← Книги сунны

Книги сунны · id 14440

صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان

ناصر الدين الألباني

Полный текст (1 053 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واستدل برواية لابن نمير فيها ما استظهره، فمن شاء رجع إليه (١/ ١٣٢)، وقد كنت نبهت على ذلك في "صحيح أبي داود" (١٧٥)، وقد أخرج الحديث هو وغيره من أصحاب "السنن"، وغيرهم بدون هذه الزيادة المنكرة. من أجل ما تقدم من أقوال الأئمة الجارحين لابن نمر، وتفرد الواحد بالرواية عنه، والنكارة التي وقعت له في حديث بسرة؛ كان هذا هو ملحظ الحفاظ المتأخرين حين أعرضوا عن قول من وثقه، أو صحح حديثه، فقال الذهبي في "الكاشف": "قال أبو حاتم وغيره: ليس بقوي". وقال الحافظ في "التقريب": "مجهول". وما ذلك منهم إلَاّ تحقيقًا لقاعدة: (الجرح المفسر مقدم على التعديل)، وأنه لا يحتج بالمجهول عند الجمهور، كما تقدم عن الإمام النووي. فليت شعري؛ ما هو ملحظ الداراني في مخالفة هؤلاء الحفاظ جميعًا المتقدمين منهم والمتأخرين، المجرّحين منهم والمحققين؟! أهو شيء جهلوه، أو غفلوا عنه، وعلمه هو أو اكتشفه هو؟! نعم؛ لقد بدا لنا ما هو؛ في هذا المثال الذي ضربه هو، أنه - باختصار قلبه للحقائق، وإيهامه القراء أن (الشيخين) وثَّقا من ليس بثقة، واستكباره عن التسليم لأئمة ثقات شهدوا القمر بالأبصار! ويمكن أن يضاف إلى ذلك شيء آخر، وهو لو سُلِّم له جدلًا بالمثال، وهو أن ابن نمر ثقة عند الشيخين؛ فذلك دليل آخر على جهله، أَلا وهو قياسه توثيق ابن حبان على توثيق الشيخين؛ مما يذكرنا بقول الشاعر:

стр. 37

فأين الثريا من الثرى ... وأين معاوية من علي؟! وهو قياس باطل بداهة عند من يعرف مقادير الرجال، وينزّل الناس منازلهم؛ فإن من المتفق عليه الاعتداد بتوثيق الشيخين دون توثيق ابن حبان، وأن تصحيحهما أقوى من تصحيحه، وهذا أقل ما يمكن أن يقال (١). وإذ قد فرغت من إبطال مثاله الأول؛ فلنتابع الرد عليه في أمثلته الأخرى، وبيان ما فيها: ثانيًا: قال: "وقد انفرد البخاري في الرواية عن ... ". قلت: فسمى أربعة منهم، ثم ذكر خامسًا تفرد بالرواية عنه مسلم، ثم قال في خمستهم: "ولم يرو عن كل واحد منهم إلَاّ واحد"!! والجواب من وجوه: الأول: أنه قياس، وهو باطل لما ذكرت آنفًا. الثاني: أنهم قد وُثقوا من غير ابن حبان. أما الأول منهم - وهو زيد بن رباح المدني -؛ فقد نقل هو عن الحافظ ابن حجر أنه وثقه الدارقطني، وابن عبد البر وغيرهما -، وقال الحافظ: "فانتفت عنه الجهالة بتوثيق هؤلاء". فالعجب من الداراني ينقل الحجة عليه، ثم يكابر ويغالط! وأما الثاني - عمر بن محمد بن جبير بن مطعم -؛ فوثقه النسائي، ولذلك

стр. 38

قال الذهبي في "الميزان": "ما روى عنه في علمي سوى الزهري، لكن وثقه النسائي، وله حديث في "البخاري" ... ". وكذلك جزم الحافظ في "التقريب" بأنه ثقة. وأما الثالث - محمد بن الحكم المروزي -؛ فهو من شيوخ البخاري المعروفين لديه، وأثنى عليه الخلال فهمًا، وحفظًا، وصحبة للإمام أحمد، ولذلك قال الحافظ: "ثقة فاضل". وأما الرابع - الوليد بن عبد الرحمن بن حبيب الجارودي -؛ فوثقه الدارقطني أيضًا -، ولذلك قال الحافظ أيضًا: "ثقة". وأما الخامس - جابر بن إسماعيل الحضرمي -؛ فهو وإن كنا لم نجد من صرح بتوثيقه كالذين قبله؛ فقد قال ابن خزيمة في "صحيحه": "إنه ممن يحتج به". كما نقله الداراني عن الحافظ، وأقره! قلت: فهذه الأمثلة لا تفيده أيضًا؛ بل هي عليه؛ لأن جلها ممن وثقهم الأئمة؛ بل هي من مغالطاته أو جهالاته المكشوفة، ونحوهم المثال الثالث والخامس؛ فإن لهم وضعًا خاصًّا ككونه شيخًا، أو صرح بأنه يحتج به، ونحو ذلك من العبارات المفيدة لكونه ثقة، وقد يكون في هذا النوع ممن روى عنه جماعة، فهؤلاء لهم حكم خاص، ولذلك نرى الحافظ الذهبي، والعسقلاني

стр. 39

يوثقان من أمثالهم تارة، ويجهِّلان تارة، ولكل قاعدة شواذ (١)، وقد ذكرت رأيي في أمثال هؤلاء في بعض البحوث، ويأتي شيء من ذلك في نهاية هذا التحقيق - إن شاء الله تعالى -. ثم إن الأخ الداراني - هداه الله - زاد في المغالطة، وضرب الأمثلة الخارجة عن الموضوع، فذكر أسماء بعض الصحابة ﵃ ممن خرّج لهم الشيخان! ولم يرو عنهم إلَّا واحد! نقل ذلك عن الإمام النووي! وابن الصلاح! فأقول: لقد تجاهل الداراني - عفا الله عنه - حقيقة اتفق عليها أهل السنة، وهي أن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله إياهم في آيات كثيرة، وأحاديث شهيرة، فلا داعي للإطالة، فمن شاء راجع كتب المصطلح، فانظر مثلًا "فتح المغيث" للحافظ السخاوي (٣/ ١٠٠ - ١٠٦). فإن كان الأخ الداراني يعرف هذه الحقيقة، ويؤمن بها؛ فإنا نقول له: إن قياسك غير الصحابة - من التابعين ومن بعدهم الذين هم بحاجة إلى أن يعدَّلوا من بعض البشر -؛ كيف صح في عقلك أن تقيسهم على الصحابة الذين عدّلهم الله ﵎؟! تالله إن هذا لمن أبطل قياس يقوله رجل يدري ما يخرج مِن فيه! ثم إنني أسأله: لماذا نقل كلام الإمام النووي، ووضعه في هذا الموضع

стр. 40

الذي ليس له، وكتم قوله الصريح المتعلق بالموضوع، والمخالف لما يرمي إليه الداراني من المغالطات؟! فقد سبق نقله عن الإمام أن مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا (١) لا يقبل عند الجمهور، وهذا هو قوله في كتابه "التقريب"، وأيده فيه (١/ ٣١٧ - "التدريب") بقوله: "قال الخطيب: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء، ولا يعرف حديثه إلَاّ من جهة واحد، وأقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين". قلت: فأورد عليه الإمام رد ابن الصلاح على الحديث بذكر أسماء بعض الصحابة الذين لم يرو عنهم إلَاّ واحد، فرد عليه النووي رحمه الله تعالى بقوله: "والصواب نقل الخطيب، ولا يصح الرد عليه بِـ (مرداس)، و (ربيعة)؛ فإنهما صحابيان مشهوران، والصحابة كلهم عدول". فأقول: لِم كتم هذا الأخ الداراني؟! أليس هذا هو صنيع أهل الأهواء الذين ينقلون ما لهم، ويهملون ما هو عليهم؟! فكيف وهو قد فعل أسوأ من فعلهم، فقلب ما هو عليه، فجعله له؟! فاللهم هداك! ثم ختم كلامه على هذا الفريق الأول بما يؤكد ما تقدم وصفه به من الحيدة عن الموضوع، والمغالطة - وغيرهما -، فقال: "قال أبو الحسن بن القطان ووافقه ابن حجر إن زكَّاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قُبِلَ؛ وإلَاّ فلا". ونقل مثله عن "توضيح الأفكار" للإمام الصنعاني صاحب "سبل السلام".

