فهذا منه تصريح بأنه لم يعرف عدالته في الدين، بله الصدق في الحديث، فهل يتذكر؟
وزيادة في الفائدة؛ لا بأس من الإتيان ببعض الأمثلة استعجالًا بالخير؛ وإلا فهي من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، وسننبه على الكثير الطيب منها في أبوابها ومواطنها من الكتابين "الصحيح"، و"الضعيف" - إن شاء اللَّه تعالى -:
تحقيق إخلال ابن حبان بالوفاء بشروطه الخمسة:
أما إخلاله بالشرط الأول والثاني؛ فمن الأمثلة على ذلك:
أولًا: حديث إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: أن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل رسول اللَّه ﷺ عن المذي ... الحديث الآتي برقم (٢٣٩ - الصحيح)، فإياس هذا - مع جهالته خالف الثقات الذين رووه في "الصحيحين": أن عليًّا أمر المقداد كما سترى هناك، فأين شرط العدالة في الدين والصدق في الحديث والشهرة فيه؟! لقد تجاهل هذا كلَّه الهائمُ - وغيره -، ثم تكلف تأويله خلافًا للأصول، كما سترى في التعليق هناك.
ثانيًا: حديث محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت:
كان النبي ﷺ لا يمس من وجهي شيئًا وأنا صائمة، ويأتي برقم (٩٠٤ - "الضعيف")، فابن الأشعث هذا - مع جهالته - اضطرب في متنه، فرواه هكذا تارة، وعلى العكس تارة أخرى بلفظ: كان لا يمتنع من وجهي وأنا صائمة.
وهذا هو الصحيح المحفوظ عن عائشة كما سيأتي هناك، فهو حديث منكر، ومع ذلك قوَّاه الداراني - وغيره -، وهو شاهد قوي لقول الذهبي في "صحيح ابن حبان":
стр. 72
"فيه من الأقوال، والتأصيلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب" (١).
ثالثًا: حديث عبد اللَّه بن نُجَيّ، عن أبيه: سمعت عليًّا يحدث، عن النبي ﷺ ، أنه قال:
"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه ... جنب".
ذكرت فيما يأتي (١٤٨٤ - الضعيف) أنه منكر بذكر (الجنب)، وهو الذي يقتضيه قول ابن حبان في ترجمة نجي هذا من "ثقاته" (٥/ ٤٨٠):
"لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد" (٢).
فأين الوفاء بشرطه الذي قال في مقدمة "ثقاته" - كما تقدم (ص ١٢) -:
"ولا أذكر في هذا الكتاب إلَّا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم"؟!
ومع هذا كله؛ فقد جوَّد الداراني إسناده محتجًّا كعادته بقوله: "وثقه ابن حبان"! ولكنه كتم قوله المذكور: "لا يعجبني ... "! ثم جاء بتخليطات عجيبة - كما سترى -.
رابعًا: حديث قصة الملكين (هاروت) و (ماروت)، وشربهما الخمر، وقتلهما الصبي، وزناهما بِـ (الزهرة)، الآتي برقم (١٧١٧ - الضعيف)؛ فهو - مع كونه باطلًا لمخالفته للقرآن، وفي إسناده من قال فيه ابن حبان: "يخطئ ويخالف"! - وقد خالفه الثقات الذين أوقفوه -؛ فقد سوَّد به ابن حبان "صحيحه"، واغتر به إمعته على ما هي عادته؛ فجوَّد إسناده، وخالف الحفاظ الذين استنكروه - كما سيأتي هناك بيانه -.
стр. 73
والأمثلة على هذه الأنواع كثيرة جدًّا؛ كما ستراها في أماكنها على ما سبقت الإشارة إليه، لكن مما ينبغي التنبيه عليه بهذه المناسبة: أنها على نوعين:
أحدهما: منكر أو باطل من أصله، كهذا المثال، ومحل هذا النوع في "الضعيف".
والآخر: يكون أصله صحيحًا، لكن وقع فيه شذوذ من ثقة، أو نكارة من ضعيف، كالأمثلة التي قبل هذا، فمحله - على الغالب - في "الصحيح"؛ مع التنبيه على موضع الشذوذ والنكارة، وهذا مما لم يُعْنَ ابن حبان بالتنبيه عليه، وقلده في ذلك المعلقون على "الموارد"، وبخاصة الأخ الداراني، حتى ليكاد الواقف على تخريجاته يجزم بأنه لا يعرف هذا النوع من علوم الحديث: (الشاذ)، و (المنكر)، كما سترى ذلك يقينًا - إن شاء اللَّه تعالى - عند التعليق على الكثير منها!
أخي القارئ! إذا تيقنت مما سبق من البيان والتحقيق إخلال ابن حبان ﵀ بالشرط الأول والثاني من شروطه الخمسة، وعدم وفائه بهما؛ فلستَ - والحالةُ هذه - بحاجة إلى تنبيهك إلى أنه قد أخل بالشرط الثالث والرابع: العقل بما يحدث، والعلم بالمعنى من باب أولى؛ لأنهما شرطان نظريان، لم يقل بهما أحد من أهل العلم؛ بل القول بهما مخالف للكتاب والسنة كما سبق بيانه (ص ٢٦ - ٢٩)؛ بل جرى عمل المحدثين جميعًا على خلافه، وأول مخالف له إنما هو قائله!!
إخلاله بالشرط الخامس:
ولقد أخل ابن حبان بالشرط الخامس أيضًا، وهو قوله:
" ... المتعرِّي خبره عن التدليس".
стр. 74
وهو شرط متفق عليه بين علماء الحديث دون خلاف أعلمه؛ على تفصيل لهم معروف في علم المصطلح، وأنواع ذكروها فيه، ومع ذلك؛ فقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" للكثير من المدلسين عنده ممّن وصفهم في "ثقاته" بالتدليس؛ فضلًا عن غيرهم من المدلسين عند غيره؛ كأبي الزبير المكي مثلًا، فقد أكثر عنه:
١ - حبيب بن أبي ثابت، ومن أحاديثه الآتي برقم (٦٥٥ - الضعيف)، وأعله الداراني (٢/ ٣٩٥) بعنعنته!
٢ - ومنهم الحسن البصري، وقد أكثر ابن حبان من التخريج له عن بعض التابعين والصحابة، وعامتها معنعنة، ولكن غالبها عن التابعين، وقد مشاها العلماء، وبعضها عن بعض الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من لم يسمع منه، والكثير منها صحيح لغيره، والأخ الداراني - مع تعصبه لابن حبان، وتقليده المعروف إياه -؛ لم يسعه إلَّا أن يصفه بالتدليس, وأن يرد كثيرًا من أحاديثه، ويضعِّفها بالعنعنة؛ إلَّا أنه كان في ذلك مضطربًا أشد الاضطراب، فتارة يضعف، وتارة يصحح؛ دون أن يذكر سببًا وجيهًا للتصحيح، مما يؤكد لي أنه لا ينطلق في ذلك من ثوابت وقواعد مستقرة في ذاكرته؛ حتى أصبحت جزءًا من حياته العلمية، كلا، وإنما هو يرتجل ارتجالًا كيفما اتفق، أو وافق الهوى أو المذهب!
وقد شايعه في بعض ذلك: الشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"، والمذيِّل على أحاديث "موارده"! - فانظر على سبيل المثال الأحاديث الآتية في "ضعيف الموارد" (٣٣٥, ٤٤٨, ٨١٦, ٩١٥)، وهذا الأخير منها هو من حديث الحسن، عن أبي بكرة، ومع ذلك قالا فيه: "إسناده صحيح"! وليس ذلك لأن الحسن صرح بالتحديث - ولو في مصدر آخر, أو لشواهد تقويه، كما سيأتي بيانه في التعليق عليه -؛ وإنما على قول شعيب (٨/ ٢٢٤)؛ لأن البخاري روى له
стр. 75
عدة أحاديث في "صحيحه" ليس فيها التصريح بالسماع! وعلى قول الداراني (٣/ ٢٢١)؛ لأن البخاري أخرج له بالعنعنة حديثًا في الغسل (٢٩١)، ومسلم في الحيض (٣٤٨)، وفي الإمارة (١٨٥٤)، وأنت إذا رجعت إلى هذه الأحاديث الثلاثة وجدتها من رواية الحسن عن بعض التابعين، عن أبي هريرة، وأم سلمة!
