الثقات ... وكل ما نقول في هذا الكتاب: أنه لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ فسبيلُه هذا السبيل: أن يترك ما أخطأ فيه، ولا يكاد يعرف ذلك إلَّا الممعن البازل في صناعة الحديث (٢)، فرأينا من الاحتياط ترك الاحتجاج بما انفرد جملة؛ حتى تشتمل هذه اللفظة على ما أخطأ فيه، أو أخطئ عليه، أو أدخل عليه وهو لا يعلم، أو دخل له حديث في حديث، وما يشبه هذا من أنواع الخطإ، ويحتج بما وافق الثقات، فلهذه العلة ما قلنا لمن ذكرنا أنه لا يحتج بانفراده". وهناك أمثلة كثيرة أخرى تلتقي مع سابقاتها في المعنى؛ أكتفي بذكر عباراته فيها دون تسمية أشخاصها مع أجزائها وصفحاتها: ١ - "كان يخطئ؛ على قلة روايته".

стр. 23

(٥/ ٣٩٩، ٦/ ٢٤٨، ٧/ ٥٤٥). ٢ - "لا يعتبر بحديثه إذا انفرد"، وهذا كناية عن شدة ضعفه! (٥/ ٣٧٩، ٤١٩، ٥/ ٥٨، ٤٧١، ٩/ ٥٨). ٣ - "في القلب منه شيء"! (٨/ ٣٧٧، ٩/ ٩٦، ٢٩٢). ٤ - "لست أعتمد عليه ... "! (٥/ ٣٩٩ - ٤٠١). ٥ - "شيخ في حديثه مناكير كثيرة". (٤/ ٣٦٢). ٦ - "أمره مشتبه، له مدخل في (الثقات)، ومدخل في (الضعفاء) ". (٦/ ٢٧). ٧ - "هو بغير الثقات أشبه"! (٥/ ١١٩). ٨ - "كان يتهم بأمر سوء" (١)! (٥/ ٥٨). ... إلى نماذج أخرى تكثر وتقل، ولعلي أستقصي ذلك في مقدمة كتابي

стр. 24

"التيسير"، أو أجعله ذيلًا له - إن شاء الله تعالى -. وهناك مثال من أغرب ما رأيت له في "الثقات"؛ حتى لقد شككت أن تكون مقحمة فيه؛ لأن محققه - جزاه الله خيرًا - أشار إلى أنه لم يرد في كل نسخ الكتاب، وإنما "من ظ وم"، وهو قوله (٥/ ١٢٥ - ١٢٦): "عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو الصباح، واسمه عبد الغفور بن عبد العزيز الواسطي، عندنا عنه نسخة بهذا الإسناد، وفيها ما لا يصح، البلية فيها من (أبي الصباح)؛ لأنه كان يخطئ ويتهم" (١). ووجه الغرابة لا يخفى على أحد: ما دام أنه لا يعرف إلَّا من طريق هذا المتهم بالوضع، فلعله ممن لا وجود لشيخه هذا -، وإنما هو الذي اختلقه! وقد أشار إلى هذه الحقيقة ابن حبان نفسه؛ حيث قال في بعض "ضعفائه" (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨): "والشيخ إذا لم يرو عنه ثقة؛ فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة؛ لأن ما روى الضعيف وما لم يروِ في الحكم سواء" (٢). ونحوه قوله فيه (٢/ ١٩٣). "وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلَاّ الضعفاء؛ فهم متروكون على الأحوال كلها".

