Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وتغطية الوجه والرأس. وقال ابن شاس: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه. قال ابن عبد البر: لما تكلم على ما ورد عن عثمان: أجمعوا على أنه لا يُخَمِّر المحرم رأسه واختلفوا في تخمير وجهه، وأخذ مالك بقول ابن عمر ورأى الإحرام في الوجه والرأس، وبه قال محمد بن الحسن، وأجاز عثمان وابن عباس وابن عوف وابن الزبير وزيد بن ثابت وسعيد وجابر ﵃ للمحرم أن يغطي وجهه. ثم قال: فإن فعل على قول مالك، فقال مالك: من غطى وجهه افتدى. وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، ولا أرى عليه فدية لِمَا جاء عن عثمان انتهى. وقال الباجي: إلى المنع ذهب مالك، وإنما ذكر فعل عثمان ليكون للمجتهد طريق إلى الاجتهاد وقال القاضي أبو الحسن: إن ذلك مكروه وليس بحرام. وحكى القاضي أبو محمد في ذلك لمتأخري أصحابنا قولين: الكراهة والتحريم. قال أبو حنيفة: يتعلق الإحرام بالوجه كتعلقه بالرأس. وقال الشافعي: لا تعلق له بالوجه.
والدليل على ما نقوله ما روى ابن عباس عن النبي ﷺ : قال في الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثيابه، ولا تخمروا وجهه، ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي" ودليلنا من جهة المعنى أن هذا شخص يتعلق به حكم الإحرام، فلزمه كشف وجهه كالمرأة انتهى. وكذلك قال اللخمي: منع تغطية الوجه في المدونة، وقال: إن فعله فعليه الفدية. وقال أبو مصعب وابن القصار وعبد الوهاب: لا شيء عليه. والأول أحسن، واستدل بالحديث المذكور، قال: وذكره مسلم انتهى. وهذا كله يدل على أن المذهب وجوب الفدية بتغطية الوجه. ووقع في المدونة في الحج الأول: ويكره للمحرم أن يغطي ما فوق الذقن، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء عن عثمان. وفي الثالث: ولا بأس بتغطية الذقن للرجل والمرأة. وفي الثالث أيضاً: لو قام فغطى رجلٌ وجهه أو رأسه أو طَيَّبَه أو حلق رأسه ثم انتبه فلينزع ذلك وليغسل
стр. 1157
الطيب عنه ولا شيء عليه، والفدية على من فعل به ذلك. وأوجب الفدية على مغطي وجه النائم وأسقطها عمن غطى الذقن أو ما تحت العينين لفعل عثمان، وهكذا رأيته في نسخ عديدة (أو رأسه) وعليها تكلم بعضهم.
ابن عبد السلام بعد ذكره هذا المحل: فمن الشيوخ من حمل المدونة على القولين كما أشار المؤلف. ومنهم من حمل قوله "على ما فوق [٢٠٠ / ب] الذقن "أنه لم يرد تغطية جميعه، وأن الفدية في ذلك، وهذا الوجه أقرب إلى لفظ المدونة. والوجه الآخر أن الموجب لسقوط الفدية عما فوق الذقن مراعاة فعل عثمان، وهو موجود بعينه في تغطية جميع الوجه. انتهى.
تنبيه:
إن ما في الموطأ: عن عثمان أنه غطى وجهه، لا ما ذكره المصنف، والله أعلم من أين أخذه.
وَيَجُوزُ تَوَسُّدُهُ وَسَتْرُهُ بِيَدِهِ مِنْ شَمْسٍ أَوْ غَيْرِهِ وَحَمْلُهُ عَلَيْهِ مِمَا لا بُدَّ له مِنْهُ مِنْ خُرْجِهِ وَجِرَابِهِ وَغَيْرِهِ ...
لما ذكر أولاً أن المنع إنما هو إذا غطاه بما يعد ساتراً، ذكر ما احترز عنه. ومعنى (تَوَسُّدُهُ) أن يضع خده على الوسادة قال في العتبية: ويكره أن يكب وجهه على الوسادة من الحر.
سند: وإذا لطخ رأسه بالطين افتدى كالعمامة. وسواء غطى جميعه أو بعضه، ولأجل أن ما ذكره المصنف لا يعد ساتراً أجاز مالك في العتبية لمن أذاه الغبار أو مر بجيفة أن يحط يده على أنفه. اللخمي: وإن حمل زاده على رأسه وهو من أهل الغنى بخلاً افتدى.
стр. 1158
فَإِنْ حَمَلَ لِغَيْرِهِ أَوْ لِتِجَارَةٍ فَالْفِدْيَةُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ
هذا الذي احترز عنه بقوله: (ما لا بد منه) والظاهر أن قول أشهب تقييد؛ لأنه إذا كان ذلك عيشه صار ضرورة كخرجه وجرابه. وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر؛ لقوله: ولا يرخص له في حمل التجارة. قال أشهب: إلا أن يكون عيشه ذلك.
وقال ابن بشير: إن حمل على رأسه شيئاً. فإن كان مختاراً افتدى. وإن كان مضطراً فإن كان لا يجد حاملاً أو لأنه سبب معاشه. فها هنا قولان: وجوب الفدية وسقوطها انتهى.
وَيَجُوزُ اسْتِظْلالُهُ بِالْبِنَاءِ وَالأَخْبِيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يَثْبُتُ، وَفِي الاسْتِظْلالِ بِشْيَءٍ عَلَى الْمَحْمِلِ- وَهُوَ فِيهِ- بِأَعْوَادٍ والاسْتِظْلالِ بِثَوْبٍ على عَصَاً قَوْلانِ ....
قال في الاستذكار: أجمعوا أن للمحرم أن يدخل تحت الخباء، وأن ينزل تحت الشجرة. واختلفوا في استظلاله على دابته وعلى المحمل، فمنعه مالك وأحمد، وقال ابن عمر: أَضحِ لمن أحرمت له. وبعضهم يرفعه عنه. قال مالك: وإن استظل في محمله افتدى. وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعي وغيرهما انتهى.
وحكى غيره أيضاً جواز الاستظلال بالفسطاط والقبة وهو نازل. قال مالك: ولا يعجبني أن يستظل يوم عرفة بشيء. وذكر المصنف الاستظلال بشيء على المحمل (وَهُوَ فِيهِ) أي والمحرم فيه، يريد سواء كان سائراً أو نازلاً قولين، وكذلك ذكر غيره.
واحترز بقوله: (فِيهِ) لأنه كالخباء المضروب، ومَنعُهُ للسائر ونحوه ليحيى ابن عمر. وظاهر المذهب المنع كما حكاه ابن عبد البر. وقال اللخمي: إن لم يكشف ما على المحارة افتدى.
ولهذا قال مالك: إذا كان الرجل عديلاً للمرأة لا يستظل هو وتستظل هي وقاله ابن القاسم. وروي عن مالك: لا يعجبني أن يجعلا عليهما ظلاً، وعسى أن يكون في ذلك بعض السعة إن اضطرا إلى ذلك.
стр. 1159
ابن الحاج في مناسكه: وله أن يرفع فوق رأسه شيئاً يقيه من المطر، واختلف هل له أن يرفع شيئاً يقيه من البرد؟ فوسع في ذلك مالك في رواية ابن أبي أويس في المدونة، ولم ير ذلك ابن القاسم في المدونة أيضاً. وليس له أن يضعه على رأسه من شدة الحر انتهى.
والأقرب جواز ذلك لما في مسلم وأبي داود والنسائي عن أم الحصين قالت: حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ والآخر رفع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. ونقل ابن العربي والمازري عن الرياشي أنه قال: رأيت أحمد بن المعذل الفقيه في يوم شديد الحر، وهو ضاح للشمس، فقلت: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه ولو أخذت بالتوسعة، فأنشأ يقول:
ضحيت له كي أستظل بظله ... إذ الظل أمسى في القيامة قالصا
فيا أسفى أن كان سعيك باطلاً ... ويا حسرتي إن كان حجك ناقصا
أَمَّا لَوِ اسْتَظَلَّ بِظِلٍ جَانِبِهَا سَائِراً أَوْ نَازِلاً جَازَ وَلا فِدْيَةَ
الضمير في (جَانِبِهَا) عائد على المحارة المفهومة من السياق. وهذا هو المشهور ومنع سحنون أن يستظل بظل المحمل وهو سائر. ونقل ابن بشير في الاستظلال بالبعير قولين.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشُدَّ مِنْطَقَتَهُ إِلَى جِلْدِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ لا لِغَيْرِهِ وَله أَنْ يُضِيفَ نَفَقَةَ غَيْرِهِ، فَإِنْ شَدَّهَا لا لِذَلِكَ أَوْ شَدَّهَا عَلَى إِزَارِهِ فَالْفِدْيَةُ ...
قوله: (لا لِغَيْرِهِ) أي: لا يبتدئ شدها للغير، وله أن يضيف نفقة غيره بعد شدها لنفسه، وانظر لو شدها ابتداءً له ولغيره، والأقرب سقوط الفدية؛ لان نفقة غيره تبع كما لو أضاف نفقة غيره بعد نفقته. وحمل ابن عبد السلام: كلام المصنف على انه لا يجوز أن يشدها لنفقته ونفقة غيره. ولم أرد ذلك لغيره. (وإِنْ شَدَّهَا لا لِذَلِكَ) أي: لا لنفسه (أَوْ شَدَّهَا عَلَى إِزَارِهِ) فعليه الفدية.
стр. 1160
اللخمي: وإذا ذهبت نفقته حيث أضاف نفقة الغير إلى نفقته فإنه يرد نفقة غيره، وإلا افتدى. وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم فلا شيء عليه، ويبقيها معه. وقد قال ابن القاسم فيمن أودع صيداً وهو حلال فأحرم وقد [٢٠١ / أ] غاب صاحبه – فلا يرسله ويضمنه إن فعل وكذلك النفقة انتهى.
واحترز بذكر النفقة مما لو شدها لشيء كالتجارة، فإنه يفتدي قاله ابن حبيب.
ابن يونس: كما ليس له أن يحمل للتجارة على رأسه.
فَإِنْ شَدَّهَا فِي فَخِذِهِ أَوْ عَضُدِهِ فَمَكْرُوهٌ وَلا فِدْيَةَ عَلَى الْمَشْهُور
ما ذكره من الكراهة نحوه في المدونة، والمشهور مذهبها. اللخمي: وقال أصبغ: أما العضد فعليه الفدية، والأول أحسن، وكذا نقل صاحب النوادر والتونسي وابن يونس، وهو ظاهر في أن أصبغ إنما يخالف في العضد.
وَالاحْتِزَامُ لِلْعَمَل جَائزَ، وَلِغَيْرِهِ الْفِدْيَةُ
تصوره ظاهر. وكذلك الاستثفار ممنوع إذا كان لغير ضرورة، وإن فعل فعليه الفدية. ابن الجلاب: وقد اختلف قوله في ذلك عند الركوب والنزول والعمل فكره ذلك مرة وأجازه مرة أخرى. قيل: لا فدية فيه إن كان لضرورة بالاتفاق.
وَفِي فِدْيَةِ تَقَلُّدِ السَّيْفِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلان
فهم من كلامه أنه إن تقلده لضرورة فلا فدية عليه. وهو المشهور. وفي الجلاب: عليه الفدية، وأما إن كان لغير ضرورة فقال مالك ومحمد: لا شيء عليه؛ لضعفه عن شبه اللبس.
ابن هارون: وهو أصح لاتفاقهم على سقوط الفدية إذا لبسه لضرورة. ولو كان من ناحية المخيط لافتدى. وقال ابن وهب وأصبغ بالوجوب، هكذا نسب اللخمي إلى أصبغ وجوب الفدية، ونسب ابن يونس إليه عدم الوجوب.