стр. 41

فأقول: هذا كسابقه؛ خارج عن الموضوع؛ لأن البحث إنما هو فيمن روى عنه واحد ولم يوثق، أو أنه وثقه ابن حبان فقط؛ لأن هذا قد أباح عن مذهبه وتساهله في التوثيق: أن العدل من لم يعرف بجرح؛ كما تقدم نقله، وليس من وُثِّق كما في قول ابن القطان وغيره -، فيا لها من مغالطة مكشوفة! مما يجعلني أقول - لكثرة ما تكررت منه -: لعلها منه بغير قصد، وإنما لجهله وقلة فهمه لهذا العلم؛ وإلا كيف يستدل بموافقة ابن حجر التي حكاها عنه، وهو الذي انتقد ابن حبان، ونسبه إلى التساهل ومخالفة الجمهور - كما تقدم -؟! فهو بهذه الموافقة لا يعني حتمًا بالتزكية ابن حبان المتساهل؛ وإلا كان متناقضًا، وإنما المتناقض حقًّا هذا الذي يَركبُ رأسه، ويخالف تحقيقات الحفاظ، وسيأتي ما يؤكد تساهل ابن حبان من كلامه هو نفسه؛ زيادة على ما تقدم، عند البحث في "صحيح ابن حبان"، وشروطه فيه. ثم تكلم الرجل عن الفريق الثاني، وهم الذين روى عنهم أكثر من واحد، ولم يوثقهم غير ابن حبان، وذكر له بعض الأمثلة. وليس فيه ما يثبت زعمه إلَاّ على النحو الذي تقدم في الفريق الأول الذي قبله، وإليك البيان مع الإيجاز قدر الإمكان؛ فإن أثقل شيء على النفس إعادة الرد على كلام غثاء، لا غَنَاءَ فيه، فأقول: أولًا: قاس ابن حبان المتساهل والمتناقض أيضًا على الشيخين اللذين لا يُعرفان بشيء من ذلك. ثانيًا: قوله: " .. ولم يوثقه غير ابن حبان" جَهِل - أو تجاهل - أن من احتج به الشيخان أو أحدهما هو توثيق له منهما، مثل من أخرج له ابن حبان في "صحيحه"، ولم يذكره في "ثقاته"، فهو توثيق منه إياه، وقد مرت بي بعض

стр. 42

الأمثلة في بعض تخريجاتي، فانظر مثلًا "الضعيفة" (٦٩٢٥). وإن مما يدل على ما ذكرت قول الحافظ ابن حجر في "مقدمة فتح الباري" (٣٨٤): "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب "الصحيح" لأي راوٍ كان: مقتضٍ لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بِـ "الصحيحين"، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في "الصحيح"، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرّج له في الأصول ... " (١). فهل جهل الرجل هذه الحقيقة التي عليها جمهور الأئمة، أم تجاهلها؟! أحلاهما مر! ولننظر الآن في بعض الأمثلة التي ضربها، وزعم أنه لم يوثقهم غير ابن حبان. فأول ما يَفْجَأُنا به منهم: إسحاق بن إبراهيم بن محمد الصواف، فقد قال فيه (١/ ٥٣): "روى عنه جماعة، ولم يوثقه غير ابن حبان، ومن وثقه بعده؛ فقد تابعه، وهو من رجال البخاري"! هذا القول منه وحده يكفي لدمغِهِ بالتجاهل، وقلبه للحقائق، فكيف إذا انضم إليه غيره مما سبق ويأتي؟! ١ - فقوله: "جماعة" لقد تعمد كتم عددهم، وصفاتهم، وأسمائهم؛ لأنه لو فعل؛ لَظهر عند المبتدئين في هذا العلم بطلان تمثيلها بإسحاق هذا؛ فقد روى

стр. 43

عنه قرابة عشرين من الثقات الأثبات، وعلى رأسهم البخاري، مثل ابن الجنيد الخُتُّلي، وابن مَتَّوَيْهِ الأصبهاني، وابن أبي عاصم، وأبي عَروبة الحراني، وزكريا الساجي وغيرهم -! ممن ذكرهم الحافظ المزي في "تهذيبه". ٢ - قوله فيه: "ومن وثقه بعده فقد تابعه ... "! قَلْبٌ متعمد منه للواقع؛ فإن ممن وثقه: البزار في "مسنده" كما في "التهذيبين"، والبزار توفي سنة (٢٩٢)، وابن حبان سنة (٣٥٤)!! ٣ - قوله: "وهو من رجال البخاري"! وجه القلب للحقيقة فيه: أن الحق أن يقول: "وهو من شيوخ البخاري"، وذلك لأنه أفيد للقراء، ثم هو به يدفع عن نفسه دمغه بأنه متجاهل! وهيهات هيهات!! وثاني ما فاجَأَنا به من تلك الأمثلة: الوليد بن سريع، قال: "روى مسلم له، ولم يوثقه غير ابن حبان"! قلت: أقول في الجواب عن هذا المثال نحو ما تقدم في الذي قبله: ١ - قد روى عنه عشرة أكثرهم ثقات، وإن مما لا شك فيه عند أهل العلم: أنه كلما كثر عدد الرواة عن الراوي؛ اطمأنت النفس إليه، وغلب على الظن استقامة حاله، ولذلك رأينا كثيرًا ممن تفرد ابن حبان بتوثيقه؛ وثقه بعض الذين نسبوه إلى التساهل، وفي الوقت نفسه صرحوا بجهالة كثير من ثقاته! كالحافظ الذهبي، وهذه حقيقة يشعر بها كل من مارس هذا العلم، وعرف أسباب التوثيق والتجريح، واختلاف مراتبهما، ولذلك قال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٢٩٨): "قال ابن رُشَيْد (١): لا فرق في جهالة الحال بين رواية واحد واثنين؛ ما لم

стр. 44

يصرح الواحد أو غيره بعدالته، نعم؛ كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي حسن الظن به". وقد ذكر السيوطي بعض الرواة ممن صرح بعضهم بجهالتهم، ونقل عن الذهبي أنه قال: "ليس بمجهول، روى عنه أربعة"، انظر "تدريب الراوي" (١/ ٣٢٠). فمن أجل ذلك رأينا الذهبي قال فيه في "الكاشف": "ثقة". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق". ٢ - لقد تجاهل في هذا المثال أنه تابعي، وفيهم أورده ابن حبان من "الثقات" (٥/ ٤٩١)، ومما لا شك فيه أيضًا أن التابعية صفة تضفي على صاحبها مزية لا توجد في المتأخرين من الرواة (١)؛ لا سيما إذا كانوا ممن لم يرو عنه إلَاّ واحد أو اثنان، وبخاصة إذا كان مغموزًا من ابن حبان نفسه بالجهالة أو غيرها، كما سبق في بعض ما نقلت عنه من الأمثلة؛ فما أبعدَهُ عن العلم والإنصاف! من يريد بهذه الأمثلة أن يرد على العلماء الذين وصفوا - بحق - ابن حبان بالتساهل في التوثيق؟! مع الاختلاف الشاسع بينها وبين النوع المشار إليه من ثقات ابن حبان! وأما الجواب عن الذي قرنه مع الوليد هذا - وهو عبد الله بن مسلم الأغر -؛ فيعرف مما تقدم؛ أي: أنه من رجال مسلم الذي لم يُرْمَ بالتساهل، ولذلك قال الحافظ فيه:

стр. 45

"صدوق". وكذلك ما نقله عن الذهبي أنه قال: "والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه: أن حديثه صحيح"! فأقول: هذا مما لا يفيده - أيضًا -؛ لأنه مشروط بشرطين: ١ - أنه روى عنه جماعة. ٢ - أنه لم يأت بما ينكر عليه. فمن كان له راوٍ أو راويان، أو حديث أو حديثان، فضلًا عمن ليس له ولا حديث واحد - كما يقول ابن حبان في بعض ثقاته - فهؤلاء لا يمكن التحقق من سلامة حديثه من منكر، ولو من باب غلبة الظن؛ بخلاف ما إذا كانوا جماعة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فيما نقله السخاوي عن ابن رشيد، وهو على كل حال داخل فيما سبق من قولي: "لكل قاعدة شواذ"، فقد يوجد في أمثال هؤلاء من يكون حديثه حسنًا أو صحيحًا، وبخاصة إذا كان في "الصحيحين" أو أحدهما، حسب نسبة الرواة عنه قلة وكثرة؛ لأن اختلاف هذه النسبة تنتج في نفس الباحث اختلاف قوة الظن بالثقة بالراوي أو بحديثه، فقد يُحسِّن حديث بعضهم، وقد يصححه؛ بل قد يختلف رأي الحفاظ فيه؛ بل والحافظ الواحد في بعضهم، فهذا حفص بن بُغيل الذي نقل المردود عليه عن الذهبي أنه انتقد في "الميزان" (١/ ٥٥٦) على ابن القطان تجهيله إياه، وقال: " .. وهذا شيء كثير، ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد، ولا هم بمجاهيل". وإنما نقله الرجل كشاهد لزعمه الباطل، وقد عرفت رده من بعض الأمثلة

стр. 46

المتقدمة، فقد روى عنه أربعة، وهو مما فات ابن حبان، فلم يذكره في "ثقاته"، ولا عزاه إليه في "التهذيب"! والشاهد من كلام الذهبي أنه غلب على ظنه أنَّ محله الصدق، فقال في "الكاشف": "صدوق". وخالفه الحافظ، فقال في "التقريب": "مستور"! ثم نقل الرجل عن الذهبي - أيضًا - (٢/ ٦٦) أنه قال في الزبير بن جُنادة الهَجَري: "ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخطأ من قال: فيه جهالة [ولولا أن ابن الجوزي ذكره لما ذكرته] " (١). قلت: لقد أصاب الحافظ الذهبي وأخطأ! كما أخطأ الداراني في ذكره إياه كَمَثَلٍ على مبتغاه! أما إصابة الذهبي؛ فلأن الزبير هذا مثل الذي قبله؛ فقد روى عنه أربعة من الثقات، ووثقه غير ابن حبان، فقد قال ابن الجنيد في "سؤالات ابن معين" (ص ١١٨): "سألت يحيى عن الزبير بن جُنادة؟ فقال: شيخ خراساني ثقة، يحدث عنه أبو تميلة، وأبو الحسين العُكْلي (٢) ". ووثقه الحاكم أيضًا مع أبي تميلة هذا في حديث لهما في الإسراء؛ خرجته في "الصحيحة" (٣٤٨٧).