стр. 25

قلت: وبهذا التحقيق، والتَّتَبُّعِ لهذه الأمثلة في كتاب "الثقات"، وما قاله مؤلفه فيها وفي غيرها؛ يتجلى لكل ذي بصيرة أن ما رماه الحفاظ العارفون به من التساهل في التوثيق، ومخالفة الجمهور، وأن له فيه الأوهام الكثيرة؛ كل ذلك حق لا ريب فيه؛ بل إنه أخل أيضًا بالقاعدة التي وضعها في مقدمته كما سبق: "العدل من لم يعرف بجرح"!! فأورد فيه جمهورًا كبيرًا ممن جرحهم هو نفسه فضلًا عن غيره، مما أغنانا هو عن الاستشهاد بأقوالهم فيهم!! على أنه لا ينبغي أن يفوتني التنبيه أنه خالف جمهور المحدثين أيضًا بإخلاله في القاعدة المذكورة بشرط الحفظ والضبط في العدل، كما هو مقرر في كافة كتب المصطلح وغيرها، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" (١٨/ ٤٥): "الخطأ في الخبر يقع من الراوي إما عمدًا، أو سهوًا، ولهذا اشترط في الراوي (العدالة)؛ لنأمن من تعمد الكذب، و (الحفظ، والتيقظ)؛ لنأمن من السهو ... ". وقد لخص الحافظ ابن حجر ما في (المصطلح) بأوجز عبارة، فقال في رسالته النافعة الهامة: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر": "وخبر الآحاد بنقل (عدلٍ)، (تام الضبط)، متصل السند، غير معلل، ولا شاذ؛ هو الصحيح لذاته، وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف، ومن ثَمَّ قُدم "صحيح البخاري"، ثم "مسلم"، ثم شرطهما، فإنْ خف الضبط؛ فالحسن لذاته، وبكثرة الطرق يصحح" (١).

стр. 26

وإن من العجيب حقًّا: أن ابن حبان قد التزم هذا الشرط في الخبر الذي تقوم به الحجة، ولكنه بدل أن يذكره في مقدمة "ثقاته" وضعه في مقدمة "ضعفائه"! فقال تحت عنوان: "الحث على حفظ السنن ونشرها" (ص ٨): "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ ... ". ولكنه وقع في مخالفة أخرى! وهي اشتراطه: العلم بما يحيل المعنى! وأكد ذلك في موضع آخر منه، فقال تحت "أجناس من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها" (ص ٩٣): "الجنس الرابع: الثقة الحافظ، إذا حدث من حفظه، وليس بفقيه؛ لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره ... ". فيا سبحان الله! ما أشد تناقضه وتهاتره مع علمه وفضله وحفظه -! فأين هذا التعنت والتنطع في هذا الكتاب "الضعفاء" من ذاك التسامح والتساهل في ذاك الكتاب "الثقات"؟! ولو أن هذا التعنت كان صوابًا؛ لَكان الأليق أن يذكر في ذاك، وليس في هذا! ثم هو مع مخالفته لما عليه العلماء في (المصطلح)؛ حيث لم يذكروا هذا الشرط؛ فإنه مخالف لصريح قوله ﵊: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فبلغه غيره، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ... " الحديث، رواه المصنف من حديث زيد بن ثابت، وابن مسعود كما سيأتي في أول (٢ العلم)، وترجم له بما يرد عليه؛ فراجعه. كما هو مخالف لعمومات النصوص الآمرة بالتبليغ لِقوله ﷺ :

стр. 27

"بلغوا عني ولو آية ... " الحديث، متفق عليه. وقوله: "وليبلغ الشاهد الغائب" ونحو ذلك. فليس هناك شرط في (العدل) إلَاّ ما يشترط في الشاهد، وإلا الحفظ والضبط، على ما تقدم. نعم؛ لو جعل ذلك شرط كمال، وليس شرط صحة - كما هو الشأن في (شرط التلاقي) عند الجمهور -؛ لَكان له وجه مقبول! وقد أشار إليه الحافظ في تعريفه للحديث الصحيح - كما سبق -، ولعل ابن حبان ﵀ أراد ذلك، فقصرت عبارته عن قصده؛ فإني أستبعد جدًّا عن مثله أن يخفى عليه بطلان هذا الشرط وفساده؛ لأن طلاب العلم جميعًا يعلمون أن الكتاب والسنة؛ ما رواه لنا ولا نقله إلينا إلَّا (الأميون) بنص قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، فلم يكونوا فقهاء، ولكنهم كانوا آية في الحفظ والأداء كما هو معروف عنهم في سيرتهم وتراجمهم، ثم صاروا بما حفظوا فقهاء، ثم هم فيه ليسوا سواءً، كما هو صريح حديث النضرة المتقدم؛ بل وليسوا كذلك في الحفظ والأداء، فمنهم من له الحديث والحديثان، ومنهم من له الألوف كما هو معروف، وعلى هذا جرى من بعدهم من السلف ﵏ جميعًا -، فالشرط باطل، والحق كما قيل: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف تبرئة اللكنويِّ ابنَ حبَّانَ من (التساهل)، والرد عليه: وبهذا المناسبة أقول: ومن العجائب - أيضًا -: أن بعضهم استغل تعنت ابن حبان الذي ذكرت

