Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وهذا هو الذي لاحظ في القول الذي زعم المصنف أنه المشهور، وقال ابن وهب: إذا دل محرم حلالا فداه أحب إلي. وفي أخذ الأقوال من كلام المصنف نظر.
قال الباجي: ولو أعان المحرم الحلال بمناولة رمح أو سوط، فقد أساء ولا جزاء عليه على المشهور من المذهب، وحكى ابن المواز عن أشهب في ذلك من الخلاف ما تقدم، أي: ما حكاه عنه في المدونة.
وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ فَالْجَزَاءُ، وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
لا إشكال في وجوب الجزاء في الفرع الأول؛ لأنه قتل الصيد في الحرم. وأما العكس فرأى في المشهور أنه صائد في الحرم، والشاذ لابن الماجشون وأشهب قالا: لا جزاء عليه ويؤكل؛ اعتبارًا بمحل الصيد كالأول.
ابن الماجشون: ويجوز ذلك ابتداء. انتهى. وهو ضعيف؛ لأن المحرم يصدق على من بالحرم.
قال في المدونة: ولو رمى الصيد في الحل وهو في الحل فهرب الصيد فأدركته الرمية في الحرم فقتلته فعليه الجزاء، ولا خفاء إذا كانا معا في الحرم في الوجوب، ولا في سقوطه إذا كان في الحل إلا بقربه، فالمشهور سقوط الجزاء. وقال ابن عبد الحكم: ما قرب من الحرم فله حكمه، ولابن الماجشون: كل ما يسكن بسكون ما في الحرم ويتحرك بتحريكه فله حكم الحرم، وهو كمذهب ابن عبد الحكم إلا أن فيه تحديد القرب، وعلى المشهور فهو ممنوع ابتداء، إما منعاً وإما كراهة بحسب فهم قوله ﵊: "الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
وَلَوْ قَطَع السَّهْمُ هَوَاءَ أَطْرَافِ الْحَرَمِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَاكُلُهُ
أي: وهما معاً في الحل.
стр. 1192
وقوله: (لا يَاكُلُهُ) أي: وعليه الجزاء، وهكذا حكى اللخمي عن ابن القاسم. وقال أشهب: يؤكل ولا جزاء عليه. ووقع في بعض النسخ تصريح بهذين القولين، ونصها: فقال ابن القاسم: لا يأكله وعليه الجزاء، وقال أشهب: يأكله ولا جزاء عليه.
ابن عبد السلام: ووافق أشهب عبد الملك بشرط البعد من الحرم، ولا أدري كيف يتصور البعد في رمية السهم.
وَلَوْ تَخَطَّى الْكَلْبُ طَرَفَ الْحَرَمِ فَلا جَزَاءَ إِلا إَذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ سِوَاهُ
قوله: (فَلا جَزَاءَ) أي: وليست كالرمية؛ لأن الكلب إذا كان له طريق للصيد من غير الحرم لم يكن صاحبه منتهكاً حرمة الحرم، وتبع المصنف هنا ابن شاس. وقال اللخمي بعد أن ذكر القولين المتقدمين في السهم: وإرسال الكلب كإرسال السهم، وأنه لا جزاء في الجميع ويؤكل أحسن؛ لأن المنع إنما يكون في الصيد إذا كان في الحرم، قال وإن رمى صيداً في الحل والصيد ثم في الحل ثم تحامل فمات في الحرم، فإن كان أنفذ مقاتله في الحل أكل، واختلف إذا لم تنفذ مقاتله، فقال أشهب في العتبية: يؤكل. وقال أصبغ في الموازية: لا يؤكل، ولا جزاء عليه. وقول أشهب أَبْيَن؛ لأنه إنما مات من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلاً، وليست بمنزلة من ضرب رجلاً فلم تنفذ مقاتله حتى قتله آخر، فإن الثاني يقتل به؛ لأن الضرب من رجلين وهذه ضربة واحدة وهي التي قتلته. انتهى.
التونسي: والأشبه إذا لم ينفذ مقاتله في الحل فمات في الحرم أن عليه الجزاء ولا يؤكل. وقد اختلف إذا وقعت الضربة وهو عبد ثم أعتق فمات: فقيل: دية (حريقة) ولا قود في ذلك وهو قول ابن القاسم. وقيل: قيمة عبد وهو قول أشهب. وأما لو أنفذ مقاتله في الحل ثم مات في الحرم فالقياس ألا جزاء عليه، إلا ما روي عن ابن القاسم فيمن ضرب رجلا فأنقذ مقاتله ثم ضربه آخر فقتله، قال: يقتل الثاني ولا قتل على الأول انتهى. وكلام اللخمي يرد على هذا التخريج.
стр. 1193
وَلَوْ أَرْسَلَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ فَالْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيداً فَلا جَزَاءَ
لأنه مع القرب منتهكا حرمة الحرم بخلاف البعد. الباجي: والبعد ما يغلب على ظنه أن الكلب يدركه قبل، أو يرجع عنه. الباجي وغيره: ولا يؤكل الصيد في الوجهين؛ لأنه يحرم بحرمة الحرم. فإن أرسله بقرب الحرم فقتل قبل أن يدخل فقال مالك وابن القاسم: لا جزاء عليه. وقال ابن عبد الحكم: عليه الجزاء.