стр. 47

وأما خطأ الذهبي؛ فهو أنه قال في "المغني": "فيه جهالة". وأشار إلى ذلك بقوله في "الكاشف": "وُثق" (١). وتبعه الحافظ في "التقريب" بقوله: "مستور". قال الدكتور بشار في تعليقه على "تهذيب المزي" (٩/ ٣٠٠): "فكأنه ما وقف على توثيق ابن معين له". قلت: هذا هو الظاهر؛ فإنه لم يذكر في "تهذيبه" هو (٣/ ٣١٣ - ٣١٤) تبعًا لأصله إلَّا توثيق ابن حبان والحاكم، إشارة منه إلى تساهلهما في التوثيق، فقد أصابه والذهبي ما كان أصابني قديمًا في تضعيفي لحديث الإسراء متبعًا إياهما على خطإهما قبل أن أقف على توثيق ابن معين المذكور إياه، فالحمد لله على هداه! والفضل في ذلك يعود إلى الدكتور بشار - بعد الله . فهل خفي ذلك على الداراني أيضًا؛ و"تهذيب المزي" بين يديه؟! أم هو التجاهل والتعامي عن النصوص لغاية في (نفس يعقوب)؟! وأخيرًا .. ختم الداراني بحثه بما نقله عن الحافظ ابن حجر أنه قال في "شرح النخبة" في مجهول العين: "أنه لا يقبل حديثه إلَّا أن يوثقه غير من تفرد عنه على الأصح؛ إذا كان

стр. 48

متأهِّلًا لذلك". فعقب عليه بقوله (١/ ٥٣): "وهل فعل ابن حبان أكثر من هذا؟! "! فأقول: لقد أبى الرجل إلَّا أن يختم بحثه بمثل ما تقدم له فيه من الجهل (١) أو التجاهل والمغالطة، ذلك أن الخلاف ليس في ما قاله الحافظ من القبول بعامة، وإنما في قبول من وثقه ابن حبان بخاصة، وأنه متساهل في التوثيق أم لا؟ وأن الذين وصموه به؛ أنصفوه أم لا؟! وإن من أقوى ما يؤكد أن ابن حبان لا يدخل في قوله: "إذا كان أهلًا ... " أنه - أعني: ابن حجر - من الذين رموه بالتساهل كما أسلفت. وكَتْمُ الدارانيِّ كلامَه الصريح في ذلك: من تمام جهله أو تجاهله، كما ذكرت في أول هذه المقدمة. وإنما يقف الرجل هذا الموقف ليتظاهر بأنه محقق وغير مقلد للحفاظ، وليتخذه تُكَأَةً له في تصحيح مئات الأحاديث الضعيفة والمنكرة التي تدور أسانيدها على مجهولين ونحوهم، ممن وثقهم ابن حبان كما سأبين ذلك - إن شاء الله تعالى - في مواضعها؛ استعلاءً منه على شهادة الحفاظ عليه بالتساهل، ولا أريد أن أعطف على ذلك، فأقول: وعلى الحقائق العلمية الكثيرة المتقدمة التي تدينه بذلك؛ لاحتمال أن يكون جاهلًا بها، ولذلك فإني أرى من واجب البيان والنصيحة أن ألخص له تلك الحقائق - أو أهمها - هنا - لعله يَرْعوي عن عجبه وغروره، ويعيد النظر في تلك الأحاديث التي صححها، ثم أختم التلخيص

стр. 49

بشهادة الحافظ السخاوي بالتساهل الذي أنكره الداراني، فأقول: سبب وصف ابن حبان بالتساهل في التوثيق يعود إلى سببين رئيسيين: أحدهما: إغفاله ما اشترطه العلماء في الثقة علاوة على عدالته، إلَاّ وهو الضبط والحفظ في الحديث الصحيح، والحسن. وقد تجلى هذا الإغفال في المئات من رواة "ثقاته" الذين لا يعرفون ألا برواية الواحد والاثنين، وبعضهم ممن صرح هو نفسه فيه بأنه لا يعرفه، وقدمت بعض الأمثلة. والآخر إخلاله بالشرط الذي وَضَعَهُ هو نفسه في أول كتابه، وذلك قوله في مقدمته: "لا أذكر فيه إلَاّ الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم". ثم أكد ذلك بقوله: أن كل من يذكره فيه؛ فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره. ثم نقض ذلك كله نقضًا عجيبًا في عشرات؛ بل مئات من الأمثلة المتضمنة أنواعًا من أسباب الجرح التي تنافي التوثيق، فأذكر الآن عباراته الدالة والصريحة بها، مستغنيًا عن ذكر أسماء الذين جاءت في تراجمهم عنده، مع الإحالة على الصفحة التي ذكروا فيها فيما تقدم لمن أراد التحقق منها: ١ - لا يجوز الاحتجاج به (ص ١٧). ٢ - ليس له غير هذا المنكر الباطل (١٨). ٣ - لست أعرفه، وإنما ذكرته للمعرفة، لا للاعتماد على ما يرويه (وهذا نص هام جدًّا). ٤ - أدخلته في "الضعفاء" (١٩).

стр. 50

٧ - يخطئ كثيرًا. ٨ - كان ممن يخطئ. ٩ - روى عنه متهم! (١). قلت: وتحت كل نوع من الأنواع عديد من الرواة، لو تتبعها باحث لازداد هولًا وعجبًا من كثرةِ المخالفات لقواعده هو؛ فضلًا عن قواعد (مصطلح الحديث). بعد هذا البيان الجامع الموجز أقول: على الأخ الداراني أن يعود إلى رشده، ويتوب إلى ربه من غروره وعجبه، وأن يصلح موقفه مع الأئمة وحفاظ الأمة، وبخاصة من رمى منهم بالجهل، وأعظم من ذلك كله - وهو المقصود الأكبر من هذا الرد كله -: أن يعيد النظر في تلك الأحاديث الضعيفة التي صححها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلَاّ بالله! سبب الأخطاء في "الثقات ": فإن قيل: لقد تبين خطأ ابن حبان ﵀ وتساهله في كتابه "الثقات" تأصيلًا وتفريعًا، وصواب حكم الحفاظ عليه بأنه متساهل، وتعجب الحافظ منه، وتعصب المدافع عنه بغير علم، فما هو السبب الذي أوقعه في التساهل؟ فأقول وبالله التوفيق:

стр. 51

لا أجد سببًا أقطع به - بعد السبب العام الشامل للبشر قاطبة إلَّا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وهو الذي أشار إليه الإمام مالك ﵀ في قوله المعروف: "ما منا من أحد إلَّا ردَّ أو رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي ﷺ ؛ اللَّهم إلَّا الاستعجال في التأليف، وعدم التمكن من إعادة النظر فيه وتبييضه؛ بسبب مرض، أو تأخر في العمر، أو غير ذلك من الأسباب التي تختلف باختلاف الناس والظروف التي تحيط بهم. وقد وجدت بعض الحفاظ قد عللوا تساهل الحاكم في "المستدرك" بشيء مما ذكرت، فقال الحافظ ابن حجر: "وإنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سوَّد الكتاب لينقحه، فأعجلته المنية" (١). وقال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٣٦): "يقال: إن السبب في ذلك أنه صنفه في آخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير، أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه ... ". ولَدَيَّ بالنسبة لابن حبان سببان آخران: أحدهما: أنه أحاطت به بعض الفتن بسبب كلمة قالها في النبوة وغيرها، فهُجر بسببها، وأُخرج من بلده (٢)، وهذا مما لا يرتاب عاقل أنه يشغل البال، ولا يفسح للعالم أن يتقن الأعمال، وبخاصة ما كان منها علمية فكرية. والآخر: أنه قد نص في مقدمة "الثقات" (١/ ١١) أن هذا "مختصر عن كتاب التاريخ الكبير" مثل كتابه الآخر: "الضعفاء والمجروحين"؛ فقد لاحظت أنه قد بقي في "ثقاته" عشرات المترجمين، هم بِـ "التاريخ" أولى من "الثقات"،