فهذا غير ما نحن فيه؛ لأن روايته عن التابعين غير روايته عن الصحابة؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ومع ذلك؛ فقد رأيت الداراني قد اختلف موقفه هذا تجاه حديث آخر، هو أيضًا من حديث الحسن عن أبي بكرة، سيأتي - إن شاء اللَّه - في "الصحيح" برقم (٣٧٢) مرموزًا له بِـ "صحيح لغيره"، فقد أعله بقوله (٢/ ٦٧):
"الحسن موصوف بالتدليس ... "!
ثم نقل عن بعضهم أنه لم يسمع من أبي بكرة، وهذا النفي باطل؛ لثبوت تصريحه بسماعه منه في "صحيح البخاري" (٢٧٠٤) لحديث: "إن ابني هذا سيد ... "، وكذا صرح بالسماع في "مسند الحميدي" أيضًا (٢/ ٨١١ - تحقيق الداراني) نفسه، ولذلك أثبته - أعني: التصريح - الداراني في بعض تعليقاته الأخرى على "الموارد"؛ كالحديثين (١٥٣٠, ٢٢٣٢)، وهذا سيأتي - إن شاء اللَّه - في "صحيح الموارد".
وأما الذي قبله؛ ففي "الضعيف"؛ لنكارة في متنه، لا يتنبه لمثلها الداراني وأمثاله.
إذا علمت هذا؛ فلعل الأقرب أن لا أقول: إنه تجاهل هذه الحقائق، وإنما أقول: إنه نسيها! لأن الرجل مثل (القمع) لا يحفظ الأحاديث النبوية، ولا القواعد العلمية، وما يتعلق بها من التراجم وغيرها، فهو لا يستحضر منها ما يلزمه منها؛ لحداثة عهده بها، فما يبرمه اليوم ينقضه غدًا، فهو حَطَّاب نقّال، ليس عنده
стр. 76
خلفية علمية تساعده على التحقيق والتدقيق، والثبات على الصواب، والأمثلة كثيرة جدًّا - كما سترى -، وهذا المثال يكفي الآن، وتأتي قريبًا نماذج أخرى.
وبهذه المناسبة أقول: إنه لا يعلم الفرق بين تدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، فيحمل هذا على ذاك، فعل ذلك في غير ما حديث، مثل الآتي في "الضعيف" برقم (٢٠٩٠)، فانظر تعليقي عليه.
وأما الشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"! -؛ فكان موفقًا في هذا الحديث؛ فإنه أعله بالعنعنة، ولكنه قال (٦/ ٥): "حديث صحيح بطرقه وشواهده"!!
وبمناسبة ذكر أبي الزبير المعروف بالتدليس - كما سبقت الإشارة إليه آنفًا -؛ فإن من تهافت الداراني وجهله: أنه - مع تضعيفه لحديث حبيب بن أبي ثابت؛ لتدليسه، واضطرابه في تدليس الحسن البصري؛ مع أنه من رجال الشيخين -: أراه سادرًا في تصحيح أحاديث أبي الزبير المعنعنة عن جابر، بدعوى أن مسلمًا احتج بها! وهذا خلاف ما عليه العلماء من التفريق بين ما رواه الليث بن سعد، فهي صحيحة عنه، وبين ما رواه غير عنه، كما هو معروف عنه في كتب التراجم.
أليس كان الأولى - بناءً على دعواه المزعومة - أن يحتج بعنعنة حبيب هذا وأمثاله من الموصوفين بالتدليس؟! فعلى ماذا يدل هذا التهافت والتناقض؟! ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾!!
نعم؛ لقد عاد الرجل إلى الاحتجاج - أيضًا - ببعض رجال الشيخين المدلسين وعنعنتهم، مثل أبي إسحاق السبيعي - كما سترى في ترجمته الآتية بعد ترجمتين - إن شاء اللَّه تعالى -، وقد خالف في ذلك أيضًا العلماء الذين احتجوا بتحديثه دون تدليسه! ثم ما يدريني لعله لم يستقر على ذلك؛ فإن من
стр. 77
المستحيل ملاحقة أوهام من لا ينطلق فيما يكتب عن علم وثوابت، فلننتظر.
٣ - ومن المدلسين عند ابن حبان: عبد الجليل بن عطية، وقد روى له حديثًا واحدًا بالعنعنة، لكني وجدت تصريحه في بعض المصادر، فأوردته في "الصحيح" كما سيأتي برقم (٢٣٧٠).
وأمّا هاويه (الداراني)، والمتعصب لِـ "ثقاته"؛ فقد كان موقفه من هذا التدليس عجبًا، فقد رفضه رفضًا باتًّا بدعوى أنه لم يسبقه أحد! وهذا محض الجهل؛ لما هو مقرر عند أهل العلم والعقل: أن من علم حجة على من لم يعلم، وليت شعري أليس كان الأولى بهذا الرجل أن يقبل هذا من ابن حبان، وأن يرفض توثيقه للمجاهيل؛ لأنه خالف بذلك الحفاظ تأصيلًا وتفريعًا؛ بل وخالف نفسه بنفسه في شرطه الأول والثاني كما سبق تحقيقه؟! بلى؛ بل إنه الواجب، وصدق اللَّه: ﴿إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وأعجب من ذلك: أنه ذكر الرفض المتقدم في صاحب الترجمة التالية، ثم تناقض موقفه من حديثيه، فتوقف في أولهما، وقوى الآخر! هناك حكى التدليس فتوقف؛ وهنا حكاه أيضًا لكنه جوّد!!
٤ - ومنهم: عبيدة بن الأسود، روى له حديثين بالعنعنة، أحدهما يأتي في "الضعيف" برقم (٢٧٧) لعنعنته، والآخر في "الصحيح" (٩٦٣)؛ لأني وجدت تحديثه في مصدر من مصادر التخريج، كما بينت هناك.
وأما الأخ الداراني؛ فتناقض، ففي الأول توقف كما سبق، والظاهر أنه للتدليس الذي حكاه؛ خلافًا للشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"! -؛ فإنه تجاهل التدليس، وحسَّن الإسناد، وعليه حسَّن الحديث في "موارده".
стр. 78
وعكس هذا في الحديث الآخر؛ فإنه ضعفه، لا للتدليس - وقد حكاه هنا! -، وإنما لأسباب أخرى، وفاتته بعض الشواهد التي تقويه.
وشذ الداراني، فقال:
"إسناده جيد"! وهنا حكى عبارة ابن حبان في رميه إياه بالتدليس، ثم رفضه كما تقدم!
٥ - ومنهم: عمرو بن عبد اللَّه أبو إسحاق السبيعي، وقد أكثر من الرواية له، فبلغت أحاديثه عنده نحو خمسين ومائة (١٥٠)، غالبها عنه عن بعض التابعين، عن الصحابة، وسائرها عنهم مباشرة، أكثرها معنعنة، فهو في ذلك شبيه الحسن البصري المتقدم برقم (٢)، وقد وجدت لبعضها من الشواهد ما يقويه، فأوردته في "الصحيح" مميزًا لهذا النوع عما كان صحيحًا لذاته بقولي: "صحيح لغيره"، وسأذكر له مثالًا له عما قريب - إن شاء اللَّه تعالى -.
ومن المهم هنا الإشارة إلى غرائب من أحاديثه المعنعنة، والتي لم أجد لها ما يشهد لها، فأوردتها في "الضعيف"، منها ذوات الأرقام التالية: (١٧٨١، ٢٢٢٧، ٢٢٥٥، ٢٤١٠، ٢٤٥٨، ٢٥٨٢).
ومن الغرائب: أن المعلقين الأربعة تجاهلوا عنعنته وتدليسه فيها، فأجمعوا على تقويتها تحسينًا وتصحيحًا! اللهم إلَّا في بعضها لسبب غير التدليس، كما سترى ذلك في التعليق عليها في مواضعها المشار إليها - إن شاء اللَّه تعالى -.
فهل كان ذلك عن جهل منهم، أو نسيان، أوتعلل بما يدل على الحداثة مما سبقت الإشارة إليه؟! كل ذلك ممكن إلَّا الأول، فالذي رماه بالتدليس هو ابن حبان، وكتابه بين أيديهم، فضلًا عمن ترجمه وذكره في المدلسين، كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف، ولهذا فإني أستبعد أن يكون الأخ
стр. 79
الداراني رفض قول ابن حبان هذا كما رفضه في عبد الجليل بن عطية المتقدم قريبًا برقم (٣)، لا سيما وقد رأيته قد أعل الحديث الآتي في "الصحيح" برقم (١٩٥٣)، وهو من رواية أبي إسحاق، عن البراء بقوله (٦/ ٢٣٤):
"رجاله ثقات؛ إلَّا أنه منقطع ... ".