أبو إبراهيم: ولو جرى الصيد من الحل وأدخله في الحرم ثم خلا عنه حتى خرج الصيد من غير أن يخرجه، ثم أتبعه فقتله في الحل، فينبغي أن يؤكل كمسألة العصير يصير خمرا ثم يتخلل.
وَلَوْ أَصَابَهُ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ فَقَوْلانِ
أي: والفرع في الحل. ومذهب المدونة سقوط الجزا؛ لأنه صاد في الحل. زاد فيها: ولا بأس بصيده ويؤكل، وتوقف فيها مالك ولم يجب فيه بشيء، والجزاء لعبد الملك؛ لأن ما تقدم أن ما قارب الحرم فله حكمه، وعكس هذه المسألة يجب عليه الجزاء اتفاقا.
سند: وإن كان بعض الصيد في الحرم وبعضه في الحل ففيه الجزاء وقاله الشافعي.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ فَأَحْرَمَ زَالَ مِلْكُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ وإِلا ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ فِي الرُّفْقَةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ ....
لما ذكر أولاً أن الجزاء يلزمه بالمباشرة والتسبب وبقاء اليد وتكلم على الأولين أردف ذلك بالكلام على الثالث. ومعناه: أنه إن أحرم وبيده صيد، سواء كان في قفص أو غيره، أو في رفقته – وجب عليه إرساله إن كان معه في رفقة. واختلف هل يزول ملكه عنه بمجرد الإحرام؟ المشهور وهو مذهب المدونة أنه يزول.
стр. 1194
ابن القصار والأبهري: إنما يجب عليه الإرسال فقط، ولا يزول ملكه عنه. وتظهر ثمرة الخلاف لو أفلته أحد منهم هل تلزمه قيمته أم لا؟ فعلى المشهور لا تلزم، وكذلك لو أفلته صاحبه، وأخذه غيره قبل أن يلتحق بالوحش وبقي بيد آخذه حتى حل صاحبه من إحرامه – فعلى المشهور هو لآخذه، وكذلك لو أبقاه بيده ثم حل هل يلزمه إفلاته؟ فعلى المشهور يلزم، وكذلك لو ذبحه بعد الإحلال فعلى المشهور يلزمه جزاؤه.
ابن راشد: ويشكل على هذا الحلال يدخل الحرم بصيده فإنه يملكه، ولا فرق بين الحلال يحرم وبيده صيد أو يدخل الحرم وهو بيده؛ لأن الحرم في المنع كالإحرام. وقد يفرق بينهما أن الإحرام قريب بخلاف الحلال في الحرم فإنه يطول ويؤدي ذلك إلى المشقة، لا سيما في حق من هو من أهل مكة ونحوهم والله أعلم.
وأورد على هذا المشهور أيضا الخمر يؤمر من هي بيده من المسلمين بإراقتها فيمسكها حتى تتخلل بنفسها فلا تجب إراقتها على المشهور.
وقوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْرَمَ فَمِلْكُهُ بَاقٍ) هكذا في المدونة. وقيده بعضهم بما إذا لم يحرم من موضعه، وأما إذا أحرم منه فيجب عليه أيضا إرساله، وأبقاه التونسي وابن يونس على ظاهره، قالا بعد قول ابن القاسم: وسواء أحرم من منزله أو ميقاته، خلاف ما تأول بعضهم أنه إن كان إحرامه من منزله وجب عليه إرسال ما عنده من الصيد كما في القفص. والفرق أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله فهو كالذي في يده، وما في البيت ليس في يده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له فافترقا.
فرعان:
الأول: لو أحرم وبيده صيد وديعة رده لصاحبه إن كان حاضراً.
ابن حبيب: ويطلقه صاحبه إن كان محرماً. فإن كان غائباً أبقاه بيده حتى يقدم صاحبه. قال في الموازية: وإن أرسله ضمنه ولو استودعه إياه حلال وهو محرم لم يجز له أن يقبله منه، فإن قبله وجب عليه إطلاقه وغرم لربه قيمته.
стр. 1195
الثاني: لو وهب له صيد فقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبوله بعد إحرامه ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه لعموم قوله تعالى: (حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً (. ولحديث ابن جثامة الذي رواه مالك: أنه أحدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله ﷺ ، قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهي، قال: "إنا لم نرده عليك، إلا أنا حرم". واختلف في المحرم يشتري الصيد، فقيل: الشراء فاسد، وقيل: صحيح وعليه أن يرسله. ابن عبد البر: وروي في هذا الحديث أنه أهدي له لحم حمار وحشي، وفي رواية عضدا من لحم صيد. انتهى. وبصحة الشراء قال ابن حبيب، قال: وإن رده على الحلال فعليه جزاؤه. قال الباجي: قوله: أهدي لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً هكذا رواه الزهري عن عبد الله بن عباس، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه. انتهى. وكذلك ذكر ابن راشد أنه لا يجوز للمحرم قبول الصيد. وقال الباجي: مسألة ومن أهدي له صيد في حال إحرامه فقبله لم يكن له رده – على قياس المذهب؛ لأنه قد ملكه بالقبول على قول ابن القصار وقد خرج عن ملك الواهب، وإن لم يدخل في ملك الموهوب له على مذهب القاضي أبي إسحاق فليس له أن يرده على واهبه إن كان حلالاً.
وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ كَالْعَمْدِ فِي الْجَزَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: أنه لا فرق على المشهور في وجوب الجزاء بين أن يقتل الصيد عمداً أو خَطَأً أو نسياناً. وقال ابن عبد الحكم: لا جزاء في غير العمد ولا في العمد إذا تكرر، وإنما يجب بالأول، واحتج بمفهوم الآية. والجواب أنها خرجت مخرج الغالب.
стр. 1196
وَلَوْ أَكَلَهُ فِي مَخْمَصَةٍ ضَمِنَهُ
أي: أن المحرم إذا اضطر إلى الصيد فإنه يجوز له أكله.
وقوله: (ضَمِنَ) أي: عليه جزاؤه، ونحوه لعبد الوهاب وابن شاس وغيرهما، وهو الأصل. وحكى اللخمي وابن راشد قولين آخرين:
أحدهما: أنه لا يجوز لعموم النهي.
والثاني: أنه يجوز ولا جزاء. وهما كالقولين فيمن أشرف على الموت فأعطاه رجل ما أحياه من الخمر.
فرع:
في الموطأ أن المحرم المضطر يأكل الميتة ولا يصيد، قال: لأن الله تعالى لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا في أخذه في حال، وأرخص في الميتة للضرورة. وقال محمد بن عبد الحكم: لو نابني ذلك لأكلت الصيد وتركت الميتة، وقيد الأول بما إذا لم تكن الميتة متغيرة يخشى على نفسه منها، وأما الميتة مع ما صيد لأجل المحرم، فروى محمد عن مالك: يأكل الصيد ويؤدي جزاءه أحب إلينا. الباجي: يريد لأن القائلين بأن هذا مباح أئمة مشهورون، فكان أولى من أكل ما اتفق [٢٠٧/أ] على أنه ميتة.
أَمَّا لَوْ عَمَّ الْجَرَادُ الْمَسَالِكَ سَقَطَ الْجَزَاءُ بالاجْتِهَادِ بِخِلافِ مَا لَوْ تَقَلَّبَ عَلَى جَرَادٍ أَوْ ذُبَابٍ أَوْ غَيْرِهِ ....
قوله: (بالاجْتِهَادِ) أي: إذا تحفظ منه. وهذا كقوله في الجواهر: فلا شيء عليه إذا لم يتعمده. وكذلك قال في المختصر: لا شيء على الناسي فيه إذا لم يتعمد وقتله. قال: ولو أطعم مساكين لم أر بذلك بأساً.
стр. 1197
وفي رواية ابن وهب في الذباب يطأ عيه، ولا يمتنع من ذلك لكثرته فليطعم مسكيناً أو مسكينين. وقال بعد ذلك: لا شيء عليه في مثل هذا الغالب. ابن عبد الحكم: وهو أ؛ ب إلينا.
قوله: (بِخِلافِ مَا لَوْ تَقَلَّبَ) أي: ولم يكثر فعليه ضمانه. وفي المدونة: وإذا وطئ الرجل ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فتلهن فليتصدق بشيء من الطعام. وقال في الموازية: قبضة من طعام، وقال محمد: بحكومة، وإن أخرج بغير حكومة أعاد. وقال ابن رشد: ظاهر المدونة لا حكومة في الجراد. أما لو قتلت الدابة شيئا بنفسها من غير تسبب منه فلا شيء عليه.
خليل: انظر كيف أوجبوا عليه هنا الضمان وأسقطوا عنه الفدية فيما إذا ألقت الريح الطيب عليه، مع أن التغلب على ما ذكر أكثر من رمي الريح الطيب عليه، ولعل ذلك لعظم ما يترتب على الطيب، ولأن قتل الجراد من باب قتل الصيد وهو لا فرق فيه بين العمد والخطأ.
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ جَزَاءٌ كَامِلٌ
نبه بهذا على خلاف الشافعي في قوله: إنه ليس على الجميع إلا جزاء واحد.
ومنشأ الخلاف هل هو من باب الكفارة أو من باب الفدية؟ واستدل الشافعي بقوله تعالى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ (وقولنا أظهر؛ لأن الله تعالى سماه كفارة فقال: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ (.
وقوله: (الْمُشْتَرِكِينَ) أي: في قتل الصيد الممنوع بالإحرام والحرم.
وحكى في الذخيرة قولا كمذهب الشافعي فإنه قال: إن المشهور أن الجزاء من باب الكفارة. وقيل: إنه من باب قيم المتلفات، وهو أحد الأقوال لنا وللعلماء انتهى.
стр. 1198
فإِنْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَى الْقَاتِلِ، فَإِنْ قَتَلَهُ حَلالٌ فَعَلَى الْمُمْسِكِ، وَيَغْرَمُ الْحَلالُ لَهُ الأَقَلَّ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ أَمْسَكَهُ لِلْقَتْلِ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَهُمَا شَرِيِكَانِ، فَإِنْ قَتَلَهُ حَلالٌ فَعَلَى الْمُمْسِك.