стр. 52

مثل أولئك الذين صرح بأنه لا يعرفهم (انظر ص ١٦) وما بعدها، وغيرها كثير وكثير، فانظر مثلًا الترجمتين الآتيتين، قال (٨/ ٤٩١): ١ - "عيسى بن زاذان الأيلي، من عباد البصريين، ما له حديث مسند؛ إنما له الرقائق والخطابات في العبادة". ٢ - "عيسى بن جابان، من عباد أهل الكوفة؛ ممن حفظ لسانه، ليس يروي الأخبار، ولا يسمع الآثار؛ إنما يُحكى عنه الرقائق في التعبد". ومثله كثير؛ مثل أويس القرني؛ فقد وصفه بالزهد والعبادة، ولم يذكر له رواية؛ بل صىح الذهبي أنه ما روى شيئًا! ". فهؤلاء بـ "التاريخ" أشبه منه بـ "الثقات"، فبقاؤهم فيه دليل قوي على أنه لم يُتَحْ له إعادة النظر فيه وتصفيته من أوهامه. قلت: فهذه المجموعة من الأسباب هي السبب في بقاء تلك الأنواع من الأوهام والأخطاء في "الثقات"، وخلاصة ذلك أنه تركه مسودة، لم يُتح له تنقيتها وتهذيبها؛ واللَّه أعلم. هذا؛ ووفاءً بما وعدت في هذا الفصل، وإتمامًا للفائدة؛ أقول: قال الحافظ السخاوي في فصل "معرفة الثقات والضعفاء" من كتابه "فتح المغيث" (٣/ ٣١٥) بعد أن ذكر كثيرًا من المؤلفات والمصادر التي ألّفت في "الضعفاء"، والتقط منها بعضهم الوضاعين، وبعضهم المدلسين، قال: "وفي "الثقات" لابن حبان، وهو أحفلها، لكنه يُدرج فيه من زالت جهالة عينه؛ بل ومن لم يرو عنه إلَّا واحد، ولم يظهر فيه جرح (١)، وذلك غير كافٍ في

стр. 53

التوثيق عند الجمهور، وربما يذكر فيه من أدخله في "الضعفاء" إما سهوًا أو غير ذلك، ونحوه تخريج الحاكم في "مستدركه" لجماعة، وحكمه على الأسانيد الذين هم فيها بالصحة؛ مع ذكره إياهم في "الضعفاء"، وقطع بترك الرواية عنهم، والمنع من الاحتجاج بهم؛ لأنه ثبت عنده جرحهم". وفي الختام أوجه إلى الأخ الداراني السؤال التالي: لقد اتفق علماء الحديث على اشتراط الحفظ في الراوي، علاوةً على عدالته؛ خلافًا لابن حبان - كما تقدم تحقيقه -، فما موقفك من هذا الشرط؟ فإن قلت به - كما يقتضيه حسن الظن بك -؛ انهار كل ما سودته في تعليقاتك وتصحيحاتك؛ على أنها منهارة! وإن كانت الأخرى - لا قدّر الله -؛ سقط الكلام معك، وتجلى عنادك وتكبرك على الحق، وخالفت سبيل المؤمنين؛ بل وحديث سيد المرسلين القائل: "الكبر بَطْرُ الحقِّ، وغمط الناس"، وهو تمام قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. سؤال وجوابه: وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون اليوم -: إذا كان الأمر كما تبين من تساهل ابن حبان في التوثيق؛ فما موقف المرء إذا وقف على راوٍ وثقه ابن حبان؟ وجوابي عليه كالتالي: الناس في هذا العلم وغيره على ثلاثة أنواع: ١ - عالم مجتهد.

стр. 54

٢ - طالب متبع. ٣ - جاهل مقلد. فالأول: يجتهد فيما اختلف فيه الناس؛ لأنه باستطاعته أن يعرف صوابه من خطئه. والثاني: يتبع من يثق بعلمه وتقواه وصلاحه، ويحاول أن يتعرف به على الصواب؛ لِيكون على بصيرة من دينه، ولا يتنطع ويدعي العلم؛ كما فعل الداراني وغيره!! والثالث: يقلد العالِم، ويحاول أن يكون من النوع الثاني، وهذا كمبدإ عام؛ وإلا فمثله لا يحتاج أن يسأل مثل هذا السؤال الذي يترتب عليه تصحيح الحديث أو تضعيفه؛ كما هو ظاهر. وإن من أولئك العلماء الذين لهم قدم راسخة في هذا المجال: العلامة المحقق عبد الرحمن المعلّمي اليماني ﵀، وقد قسم توثيق ابن حبان إلى خمس درجات، فقال في كتابه القيِّم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"؛ بعد أن حقق في غير موضع منه القول في التساهل (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨ - مكتبة المعارف): "والتحقيق أن توثيقه على درجات: الأولى: أن يصرح به، كأن يقول: كان متقنًا، أو مستقيم الحديث، أو نحو ذلك. الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم. الثالثة: أن يكون معروفًا بكثرة الحديث؛ بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.

стр. 55

الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة. الخامسة: ما دون ذلك. فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة؛ بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم. والثانية: قريب منها. والثالثة: مقبولة. والرابعة: صالحة. والخامسة: لا يُؤمن فيها الخلل، واللَّه أعلم". وقد كنت أثنيت عليه ببعض ما يستحقه من الثناء على علمه وفضله في التعليق عليه، فقلت في التعليق عليه: "قلت: هذا تفصيل دقيق يدل على معرفة المؤلف - رحمه اللَّه تعالى -، وتمكنه من علم الجرح والتعديل، وهو مما لم أره لغيره، فجزاه اللَّه خيرًا ... ". غير أن مؤلف كتاب "رواة الحديث ... " من الطلاب المعاصرين لم يَرُقْ له التفصيل المذكور، ولا الثناء المزبور، فغمز منهما بقوله (ص ٦٩, ٧١): "فيه نظر"! ثم عقب عليه بثلاث صفحات بتقسيم المترجمين في "الثقات" إلى قسمين، والقسم الثاني إلى صنفين، ثم عدد كل صنف، ونوعية ألفاظه، وقال في تضاعيف ذلك: "ولذلك؛ فإنني أرى أن هذه الإطلاقات من فضيلة الشيخ اليماني ﵀ عامة، وعائمة!

стр. 56

وما ذكره فضيلة الشيخ الألباني من أن كلام الشيخ المعلمي (تفصيل دقيق) غير دقيق! ولا يفيد في التحقيق العلمي شيئًا"! ثم ختم كلامه بأن جعل الرواة الذين ترجمهم ابن حبان ساكتًا عليهم على ثلاث درجات: ١ - فمنهم الثقات وأهل الصدق. ٢ - ومنهم رواة مرتبة الاعتبار. ٣ - ومنهم الرواة الذين لا تنطبق عليهم شروط ابن حبان النقدية في القبول، وهؤلاء ذكرهم للمعرفة، واللَّه أعلم"! قلت: هذا كلامه، وهو وإن كان لا يخلو من تحقيق ودراسة مفيدة - والحق يقال -؛ لكن ليس فيه ما يثبت نظرته المزعومة في الدرجات الخمس، ونفي فائدتها، ووصفه إياها بأنها (عامة وعائمة)! وليت شعري ما الفرق بينها وبين درجاته الثلاث التي ختم بها بحثه من حيث وصفه المذكور؟! إنَّ أخشى ما أخشاه أن يكون غلب عليه شؤم المعاصرة، وحب التفوق، والظهور بعدم الاعتراف بالفضل لذوي الفضل بحثًا وعملًا، لا لفظًا ومسايرةً! واللَّه يقول: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. وخلاصة جوابي عن السؤال: أنه يمكن للعالم أو طالب العلم أن يعتمد ابتداءً على من كان في "الثقات" من الدرجة الأولى والثانية عند الشيخ اليماني؛ دون البحث فيهم؛ إلَّا إذا كان هناك مخالف له من الحفاظ والنقاد المعروفين، وبخاصة إذا كانوا أقعد منه في علم الجرح والتعديل، والتوقف عن الاحتجاج بما بعدهما من الدرجات الثلاث إلَّا بعد البحث والنظر في القرائن التي تساعد على تبني أحد طرفي القبول أو الرد، مثل كثرة الرواة عنه، أو كونه من طبقة