ثم نقل عن شعبة أنه قال:
"لم يسمع هذا الحديث أبو إسحاق عن البراء".
قلت: وهذا هو التدليس عند من يفهم.
وبهذه المناسبة أقول:
إن من أغرب ما رأيت لهذا الرجل من التخبيط والتخليط والتضليل - وهذا أقل ما يمكن أن يقال فيه -: ما فعله في حديث البراء الآتي في "الصحيح" برقم (١٣٧٣)، وهو من رواية شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء، ذلك أنه قال في التعليق عليه (٤/ ٣٤٠):
"إسناده صحيح، شعبة قديم السماع من أبي إسحاق السبيعي".
قلت: السماع صحيح معروف لا شك فيه، وليته التزمه في كل أحاديث أبي إسحاق التي صححها؛ بل إنه له في ذلك تخليطًا آخر، وهو زعمه في غير ما موضع: أن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق قديم السماع من جده أبي إسحاق (١/ ٤٤٦, ٨/ ٥١)، وهذا من سوء فهمه؛ لوصف بعض الحفاظ إياه بأنه أحفظ لحديث جده من غيره، فهذا شيء آخر يتعلق به هو، والاختلاط يتعلق بجده، فهو حافظ لحديثه؛ ولو حدث به في الاختلاط، وقد ذكر أحمد أنه سمع منه بأخرة.
والمقصود هنا أن قوله: "إسناده صحيح" غير صحيح، وذلك لأنه أوقف نظره عند ظاهر رواية شعبة هذه، وهي معروفة الصحة عند العلماء؛ لأن شعبة
стр. 80
بالإضافة إلى أنه سمع من أبي إسحاق قبل الاختلاط؛ فإنَّ من دقته وتحفظه في الرواية عنه أنه لا يروي إلَّا ما صرح بالسماع، فلو لم يكن بين يدي الرجل إلَّا هذه الرواية لعذرناه؛ بل وكنا معه على الجادة، ولكن الرجل لم يتَقِ اللَّه - تعالى -، ولم يُؤَدِّ الأمانة العلمية، ذلك لأنه بعد أن خرَّج الحديث من رواية جماعة من المصنّفين - منهم أبو يعلى - قال:
"وهناك استوفينا تخريجه"!
فلما رجعت إلى حيث أشار إليه من "مسند أبي يعلى" (٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦)؛ وجدت الحجة التي تدمغه، ذلك لأن أبا يعلى ﵀ أداءً منه للأمانة العلمية قد ساق الحديث من طريقين عن شعبة برقمين (١٧١٩, ١٧٢٠)، الطريق الأولى هي ما أشير إليها آنفًا أنها في "الصحيح"، وهي التي عناها بجملة الاستيفاء المزعومة؛ فإنه لم يستوفِ ما هناك فضلًا عن أن يزيد عليها كما أوهم بها؛ بل إنه نقص منها جملة سماع أبي إسحاق! والخطب في هذا سهل، فقد علمت أنه لا فائدة منها هناك، اللهم إلَّا التضليل عن العلة الحقيقية التي كتمها الرجل، أَلا وهي الانقطاع بين أبي إسحاق والبراء، ولقد وددت - يشهد اللَّه؛ من باب (التمس لأخيك عذرًا) - أن أقول - كما قلت في غيره -: لعله غفل عن هذا؛ فإن الغفلة لا ينجو منها باحث، أو كاتب، وهي بالنسبة لرواية شعبة في "الصحيح" واردة، ولكنه مع الأسف لم يدع لذلك مجالًا في كل من تخريجيه، أما هنا في "الموارد"؛ فلأنه أحال إلى الطريق الأولى ذات الرقم (١٧١٩) الظاهرة الصحة، ولم يقرن معه الرقم الآخر (١٧٢٠) المشير إلى الطريق الأخرى الكاشفة عن العلة! وبخاصة أنها جاءت في رأس الوجه الآخر من الصحيفة الذي قد لا يتنبه له البعض إلَّا بمنبه، كذكر الرقم الآخر!
لا بأس! لِنَقُل: إِنَّه غفل عنه! ولكن بماذا يمكن الإجابة عن فعلته في
стр. 81
تعليقه على "أبي يعلى"؛ فإنه بعد أن صحح إسناد الطريق الأولى؛ أعرض عن العلة الصريحة في الطريق الأخرى، وفيها ما نصه:
"قال شعبة: قلت: أسمعته من البراء؟ قال: لا"؟!!
لقد طاح احتمال غفلته عنه بتعليقه عليه بقوله (٣/ ٢٦٦):
"رجاله ثقات، وانظر الحديث السابق"!!
لقد كان من واجبه - والحالة هذه - أن يتدارك خطأ تصحيح إسناد الحديث السابق؛ بأن يرجع إليه، ويعله بالانقطاع الصريح فيه، كما فعل بحديث "الصحيح" الذي أشرت إليه آنفًا (ص ٩١)، ولكنه لم يفعل، وتجاهل النص كأن لم يكن، فصنيع من هذا؟!
ولقد شاركه في هذا التجاهل: الشيخ شعيب - مع الأسف -؛ فإنه قال في تعليقه على "الإحسان" (١٢/ ١٧٣):
"إسناده صحيح على شرط الشيخين، لكن جاء عند أبي يعلى بإثر الحديث: قال شعبة: قلت: أسمعته من البراء؟ قال: لا"!!
فجَمَعَ بين النقيضين! فكان ينبغي التصريح عقب التصحيح المذكور بمثل قوله: "لولا أنه منقطع ... "؛ دفعًا لظاهرة التناقض! ولكني أخشى أن لا يكون التعبير المذكور من شعيب نفسه، وإنما هو من قبيل ما يقال: (له الاسم ولغيره الرسم)!
نعم؛ الحديث صحيح لغيره كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهي مخرجة في "الصحيحة" برقم (٣٤٩٦).
٦ - ومنهم: المغيرة بن مقسم الضبي، فقد أخرج له نحو عشرين حديثًا معنعنًا عنده كلها؛ سوى حديث واحد، صرح فيه بالسماع، وثانٍ قد توبع فيه،
стр. 82
وثالث رواه عن أبيه - وهو مجهول -.
والمقصود هنا: بيان أن له في كتابنا "الموارد" سبعة أحاديث كلها معنعنة، أحدها مما استدركته أنا على الهيثمي، وقد استطعت والحمد للَّه أن أنقذ من الضعف بالشواهد خمسة منها، فأوردتها في "الصحيح"، هذه أرقامها (١٠٣٥، ١٢٧١، ١٣٣٦، ١٤٢١، ٢٠٦٠).
وأما الآخران؛ فهما في "الضعيف" رقم أحدهما فيه (١٥٢٣)، وحسَّنه بعضهم، وأما الآخر - وهو المستدرك -؛ فسيأتي في (٥ - المواقيت/ ١٢٢ - باب) - بإذن اللَّه تعالى -.
وإن مما يحسن التنبيه عليه هنا: أن الأخ الداراني جرى في تخريجه لهذه الأحاديث - باستثناء المستدرك طبعًا المشار إليه آنفًا - على تجاهل تدليس المغيرة، سوى الحديث (١٥٢٣)، فقد ضعفه هنا في "الموارد"، وأحال في تخريجه على "مسند أبي يعلى" (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وهناك أعله بقوله:
"ومغيرة كثير التدليس عن إبراهيم".
وخالف شعيبٌ، فحسَّنه هنا، وفي "الإحسان" (١٣/ ٣٣٥)؛ زاعمًا أن المغيرة قد تابعه شباك الضبي! ومع أن هذا قد رُمي بالتدليس أيضًا؛ فقد تجاهل الشيخ شعيب الاضطراب في إسناده، وجهالة (هني بن نويرة) فوقه، كما كنت بينت ذلك مفصلًا في "الضعيفة" (١٢٣٢)، وهذا قُلٌّ مِنْ جُلٍّ من تخبيطاتهم وتخليطاتهم التي لا يلتزمون فيها قواعد هذا العلم الشريف.