стр. 1161
التونسي: وإذا كان في عنقه كتاب فلينزعه إذا أحرم. وألحق اللخمي المنطقة بالسيف. ابن بشير: وليس المذهب كذلك؛ لأنه لا يحصل به من الانتفاع مثل ما يحصل من المنطقة بل فيها تفصيل؛ فإن لم يضطر إليها ولبسها فلا خلاف في المذهب في وجوب الفدية، وإن اضطر إليها فهل يفتدي؟ أما إن شدها من فوق إزاره فإنه يفتدي؛ لأنه كلباس المخيط، وإن شدها من تحت الإزار فقولان: أحدهما وجوب الفدية؛ لأنه في معنى المخيط. والثاني نفيه؛ لأنه لا تحصل بها منفعة. فأشبهت تقليد السيف. انتهى.
وَمَنْ عَصَّبَ جُرْحَهُ أَوْ رَاسَهُ افْتَدَى
أي: سواء فعل ذلك لضرورة أم لا.
اللخمي: وقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن أصاب إصابعه شيء فوضع عليها حناء أو لفها بخرقة: فلا شيء عليه وهذا أحسن، ولا يدخل هذا في معنى النهي عن لبس المخيط. ونقل غيره في العبية نحو ما في المختصر، ونقل فيه ربطها عوض لفها. وفصل في الموازية في التعصيب بين الخرق الصغار والكبار، كما تقدم في اللصق. وفرق التونسي بينهما بأن التعصيب والربط أشد من اللصق، إذ لا بد فيهما من حصول شيء على الجسم الصحيح بخلاف اللصق، وأقاموا مما في العتبية جواز الإحرام بالخاتم ليسارة ما يستره. ابن راشد: وهو خلاف ما يظهر من الحج الأول حيث أجاز للصبيان الذكور الإحرام وعليهم الأسورة والخلاخل، فإن مفهومه أن ذلك ممنوع في حق الكبار.
وَلَو أَلْصَقَ عَلَى جُرْحِهِ خِرَقاً كِبَاراً افْتَدَى، وَلَوْ جَعَلَ قُطْنَةً فِي أُذُنَهِ أَوْ قِرْطَاساً عَلَى صُدْغَيْهِ لِعِلَّةٍ افْتَدَى ...
قوله: (كِبَاراً) أي: ولا فدية في الصغار لعموم الحرج. وجعل في الموازية قدر الدرهم كثيراً. ولا إشكال في عدم وجوب الفدية في الخرق على ما في مختصر ما ليس في المختصر.
стр. 1162
قوله: (وَلَوْ جَعَلَ قُطْنَةً .... إلخ) ظاهر التصور. وعورض إيجابهم الفدية في الأذن مطلقاً بمسألة الخرق، وأجيب بأن ذلك لكثرة انتفاعه بسد الأذن فأشبه الكبير.
وَفِي الْخَاتَمِ: قَوْلان
قال في مختصر ما ليس في المختصر لا بأس به. اللخمي وابن راشد: والمعروف من قول مالك منعه؛ لأنه بإحاطته للأصبع أشبه المخيط ولذلك أجازوه للمرأة، وحكى ابن بشير قولين في الفدية إذا قلنا بالمنع.
فرع:
ومن العتبية والموازية: ولا بأس أن يتخذ خرقة يجعل فيها فَرجَهُ عند النوم. وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول هذا يفتدي، وإن استنكحه ففدية واحدة تجزئه إذا استدامه، ولو اعتمر بعد حجه افتدى لذلك فدية ثانية.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا بِنِقَابٍ وَشِبْهِهِ وَكَفَّيْهَا، وَلَوْ سَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ مَسْدُولٍ مِنْ فَوْقِ رَاسِهَا مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ وَلا إِبْرَةٍ وَنَحْوِهَا جَازَ، قَالَ: وَمَا عَلِمْتُ رَايَهُ فِي تَجَافِيهِ أَوْ إِصَابَتِهِ ....
صحح الترمذي من حديث ابن عمر ﵁ أنه ﵊ قال: "لا تنتقب المرأة في الإحرام ولا تلبس القفازين".
قوله: (وَلَوْ سَتَرَتْهُ .... إلخ) يريد بشرط أن تقصد الستر. قال في المدونة: والمحرمة إذا غطت وجهها مثل الرجل، ووسع لها مالك أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت ستراً، فإن لم ترد ستراً فلا تسدل.
стр. 1163
ابن القاسم: وما علمت أن مالكاً كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أن تجافيه عن وجهها، ولا أنه كان ينهاها عن أن يصيب الرداء وجهها إذا أسدلته. وقول ابن القاسم: وما علمت أن مالكاً كان إلى آخره. يقتضي أنه فهم عن مالك التخفيف في الإصابة بخلاف ما اقتصر عليه المصنف بقوله: (وَمَا عَلِمْتُ رَايَهُ فِي تَجَافِيهِ أَوْ إِصَابَتِهِ) فإنه ظاهر في نفي العلم مطلقاً، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام. وقوله في المدونة: إذا أرادت ستراً احترازاً مما لو فعلته لحر أو برد فإن فيه الفدية، نص عليه في الموازية وغيرها. قال في المدونة: وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت؛ لأنه لا يثبت حتى تعقده، بخلاف السدل.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ) يعني: فإن ربطته أو غرزته بإبرة ونحو ذلك افتدت.
وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ، وَالْقُفَّازَيْنِ، فَإِنْ عَدِمَ النَّعْلَيْنِ أَوْ وَجَدَهُمَا غَالِيَيْنِ قَطَعَهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ...
تصوره ظاهر مما تقدم. قال في المدونة: وليشتر النعلين وإن زيد عليه في الثمن يسيراً، وأما إن تفاحش الثمن فما عليه أن يشتريهما، وأرجو أن يكون في سعة.
ابن يونس: وإن لم يشتريهما في الزيادة اليسيرة وقطع الخفين ولبسهما [٢٠١ / ب] فليفتد؛ لأنه كالواجد للنعلين. وقال ابن حبيب: إنما رخص في قطع الخفين في قلة النعال، وأما اليوم فقد كثرت فلا تعدم، فلا رخصة فيهما، ومن فعله افتدى وقاله ابن الماجشون. ابن يونس وغيره: وهو خلاف قول مالك. والصواب قول مالك للحديث. ابن هارون: وليس في قول ابن حبيب ما يقتضي المخالفة. وإنما حكى حال وقته أن النعال كثرت فلا تعدم ولا تغلا، وهذا مما لا ينازعه فيه أحد، فإن تغيرت الحال في بعض الأوقات فعدمت النعال أو غلت غلاءً فاحشاً لم يقل أيضاً ابن حبيب ولا غيره أن الفدية تجب عليه في هذه الحالة انتهى. أما لو لبس الخف لضرورة بقدميه وهو يجد نعلين فإنه يفتدي، قاله ابن القاسم.
стр. 1164
فإن قلت: قد قالوا هنا لا قدية، وإذا لم يجد إزاراً ولبس سراويل فعليه الفدية فما الفرق؟ قيل: لأنه في الخفين حصلت له الغرامة بالقطع فلم تجمع عليه غرامتان بخلاف السراويل. ولهذا ينبغي إذا اشتراهما مقطوعين أن لا تسقط عنه الفدية.
وَلِلْمَرْأَةِ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ، وَفِي الْقُفَّازَيْنِ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَشْهُور
أما لبس الخفين للمرأة فظاهر، إذ هي مأمورة بستر جسدها كله إلا وجهها وكفيها، والمشهور أن عليها في القفازين الفدية للحديث المتقدم. وقال ابن حبيب: لا أبلغ بهما الفدية، لما جاء فيهما من الرخصة عن عائشة ﵂. والقفازان ما يعمل على صفة الكف من قطن ونحوه؛ ليقي الكف الشعث.
فرع:
كره مالك في المدونة للمرأة لبس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة؛ لأنه يصفهن.
وَيَحْرُمُ التطَّيبُ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِ مُؤَنَّثِهِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ .....
أما الطيب فمجمع على تحريمه من حيث الجملة. ومقتضى كلامه أن الطيب كله محرم الاستعمال، غير أن في المؤنث منه الفدية، وفيه نظر؛ لأن حكمه بحرمة الطيب مطلقاً مناف لما سيقول. ويكره شم الريحان وغيره من المؤنث. نعم قوله: (من غير المؤنث) يقتضي أن بعض المذكر حرام لإتيانه بـ (مِن) للتبعيض، وهو صحيح. فإن المذكر قسمان مكروه ولا فدية فيه، وهو كالريحان. وقسم محرم وفيه الفدية، وهو الحناء، نص عليه في المدونة وسيأتي. ابن راشد وغيره: والمؤنث ما يظهر ريحه وأثره، والمذكر ما يظهر ريحه ويخفى أثره.
وَلا يَتَطَيَّبُ قَبْلَهُ بِمَا تَبْقَى بَعْدَهُ رَائِحَتُهُ
يعني: لا يتطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده.
стр. 1165
ابن عبد البر: وهذا مذهب عمر، وابنه، وعثمان ﵃، وبه قال عطاء، ومحمد بن الحسن، واختاره الطحاوي. وروى ابن عبد الحكم عن مالك: ترك الطيب عند الإحرام أحب إلينا. وعلى المذهب فقال الباجي: إن تطيب لإحرامه فلا فدية عليه؛ لأن الفدية إنما تجب بإتلاف الطيب في وقت هو ممنوع من إتلافه، وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما يبقى منه بعد الإحرام الرائحة وليس ذلك بإتلاف، فتجب فيه الفدية. ورأيت لبعض القرويين أن عليه الفدية؛ لأن استدامته بعد الإحرام كابتداء التطيب، فإن كان أراد بذلك أنه ممنوع في الحالتين فهو صحيح، وإن كان أراد به وجوب الفدية فهو غر صحيح؛ لأنه الفدية إنما تجب بإتلاف الطيب أو بلمسه، وأما الانتفاع بريحه فلا تجب به فدية وإن كان ممنوعاً، وكذلك لا تجب الفدية على من مر بالعطارين فشم ريح الطيب.
وَيُكْرَهُ شَمُّ الرَّيْحَانِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَشِبْهِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَنَّثِ وَلا فِدْيَةَ
إنما كره ذلك لأن الرائحة الطيبة تهيج شهوة النساء، ولم يحرم؛ لأنه لا يساوي الطيب المؤنث. و (مِنْ) من قوله: (مِنْ غَيْرِ الْمُؤَنَّثِ) للبيان، واحترز من بعض المذكر وهو الحناء فإن فيه الفدية كما تقدم.
وَفِي مَسِّهِ وَلَمْ يَعْلَقْ، أَوْ إِزَالَتِهِ سَرِيعاً قَوْلان
وفي مس المؤنث فلم يعلق أو عَلِقَ ولكنه أزاله سريعاً قولان بوجوب الفدية وعدمها. ومذهب المدونة اللزوم قال فيها: وإن مس الطيب بيده افتدى، لصق بيده أم لا. وقيده التونسي بالمسك والكافور وشبههما قال: وأما مثل البان والرياحين أو دهن البنفسج أو الورد فليس في مسه فدية. ولكن إن دهن به أو استعط فعليه الفدية انتهى.
والقول بسقوط الفدية لابن القصار فيما إذا أزاله سريعاً، وأحرى أن يقوله فيما إذا لم يعلق.
стр. 1166
وَمَنْ خَضَبَ بِحِنَّاءٍ أَوْ وَسْمَةٍ افتدى، وَلَوْ خَضَبَ الرَّجُلُ أُصْبُعَهُ مِنْ جُرْحٍ بِرُقْعَةٍ صَغِيرَةٍ فَلا فِدْيَةَ ...