стр. 57

التابعين، أو غير ذلك من القرائن التي سبقت الإشارة إليها فيما سبق، وضرب بعض الأمثلة؛ حتى يلقى في الصدر الاطمئنان لروايته، وتحصل غلبة الظن بالعمل بها إن وجدت أولًا (١). ومن أجل هذه الخلاصة؛ قدمت هذه المقدمة الضافية التي أرجو من الله - تعالى - أن يكون قد تفضل عليَّ فيها بالتحقيق والتوفيق، وهداني فيها إلى أصح ما قيل في المسألة وأعدلها؛ لِتكون تمهيدًا للخوض في تقويم "صحيح ابن حبان"، الذي هو ثمرة البحث المتقدم في تقويم "ثقات ابن حبان"، هذا "الصحيح" الذي منه استُخرج "موارد الظمآن"، فكان لا بد إذن من الخوض في التقويم المذكور، سائلًا المولى فيه التوفيق والسداد إلى أصح ما قيل فيه، إنه خير مسؤول. الفصل الثاني: تقويم "صحيح ابن حبان " بادئ بدء أقول وباللَّه التوفيق: تختلف شخصيّة ابن حبان وتصرُّفه في كتابه هذا عن تصرفه في "ثقاته" تأصيلًا, ويتفق معه تفريعًا؛ فهو في هذا متساهل كذاك، ومستقيم غير متساهل في هذا؛ بل هو متشدد، وأكثر الباحثين الذين كتبوا حوله أثنوا عليه خيرًا بعامة، ومن تكلم فيه فتلميحًا وعلى استحياء! كالحافظ ابن حجر فضلًا عن غيره؛ فإنه بعد أن لخص شروط ابن حبان في "صحيحه" قال (٢):

стр. 58

"فإذا تقرر ذلك؛ عرفت أن الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صالحة للاحتجاج بها؛ لِكونها دائرة بين الصحيح والحسن (١)، ما لم يظهر في بعضها علة قادحة". وأما غيره من الباحثين - وأعني: بعض المعاصرين الذين لم يفرِّقوا بين ما أصَّل وبين ما فرَّع -؛ فاستثنوا منه الأخطاء التي لا ينجو منها عالم أو كاتب! وقد سبق مني في أول هذه المقدمة (ص ٥) نقل ثناء بعض الحفاظ على "صحيح ابن حبان"، وأنهم صنَّفوه بعد "الصحيحين"، و"صحيح ابن خزيمة"، مع بياني السبب في ذلك، كما نقلت عن آخرين منهم جرحه بأن فيه أوهامًا كثيرة، وأحاديث منكرة، ومثل هذا لا يقال: إنها أوهام لا ينجو منها إنسان! ولقد توسع الشيخ أحمد شاكر ﵀ في مقدمته (١/ ١١ - ١٥) في ذكر ما قاله الحفاظ فيه مدحًا، ونقدًا، وذبًّا تحت عنوان: ("صحيح ابن حبان") ومنزلته بين "الصحاح")، فمن شاء الوقوف عليها؛ فليرجع إليه. شروط ابن حبان في "صحيحه ": قال - رحمه اللَّه تعالى - في مقدمته إياه (٢): "وأما شرطنا في نقل ما أودعناه كتابنا هذا من السنن؛ فإنا لم نحتجَّ فيه إلَّا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء: الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.

стр. 59

والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه. والثالث: العقل بما يحدث من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيل من معاني ما يروي. والخامس: المتعرِّي خبره عن التدليس. فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس؛ احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس؛ لم نحتجَّ به. والعدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة للَّه؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلَّا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أدّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل؛ إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها؛ بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه، والذي يخالف العدل: من كان أكثر أحواله معصية الله. وقد يكون العدل: الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به، وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلَّا مَن صناعته الحديث، وليس كل معدِّل يعرف صناعة الحديث؛ حتى يعدل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا". ثم شرح ابن حبان ﵀ بقية الشروط الثلاثة من العقل، والعلم، والتدليس، وقد نعود إلى ذكر شيء منه فيما يأتي؛ فإن الذي يهمنا الآن: هو شرحه للشرط الأول والثاني، فأقول: إخلال ابن حبان بالوفاء بالشرط الأول والثاني: قد لاحظت أن في شرح ابن حبان لشرطه الأول أمرًا زائدًا على تعريفه

стр. 60

(العدل)! في "ثقاته" بأنه: "من لم يعرف بجرح" كما تقدم (ص ١١) , ألا وهو قوله: "من كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه ... "، وهذا يعني أنه معروف بالطاعة، وخلافه - وهو الفاسق - من كان أكثر أحواله معصية اللَّه، فلم يكتف هنا بالتزام الأصل، والوقوف مع حسن الظن بالمسلم كما فعل هناك؛ بل إنه أضاف أن يكون معروفًا بغلبة الطاعة عليه التي تنافي الإكثار من المعصية، هذا الإكثار الذي يخرج به صاحبه من العدالة إلى الفسق. وإن مما لا شك فيه: أن التفريق بين المكثر من الطاعة، والمكثر من المعصية يتطلب أمرًا زائدًا على حسن الظن، وهو البحث عن الراوي، وعن سلوكه، فإذا تبين أن الغالب عليه هو الطاعة؛ فهو العدل عند ابن حبان هنا. وليس هذا فقط؛ بل إنه أضاف شيئًا آخر في العدل في الرواية على العدل في الشهادة؛ أَلا وهو أن يكون صادقًا في روايته للحديث، وهذا منه شيء هام جدًّا؛ فإن كونه صادقًا فيه لا يمكن إثباته لمجرد كونه مسلمًا عدلًا، وإنما بالسبر لحديثه, والنظر في رواياته، ومقابلتها بروايات الثقات، أو بتوثيق من يعرف صناعة الحديث؛ كما ألمح إليه في جملته الأخيرة التي ختمها مؤكدًا ما ذكرت بقوله: "في الرواية والدين معًا". ولذلك قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه عليها: "يريد ابن حبان أن التعديل للراوي يجب أن يكون من علماء الحديث الذين مارسوا صناعته، وعرفوا دقائق الراوية، ونقدوا الرواة على الميزان الصحيح في الجرح والتعديل، وأنه لا يكفي تعديل المعدِّلين الذين كانوا في العصور السابقة يعدلون الشهود للقضاة؛ إذ "ليس كل معدِّل من هؤلاء يعرف صناعة الحديث" ... ".

стр. 61

قلت: فقد التقى ابن حبان مع الجمهور في اشتراطهم في الراوي أن يكون معروفًا بالعدالة، وبالصدق في الرواية (١) على التفريق المتقدم بين راوي الحديث الصحيح، وراوي الحديث الحسن، وقد أكد ابن حبان ذلك بقوله في مقدمة "الضعفاء والمجروحين" (١/ ٨): "وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، المتعرِّي عن التدليس ... ". ولذلك قال ابن حبان في الشرط الثاني المتقدم: "الصدق في الحديث بالشهرة فيه". قلت: فهذا وما قبله يناقض كل المناقضة قوله في مقدمة "الثقات" (١/ ١٣): "فكل من ذكرته في كتابي هذا؛ إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها (٢)؛ فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العدل من لم يُعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يعرف بجرح فهو عدل". فإما أن يقال: إنه بنى كتابه "الثقات" على قاعدة، و"صحيحه" على قاعدة أخرى مخالفة، فتناقض، وهو من الأسباب التي حملت بعض الحفاظ إلى وصفه بالتناقض، إضافة إلى التساهل. وإما أن يقال: إنَّه تبين له خطؤه في القاعدة الأولى، فتراجع عنها إلى

стр. 62

القاعدة الأخرى، وهذا به أولى؛ لأنه الصواب الموافق للجمهور؛ كما لا يخفى على أولي النهي. ولعلّه يؤيد التراجع المذكور أن كثيرًا من المترجَمين في "ثقاته" لم يخرّج لهم شيئًا في "صحيحه"، خذ مثلًا؛ فقد ترجم لسبعة ممن يسمَّى (آدم)، ثلاثة منهم من المجاهيل، وترجم لسبعة عشر ممن يسمى (أبان)، لم يخرج إلَّا لخمسة منهم، وفي الآخرين مجاهيل، ومن لم أعرف، ومن قال هو فيه: "لا أدري من هو، ولا ابن من هو؟ "؛ والأمثلة تكثر، فحسبنا ما ذكر. وعلى كل حال؛ فلا يجوز الاعتماد على الموثق في "الثقات"؛ للأسباب التي سبق بيانها. وهذا سبب آخر يمكن أن نضيفه إليها؛ ألا وهو أن ابن حبان نفسه لم يعتمد عليه اعتمادًا كليًّا، وإنما على الاختيار والانتقاء، وهو الشرط الذي كنت بيَّنته ثَمَّةَ في الفصل الأول: "تقويم كتاب الثقات". الكلام على الشرط الثالث والرابع: وأما الشرط الثالث والرابع؛ فقد سبق تعليقي عليه، وبيان أنه مِن تشدد ابن حبان ﵀، وأنه نظري غير عملي، وأنه إذا حمل على أنه شرط كمال، وليس شرط كمال؛ فَنِعِّمَا هو (ص ٢٧)، ونقلت رد ابن رجب عليه (ص ٢٩)، فمن شاء رجع إليها. وحسبك دليلًا على ما قلت: أن ابن حبان نفسه لم يلتزمهما في "صحيحه"، بله "ثقاته"، كيف وهو لم يلتزم الوفاء بما هو أيسر منهما؛ ألا وهما الشرط الأول والثاني كما يأتي تحقيقه - إن شاء اللَّه ﵎؟! وإن من العجائب التي لا يكاد ينتهي عجبي منها: تتابع بعض العلماء - فضلًا عن طلاب العلم -: على التصريح بأن ابن حبان "وفى بما اشترط"؛ مع

