← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فِي الثَّانِي فَلا يَتَعَجَّلُ لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها من أجل رمي النهار، فإذا غربت الشمس فكأنه التزم رمي اليوم الثالث، ولأنه لا يصدق عليه أنه تعجل في يومين. قال في النوادر: ومن الموازية: فإذا جاوز العقبة ثم غربت الشمس فلا شيء عليه، وإن شاء طاف ليلاً وانصرف، ومن أفاض وليس شأنه التعجيل فبدا له بمكة أن ينفر فذلك له ما لم تغرب عليه الشمس بمكة، فإن غابت فليقم حتى يرمي من الغد، ولو رجع إلى منى ثم بدا له قبل الغروب أن يتعجل فذلك له وهي له وهي السنة. ومنه ومن العتبية ابن القاسم عن مالك: ومن تعجل فأتى فأفاض وانصرف وكان ممره على منى فلم ينفر عن منى حتى غابت الشمس فلينفر ولا يضره. قال في كتاب محمد: وكذلك لو لم يكن ممره، إلا أنه نسي بها شيئاً فرجع به فغابت عليه الشمس فيها فلينفر ولا يضره انتهى. وَأُرَخِّصُ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَنْصَرِفُوا بَعْدَ جَمْرَةِ يَوْمِ النَّحْرِ وَيَاتُونَ ثَالِثَةً فَيَرْمُونَ لِلْيَوْمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيَرْمُونَ بِاللَّيْلِ .... يعنى: ويجوز لرعاة الإبل إذا رموا جمرة العقبة أن يخرجوا عن منى إلى رعيهم، ويقيمون ليلتهم وغدوهم، ثم يأتون من الغد في اليوم الثالث من يوم النحر، فيرمون لليوم الذي مضى وليومهم الذي هم فيه ثم يتعجلون إن شاءوا أو يقيمون. وقال محمد ابن المواز: ويجوز لهم ذلك ويجوز لهم أن يأتوا ليلاً ويرمون ما فاتهم ذلك. وَلِلرَّمْيِ وَقْْتُ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ وَفَوَاتٍ، فَأَدَاءُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ لا أَدَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ رَمَى قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَأَفْضَلُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ ..... مراده بـ (أَدَاءٍ) ما له أن يؤخره فيه ولا يلزمه دم، وبـ (القضاء) ما لا يجوز له التأخير إليه، وإن فعل فعليه دم، وبـ (الفوات) ما لا يرمي فيه بوجه. وفي جعل الفوات وقتاً للرمي نظر.

стр. 1122

وقوله: (فأداء جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى الغروب) ظاهر (والليل قضاء على المشهور) فيلزم الدم. والقولان في المدونة. والمشهور هو اختيار ابن القاسم. ابن يونس: ولم يختلف قول مالك فيمن ترك جمرة العقبة إلى الليل أن عليه الدم، وإنما اختلف قوله إذا ترك بعضها وقاله غير واحد من القرويين. وقال بعضهم: يدخله الاحتلاف. والأول أبين. وأما يوم ثاني النحر فسواء ترك جمرة واحدة أو الثلاث أن اختلاف قول مالك هل يدخله في وجوب الدم عليه أو لا؟ وهو في الأمهات بين. ووقع في بعض المختصرات إنما اختلف قول مالك في ترك جمرة واحدة فقط انتهى. وقوله: (وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) أي: لا فرق بينهم وبين الرجل. وقوله: (وَأَفْضَلُهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوّالِ) ابن عبد البر: أجمعوا أن وقت الاختيار في جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها وأنه إن رماها قبل الغروب فلا شيء عليه، إلا أن مالكاً قال: يستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يهرق دماً يجيء به من الحل. ابن عبد السلام: ولا يريد بقوله: أمسى ما بعد الغروب بل العَشِي، وذلك لأنه أعقبة بقوله: واختلفوا إذا رماها بعدما غابت الشمس. ووقع لابن القاسم في العتبية: إذا زالت الشمس يوم النحر فقد فات الرمي إلا لمريض أو ناس، وهو محمول على فوات وقت الفضيلة. وَأَمَّا غَيْرُهَا فَمِنَ الزَّوَالِ إِلَى الْغُرُوبِ، فِي اللَّيْلِ الْقَوْلانِ وَأَفْضَلُهُ عَقِبَ الزَّوَال تصوره ظاهر. و (ال) في القولين راجعة إلى أنه في الليل هل هو قضاء أو لا؟ وقوله: (عَقِبَ الزَّوَالِ) أي: قبل صلاة الظهر، قاله في الموازية والواضحة. ابن المواز: ولو رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه. زاد في الواضحة: وقد أساء.

стр. 1123

وَالْقَضَاءُ فِي الْجَمِيعِ إِلَى آخِرِ الرَّابِعِ، وَإِلا فَاتَ وَلا قَضَاءَ لِلرَّابِعِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَضَاءُ كُلِّ يَوْمٍ ثَانِيَةٌ ..... يعني: أن من ترك جمرة أو أكثر سواء كانت جمرة العقبة أو غيرها حتى خرج وقتها- قضاها بعد ذلك أن تغرب الشمس من اليوم الرابع. وإن لم يقض حتى غربت الشمس من الرابع فقد فات القضاء. وهذا معنى قوله: (وَإِلا فَاتَ) وهذا هو المشهور. وقال أبو مصعب: من نسي جمرة رماها متى ما ذكر كمن نسي صلاة. وعلى قوله فإنما يكون للرمي وقتان؛ وقت أداء ووقت قضاء. وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ: قَضَاءُ كُلِّ يَوْمٍ ثَانِيَةٌ) ووقع هكذا في بعض النسخ بنون وياء بعد الألف، وفي بعضها: (تالية) بلام وياء بعد الألف. ونقل ابن الأنباري أنهما بمعنى واحد. ابن عبد السلام: وفيه نظر يمنع من ذكره عدم وجود هذا الكلام في المنتقى تصريحاً أو تلويحاً وكذلك قال ابن هارون: أنه لم يره، وإنما حكى الباجي في المنتقى المشهور، ولعله اطلع عليه في غير المنتقى. خليل: ويمكن أن يكون النظر الذي أشار إليه ابن عبد السلام هو أنه باللام يكون المراد الليل لتلوه اليوم، وبالنون اليوم الآتي بعد يوم الفوات والله أعلم. فَمَتَىَ بَدَأَ بِالْحَاضِرَةِ أَتَى بِالْمَنْسِيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا، وَأَعَادَهَا، وَلا يُعِيدُ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الصَّلاةِ .... مثاله: لو نسي الجمرة الأولى في ثاني النحر ورمى اليوم الثالث واليوم الرابع، فإنه يأتي بالمنسية والجمرتين اللتين في يومها (وَأَعَادَهَا) أي: المفعولة في اليوم الرابع (ولم يعد ما بينهما) أي: بين المنسية [١٩٥/أ] والحاضرة، وهى جمار اليوم الثالث لخروج وقته. ومثاله في الصلاة لو نسي الصبح، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر الصبح، فإنه يصلي الصبح، ويعيد المغرب والعشاء؛ لبقاء وقتهما، ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما، وفي قوله: (فِي يَوْمِهَا) فائدة؛ لأنه لو اقتصر على قوله: (وَمَا بَعْدَهَا) لتوهم في

стр. 1124

المثال المفروض أنه يعيد جمرات اليوم الثالث. وعلى هذا فقوله: (وَلا يُعِيدُ مَا بَيْنَهُمَا) يجري مجرى البيان، لقوله: (فِي يَوْمِهَا) والضمير في (بَعْدَهَا) وفي (يَوْمِهَا) عائد على (المنسية) والضمير في (أَعَادَهَا) عائد على الحاضرة. والإشارة بقوله: (كَمَا فِي الصَّلاةِ) إلى مجموع شيئين إعادة الحاضرة وعدم إعادة ما بينهما. وما ذكره من عدم إعادة رمي اليوم الثالث هو المشهور. وفي الجواهر قول أنه لا يعيد. فإن قلت: لِمَ يُعِيدُ ما بعد المنسية من يومها والفرض أنه مفعول قد خرج وقته، ألا ترى أنه لا يعيد في الصلاة ما فعله بعد المنسية من ذلك اليوم إذا خرج وقته؟! فالجواب أن هذا مبني على وجوب الترتيب في رمي الجمار مطلقاً، ولو كان الإخلال به على سبيل السهو. التونسي: وانظر إذا نسي حصاتين من الأولى فذكر من الغد وقد رمى ولم يكن للغروب إلا اليسير، فرمى الحصاتين ورمى الثانية والثالثة ولم يبق من النهار ما يعيد فيه من رمي يومه هذا إلا جمرة واحدة يجعلها الأخيرة وهي العقبة لتأكدها أو يكون لمَّا أدرك بعض الوقت صار كأنه مدرك لجميعها، إذا قدرنا أن الجمار كلها كجمرة واحدة، كمن صلى ما فاته وبقي له قدر ركعة أنه يقضي العصر كلها، أو يقال: لا يلزمه شيء؛ لأنه لما لم يدرك الجمار الثلاث قبل غروب الشمس أشبه ما لو ذكر ذلك بعد الغروب، إذ الرمي لا يكون في هذا المعنى بالليل، فانظر في ذلك. فائدة: قد تقدم أن للرمي ثلاثة أوقات. ويزاد على ذلك رابع، وهو وقت استدراك لحصول الترتيب وهو ما نحن فيه. وَإِذَا نَسِيَ الأُولَى أَوِ الْوُسْطَى أَعَادَ مَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَشْهُور يعني: إن نسي الجمرة الأولى أو الوسطى فالمشهور أنه يأتي بما نسيه ويعيد ما بعده. وتبع المصنف في ذكر القولين وتعيين المشهور، ابن بشير قال: وسبب الخلاف هل

стр. 1125

الترتيب من باب الأولى أو من باب الأوجب؟ وعلى هذا فيتفق على الأمر بالإعادة، وإنما يختلف هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ وهكذا قال ابن راشد. وهذا الفرع محمول على ما إذا ذكر في يوم الجمرة المنسية؛ لأنه قد تقدم الكلام على ما إذا خرج الوقت ولأنه فرض هذا الفرع في الجواهر كذلك. خليل: ولم أر في ابن يونس واللخمي والبيان إلا وجوب الإعادة، وهو مبني على وجوب الترتيب في الجمار. واقتصر الباجي على وجوب الترتيب، فقال: الترتيب بين الجمار واجب كركعات الصلاة. فَلَوْ كَانَتْ حَصَاةً لم يَكْتَفِ بِرَمْيِ حَصَاةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَالِثُهَا إِنْ كَانَ في يَوْمِ الْقَضَاء اكْتَفَى .... أي: فلو كان المنسي حصاه من إحدى الثلاث، وقد ذكر من يومه أو من الغد لم يكتف برمي حصاة على المشهور بل لابد من إعادة الجمرات كلها. وقيل: يكتفي برمي حصاة، ويعتد بست في الجمرة الأولى بناءً على أن الفور في الجمرة واجب أو مستحب. وذكر المصنف أن المشهور عدم الاكتفاء، وفيه نظر، وقد صرح الباجي وابن بشير بأن الاكتفاء هو المشهور، وكذلك قال ابن راشد وغيره، وبه صرح في الجواهر. قوله في القول الثالث: (إِنْ كَانَ في يَوْمِ الْقَضَاء اكْتَفَى) عكس المنقول، وممن نقل العكس الباجي وابن بشير وابن شاس وابن راشد، وابن عبد السلام. ووقع في بعض النسخ: (إن كان يوم القضاء لم يكتف) وهو الصواب، وهو قول ابن القاسم في المدونة. ووجهه أنه لو قيل بالاكتفاء في يوم القضاء يلزم أن يكون بعض الجمرة أداء وبعضها قضاء، بخلاف يوم الأداء. فإذا تقرر هذا علمت أن الترتيب والفور هنا على العكس من الوضوء؛ لأن الترتيب هنا واجب والفور ليس بواجب والله أعلم.