قال في المدونة: وإن خضب رجل رأسه أو لحيته بحناء أو بوسمة أو خضبت المحرمة يديها أو رجليها أو رأسها أو طرفت أصابعها بحناء فليفتديا. وإن خضب الرجل أصبعه بحناء لجرح أصابه، فإن كانت رقعة كبيرة افتدى. وإن كانت صغيرة فلا شيء عليه. وإن داوي بما في طيب برقعة صغيرة أو كبيرة فليفتدى. بخلاف الحناء؛ لأن الحناء إنما هو طيب مثل الريحان ليس بمنزلة المؤنث من الطيب. انتهى. والوسمة: نبت من الشجر كالكزبرة يدق ويخلط مع الحناء، وسميت وسمة من الوسامة وهي الحسن؛ لأنها تحسن الشعر.
وَاسْتُخِفَّ مَا يُصِيبُهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي نَزْعِ الْيَسْيرِ، وَلا تُخَلَّقُ الْكَعْبَةُ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ مِنَ الْمَسْعَى فِيهَا ....
يعني: أنه استخف ما يصيب الإنسان من خلوق الكعبة كثيراً أو يسيراً ومعنى استخفافه عدم وجوب الفدية به، ثم المصيب إن كان كثيراً فلا بد من نزعه، وإن ترك فعليه الفدية. وعن الكثير احترز بقوله: (وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي نَزْعِ الْيَسْيرِ) منه، وإنما لا تخلق الكعبة أيام الحج لكثرة المزدحمين عليها. والضمير المجرور بفي عائد على أيام الحج.
وَفِي الْفِدْيَةِ فِي أَكْلِ مَا خُلِطَ بِالطِّيبِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ رِوَايَتَانِ، وَفِي الْخَبِيصِ الْمُزَعْفَرِ إِنْ صَبَغَ الْفَمَ قَوْلانِ ...
يعني: أن الطعام المخلوط بالطيب قسمان غير مطبوخ ومطبوخ بالنار. فالأول فيه روايتان بوجوب الفدية وعدمها. والمشهور الوجوب. قال في المدونة: ويكره له أن يشرب شراباً فيه كافوراً، أو يأكل الدقة مزعفرة، فإن فعل افتدى. وكره في المدونة لغير
стр. 1167
المحرم أن يشرب الماء الذي فيه الكافور للسرف. وبعدم الفدية قال أشهب. والثاني: إن لم يصبغ الفم فلا فدية وإن صبغ فقولان. ابن بشير: والمذهب نفيها؛ لأنه أطلق في المدونة والموطأ والمختصر الجواز في المطبوخ، وأبقاه الأبهري على ظاهره، وقيده عبد الوهاب بغلبة الممازج. الأبهري: بشرط أن لا يعلق باليد ولا بالفم منه شيئاً.
الباجي: بعد ذكر ما قلناه: وإذا ثبت ذلك فإن المعاني المعتبرة في استهلاك الطيب على ما ذكره الأبهري: اللون والرائحة. وذكر ابن المواز: اللون والطعم، ويحتمل أن يعتبرا جميعاً الثلاث صفات على حسب ما يعتبر في المياه، ويحتمل أن يعتبر كل واحد منهما ما انفرد بذكره، دون ما ذكره الآخر، فيكون قول الأبهري أن الطيب مقصود الرائحة دون الطعم، ويكون وجه قول محمد أنه لما انتقل إلى حكم الطعام اعتبر فيه الطعم.
وَيُكْرَهُ التَّمَادِي فِي الْمُكْثِ بِمَكَانٍ يَعْبَقُ فِيهِ رِيحُ الطِّيب
تصوره ظاهر. وكره ابن القاسم في الموازية أن يخرج في رفقة فيها أحمال الطيب.
ابن القاسم في العتبية: وأحب إلي أن يجعل يده على أنفه إذا مر بطيب.
وَلَوْ بَطَلَتْ رَائِحَةُ الطِّيبِ لَمْ يُبَحْ
كذا في ابن شاس. ابن عبد السلام: لأن حكم المنع قد ثبت فيه والأصل استصحابه، كالبول إذا ذهبت رائحته.
وَلا فِدْيَةَ فِي حَمْلِ قَارُورَةِ مِسْكٍ مُصَمَّمَةِ الرَّاسِ وَنَحْوِهَا
أي: لأنه لا رائحة لها حينئذ. ابن عبد السلام: ولعل مراده بنحوها قارورة المسك إذا كانت غير مشقوقة، وفيها للشافعية وجهان.
стр. 1168
وَفِعْلُ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، وَالضَّرُورَةُ وَالْجَهْلُ فِي الْفِدْيَةِ سَوَاءٌ إِلا فِي حَرَجٍ عَامٍّ كَمَا لَوْ غَطَّى رَاسَهُ نَائِماً أَوْ أَلْقَتِ الرِّيحُ الطِّيبَ عَلَيْهِ فَلَوْ تَرَاخَى فِي إِزَالَتِهِ لَزِمَتْهُ الفِدْيَةِ ....
يعني: أنه لا فرق في مذهبنا بين العمد وغيره.
وقوله: (فِي حَرَجٍ عَامٍّ كَمَا لَوْ غَطَّى رَاسَهُ نَائِماً) أي: فلا فدية لعدم إمكان التحرز. وأيضاً فلم ينتفع بذلك. ولزوم الفدية مع تراخيه في الإزالة بعد استيقاظه ظاهر.
سند: لو وقعت على رأسه نورة فحلقته افتدى لبقاء ذلك بعد اليقظة. وانظر قوله: (حرج عام) وإلقاء الريح الطيب عليه في غاية النزور والقلة.
وَلَوْ أَلْقَاهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ، وَتَلْزَمُ الْمُلْقِيَ حَيْثُ لا تَلْزَمُهُ وَلَكِنْ بِغَيْرِ الصِّيَامِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ افْتَدَى الْمُحْرِمُ. وَفِي وُجُوبِهِ قَوْلانِ، وَيَتْبَعُهُ بِالأَقَلِّ مَا لَمْ يَفْتَدِ بِصِيَامٍ
يعني: لو ألقى غيره الثوب على رأسه أو ألقى الطيب عليه وهو نائم فكذلك لا شيء عليه إلا أن يتراخى فتلزمه.
قوله: (وَتَلْزَمُ الْمُلْقِيَ حَيْثُ لا تَلْزَمُهُ) يعني: أن النائم إذا بادر إلى النزع فلا تجب عليه فدية، وتجب على الملقي، وإن لم يبادر لزمته، ولم تلزم الملقي. وما ذكره من المبادرة هو قوله في المدونة. وقال أشهب: لا شيء عليه. وهذا ظاهر في اللباس وأما الطيب إذا أزاله حين استيقظ، فأجراه اللخمي على الخلاف بين مالك وابن القصار، فيمن تطيب وأزاله بالقرب وقد تقدم. خليل: وفيه نظر؛ لأن النائم أعذر.
قوله: (وَلَكِنْ بِغَيْرِ الصِّيَامِ) أي: حيث لزمت الملقي فلا يصوم، وهو ظاهر؛ لأنه في معنى الصوم عن الغير. أشهب: وأما لو حلق رأسه أو قصر شاربه فالفدية على النائم لبقاء الانتفاع به بعد الإحرام. عبد الحق وابن يونس: وهو خلاف المدونة في التفرقة بين ما لا يبقى أو يبقى.
стр. 1169
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ) أي: الفاعل ما ينسك به أو يطعم (افْتَدَى الْمُحْرِمُ) وهل ذلك مندوب أو واجب؟ قولان: ابن المواز: وإن كان الفاعل عديماً ولم يقدر عليه، فليفتد هذا المحرم عن نفسه، وظاهره الوجوب. ابن يونس: وهذا على رأيه فيمن أكره زوجته وهو محرم أن عليها أن تحج قابلاً وتهدي وتتبعه بالأقل من ثمن الطعام أو النسك. ولابن القاسم في العتبية أن الزوج إذا كان عديماً وهي مليئة ليس عليها حج، فعلى هذه الرواية ليس على النائم المطيب إذا كان الفاعل عديماً فدية؛ لأن الفدية إنما تعلقت بغيره وهذا أبين. انتهى. ونحوه لعبد الحق. وزاد أن الصواب لا شيء عليه.
وقوله: (مَا لَمْ يَفْتَدِ بِصِيَامٍ) أي: إذا قلنا أن الملقي عليه يفتدي فإنه يتبعه بالأقل من الطعام والنسك، إلا أن يفتدي بصيام فلا رجوع له على الملقي، إذ لا ثمن له.
فرع:
فإن كان الذي طيب النائم محرماً، فقال ابن القاسم: تجب على الفاعل فديتان: فدية لمسه، وفدية [٢٠٢/ب] التطيب للنائم. وقال ابن أبي زيد: ليس عليه إلا فدية واحدة كما لو طيب نفسه. ابن يونس وغيره: والأول أصوب.
وَيَحْرُمُ تَرْجِيلُ الرَّاسِ وَاللِّحْيَةِ بِالدُّهْنِ بَعْدَ الإحرام لا قَبْلَهُ بِخِلافِ أَكْلِهِ، وَالأَصْلَعُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ ...
الترجيل هو التسريح بالدهن، وإنما حُرِّم لما فيه من الزينة.
وقوله: (بِالدُّهْنِ) أي: وإن لم يكن مطيباً. وإنما جاز قبل الإحرام؛ لأن أثره لا يبقى بعده، أو لا يبقى منه إلا اليسير، بخلاف أكله فإنه جائز. (وَالأَصْلَعُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ) أي: في منع دهن الرأس إلحاقاً له بالغالب.
стр. 1170
فَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ لِعِلَّةٍ بِغَيْرِ طِيبٍ فَلا فِدْيَةَ، وَإِلا فَالْفِدْيَةُ
لعلة من شقوق ونحوها فلا فدية لعموم الحرج. والمراد باليدين باطن الكفين، وأما ظاهرهما فليفتد، نقله ابن حبيب عن مالك.
قوله: (وَإِلا) يدخل فيه ثلاث صور؛ أن يدهنهما لا لعلة، أو لعلة وفيه طيب، أو يدهن غيرهما. وما ذكره المصنف قريب مما في التهذيب قال فيه: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علة أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا لعلة افتدى. واقتصرها ابن أبي زمنين على الوجوب مطلقاً فقال: ليحسنهما أو من علة افتدى. ونقل صاحب النوادر والباجي عن ابن حبيب عدم الفدية في دهن الجسد بغير الطيب مطلقاً.
ابن عبد الحكم: وإن قطر في أذنيه بدهن غير مطيب لوجع به فلا بأس، وكذلك لو جعله في فيه.
وَفِي إِزَالَةِ الْوَسَخِ الْفِدْيَةُ، وَفِي مُجَرَّدِ الْحَمَّامِ قَوْلان
لا خلاف في المذهب في وجوب الفدية بإزالة الوسخ قاله ابن عبد السلام. وحكى اللخمي في وجوب الفدية بالغسل في الحمام ثلاث روايات:
الأولى: الوجوب، ورجحها هو وغيره؛ لأن صب الماء فيه على الجسد مظنة إزالة الوسخ.
والثانية: أنها إنما تجب إن تدلك.
والثالثة: إنما تجب مع التدلك وإزالة الوسخ هذا هو معنى كلامه. والثالثة هي ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: وأكره للمحرم دخول الحمام؛ لأنه ينقي الوسخ، وإن دخله افتدى إذا تدلك وأنقى الوسخ. ابن عبد السلام: وألحق بعضهم بالتدلك صب الماء فيه بعد العرق، ونقل سند عن ابن حبيب جواز دخوله للتدفي.