стр. 63

انتقاد بعضهم لبعض ما اشترط، وليس منهم الشيخ أحمد شاكر ﵀ الذي أعرف منه اعتماده الوثيق على توثيق ابن حبان؛ سماعًا مني له في لقائي إياه في المدينة النبويَّة منذ نحو نصف قرن من الزمان، وفي أول حَجَّة لي، وفي تتبعي لتخريجاته على "المسند" - وغيره -. وإنما عجبي من ثنائه على وفائه بشروطه في "الصحيح"، مع مخالفة ذلك للواقع الذي لا يمكن لأحد إنكاره؛ إلَّا من غافل غفلةً لا ينجو منها إلَّا النبي المعصوم ﷺ ، فقد قال بعد أن حكى أقوال الحفاظ في "الصحيح" من قادح ومادح، والتي سبقت الإشارة إليها في أول المقدمة، قال في ختامها (ص ١٤): "ولكني أستطيع أن أجزم أو أرجح أن ابن حبان شرط لتصحيح الحديث في كتابه شروطًا دقيقة واضحة بينة، وأنه وفى بما اشترط، كما قال الحافظ ابن حجر؛ إلَّا ما لا يخلو منه عالم أو كاتب ... " (١)!! قلت: وهذه غفلة عجيبة من مثل هذا الباحث المحقق، وما أوقعه فيها إلَّا حسن ظنه بابن حبان، ووقوفه عند الشروط المذكورة دون أن يتحقق من التزام المؤلف إياها في كتابه عمليًّا، وأنا أعلل ذلك بأن الظروف لم تساعده على دراسة "الصحيح" كما ينبغي، وأنه لم يصدر منه إلَّا جزءًا فيه (١٣٨) حديثًا فقط، منها خمسة أحاديث ضعيفة في نقدي، لكن المهم في عمله فيه: أنه لم يكن في تعليقه عليه إلَّا مخرجًا مستعجلًا، غير ناقد؛ لِذلك سكت عن كثير من أحاديثه، ورُواته الضعفاء، وأوضح مثال على ذلك أنه مر على حديث بدء الوحي فيه رقم (٣٢)، ولم يعلق عليه بشيء ينبه القراء على النكارة التي وقعت في "صحيح ابن حبان"، لا تناسب مقامه ﵊، وهي بلفظ:

стр. 64

"وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ حزنًا غدا منه مرارًا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ... ". بل إنه ﵀ أوهم القراء أن الحديث صحيح بهذه الزيادة المنكرة؛ لأنه لما خرجه (١/ ١٧٤)؛ عزاه للبخاري، وأحمد، وفيه عندهما ما ينبه القراء على العلة، وهي قول الزهري: "فيما بلغنا حزنًا غدا ... " إلخ. فهي زيادة منقطعة، فهي لا تصح، كما كنت نبهت على ذلك في تعليقي على كتابي "مختصر صحيح البخاري" (١/ ٥)، فكان هو أولى بالتنبيه على ذلك، فقد تكلم كعادته على اختلاف النسخ والروايات في بعض الأحرف، وغير ذلك مما هو ثانوي بالنسبة لهذه الزيادة المنكرة، مثل شرحه لما فيه من غريب الحديث، حتى على لفظة (غدا) التي جاءت فيها!! فكان هذا كافيًا لتنبيهه على وجوب التنبيه عليها، ولكنها العجلة في التخريج، أو الغفلة التي لا ينجو منها باحث. وعلى العكس من ذلك؛ سكت عن بعض الأحاديث مكتفيًا بتخريجها، وهي صحيحة؛ كحديث: "يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا". والمقصود: أنه إذا كانت دراسته لِـ "الصحيح" بهذا المقدار الهزيل من التحقيق والتدقيق؛ فهو لا يستطيع بداهة أن يصدر حكمًا عادلًا عليه، لا إفراط فيه ولا تفريط، وفي ظني أن الذي شجعه على ذلك الإفراط في الثناء: ما ذكره عن الحافظ من الوفاء بالشروط، وفي ذلك خطأ من ناحيتين: الأولى: عزو ذلك إلى الحافظ؛ فإني لم أره مصرحًا به في صبعة "التدريب" التي عندي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.

стр. 65

والأخرى - وهي المقصودة بالذات -: أن هذه الشروط التي وضعها ابن حبان لِـ "صحيحه" قد اختلطت في ذهن الشيخ أحمد بالشروط التي ذكرها في "ثقاته"، وقد مضى بيان ما فيها من التساهل في "الفصل الأول" بيانًا شافيًا، وتأكيد ذلك في هذا الفصل أيضًا، والفرق بين هذه وتلك فرق شاسع؛ بل هو كالفرق بين الليل والنهار، والحق والباطل. وجماع ذلك اعتداله وموافقته للجمهور في الشرط الأول، والثاني، والخامس، وشذوذه عنهم في الثالث والرابع - كما تقدم -، وكذلك شذوذه عنهم في التساهل. فيغلب على ظني - واللَّه أعلم - أن الشيخ أحمد يعني بجملة الوفاء شروطَ "الثقات"، ويؤيدني في ذلك أمران: الأول: أنه نقل في الصفحة - التي قبل صفحة الجملة - عن السخاوي أنه ذكر عند القول بأن ابن حبان يداني الحاكم في التساهل: "وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضًا؛ لأنه غير متقيد بالمعدَّلين؛ بل ربما يخرّج للمجهولين، لا سيما ومذهبه إدراجُ الحسَن في الصحيح، مع أن شيخنا [يريد: الحافظ ابن حجر] قد نازع في نسبته إلى التساهل إلَّا من هذه الحيثية، وعبارته إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه؛ فهي مشاحَّة في الاصطلاح؛ لأنه يسميه صحيحًا، وإن كانت باعتبار خفة شروطه (١) ... فإنه لا يُشاحُّ في ذلك". ثم قال الشيخ أحمد في الصفحة التي بعدها:

стр. 66

"ونقل السيوطي في "تدريب الراوي" كلام الحافظ ابن حجر بنحو ما نقله السخاوي، ولكنه لم يذكر قائله، وزاد بعد الكلام على شرط ابن حبان: وهذا دون شرط الحاكم؛ حيث شرط أن يخرّج عن رواه خرّج لمثلهم الشيخان في "الصحيح"، فالحاصل أن ابن حبان وفى بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم". قلت: فأنت إذا جمعت أطراف ما نقله الشيخ أحمد عن السخاوي من كلام ابن حجر، ثم عن السيوطي؛ وجدت ذلك كله يدور على شروطه التي ذكرها في تعديله لرجال "ثقاته" التي أجمعوا على نسبته إلى التساهل من أجلها، ولذلك قال في مطلع كلامه: "لأنه غير متقيد بالمعدَّلين". وابن حبان في شروط "صحيحه" قد قيد نفسه بهم في الشرط الأول، والثاني - كما تقدم -، ولا ينافي ذلك قوله عن الحافظ: "قد نازع في نسبته إلى التساهل ... "؛ لأنه إنما يعني أنه غير متساهل في نفسه ... بخلاف الحاكم الذي أخل بالوفاء بشرطه برواته فيما قالوا، ولي في ذلك نظر ليس هذا وقت بيانه (١)، ولذلك جعل السيوطي شرط ابن حبان دون شرط الحاكم كما رأيت، وما ذاك إلَّا لتساهل ابن حبان في شرط رواته، وتشدد الحاكم في شرطه أن يكونوا "خرَّج لمثلهم الشيخان"! فالحاكم متشدد في الشرط، متساهل في التطبيق، بخلاف ابن حبان؛ فإنَّه متساهل في الشرط، ملتزم في التطبيق عندهم، وباختصار أقول: لا منافاة بين قولَي الحافظ، فإنَّ ابن حبان غير متساهل في نفسه، متساهل عند ناقديه! على أنني أرى أن الحافظ ﵀ تساهل مع ابن حبان في منازعته