стр. 28

بعضه آنفًا، غير تشدده في تضعيف بعض الثقات كما هو مذكور في كتب التراجم، وبخاصة منها "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للحافظ الذهبي (١)، وقد ذكره فيهم العلامة أبو الحسنات اللكنوي الحنفي في "الرفع والتكميل" (ص ١١٩ - ١٢٠)، ثم قال (١٣٧ - ١٣٩) ما ملخصه: "كثيرًا ما تراهم يعتمدون على "ثقات ابن حبان"، وقد التزم الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في جميع الرواة الذين لهم ذكر في "ثقاته" بذكر أنه ذكره ابن حبان في "الثقات" ... ، وقد نسب بعضهم التساهل إلى ابن حبان، وقالوا: هو واسع الخَطْو في باب التوثيق، يوثق كثيرًا ممن يستحق الجرح، وهو قول ضعيف؛ فإنك قد عرفت سابقًا أن ابن حبان معدود ممن له تعنت وإسراف في جرح الرجال، ومن هذا حاله؛ لا يمكن أن يكون متساهلًا في تعديل الرجال"! فأقول: هذا الجزم بعدم الإمكان من عجائبه وغُلَوائه؛ إذ هو ممّا لا دليل عليه إلَاّ حسن ظنه به! وهذا لا ينفي بداهة أن يقع منه ما هو مستبعد أن يقع من أي حافظ من أمثاله؛ بل هو كما لو قال قائل في بعض الصالحين: لا يمكن أن يكذب أو يزني! نعم؛ استبعاد صدور ذلك وارد في المثال، وفيما نحن في صدده، لكن البحث والتحري مع الدقة والإنصاف؛ كل ذلك كشف عن أنه أمر واقع؛ ما له من دافع، كما سبق بيانه بتفصيل قد لا تراه في مكان آخر. ولا أدلَّ على ذلك من اشتراطه في الثقة الحافظ أن يكون فقيهًا؛ وإلا لم يجز الاحتجاج بخبره! كما تقدم نقله عنه مع بيان بطلانه (ص ١٧ - ١٨)، فأي تعنت أشد من هذا؟! ولذلك لما نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي كلامه بتمامه

стр. 29

وطوله؛ تعقبه وردَّه عليه بقوله في "شرح الترمذي" (ق ١٢٢/ ٢): "وفيما ذكره نظر، وما أظنه سُبق إليه، ولو فتح هذا الباب؛ لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ الحديث كالأعمش - وغيره -، ولا قائل به، فأما مجرد هذا الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه؛ فلا يكفي في رد حديثه، والله أعلم". فكما وقع منه هذا التعنت الغريب؛ وقع منه ذاك التساهل العجيب. وأما ما ذكره أبو الحسنات في مطلع كلامه السابق من اعتمادهم على "ثقات ابن حبان"، والتزام ابن حجر بذكر من وثقه في "تهذيبه"؛ فمما لا يفيد شيئًا ولا يجدي! أما الاعتماد على هذا الإطلاق؛ فلأنه باطل - لما سبق -. وأما الالتزام؛ فلأنه كتاب يجمع كل ما قيل في رجاله من تجريح وتوثيق، دون أي ترجيح أو تحقيق إلَاّ ما ندر، فهو كالتزامه أن يذكر فيه من جرحه ابن حبان أيضًا، وقد يذكر أحيانًا تناقضه في بعضهم، فهل يعني ذلك اعتماده على توثيقه أو تجريحه؟! كيف والحافظ قد صرح في "تقريب التهذيب" بجهالة كثير ممن وثقهم ابن حبان، وتارة يقول: "مستور"، وتارة: "مقبول"، وتارة: "صدوق"، وأخرى: "ثقة"؟! أصاب في بعض ذلك، وأخطأ في بعض، وتفصيل القول فيه يحتاج إلى إعداد خاص، وهو غير متيسر الآن، وكثير منه مبثوث في تعليقاتي وكتبي، وبخاصة منها "تيسير الانتفاع" أخيرًا، وهناك تجربة في "ثقات ابن حبان" وموقف الحفاظ منه، كنت أجريتها مع طلاب الجامعة الإسلامية في درس غير معهود في سائر الجامعات، إلَاّ وهو (درس الأسانيد)، وذلك سنة (١٣٨٢)، كنت ذكرتها في تعليق لي على كتاب "التنكيل"، يحسن الاطلاع عليه منه (١/ ٤٣٨)، فمن شاء رجع إليه.