стр. 1126

وَعَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ مَوْضِعَهَا أَعَادَ جَمَرَاتِ الْيَوْمِ كُلَّهَا إِلا الأُولَى، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ حَصَاةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: وَالأُولَى .... يعني: أن من ترك حصاة ينقسم إلى قسمين، الأول: أن يذكر من أي جمرة هي، وقد تقدم حكمه. والثاني: أن لا يعرف من أي جمرة هي، والكلام الآن فيه، والقولان في المدونة ونصها: قال ابن القاسم: وإن ذكر أنه نسي حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة، فقال مالك: يرمي الأولى بحصاة ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع سبع، وبه أقول. ثم قال: يرمي كل جمرة بسبع سبع انتهي. وما شهره المصنف هنا صحيح. وقد صرح الباجي وغيره بمشهوريته. وهو يخالف ما شهره المصنف في الفرع السابق. ابن بشير: وتردد اللخمي هل يجري هذان القولان في المسألة الأولى إذا علم موضعها أو لا؟ وهو مقتضى الكتاب. والفرق أنه إذا علم الموضع قصد بتلك الحصاة سد ذلك الموضع. وأما إذا لم يعلم لم تحصل له صورة يعول فيها على الترتيب فأعاد الجميع انتهى. خليل: وفيه نظر، والظاهر أن لا فرق في ذلك؛ لأنه إذا رمى الأولى بحصاة، فإن كانت منها فقد حصل له ما يعول عليه في الترتيب، وإن لم تكن منها فالأولى تامة لا خلل فيها قاله ابن راشد. فرعان: الأول: قال الأبهري: ومثل هذا الفرع من بقيت في يده حصاة لا يدري موضعها. الثاني: وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه إن رمى الأخيرة، ثم الوسطى، ثم الاولى أعاد الوسطى ثم الأخيرة، ولو رمى الأولى ثم الأخيرة [١٩٥/ب] ثم الوسطى أعاد الأخيرة. التونسي: لم يضره تفرقته بين الأولى والثانية بما فعل من رمي الأخيرة؛ لأنه يتصل عمله برمي الثانية بعد الأولى لإدخاله بينهما الثالثة. فانظر هل تكون تفرقته بين الأولى والثانية

стр. 1127

كتفرقته بين عمل الأولى إذا رمى بعض الثانية قبل تمام الأولى، على القول الذي يقول في هذا أنه يبتدئ لدخوله في الثانية قبل تمام الأولى انتهى. ابن يونس: قال ابن المواز: وإن رمى الجمار كلها، بحصاة حصاة كل جمرة حتى أتمها بسبع سبع فليرم الثاينة بست ثم الثالثة بسبع انتهى؛ لأن الأولى صحت، ولأن التفريق الواقع بين حصياتها يسير، وصح من الثانية واحدة وهي الأخيرة التي رماها بعد تمام الأولى، وأبطل الست لوقوعها قبل تمام الأولى وكذلك أبطل الثالثة كلها لوقوعها قبل كمال الثانية، والترتيب بين الثلاث شرط ولم يحصل. وَفِيهَا: وَلَوْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ ثُمَّ ذَكَرَ فِي يَوْمِهِ اعْتُدَّ بِالْخَمْسِ الأُوَلِ خَاصَّةً وَكَمَّلَ وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ .... وهذا مما يدل على أن المشهور في المسألة المتقدمة وهي قوله: (فلو كانت حصاة لم يكتف برمي حصاة) غير ما شهره المصنف. وقوله: (فِي يَوْمِهِ) احترازاً من خروجه، فإنه يلزمه حينئذ. وقوله: (اعْتُدَّ بِالْخَمْسِ) أي: فيكمل تلك الجمرة بحصاتين ثم يأتي بالجمرتين بعد ذلك، وما ذكره في المدونة مبني على سقوط الفور، وبالجملة فهذا الفرع مشارك للفرع المتقدم، فليجر عليه والله أعلم. وَلَوْ رَمَى كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ سَبْعٍ- عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ- أَجْزَأَه يعني: إذا رمى عنه بسبع، ثم رمى عن صبي بسبع، أو بالعكس، ثم فعل في الجمرتين الأخيرتين هكذا، فإن ذلك يجزئه، هكذا قاله عبد الملك، قال: وقد أساء. ولو رمى رمياً واحداً عنه وعن الصبي فذكر سند أنه يختلف إذا رمى إنسان عنه وعن مريض هل يجزئ عن نفسه، وعن المرمي عنه، أو لا يجزئ عن واحد منهما؟

стр. 1128

خليل: ولعله أشار إلى تخريج هذا على الخلاف فيمن طاف بصبي ينوي به عنه وعن الصبي، وأشار غيره إلى أنه لا يدخله الخلاف الذي في الطائف عنه وعن الصبي، قال: لأنهما هناك طافا معاً أحدهما محمول والآخر بنفسه، وأما هنا فقد وجب عليهما سبعاً سبعاً، لِكُلٍ جمرة، فلما اشتركا في فعل واحد بطل، وقد اقتصر في الجلاب على أنه لا يجزئ عن الرامي ولا عن المرمي عنه. وَلَوْ كَانَتْ حَصَاةً حَصَاةً عَلَى الْمَشْهُور يعني: أن المشهور الإجزاء. ولو رمى عنه حصاة ثم عن الصبي. حصاة، وكذلك إلى الآخر. والشاذ لابن القاسم وهو خاص بالصورة الثانية. قال: ويعتمد بحصاة من الأولى. ابن يونس: وقوله غير صحيح؛ لأنه تفريق يسير انتهى. وقول ابن المواز المتقدم فيما إذا رمى الجمرات الثلاث بحصاة حصاة قريب من المشهور والله أعلم. وَفِي تَرْكِ الْجَمِيعِ أَوْ جَمْرَةٍ أَوْ حَصَاةٍ هَدْيٌ ابن عبد السلام: ما قاله المؤلف من لزوم الهدي هو ظاهر المذهب. وحكى ابن المواز عن مالك فيمن ذكر بعد أيام منى- ذبح شاة، فإن ذكر جمرة ذبح بقرة. محمد: وإن كانت الجمار كلها فبدنة انتهى. ولفظ المدونة: وإن ترك رمي جمرة أو الجمار حتى مضت أيام منى فحجه تام وعليه بدنه، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام. وأما في حصاة فعليه دم انتهى. وعلى ما قاله ابن عبد السلام يكون كلامه في المدونة محمول على الأول. وقال عبد الملك فيمن ترك حصاة إلى ست فشاة، وإن كانت سبعاً فهو كالجميع فعليه بدنه.

стр. 1129

فرع: ولا يبطل الحج بفوات شيء من الجمار. وقال عبد الملك: من ترك رمي جمرة العقبة أول يوم ورماها من الليل أو من الغد بغير نية لقضاء ما نسي –فإنه يجزئه، وإن لم يرمها في شيء من أيام الرمي، بطل حجه، وخالف في ذلك أصحابه. وقال عنه ابن حبيب: إن لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فعليه دم ويرميها في ليلته، وإن ذكرها في اليوم الثاني أو قبل انقضاء أيام منى رماها وعليه بدنة، فإن لم يذكر حتى زالت أيام منى بطل حجه. وَيَجِبُ الدَّمُ مَعَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ابن شاس: ولا خلاف في وجوب الدم مع فوات القضاء، ولا في سقوطه مع الأداء، ويختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء انتهى. والقولان لمالك. وحكى الباجي وغيره قولين آخرين؛ أحدهما: التفرقة فإن ذكر قبل النفر فرمى فلا دم عليه، وإن ذكر بعد النفر رجع فرمى وعليه دم، قاله ابن حبيب. والثاني: إن تعمد ذلك فعليه الدم، وإن كان ناسيا فلا دم، قاله ابن وهب. وَلِلْحَجِّ تَحَلُّلانِ أَحَدُهُمَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالصِّيْدَ، وَيُكْرَهُ الطِّيبُ فَلَوْ تَطَيَّبَ فَلا فِدْيَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ .... يعني: أن للحج تحللين أصغر وأكبر. فالأصغر رمي جمرة العقبة، ويتحلل به إلا من النساء والصيد والطيب لكن يجتنب الأولين على الوجوب، وأما الطيب ففي المدونة: وأكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه. ومقابل المشهور بوجوب الفدية إنما يتحقق إذا كان المنع منه على جهة التحريم. قال في المدونة: فإذا رمى جمرة العقبة فبدأ فقلم أظفاره وأخذ من لحيته أو شاربه واستحد أو طلى

стр. 1130

بالنورة قبل حلق رأسه فلا بأس بذلك، ويستحب له إذا حل من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إيجاب، وفعله ابن عمر انتهى. [١٩٦ / أ] وَالْحِلاقُ أَوِ التَّقْصِيرُ تَحَلُّلِّ وَنُسُكٌ يعني: أن الحلاق والتقصير يجمع أمرين، وهما النسك والتحليل. ومعنى كونه نسكاً أنه عباده يطلب إيقاعها في الحج، ويظهر كونه نسكاً بما قاله مالك فيمن لم يقدر على حلق رأسه ولا على التقصير من وجع به فعليه هدي بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام، ويظهر كونه تحللا بأنه لا يجوز الوطء قبله، ولو بعد طواف الإفاضة. وَالْحَلْقُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنىً أَفْضَلُ وَلَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى بَلَغَ بَلَدَهُ حَلَقَ وَأَهْدَى لا إشكال أن الحلق بمنى يوم النحر أفضل. وفي أبي داود أنه عليه الصلاة والصلاة رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح ثم دعا بالحلاق. وكلام المصنف هنا كقوله في المدونة: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي وأفضل، وإن حلق بمكة في أيام التشريق أو بعدها، أو حلق في الحل أيام منى فلا شيء عليه. فإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسياً حلق أو قصر وأهدى انتهى. التونسي: وقوله: فإن أخر ذلك حتى بلغ بلده فعليه دم. يريد أو طال ذلك. وقيل: إن خرجت أيام منى ولم يحلق فعليه هدي. ابن يونس: وقال أشهب: إن حلق في أيام الرمي فلا شيء عليه، وإن حلق بعدها أحببت له أن يهدي. فإن قلت: هل يقيد وجوب الدم بما إذا أخره إلى الحرم كطواف الإفاضة؟ قيل: لا؛ لأن الباجي نقل عن ابن القاسم ما بنفي هذا التقييد، ولفظه: قال ابن القاسم: إذا تباعد ذلك بعد الإفاضة أهدى. وليس لذلك حد، وإن ذكر هو بمكة قبل أن يفيض فليرجع حتى يحلق ثم يفيض.