يعني: أن المحرم إذا أمسك صيدا فإما أن يمسكه ليرسله أو يقتله. والأول إن قتله حرام سواء كان محرما أو حلالا في الحرم، وجب الجزاء على القاتل فقط؛ لأن الممسك لا يمسكه للقتل، وإنما فعل ما يجوز له. وإن قتله حلال وجب على الممسك جزاء لئلا يخلو الصيد عن الجزاء.
قوله: (وَيَغْرَمُ الْحَلالُ لَهُ الأَقَلَّ) أي: إذا ألزمنا الممسك الجزاء فإن الحلال القاتل يغرم للممسك الأقل من قيمة الصيد أو الجزاء. وقال سحنون: لا شيء عليهما، أما الحلال فواضح، وأما الممسك فلأنه فعل ما يجوز له.
اللخمي: وهو القياس. وإن أمسكه للقتل فإن قتله حرام فعلى كل واحد منهما الجزاء لأنهما شريكان في قتله، وإن قتله حلال فعلى الممسك فقط. وحكى اللخمي عن أشهب فيما إذا أمسكه ليقتله: فإن قتله في يده حلال في الحرم فعلى كل واحد منهما الجزاء، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته والجزاء على المحرم وحده، قال: وقال محمد: على القاتل القيمة ما لم تكن أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول: كنت أقدر على السلامة بإطلاقه، فعليك ما أدخلت علي قتله. انتهى والله أعلم.
وَمَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَهُ فَكَالْمَيْتَةِ لِلْحَلالِ وَالْحَرَامِ، وَلا جَزَاءَ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ ....
قوله: (وَمَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ) أي: مات بصيده، (أَوْ ذَبَحَهُ) يعني: من الصيد وإن لم يصده فهو في الوجهين كميتة لا يحل أكله لحلال ولا حرام. ومن أكل منه فلا شيء عليه؛
стр. 1199
لأنه أكل ميتة ولا شيء على آكلها، وهذا هو المشهور. ووقع في رواية أشهب توقف في وجوب الجزاء إذا أكل المحرم من الصيد بعد ذبحه، أو أكل منه محرم آخر، وهذا هو مذهب الجمهور. وذهب جماعة إلى أنه ليس بميتة، ودليلنا قوله تعالى: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ (والنهي يدل على الفاسد. وما رواه البخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة فقال: "خذوا ساحل البحر حتى نلتقي". فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر، فقعر منها أتانا، فنزلنا وأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك فقال: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: "كلوا ما بقي من لحمها". وفي رواية: "هل معكم منه شيء؟ " فقلت: نعم، فناولته العضد فأكله. فيه دليل على أنه لو أمره أحد أن يحمل، أو أشار إليها لم تؤكل. وفي أبي داود: "صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يصطاد لكم". زاد الترمذي: "وأنتم حرم". فإن قلت: يشكل مذهب الجمهور بالشاة المغصوبة يذبحها الغاصب؛ لأنها ليست عندهم بميتة، فلا فرق بينهما وبين الضب يذبحه المحرم. فالجواب: أن النهي في الصيد [٢٠٧/ب] عن القتل، والذبح يستلزمه، بخلاف القصب. ولأنه لما كان قصد الشارع الزجر عن قتله كان جعله ميتة على من صاده موافقا لذلك؛ إذ لو لم يجعل ميتة لتذرع الناس إلى إمساك الصيد وقتله ويعطون جزاؤه لخفة أمره؛ لأن طالبه غير معين، ولا كذلك المغصوبة، فإنها صورة نادرة، وطلبها معين.
وقوله: (وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ) أي: محرم، ولا جزاء على أكله بعد كسره. وانظر هل يحكم لقشر البيض بالنجاسة أم لا؟
стр. 1200
وَيَاكُلُ الْمُحْرِمُ مَا صَادَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِحَلالٍ
تصوره ظاهر ودليله حديث أبي قتادة المتقدم. وحكى الباجي على ذلك الاتفاق.
وظاهر كلام ابن رشد حصول الخلاف في هذه الصورة ولفظه: وفي جواز أكل المحرم لحم ما صاده الحلال من الحل أربعة أقوال:
أهدها: أن ذلك جائز من غير تفصيل.
والثاني: أن ذلك لا يجوز من غير تفصيل.
والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يكون صيد له.
والرابع: أن ذلك جائز إلا أن يكون صيد له أو لغيره من المحرمين. انتهى.
ولعله أراد الخلاف خارج المذهب، فإن الخلاف الذي ذكره منقول خارج المذهب، ويتفق نقله مع الباجي والله أعلم.
فَإِنْ صَيدَ أَوْ ذُبِحَ لِمُحْرِمٍ فَلا يَاكُلْهُ مُحْرِمٌ وَلا غَيْرُهُ، فَإِنْ أَكَلَهُ الْمُحْرِمُ عَالِماً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي صِيدَ لَهُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لا جَزَاءَ، وَغَيْرُ هَذَا خَطَأٌ ....
أي: سواء صيد لمحرم معين أو غير معين، رواه ابن المواز عن مالك. وكون الحرمة عامة في حق من صيد له أو لم يصد له، حلالا كان أو حراما هو مذهب علي ﵁.