стр. 30

ثم إن أبا الحسنات اللكنوي عقّب على كلامه السابق بمطعنٍ عن الحافظ ابن حجر والسيوطي لا ينافي ما حققته من تساهل ابن حبان، ولا يؤيد استنكار اللكنوي لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن غاية ما انتهيا إليه أنه اصطلاح له، و"لا مشاحَّة في الاصطلاح"؛ أعرضت عن نقلهما؛ لأن البحث ليس فيه، وإنما في تساهله، وقد تجلى لكل ذي عينين. وقد كنت ذكرت في بعض تعليقاتي القديمة - مثلًا - أبا الفرج بن الجوزي؛ فإنه يشبه تمامًا ابن حبان من حيث إنَّه جمع بين النقيضين في شخصه، فهو معروف عند العلماء بتشدده وتعنته من جهة، وقد وصفه بذلك أبو الحسنات نفسه في "الرفع" (ص ١٣٢)، فجعله "ممن لهم تعنت في جرح الأحاديث بجرح رواتها"، ولكن فاته أنه متساهل - أيضًا - في روايته للأحاديث الواهية؛ بل والموضوعة في بعض كتبه من جهة أخرى؛ كما شهد بذلك بعض الحفاظ النقاد، والتحري العلمي الدقيق، فقال فيه الحافظ السخاوي متعجبًا منه في "فتح المغيث" (١/ ٢٣٨): "قد أكثر في تصانيفه الوعظية، وما أشبهها من إيراد الموضوع وشبهه". وترى بعض الأمثلة على ما ذكر في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٥٥٨٨، ٦٩١٩ - ٦٩٢١). قلت: فقد ثبت يقينًا أنه لا منافاة بين كون ابن حبان متساهلًا في توثيق بعض رواته في "الثقات" - كما وصفه كثير من الحفاظ النقاد -، وبين كونه متعنتًا في ذلك - كما وصفه آخرون منهم أو من غيرهم -، فالوصفان قائمان به، والكل صادق فيما وصف.

стр. 31

الرد على الداراني: بيد أنه قد ظهر أخيرًا بعض الناشئين في هذا العلم، الذين نرى أنهم لا يزالون في أول الطريق، بالنظر لكثرة أخطائهم تأصيلًا وتفريعًا، وهم لكثرتهم في هذا الزمان يقل ذلك منهم ويكثر، كلٌّ حسب ممارستهم ونبوغهم وإخلاصهم للعلم الشرعي بعامة، ولهذا العلم الشريف بخاصة، وجمهورهم ممن يذكرني ما نراه منهم - من بالغ أخطائهم تصحيحًا وتضعيفًا - بلطيف قول الحافظ الذهبي في أمثالهم: "يريد أن يطير، ولما يريش"! ومثله المثل المعروف: (تزبب قبل أن يتحصرم)، وتكون العاقبة كما جاء في الحكمة: (من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه)! والأنكى من ذلك مخالفة قول رب العالمين في كتابه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾! فكيف يكون حال من تعدى طوره من أولئك المشار إليهم؟ ويرد بجهل بالغ وجرأَة عجيبة على أهل العلم بهذا الفن النابغين فيه، ويكرر ذلك بمناسبة وبغير مناسبة (١)؛ أعني الاخ حسين سليم الداراني السوري الذي بدأت آثاره تظهر في بعض تحقيقاته ومنشوراته من بعد هجرتي من دمشق سنة ١٤٠٠ هـ ببضع سنين، وقد رددت عليه كثيرًا من تعدياته وأخطائه التي لا يمكن حصرها لكثرتها في عديد من مؤلفاتي وتحقيقاتي؛ كـ "السلسلتين" في المجلدات الأخيرة منها؛ لأنه لم يكن معروفًا من قبلها، ومثل "صحيح الترغيب"، وقسيمه "الضعيف"، وبصورة خاصة في هذا "صحيح الموارد"، وقسيمه أيضًا؛ لِكثرة أوهامه فيها كثرة عجيبة متنوعة، ولعله يتيسر لي ذكر نماذج منها في هذه المقدمة.