стр. 1131

فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ فِعْلِهِ أَهْدَى بِخِلافِ الصَّيْدِ يعني: فإن وطئ قبل الحلاق فعليه هدي ولو طاف طواف الإفاضة. وقوله: (بِخِلافِ الصَّيْدِ) يعني: بخلاف ما لو قتل صيداً بعد الإفاضة، وقبل الحلق، فإنه لا يجب عليه جزاؤه؛ لأن تأخير الحلاق لا يمنع من قتل الصيد. وَالآخَرُ بِطَوَافِ الإِفَاضَةِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ إِنْ حَلَقَ يعني: والتحلل الثاني يكون بطواف الإفاضة، ويحل له ما بقي وهو النساء والصيد والطيب، ولا يضر بقاء الجمار والمبيت اتفاقاً. وقوله: (إن حلق) ظاهر، وقد تقدم. فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ بِخِلافِ الصِّيْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ قوله: (بِخِلافِ الصِّيْدِ) أي: فلا جزاء فيه إذا أصابه قبل الحلق. والشاذ في الجزاء. فإن قلت: ظاهر ما حكاه أولاً أنه لا جزاء في الصيد اتفاقاً وحكى هنا الخلاف، فالجواب: قال ابن رشد: حسن الخلاف هنا لبقاء أيام الرمي وهي محل للخلاف، وهناك قد خرجت أيام الرمي، فصار في حكم القضاء فضعف لذلك. ولا يَتِمُّ نُسُكُ الْحَلْقِ إِلا بِجَمِيعِ الرَّاسِ عَلَى المَشْهُورِ لفعله ﵊ سند: والخلاف في استيعاب الرأس حلقاً كالخلاف في استيعابه مسحاً في الوضوء. وَالتَّقْصِيرُ يُجْزِئُ وَهُوَ السُّنَّةُ لِلْمَرأَةِ، وَسُنَّتُهُ فِي الرَّجُلِ أَنْ يَجُزَّ مِنْ قُرْبِ أُصُولِهِ، وَأَقَلَّهُ أَنْ يَاخُذَ مِنْ جَمِيعِ الشَّعَرِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ فَكَالْعَدَمِ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: أن الحلاق للرجل أفضل، ويكفيه التقصير. والمرأة سُنَتُهَا التقصير ويكره لها الحلاق، هكذا حكى البلنسي في شرح الرسالة. وحكى اللخمي أن الحلق للمرأة ممنوع؛ لأنه مُثلَة لها. أما الصغيرة فيجوز لها الحق والتقصير.

стр. 1132

اللخمي: وكذلك الكبيرة إذا كان برأسها أذى والحلاق صلاح لها. وقوله: (وَسُنَّتُهُ فِي الرَّجُلِ أَنْ يَجُزَّ مِنْ قُرْبِ أُصُولِهِ) كذا نص عليه مالك في الموازية؛ لأن فيها: قال مالك: ليس تقصير الرجل أن يأخذ من طرف شعره، ولكن أن يجز جزاً، وليس مثل المرأة، وإن لم يجزه وأخذ منه فقد أخطأ ويجزئه. الأبهري: ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس كذلك بأن يأخذ اليسير من شعر رأسه. الباجي: وفيه نظر؛ وذلك لأنه منع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة يقع عليه اسم التقصير ولو كان الذي يأخذه من أطراف شعره لا يقع عليه اسم التقصير لم يجزه، وقد قال مالك إنه يجزئه، وإنما أراد المبالغة في ذلك على وجه الاستحباب. انتهى. وظاهر قوله في المدونة: وإذا قصر الرجل فليأخذ من جميع شعر رأسه، وما أخذ من ذلك أجزأه خلاف ما في الموازنة. وقد صرح التونسي وابن يونس بأن ما في الموازنة مخالف لما في المدونة، وكلام المصنف ظاهر في موافقة الموازية. قوله: (فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ فَكَالْعَدَمِ عَلَى الْمَشْهُورِ) ابن عبد السلام وابن هارون: القول بالإجزاء لم نجده منصوصاً. وقد تقدم قول سند أن الخلاف في استيعاب الرأس حلقاً، كالخلاف في استيعابه مسحاً في الوضوء، وهذا يحتمل التخريج والنص. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ؛ لِتَصْمِيغٍ أَوْ يَسَارَةٍ أَوْ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْحَلْقِ أي: فإن لم يمكن التقصير؛ لتصميغ– وهو أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام – أو لقصر الشعر جداً، أو عدم الشعر تعين الحلق، بأن يمر الموسى على رأسه. قال في المدونة: ومن ضفر أو عقص أو لبد فعليه الحلاق. التونسي: الحلاق على هؤلاء واجب. وفي قوله المصنف: (إن لم يمكن لتصميغ نظر) لإمكان أن يغسله ثم

стр. 1133

يقصر، وإنما علل علماؤنا تعين الحلاق في حق هؤلاء بالسنة. ويحقق لك ذلك أن المرأة لو لبدت فليس عليها إلا التقصير، قاله في الموازية. وَقَالَ فِي الْمَرأَةِ تَاخُذُ قَدْرِ الأُنْمُلَةِ أَوْ فَوْقَهَا، أَوْ دُونَهَا قَلِيلاً هكذا رواه ابن حبيب عن مالك. وَالنُّورَةُ تُجْزِئُ، وَقِيلَ لا هذا هو مذهب المدونة. وقال أشهب: لا تجزئ؛ لأن المحل محل تعبد، فيقتصر فيه على ما ورد واختاره اللخمي. تنبيه: قال مالك في الموازية في صفة الحلاق: والشأن [١٩٦ / ب] أن يغسل رأسه بالخطمي والغاسول، وكره ابن القاسم ذلك للمعتمر، وليس بخلاف؛ لأن الحاج قد تحلل بالرمي والمعتمر لم يحصل له تحلل. ابن حبيب: وإذا بدأ باليمين، ويبلغ الحلاق –يريد: وبالتقصير – إلى عظم الصدغين، منتهى طرف اللحية. ابن راشد: وفيه نظر؛ لأنه من ناحية الخلع. وَمَنْ رَجَعَ مِنْ مِنىً نَزَلَ بِأَبْطَحِ مَكَّةَ حَيْثُ الْمَقْبَرَةُ فَيُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَوَسَّعَ مَالِكٌ لِمَنْ لا يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ، وَكَانَ يُفْتِي بِه سِرّاً قال مالك: إذا رجع الناس نزلوا الأبطح فصلوا به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قيل: هو مستحب عند جميع العلماء. ونقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ أنه قال: اختلف قول مالك في التحصيب هل هو مشروع أم لا؟ وينبني على ذلك هل يقصر الصلاة به أو يتم؟ انتهى. ويقال له أيضاً: المحصب. وفي مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "نزل الأبطح ليس بسنة، إنما نزله ﷺ ؛ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج". وروى أحمد في مسنده أنه ﵊ صلى به الظهر

стр. 1134

والعصر والمغرب والعشاء ثم هجع هجعة ثم دخل مكة. والنزول بالمحصب إنما هو لغير المتعجل، وأما من تعجل فلا. رواه ابن حبيب عن مالك. وإذا وافق يوم نفره يوم جمعة فلا أحب للإمام أن يقيم بالمحصب وليدخل مكة ليصلي الجمعة بأهل مكة. قوله: (وَوَسَّعَ مَالِكٌ لِمَنْ لا يُقْتَدَي بِهِ فِيهِ) أي في تركه، وأما من يقتدي به فلا يجب للسنة (وَكَانَ يُفْتِي بِه سِرًاً) أي: لمن لا يقتدي به؛ لأنه يريد أن لا تشاع عنه الفتوى بذلك خيفة أن يسمع الناس فيتركوه. وجوز مالك تقديم الأثقال إلى مكة؛ لأنها في حكم السفر المباح، بخلاف تقدمها إلى منى يوم التروية أو يوم عرفة. وَإِذَا عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَيُسَمَّى طَوَافَ الصَّدْرِ، وَلا يَرْجِعُ فِي خُرُوجِه الْقَهْقَرَي حُرّاً أَوْ عَبْداً، حُرّاً أَوْ عَبْداً، ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، كَبِيراً أَوْ صَغِيراً ... ظاهره أنه يسمى بالاسمين. ابن عبد السلام: والأول أشهر، وكره مالك في الموازية من رواية أشهب أن يقال له طواف الوداع، قال: وليقل الطواف. ويسمى طواف الصدر، إما لكونه يصدر بعده السفر، وإما لكونه يعقب الصدر من منى. ابن السيد: ويقال: وداع بفتح الواو وكسرها. وكأن الوداع بالكسر مصدر وادع وبالفتح الاسم. وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" وليس من شرط الأمر به أن يكون في أحد النسكين بل يؤمر به كل من أراد سفراً، مكياً كان أو غيره. ونبه بقوله: (وَلا يَرْجِعُ فِي خُرُوجِه الْقَهْقَرَي) على خلاف من استحب ذلك. ودليل المذهب الاتباع. قوله: (حُرّاً أَوْ عَبْداً) أي: يؤمر بطواف الوداع العبد والحر والصغير والكبير والذكر والأنثى. وفي الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك الطواف بالبيت.

стр. 1135

وَلَوْ عَرَّجَ بَعْدَهُ عَلَى شُغْلٍ خَفِيفٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَمْ يُعِدْهُ، أَمَّا لَوْ أَقَامَ وَلَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَعَادَ ... لأن تعريجه لأجل الشغل الخفيف من ضروريات السفر وكلامه ظاهر. وروي عن مالك إن ودع وأقام إلى الغد فهو في سعة أن يخرج. وَلَوْ بَرَزَ بِهِ الْكَرِيُّ إِلَى ذِي طُوَى فَأَقَامَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ أي: وإن كنا نحكم لذي طوى بأنها من مكة؛ لأنه وداع في العادة؛ إذ قد عهد في السفر أن يقيم المسافر بطرف البلد ثم يسري منه. وَيَرْجِعُ لِلْوَدَاعِ مَا لَمْ يَبْعُدْ، وَرَدَّ لَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ مثل هذا المالك في المدونة. الباجي: وروي عن مالك فيمن نسي الوداع حتى بلغ مر الظهران لا شيء عليه. ابن القاسم: ولم يحدّ مالك فيه حداً. وأرى إن لم يَخَفْ فوات أصحابه ولا منعه كريه فليرجع، وإلا مضى ولا شيء عليه، ورد عمر رجلا للوداع من مر الظهران. فحذف المصنف المفعول. الباجي: ولعل الذي رده عمر من الظهران، رأي به من القوة على ذلك المكرى، وبين مكة ومر الظهران ستة عشرة ميلا. وقيل: ثمانية عشر. وَلا دَمَ فِي تَرْكِهِ لأنه مستحب. وَيَكْفِي طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَالإِفَاضَةِ إِذََا خَرَجَ مِنْ فَوْرِهِمَا لأن الغرض أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف وقد حصل. وهذا كما قلنا: إن داخل المسجد يكتفي بصلاة الفرض، واحترز بقوله: (إِذََا خَرَجَ مِنْ فَوْرِهِمَا) مما لو أقام بعد ذلك فإنه يؤمر بالوداع.