وفي الموطأ عن عثمان ﵁: إنما يمتنع الصيد إذا صيد لمحرم في حق من صيد له من المحرمين فقط. قال في المدونة والمبسوط: ولم يأخذ مالك بحديث عثمان ﵁.
قوله: (أَوْ ذُبِحَ لِمُحْرِمٍ) لا يتناول من مراده الإحرام قبل إحرامه؛ لأن المحرم حقيقة من صدر منه الإحرام. وذكر الباجي فيما للمحرم وتمت ذكاته قبل إحرامه روايتان بالجواز والكراهة. وذكر أن الجواز رواه ابن القاسم وأشهب، وأن الكراهة أيضا رواها ابن القاسم. وقال: الجواز أظهر.
стр. 1201
قوله: (وإن أكل .... الخ) أي: إذا بنينا على أن ما صيد أو ذبح لمحرم لا يأكل منه حلال ولا حرام، فأكل منه محرم، فقال ابن القاسم: إن كان عالما أنه صيد من أجله أو من أجل محرم غيره فالجزاء عليه. وإن لم يعلم فلا شيء عليه وإن صيد من أجله. وبه قال أشهب؛ لأن أكله مع علمه لصيده كرضاه به. والقول الثاني رواه محمد عن مالك: أن عليه الجزاء بشرط أن يكون هو الذي صيد له برضاه، وتتميمه الفساد.
ابن عبد البر: ولم يختلف قول مالك في المحرم يأكل من صيد يعلم أنه صيد من أجله أن عليه جزاء ذلك الصيد. والقول الثالث لأصبغ: فلا جزاء على الآكل؛ لأنه لم يقتله والله إنما أوجب الجزاء على القاتل، ولأن غاية أمره أن يكون أكل ميتة، ولا جزاء في أكلها. ولما اتضح هذا لأصبغ صرح بخطأ ما عداه. وظاهر كلام المصنف نفي الخلاف إذا أكله المحرم غير عالم سواء صيد من أجله أم لا، وإنما ذلك إذا أكله محرم ولم يصد من أجله. وأما إن أكله من صيد لأجله فذكر اللخمي فيه ثلاثة أقوال يفصل في الثالث بين أن يكون عالما أو غير عالم.
وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ؛ فَلِذَلِكَ يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ وَالْحَلالُ فِي الْحَرَمِ بِخِلافِ الْحَمَامِ وَإِنْ لَمْ تَطِرْ؛ لأَنَّهَا مِمَّا يَطِيرُ ....
لما انقضى كلامه في الصيد والصائد أخذ يتكلم في المصيد، وذكر أنه يجوز ذبح الإوز والدجاج؛ أي: لأنه إنما يحرم الصيد. قال في العتبية: ولا بأس أن يأكل بيض الدجاج والإوز، ولا يأكل بيض الحمام. قال في المدونة: وكره مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي والحمامة الرومية التي لا تطير وإنما تتخذ للفراخ؛ لأنها من أصل ما يطير. انتهى. وهذه الكراهة تحتمل أن تكون على بابها، فإن فعل فلا جزاء، وهو مذهب مالك في كتاب ابن حبيب، ويحتمل أن تكون للمنع، فإن فعل فعليه الجزاء وهو قول مالك في الموازية وقول أصبغ.
стр. 1202
فرع:
قال ابن القاسم: فإن أصاب المحرم حماما وحشيا بعد أن دجن وداه.
قال مالك: ولا يذبح فراخ برج له، ولا بأس بما ذبح أهله منه ولا يأكل هو ما ذبحوا له منه. أشهب: ولا بأس أن يأكل ما ذبحوا منه لأنفسهم وهو محرم.
وَيَجَوُزُ أَنْ يَذْبَحَ الْحَلالُ فِي الْحَرَمِ الْحَمَامَ، وَالصَّيْدَ يُدْخِلُهُ مِنَ الْحِلِّ وَلَمْ يَكْرَهُهُ إِلا عَطَاءٌ ثُمَّ رَجَعَ ....
لأنهم لو منعوا ذلك لشق عليهم لطول أمرهم. ولهذا قال سند: وأما العائد بالصيد إلى الحرم وهو عابر سبيل فلا يذبح فيه؛ لعدم الضرورة.
ابن القاسم: ويجب عليه إرساله، فإن أكله بعد خروجه من الحرم وداه. وقال في العتبية: إنه لا بأس أن يذبح أهل مكة الحمامة الرومية التي تتخذ للفراخ.
ابن رشد: فيه دليل على أنهم لا يذبحون سائر الحمام وسائر الطير الوحشي وسائر الصيد إذا دخلوا به من الحل، قال: وهو خلاف المعلوم من المذهب، والأولى أن لو قال: يدخلهما من الحل؛ لأن العطف بالواو. وكلامه يوهم عوده على الصعيد فقط وليس كذلك.
وَيَحْرُمُ قَطْعُ مَا يَنْبُتُ لا مَا يُستَنْبَتُ فِي الْحَرَمِ إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا، وَيُكْرَهُ اخْتِلاؤُهُ لِلْبَهَائِمِ لِمَكَانِ دَوَابِّهِ لا رَعْيُهُ ....