стр. 1171
وَفِي غَسْلِ رَاسِهِ بِسِدْرٍ أَوْ خَطْمِيٍّ الْفِدْيَةُ بِخِلافِ غَسْلِ يَدَيْهِ بِالحَرْضِ وَنَحْوِهِ
تصوره ظاهر. والخطمي هو: بزر الخبيز. والحرض: الأشنان.
وَفِي الْكُحْلِ الْمُطَيَّبِ الْفِدْيَةُ عَلَى الأَشْهَرِ، وَغَيْرِ الْمُطَيَّبِ إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ مِنْ حَرٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلا فِدْيَةَ، وَإِنْ كَانَ لِزِينَةٍ فَالْفِدْيَةُ، وَقِيلَ: إِلا فِي الرَّجُلِ ....
أي: الكحل المطيب فيه قولان، والأشهر وجوب الفدية، ولم أر مقابله. وغير المطيب على وجهين إن كان لضرورة من (حريقة) أو برد فلا شيء فيه، وإن لم يكن لضرورة فالمرأة عليها الفدية، وفي الرجل قولان المشهور وجوبها. وقال عبد الملك: لا تجب عليه؛ لأنه لاحظ له في الزينة، نقله ابن الجلاب. وحكى ابن راشد الاتفاق على الوجوب في المرأة. التلمساني: واتفق العلماء على منع المرأة من الكحل إذا كان بغير ضرورة؛ لأن ذلك زينة لها. وحكى عبد الوهاب وابن بشير قولا بسقوط الفدية عنها وأنه مكروه.
وَلهَا لُبْسُ الْحُلِيِّ وَالْخَزِّ وَالْحَرِيرِ
لأن حكم المرأة بعد الإحرام كحكمها قبله؛ أعني في اللباس، إلا في ستر وجهها وكفيها، وظاهر كلام القاضي أنها ممنوعن من التزين بالحلي.
ابن عبد السلام: ولكنه شيء انفرد بنقله. انتهى. ونقل سند اختلافا بين أصحابنا في تحريم الزينة كالكحل والحلي للنساء.
وَيَحْرُمُ الْحَلْقُ وَالْقَلْمُ وَإِبَانَةُ الشَّعَرِ مُطْلَقاً بِخِلافِ الْحِجَامَةِ، وَإِنْ كُرِهَتْ إِلا لِضَرُورَةٍ
(الْحَلْقُ) أي: من أي موضع كان. وذكر الحلق وإن كانت الإبانة تعمه؛ لأنه محل النص، وهو قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (.
وقوله: (وَالْقَلْمُ) أي: وتقليم الأظافر، فإن قلم أظفار يديه أو رجليه ابن القاسم: أو ظفر يد واحدة أو ظفرين من يد من غير كسر. قال أشهب: أو قص من كل يد واحدا
стр. 1172
فعليه الفدية. وفي الظفر الواحد تفصيل سيأتي. وما ذكره من كراهة الحجامة إلا لضرورة هو المشهور. وقال سحنون: هي جائزة إذا لم يزل بسببها شعرة في الرأس خيفة قتل الدواب. قال في الكتاب: وإن اضطر محرم إلى الحجامة جاز لمحرم آخر أن يحجمه، ويحلق موضع الحجامة إذا أيقن أنه لا يقتل دواباً. أبو إبراهيم: قف على حلق القفا لحجامة أو غيرها. وكره ذلك مالك في جامع العتيبة، ولم يره حراما. وقد نبه الباجي في المنتقى على إجازة ذلك من غير كراهة من هذا الموضع في جامع الموطأ. وحكى ابن بشير إذا حلق للحجامة قولين في الفدية:
أحدهما: وجوب الفدية للحلق. والثاني: نفي الوجوب لجواز الحجامة. قال: وهل تجب لحلق الرأس أو شيء منه الفدية أو إطعام طعام؟! أما إن انتفع بإزالة الشعث فالفدية واجبة، وأما إن لم ينتفع بذلك فقولان: أحدهما وجوب الفدية. والثاني: وجوب إطعام شيء من الطعام. وهذا مراعاة لقتل الهوام التي تكون في الشعر. انتهى. وما نقله من سقوط الفدية غريب. قال في الموطأ: ولا بأس أن يبط المحرم خراجه ويفقأ دمله، ويقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك.
وَأَمَّا التَّسَاقُطُ بِالتَّخْلِيلِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَوْ بِالرِّكَابِ، أَوْ بأُصْبُعِهِ فِي أَنْفِهِ فَلا فِدْيَةَ ....
تصورة ظاهر. قال في المدونة: وهذا خفيف، ولا بد للناس منه. وفي الموازية: لو سقط شيء من شعر رأسه بحمل متاعه فلا شيء عليه، وكذلك إن جر يده على لحيته، فتسقط منه الشعرة والشعرتان. ابن القاسم: ولو اغتسل فتساقط من ذلك شعر كثير فلا شيء عليه وإن كان تبردا، وإن قتل بذلك قملا برأسه، فلا شيء عليه في [٢٠٣/أ] الجنابة، وعليه الفدية في التبرد. أصبغ: وهذا فيما له بال من الدواب. وأما في مثل الواحدة فليطعم ثمرات أو حفنات من سويق أو كسرات. قال في المختصر: ومن شأنه قرض
стр. 1173
أظفاره أو لحيته بأسنانه فعليه فدية واحدة، وكذلك قال في العتبية. ابن القاسم: يريد مالك في ظني وإن كان مرارا.
وَلا يَغْمِسُ رَاسَهُ فِي الْمَاءِ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ
قال في المدونة: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، وإن فعل أطعم شيئا من طعام. وأكره للصائم الحلال غمس رأسه في الماء، فإن فعل لم يقض إلا أن يدخل الماء حلقه. انتهى. وأجازه ابن وهب وأشهب وعليه أكثر العلماء. أشهب: وما يخاف في الغمس يخاف في صب الماء، وكان ابن وهب وأشهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان؛ إرادة مخالفة ابن القاسم. ونقل عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ربما قال لي عمر ونحن محرومون: تعال نتغاطس لننظر أينا أطول نفسا. قال في الجلاب: ويجوز له أن يغسل رأسه تبردا. وحكى عن مالك كراهة الغسل إلا من ضرورة.
فرع:
كره مالك في العتبية لمن اغتسل أن يجفف رأسه بثوب، قال: ولكن يحركه بيده.
قال في البيان: وإنما كره ذلك مخافة أن يجففه بشدة فيقتل بذلك دواب جسده، ولو جففه برفق لا يخشى معه القتل لم يكره.
وَجَائِزٌ أَنْ يُبْدِلَ ثَوْبَهُ أَوْ يَبِيعَهُ بِخِلافِ غَسْلِهِ خِيفَةَ قَتْلِ دَوَابِِّهِ إِلا فِي جَنَابَةٍ فَيَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ ....
قوله: (وَجَائِزٌ أَنْ يُبْدِلَ ثَوْبَهُ أَوْ يَبِيعَهُ) مثله في المدونة، قال مالك وابن القاسم: لا بأس أن يبيع ثيابه لقمل أذاه فيها أو غيره. وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرض القمل للقتل. قال في البيان: أجاز مالك ذلك. كما يجوز له أن يتركه ويلبس غيره. ورأى سحنون أنه إذا باعه فقد عرض القمل للقتل كما لو طرد صيدا من الحرم إلى الحل. وليس
стр. 1174
هو مثله؛ لأن الصيد أخرج إلى غير مأمن. والقمل يجوز قتله قبل البيع وبعده لغير المحرم.
مالك: ولا بأس أن ينقل القملة من ثوبه أو بدنه إلى مكانها.
ابن الحاج: وسئل مالك عن المحرم يجد عليه البقة وما أشبهها فيأخذها فتموت. قال: لا شيء عليه في هذا.
وقوله: (بِخِلافِ غَسْلِهِ خِيفَةَ قَتْلِ دَوَابِِّهِ) أي: فيكره. كذا في الموازية، لا كما يعطيه ظاهر لفظه أنه ممنوع. وفي معنى الجنابة سائر النجاسات. قال في المدونة: ولا يغسل ثوبه بالحرض خشية قتل الدواب. ابن يونس: زاد في رواية الدباغ عن مالك: وإن فعل افتدى. وقال ابن القاسم: يتصدق بشيء لموضع الدواب. وظاهر كلام المصنف أنه لا يغسله للوسخ، ونحوه في مناسك ابن الحاج. والذي في الموازية جوازه.
ابن الحاج: ولا يجوز له أن يغسل ثوب غيره من محل أو محرم؛ لأنه لا ضرورة تدعوه لذلك كما في ثوبه.
وقوله: (بِالْمَاءِ وَحْدَهُ) قال في الموازية: وإن مات فيه بعض الدواب فلا شيء عليه.
وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَا يُتَرَفَّهُ بِهِ وَيَزُولُ بِهِ أَذىً؛ كَالْعَانَةِ، وَمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ وَالأنْفِ ....
أي: تجب الفدية بكل ما يجمع الترفه ويزيل الأذى، وتصوره ظاهر.
أَمَّا لَوْ نَتَفَ شَعَرَةً أَوْ شَعَرَاتٍ أَوْ قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ قَمَلاتٍ أَطْعَمَ حِفْنَةً بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَحهَا بِخِلافِ الْبُرْغُوثِ وَالْقُرَادِ وَنَحْوِهِ ...
أتى بقملات وشعرات بجمع المؤنث السالم ليدل على القلة؛ لأنه للشعرة فأقل. وما ذكره المصنف قريب مما في المدونة. وظاهر ما حكاه في النوادر خلافه، قال: ومن الموازية من نتف شعرا من أنفه، أو حلق من رأسه لضرورة أو لموضع المحاجم ناسياً أو جاهلا-
стр. 1175
افتدى، وكل ما كان لإماطة أذى– وإن قل– ففيه الفدية، وما كان لغير إماطة أذى ولا لمنفعة– جاهلاً أو ناسياً– فعليه للشعرة أو الشعرات قبضة من طعام. انتهى. ويمكن حمل ما في المدونة على ما إذا نتف الشعرة والشعرات لغير إماطة الأذى، فيتفق ما فيها وما في الموازية. واختلف إذا قتل الكثير من القمل، فقال مالك: عليه الفدية. قال في البيان: ما ورءاه من إماطة الأذى. وقال ابن القاسم: يطعم كسرة. ولأجل أنه ممنوع من قتل الدواب قال مالك: لا يشد في حك ما خفي من جسده، وله ذلك فيما يراه، وإن أدمى جلده.
قوله: (حِفْنَةً) كذا في المدونة. وفي الموازية: قبضة، وهي الحفنة، (بِخِلافِ الْبُرْغُوثِ) أي فله طرحه، وكذلك القراد ونحوه؛ لأنه يعيش بالأرض.
التلمساني: واختلف في البراغيث، فقال في الموازية: لا بأس بقتلها. وذكر ابن الحارث عن مالك أنه يطعم عنها إذا قتلها.
تنبيه:
إذا ثبت منع قتل القمل فهل ذلك من باب إلقاء التفث أو من باب قتل الصيد؟
الباجي: ولم أر فيه نصا. قال: وعندي يحتمل الوجهين: فيشبه الصيد؛ لأنه يحرم قتل القملة توجد بالأرض، ويشبه من جهة أنه لا يجوز إلقاؤها عن الجسد إلقاء التفث؛ إذ الصيد يجوز له إلقاؤه عن نفسه، وثبت له الشبهان، ويحتمل أن يمنع من الطرح لما فيه من تعريضه للقتل، فكان كمن أزال فرخ صيد من موضعه. ثم إن قلنا: هو من باب الصيد تعلقت الفدية بقليله كما تتعلق بكثيره، وأن قلنا: إنه من باب إلقاء التفث تعلقت بكثيره دون قليله كالشعر انتهى المعنى.