стр. 1136

وَمَنْ خَرَجَ لِيَعْتَمِرَ مِنْ نَحْوِ الْجُحْفَةِ وَدَّعَ بِخِلافِ نَحْوِ التَّنْعِيمِ ما ذكره من توديع من خرج إلى الجحفة وشبهها هي رواية ابن القاسم. الباجي: وقال أشهب ليس عليه وداع، وأما من أراد أن يخرج إلى الحل كالتنعيم والجعرانة، فليس عليه طواف الوداع. الباجي: لأن هذا المكان مع قربه إنما يخرج منه للعودة إليه. التونسي: ولو خرج ليقيم ودع. تنبيه: قال الباجي: وقول عمر: إن آخر النسك الطواف بالبيت يحتمل أن يريد أنه آخر النسك الذي تَلَّبَس به الحاج والمعتمر، ويحتمل أن يريد أنه آخر النسك يُعمَل؛ لأنه بعد انقضاء كل نسك وعند فراق البيت، وإلى الأول يتوجه قول أشهب، وأما قول ابن القاسم فمبني على التأويل الثاني. فقد قال أشهب فيمن أفاض ثم عاد إلى منى للرمي ثم صد فليودع، فإذا طاف هذا الطواف الذي هو آخر نسكه ثم أقام أياماً ثم أراد الخروج فليس عليه أن يودع إلا أن يشاء. فجعل طواف الوداع من جملة حجه [١٩٧ / أ] على معنى أنه وداع للنسك وليس لمفارقة البيت. وقد قال ابن القاسم فيمن اعتمر إن خرج فليس عليه طواف وداع، وإن أقام فذلك عليه. فجعل الوداع نسكاً كاملاً لمفارقة البيت انتهى. وما قاله مالك وابن قاسم أظهر؛ لسقوطه عن المكي والمقيم انتهى. وَيُحْبَسُ الْكَرِيُّ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِلإِفَاضَةِ لا لِلْوَدَاعِ مَا يُحْكَمُ فِيهِ بِحَيْضِهَا، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي الأَمْنِ، فَأَمَّا الآنَ فَيُفْسَخُ .... يعني: إذا حاضت المرأة أو نفست قبل الإفاضة أو الوداع، فإنه يحبس الكري على أن يقيم بسببها لأجل طواف الإفاضة لا الوداع مدة ما يحكم لها بالحيض مع الاستظهار، فيحبس على المبتدئة خمسة عشر يوماً، وعلى المعتادة عادتها والاستظهار.

стр. 1137

ابن المواز: واختلف في قول مالك في الحائض، قال مرة يحبس عليها خمسة عشر يوماً وتستظهر بيوم أو يومين، وقال مرة: شهراً ونحوه. اللخمي: وليس هذا بالبين؛ لأنها إذا جاوزت الخمسة عشر أو سبعة عشر يوماً كانت في معنى الطاهر، تصوم وتصلي ويأتيها زوجها، ولا فرق بين الحائض والنفساء. وروي عن مالك في الموازية: لا يحبس على النفساء؛ لأنه يقول: لم أعلم أنها حامل بخلاف الحيض فإنه من شأن النساء. ويحبس عليها في النفاس ستين يوماً. واستحسن في سماع أشهب أن تعينه في العلف، وأما الحامل فلا. التونسي: وحبس الكري إنما يكون في موضع الأمن وأما الخوف فلا يلزمه. وإلى هذا أشار بقوله: (وَقِيلَ: كَانَ ذَلِك فِي الأَمْنِ) وقال اللخمي: ما قاله مالك محمول على عادتهم من الأكرية ما بين مكة والمدينة؛ لأن الرفاق لا تتغير وهي مارة وراجعة، وأما غير ذلك من السفر إلى مصر والشام فإن للجمال أن لا يتأخر، حكاه ابن شاس عن ابد اللباد، وبعضهم عن الشيخ أبي محمد. وينبغي أن يكون تقييداً، وعلى الجبر فيحبس عليها أيضاً من كان ذا محرم منها إلى أن يمكنها السفر قاله الباجي وغيره. وأما الرفقة فقال مالك: إن كان عذرها اليوم واليومين وما أشبه ذلك حبسوا عليها. وإن كان أكثر من ذلك لم يحبسوا. قال مالك في العتبية: وإذا اشترطت عليه عمرة في الحج فحاضت قبلها فلا يحبس على هذه كريها ولا يوضع من الكراء شيئاً. قال في الذخيرة: لأن المقصود الحج. قال في الجواهر: فرع: إذا قلنا برواية ابن القاسم فتجاوز الدم مدة الحبس فهل تطوف أو يفسخ الكراء؟ قولان انتهى. والظاهر أنها تطوف ولا وجه للفسخ؛ لأن مدة الحبس هو أقصي مدة الحيض والنفاس والله أعلم.

стр. 1138

الْمَحْظُورُ الْمُفْسِدُ الْجِمَاعُ، وَهُوَ مُفْسِدٌ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ وَالْهَدْيِ إِجْمَاعاً، وَالنِّسْيَانُ عِنْدَنَا كَالْعَمْدِ ... لمَّا ذكر أفعال الحج أخذ يذكر المحظور المفسد والمحظور المنجبر؛ يعني: أن الإجماع انعقد على أن الوطء إذا وقع قبل الوقوف عمداً يفسد الحج ويوجب الهدي والقضاء، والإجماع على أن الإفساد يستلزم المنع من ذلك بالإجماع، وبقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ([البقرة: ١٩٨]. والنسيان عندنا كالعمد في الإفساد خلافاً للشافعي رضي الله تعالى عنه. فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ إِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مَعاً فِي يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ قَبْلَهُ فَسَدَ، وَإِلا فَلا .... أي: فإن وقع الوطء بعد الوقوف فله أربع صور: أولها: أن يقع قبل الإفاضة ورمي جمرة العقبة يوم النحر أو قبله، أي: ليلة المزدلفة. الثانية: أن يقع قبلها بعد يوم النحر. الثالثة: أن يقع بعد جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة. الرابعة: بالعكس وذكر في الجميع ثلاثة أقوال: الأول: يفسد في الجميع ونسبه ابن عبد السلام لمالك. خليل: ولم أر من نسب لمالك الفساد إذا وطئ بعد طواف الإفاضة وقبل جمرة العقبة، وإنما هو منسوب لعبد الملك وغيره. فنقل اللخمي عن عبد الملك الفساد وإن خرجت أيام منى، وعن ابن وهب وأشهب: إن وطئ يوم النحر بعد الإفاضة وقب الرمي أفسد. ومقتضى كلام الباجي وغيره أنهما وافقا المذهب على عدم الإفساد إذا وطئ قبل الجمرة بعد يوم النحر. اللخمي: لأن الإفاضة قبل الرمي لا تجزئ عندهما فصار بمنزلة من

стр. 1139

وطئ قبل الرمي والإفاضة، وكذلك لم أرد من نسب له الفساد إذا وطئ قبلهما بعد يوم النحر، وإنما نقل عن مالك الفساد إذا وطئ قبل طواف الإفاضة وبعد رمي جمرة العقبة رواه أبو مصعب. والقول بأنه لا يفسد في الجميع ذكره ابن الجلاب والقاضي أبو محمد عن مالك. والمشهور مذهب المدونة إن وطئ قبلهما في يوم النحر أو قبله فسد حجه. قوله: (وَإِلا فَلا) أي: وإن لم يطأ قبلهما بل بينهما أو قبلهما بعد يوم النحر لم يفسد. وحاصله أنه يفسد في الصورة الأولى دون البواقي. ولأبي مصعب قول رابع: إن وطئ قبلهما بعد طلوع الفجر فعليه الهدي والعمرة، وإن كان قبل طلوع الفجر فسد. فإن قلت: ما الفرق على المشهور بين ما إذا وطئ قبلهما يوم النحر أو قبله وبين ما إذا وطئ قبلهما [١٩٧ / ب] بعده؟ قيل: لأنه لما خرج يوم النحر صارت جمرة العقبة قضاء وصار الطواف كالقضاء لخروجه عن وقته الفاضل المقدر له شرعاً، والقضاء أضعف من المقتضى. ألا ترى أن من أفطر في رمضان عليه القضاء والكفارة، وإذا أفطر في قضاء رمضان فإنما عليه القضاء فقط. وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ أَتَى بِهِمَا مَعاً ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ بَعْدَ أَيَّامِ مِنىً، وَقِيلَ: هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطَوَافِ وَقبْلَ الرَّمْيِ فَهَدْيٌ لا عُمْرَةٌ عَلَى المَشْهُورِ، وَقِيلَ: وَعُمْرَةٌ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرَ إِنْ فَاتَ الرَّمْيُ .... يعني إذا لم نقل بالإفساد فلا خلاف أن عليه هدياً. واختلف في العمرة على ثلاثة أقوال:

стр. 1140

الأول: أن عليه عمرة، كان وطؤه قبل كمال الطواف أو بعده. قاله ابن حبيب. الثاني: لا عمرة عليه كان قبل الطواف أو بعده، وهو قول القاضي إسماعيل. الثالث: وهو المشهور ومذهب المدونة إن كان قبل الإفاضة أو بعدها كما لو نسي شوطاً، أو قبل ركعتي الطواف – فعليه العمرة، وإن كان بعد ذلك فلا عمرة عليه. وقوله: (أَتَى بِهِمَا) أي: بالطواف وركعتيه. وقوله: (بَعْدَ أَيَّامِ مِنىً) ظرف للعمرة المأتي بها والهدي، أما العمرة فلما تقدم أنها لا توقع إلا بعد أيام منى، وأما الهدي فليتفق الجابر النسكي والمالي. وقد صرح في المدونة بأنه بنحر الهدي في عمرته، وإنما فرق على المشهور لأنه إذا وطئ قبل كمال الطواف وقع في الطواف خلل فأمر بالعمرة، ليوقع طوافاً صحيحاً في إحرام صحيح بدلا من ذلك الطواف، وأما الهدي فإنه للتحلل الواقع في الإحرام. وقوله: (عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرَ إِنْ فَاتَ الرَّمْيُ) ظاهر التصور. وَفِي قَضَاءِ الْقَضَاءِ الْمُفْسِدِ مَعَ الأَوَّلِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدِ يعني: أنه اختلف هل يجب عليه إذا أفسد قضاء الحج أن يأتي بحجتين: إحداهما قضاء عن الحجة الأولى، والثانية قضاء عن القضاء المفسد ثانياً؟ وبه قال ابن القاسم؛ لحرمتهما معاً، قال: وعليه هديان. ولم يوجب ابن المواز إلا قضاء الأول؛ لأنه الذي في ذمته والقضاء مقصود له لنفسه، وهو قول ابن وهب وعبد الملك ورجحه عبد الحق واللخمي وغيرهما. واختلف ابن وهب وعبد الملك في الهدي، فقال ابن وهب: عليه هديان وقال عبد الملك: هدي واحد. وَالْمَشْهُورُ أَنْ لا قَضَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قد تقدمت هذه المسألة وكأنه أتى بها هنا طلباً للفرق.