وهناك مدلسون آخرون كنت فرزت أسماءهم في آخر كتابي "تيسير الانتفاع" - يسر اللَّه لي نشرَه - بلغ عددهم نحو الثلاثين، وإنما ذكرت من تقدم ذكره منهم؛ لأنه أخرج لهم في "صحيحه" أحاديث كثيرة بالعنعنة، ووقع بعضها
стр. 83
في كتابنا "الموارد"، الأمر الذي أحوجني إلى نقدها، وتمييز ما صح منها بالمتابعات والشواهد، وما لم يصح بسبب العنعنة والتفرد.
وإن فيما أشرنا إليه من أحاديث هؤلاء المدلسين - ولو مما صح منه -: ما يكفي لبيان أن ابن حبان ﵀ قد أخل أيضًا بالشرط الخامس الذي وضعه لرواة حديث "صحيحه" بقوله المتقدم: "المتعري خبره عن التدليس"! كما أخل بشروطه الأخرى على ما سبق بيانه، بما لا تراه في كتاب آخر - إن شاء اللَّه تعالى -.
وبذلك يزداد القراء علمًا بتساهله الذي رماه به أجلة الحفاظ والعارفين به، واستنكف عن الاعتراف به بعض من يدعي العلم، ويتهم الحفاظ بالجهل، ويتبينون أن تساهله لم يقف عند توثيق المجهولين في "ثقاته"، كما هو معلوم عند جمهور طلاب العلم؛ بل إنه تعداه إلى إخلاله بتحقيق شروطه الخمسة التي اشترطها لرواة "صحيحه"، خلافًا لمن صرح من المتأخرين أنه وفى بها؛ كالشيخ أحمد شاكر ﵀ ومن قلده -؛ كالشيخ شعيب، والاخ الداراني؛ غفلوا عن هذه الحقيقة، وترتب من وراء ذلك - من الأوهام والتصحيح للأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة - ما يتعذر الإحاطة بها، وقد يسر اللَّه لي أثناء طبعي لِـ "صحيح الموارد"، و"ضعيف الموارد" التنبيه على الكثير منها كما سيرى القراء الكرام - إن شاء اللَّه تعالى -، وقد ذكرت آنفًا نماذج منها، أداءً للأمانة، ونصحًا للأمة، وتذكيرًا لأمثالي من طلاب العلم.
فهذا الحق ليس به خفاءُ ... فدعني عن بُنيَّات الطريق
ذلك؛ وما دمنا لا نزال في تقويم "صحيح ابن حبان"؛ فإن هناك أنواعًا أخرى وقعت فيه منافية للصحة، وفيها بعض الموضوعات، ولذلك كان من تمام هذا الفصل الكلام عنها - ولو موجزًا -، فأقول:
стр. 84
يمكن حصرها فيما يأتي:
الأول: الأحاديث الشاذة.
الثاني: الأحاديث المنكرة.
الثالث: الأحاديث الضعيفة والواهية.
١ - أما النوع الأول؛ فأحاديثه كثيرة، ومن المعلوم أن الحديث الشاذ: هو ما رواه الثقة مخالفًا من هو أوثق منه، أو أكثر عددًا، وهذا يعني أن إسناده يكون ظاهر الصحة، ولذلك فلا يظهر الشذوذ والمخالفة إلَّا بتتبع الطرق، وإمعان النظر في متونها، وهذا مما لا يتيسر أحيانًا لبعض الحفاظ النقاد المتقدمين، فضلًا عن بعض الكتاب المعاصرين المتعلقين بهذا العلم، الذين لا يعلمون منه إلَّا ظاهرًا من القول، ولا ينظرون فيه إلى أبعد مِن أرنبةِ أنوفهم، كما سترى ذلك جليًّا في عشرات الأحاديث الآتية في "الصحيح"، و"الضعيف".
ثم إن الشذوذ غالبًا ما يقع في المتن، وتارة يقع في السند، وقد يجتمعان، والشذوذ في المتن يكون عادة في بعض أجزائه أو ألفاظه، وهذا يعني أن أصل الحديث صحيح، لكن أحد رواته الثقات شذ وخالف، فوقع في حديثه الخطأ، كما في الحديث الآتي في "الضعيف" برقم (٩٤٨) بلفظ:
"صيام ثلاثة أيام من كل شهر: صيام الدهر وقيامه".
فقوله: "وقيامه" شاذ ضعيف، والمحفوظ في هذا الحديث وغيره بلفظ: "وإفطاره".
وتأتي له أمثلة أخرى فيه بالأرقام التالية (٩٥١، ١٣٠٥، ١٣٦٤، [١٨٥/ ٢ - ٥٩٩٠]، [٢٦٩ - ٧٠٤٩]، و [٢٧٠ - ٦٩٥٩]).
وهذا النوع كثير جدًّا في الكتاب الآخر "صحيح الموارد"، ولذلك لم أوثرها
стр. 85
بِـ "الضعيف"؛ من أجل كلمة أخطأ فيها الراوي، لكني نبهت على ذلك تحت كل حديث منها، وأول ما يبادرك فيه الحديث (٢٨)، وفيه:
"لا يقبل الله من عبد توبة أشرك بعد إسلامه".
والصحيح: "عملًا" مكان: "توبة".
وقد غفل عنه - وعن أكثر هذا النوع من الأحاديث الشاذة -: المعلقون الأربعة على "الموارد"، حتى لكأنهم لم يقرؤا شيئًا عنه في كتب المصطلح، حتى ولا في تعريف الحديث الصحيح الذي جاء فيه:
"ولم يشذ، ولم يعل"!
وقد يكون الشذوذ بزيادة في المتن، مثاله حديث (٦٠٨): "صلاة الليل مثنى مثنى ... " زاد في آخره: "وسجدتين قبل الصبح"!
وصححه المعلقون الأربعة!
ومثله الحديث (٥٨٠)، وصححه الشيخ شعيب!
وغيرهما كثير مما سيأتي التنبيه عليها في مواضعها - إن شاء اللَّه تعالى -.
٢ - وأما النوع الثاني، وهي الأحاديث المنكرة؛ فهي أكثر، ويقال في المنكر ما تقدم في الشاذ؛ إلَّا أن المخالف يكون ضعيفًا؛ أي: أنه مع ضعفه يكون قد خالف غيره، وقد تكون النكارة في المتن، ولو لم يخالف، والأول أكثر، وهو موزع في "الصحيح"، و"الضعيف"؛ لأن أصله يكون صحيحًا لذاته، بخلاف الآخر فهو خاص بالضعيف، وهذا يعني أن الحديث قد يكون من أصله منكرًا، بخلاف الأول، ولهذا أمثلة كثيرة سيأتي التنبيه عليها في محالِّها - إن شاء اللَّه تعالى -، ولكني أستعجل ببعض الأمثلة:
الأول: حديث أبي هريرة الآتي في الكتابين برقم (٢٢):
стр. 86
"أفضل الأعمال عند اللَّه - تعالى -: إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور"، قال أبو هريرة: حجة مبرورة تكفر خطايا سنة.
قلت: فجملة "وغزو لا غلول فيه"، وقول أبي هريرة الموقوف؛ منكر لا يصح، حتى ولا لغيره، وأصل الحديث في "الصحيحين" دون هاتين الزيادتين.
وإن من غرائب الشيخ الشعيب، وأخطائه الفاحشة: أنه صحح الحديث لغيره في تعليقه عليه هنا في "الموارد"؛ لشواهد خرَّجها في تعليقه على "الإحسان"، ولم يسق ألفاظها، وليس فيها أي شاهد! وزادَ ضغثًا على إبَّالةٍ: فَصحّح إسناده على شرط الشيخين! ثم تراجع عنه هنا!
وأما الأخ الداراني؛ فلم يكن أسعد منه في تعليقه على الحديث، فوافقه على الاستشهاد بما لا شهادة فيه! وزاد عليه الاستشهاد بحديث "الصحيحين"! وأن إسناد حديث الباب حسن! ظلمات بعضها فوق بعض!!!
وسترى الرد مفصلًا فيما يأتي من التعليق على الحديث - بإذن اللَّه تعالى -، ومن أراد الوقوف عليها؛ فليتتبعها في فهرس الأبواب والمواضيع.
الثاني: الآتي في "الصحيح" (٢٩٩ - عن ابن عمر في سؤال النبي ﷺ جبريل ﵇ عن شر البقاع؟ فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل)!