الأصل في هذا ما رواه البخاري ومسلم أنه ﵊ قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحمة الله إلى يوم القيامة، وأنما لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل [٢٠٨/أ] لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها". فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم فقال: "إلا الإذخر". والعضد: القطع. والخلى: مقصور بفتح الخاء: الحشيش إذا كان رطباً.
стр. 1203
واختلاؤه: قطعه. والإذخر: نبت معروف طيب الرائحة. والقين: الحداد. زاد أهل المذهب: السنا لشدة الحاجة إليه في الأدوية ورأوه من قياس الأولى؛ لأن حاجة الناس إليه أكثر من حاجة أهل مكة إلى الإذخر.
وقوله: (مَا يَنْبُتُ) أي: بنفسه من عند الله.
وقوله: (لا مَا يُستَنْبَتُ) أي: بعلاج كشجر الرمان وغيره. والبقل كله كالكرات والخس والسلق وشبهه، فيجوز قطعه.
وقوله: (إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا) مستثنى من قوله: (وَيَحْرُمُ).
وقوله: (وَيُكْرَهُ اخْتِلاؤُهُ) نحوه في المدونة ولفظها: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل، وإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم. وأكره لهم ذلك. ونهى رسول الله ﷺ عن الخبط، وقال: "هشوا وارعوا".
مالك: والهش: تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق، ولا يخبط ولا يعضد.
وَلَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنْبَتُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالنَّظَرُ إِلَى الْجِنْسِ
أي: لو نبت بنفسه ما جرت عادته ألا ينبت إلا بفعل الآدمي جاز قطعه، ولو استنبت ما كان ما عادته أن ينبت بنفسه كالبقول البرية وأم غيلان لم يجز قطعه، وهذا معنى قوله: (فَالنَّظَرُ إِلَى الْجِنْسِ) ونحو هذا في الجواهر، قال الباجي: ما غرس مما ينبت بنفسه فإنه يجوز قطعه عندي، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، ووجه الإباحة أنه بمنزلة المتأنس من الوحش، فإن المحرم لا يمنع منه، قال: وإن كان مما يستنبت جاز، سواء نبت بنفسه أو بفعل آدمي، وهو كالمتأنس من الحيوان إذا توحش، فإن المحرم لا يمنع من صيده. انتهى.
стр. 1204
قال في الذخيرة: ويكره له قطع شجر غير الحرم إذا دخل في الحرم؛ لأنه ينفر بذلك الصيد منه، ورخص مالك في قطع العصا والعصوين من غير شجر الحرم. انتهى. والذي في النوادر: ومن الموازية: قال مالك: لا بأس أن يقطع في غير الحرم من الشجر مثل العصا والعصوين والقضيب لحاجته. قال مالك: ولا يخبط في الحرم لبعيره، ولا بأس أن يتفلى الحلال بالحرم.
وَلا جَزَاءَ فِي جَمِيعِهِ
يعني: أنه لا جزاء في قطع ما ذكرنا أنه لا يجوز قطعه، وإنما عليه الاستغفار خلافا لأبي حنيفة والشافعي ﵄.
وَالْمَدِينَةُ مُلْحَقَةٌ بِمَكَّةَ فِي تَحْرِيمِ الصَيْدِ والشَّجَرِ وَلا جْزَاءٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
ما ذكره من إلحاق المدينة بمكة نبه به على خلاف أبي حنيفة. ودليلنا ما في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاها ويقتل صيدها" أي: بين الحرار الأربع.
ابن حبيب وغيره: وإنما ذلك في الصيد، وأما في قطع الشجر فبريد في بريد، وقاله مالك.
والمشهور ما ذكره المصنف في نفي الجزاء في قتل صيدها، إما لأن الكفارات لا يقاس عليها، وإما لأن حرمة المدينة عندنا أشد فكانت كاليمين الغموس. والشاذ لابن نافع. واستدل في الذخيرة للمشهور بإجماع أهل المدينة، ولو كان فيه جزاء لعلم بالضرورة عندهم لتكرره. اللخمي: وعلى قول ابن نافع يحرم أكله. قال أشهب في الموازية: سئل مالك عن أكله، فقال: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لأكرهه. وفي الذخيرة: اختلف قول مالك في تحريم أكل هذا الصيد، وهو الأظهر سدا للذريعة، وقال مرة: يكره.
стр. 1205
وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّدَ مَعَالِمَ الْحَرَمِ بَعْدَ الْكَشْفِ، وَحَدَّ الْحَرَمَ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، يَنْتَهِى إِلَى التَّنْعِيمِ، وَمِنَ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ إِلَى الْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِمَا يَلِي الْيَمَنَ سَبْعَةٌ إِلَى أَضَاةَ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةٌ إِلَى مُنْتَهَى الْحُدَيْبِيَّةِ، وَيُعْرَفُ الْحَرَمُ بِأَنَّ سَيْلَ الْحِلَّ إِذَا جَرَى نَحْوَهُ وَقَفَ دُونَهُ ...
وقوله: (وَقَالَ مَالِكٌ ... إلخ) هو لمالك في المدونة.