خليل: وقوله: إن قلنا إنه من باب الصيد تعلقت الفدية بقليله مشكل؛ لأنه لا نعلم في المذهب في قتل [٢٠٣/ب] قملة أو قملات قولاً بوجوب الفدية أصلاً. وقد قال مالك: لا بأس أن يفلي الحلال في الحرم، وكذلك قال ابن راشد: ظاهر المذهب أن قتل القمل ليس من باب الصيد.
стр. 1176
وَفِي تَقْرِيدِ بَعِيرِهِ يُطْعِمُ عَلَى الْمَشْهُورِ، بِخِلافِ الْعَلَقِ وَنَحْوِهِ
تقريد البعير: هو إزالة القراد عنه وظاهر كلام المصنف أن القولين في مجرد التقريد.
ابن عبد السلام: والذي حكاه غيره أن القولين إنما هما إذا قتل القراد.
قوله: (بِخِلافِ الْعَلَقِ) أي: وسائر الحيوان إلا القراد والحلم ونحوه مما هو من دواب جسده. الباجي: وكذلك للإنسان أن يطرح عن جسده القراد والنمل ونحوهما مما ليس من دواب جسده. الباجي: ولا يقتل شيئا من ذلك، فإن قتله فقد قال مالك: يطعم، وقال مرة: أحب إلي أن يطعم. وإن ابتدأ الإنسان شيء بالضرر فقتله فقد قال مالك: في محرم لذغته ذرة فقتلها وهو لا يشعر أرى أن يطعم شيئا وكذلك النملة. انتهى.
وَلَمْ يُحِدَّ مَالِكً فِيمَا دُونَ إِمَاطَةِ الأَذَى أَكْثَرَ مِنْ حِفْنَةٍ
تصوره ظاهر.
فرع:
كره مالك في العتبية للمرأة المحرمة النظر في المرآة خيفة أن يدعوها النظر فيها إلى إزالة شعث، قال: وليس من شأن المحرم تسوية الشعر، فإن فعل فلا شيء عليه، وليستغفر الله، وإن نظر فيها لوجع فلا بأس.
وكره مالك في العتبية إنشاد الشعر إلا ما خف. وأجاز ذلك ابن حبيب، ما لم يكن فيه خنا، أو ذكر النساء.
وَلَوْ قَلَّمَ ظُفْراً وَاحِداً لإِمَاطَةِ الأَذَى افْتَدَى، وَإِلا فَحِفْنَةٌ، أَمَّا لَوِ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ فَقَلَّمَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
يعني: أن لتقليم المحرم الظفر الواحد ثلاثة أحوال: إن قلمه لإزالة شعث، بإن استبشع طوله فعليه الفدية كاملة وهذا هو المشهور. وفي الجلاب: يطعم مسكينا. وعن أشهب: يطعم شيئا. وإن انكسر فقلمه لذلك لم يكن عليه شيء.
стр. 1177
التونسي: وعلى هذا لو انكسر له ظفران أو ثلاثة فقلمهما لذلك ما كان عليه شيء قال: ولم يجعله إماطة أذى بإزالة المكسور كما قال إذا نتف شعرة من عينه أن ذلك إماطة أذى، وإن لم يكن لأحد الأمرين، وإليه أشار بقوله: (وإلا فحفنة) من طعام.
فرع:
إن قلم أظفاره لأجل أن بأصابعه قروح لا يقدر على مداواتها إلا بتقليم أظفاره، فإن ذلك جائز، وعليه الفدية، قاله مالك.
وَلَوْ فَعَلَ الْحَلالَ بِالحَرَامِ مَا يُوجِبُ الفِدْيَة بِإِذْنِهِ فَعَلَى الْحَرَامِ، وَمَكْرُهَاً أَوْ نَائِمَاً فَعَلَى الْحَلالِ ....
اعلم أن الأقسام أربعة، تكلم المصنف على ثلاثة وترك الرابع لوضوحه وهو فعل الحلال بالحلال.
الأول من الثلاثة: إذا فعل الحلال بالحرام ما يوجب الفدية بإذنه أي: بإذن المحرم.
ابن عبد السلام: وفي معناه عندي أن لا يأمره ويبتدئ ذلك الحلال من نفسه فيتركه الحرام اختيارا. مثال ذلك ما لو حلق رأسه، أو قلم أظفاره أو طيبه.
وقوله: (وَمَكْرُهَاً أَوْ نَائِمَاً فَعَلَى الْحَلالِ) أما المكره فواضح، وأما النائم فمراده إذا لم يتراخ النائم في الإزالة بعد الاستبقاظ، وأما لو تراخى لزمت النائم كما تقدم.
وَلَو حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَاسَ حَلالٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَفْتَدِي، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حِفْنَةٌ؛ لِمَكَانِ الدَّوَابِّ، وَلَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
هذا هو القسم الثاني، وهو عكس الذي قبله. وحمل البغداديون قول مالك على ظاهره.
ابن عبد السلام: وحمله التونسي على الحفنة، فيكون وفاقا لقول ابن القاسم. انتهى.
خليل: والذي في العتبية حمل كلام مالك على ظاهره، وتردد ابن يونس في حمل كلام مالك على الخلاف أو الوفاق، وحمله الباجي واللخمي على الخلاف. ولفظ اللخمي: فإن لم
стр. 1178
يكن برأس الحلال قمل فلا شيء عليه، وإن كان يسيرا أطعم شيئا من طعام، وإن كان كثيراً فقال مالك: يفتدي. وقال ابن القاسم: يتصدق بشيء من طعام. واختلف في تعليل الفدية، فقال بعض البغداديين: هي للحلاق. وقال عبد الحق: هي للدواب.
سند: وهو الأظهر، وإلى الأول ذهب صاحب البيان، قال: ووجه حمل قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ (على عمومه في رأسه ورأس غيره. وتأول أيضاً ما وقع في العتبية: أن رجلا أعطى جارة له إزاراً له تفليه من القمل وهو محرم، وجرايته محرمة –أن عليه الفدية؛ على أن ذلك لأجل أنه أماط بذلك عن نفسه أذى، لا من ناحية قتل الدواب.
قال: وقد قال يحيى عن ابن القاسم: إنما قال ذلك مالك احتياطاً، ولو أطعم شيئاً من طعام أجزأه. انتهى. وقال التونسي: نص مالك في القمل إذا كثر أن فيه فدية الأذى وإن قتله في رأس حلال، وهو مشكل؛ لأنه لم يمط عن نفسه أذى ولا عن محرم، وإنما أماطه عن حلال، وهو لو أماط الأذى عن حلال لم يلزمه شيء، كما لو قلم أظفار حلال أو حلق شعره في موضع يتيقن أنه لا دواب فيه. قال: فصارت الفدية لقتل الدواب خاصة. وقد كان يجب ألا يكون في ذلك فدية، وإنما في ذلك جزاء ما قتل، ويحتاج حينئذ إلى حكومة، كما يحكم في الجراد والذر والنمل؛ لأنه لا بد في ذلك من حكومة. فما الفرق بين القمل إذا لم يمط به أذى عن نفسه وبين الذر والجراد؟ انتهى.
قوله: (وَلَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ) ظاهر، وهو يرجح من تأول أن الفدية للقمل لا للحلق، إذ لو كانت للحلق لوجبت هنا للقلم.
وَلَوْ حَجَمَ مُحْرِمٌ مُحْرِماً فَحَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْجُومِ، وَعَلَى الْحَالِقِ حِفْنَةٌ؛ لِمَكَانِ الدَّوَابِّ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَلا دَوَابَّ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ ....
هذا هو القسم الثالث، وتصوره [٢٠٤/ أ] ظاهر.
стр. 1179
وَلَو لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ فِي فَوْرِ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ تُجْزِئهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ تَرَاخَتْ لَتَعَدَّدَتْ كَمَا لَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ الْيُمْنَى الْيَوْمَ وَالْيُسْرَى غَداً ....
يعني: إذا تعددت موجبات الفدية في فور فالمذهب أنها تجزئ فدية واحدة كسجود السهو، وكما لو بال وغاط ولمس. وقال اللخمي: إن كانت نيته أولا فعل جميعها فعليه فدية واحدة، وإن كانت نيته أحدها ثم حدثت نية أخرى بعد أن فعل– فمذهب المدونة أن عليه فدية واحدة، ويتخرج فيها قول بالتعدد مما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وهذا والله أعلم مراده بمقابل المشهور، ولهذا كان الأولى أن يقول: على المنصوص. ابن عبد السلام: ويمكن أن يخرج فيها الخلاف مما قاله ابن الماجشون وابن المواز فيمن لبس مئزرا فوق مئزر أن عليه فديتين، ولا إشكال في تعددها مع التراخي.
وَلَوْ تَدَاوىَ لِقُرْحَةٍ بِمُطَيِّبٍ مِرَاراً فَكَذَلِكَ إِلا أَنْ يَنْوِيَ التَّكْرَارَ فَفِدْيَةٌ وَإِنْ تَرَاخَى يَتَعَدَدَ
قوله: (فَكَذَلِكَ) أي: فتتعدد، إلا أن ينوي التكرار.
وتقرر لنا من هنا أن موجبات الفدية إن تعددت في فور فليس فيها إلا فدية واحدة.
وكذلك إذا لم تكن في فور ولكن نوى بها التكرار. وإنما يلزم تعددها إذا لم تكن في وقت واحد ولم ينو التكرار.
وَلَوْ لَبِسَ لُبْسَاتٍ فَكَذَلِكَ
فإن كان في وقت واحد ففدية واحدة، وإن تراخى تعددت، إلا أن ينوي التكرار.
وَلَوْ قَدَّمَ لبس الثَّوْبَ ثُمَّ لَبسَ السَّرَاوِيلَ فَفِدْيَةٌ وَإِنْ تَرَاخَى، ولَوْ عَكَسَ الأَمْرَ وَتَرَاخَى تَعَدَّدَتْ ....
اعلم أن أصحابنا إنما يوجبون الفدية باللباس إذا حصل به انتفاع من حر أو بر. ولهذا قال مالك: من ابتاع خفين فقاسهما في رجليه وهو محرم فال شيء عليه. ولهذا لم
стр. 1180
يوجبوا على من لبس سراويل بع القميص، أو لبس العمامة بعد القلنسوة، أوجبة بعد القميص – إلا فدية واحدة؛ لاتحاد أمر المنفعة، ولو عكس تعدد؛ لأنه انتفع بالقميص ثانيا غير ما انتفع به أولا، وينبغي أن تقيد الأولى بما إذا كان السراويل لا يفضل عن الثوب. والى ذلك أشار المازري في مسألة القلنسوة والعمامة، وأما إذا نزل فتتعدد الفدية؛ لأنه انتفع ثانيا بغير ما انتفع به أولا، بل قال اللخمي: القياس أن يكون عليه في السراويل والجبة فدية ثانية، قال: وقال محمد فيمن ائتزر بمئزر فوق مئزر أن عليه فديتين، إلا أن يبسطهما ثم يأتزر بهما. وذكر ابن عبدوس عن عبد الملك مثله. وإن لبس قميصا وهو صحيح ثم مرض ثم صح ففدية واحدة.
محمد: وإن لبسه لمرض ثم صح وتمادى على لبسه فعليه فديتان؛ يريد لأن نيته كانت أن يلبسه للمرض خاصة. وقد بعد ما بين النية الأولى والثانية، والقياس على أصله أن لا شيء عليه في التمادي؛ لأنه بانقضاء المرض تمادى في اللباس فأشبه ما قرب فعل بعضه من بعض. ولذلك إن تطيب وهو صحيح ثم مرض ثم صح وهو عيه ففدية واحدة. وكذلك إن استعمل ذلك لمرض ثم صح وهو عليه ولم يغسله كان عليه على قول محمد فديتان، وإن وصف له طيب فاستعمله ثم أصاب طيب آخر بقرب الأول ففدية واحدة، وإن تباعد ما بينهما وذهبت رائحة الأول ففديتان، وكذلك إن لم تذهب رائحة الأول حتى استعمل الثاني؛ لأنه لو لم يستعمل الثاني ذهبت رائحة الأول قبل ذلك. انتهى.