стр. 1141

ابن راشد: ونبه بقوله: (وَالْمَشْهُورُ أَنْ لا قَضَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ) على أن المشهور هنا القضاء، والفرق بينهما أن الحج لما كانت كلفته شديدة شَدَّدَ فيه بقضاء القضاء سداً للذريعة لئلا يتهاون فيه. وفرق آخر: أن القضاء في الحج على الفور وإذا كان على الفور صارت حجة القضاء كأنها حجة معينة في زمان معين، فيلزمه القضاء في فسادها كحجة الإسلام، وأما زمان قضاء الصوم فليس بمعين. وفرق أصبغ بفرق آخر فقال: لأن الحج عمل، فإذا أفسده فعليه قضاؤه وليس كذلك انتهى بمعناه. ابن هارون: ولم ينقل خلافٌ أنه إذا أفسد قضاء صلاة أنه ليس عليه إلا صلاة واحدة. وَيُفْسِدُ الْعُمْرَةَ أَيْضاً إِذَا وَقَعَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ، وَأَمَّا قَبْلَ الْحَلْقِ فَيَنْجَبِرُ بِالْهَدْيِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..... لأنه إذا وطئ قبل الركوع فقد وطئ قبل كمال أركانها. ابن راشد: وسكت هنا عن السعي اكتفاء بذكر الطواف لأنه ركن كما أن الطواف ركن، فإذا فسدت بالوطء قبل كمال الطواف فسدت في أثناء السعي. وإنما وقع الخلاف إذا وطئ بعد السعي وقبل الحلق انتهى. وقد صرح ابن عبد البر في الكافي بفساد العمرة إذا وقع قبل كمال السعي. وقوله: (وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ) ظاهر لا خلاف فيه. ومقابل المشهور القائل بالفساد قبل الحلق رواية عن مالك. ومبنى الخلاف على أن الحلاق في العمرة ليس بركن، أو هو ركن. وَيُنْحَرُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا أي: في الحج والعمرة. ابن شاس: وينحر في حجة القضاء على المشهور. وفي إجزائه قبله خلاف انتهى. فوجه المشهور أنه أمر بالتأخير ليتفق الْجَابِرُ النُّسُكِيُّ وَالْمالِيُّ. والشاذ أنه ينحر في الحجة الفاسدة والعمرة الفاسدة. ابن عبد السلام: وهو القياس لأنه إذا وجب

стр. 1142

جبراناً وجب مع مجبوره انتهى. الباجي: ووقع في العتبية والموازية لمالك من رواية أشهب أن الهدي لا يكون إلا في حجة القضاء. فرع: فإن عجله قبل القضاء فقال ابن الماجشون فيمن عجل هدي الفساد قبل القضاء أنه يجزئه، وإن كان أحب إلينا أن يكون مع حجة القضاء. ويحتمل على قول أصبغ في هدي الفوات أن لا يجزئه انتهى كلام الباجي. وَالْجِمَاعُ وَالْمَنِيِّ فِي الإِفْسَادِ عَلَى نَحْوِ مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ فِي رَمَضَانَ، وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ فَالْهَدْيُ لا غَيْرُ، وَرَوَى أَشْهَبُ مَنْ تَذَكَّرَ أَهْلَهُ حَتَّى أَنْزَلَ فَهَدْيٌ فَقَطْ لا خلاف في الإفساد بالجماع، والإنزال كذلك على المعروف. وقيل: لا يفسد الحج إلا ما يوجب المهر والحد. واختار اللخمي التفصيل؛ إن كان الإنزال عن أمر الغالب أن ينزل عنه، أو متردد هل يكون أو لا – أفسد. وإن كان الغالب ألا [١٩٨/أ] ينزل فأنزل لا يفسد وعليه الهدى. وإنما قال: (عَلَى نَحْوِ) لأن الوطء ناساً لا يفسد الصوم بخلاف الحج. وكأن المصنف يشير إلى أن ما يوجب الكفارة هناك يوجب الفساد هنا، وما يوجب القضاء في الصيام يوجب الهدي هنا. ولا فرق عندنا في الإفساد بين أن يكون المني عن وطء فيما دون الفرج أو قبلة أو مباشرة. وفي المدونة: وإذا أدام المحرم التذكر للذة حتى أنزل أو عبث بذكره فأنزل أو كان راكباً فهزته الدابة واستدام ذلك حتى أنزل أو لامس أو قبل أو باشر فأنزل أو أدام النظر للذة حتى أنزل فسد حجه، وعليه الحج من قابل والهدي، وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعل شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت. ابن بشير: وقد أخذ المتأخرون من هذا أن الاستمناء باليد حرام، لقوله: شرار النساء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ

стр. 1143

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ([المؤمنون: ٥–٦]. فإنما نفى اللوم عمن احتفظ عن غير هذين فدل ذلك على أن ما عداه يتعلق اللوم به. ويؤخذ من قول المصنف (عَلَى نَحْوِ) أنه إن أمنى ابتداء من غير مداومة النظر والتذكر أن عليه الهدي. وكذلك قال أحمد بن ميسر. قال مالك في العتبية والموازية: ولا يفسد حجه، وأنه إن استدام النظر أو التذكر حتى أمنى أنه يفسد. وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في العتبية والموازية. ولهذا عطف عليه قوله: (وَرَوَى أَشْهَبُ مَنْ تَذَكَّرَ أَهْلَهُ حَتَّى أَنْزَلَ فَهَدْيٌ فَقَطْ) أي فلا عمرة. محمد: وبرواية ابن القاسم أقول، فأما القبلة والمباشرة والجسة والضمة فينزل لمكانه فقد أفسد حجه. محمد: وقد قال مالك: من قَبَّلَ امرأته فلم ينزل شيئاً فليهد بدنة، وإن غمزها بيده فأحب إلي أن يذبح في ذلك وكلما تلذذ به. اللخمي: ولم يختلف إذا لم يكرر النظر ولا التذكر فأنزل ألا يفسد. وعلى هذا إذا قبل مرة أو غمز وشأنه ألا ينزل عند ذلك فأنزل ألا يفسد. وفرق مالك بين الصوم والحج، فقال فيمن نظر أو تذكر ولم يدم فأنزل: عليه القضاء ولا كفارة عليه. وإن أدام ذلك كان عليه القضاء والكفارة. وقال في الحج: إذا لم يدم لم يفسد. ولا فرق بين الموضعين، فإما أن يقال في الجميع لا شيء عليه أو أن ذلك عليه، إلا أن يحمل قوله في قضاء الصوم على الاستحباب ليسارة قضاء الصوم انتهى. واعترض سند قوله: "وعلى هذا ألا يفسد إذا قبل مرة .... إلخ" وقال: هو تخريج فاسد؛ لأن النظر قد يقع فجأة وكذلك الفكر وتغلب اللذة في الإنزال، بخلاف القبلة فإنها لا تكون إلا عن اختيار. وَإِذَا قَضَى فَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ الْحَجَّ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ مِنْ حِينِ الإحرام إِلَى التَّحَلُّلِ مثله في المدونة وهو يدل على اختصاص هذا الحكم بتلك المرأة. وقال اللخمي: لا فرق بين تلك المرأة وغيرها زوجة كانت أو سُرِّية؛ لأن لا يؤمن أن يأتي مثل فعله أولاً انتهى.

стр. 1144

وعلل بعضهم ذلك بأن ذلك معاقبة؛ إذ لم يرعيا العبادة، وروى مالك في موطئه عن علي أنه ﵊ قال: "إذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجمها". ومعنى (مِنْ حِينِ الإحرام) أي: بحجة القضاء، وفيه تنبيه على قول من ذهب من العلماء خارج المذهب إلى المفارقة بينهما من حين الإفساد إلى التحلل، أي طواف الإفاضة. مالك في العتبية: ولا يجتمعان في منزل ولا يتسايران لا في جحفة ولا منى. ابن القصار: ولم يبين مالك هل ذلك واجب أو مستحب، وعندي أنه مستحب، واقتصر ابن الجلاب على أنه مستحب. ابن بشير: ظاهر الكتاب الوجوب؛ معاقبة. وفصل اللخمي؛ إن صدر ذلك من جاهل بالتحريم فهو مستحب، وإن صدر من عالم بالتحريم فهو واجب ويجبر على الافتراق. وَمَنْ أَكْرَهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ أَحَجَّهَا، وَكَفَّرَ عَنْهَا، وَإِنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ زاد في المدونة وإن طاوعته فذلك عليها دونه. ابن القاسم في الموازية: وعلى الزوج الثاني الإذن لها في الحج. فإن قلت: قد تقدم في الصوم قول بأنه لا يُكَفَّرُ عن المكرَهة، فهل يجري هنا؟ قيل: قال غير واحد: لا. والفرق أن الصوم إذا قضته ليس فيه غرامة مال بخلاف الحج، ولأن الوطء في الحج نسياناً يفسد بخلاف الصوم فإنه لا يوجب الكفارة على المشهور. فرع: وإن لم يكن مع الزوج شيء وهي ملية فلابن القاسم في العتبية: ليس عليها حج. وله في الموازية: إذا لم يجد الزوج ما يُحَجُّها به ولا ما يهدي عنها فلتفعل هي ذلك وترجع به عليه. قال بعضهم: بالأقل من ثمن الهدي أو قيمته، وإن صامت في الهدي لم ترجع بشيء؛ إذ الصوم لا عوض له، ولو أطعمت في فدية الأذى لرجعت عليه بالأقل من النسك أو الإطعام. التونسي: وانظر لو كان النسك بالشاة أرفق لها حين نسكت وهو معسر ثم أيسر، وقد غلا النسك ورخص الطعام، فقال: إنما أغرم الطعام إذ هو الآن أقل قيمة من النسك الذي نسكت هي به.

стр. 1145

ابن يونس: وإذا فَلَّس الزوج فلزوجته محاصة غرمائه بما وجب لها من ذلك، ويوقف ما يصير لها حتى تحج به وتهدي، وإن ماتت قبل ذلك رجعت حصة الإحجاج إلى الغرماء، وأنفذ الهدي عنها انتهى. أما الأمة فطوعها كالإكراه؛ لأنها لا تستطيع المخالفة، رواه ابن القاسم في العتبية والموازية. عبد الملك: ولو باعها لكان ذلك عليه لها. ابن بشير: المنصوص [١٩٨/ب] جواز البيع. وقال اللخمي: يمنع على قول سحنون في منع بيع العبد المحرم، وقاس التحجير في المال على التحجير في الحال انتهى. ابن المواز: وإن باعها ولم يبين فهو عيب ترد به وفي السليمانية: إذا لم يُحِجَّها فليبعها ممن يحجها. ول ينص أصحابنا هنا إلا على أن طوع الأمة كالإكراه. قال في البيان: ويأتي على قول ابن الماجشون في الذي زوج ابنته رجلاً فحبسها وأرسل إليه أمته فوطئها أنها تحد، إلا أن تدعي أنها ظنت أنها زوجة، ألا يكون عليها الحد، هنا أن يحجها، إلا إذا كانت طائعة، ويكون ذلك عليها إذا عتقت. على أن ابن عبد السلام نقل في طوع الأمة قولين هل كالإكراه أم لا؟ وظاهره أنهما منصوصان. وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ فِي قَابلٍ تَطَوُّعاً كَانَ أَوْ فَرْضاً أما وجوب المضي في الفاسد فهو الذي عليه أكثر الفقهاء خلافاً لداود. وقوله: (عَلَى الْفَوْرِ) في الحج عن العام القابل. وأما العمرة فعند التحلل؛ لجوازها في جميع السنة. فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهُ ثُمَّ أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَهُوَ عَلَى مَا أَفْسَدَ، وَلا يَقَعُ قَضَاؤُهُ إِلا فِي ثَالِثِهِ ... لأن إحرامه للثاني لم يصادف محلاً. وكلامه ظاهر.