стр. 32

لقد كنت أودُّ للأخ سليم أن يوقف بحثه ونشاطه في نشر بعض كتب الحديث الأصول التي لم تطبع بعد، أو طبعت ولكن طبعات تجارية، فيقوم هو بتحقيقها وإعادتها إلى ما تركها عليه مؤلفوها، أو قريبًا من ذلك، ومن شرح غريب ونحوه؛ فإنه أهل لذلك لو شاء، فيما يبدو لي؛ لنشاطه في البحث، ثم يعمل لنشرها، فينتفع بذلك العلماء وطلاب العلم بإذنه - تعالى -، ولا يتعدى ذلك إلى ما لا يتقنه من التصحيح والتضعيف، والتوثيق والتجريح، فذلك ما لا يحسنه إلَاّ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾! والأمثلة التي أشرت إليها كافية في إسداء مثل هذه النصيحة، فكيف بالآتي بعد؟! فإن الذي يعنيني هنا بيان سبب شذوذه، ومخالفته لكافة علماء المصطلح في اشتراطهم الحفظ في الثقة على التفصيل الذي سبق بيانه، وأنه الجهل مقرونًا بالعجب والغرور والتقليد الأعمى، مع الدفاع عن رأيه ومذهب مقلَّده بحماس غريب؛ كأنه أتى بشيء لم تستطعه الأوائل، مما ذكرني بالحديث الذي يرويه بعضهم: "حبك الشيء يعمي ويصم" (١)، وقول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاويًا فتمكّنا! هذا هو الذي أصاب الأخ سليم - عافانا الله وإياه -؛ وإلا فكيف يعقل انحرافه عن جادة العلماء الذين وقفوا على مذهب مقلَّده ووهّنوه، فينبَري هو بالرد عليهم بغير علم ولا كتاب منير، وإنما بشبهة عرضت له ظنها علمًا، ثم بنى عليها علالي، وقصورًا، كما يأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -؟! لقد كان يكفيه إذا تبنى توثيق مقلَّدهِ أن يمضي عليه في تخريجاته وتصحيحاته، أما أن ينصب نفسه منصب العالم الحافظ النقَّاد، المتمكن من

стр. 33

معرفة أقوال الحفاظ الذين تتابعوا على خلاف رأيه الذي استقاه من مذهب مقلَّدهِ، وقد أبانوا عما فيه من العَكَر؛ فهو - والله - مما لا يستقيم في عقل عاقل يدري ما يخرج من فيه، أو يسيل به قلمه! ذلك لأن التقليد ليس علمًا باتفاق العلماء، فمن أراد الرد عليهم؛ وجب أن يكون رده بعلم؛ وإلَاّ وسعه قوله - تعالى -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ولا يسأل من شذ عنهم وظهر خطؤه. وإليك الآن البيان الموعود: لقد عقد الرجل بحثًا في مقدمة طبعته لكتاب الهيثمي هذا "موارد الظمآن" في أربع صفحات (١/ ٥٠ - ٥١)، افتتحه بنقل أقوال الحفاظ الذين نسبوا ابن حبان إلى التساهل؛ كابن الصلاح، والعراقي، والعسقلاني، والسخاوي وغيرهم هذا في المتن، ثم أخذ في الرد عليهم في التعليق، فقال بعد أن حكى عن النووي أن الجمهور لا يحتج بمجهول العدالة (١)، وهو معروف العين برواية عدلين: "ولكنْ؛ ما أكثر ما تصافح أعينَنا عبارةَ: (ووثقه ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل) "! قلت: وكأنه يغمز منّي وربما من غيري - أيضًا! - وهكذا؛ فهو من إنصافه وعدالته! لا يذكرني - في كل ما وقفت عليه من كلامه - إلَاّ ناقدًا، وأهلًا به حين يكون صوابًا، ثم قال: "وأقوال أخرى مثل قول الحافظ ابن حجر ... أبو سلمة الجُهني، حدث