ثُمَّ حَيْثُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسٍ أَوْ خُفٍّ فَيُعْتَبَرُ انْتِفَاعُهُ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ دَاوَمَ كَالْيَوْمِ فَإِنْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ فَلا فِدْيَةَ ....
موجبات الفدية قسمان: منها ما يقع الانتفاع به كحلق الشعر والطيب وهذا تجب فيه الفدية من غير تفصيل، ومنها ما لا ينتفع به إلا بعد طول فلا تجب فيه الفدية إلا بالانتفاع. وتصور كلامه ظاهر. وذكر اللخمي وغيره قولين في وجوب الفدية إذا صلى بثوب صلاة، بناء على أنه هل يعد طولا أم لا؟
стр. 1181
وَلا إِثْمَ عَلَى ذِي عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ
يعني: أن وجوب الفدية لا يستلزم وجوب الإثم، بل كل من وجبت عليه الفدية إن فعل موجبها لعذر لم يكن عليه إثم، وكان عليه الفدية فقط. وإن لم يكن لعذر فعليه الإثم والفدية. والأصل في هذا قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (.
تنبيه:
وربما ارتكب بعض العوام شيئا من المحرم وقال: أنا أفتدي متوهما أنه بالفدية يتخلص من الإثم وذلك خطأ صريح وجهل قبيح، وذلك بمنزلة من يقول: أنا أشرب الخمر والحد يطهرني، قال مالك في الموازية: ولا ينبغي أن يتعمد المحرم ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية وأنا أعظه عن ذلك.
وَيَحّرُمُ بِكُلٍّ مِنَ الإحرام لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَو الْحَرَمِ صَيْدُ الْبَرِّ كُلِّهِ؛ مَاكُولاً أَوْ غَيْرَهُ مُتَأَنَّساً أَوْ غَيْرَهُ مَمْلُوكاً أَوْ مُبَاحاً فَرْخاً أَوْ بَيْضاً أو غَيْرَهُمَا ....
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ([المائدة: ٩٥] فقيل: وقد أحرمتم بحج أو عمرة، وقيل: وقد دخلتم في الحرم. وقيل: هما مترادفان، فإنه يقال: أحرم فلان إذا دخل في الحرم، وهذا القول هو الذي اعتمد عليه الفقهاء، ولهذا قال المصنف: (بِكُلٍّ مِنَ الإحرام) و (الْحَرَمِ).
واحترز بقوله: (صَيْدُ الْبَرِّ) من صيد البحر فإنه حلال. وطير الماء حرام كغيره. قال في المدونة: والضفدع وترس الماس من صيد البحر.
أشهب: وقد قيل: في الضفدع يطعم شيئاً. الباجي: راعى في هذه الرواية قول ابن نافع أنه لا يؤكل إلا بذكاة، قال: وكذلة على قوله في السلحفاة لا تؤكل إلا بذكاة، ولا يجوز للمحرم
стр. 1182
اصطيادها. قال في المدونة: وهذه السلحفاة التي تكون [٢٠٤ / ب] في البراري هي من صيد البر، إذا ذكيت أكلت ولا تحل إلا بذكاة ولا يصيدها المحرم.
والجراد عندنا من صيد البر، نص عليه في المدونة. ونبه بقوله: (مَاكُولاً أَوْ غَيْرَهُ) على خلاف الشافعي ﵁ في قصره ذلك على المأكول.
وَاسْتُثْنِيَ الْفَارَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدْأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ
الاستثناء في السنة فقد روي في الصحيحين أنه ﵊ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم؛ الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" ولمسلم: "خمس فواسق". بالإضافة من غير تنوين.
ابن دقيق العيد: وبين الإضافة والتنوين فرق دقيق في المعنى، ذلك أن الإضافة تقتضي الحكم على خمس من الفواسق بالقتل، وربما أشعر بالتخصيص، بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم، وأما مع التنوين فإنه يقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يشعر بأن الحكم المرتب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفا وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم لكل فاسق من الدواب، وهو ضد ما اقتضاه الأول من المفهوم وهو التخصيص. انتهى.
وفي الصحيح أيضاً: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحداة". فأقسط في هذا الحديث العقرب، وزاد الحية فوجب جمعهما معاً لصحة الحديثين. ابن عبد السلام: وزاد في هذا لفظ الأبقع، وهل لفظ الغراب مطلق، فيكون الأبقع مقيد له، أو عام، فيكون هذا على وفقه لا مخصصاً؟ في ذلك نظر. والأقرب هو الثاني. وقد ذهبت فرقة إلى أن النهي مقصور على الغراب الأبقع انتهى.
стр. 1183
قال في الذخيرة: ويلحق بالفأرة ابن عرس، وما يقرض الأثواب من الدواب، ويلحق بالعقرب الرتيلا.
وهل يقتل الوزغ؟ قال مالك: لا بأس بقتل الحلال الوزغ في الحرم. مالك: ولو تركت لكثرت وغلبت. الباجي: فجعل مالك ﵀ أذاها في كثرتها؛ لأن لها أذى بإفساد ما تدخل فيه. مالك: وسمعت أنه ﵊ أمر بقتلها، وللمحرم أن يقتلها في الحل والحرم. الباجي: ومعنى ذلك أنه لا يكون غالبا إلا في البيوت وحيث يقتله ويدفع مضرته الحلال ومدة الإحرام يسيرة. وحمل مالك أمره ﵊ بقتله على الحلال سواء كان في الحرم أو غيره. مالك: وإذ قتله المحرم أطعم كسائر الهوام.
وقال اللخمي: القياس أن يقتل قياسا على العقرب، وكذلك مال ابن عبد البر إلى جواز قتله، قال: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ أنه أمر بقتل الوزغ وسماه فريسقا. وقد أجاز مالك قتل الأفعى وليست من الخمس.
وَهُوَ الأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَعْدُو، وَقِيلَ: الإِنْسِيُّ الْمُتَّخَذُ
يعني: أنه اختلف في تفسير الكلب العقور، فالمشهور أنه كل عاد من السباع.
ابن عبد السلام: والشاذ أنه الكلب الأنسي. وتبع المصنف في نقله الشاذ ابن بشير وابن شاس، وأظن أنهما رأيا ما في اللخمي وهو قوله: وظاهر قول أشهب أنه الأنسي؛ لأنه قال: يقتل الكلب وإن لم يعقر. انتهى. زاد في النوادر وإن كان كلب ماشية. وليس في هذا اللفظ ما يدل على الحصر؛ لاحتمال أن يقول أشهب: يقتل مع ذلك الأسد والنمر ونحوهما، بل نص أشهب وهو في النوادر قبل الكلام الذي حكاه اللخمي ومتصل به على أنه يقتل صغار السباع، وهو يقتضي أنه قائل بقتل السباع. والأشبه ما قاله بعضهم على أنهم اتفقوا على دخول السباع تحت لفظ الكلب العقور، واختلفوا في الكلب والمشهور عدم دخوله، واحتج من قال إن المراد بالكلب العقور هو الأسد ونحوه بما رواه
стр. 1184
الترمذي وحسنه أنه ﵊ قال في عتبة بن أبي لهب: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فعدا عليه الأسد فقتله. انتهى كلام ابن عبد السلام باختصار.
خليل: وقد يقال إن معنى قول ابن بشير وابن شاس والمصنف في الشاذ أنه الأنسي المتخذ أنه يلحق بذلك السباع من باب أولى، ويكونوا استغنوا بالأخف عن الأشد، وعلى هذا فيستوي كلامهم مع ما نقله الباجي.
ولم يختلف قول مالك في الأسد والنمر والفهد أنه يجوز قتلها. واختلف قوله في الذئب، فروى ابن عبد الحكم إباحة ذلك، ومنعه مالك مرة.
ولا يقتل المحرم ضبعاً ولا ثعلباً ولا هراً وحشياً ولا إنسياً، ولا قرداً، ولا خنزيراً برياً أو بحرياً. وعن مالك: وفدى ذلك كله. وروي عن مالك قتل القرد والخنزير، ووقف مع محمد في خنزير الماء. ابن حبيب: ولا يقتل الدب، فإن قتله فعليه جزاؤه.
مالك: ولا بأس بقتل البراغيث. وقال أيضا: إن أطعم لذلك شيئا فهو أحب إلي.
وَفِي الْغُرَابِ وَالْحِدْأَةِ غَيْرِ الْمُؤْذِيَيْنِ قَوْلانِ كَصِغَارِهِمَا وَمَا آذَى مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ كَغَيْرِهِمَا ....
منشأ الخلاف في الغراب والحدأة غير المؤذيين هل النظر إلى اللفظ فيقتلان أو إلى المعنى فلا يقتلان؟ الباجي: وقد اختلف قول مالك ﵀ في إباحة قتلهما ابتداء. وظاهر مذهبه ما أثبته في الموطأ وهو الأشهر عنه –إباحة قتلهما. وروى عنه أشهب منع ذلك للمحرم. وفي الجواهر: المشهور أن الغراب والحدأة يقتلان. وإن لم يبتدئا بالأذى. وروى أشهب المنع وقاله ابن القاسم. وقيل: إلا أن يؤذيا فيقتلان، وإن قتلهما من غير أذى فلا شيء عليه. ومراد المصنف بـ (غَيْرِ الْمُؤْذِيَيْنِ) من لم يفعل الإذاية، لا من لم يؤذ ألبتة؛ لعدم تحقق ذلك.
قوله أيضا: (كَصِغَارِهِمَا) أي: [٢٠٥/أ] فيها أيضا القولان. ابن راشد وغيره: والمشهور القتل؛ لعموم الحديث. وقال ابن هارون: المشهور في الصغار المنع.
стр. 1185
وقوله: (وَمَا آذَى مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ كَغَيْرِهِمَا) أي: فالقولان أيضاً في قتل الطير إذا أذى. قال الباجي: لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز قتل سباع الطير غير ما في الحديث ابتداء، ومن قتلها فعليه الفدية، فإن ابتدأت بالضرر فلا جزاء على قتلها على المشهور من المذهب فيمن عدت عليه سباع الطير أو غيرها. وقال أشهب: عليه في سباع الطير الفدية وإن ابتدأت بالضرر. وقال أصبغ: من عدا عليه سبع من الطير فقتله وداه بشاة. ابن حبيب: هذا من أصبغ غلط. واختج ابن القاسم في المبسوط أن الإنسان أعظم حرمة من الصيد، فإن قتله الإنسان دفاعا عن نفسه فلا شيء عليه. انتهى. وهذا يؤخذ من كلام المصنف؛ لأن قوله: (مَا آذَى) يدل ظاهرة على أنه فعل الإذاية، ولم أر ما حكاه من الخلاف فيما آذى من غير طير والمنقول عدم جواز القتل.
وَعَلَى أَلا يَقْتُلَ الْجَمِيعَ فَفِي الْجَزَاءِ قَوْلانِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ عَدَا عَلَيْهِ سَبُعٌ مِنَ الطَّيْرِ وَقَتَلَهُ فَدَاهُ بِشَاةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هَذَا غَلَطٌ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، وَإلا فَلا خِلافَ ....
أي: إذا فرعنا على عدم القتل في الجميع؛ أي: في الغراب والحدأة غير المؤذيين والصغار وما عدا من الطير فهل عليه جزاء تحقيقا للمنع أم لا؛ للاختلاف في ذلك؟ وعين في الجواهر في مسألة الطير المؤذي غير الغراب والحدأة – ينفي الجزاء. ويشكل قول أصبغ من وجهين:
الأول: أنه يجوز دفع الصائل من الآدمي ولا شيء فيه عليه، فكيف بهذا؟!