стр. 67

في نسبته إلى التساهل ... لأن ابن حبان - مع تساهله المقطوع به عند الحافظ وغيره - لم يُوَفِّ بشرطه المتساهل؛ لأنه لم يقف عنده إخراجه لغير المعدلين فقط! بل أخرج للضعفاء والمجهولين عنده، والذين قال فيهم: "يخطئ كثيرًا"، وغيرهم كما تقدم تحقيقه بضرب الأمثلة التي لا تقبل المناقشة. والخلاصة: أن ما نقله الشيخ أحمد عن الحافظ يدل أن الشيخ أراد بجملة الوفاء بالشروط شروطه في "الثقات". هذا هو الأمر الأول الذي يؤيد ذلك. والأمر الآخر أن من شروطه في "صحيحه" الشرط الثالث: "العقل بما يحدّث من الحديث". والشرط الرابع: "العلم بما يحيل من معاني ما يروي". فقد أثبتنا فيا تقدم (ص ٢٧) بطلان هذين الشرطين، ومخالفتهما لعموم نصوص الشريعة الآمرة بالتبليغ، فلا داعي للتكرار. وذكرنا هناك ما يلزم من هذين الشرطين من سد باب الاحتجاج بأحاديث الثقات من كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي، فراجعه إن شئت (ص ٢٩)، ولهذا لم يأت لهما ذكر مطلقًا في كتب علم (المصطلح) متونًا وشروحًا! ومن الغرائب أن الحافظ أشار في "النكت" إلى شرط ابن حبان كونه عالمًا بما يحيل المعنى (١/ ٢٩٠)، ومر عليه دون أن يعلق عليه بكلمة تشعر على الأقل ببطلانه وخطورته! إذا عرفت هذا؛ فإن مجرد تصور هذين الشرطين يغني العاقل المنصف أن يخطر في باله أن الشيخ أحمد شاكر أرادهما بكلامه المتقدم، وأن ابن حبان وفّى بهما، وذلك لتعسر تحقيقهما، إن لم أقل: لتعذر ذلك واستحالته، كيف وابن

стр. 68

حبان لم يستطع الوفاء بالعدالة على تعريفه إياها في "الثقات"؛ بَلْهَ على تعريفه المناقض لها في "الصحيح"؛ كما سيأتي بعض الأمثلة على ذلك. ولما تبيَّن تعسر - بل تعذر - تحقيق ذلك لبعض المعاصرين - ممن لهم مشاركة في هذا العلم الشريف على تفاوت بينهم معرفة وتحقيقًا -؛ كان لهم موقف مختلف، أحدهما أسوأ من الآخر، ولكل منهما تعليق على كتابنا "الموارد": أما الأول؛ فهو الشيخ شعيب الأرنؤوط في مقدمته على "الإحسان"؛ فإنه - في ظني الحسن به - قد تبين له تعسر أو تعذر تحقيق الأمر المشار إليه، فقد لواه إلى الشرط المتيسر! ذلك أنه لما حكى (١/ ٣٥) الشروط الخمسة؛ فإنه بديل أن يتكلم على تعنت ابن حبان في الشرطين المشار إليهما؛ أدار كلامه على تعنته في جرحه لبعض الثقات، ثم تكلم على ما وصف به من التساهل في التوثيق، ثم انتهى إلى القول (ص ٣٩): "إن غاية ما في الأمر أن ابن حبان يوثق مستور الحال" (١). ثم قال (ص ٤١) مقلدًا لغيره ممن تقدم ذكره: "فالحاصل: أن ابن حبان وفى بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم"! وأما الآخر؛ فهو الأخ سليم الداراني المعلق على طبعته للكتاب - "موارد الظمآن" -؛ فقد نقل أيضًا في مقدمتها (ص ٣٨) الشروط الخمسة، ثم أتبعه بنقل آخر من "صحيح ابن حبان"، بيَّن فيه اختياره رواة "صحيحه" شيخًا شيخًا، جاء فيه: "فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما رواه، وأدخلناه في

стр. 69

كتابنا هذا، ومن صح عندنا أنه غير عدل بالاعتبار الذي وصفنا؛ لم نحتجَّ به، وأدخلناه في (كتاب المجروحين من المحدثين) ". ثم أتبع الداراني ذلك بقوله: "فابن حبان يعتد بهذه الشروط الآنفة الذِّكر في كل شيخ من رواة السند، ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا"! ثم أضاف إلى ذلك وصفه إياها بقوله: "وهي شروط دقيقة تتطلب جهدًا كبيرًا، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة؛ قد التزمها ووفى بها في عامة ما أدرجه في "صحيحه" هذا من الأحاديث"!! قلت: هذا من الأدلة الكثيرة على أنه إمعة لا تحقيق عنده، وأنه إنما يجتر ما عند غيره، وأنه يهرف بما لا يعرف؛ بل بما هو باطل له قرنان! ولست أدري - واللَّه - كيف استقام في ذهن هذا الرجل العاقل شهادته لابن حبان بأنه وفى بهذه الشروط الخمسة، وهو يعلم أن شرطه في "الثقات" يخالف أكثرها كما تقدم بيانه؟! ومنها قوله: "العدل من لم يعرف بجرح"، ثم تبناه الرجل في كل تخريجاته؛ مهما كان المخالفون له علمًا وعددًا، فما من حديث فيه مجهول وثقه ابن حبان، وخالفه الحفاظ؛ إلَّا عارضهم بشعاره: "وثقه ابن حبان"! غير مبالٍ بالمخالفين من الحفاظ؛ تنصيصًا لا تأصيلًا فقط؛ بل وربما رماهم بالجهل! فانظر - مثلًا - إلى قوله في ترجمته لِـ (سمرة بن سهم القرشي الأسْدي) (٨/ ١٤٤): "ترجمه البخاري في "الكبير" (٤/ ١٧٩)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وتبعه على ذلك ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ١٥٦)، وقال ابن المديني: "مجهول، لا أعرف روى عنه غير أبي وائل، وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٢٣٤):

стр. 70

"تابعي لا يعرف، فلا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة، ولا انتفت عنه الجهالة"، ثم أورد الجزء الأول من كلامه في "المغني"، وأما في "الكاشف"؛ فقد قال: "وثق"، ووثقه ابن حبان (٤/ ٣٤٠)، وانظر مقدمتنا لهذا الكتاب" (١)! وقال في ترجمة (هانئ بن هانئ الكوفي) (٧/ ١٧٨): "ترجمه البخاري في "الكبير" (٨/ ٢٢٩)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وتبعه على ذلك ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (٥/ ٥٠٩)، وقال العجلي (ص ٤٥٥): "كوفي، تابعي، ثقة"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وصحح الحاكم حديثه، ووافقه الذهبي، ووثقه الهيثمي، فهل بعد هذا يضره جهل من جهله؟! "! ليس مقصودي الآن بيان ما في هاتين الترجمتين من الجهل، وقلة المعرفة بهذا العلم، وإنما هو بيان أن ابن حبان لم يوف بشروطه المذكورة في "صحيحه" بشهادة هذا الهائم به في بعضها. أما بالنسبة للجمهور؛ فواضح مما سبق، ومما ذكره من قول الذهبي: "لا يعرف، فلا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة ... " إلخ. وأما بالنسبة لابن حبان في شروطه الخمسة، ومقلِّده الداراني؛ فلأنه لا يمكن معرفة العدالة في الدين بالستر الجميل، والصدق في الحديث بالشهرة فيه، وبالأولى التحقق من عقله وعلمه، وعلى الشرح الذي شرحه ابن حبان نفسه؛ لا يمكن معرفة هذا كله في مثل هاتين الترجمتين؛ إلَّا عند من لا يعقل، أو يكابر. ويؤكد هذا الهائم في بعض هؤلاء المجهولين بقولِه: "ولم أر فيه جرحًا" (٢)،

стр. 71

فهذا منه تصريح بأنه لم يعرف عدالته في الدين، بله الصدق في الحديث، فهل يتذكر؟ وزيادة في الفائدة؛ لا بأس من الإتيان ببعض الأمثلة استعجالًا بالخير؛ وإلا فهي من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، وسننبه على الكثير الطيب منها في أبوابها ومواطنها من الكتابين "الصحيح"، و"الضعيف" - إن شاء اللَّه تعالى -: تحقيق إخلال ابن حبان بالوفاء بشروطه الخمسة: أما إخلاله بالشرط الأول والثاني؛ فمن الأمثلة على ذلك: أولًا: حديث إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: أن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل رسول اللَّه ﷺ عن المذي ... الحديث الآتي برقم (٢٣٩ - الصحيح)، فإياس هذا - مع جهالته خالف الثقات الذين رووه في "الصحيحين": أن عليًّا أمر المقداد كما سترى هناك، فأين شرط العدالة في الدين والصدق في الحديث والشهرة فيه؟! لقد تجاهل هذا كلَّه الهائمُ - وغيره -، ثم تكلف تأويله خلافًا للأصول، كما سترى في التعليق هناك. ثانيًا: حديث محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ لا يمس من وجهي شيئًا وأنا صائمة، ويأتي برقم (٩٠٤ - "الضعيف")، فابن الأشعث هذا - مع جهالته - اضطرب في متنه، فرواه هكذا تارة، وعلى العكس تارة أخرى بلفظ: كان لا يمتنع من وجهي وأنا صائمة. وهذا هو الصحيح المحفوظ عن عائشة كما سيأتي هناك، فهو حديث منكر، ومع ذلك قوَّاه الداراني - وغيره -، وهو شاهد قوي لقول الذهبي في "صحيح ابن حبان":