وقوله: (وَحَدَّ الْحَرَمَ) هو كذلك في النوادر، ولفظه: ومن غير الموازية لغير واحد من أصحابنا: أن حد الحرم مما يلي المدينة نحو أربعة أميال إلى منتهى التنعيم. وما يلي العراق ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال إلى موضع يقال له: أضاة. ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية.
قال مالك: والحديبية في الحرم. انتهى.
الباجي: وفيه نظر والذي عندي أن بين مكة وعرفة ثمانية عشر ميلاً، وهو نحو ما بين مكة والحديبية، وبين مكة والجعرانة، وبين مكة وحنين، وهذه مسافات متقاربة، ولو كان بين مكة والحديبية عشرة أميال لم يكن بين مكة وجدة ما تقصر فيه الصلاة، وقد قال مالك: إن بينهما ثمانية وأربعين ميلا وتقصر فيه الصلاة، وإنما يقع الاختلاف لاختلاف الناس في الحزر في قدر الميل، والذي حكى ابن حبيب أنه ألف باع وكل باع بذراعين، وأهل الحساب وكثير من الناس [٢٠٠٨/ب] معتمدون على أن كل باع أربعة أذرع. وأما التنعيم فإني أقمت بمكة وسمعت أكثر الناس يذكرون أنها خمسة أميال ولم أسمع في ذلك اختلافا مدة مقامي بها، ولو كان بين مكة والتنعيم أربعة أميال لوجب أن يكون بين مكة والحديبية على هذا التقدير قريب من خمسة عشر ميلاً؛ لأنه أزيد من ثلاثة أمثالها. انتهى.
стр. 1206
قال في النوادر: وقال ابن القاسم: ومزدلفة في الحرم، وسمعت بأن الحرم يعرف بأن لا يجري سيل من الحل فيدخل الحرم، وإنما يخرج السيل من الحرم إلى الحل وهو يجري من الحل، فإذا انتهى إلى الحرم وقف ولم يدخل ليه، ولا يدخل الحرم إلا سيل الحرم.
الْمَوَانِعُ مِنْهَا حَصْرُ الْعَدُوِّ وَالْفِتَنُ، وَهُوَ مُبِيحٌ لِلتَّحَلُّلِ، وَنَحْرِ الْهَدْيِ فَيَنْحَرُ وَيَحْلِقُ حَيْثُ كَانَ وَيَرْجِعُ، فَإِنْ أَخَّرَ حِلاقَهُ إِلَى بَلَدِهِ حَلَقَ وَلا دَمَ، إِلا أَنْ يَرْجُوَ زَوَالَهُ فِيمَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ ...
قوله: (الْمَوَانِعُ) أي: من الحج. وهي خمسة كما سيأتي وهي: العدو وفي معناه الفتن والمرض وحبس السلطان ومنع السيد والزوج، وزاد ابن شاس منع الأبوين. وكأن المصنف أسقطه؛ إما لأنه مختلف فيه وإما لأنه لا يمنع من إتمام النسك وإن منع منه ابتداء – بخلاف العدو والمرض وحبس السلطان ومنع السيد فإنها تمنع ابتداء ودواماً. واختلف في الزوجة هل تمنع الدوام أم لا؟
قوله: (وَهُوَ) أي: الحصر في العدو والفتن مبيح للتحلل من النسك موجب لنحر الهدي إن كان معه، إلا أن يرجو الزوال كما قال المصنف.
فرع:
فإن قدر على التقرب لمكة ومنع منها فقال الباجي: له عندي أن يحل بموضعه.
اللخمي: فالمعنى: وللمحصر بالعدو خمس حالات يصح الإحلال في ثلاث ويمنع في وجه، ويصح في وجه إذا اشترط الإحلال. وأما الثلاثة: فإن يكون العدو طارئا بعد الإحرام أو متقدما ولم يعلم أو علم وكان يرى أنه لا يصده، وقد أحرم النبي ﷺ والمشركون بمكة، وهو يرى أنهم لا يمنعونه، فلما منعوه حل، والرابع: أن يعلم منعهم إياه فهذا لا يجوز له الإحلال.
стр. 1207
واعترضه ابن بشير وقال: ظاهر المذهب أن له التحلل كيف كان الأمر. وفيه نظر فقد نقل الباجي عن ابن المواز عن مالك أن من علم بالحصر لا يحرم، فإن فعل فليس له حكم المحصور. ابن هارون: وما رأيت خلافا كما نقله الباجي واللخمي انتهى.
واقتصر التونسي على أنه إذا أحرم بعد علمه بالحصر أنه لا يحل إلا بالبيت.
وكذلك نقل سند ابن القاسم أنه إذا أحصر ثم أحرم فلا يحله إلا البيت؛ لأنه ألزم نفسه ذلك بعد العلم بالمنع كالمسافر يصبح صائما في السفر. الخامس: أن يشك في ذلك فهذا إن منعوه لم يحل إلا أن يشترط الإحلال كما فعل ابن عمر.