стр. 34

عنه فضيل بن مرزوق، لا يُدرى من هو؟! وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" ... والحق أنه مجهول الحال ... "، وبعد التتبع وجدنا أن المجاهيل الذي يوثقهم ابن حبان - كما يزعم الكثير - فريقان: الفريق الأول: وهم الذين لا يروي عنهم غير واحد، وهو الأهم. والفريق الثاني: وهم الذين روى عنهم أكثر من واحد"!! فأقول ابتداءً: أريد أن ألفت نظر القراء الألباء إلى أن هذا التقسيم يشمل المئات من رجال "ثقات ابن حبان"، وأن بحث الناقد إنما يدور حولهم، وأنه لا يشمل من وثق منهم أو من غيرهم ممن يوثق بتوثيقهم من الحفاظ، فإذا انتبه القراء لهذا؛ تجلت لهم الحقيقة، فلننظر الآن ما فعل الرجل: أولًا: لقد سمى راويًا تفرد بالرواية عنه ثقة - وهو عبد الرحمن بن نمر اليحصبي - وعنه الوليد بن مسلم، قال: "وهو مع ذلك من رجال الشيخين"!! قلت: في هذا التمثيل تضليل للقراء من ناحيتين: الأولى: إيهامه إيَّاهم أن الراوي المشار إليه احتج به الشيخان! وهذا كذب، وأرجو أن لا يكون قد تعمده، وإنما أتي من جهله أو تقميشه وقلة تحقيقه، ذلك لأنهما إنما أخرجا له متابعةً، كما قال الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (٦/ ٢٨٨)، ولفظه: "لم يخرج له الشيخان سوى حديث واحد في الكسوف، وهو متابعة"! والآخر: أنه من الثقات؛ وهذا خلاف الواقع - أيضًا -؛ فإنه مختلف فيه، فضعفه ابن معين، وأبو حاتم، وابن عدي، ووثقه ابن البرقي، والذهلي، وإن مما لا شك فيه أن هؤلاء الأئمة الذين ضعفوه هم أقعد بهذا العلم، وأعرف وأشهر

стр. 35

من هذين اللذين وثقاه، وإنْ كان تبعهما ابن حبان بقوله في "الثقات" (٧/ ٨٢) - لأن البحث إنما يدور حول تساهله -: "من ثقال أهل الشام ومتقنيهم". نعم؛ لا ينافي التضعيف المذكور قول أبي زرعة الدمشقي: "حديثه عن الزهري مستوي". لأنه يمكن أن يكون عنى حديثًا خاصًّا مما وافق فيه الثقات؛ مثل حديث الكسوف المشار إليه فيما تقدم عن الحافظ. ونحوه قول أبي أحمد الحاكم: "مستقيم الحديث". وقد أشار إلى عدم المنافاة المذكورة ابن عدي؛ مع تضعيفه لابن نمر هذا بقوله في "الكامل" (٤/ ٢٩٣): "له عن الزهري أحاديث مستقيمة، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء". وكان قد صدّر ترجمته بقوله: "هو ضعيف في الزهري". ثم ساق له حديثه عن الزهري، عن عروة بن الزبير، أنه سمع مروان بن الحكم يقول: أخبرتني بسرة .. أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الذكر، والمرأة كذلك. ثم أشار إلى نكارة هذه الزيادة: "والمرأة كذلك"، ثم عزا الإنكار إلى ابن معين - أيضًا -. وتبعهم البيهقي، لكنه استظهر أنها من قول الزهري أدرجت في الحديث،