стр. 72

"فيه من الأقوال، والتأصيلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب" (١). ثالثًا: حديث عبد اللَّه بن نُجَيّ، عن أبيه: سمعت عليًّا يحدث، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه ... جنب". ذكرت فيما يأتي (١٤٨٤ - الضعيف) أنه منكر بذكر (الجنب)، وهو الذي يقتضيه قول ابن حبان في ترجمة نجي هذا من "ثقاته" (٥/ ٤٨٠): "لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد" (٢). فأين الوفاء بشرطه الذي قال في مقدمة "ثقاته" - كما تقدم (ص ١٢) -: "ولا أذكر في هذا الكتاب إلَّا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم"؟! ومع هذا كله؛ فقد جوَّد الداراني إسناده محتجًّا كعادته بقوله: "وثقه ابن حبان"! ولكنه كتم قوله المذكور: "لا يعجبني ... "! ثم جاء بتخليطات عجيبة - كما سترى -. رابعًا: حديث قصة الملكين (هاروت) و (ماروت)، وشربهما الخمر، وقتلهما الصبي، وزناهما بِـ (الزهرة)، الآتي برقم (١٧١٧ - الضعيف)؛ فهو - مع كونه باطلًا لمخالفته للقرآن، وفي إسناده من قال فيه ابن حبان: "يخطئ ويخالف"! - وقد خالفه الثقات الذين أوقفوه -؛ فقد سوَّد به ابن حبان "صحيحه"، واغتر به إمعته على ما هي عادته؛ فجوَّد إسناده، وخالف الحفاظ الذين استنكروه - كما سيأتي هناك بيانه -.

стр. 73

والأمثلة على هذه الأنواع كثيرة جدًّا؛ كما ستراها في أماكنها على ما سبقت الإشارة إليه، لكن مما ينبغي التنبيه عليه بهذه المناسبة: أنها على نوعين: أحدهما: منكر أو باطل من أصله، كهذا المثال، ومحل هذا النوع في "الضعيف". والآخر: يكون أصله صحيحًا، لكن وقع فيه شذوذ من ثقة، أو نكارة من ضعيف، كالأمثلة التي قبل هذا، فمحله - على الغالب - في "الصحيح"؛ مع التنبيه على موضع الشذوذ والنكارة، وهذا مما لم يُعْنَ ابن حبان بالتنبيه عليه، وقلده في ذلك المعلقون على "الموارد"، وبخاصة الأخ الداراني، حتى ليكاد الواقف على تخريجاته يجزم بأنه لا يعرف هذا النوع من علوم الحديث: (الشاذ)، و (المنكر)، كما سترى ذلك يقينًا - إن شاء اللَّه تعالى - عند التعليق على الكثير منها! أخي القارئ! إذا تيقنت مما سبق من البيان والتحقيق إخلال ابن حبان ﵀ بالشرط الأول والثاني من شروطه الخمسة، وعدم وفائه بهما؛ فلستَ - والحالةُ هذه - بحاجة إلى تنبيهك إلى أنه قد أخل بالشرط الثالث والرابع: العقل بما يحدث، والعلم بالمعنى من باب أولى؛ لأنهما شرطان نظريان، لم يقل بهما أحد من أهل العلم؛ بل القول بهما مخالف للكتاب والسنة كما سبق بيانه (ص ٢٦ - ٢٩)؛ بل جرى عمل المحدثين جميعًا على خلافه، وأول مخالف له إنما هو قائله!! إخلاله بالشرط الخامس: ولقد أخل ابن حبان بالشرط الخامس أيضًا، وهو قوله: " ... المتعرِّي خبره عن التدليس".

стр. 74

وهو شرط متفق عليه بين علماء الحديث دون خلاف أعلمه؛ على تفصيل لهم معروف في علم المصطلح، وأنواع ذكروها فيه، ومع ذلك؛ فقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" للكثير من المدلسين عنده ممّن وصفهم في "ثقاته" بالتدليس؛ فضلًا عن غيرهم من المدلسين عند غيره؛ كأبي الزبير المكي مثلًا، فقد أكثر عنه: ١ - حبيب بن أبي ثابت، ومن أحاديثه الآتي برقم (٦٥٥ - الضعيف)، وأعله الداراني (٢/ ٣٩٥) بعنعنته! ٢ - ومنهم الحسن البصري، وقد أكثر ابن حبان من التخريج له عن بعض التابعين والصحابة، وعامتها معنعنة، ولكن غالبها عن التابعين، وقد مشاها العلماء، وبعضها عن بعض الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من لم يسمع منه، والكثير منها صحيح لغيره، والأخ الداراني - مع تعصبه لابن حبان، وتقليده المعروف إياه -؛ لم يسعه إلَّا أن يصفه بالتدليس, وأن يرد كثيرًا من أحاديثه، ويضعِّفها بالعنعنة؛ إلَّا أنه كان في ذلك مضطربًا أشد الاضطراب، فتارة يضعف، وتارة يصحح؛ دون أن يذكر سببًا وجيهًا للتصحيح، مما يؤكد لي أنه لا ينطلق في ذلك من ثوابت وقواعد مستقرة في ذاكرته؛ حتى أصبحت جزءًا من حياته العلمية، كلا، وإنما هو يرتجل ارتجالًا كيفما اتفق، أو وافق الهوى أو المذهب! وقد شايعه في بعض ذلك: الشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"، والمذيِّل على أحاديث "موارده"! - فانظر على سبيل المثال الأحاديث الآتية في "ضعيف الموارد" (٣٣٥, ٤٤٨, ٨١٦, ٩١٥)، وهذا الأخير منها هو من حديث الحسن، عن أبي بكرة، ومع ذلك قالا فيه: "إسناده صحيح"! وليس ذلك لأن الحسن صرح بالتحديث - ولو في مصدر آخر, أو لشواهد تقويه، كما سيأتي بيانه في التعليق عليه -؛ وإنما على قول شعيب (٨/ ٢٢٤)؛ لأن البخاري روى له

стр. 75

عدة أحاديث في "صحيحه" ليس فيها التصريح بالسماع! وعلى قول الداراني (٣/ ٢٢١)؛ لأن البخاري أخرج له بالعنعنة حديثًا في الغسل (٢٩١)، ومسلم في الحيض (٣٤٨)، وفي الإمارة (١٨٥٤)، وأنت إذا رجعت إلى هذه الأحاديث الثلاثة وجدتها من رواية الحسن عن بعض التابعين، عن أبي هريرة، وأم سلمة! فهذا غير ما نحن فيه؛ لأن روايته عن التابعين غير روايته عن الصحابة؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ومع ذلك؛ فقد رأيت الداراني قد اختلف موقفه هذا تجاه حديث آخر، هو أيضًا من حديث الحسن عن أبي بكرة، سيأتي - إن شاء اللَّه - في "الصحيح" برقم (٣٧٢) مرموزًا له بِـ "صحيح لغيره"، فقد أعله بقوله (٢/ ٦٧): "الحسن موصوف بالتدليس ... "! ثم نقل عن بعضهم أنه لم يسمع من أبي بكرة، وهذا النفي باطل؛ لثبوت تصريحه بسماعه منه في "صحيح البخاري" (٢٧٠٤) لحديث: "إن ابني هذا سيد ... "، وكذا صرح بالسماع في "مسند الحميدي" أيضًا (٢/ ٨١١ - تحقيق الداراني) نفسه، ولذلك أثبته - أعني: التصريح - الداراني في بعض تعليقاته الأخرى على "الموارد"؛ كالحديثين (١٥٣٠, ٢٢٣٢)، وهذا سيأتي - إن شاء اللَّه - في "صحيح الموارد". وأما الذي قبله؛ ففي "الضعيف"؛ لنكارة في متنه، لا يتنبه لمثلها الداراني وأمثاله. إذا علمت هذا؛ فلعل الأقرب أن لا أقول: إنه تجاهل هذه الحقائق، وإنما أقول: إنه نسيها! لأن الرجل مثل (القمع) لا يحفظ الأحاديث النبوية، ولا القواعد العلمية، وما يتعلق بها من التراجم وغيرها، فهو لا يستحضر منها ما يلزمه منها؛ لحداثة عهده بها، فما يبرمه اليوم ينقضه غدًا، فهو حَطَّاب نقّال، ليس عنده
следующие страницы →