الثاني: تخصيصه بشاة والقياس أن تكون فيه القيمة، وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ على أنه كان قادرا على الدفع بغير القتل، وأما لو تعين القتل في الدفع فلا يختلف فيه. وما حكاه المصنف عن أصبغ كذلك حكاه الباجي وغيره، وقد تقدم لفظ الباجي، وما ذكره ابن عبد السلام هنا ليس بظاهر.
стр. 1186
وَيُقْتَلُ صِغَارُ غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْتَثْنَى، وَفِي صِغَارِ الْكَلْبِ قَوْلانِ
الضمير في (غَيْرِهِمَا) عائد على (الغراب والحدأة) ومراده صغار الفأرة والحية والعقرب؛ لأن صغار هذه الأشياء تؤذي كما تؤذي كبارها.
وقوله: (وَفِي صِغَارِ الْكَلْبِ قَوْلانِ) زاد بعضهم الكراهة ونسبه لابن القاسم وابن حبيب. ومذهب المدونة عدم القتل. ابن القاسم: وإن قتلها لم يفدها. وقال أشهب: يفديها، وكان الأولى أن يذكر صغار الكلب مع صغار الغربان والأحدية ويذكر في الجميع قولين.
فرع:
نص عبد الوهاب على أن الزنبور مما يجوز للمحرم قتله. ونص في الجلاب على أنه يطعم إن قتله. فيحتمل أن يكون خلافا. ويحتمل أن يكون كلامه في الجلاب على ما إذا قتله في عشه، وكلام عبد الوهاب على ما إذا ابتدأ بالضرر. وقد ذكر إسماعيل القاضي أنه اختلف في الزنبور.
وَيَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ تَسَببُّبٍ أَوْ بَقَاءِ يَدٍ، وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ كَقَتْلِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ لِحَاقَهُ بِجِنْسِهِ بِغَيْرِ نَقْصٍ فَلا جَزَاءَ وَيُنْقِصُ فِيمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ قَوْلانِ، وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلانِ ....
أي: ويلزم الجزاء بقتل ما لا يجوز قتله بمباشرة أو تسبب أو بقاء يد عليه، وتعريضه للتلف موجب للجزاء كقتله. ففي المدونة: من طرد صيدا فأخرجه من الحرم فعليه جزاؤه. وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يظن أنه ينجو هناك؛ لأن أشهب نص على أن من أخذ صيدا من الحرم وطرحه في الحل أنه لا شيء عليه إذا كان مما ينجو بنفسه. ابن يونس: ونحوه لابن القاسم. انتهى.
لكن حكى التونسي في إخراج الصيد قولين؛ أولهما: الجزاء وأطلق، ثم قال: وقيل: إذا أخذه من الحرم ثم أطلقه في الحل وكان ينجو بنفسه ولو كان في الأندلس أنه لا جزاء
стр. 1187
عليه، وفيه نظر؛ لأنه أخذه من محل أمن إلى محل يقصد اصطياده فيه، لا سيما إن تحققنا أنه لا يبلغ الحرم لبعد المسافة. انتهى.
وكذلك يلزم الجزاء إذا نتف ريشه وغاب عنه. فإن أمسكه متى نسل ريشه وتحقق لحاقه بالصيد من غير نقص فلا شيء عليه على المشهور. وقال بان حبيب: يطعم مسكيناً. وقال محمد: يتركه حيث نتف ريشه ويخرج جزاءه، واختلف إذا تيقن لحاقه بنقص هل يلزمه ما بين القيمتين؟ المشهور وهو مذهب المدونة لا شيء عليه؛ لأن الجزاء كالكفارة، فكما لا يلزم بعض الكفارة في أبعاض الإنسان لا يلزم بعض الجزاء في أبعاض الصيد، ولفظها: وليس في جراح الصيد إذا تيقن أنها سلمت من ذلك الجرح – شيء. وقال ابن المواز: يلزمه ما بين القيمتين قياساً على سائر الممتلكات، فيقوم مثلا صحيحا بعشرين مدا، وبالعيب بخمسة عشر، فيخرج خمسة. وحمل اللخمي وغيره قول ابن المواز على الخلاف.
ابن يونس: ويحتمل الوفاق، ويحمل قول ابن القاسم لا شيء عليه إذا تيقن أنه سلم، أي: سلم بغير نقص. ابن عبد السلام: والظاهر الخلاف. وكلام المصنف إنما يتم عليه.
قوله: (وَإِنْ شَكَّ فَقَوْلانِ). ابن هارون: مذهب محمد الوجوب وهو ظاهر المدونة فإنه قال: من جرح صيداً وهو محرم فغاب مجروحاً فعليه جزاؤه. والقول بالسقوط لابن الماجشون؛ لأن الأصل برازة الذمة. [٢٠٥/ب] وهذا الخلاف إنما هو إذا لم تنفذ مقاتله.
وفي اللخمي: إن جرح صيداً ثم نجا بنفسه، فإن أنفذ مقاتله كان له حكم الميت وفيه الجزاء. وإن أصاب موضعا الغالب حياته لم يجب جزاؤه، وإن أشكل أمره فقولان.
فرع:
قال في الذخيرة: وإن قلنا بالجزاء فليؤخر لئلا يكفر قبل موت الصيد، فإن أخرج جزاءه مع الشك ثم عطب بعد ذلك ففي الجلاب: عليه جزاءان.
стр. 1188
التلمساني: لأنه أخرج الجزاء قبل وجوبه عليه.
وَالتَّسَبُّبُ كَشَبَكِةٍ، أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ، أَوِ التَّقْصِيرِ فِي إِمْسَاكِهِ أَوْ رِبَاطِهِ، أَوْ تَنْفِيرِ صَيْدٍ
قوله: (كَشَبَكِةٍ) أي: كنصب شبكة، أو شرك لأجل الصيد، فوقع فيها صيد فعطب. وأما إذا نصب الشبكة لذئب أو سبع فسيأتي.
وقوله: (أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ) أي: على الصيد. وسمى المصنف ما ذكره تسبباً؛ لأنه لا يباشر القتل، وتصور كلامه ظاهر.
وَالتَّسَبُّبُ الاتِّفَاقِيُّ كَمَا لَوْ رَآهُ الصَّيْدُ فَفَزِعَ فَمَاتَ أَوْ فَرَّ فَعَطِبَ فَفِي الْجَزَاءِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ....
مراده بـ (الاتِّفَاقِيُّ) ما لا يقصد معه الصيد ألبتة، لكن أدى إلى هلاك الصيد. واختار ابن المواز والتونسي قول أشهب وهو أظهر. ولا تكون حرمة الصيد أعلى من حرمة الآدمي.
التونسي: إلا أن يريد ابن القاسم أنه نكب عن الطريق ومشى في طريق الصيد حتى عرض نفسه لرؤية الصيد. اللخمي وغيره: وقال أصبغ: لا شيء عليه إلا أن يكون من المحرم حركة يفر بها؛ يريد حركة على الصيد، وأما حركته لشغله فلا شيء عليه. انتهى.
وظاهره أنه ثالث، وفيه نظر. ووافق ابن القاسم على سقوط الجزاء إذا حفر بئر الماء.
قيل: وهي مناقضة لا شك فيها، وحكى بعضهم في مسالة البئر قولا بالجزاء في مسألة البئر وهو ضعيف.
وَلَوْ قَتَلَهُ غُلامُهُ ظَانّاً أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَالْجَزَاءُ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى الْعَبْدِ أَيْضاً إِنْ كَانَ مُحْرِماً ....
كلامه في المدونة أبلغ من كلام المصنف. قال فيها: وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيدا كان معه فظن العبد أنه أمره بذبحه فذبحه فعلى السيد الجزاء، وقال أشهب:
стр. 1189
الأحسن إلا شيء على السيد كان العبد حلالا أو حراما؛ لأن الخطأ من العبد. ابن هارون: وهذا هو الذي أشار إليه بقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) وكان حقه أن يقول على المنصوص؛ لأن هذا ليس بقول للمتقدمين.
وقوله: (وَعَلَى الْعَبْدِ أَيْضاً إِنْ كَانَ مُحْرِماً) ظاهر، وهو في المدونة، وتأول ابن الكاتب ما قاله مالك من وجوب الجزاء على السيد بأن السيد هو الذي تسبب لعبده في أخذ الصيد، قال: وأما إن صاده العبد بغير إذنه فلا شيء على السيد؛ لأنه لم يفعل إلا خيراً إذ نهى عبده عما يحل. وقال ابن محرز: وهو تأويل يحيل المسألة؛ لأنه إذا تسبب له السيد في الصيد فسواء قتله العبد بأمر ظنه من أمر السيد أو كان هو الذي تعدى فقتله. قال: والظاهر أن مالكاً أوجب الجزاء لأمره الذي أخطأ به العبد، كان من السيد في أصل صيده تسبب أم لا.
وَلَوْ نَصَبَ شَرَكَاً أَوْ حَفَرَ بِئْراً خَوْفاً مِنْ ذِئْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ هِرٍّ فَاتَّفَقَ فَالْجَزَاءُ بِخِلافِ فُسْطَاطِهِ أَوْ بِئْرٍ لِمَاءٍ ....
ما ذكره من وجوب الجزاء إن نصب شركاً مخافة من ذئب أو سبع على نفسه أو على غنمه هو مذهب المدونة. وقال ابن القاسم فيها: لأن مالكاً قال فيمن حفر بئراً في منزله لسارق فإنه يضمن ما وقع فيها من سارق أو غيره، وقال سحنون: لا جزاء عليه في الصيد؛ لأنه فعل ما يجوز له، بخلاف السارق. وقال أشهب: إذا كان في موضع يتوقع فيه الصيد فعليه الجزاء، وإلا فلا. ابن المواز: وهو أحب إلينا. وقال اللخمي أيضا: هو أحسن، لكن لا شيء عليه إذا كان موضعا لا يخاف على الصيد منه، وإن خيف عليه ونصب ليدفع الذئب والسبع عن غنمه أو نفسه فالجزاء إن قدر على صرفه بغير ذلك، وكذلك إن لم يقدر على أصل مالك أن المضطر للصيد يأكل الميتة؛ لأنه إذا لم يبح ذلك في صيانة نفسه
стр. 1190
لم يبح في صيانة المال. وأرى أن يمنع إن خشي تلف الشاة أو الشاتين لا تلف الكثير.
انتهى باختصار.
ورد بأن مسألة المضطر التي تكلم عليها مالك إنما هي في حق واجد الصيد والميتة أيهما يقدم، لا في حق من لا يجد إلا أحدهما وخشي علي نفسه، فلا شك أنه يأكل ما وجد.
وقوله: (بِخِلافِ فُسْطَاطِهِ) أي: فلا شيء عليه. وهكذا في المدونة. ونقل ابن الجلاب فيها عن ابن القاسم وجوب الجزاء، وه وضعيف.
وَلوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى أَسَدٍ فَقَتَلَ صَيْداً فَقَوْلانِ
مذهب المدونة الوجوب. والقول لعدم الجزاء لأشهب. اللخمي: وهو أبين. ومنشأ الخلاف النظر إلى الإرسال وهو فاعله أو إلى قصده ونو لم بقصد الصيد؟
وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدٍ عَصَى، فَإِنْ قَتَل فَفِي الْجَزَاءِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ عَلَى الْقَاتِلِ إِنْ كَانَ مُحْرِماً ....