فذِكْرُ ميكائيل ﵇ هنا منكر؛ لِضعف إسناده، وتعريه من شاهد يقويه، بخلاف أصله، ولقد غفل عن هذه الحقيقة أولئك المعلقون الأربعة، فحسنوا الحديث بهذه الزيادة المنكرة؛ مستشهدين بالشواهد الخالية منها!!
الثالث: حديث عائشة الآتي في "الصحيح" أيضًا (٣٩٢) في النهي عن التخلف عن الصف الأول: "حتى يخلفهم اللَّه في النار".
فهذه الزيادة كالتي في الحديث قبله منكرة أيضًا، ومع ذلك صححها
стр. 87
المشار إليهم آنفًا، مستشهدين بحديث لمسلم ليس فيه الزيادة!!
الرابع: حديث أبي هريرة الآتي في "الضعيف" (٤١٠) في الترهيب عن المرور بين يدي المصلي: "لكان أن يقف مائة عام"، فذِكْرُ (المائة) فيه منكر، مخالف لحديث "الصحيحين"! ومع ذلك حسَّنه الداراني، واستشهد له بِـ "الصحيحين"!! وسبقه إلى بعض ذلك غيره!
الخامس - وهو من أغرب الأمثلة -: حديث سهل بن سعد الآتي في آخر "الضعيف" (٢٤٠٤) بلفظ: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ شاهرًا يديه يدعو على منبر ولا غيره ... ؛ فإنه - مع ضعف إسناده - مخالف للأحاديث الصحيحة في "الصحيحين" وغيرهما، وبعضها في "صحيح ابن حبان" كالحديثين الآتيين في "صحيح الموارد" (٦٠١, ٦٠٤)! مع هذا كله صححه ابن حبان! وتبعه ظِلُّهُ الداراني، فحسَّن إسناده، ثم استشهد له بشاهدين ليس فيهما النفي المذكور! وتابعه في بعضه الشيخ شعيب، فقال:
"صحيح بشواهده"! ثم أشار إلى الشاهدين اللذين ذكرهما الداراني!
وبالجملة؛ فالأمثلة كثيرة جدًّا، وما ذكرته كافٍ لإثبات تساهل ابن حبان في تخريجه الأحاديث الشاذة والمنكرة، وقد مضت أمثلة أخرى (ص ٨٣)، فمن رغب في جمعها، أو الوقوف عليها بيسر؛ فليراجع (الفهرس) كما سبق.
الثالث: الأحاديث الضعيفة، والواهية (١).
* * *
стр. 88
مقدمة الأصل
" موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"
اللهم صلِّ وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الحمد للهِ الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ، وجعل الظلماتِ والنور، وأشهدُ أن لا إله إلّا الله وحده لا شريكَ له، شهادةً تنجي قائلها يومَ البعثِ والنشور، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله المنعوت في القرآنِ والتوراةِ والإِنجيلِ والزبور، ﷺ ، وعلى آلهِ وصحبه صلاةً تُضاعِفُ لصاحبها الأجور.
وبعد:
فقد رأيتُ أن أُفردَ زوائد "صحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي ﵁" على "صحيح البخاري ومسلم ﵄"، مرتبًا ذلك على كتبِ فقه أذكرها لكي يسهل الكشفُ منها، فإنّه لا فائدةَ في عزو الحديث إلى "صحيح ابن حبان" مع كونِه في شيءٍ منهما، وأردتُ أن أذكرَ الصحابيَّ فقط وأُسقطَ السند اعتمادًا على تصحيحه، فأشارَ عليَّ سيدي الإمامُ أبو زُرعة ابن سيدي الشيخ الإمام العلّامة شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم بن العراقي بأنْ أذكرَ الحديثَ بسندِه لأنَّ فيه أحاديث تكلَّمَ فيها
стр. 89
بعضُ الحفّاظِ، فرأيتُ أنَّ ذلكَ هو الصواب (١)، فجمعت زوائده ورتبتها على كتب أذكرها هي: كتاب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الحجّ، كتاب الأضاحي، وفيه الصيد والذبائح والعقيقة والوليمة، كتاب البيوع، كتاب الأيمان والنذور، كتاب القضاء، كتاب العتق، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب النكاح والطلاق والعدّة، كتاب الأطعمة، كتاب الأشربة، كتاب الطبّ - وفيه الرقى وغير ذلك -، كتاب اللباس والزينة، كتاب الحدود والديات، كتاب الإمارة، كتاب الجهاد، كتاب السِّيَرِ وفتح فارس وغيرها، كتاب التفسير، كتاب التعبير، كتاب القدر، كتاب الفِتن، كتاب الأدب، كتاب البر والصلة، كتاب علامات النبوّة - وفيه من ذكر من (٢) الأنبياء صلّى الله على نبيّنا وعليهم أجمعين -، كتاب المناقب، كتاب الأذكار،
стр. 90
كتاب الأدعية، كتاب التوبة، كتاب الزهد، كتاب البعث، كتاب صفة النار، كتاب صفة الجنّة (١).
وقد سميته "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان" وأسألُ الله النفعَ به لي وللمسلمين آمين.
* * *
стр. 91
١ - كتاب الإيمان
١ - باب فيمن شهد أن لا إله إلّا الله
١ - ١ - عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"إنّي لأعلمُ كلمةً لا يقولُها عبد حقًّا من قلبِه، فيموت وهو على ذلك؛ إلّا حرَّمه الله على النارِ: لا إله إلّا الله".
صحيح - "الأَحاديث المختارة" (رقم: ٢٣٨/ تحقيقي).
٢ - ٢ - عن يحيى بن طلحة، عن أمّه سُعدى المُرِّيَّة، قالت:
مرَّ عمر بن الخطابِ بطلحة بعدَ وفاة رسول اللهِ ﷺ [فقال: ما لك مكتئِبًا] (١)؛ أساءتكَ إِمرة ابن عمّكَ؟ قال: لا، ولكني سمعت رسول اللهِ ﷺ يقول:
"إني لأعلمُ كلمةً لا يقولها عبد عند موته؛ إلّا كانت له نورًا لصحيفتِه، وإنَّ جسده وروحه ليجدانِ لها رَوْحًا عند الموتِ"، فقُبضَ ولم أسألْه، فقال: ما أعلمه إلّا التي أرادَ عليها عمّه، ولو علمَ أنَّ شيئًا أنجى له منها لأمره به.
صحيح - "أحكام الجنائز" (ص ٤٨ - ٤٩).
стр. 92
٣ - ٣ - عن سهيل ابن بيضاء قال:
بينا نحن في سفر مع رسول اللهِ ﷺ (١)، فحبس من كانَ بين يديه، ولحقه من كانَ خلفه، حتّى إذا اجتمعوا قال رسول اللهِ:
"إنّه من شهد أن لا إله إلّا الله؛ حرَّمه الله على النار، وأوصا له الجنّة".
صحيح لغيره - "التعليقات الحسان على الإحسان" (١/ ٢١٠/ ١٩٩).
٤ - ٤ - عن جابر:
أنَّ معاذًا لما حضرته الوفاة قال: اكشفوا عن سَجْفِ (٢) القبة، سمعت رسول اللهِ ﷺ [يقول]:
"من شهدَ أن لا إله إلّا الله مخلصًا من قلبه؛ دخل الجنّة".
صحيح - "الصحيحة" (٢٣٥٥).
٥ - ٥ - عن هِصّان بن كاهل، قال: جلست مجلسًا فيه عبد الرحمنِ بن سمرة - ولا (٣) أعرفه - فقال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"ما على الأرضِ نفس تموتُ ولا تشركُ باللهِ شيئًا، وتشهدُ أنْ لا إله إلّا الله، وأني رسول اللهِ، يرجع ذلك إلى قلبٍ موقنٍ؛ إلّا غُفرَ لها".
حسن - "الصحيحة" (٢٢٧٨).
٦ - ٦ - عن عثمان بن عفّان، قال: سمعتُ رسول اللهِ ﷺ يقول:
стр. 93
"من ماتَ وهو يعلمُ أن لا إله إلّا اللهُ؛ دخلَ الجنّة".
صحيح - "أحكام الجنائز" (ص ١٩): م، فليس على شرط "الزوائد"، وكذا قال الحافظ في حاشية الأَصل.
٧ - ٧ - عن جابر بن عبد الله، قال: بعثني رسول اللهِ ﷺ فقال:
"نادِ في الناسِ: من قالَ: لا إله إلّا الله؛ دخل الجنّة".