стр. 36

واستدل برواية لابن نمير فيها ما استظهره، فمن شاء رجع إليه (١/ ١٣٢)، وقد كنت نبهت على ذلك في "صحيح أبي داود" (١٧٥)، وقد أخرج الحديث هو وغيره من أصحاب "السنن"، وغيرهم بدون هذه الزيادة المنكرة. من أجل ما تقدم من أقوال الأئمة الجارحين لابن نمر، وتفرد الواحد بالرواية عنه، والنكارة التي وقعت له في حديث بسرة؛ كان هذا هو ملحظ الحفاظ المتأخرين حين أعرضوا عن قول من وثقه، أو صحح حديثه، فقال الذهبي في "الكاشف": "قال أبو حاتم وغيره: ليس بقوي". وقال الحافظ في "التقريب": "مجهول". وما ذلك منهم إلَاّ تحقيقًا لقاعدة: (الجرح المفسر مقدم على التعديل)، وأنه لا يحتج بالمجهول عند الجمهور، كما تقدم عن الإمام النووي. فليت شعري؛ ما هو ملحظ الداراني في مخالفة هؤلاء الحفاظ جميعًا المتقدمين منهم والمتأخرين، المجرّحين منهم والمحققين؟! أهو شيء جهلوه، أو غفلوا عنه، وعلمه هو أو اكتشفه هو؟! نعم؛ لقد بدا لنا ما هو؛ في هذا المثال الذي ضربه هو، أنه - باختصار قلبه للحقائق، وإيهامه القراء أن (الشيخين) وثَّقا من ليس بثقة، واستكباره عن التسليم لأئمة ثقات شهدوا القمر بالأبصار! ويمكن أن يضاف إلى ذلك شيء آخر، وهو لو سُلِّم له جدلًا بالمثال، وهو أن ابن نمر ثقة عند الشيخين؛ فذلك دليل آخر على جهله، أَلا وهو قياسه توثيق ابن حبان على توثيق الشيخين؛ مما يذكرنا بقول الشاعر:

стр. 37

فأين الثريا من الثرى ... وأين معاوية من علي؟! وهو قياس باطل بداهة عند من يعرف مقادير الرجال، وينزّل الناس منازلهم؛ فإن من المتفق عليه الاعتداد بتوثيق الشيخين دون توثيق ابن حبان، وأن تصحيحهما أقوى من تصحيحه، وهذا أقل ما يمكن أن يقال (١). وإذ قد فرغت من إبطال مثاله الأول؛ فلنتابع الرد عليه في أمثلته الأخرى، وبيان ما فيها: ثانيًا: قال: "وقد انفرد البخاري في الرواية عن ... ". قلت: فسمى أربعة منهم، ثم ذكر خامسًا تفرد بالرواية عنه مسلم، ثم قال في خمستهم: "ولم يرو عن كل واحد منهم إلَاّ واحد"!! والجواب من وجوه: الأول: أنه قياس، وهو باطل لما ذكرت آنفًا. الثاني: أنهم قد وُثقوا من غير ابن حبان. أما الأول منهم - وهو زيد بن رباح المدني -؛ فقد نقل هو عن الحافظ ابن حجر أنه وثقه الدارقطني، وابن عبد البر وغيرهما -، وقال الحافظ: "فانتفت عنه الجهالة بتوثيق هؤلاء". فالعجب من الداراني ينقل الحجة عليه، ثم يكابر ويغالط! وأما الثاني - عمر بن محمد بن جبير بن مطعم -؛ فوثقه النسائي، ولذلك