لا خلاف في وجوب الجزاء على القاتل إن كان محرماً ولا في سقوطه عنه إن كان حلالاً، وإنما الخلاف في الدال. ومذهب المدونة السقوط وهو المشهور، صرح بذلك الباجي وغيره، خلاف ما شهره المصنف. ابن عبد السلام: والذي شهره المصنف لا يعلم في المذهب إلا من ابن بشير، والقول بوجوب الجزاء على الدال سواء دال حلالاً أو حراماً مروي عن أشهب، وروي [٢٠٦/أ] عنه في الموازية إن كان المدلول محرما فعلى كل واحد منهما الجزاء، وإن كان حلالاً فليستغفر الله المحرم والدال، ولا شيء عليهما. واعترضه التونسي وقال: الأشبه إنه إنما يسقط عن الدال إذا كان حلالاً، فأما الحرام فيجب عليه عنده الجزاء، كما قال إذا دل محرم محرما. فإذا وجب على المحرم إذا دل محرماً، كان إذا دل حلالاً أولى؛ لئلا يبقى الصيد بلا جزاء انتهى.
стр. 1191
وهذا هو الذي لاحظ في القول الذي زعم المصنف أنه المشهور، وقال ابن وهب: إذا دل محرم حلالا فداه أحب إلي. وفي أخذ الأقوال من كلام المصنف نظر.
قال الباجي: ولو أعان المحرم الحلال بمناولة رمح أو سوط، فقد أساء ولا جزاء عليه على المشهور من المذهب، وحكى ابن المواز عن أشهب في ذلك من الخلاف ما تقدم، أي: ما حكاه عنه في المدونة.
وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ فَالْجَزَاءُ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
لا إشكال في وجوب الجزاء في الفرع الأول؛ لأنه قتل الصيد في الحرم. وأما العكس فرأى في المشهور أنه صائد في الحرم، والشاذ لابن الماجشون وأشهب قالا: لا جزاء عليه ويؤكل؛ اعتبارًا بمحل الصيد كالأول.
ابن الماجشون: ويجوز ذلك ابتداء. انتهى. وهو ضعيف؛ لأن المحرم يصدق على من بالحرم.
قال في المدونة: ولو رمى الصيد في الحل وهو في الحل فهرب الصيد فأدركته الرمية في الحرم فقتلته فعليه الجزاء، ولا خفاء إذا كانا معا في الحرم في الوجوب، ولا في سقوطه إذا كان في الحل إلا بقربه، فالمشهور سقوط الجزاء. وقال ابن عبد الحكم: ما قرب من الحرم فله حكمه، ولابن الماجشون: كل ما يسكن بسكون ما في الحرم ويتحرك بتحريكه فله حكم الحرم، وهو كمذهب ابن عبد الحكم إلا أن فيه تحديد القرب، وعلى المشهور فهو ممنوع ابتداء، إما منعاً وإما كراهة بحسب فهم قوله ﵊: "الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
وَلَوْ قَطَع السَّهْمُ هَوَاءَ أَطْرَافِ الْحَرَمِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَاكُلُهُ
أي: وهما معاً في الحل.
стр. 1192
وقوله: (لا يَاكُلُهُ) أي: وعليه الجزاء، وهكذا حكى اللخمي عن ابن القاسم. وقال أشهب: يؤكل ولا جزاء عليه. ووقع في بعض النسخ تصريح بهذين القولين، ونصها: فقال ابن القاسم: لا يأكله وعليه الجزاء، وقال أشهب: يأكله ولا جزاء عليه.
ابن عبد السلام: ووافق أشهب عبد الملك بشرط البعد من الحرم، ولا أدري كيف يتصور البعد في رمية السهم.
وَلَوْ تَخَطَّى الْكَلْبُ طَرَفَ الْحَرَمِ فَلا جَزَاءَ إِلا إَذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ سِوَاهُ
قوله: (فَلا جَزَاءَ) أي: وليست كالرمية؛ لأن الكلب إذا كان له طريق للصيد من غير الحرم لم يكن صاحبه منتهكاً حرمة الحرم، وتبع المصنف هنا ابن شاس. وقال اللخمي بعد أن ذكر القولين المتقدمين في السهم: وإرسال الكلب كإرسال السهم، وأنه لا جزاء في الجميع ويؤكل أحسن؛ لأن المنع إنما يكون في الصيد إذا كان في الحرم، قال وإن رمى صيداً في الحل والصيد ثم في الحل ثم تحامل فمات في الحرم، فإن كان أنفذ مقاتله في الحل أكل، واختلف إذا لم تنفذ مقاتله، فقال أشهب في العتبية: يؤكل. وقال أصبغ في الموازية: لا يؤكل، ولا جزاء عليه. وقول أشهب أَبْيَن؛ لأنه إنما مات من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلاً، وليست بمنزلة من ضرب رجلاً فلم تنفذ مقاتله حتى قتله آخر، فإن الثاني يقتل به؛ لأن الضرب من رجلين وهذه ضربة واحدة وهي التي قتلته. انتهى.
التونسي: والأشبه إذا لم ينفذ مقاتله في الحل فمات في الحرم أن عليه الجزاء ولا يؤكل. وقد اختلف إذا وقعت الضربة وهو عبد ثم أعتق فمات: فقيل: دية (حريقة) ولا قود في ذلك وهو قول ابن القاسم. وقيل: قيمة عبد وهو قول أشهب. وأما لو أنفذ مقاتله في الحل ثم مات في الحرم فالقياس ألا جزاء عليه، إلا ما روي عن ابن القاسم فيمن ضرب رجلا فأنقذ مقاتله ثم ضربه آخر فقتله، قال: يقتل الثاني ولا قتل على الأول انتهى. وكلام اللخمي يرد على هذا التخريج.
стр. 1193
وَلَوْ أَرْسَلَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ فَالْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيداً فَلا جَزَاءَ
لأنه مع القرب منتهكا حرمة الحرم بخلاف البعد. الباجي: والبعد ما يغلب على ظنه أن الكلب يدركه قبل، أو يرجع عنه. الباجي وغيره: ولا يؤكل الصيد في الوجهين؛ لأنه يحرم بحرمة الحرم. فإن أرسله بقرب الحرم فقتل قبل أن يدخل فقال مالك وابن القاسم: لا جزاء عليه. وقال ابن عبد الحكم: عليه الجزاء.
أبو إبراهيم: ولو جرى الصيد من الحل وأدخله في الحرم ثم خلا عنه حتى خرج الصيد من غير أن يخرجه، ثم أتبعه فقتله في الحل، فينبغي أن يؤكل كمسألة العصير يصير خمرا ثم يتخلل.
وَلَوْ أَصَابَهُ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ فَقَوْلانِ
أي: والفرع في الحل. ومذهب المدونة سقوط الجزا؛ لأنه صاد في الحل. زاد فيها: ولا بأس بصيده ويؤكل، وتوقف فيها مالك ولم يجب فيه بشيء، والجزاء لعبد الملك؛ لأن ما تقدم أن ما قارب الحرم فله حكمه، وعكس هذه المسألة يجب عليه الجزاء اتفاقا.
سند: وإن كان بعض الصيد في الحرم وبعضه في الحل ففيه الجزاء وقاله الشافعي.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ فَأَحْرَمَ زَالَ مِلْكُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ وإِلا ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ فِي الرُّفْقَةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ ....
لما ذكر أولاً أن الجزاء يلزمه بالمباشرة والتسبب وبقاء اليد وتكلم على الأولين أردف ذلك بالكلام على الثالث. ومعناه: أنه إن أحرم وبيده صيد، سواء كان في قفص أو غيره، أو في رفقته – وجب عليه إرساله إن كان معه في رفقة. واختلف هل يزول ملكه عنه بمجرد الإحرام؟ المشهور وهو مذهب المدونة أنه يزول.
стр. 1194
ابن القصار والأبهري: إنما يجب عليه الإرسال فقط، ولا يزول ملكه عنه. وتظهر ثمرة الخلاف لو أفلته أحد منهم هل تلزمه قيمته أم لا؟ فعلى المشهور لا تلزم، وكذلك لو أفلته صاحبه، وأخذه غيره قبل أن يلتحق بالوحش وبقي بيد آخذه حتى حل صاحبه من إحرامه – فعلى المشهور هو لآخذه، وكذلك لو أبقاه بيده ثم حل هل يلزمه إفلاته؟ فعلى المشهور يلزم، وكذلك لو ذبحه بعد الإحلال فعلى المشهور يلزمه جزاؤه.
ابن راشد: ويشكل على هذا الحلال يدخل الحرم بصيده فإنه يملكه، ولا فرق بين الحلال يحرم وبيده صيد أو يدخل الحرم وهو بيده؛ لأن الحرم في المنع كالإحرام. وقد يفرق بينهما أن الإحرام قريب بخلاف الحلال في الحرم فإنه يطول ويؤدي ذلك إلى المشقة، لا سيما في حق من هو من أهل مكة ونحوهم والله أعلم.
وأورد على هذا المشهور أيضا الخمر يؤمر من هي بيده من المسلمين بإراقتها فيمسكها حتى تتخلل بنفسها فلا تجب إراقتها على المشهور.
وقوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ) هكذا في المدونة. وقيده بعضهم بما إذا لم يحرم من موضعه، وأما إذا أحرم منه فيجب عليه أيضا إرساله، وأبقاه التونسي وابن يونس على ظاهره، قالا بعد قول ابن القاسم: وسواء أحرم من منزله أو ميقاته، خلاف ما تأول بعضهم أنه إن كان إحرامه من منزله وجب عليه إرسال ما عنده من الصيد كما في القفص. والفرق أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله فهو كالذي في يده، وما في البيت ليس في يده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له فافترقا.
فرعان:
الأول: لو أحرم وبيده صيد وديعة رده لصاحبه إن كان حاضراً.
ابن حبيب: ويطلقه صاحبه إن كان محرماً. فإن كان غائباً أبقاه بيده حتى يقدم صاحبه. قال في الموازية: وإن أرسله ضمنه ولو استودعه إياه حلال وهو محرم لم يجز له أن يقبله منه، فإن قبله وجب عليه إطلاقه وغرم لربه قيمته.
стр. 1195
الثاني: لو وهب له صيد فقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبوله بعد إحرامه ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه لعموم قوله تعالى: (حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً (. ولحديث ابن جثامة الذي رواه مالك: أنه أحدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله ﷺ ، قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي، قال: "إنا لم نرده عليك، إلا أنا حرم". واختلف في المحرم يشتري الصيد، فقيل: الشراء فاسد، وقيل: صحيح وعليه أن يرسله. ابن عبد البر: وروي في هذا الحديث أنه أهدي له لحم حمار وحشي، وفي رواية عضدا من لحم صيد. انتهى. وبصحة الشراء قال ابن حبيب، قال: وإن رده على الحلال فعليه جزاؤه. قال الباجي: قوله: أهدي لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً هكذا رواه الزهري عن عبد الله بن عباس، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه. انتهى. وكذلك ذكر ابن راشد أنه لا يجوز للمحرم قبول الصيد. وقال الباجي: مسألة ومن أهدي له صيد في حال إحرامه فقبله لم يكن له رده – على قياس المذهب؛ لأنه قد ملكه بالقبول على قول ابن القصار وقد خرج عن ملك الواهب، وإن لم يدخل في ملك الموهوب له على مذهب القاضي أبي إسحاق فليس له أن يرده على واهبه إن كان حلالاً.
وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ كَالْعَمْدِ فِي الْجَزَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: أنه لا فرق على المشهور في وجوب الجزاء بين أن يقتل الصيد عمداً أو خَطَأً أو نسياناً. وقال ابن عبد الحكم: لا جزاء في غير العمد ولا في العمد إذا تكرر، وإنما يجب بالأول، واحتج بمفهوم الآية. والجواب أنها خرجت مخرج الغالب.
следующие страницы →