فخرج، فلقيه عمر في الطريق فقال: أين تريدُ؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ بكذا وكذا، قال: ارجع، فأبيت، فَلَهَزَني لَهزة في صدري أَلِمْتُها، فرجعت ولم أجدْ بدًّا. قال: يا رسول اللهِ! بعثت هذا بكذا وكذا؟ قال:
"نعم".
قال: يا رسول اللهِ! إنَّ الناسَ قد طمعوا وَخَبُثوا (١)، فقال رسول اللهِ ﷺ :
"اقعد".
صحيح - "الصحيحة" (١٣١٤ و ٢٣٥٥).
٨ - ٨ - عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، قال:
стр. 94
كُنّا مع النبيِّ ﷺ في غزوة، فأصابَ الناسَ مخمصةٌ [شديدة] (١)، فاستأذنوا رسول اللهِ ﷺ في نحر بعض ظهورِهم، فقال عمر: يا رسول اللهِ! فكيف بنا إذا لقينا عدوّنا جياعًا رِجالًا؟ ولكن إن رأيتَ يا رسولَ اللهِ! أن تدعوَ الناس ببقية أزوادهم، فجاءوا به؛ يجيءُ الرَّجل بالحَفنة من الطعام، وفوقَ ذلك، فكانَ أعلاهم الذي جاء بالصاع من التمر، فجمعه على نِطَع، ثمَّ دعا اللهَ بما شاء [اللهُ] (١) أن يدعو، ثمَّ دعا النّاس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاءٌ إلّا ملَؤوه، وبقي مثله، فضحكَ رسول اللهِ ﷺ حتّى بدت نواجذه، ثمَّ قال:
"أَشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهدُ أني رسول اللهِ، وأشهدُ عند اللهِ: لا يلقاه عبد مؤمن بهما؛ إلّا حجبتاه عن النارِ يوم القيامة".
صحيح لغيره - "التعليقات الحسان على الإحسان" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢/ ٢٢١)، "الصحيحة" (٣٢٢١).
٩ - ٩ - عن رفاعة بن عَرابة الجهني، قال:
صَدَرنا مع رسول اللهِ ﷺ من مكة، فجعل ناس يسأذنونَ رسول اللهِ ﷺ [إِلى أَهليهم]، فجعل يأذن لهم، فقال رسول اللهِ ﷺ :
"ما بالُ شِق الشجرة التي تلي رسول اللهِ ﷺ أبغض إليكم من الشق الآخر؟! ".
قال: فلم نرَ من القومِ إلّا باكيًا، قال: يقول أبو بكر: إنَّ الذي يستأذنك بعد هذا لسفيهٌ - في نفسي -، فقام رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه - وكانَ إذا حلفَ قالَ:
стр. 95
"والذي نفسي بيده - أشهد عند الله: ما منكم من أَحدٍ يؤمنُ بالله ثمَّ يسدد؛ إلّا سُلِكَ [به] (١) في الجنّة، ولقد وعدني ربي أن يُدخلَ من أمتي الجنّة [سبعين أَلفًا] بغير حسابٍ ولا عذاب، وإنّي لأرجو أنْ لا تَدخلوها حتى تتبوّؤا [أَنتم] ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكنَ في الجنّة". ثمَّ قال:
"إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله [﵎] إلى السماء الدنيا فيقول: لا أَسأل (٢) عن عبادي [أَحدًا] غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيَه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفرَ له؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له؟ حتّى ينفجر الصبح".
صحيح - "الصحيحة" (٢٤٠٥).
١٠ - ١٠ - عن أَبي صالح، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ قال ... مثله؛ يعني: مثل حديث قبله (٣)، ومتنه:
كنتُ أمشي مع رسول اللهِ ﷺ بحَرّة المدينة، فاستقبلَنا أُحُدٌ، فقال:
стр. 96
"يا أبا ذرّ! ما يسرني أنَّ [لي] أُحُدًا ذهبًا أُمسي وعندي منه دينار؛ إلّا أن أرصده لدَين".
ثمَّ مشى ومشيتُ معه، فقال:
"يا أبا ذر! ".
قلت: لبيكَ يا رسول اللهِ وسعديك! قال:
" [إِنَّ] الأكثرينَ هم الأقلونَ يوم القيامة"، ثمَّ قال:
"يا أبا ذرّ! لا تبرح حتّى آتيك".
ثمَّ أنطلق حتى توارى، فسمعتُ صوتًا فقلت: أنطلقُ؟ ثمَّ ذكرتُ قولَ النبيِّ ﷺ ؛ فلبثتُ حتّى جاء فقلتُ: يا رسول اللهِ! إنّي سمعتُ صوتًا فأردتُ أن آتيكَ، فذكرت قولك لي، فقال:
"ذاكَ جبريل؛ أتاني فأخبرني أنه من ماتَ من أمتي لا يشرك بالله شيئًا؛ دخلَ الجنة".
قلت: يا رسول اللهِ! وإن زنى وإن سَرَقَ؟! قال:
"وإن زَنى وإنْ سَرَقَ".
صحيح - "الصحيحة" (٨٢٦): ق - أبي ذر، خ - أَبي الدرداء، فليس على شرط "الزوائد".
стр. 97
٢ - باب ما يحرم دم العبد
١١ - ١١ - عن حميد بن هلال، قال:
أتاني أبو العالية وصاحب لي، فقال: هَلُمّا؛ فإنّكما أشبُّ شبابًا وأوعى للحديثِ منّي، فانطلقنا حتى أتينا بشر بن عاصم الليثي، قال أبو العالية: حدِّثْ هذين، قال بشر: حدثنا عقبة بن مالك - وكانَ من رهطه -، قال:
بعثَ رسول الله ﷺ سرية فغارت على قوم، فشذ من القوم رجل، واتَّبعه رجل من السرية ومعه السيف شاهرَه، فقال: إنّي مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله، فنمى الحديثُ إلى رسول الله ﷺ ، فقال فيه قولًا شديدًا، [فبلغ القاتلَ قال:] فبينا رسول اللهِ ﷺ يخطبُ؛ إذ قال [القاتل]: يا رسول اللهِ! والله ما قال الذي قال إلّا تعوّذًا من القتل! فأعرضَ عنه رسول اللهِ ﷺ وعمَّن قِبَلَه من الناس [وأَخذ في خطبته، قال: ثم عاد، فقال: يا رسول الله! ما قال الذي قال إِلَّا تعَوذًا من القتل! فأَعرض عنه رسول الله ﷺ وعمَّن قِبَلَه من النَّاس، فلم يصبر أن قال الثالثة، فأقبل عليه تُعرف المساءة في وجهه فقال:
"إنَّ الله حرَّمَ (١) عليَّ [أن] أقتل مؤمِنًا" (ثلاث مرات).
صحيح لغيره - التعليق على "الإحسان" (٧/ ٥٨٤ - ٥٨٧).
١٢ - ١٢ - عن عبد الله بن عدي:
أنَّ النبيَّ ﷺ بينما هو جالس بين ظهراني الناس؛ إذ جاءه رجل يستأذنه أن يُسارَّه، فأذنَ له، فسارّه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول اللهِ ﷺ
стр. 98
بكلامِه وقال:
"أليسَ يشهدُ أن لا إله إلّا الله؟! ".
قال: بلى يا رسول اللهِ، ولا شهادةَ له، قال:
"أليسَ يصلي؟! ".
قال: بلى يا رسول اللهِ! ولا صلاةَ له، فقال رسول اللهِ ﷺ :
"أولئكَ الذين نُهيت عن قتلِهم" (١).
صحيح - "مشكاة المصابيح" (٤٤٨١/ التحقيق الثاني).
١٣ - ١٣ - عن ابن عباس، قال:
مرَّ رجل من بني سُليم على نفر من أصحابِ رسول اللهِ ﷺ ؛ ومعه غنم، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلّم عليكم إلّا ليتعوذ منكم، فَعَدَوْا عليه فقتلوه، وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول اللهِ ﷺ ، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ إلى آخرِ الآية (٢).
حسن لغيره - التعليق على "الإحسان" (٧/ ١٢٢): ق ببعض اختصار.
١٤ - [٥٨٦٥ - عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتّى يشهدوا أَن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسول اللهِ، فإذا شهدوا أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمدًا رسول اللهِ، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلَّوا صلاتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم،
стр. 99
لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم"] (١).