стр. 38

قال الذهبي في "الميزان": "ما روى عنه في علمي سوى الزهري، لكن وثقه النسائي، وله حديث في "البخاري" ... ". وكذلك جزم الحافظ في "التقريب" بأنه ثقة. وأما الثالث - محمد بن الحكم المروزي -؛ فهو من شيوخ البخاري المعروفين لديه، وأثنى عليه الخلال فهمًا، وحفظًا، وصحبة للإمام أحمد، ولذلك قال الحافظ: "ثقة فاضل". وأما الرابع - الوليد بن عبد الرحمن بن حبيب الجارودي -؛ فوثقه الدارقطني أيضًا -، ولذلك قال الحافظ أيضًا: "ثقة". وأما الخامس - جابر بن إسماعيل الحضرمي -؛ فهو وإن كنا لم نجد من صرح بتوثيقه كالذين قبله؛ فقد قال ابن خزيمة في "صحيحه": "إنه ممن يحتج به". كما نقله الداراني عن الحافظ، وأقره! قلت: فهذه الأمثلة لا تفيده أيضًا؛ بل هي عليه؛ لأن جلها ممن وثقهم الأئمة؛ بل هي من مغالطاته أو جهالاته المكشوفة، ونحوهم المثال الثالث والخامس؛ فإن لهم وضعًا خاصًّا ككونه شيخًا، أو صرح بأنه يحتج به، ونحو ذلك من العبارات المفيدة لكونه ثقة، وقد يكون في هذا النوع ممن روى عنه جماعة، فهؤلاء لهم حكم خاص، ولذلك نرى الحافظ الذهبي، والعسقلاني

стр. 39

يوثقان من أمثالهم تارة، ويجهِّلان تارة، ولكل قاعدة شواذ (١)، وقد ذكرت رأيي في أمثال هؤلاء في بعض البحوث، ويأتي شيء من ذلك في نهاية هذا التحقيق - إن شاء الله تعالى -. ثم إن الأخ الداراني - هداه الله - زاد في المغالطة، وضرب الأمثلة الخارجة عن الموضوع، فذكر أسماء بعض الصحابة ﵃ ممن خرّج لهم الشيخان! ولم يرو عنهم إلَّا واحد! نقل ذلك عن الإمام النووي! وابن الصلاح! فأقول: لقد تجاهل الداراني - عفا الله عنه - حقيقة اتفق عليها أهل السنة، وهي أن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله إياهم في آيات كثيرة، وأحاديث شهيرة، فلا داعي للإطالة، فمن شاء راجع كتب المصطلح، فانظر مثلًا "فتح المغيث" للحافظ السخاوي (٣/ ١٠٠ - ١٠٦). فإن كان الأخ الداراني يعرف هذه الحقيقة، ويؤمن بها؛ فإنا نقول له: إن قياسك غير الصحابة - من التابعين ومن بعدهم الذين هم بحاجة إلى أن يعدَّلوا من بعض البشر -؛ كيف صح في عقلك أن تقيسهم على الصحابة الذين عدّلهم الله ﵎؟! تالله إن هذا لمن أبطل قياس يقوله رجل يدري ما يخرج مِن فيه! ثم إنني أسأله: لماذا نقل كلام الإمام النووي، ووضعه في هذا الموضع

стр. 40

الذي ليس له، وكتم قوله الصريح المتعلق بالموضوع، والمخالف لما يرمي إليه الداراني من المغالطات؟! فقد سبق نقله عن الإمام أن مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا (١) لا يقبل عند الجمهور، وهذا هو قوله في كتابه "التقريب"، وأيده فيه (١/ ٣١٧ - "التدريب") بقوله: "قال الخطيب: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء، ولا يعرف حديثه إلَاّ من جهة واحد، وأقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين". قلت: فأورد عليه الإمام رد ابن الصلاح على الحديث بذكر أسماء بعض الصحابة الذين لم يرو عنهم إلَاّ واحد، فرد عليه النووي رحمه الله تعالى بقوله: "والصواب نقل الخطيب، ولا يصح الرد عليه بِـ (مرداس)، و (ربيعة)؛ فإنهما صحابيان مشهوران، والصحابة كلهم عدول". فأقول: لِم كتم هذا الأخ الداراني؟! أليس هذا هو صنيع أهل الأهواء الذين ينقلون ما لهم، ويهملون ما هو عليهم؟! فكيف وهو قد فعل أسوأ من فعلهم، فقلب ما هو عليه، فجعله له؟! فاللهم هداك! ثم ختم كلامه على هذا الفريق الأول بما يؤكد ما تقدم وصفه به من الحيدة عن الموضوع، والمغالطة - وغيرهما -، فقال: "قال أبو الحسن بن القطان ووافقه ابن حجر إن زكَّاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قُبِلَ؛ وإلَاّ فلا". ونقل مثله عن "توضيح الأفكار" للإمام الصنعاني صاحب "سبل السلام".
следующие страницы →