стр. 1146

وَلا يَقَعُ قَضَاءُ التَّطَوُّعِ عَنِ الْوَاجِبِ يعني: إذا تطوع قبل حجة الفريضة ثم أفسده وجب عليه قضاؤه، ولا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام؛ لأنه بالإفساد ترتبت في ذمته حجة. وعليه حجة الفريضة. وحجة واحدة لا تجزئه عن اثنين. وَلا يُرَاعَى زَمَانُ إِحْرَامِ الْقَضَاءِ وَيُرَاعَى الْمِيقَاتُ– إِنْ كَانَ الشَّرْعِيَّ– وَإِنْ تَعَدَّاهُ فَدَمٌ، وَتُرَاعَى صِفَتُهُ مِنْ إِفْرَادٍ وَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ أي: فيجوز أن يحرم مثلاً بالقضاء يوم التروية من كان أحرم أولاً من شوال، ويراعي الميقات، فمن كان أحرم أولاً من الجحفة أو غيرها أحرم ثانياً منه. قال في المدونة: إلا أن يكون إحرامه في الأولى أبعد من الميقات، فليس عليه أن يحرم في الثانية إلا من الميقات. وعن هذا احترز بقوله: (إِنْ كَانَ الشَّرْعِيَّ) ولو كان أولاً تعدى الميقات، فظاهر قول مالك أنه يحرم من المكان الذي كان أحرم منه. وتأوله اللخمي على أنه كان أحرم منه بوجه جائز كالذي يجاوزه غير مريد، فأما من تعداه أولاً لغير عذر فيؤمر الآن أن لا يتعداه إلا محرماً، وكذلك قال الباجي والتونسي إنه إذا تعداه أولاً فلا يتعداه ثانياً إلا محرماً. وأما مراعاة الصفة فظاهر؛ لأنه إنما يقضي ما أفسد. وَيُجْزِئُ التَّمَتُّعُ عَنِ الإِفْرَادِ لا عَكْسُهُ، وَقِيلَ: وَالْقِرَانُ عَنِ الإِفْرَادِ يعني: فلو أوقع تمتعاً قضاء على الإفراد أجزأه؛ لأنه إفراد وزيادة. قوله: (لا عَكْسُهُ) أي: فلا يجزئ الإفراد عن التمتع. وتبع المصنف هنا ابن بشير لأنه قال: مقتضى الروايات عدم الإجزاء. والذي في النوادر عن الموازية: من تمتع فأَفسَد حجه فقضاه مفرداً – فإنه يجزئه وعليه هديان، هدي التمتع وهدي الفساد قال: وذكره عيسى في العتبية عن ابن القاسم، قال: ويعجل هدي التمتع ويؤخر هدي الفساد إلى حجة القضاء، وكذلك العمرة.

стр. 1147

قوله: (وَقِيلَ: وَالْقِرَانُ) هذا هو قول عبد الملك، واقتضى كلام المصنف بذكر الواو شيئين. أولهما: أن المشهور عدم إجزاء القران عن الإفراد، وبذلك صرح ابن بشير وابن شاس. وثانيهما: أن عبد الملك يوافق على إجزاء التمتع عن الإفراد، لكن لا أذكر أن ابن الماجشون قال بهذا. فرع: قال في النوادر ومن غير العتبية: من حج قارناً فأفسد بالوطء فقضاه مفرداً أو متمتعاً لم يجزأه، وعليه في هذا دمان؛ دم للقران، ودم للتمتع، ويقضي أيضاً قابلاً قارناً ويهدي أيضاً هديين. تنبيه: قال في المدونة: وإذا طاف القارن أول ما دخل مكة وسعى ثم جامع فليقض قارناً. سحنون: ولم لا يكون قد تمت عمرته حين طاف وسعى؛ لأن الطواف والسعي كانا للحج والعمرة جمعياً. اللخمي: ومعارضة سحنون صحيحة، ولا ينبغي أن يكون عليه من العمرة شيء؛ لأنها تمت بفراغه من السعي فلم يبق إلا الحلاق منع منه بقاؤه على الحج، وإنما أفسد بوطئه بعد ذلك الحج وحده انتهى. ابن راشد: وفيه نظر؛ لأن الحج إذا فسد فسد طوافه وذلك بعينه للعمرة، ولا يصح أن يكون الطواف فاسداً بالنسبة إلى الحج صحيحاً بالنسبة إلى العمرة، فالممنوع المركب إذا بطل جزء منه سرى البطلان لبقيته. وَهَدْيُ الْقِرَانِ الْمُفْسَدِ كَالصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ الْمُتْعَةُ بَعْدَ إِحْرَامِ الْحَجِّ وَلا يُؤَخِّرَانِ إِلى الْقَضَاء ... قد تقدم أنه يتمادى في الفاسد من الحج والعمرة كالصحيح. ومن نتيجة ذلك وجوب دم القران والمتعة، ولا يؤخر الهدي إلى القضاء.

стр. 1148

وَلا يُرْتَدَفُ الْحَجُّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ المشهور مذهب المدونة. ومقابله مذهب عبد الملك. ومعنى كلامه أن من أفسد عمرته وأمرناه بالتمادي فلا يردف عليها الحج على المشهور. وعليه قال ابن المواز: يتم عمرته الفاسدة ثم يقضيها، قال: وإن أحرم بالحج قبل أن يقضيها لزمه، وعليه قضاء عمرته بعد ذلك. ورأى عبد الملك أن العمرة الصحيحة إذا لم تمنع الإرداف فأحرى الفاسدة التي إحرامها كالعدم لولا ما قام الدليل عليه من المضي فيها. وَمَنْ أَفْسَدَ قَارِناً ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ أَرْبَعُ هَدَايَا إِذَا قَضَى وَقَالَ أَصْبَغُ: عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ .... يعني: إذا أحرم قارناً ثم أفسده وفاته فإن عليه هدياً للفساد، وآخر للفوات، وآخر للقران الثاني، واختلف في هدي القران الأول، فأوجبه ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه واختاره ابن المواز، وأسقطه في رواية أصبغ. اللخمي: وهو أحسن. وصححه المصنف؛ لأن القران الأول آل عمله إلى عمرة لم يردها، فصار بمنزلة من تعدى الميقات ثم أحرم بالحج وفاته الحج وآل عمله إلى عمرة، وقد تقدم أن ابن القاسم قال بسقوط الدم. وفي قوله: (وَقَالَ أَصْبَغُ) إيهام أن القول لأصبغ، وليس بظاهر بل رواه ابن القاسم كما ذكرنا. ووقع في بعض النسخ: (وقال أصبغ عنه) ولا إشكال عليها. وليس يعني بقوله: (أَرْبَعُ هَدَايَا إِذَا قَضَى) أنه ينحر جميعها في القضاء؛ لأن المصنف قد نص في المسألة المتقدمة على أن هدي المفسد لا يؤخر إلى القضاء. وَإِنْ وَطِئَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَاحِدَةً أَوْ نِسَاءً فَهَدْيٌ وَاحِدٌ بِخِلافِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ يعني: أنه إذا أفسد حجه ثم تكرر منه الوطء في امرأة أو نساء فليس عليه إلا هدي واحد للفساد الواقع بأول وطء، إذ الفاسد لا يقبل التعدد. وانظر هل يتخرج فيها قول

стр. 1149

آخر بتعدد الهدي إذا وطئ ثانياً بعد أخراج الهدي من الشاذ في الصوم القائل بتعدد الكفارة إذا وطئ بعد إخراج الكفارة؟ وقوله: (بِخِلافِ الصَّيْدِ) أي: فإنه يتعدد لأنه عوض عما أتلفه. وقوله: (وَغَيْرِهِ) أي: فدية الأذى؛ لأنها عوض عن الترفه وهو يقبل التكرار. وَلَوْ أَفْسَدَ ثُمَّ حَلَقَ وَتَطَيَّبَ مُتَأَوِّلاً أَوْ جَاهِلاً فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلافِ الصَّيْدِ وَبِخِلافِ الْمُتَعَمَّدِ ... لأن موجبات الفدية إذا ظن الإباحة فيها أو عزم على التكرار فيها – فليس فيها إلا فدية واحدة، فكذلك إذا أفسد ثم حلق وتطيب متأولاً لأن الإحرام قد سقطت حرمته بالفساد فلم يكن عليه إلا فدية واحدة، وسواء فعل ذلك في مجلس أو مجالس. قوله: (مُتَأَوَّلاً أَوْ جَاهِلاً) يحتمل أن يكون بمعنى؛ لأن المتأول جاهل بالحكم، ويكون ذكرهما إتباعاً للفظ المدونة، ويحتمل أن يريد بالمتأول من رأى في ذلك مذهب المخالف. قوله: (بِخِلافِ الصَّيْدِ) تقدم، وقوله: (وَبِخِلافِ الْمُتَعَمَّدِ) أي: يريد إذا لم يعزم أولاً على التكرار كما سيأتي. وَيُكْرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلَّذَّةِ وَالْغَمْزَةِ وَشِبْههَا وَفِي وُجُوبِ الْهَدْيِ: قَوْلانِ، وَرُوِيَ: مَنْ قَبَّلَ فَلْيُهْدِ فَإِنِ الْتَذَّ بِغَيْرِهِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذْبَحَ ... المراد بالكراهة هنا التحريم. الباجي: كل ما فيه نوع من الالتذاذ بالنساء يمنع منه المحرم، ثم ما كان منه لا يفعل إلا للذة كالقبلة ففيها الهدي على كل حال، وما كان يفعل للذة وغيرها مثل لمس كفها أو شيء من جسدها فما أتى من ذلك على وجه اللذة فممنوع، وما كان لغير لذة فمباح انتهى بمعناه. ابن عبد السلام: ولا نجدهم يختلفون في القبلة هنا كما يختلفون في الصيام فليس أحد منهم يجيز القبلة في الإحرام لشيخ ولا لمتطوع.

стр. 1150

قوله: (وَفِي وُجُوبِ الْهَدْيِ: قَوْلانِ) قد تقدم أن الباجي قال يجب الهدي في القبلة على كل حال. وكذلك قال ابن عبد البر في الكافي: ومن قبل أو باشر ولم ينزل فعليه دم وتجزئه شاة انتهى. وينبغي أن يقال: إن أمذى فعليه الهدي وإلا فلا. ويحتمل أن تعرى القبلة من الخلاف ويكون الخلاف فيما عداها، ويكون محل الخلاف إذا أمذى. وأما إذا لم يحصل مذي فقد غر وسلم، فانظر ذلك. قوله: (وَرُوِيَ) أي: في الموازية، وهي ظاهرة التصور. ولا شك عليها أن الملاعبة ونحوها أشد من القبلة. وَيُكْرَهُ أَنْ يَرَى ذِرَاعَيْهَا لا شَعْرِهَا، وَيُكْرَهُ أَنْ يَحْمِلَهَا فِي الْمَحْمَلِ، وَلِذَلِكَ اتُّخِذَتِ السَّلالِمُ، وَلا بَاسَ بِالْفُتْيَا فِي أُمُورِهِنَّ ... هذا كله منصوص لمالك في الموازية وهو ظاهر. وكره مالك في الموازية والعتبية للمحرم أن يقلب جارية للابتياع أو لغيره. قال أشهب عن مالك في الكتابين: وله إذا أمن أن يمسك امرأته ورب رجل لا يأمن. الْمَحْظُورُ الْمُنْجَبِرُ مَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّفَاهِيَةُ؛ من لِبَاسٍ مَخِيطٍ وَشِبْهِهِ وَتَطَيُّبٍ وَتَزَيُّنٍ وَإِزَالَةِ شَعْثٍ ... لا خلاف أن هذا غير مفسد للإحرام وإن استديم. وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لِبَاسُ الْمَخِيطِ بِاعْتِبَارِ الْخِيَاطَةِ وَالنَّسْجِ وَالتَّلْبِيدِ كَالدِّرْعِ، وَاللِّبَّادُ مِثْلُهُ، وَالزِّرُّ، وَالتَّخَلُّلُ، وَالْعَقْدُ مِثْلُهُ .... الأصل في هذا ما رواه مالك وغيره: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القمص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا

стр. 1151

الخفاف، إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً مسه الزعفران ولا الورس". زاد مسلم من رواية ابن عباس ﵁: "وإن لم يجد الإزار فليلبس السراويل" وأخذ به الشافعي ولم يأخذ به مالك لسقوطه من رواية ابن عمر ﵁. قال في الموطأ: لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل. ابن عبد السلام: وعندي أن مثل هذه الأحاديث التي نص الإمام عليها أنها لم تبلغه، إذا قال أهل الصحة أنها صحيحة يجب على مقلدي الإمام العمل بمقتضاها كهذا الحديث، وحديث إذن الإمام لأهل العوالي إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة. فإن ظاهر كلام الإمام فيها أن المانع من العمل بمقتضاها هو أنها لم تبلغه أو بلغته ولكن قام عنده دليل آخر أرجح منه، ومثل هذا يرجح تقليد غير الإمام في العمل بمقتضى هذا الحديث الخاص [١٩٩ / ب]، وأما الوجه الأول فالأقرب أنه لا يجوز تقليده؛ لأن الاعتقاد الجازم أو الظن القوي أنه لو بلغه ذلك الحديث لأخذ به انتهى باختصار. وقوله: (بِاعْتِبَارِ الْخِيَاطَةِ) أي: إنما يحرم اللبس باعتبار ما خيط له سواء كان معمولاً على قدر البدن أو عضو، فلذلك لو ارتدى بقميص جاز؛ لأنه لم يلبسه باعتبار ما خيط له. وقوله: (وَالنَّسْجِ ..... إلخ) أي: ويقوم مقام الخياطة النسج كما يوجد في بعض البرانيس بغير خياطة. ابن هارون: وأراد بالنسج صنعة الدرع من الحديد؛ لأن العرب تسمي ذلك نسجاً. وبالتلبيد أن يصنع من اللبد قميصاً بغير خياطة، فيصرف الأول إلى الأول والثاني إلى الثاني.

стр. 1152

وقوله: (وَالزِّرُّ ... إلخ) أي لو عمل للثوب أزراراً أو خلله عليه أو عقده كان في معنى الخياطة. وَلَوِ ارْتَدَى بِقَمِيصٍ أَوْ جُبَّةٍ جَازَ لأنه وإن كان مخيطاً لكنه لا باعتبار الخياطة. وفي كراهة الارتداء بالسراويل روايتان. الباجي: ووجه الكراهة عندي قبح الزي كما كره لغير المحرم لبس السراويل مع الرداء. وَفِي الْقِبَاءِ وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمّاً وَلا زِرّاً – الْفِدْيَةُ لأنه لبس معتاد. ولذلك لو جعل أسفله على كتفه لم تجب. وفي كلامه قلب لأن الكم يدخل فيه. وما ذكره المصنف ليس فيه مخالفة للمدونة كما قال ابن عبد السلام: ولفظها: وأكره أن يدخل منكبيه في القباء وإن لم يدخل يديه في كمه ولا زره عليه؛ لأن ذلك دخول فيه ولباس له؛ لأن قوله: "ولباس له" يوضح أن المراد بـ "الكراهة" التحريم، ولأن فيها: ويكره للمحرم لبس الجوربين، ثم قال: ويكره للمرأة أن تتبرقع وتلبس القفازين. مع أن في ذلك الفدية، فدل على أنه يطلق الكراهة ويريد بها التحريم والله أعلم. وَجَمِيعُ الأَلْوَانِ وَاسِعٌ إِلا الْمُعَصْفَرَ المُفَدَّمَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَصْبُوغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَلَوْ غُسِلَ وَبَقِيَ أَثَرُهُ، بِخِلافِ الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ لا غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكُرِهَ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الإحرام ... يعني بالتوسعة: الإباحة. والمذهب استحباب البياض. وقوله: (إِلا الْمُعَصْفَرَ المُفَدَّمَ) هو القوي الصبغ وهو ممنوع للرجال كما ذكر المصنف، فإن لبس الرجل المفدم فالمشهور وجوب الفدية عليه. وروى أشهب عن مالك سقوطها. اللخمي: ولم يره من الطيب المؤنث. قال غير واحد: وهو على هذه الرواية

стр. 1153

مكروه، وأما المرأة فالمشهور أنه ممنوع في حقها كما ذكر المصنف. وروى ابن حبيب لا بأس أن تلبس المحرمة المعصفر المفدم ما لم ينتفض عليها شيء منه. مالك: وإن غسل المفدم جاز لأنه يصير مورداً. وقوله: (وَالْمَصْبُوغُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ) هو منصوب؛ لأنه معطوف على المعصفر فهو ممنوع. قال في الاستذكار: لا خلاف أنه لا يجوز للمحرم لبس ثوب صبغ بورس أو زعفران. والوَرْسِ نبت باليمن ورائحته طيبة، وصبغه ما بين الصفرة والحمرة، فإن غسل حتى يذهب منه ريح الزعفران فلا بأس به عند جميعهم. وروى ابن القاسم عن مالك كراهة ما بقي من لونه شيء انتهى. قال في المدونة: وإن ذهب لونه كله جاز. وعلى هذا فقوله: (وَلَوْ غُسِلَ وَبَقِيَ أَثَرُهُ) هو على رواية ابن القاسم، لكن ابن القاسم إنما روى الكراهة، وظاهر كلام المصنف أنه ممنوع. فإن قلت: لم لا تحمل الكراهة فيما رواه ابن القاسم على المنع ويدل على ذلك قوله في المدونة: وما صبغ بالورس والزعفران، فإن الكراهة فيما رواه ابن القاسم على المنع ويدل على ذلك قوله في المدونة: وما صبغ بالورس والزعفران فإن مالكاً كرهه، ثم قال: وما صبغ بالورس والزعفران وغسل وبقي أثر لونه، فإن مالكاً كرهه أيضاً، فعبر بالكراهة قبل الغسل وبعده. قيل: قد نص اللخمي على أنه لا فدية عليه إذا لبسه بعد الغسل، وذلك يدل على أن الكراهة بعد الغسل على وجهها والله أعلم. وقوله: (بِخِلافِ الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ). الباجي: وأما المورد بالعصفر والمصبوغ بالمغرى أو الممشق. ابن المواز: والأصفر بغير زعفران ولا ورس فليس بممنوع لبسه للمحرم؛ لأنه ليس فيه طيب ولا يفعل غالباً إلا إنقاء للثوب، فيكره للإمام، ومن يقتدى به أن يفعله لئلا يلبس على من لا يعرف فيقتدي به في لبس المصبوغ الممنوع لبسه، رواه محمد عن أشهب انتهى. وعلى هذا فقوله: (بِخِلافِ الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ) أي: فيجوز إلا لمن يقتدى

стр. 1154

به فيكره. وفهم من كلام الباجي أن المورد هو المصبوغ بالعصفر صبغاً غير قوي، وهذا هو المعروف. ابن راشد: وقال منذر بن سعيد هو الذي صبغ بالورد. وقوله: (لا غَيْرِهِ) عائد على ما ذكره من الألوان، المفدم والمزعفر والمورس. أي: فلا يمنع غير هذه الألوان. وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) عائد على (الْمُعَصْفَرَ المُفَدَّمَ) يعني: أن جميع الألوان واسع، إلا المعصفر المفدم فإنه ممنوع على المشهور. ومقابل المشهور قول أشهب المتقدم. وفي كلامه قلق. فإن قلت: هل يصح أن يريد بمقابل المشهور ما تقدم عن أشهب كراهة ما صبغ بغير زعفران ولا ورس لمن يقتدى به كما قاله ابن هارون؟ فالجواب: لا؛ لأن كراهة ذلك لمن يقتدى به ليس مخالفاً للمذهب، وإنما ساقه الأشياخ على أنه وفاق للمذهب، وأن المذهب كراهة ما صبغ بغير ورس ولا زعفران لمن يقتدى به، والأصل فيه ما رواه مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى طلحة بن عبيد الله وعليه [٢٠٠ / أ] ثوب مصبوغ وهو مُحرِم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر فقال عمر: أيها الرهط إنكم أئمة يقتدى بكم فلو أن رجلاً جاهلاً رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام: فلا تلبسوا أيها الرهط شيئاً من هذه الثياب المصبغة. قال في الاستذكار: ولم يختلف في جواز لبس المصبوغ بالمدر. خليل: يريد في حق من لا يقتدى به والله أعلم. ومن هنا تعلم أن تمشية ابن راشد ليست بجيدة؛ لأنه قال: قوله: (بِخِلافِ الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ لا غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) يعني: أن هذين يجوز الإحرام فيهما ولا يلحق بهما غيرهما من الألوان على المشهور بل الإحرام فيما عداهما مكروه؛ لأن المستحب أن يحرم في البياض. انتهى. لأنه لم يختلف في جواز المصبوغ بالمدر على ما نقل ابن عبد البر، ولا يكره الإحرام في غيرهما، نص عليه ابن الجلاب واللخمي وغيرهما.

стр. 1155

وقوله: (وَكُرِهَ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الإحرام) أي: (الْمُعَصْفَرَ المُفَدَّمَ) وكذا في المدونة. وأما المعصفر غير المفدم والمزعفر فيجوز لبسهما في غير الإحرام، نص على المورد في المدونة، وعلى المزعفر في غيرهما. قال مالك: ولا بأس بالمزعفر لغير المحرم وكنت ألبسه. وقال في الحديث في النهي عن أن يتزعفر الرجل، هو أن يلطخ جسده بالزعفران. اللخمي: وروي عنه ﷺ : أنه كان يصبغ ثيابه كلها والعمامة بالزعفران. وفي قوله: "لا يلبس المحرم شيئاً مسه ورس ولا زعفران" دليل على الجواز لغير المحرم انتهى. وأما كراهة المعصفر فلما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رآني رسول الله ﷺ وعلي ثوبان مصفران فقال: "إن هذين من ثياب الكفار فلا تلبسهما". وفي بعض الطرق: "ألا كسوتهما بعض أهلك؟ فإنه لا بأس بهما للنساء". ومن العتبية والموازية قال مالك: من أحرم في ثوب فيه لمعة من الزعفران فلا شيء عليه وليغسله إذا ذكر. ومن الموازية: لا ينام المحرم على مصبوغ بورس أو زعفران، من فراش أو وسادة إلا أن يُغَشِّيه بثوب كثيف فإن فعل ولم يغشه افتدى إن كان صبغاً كثيراً. والمعصفر أخف من ذلك. ولا أحب أن ينام على ذلك لئلا يعرق فيصيبه، إلا الخفيف لا يخرج على جسده. ولا يتوسد مرفقة فيها زعفران، وكره أن ينام على خشبة مزعفرة قد ذهبت الشمس بصباغتها حتى يغشيها بثوب أبيض. وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُغَطِّيَ رَاسَهُ- لا وَجْهَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ- بِمَا يُعَدُّ سَاتِراً، وَفِيهَا: لِمَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ غَطَّى مَا دُونَ عَيْنَيْهِ، وَتَطَاوَلَ .... أما تغطية الرأس فلا خلاف في منعها. وذكر المصنف أنه لا يحرم على الرجل تغطية وجهه على المشهور، ولم أدر من أين شهره. فقال ابن بشير: يمنع الرجال من لبس المخيط