صحيح - "الصحيحة" (٣٠٣)، "صحيح أبي داود" (٢٣٧٤): خ نحوه مختصراً دون: "الرسالة" وقوله: "لهم ما للمسلمين .. "، وهو عنده معلق.
٣ - باب بيعة النساء
١٥ - ١٤ - عن أُمَيْمَة بنت رُقيقة، أنها قالت:
أتيت رسول اللهِ ﷺ في نسوة نُبايعه، فقلن: نبايعك يا رسول الله! على أن لا نشركَ بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، قال رسول اللهِ ﷺ :
"فيما استطعتُنَّ وأطقْتُن (٢) ".
قالت: فقلت: الله ورسوله أَرحمُ بنا من أنفسنا، هلمَّ نبايعك يا رسول الله! فقال رسول اللهِ ﷺ :
"إنّي لا أصافحُ النساء، إنَّما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة؛ أَو مثل قولي لامرأَة واحدة".
стр. 100
صحيح - "الصحيحة" (٥٢٩).
٤ - باب في قواعد الدين
١٦ - ١٦ - عن يحيى بن يَعْمَر، قال:
قلتُ - يعني: لابن عمر -: يا أبا عبد الرحمن! إنَّ أَقوامًا يزعمونَ أنْ ليسَ قدر، قال: هل عندنا منهم أحد؟ قلت: لا، قال: فأبلغهم عنّي إذا لقيتهم أنَّ ابن عمر يبرأ إلى اللهِ منكم، وأنتم بُرَءَاءُ منه، حدثنا عمر بن الخطاب قال:
بينما نحن جلوس عند رسول اللهِ ﷺ في أناسٍ؛ إذ جاءه رجل - ليسَ عليه سيما (١) سفر، وليسَ من أهل البلدِ - يتخطّى، حتّى ورَّكَ فجلسَ بين يدي رسول اللهِ ﷺ ، فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال:
"الإسلامُ: أن تشهدَ أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمدًا رسول اللهِ، وأن تقيمَ الصلاةَ، وتؤتيَ الزكاة، وتحجَّ وتعتمرَ، وتغتسلَ من الجنابة، وأن تُتمَّ الوضوء، وتصومَ رمضان".
قال: فإذا فعلتُ ذلك فأنا مسلم؟ قال:
"نعم".
قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال:
"أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسلِه، وتؤمن بالجنة والنارِ والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيرِه وشرَّه".
стр. 101
قال: فإذا فعلتُ ذلك فأنا مؤمن؟ قال:
"نعم".
قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال:
"الإحسان: أن تعبدَ الله كأنّكَ تراه، فإنّك إن لا تراه فإنّه يراك".
قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال:
"نعم".
قال: صدقت، قال: فمتى الساعة؟ قال:
"سبحانَ الله! ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائلِ، ولكن إن شئتَ نبّأتُكَ عن أشراطِها".
قال: أجل، قال:
"إذا رأيتَ الحفاة العراة يتطاولونَ في البناء، وكانوا ملوكًا".
قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال:
"العُرَيْب"، قال:
"وإذا رأيت الأمَة تلد ربَّتها؛ فذاك من أَشراط الساعة".
قال: صدقت، ثمَّ نهض فولّى، فقال رسول اللهِ ﷺ :
"عليَّ بالرَّجل".
فطلبناه كلَّ مطلبٍ، فلم نقدر عليه، فقال رسول اللهِ ﷺ :
"أتدرونَ من هذا؟ هذا جبريل ﵇ أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده؛ ما شُبَّه عليَّ منذ أتاني قبل مرّتي هذه، وما عرفته حتّى ولّى".
стр. 102
(قلت): رواه مسلم باختصار.
صحيح - "الإرواء" (١/ ٣٤): م مختصراً دون جملة الحج .. والوضوء، والقدر، والملوك, والعُريب، ودون قوله: "خذوا عنه ... " إلخ (١).
١٧ - ١٨ - عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال:
"مَنْ آمنَ بالله ورُسُلِه، وأقامَ الصلاةَ، وصامَ رمضانَ؛ كانَ حقًّا على اللهِ أن يُدخله الجنّة، هاجر في سبيل الله، أو جلسَ حيث ولدته أمه".
صحيح لغيره - "الصحيحة" (٩٢١): خ. قلت: فما كانَ ينبغي أن يستدرَكه.
١٨ - ١٩ - عن عمرو بن مرّة الجهني، قال:
جاء رجل إلى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللهِ! أَرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول اللهِ، وصليتُ الصلواتِ الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا؟ قال:
"من الصديقين والشهداء".
صحيح - "التعليق الرغيب" (٣/ ٢٢١).
١٩ - ٢٠ - عن أبي أيوب، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"ما من عبد يعبدُ الله لا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصومُ رمضان، ويجتنب الكبائر؛ إلّا دخل الجنّة".
صحيح - "التعليق على الإحسان" (٥/ ١٠٢)، "الإرواء" (٥/ ٢٥).
стр. 103
٢٠ - ٢١ - عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ ، قال:
قلت: حدثني بعمل يدخلني الجنة؟ قال:
"بَخٍ بَخٍ! سألتَ عن أمر عظيم، وهو يسير لمن يسّره الله عليه: تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، ولا تشرك بالله شيئًا".
حسن صحيح - التعليق على "الإيمان" لابن أَبي شيبة (٢/ ٢ - ٣)، التعليق على "الإحسان" (١/ ٢١٨).
٢١ - ٢٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"أفضلُ الأعمالِ عند اللهِ تعالى: إيمان لا شكَّ فيه ... وحجّ مبرور".
صحيح لغيره - "الضعيفة" (٦٣٦٧)، التعليق على "الإحسان" (٧/ ٥٩) (١).
٥ - باب في الإسلام والإيمان
٢٢ - ٢٣ - عن علي، عن النبيَّ ﷺ ، قال:
"لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلّا الله، وأني رسول اللهِ، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر".
صحيح - "المشكاة" (١٠٤)، "ظلال الجنّة" (١٣٠).
٢٣ - ٢٤ - عن أبي بكرة، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "البذاء (٢) من الجفاء، والجفاء في النار، والحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة".
صحيح لغيره - "الصحيحة" (٤٩٥)، "الروض النضير" (٧٤٤).
стр. 104
٢٤ - ٢٥ - عن فضالة بن عبيد، قال: قال رسول الله ﷺ في حجّة الوداع:
"ألا أخبركم بالمؤمن؟! من أَمِنه الناسُ على أموالِهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانِه ويده، والمجاهد من جاهدَ نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب".
صحيح - "الصحيحة" (٥٤٩).
٢٥ - ٢٦ - عن أنس بن مالك، أنَّ رسول اللهِ ﷺ قال:
"المؤمنُ من أمنه الناس، والمسلمُ من سلم المسلمون من لسانِه ويده، والمهاجرُ من هجرَ السوء، والذي نفسي بيده؛ لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه".
صحيح - المصدر نفسه.
٢٦ - ٢٨ - عن معاوية بن حَيْدة القُشيري، أنّه قال:
يا رسول اللهِ! والذي بعثَكَ بالحقِّ ما أتيتُك حتّى حلفتُ - عدد أصابعي هذه - أن لا آتيك، فما الذي بعثك به؟ قال:
"الإسلام".
قال: وما الإسلامُ؟ قال:
"أن تُسلمَ قلبَك للهِ، وأن توجه وجهك للهِ، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة - أخوان نَصيران -، لا يقبل [الله] من عبد توبةً أشرك بعد إسلامِه".
صحيح بلفظ: "عملاً" مكان: "توبة" (١) - "الصحيحة" (٣٦٩)، "الإرواء" (٥/ ٣٢)،
стр. 105
"التعليق على الإحسان" (١/ ١٨٩).
٢٧ - ٢٩ - عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال:
"لا يبلغ العبد حقيقةَ الإيمانِ؛ حتّى يحبَّ للناسِ ما يحبُّ لنفسِه من الخير" (١).
صحيح - "الصحيحة" (٧٣). وهو في "الصحيحين" دون قولِه: "من الخير".
٢٨ - ٣٠ - عن أبي رَزين، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"مَثَلُ المؤمن مَثَلُ النحلة؛ لا تأكل إلّا طيبًا، ولا تضع إلا طيبًا".
صحيح لغيره - "الصحيحة" (٣٥٥).
٢٩ - [٢٢٩ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"إنَّ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"].
صحيح لغيره - "المشكاة" (٤٨٣٩ و ٤٨٤٠)، "الروض النضير" (٢٩٣، ٣٢١)، "تخريج الطحاوية" (٢٦٢/ ٢٦٨، ٣٠٢/ ٣٤٥).
٦ - باب في الموجبتين ومنازل الناس في الدنيا والآخرة
٣٠ - ٣١ - عن خُرَيم بن فاتِك الأسدي، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"الناسُ أربعة، والأعمالُ ستة: موجبتان، ومِثْلٌ بِمِثْلٍ، وحسنة بعشر أمثالها، وحسنة بسبع مئة ضعف.
стр. 106
والناسُ: موسَّع عليه في الدنيا والآخرة.
وموسع عليه في الدنيا، مقتور عليه في الآخرة.
ومقتور عليه في الدنيا، موسع عليه في الآخرة.
ومقتور عليه في الدنيا والآخرة، وشقي في الدنيا، وشقي في الآخرة.
والموجبتان: من قال: لا إله إلا الله - أو قال: مؤمنًا باللهِ - دخل الجنّة، ومن ماتَ وهو يشرك بالله دخل النار.
ومن همَّ بحسنة فعملها؛ كتبت له عشر أمثالِها، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها؛ كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها؛ كتبت له حسنة (١)، ومن همَّ بسيئة فعملها؛ كتبت له سيئة واحدة غير مُضَعَّفة، ومن أنفقَ نفقة فاضلة في سبيل الله؛ فسبعمائة ضعف".
صحيح - "الصحيحة" (٢٦٠٤).
٧ - باب ما جاء في الوحي والإسراء
٣١ - ٣٢ - عن عبد الله [هو ابن مسعود]، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"إنَّ اللهَ إذا تكلَّمَ بالوحي؛ سمع أهلُ السماء لِلسماء صلصلةً كجرِّ السلسة على الصفا، فيصْعَقُونَ، فلا يزالونَ كذلكَ حتى يأتيَهم جبريل، فإذا جاءهم فُزَّعَ عن قلوبِهم فيقولونَ: يا جبريل! ماذا قال ربّك؟ فيقول: الحقَّ، فينادون: الحقَّ الحقَّ".
صحيح - "الصحيحة" (١٢٩٣): خ موقوفًا، ومرفوعًا عن أبي هريرة.
стр. 107
٣٢ - ٣٣ - عن زِر بن حُبيش، قال:
أتيتُ حذيفة فقال: من أنتَ يا أصلع؟! قلت: أنا زر بن حبيش، حَدِّثني بصلاة رسول اللهِ ﷺ في بيت المقدس حين أُسري به، قال: من أخبركَ يا أصلع؟! قلت: القرآن، قال: القرآن؟ فقرأت: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ من الليل، وهكذا هي قراءة عبد الله إلى قولِه: ﴿إنّه هو السميعُ البصير﴾، فقال: فهل تراه صلّى فيه؟ قلت: لا، قال:
إنّه أتِيَ بدابة - قال حماد وصفها عاصم، لا أحفظُ صفتها - قالَ: فحمله عليها جبريل، أحدهما رديف صاحبِه، فانطلق معه [من] ليلته، حتى أتى بيتَ المقدس، فأري ما في السماواتِ وما في الأرض، ثمَّ رجعا عودهما على بدئهما، فلم يصلّ فيه، ولو صلّى فيه لكانت سنة.
حسن - "الصحيحة" (٨٧٤)، لكن قوله: "فلم يصل ... " إلخ خطأ (١).
٣٣ - ٣٤ - عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
"ليلةَ أُسريَ بي انتهيتُ إلى بيت المقدس، فَخرَقَ جبريل الصخرة بإصبعِه، وشدَّ بها البراق".
صحيح - "المشكاة" (٥٩٢١/ التحقيق الثاني).
٣٤ - ٣٥ - عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"رأيتُ ليلة أُسريَ بي رجالًا تُقرضُ شفاههم بمقاريضَ من النارِ، فقلت: من هؤلاءِ يا جبريل؟! فقال: الخطباءُ من أمتك؛ الذين يأمرونَ الناسَ بالبرَّ وينسونَ أنفسهم وهم يتلونَ الكتابَ؛ أفلا يعقلونَ؟! ".
стр. 108
صحيح - "الصحيحة" (٢٩١).
٨/ ١ - باب في الرؤية
٣٥ - ٣٨ - عن ابن عباس، قال:
قد رأى محمد ﷺ ربّه (١).
حسن صحيح - "المشكاة" (٥٦٦٠/ التحقيق الثاني)، "الظلال" (٤٣٣ - ٤٤٠).
٣٦ - ٣٩ - عن أبي رزين العقيلي، قال:
قلت: يا رسول الله! هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال:
"هل ترونَ ليلة البدر القمرَ أو الشمس بغير سحابٍ؟ ".
قالوا: نعم، قال:
"فالله أعظم" (٢).
صحيح لغيره - "الظلال" (٤٥٩).
[٨/ ٢ - باب في الصفات]
٣٧ - [٢٦٥ - عن أبي هريرة:
أنَّه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]:
رأيتُ النبيَّ ﷺ يضعُ إبهامَه على أذنِه، وإصبعَه الدعاء على عينه].
صحيح - "الصحيحة" تحت الحديث (٣٠٨١).
٩ - باب إنَّ للمَلَكِ لمّة، وللشيطان لمّة
٣٨ - ٤٠ - عن عبد الله [هو ابن مسعودٍ]، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
стр. 109
"إنَّ للشيطانِ لَمَّةً، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشيطانِ؛ فإيعاد بالشرِّ وتكذيب بالحقِّ، وأما لمّة المَلك؛ فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ، فمن وجدَ ذلك؛ فليحمد الله، ومن وجد الآخر؛ فليتعوذ من الشيطانِ"، ثمَّ قرأ: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ...﴾ الآية.
صحيح لغيره - "المشكاة" (١/ ٢٧/ ٧٤/ التحقيق الثاني)، "النصيحة ... " (رقم ٣٤).
١٠ - باب ما جاء في الوسوسة
٣٩ - ٤١ - عن عائشة، قالت: قال رسول اللهِ ﷺ :
"لن يدع الشيطان أن يأتيَ أحدَكم فيقول: من خلقَ السماوات والأرض؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلقَكَ؟ فيقول: الله، فيقول: من خلقَ الله؟ فإذا أحسَّ أحدكم بذلك؛ فليقل: آمنت باللهِ وبرُسُله".
صحيح - "الصحيحة" (١١٦).
٤٠ - ٤٢ و ٤٣ - عن أبي هريرة، قال:
قال رجل: يا رسول اللهِ! إنّا لنجد في أنفسنا شيئًا ما نحبُّ أن نتكلَّمَ به، وأنَّ لنا ما طلعت عليه الشمس (وفي طريق: لأن يكونَ أحدنا حُمَمَة (١) أحبُّ إليه من أن يتكلَّمَ به)؟! فقال رسول الله ﷺ :
"قد وجدتم ذلك؟ ".
قالوا: نعم، قال:
"ذاك صريح (وفي الطريق الأُخرى: محض) الإيمان".
حسن صحيح - "الظلال" (٦٥٥ و ٦٥٦ و ٦٦٢)، وهو في (م) من طريق آخر نحوه.
стр. 110
٤١ - ٤٥ و ٤٦ - عن ابن عباس:
أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللهِ إنّي لأجد في صدري الشيء؛ لأن أكون حممة أحبّ إلى من أن أتكلَّمَ به؟! فقال رسول اللهِ ﷺ :
"الله أكبر، [اللهُ أَكبر] (١)! الحمد لله الذي ردَّ أمره إلى الوسوسة".
حسن صحيح - "الظلال" (٦٥٨).
١١ - باب فيما يخالف كمال الإيمان
٤٢ - ٤٧ - عن أنس بن مالك، قال:
خطبنا رسول اللهِ ﷺ فقال في خطبته:
"لا إيمانَ لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (٢).
صحيح لغيره - "تخريج الإيمان" (رقم: ٧)، "المشكاة" (٣٥)، "الروض النضير" (٥٦٩).
٤٣ - ٤٨ - عن عبد الله [هو ابن مسعود]، قال: قال رسول اللهِ ﷺ :
"ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا البذيء، ولا الفاحش".
حسن صحيح - "الصحيحة" (٣٢٠).