стр. 1156

وتغطية الوجه والرأس. وقال ابن شاس: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه. قال ابن عبد البر: لما تكلم على ما ورد عن عثمان: أجمعوا على أنه لا يُخَمِّر المحرم رأسه واختلفوا في تخمير وجهه، وأخذ مالك بقول ابن عمر ورأى الإحرام في الوجه والرأس، وبه قال محمد بن الحسن، وأجاز عثمان وابن عباس وابن عوف وابن الزبير وزيد بن ثابت وسعيد وجابر ﵃ للمحرم أن يغطي وجهه. ثم قال: فإن فعل على قول مالك، فقال مالك: من غطى وجهه افتدى. وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، ولا أرى عليه فدية لِمَا جاء عن عثمان انتهى. وقال الباجي: إلى المنع ذهب مالك، وإنما ذكر فعل عثمان ليكون للمجتهد طريق إلى الاجتهاد وقال القاضي أبو الحسن: إن ذلك مكروه وليس بحرام. وحكى القاضي أبو محمد في ذلك لمتأخري أصحابنا قولين: الكراهة والتحريم. قال أبو حنيفة: يتعلق الإحرام بالوجه كتعلقه بالرأس. وقال الشافعي: لا تعلق له بالوجه. والدليل على ما نقوله ما روى ابن عباس عن النبي ﷺ : قال في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثيابه، ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي" ودليلنا من جهة المعنى أن هذا شخص يتعلق به حكم الإحرام، فلزمه كشف وجهه كالمرأة انتهى. وكذلك قال اللخمي: منع تغطية الوجه في المدونة، وقال: إن فعله فعليه الفدية. وقال أبو مصعب وابن القصار وعبد الوهاب: لا شيء عليه. والأول أحسن، واستدل بالحديث المذكور، قال: وذكره مسلم انتهى. وهذا كله يدل على أن المذهب وجوب الفدية بتغطية الوجه. ووقع في المدونة في الحج الأول: ويكره للمحرم أن يغطي ما فوق الذقن، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء عن عثمان. وفي الثالث: ولا بأس بتغطية الذقن للرجل والمرأة. وفي الثالث أيضاً: لو قام فغطى رجلٌ وجهه أو رأسه أو طَيَّبَه أو حلق رأسه ثم انتبه فلينزع ذلك وليغسل

стр. 1157

الطيب عنه ولا شيء عليه، والفدية على من فعل به ذلك. وأوجب الفدية على مغطي وجه النائم وأسقطها عمن غطى الذقن أو ما تحت العينين لفعل عثمان، وهكذا رأيته في نسخ عديدة (أو رأسه) وعليها تكلم بعضهم. ابن عبد السلام بعد ذكره هذا المحل: فمن الشيوخ من حمل المدونة على القولين كما أشار المؤلف. ومنهم من حمل قوله "على ما فوق [٢٠٠ / ب] الذقن "أنه لم يرد تغطية جميعه، وأن الفدية في ذلك، وهذا الوجه أقرب إلى لفظ المدونة. والوجه الآخر أن الموجب لسقوط الفدية عما فوق الذقن مراعاة فعل عثمان، وهو موجود بعينه في تغطية جميع الوجه. انتهى. تنبيه: إن ما في الموطأ: عن عثمان أنه غطى وجهه، لا ما ذكره المصنف، والله أعلم من أين أخذه. وَيَجُوزُ تَوَسُّدُهُ وَسَتْرُهُ بِيَدِهِ مِنْ شَمْسٍ أَوْ غَيْرِهِ وَحَمْلُهُ عَلَيْهِ مِمَا لا بُدَّ له مِنْهُ مِنْ خُرْجِهِ وَجِرَابِهِ وَغَيْرِهِ ... لما ذكر أولاً أن المنع إنما هو إذا غطاه بما يعد ساتراً، ذكر ما احترز عنه. ومعنى (تَوَسُّدُهُ) أن يضع خده على الوسادة قال في العتبية: ويكره أن يكب وجهه على الوسادة من الحر. سند: وإذا لطخ رأسه بالطين افتدى كالعمامة. وسواء غطى جميعه أو بعضه، ولأجل أن ما ذكره المصنف لا يعد ساتراً أجاز مالك في العتبية لمن أذاه الغبار أو مر بجيفة أن يحط يده على أنفه. اللخمي: وإن حمل زاده على رأسه وهو من أهل الغنى بخلاً افتدى.

стр. 1158

فَإِنْ حَمَلَ لِغَيْرِهِ أَوْ لِتِجَارَةٍ فَالْفِدْيَةُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ هذا الذي احترز عنه بقوله: (ما لا بد منه) والظاهر أن قول أشهب تقييد؛ لأنه إذا كان ذلك عيشه صار ضرورة كخرجه وجرابه. وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر؛ لقوله: ولا يرخص له في حمل التجارة. قال أشهب: إلا أن يكون عيشه ذلك. وقال ابن بشير: إن حمل على رأسه شيئاً. فإن كان مختاراً افتدى. وإن كان مضطراً فإن كان لا يجد حاملاً أو لأنه سبب معاشه. فها هنا قولان: وجوب الفدية وسقوطها انتهى. وَيَجُوزُ اسْتِظْلالُهُ بِالْبِنَاءِ وَالأَخْبِيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يَثْبُتُ، وَفِي الاسْتِظْلالِ بِشْيَءٍ عَلَى الْمَحْمِلِ- وَهُوَ فِيهِ- بِأَعْوَادٍ والاسْتِظْلالِ بِثَوْبٍ على عَصَاً قَوْلانِ .... قال في الاستذكار: أجمعوا أن للمحرم أن يدخل تحت الخباء، وأن ينزل تحت الشجرة. واختلفوا في استظلاله على دابته وعلى المحمل، فمنعه مالك وأحمد، وقال ابن عمر: أَضحِ لمن أحرمت له. وبعضهم يرفعه عنه. قال مالك: وإن استظل في محمله افتدى. وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعي وغيرهما انتهى. وحكى غيره أيضاً جواز الاستظلال بالفسطاط والقبة وهو نازل. قال مالك: ولا يعجبني أن يستظل يوم عرفة بشيء. وذكر المصنف الاستظلال بشيء على المحمل (وَهُوَ فِيهِ) أي والمحرم فيه، يريد سواء كان سائراً أو نازلاً قولين، وكذلك ذكر غيره. واحترز بقوله: (فِيهِ) لأنه كالخباء المضروب، ومَنعُهُ للسائر ونحوه ليحيى ابن عمر. وظاهر المذهب المنع كما حكاه ابن عبد البر. وقال اللخمي: إن لم يكشف ما على المحارة افتدى. ولهذا قال مالك: إذا كان الرجل عديلاً للمرأة لا يستظل هو وتستظل هي وقاله ابن القاسم. وروي عن مالك: لا يعجبني أن يجعلا عليهما ظلاً، وعسى أن يكون في ذلك بعض السعة إن اضطرا إلى ذلك.

стр. 1159

ابن الحاج في مناسكه: وله أن يرفع فوق رأسه شيئاً يقيه من المطر، واختلف هل له أن يرفع شيئاً يقيه من البرد؟ فوسع في ذلك مالك في رواية ابن أبي أويس في المدونة، ولم ير ذلك ابن القاسم في المدونة أيضاً. وليس له أن يضعه على رأسه من شدة الحر انتهى. والأقرب جواز ذلك لما في مسلم وأبي داود والنسائي عن أم الحصين قالت: حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ والآخر رفع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. ونقل ابن العربي والمازري عن الرياشي أنه قال: رأيت أحمد بن المعذل الفقيه في يوم شديد الحر، وهو ضاح للشمس، فقلت: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه ولو أخذت بالتوسعة، فأنشأ يقول: ضحيت له كي أستظل بظله ... إذ الظل أمسى في القيامة قالصا فيا أسفى أن كان سعيك باطلاً ... ويا حسرتي إن كان حجك ناقصا أَمَّا لَوِ اسْتَظَلَّ بِظِلٍ جَانِبِهَا سَائِراً أَوْ نَازِلاً جَازَ وَلا فِدْيَةَ الضمير في (جَانِبِهَا) عائد على المحارة المفهومة من السياق. وهذا هو المشهور ومنع سحنون أن يستظل بظل المحمل وهو سائر. ونقل ابن بشير في الاستظلال بالبعير قولين. وَيَجُوزُ أَنْ يَشُدَّ مِنْطَقَتَهُ إِلَى جِلْدِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ لا لِغَيْرِهِ وَله أَنْ يُضِيفَ نَفَقَةَ غَيْرِهِ، فَإِنْ شَدَّهَا لا لِذَلِكَ أَوْ شَدَّهَا عَلَى إِزَارِهِ فَالْفِدْيَةُ ... قوله: (لا لِغَيْرِهِ) أي: لا يبتدئ شدها للغير، وله أن يضيف نفقة غيره بعد شدها لنفسه، وانظر لو شدها ابتداءً له ولغيره، والأقرب سقوط الفدية؛ لان نفقة غيره تبع كما لو أضاف نفقة غيره بعد نفقته. وحمل ابن عبد السلام: كلام المصنف على انه لا يجوز أن يشدها لنفقته ونفقة غيره. ولم أرد ذلك لغيره. (وإِنْ شَدَّهَا لا لِذَلِكَ) أي: لا لنفسه (أَوْ شَدَّهَا عَلَى إِزَارِهِ) فعليه الفدية.

стр. 1160

اللخمي: وإذا ذهبت نفقته حيث أضاف نفقة الغير إلى نفقته فإنه يرد نفقة غيره، وإلا افتدى. وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم فلا شيء عليه، ويبقيها معه. وقد قال ابن القاسم فيمن أودع صيداً وهو حلال فأحرم وقد [٢٠١ / أ] غاب صاحبه – فلا يرسله ويضمنه إن فعل وكذلك النفقة انتهى. واحترز بذكر النفقة مما لو شدها لشيء كالتجارة، فإنه يفتدي قاله ابن حبيب. ابن يونس: كما ليس له أن يحمل للتجارة على رأسه. فَإِنْ شَدَّهَا فِي فَخِذِهِ أَوْ عَضُدِهِ فَمَكْرُوهٌ وَلا فِدْيَةَ عَلَى الْمَشْهُور ما ذكره من الكراهة نحوه في المدونة، والمشهور مذهبها. اللخمي: وقال أصبغ: أما العضد فعليه الفدية، والأول أحسن، وكذا نقل صاحب النوادر والتونسي وابن يونس، وهو ظاهر في أن أصبغ إنما يخالف في العضد. وَالاحْتِزَامُ لِلْعَمَل جَائزَ، وَلِغَيْرِهِ الْفِدْيَةُ تصوره ظاهر. وكذلك الاستثفار ممنوع إذا كان لغير ضرورة، وإن فعل فعليه الفدية. ابن الجلاب: وقد اختلف قوله في ذلك عند الركوب والنزول والعمل فكره ذلك مرة وأجازه مرة أخرى. قيل: لا فدية فيه إن كان لضرورة بالاتفاق. وَفِي فِدْيَةِ تَقَلُّدِ السَّيْفِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلان فهم من كلامه أنه إن تقلده لضرورة فلا فدية عليه. وهو المشهور. وفي الجلاب: عليه الفدية، وأما إن كان لغير ضرورة فقال مالك ومحمد: لا شيء عليه؛ لضعفه عن شبه اللبس. ابن هارون: وهو أصح لاتفاقهم على سقوط الفدية إذا لبسه لضرورة. ولو كان من ناحية المخيط لافتدى. وقال ابن وهب وأصبغ بالوجوب، هكذا نسب اللخمي إلى أصبغ وجوب الفدية، ونسب ابن يونس إليه عدم الوجوب.
следующие страницы →