خليل: وظاهر المذهب أن شرط الإحلال لا ينفع؛ لأن الازري لما تكلم عن حديث ضباعة الذي في مسلم، وقول الرسول ﷺ لها: "حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني". زاد النسائي: "فإن لك على ربك ما استثنيت". قال جمهور الفقهاء إن ذلك لا ينفع، وحملوا حديث ضباعة على أنها قضية في عين خصت لهذه المرأة. قال صاحب الإكمال: لا يرى مالك وأبو حنيفة الاشتراط نافعا خلافا لأحمد. وعن الشافعي القولان. وتأوله آخرون على معنى النية بالتحلل بعمرة، وقد جاء ذلك مفسراً في بعض الروايات. قال الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح. قال النسائي: لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر، وقد أنكر الزهري الاشتراط. انتهى.
النووي: وهذا الذي عَرَّض به القاضي وقال به الأصيلي من تضعيف الحديث غلط فاحش جدا نبهت عليه لئلا يغتر به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة. وفي ذكر مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية.
وقوله: (ولو أَخَّرَ حِلاقَهُ إِلَى بَلَدِهِ حَلَقَ وَلا دَمَ) مثله في المدونة؛ لأن الحلاق لما وقع في غير زمانه ومكانه لم يكن نسكاً بل تحللاً فقط.
стр. 1208
وَفِيمَا يُكْتَفَى بِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ؛ الظَّنُّ وَالشَّكُّ وَالْعِلْمُ، وَرَوَى أَشْهَبُ يَنْتَظِرُ حَتَّى لَوْ خُلِّيَ لَمْ يُدْرِكِ الْحَجَّ ....
أي: وفيما يكتفى به في جواز الإحلال ثلاثة أقوال؛ قيل: يكتفى بالظن لأن الأحكام في الغالب تناط به، وقيل: بالعلم؛ لأنه لما دخل فيه لزمه فلا يخرج إلا بيقين.
ابن راشد: وهذه الأقوال لم أقف عليها على هذه الصور، ففي التبصرة: مذهب ابن القاسم أنه إذا كان على إياس من انكشاف العدو حل مكانه، وإن كان يرى أنه يذهب قبل ذلك أو يشك أمسك إلى وقت ذهاب العدو ولم يدرك فحينئذ يحل، فعلق الإحلال بالإياس، وذلك قد يحصل بالعلم وبغلبة الظن، وأما الشك فلا. وقد صرح بأنه يمسك إذا شك.
وقال أشهب: لا يحل إلى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة. وقال ابن بشير: إن تيقن دوام العدو إلى أن يفوته الحج فههنا قولان؛ المشهور أنه يحل، وإن تيقن زوال المانع أو شك فلا يجوز له التحلل بلا خلاف. فحكى الاتفاق في الشك، فتأمل هذا الموضع [٢٠٩/أ] فإنه عندي مشكل. وقال ابن هارون: وما علمت من قال إنه يباح له التحلل بالشك غير المؤلف. انتهى.
واعلم أنه وقع في المدونة موضعان؛ الأول أنه إذا يئس أن يصل إلى البيت فيحل بموضعه حيث كان. قال في التهذيب: وقال في موضع آخر: لا يكون محصورا حتى يفوته الحج ويصير إن خلي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام. فذهب ابن يونس إلى أن الأول راجع إلى الثاني، قال: وقاله بعض شيوخنا. وقال غيره: بل ذلك اختلاف قول، والأول أبين. انتهى.
قوله: (وَرَوَى أَشْهَبُ) قد تقدم وجهه أن الحج لما كان معلقاً بوقت وكان الإمساك عن الوطء والطيب وغيره طاعة، وقد التزم المحرم بالحجِ الإمساكَ عن هذه الأشياء إلى وقتٍ كان عليه أن يبقى على تلك الطاعة إلى ذلك الوقت.
стр. 1209
اللخمي: ويلزم على قوله أنه إن أحرم بعمرة وهو على بعد ألا يحل إلا في الوقت الذي يحل فيه لو لم يحصر. ابن عبد السلام: وأما قول المؤلف: (وروي أيضا: ينتظر حتى لو خلي لم يدرك الحج) فهو في الحقيقة غير القول الذي اعتبر فيه العلم. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن علمه يمقام العدو قد يكون قبل ما لو خلي لم يدرج الحج.
فرع:
قال في المبسوط فيمن حل له الإحلال فلم يفعل حتى أصاب النساء. إن كان نوى أن يحل فلا شيء عليه، وإن نوى أن يقيم على إحرامه لقابل فقد أفسد حجه وعليه أن يقضي حجته تلك.
وَلَوْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنِ الْبَيْتِ فَفِيهَا: تَمَّ حَجُّهُ، وَلا يُحِلُّهُ إِلا الإِفَاضَةَ وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ فَائِتِهِ مِنَ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنىً– هَدْيٌ كَمَا لَوْ نَسِيَ الْجَمِيعَ، وَقِيلَ: لا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَنْتَظِرُ أَيَّاماً فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ الإِفَاضَةُ وَإِلا حَلَّ ....
نحوه في المدونة، ولم يبين فيها هل حصر بمرض أو عدو؟ وحملها سحنون على أنه بمرض وذكره عن مالك، ومثله في الواضحة، وكذلك في موضع من كتاب محمد، وفي موضع آخر منه: بعدو. ابن أبي زيد: ورواية بعدو أصوب. وقال غيره: لو كان بعدو لما لزم الهدي؛ لأن مذهب ابن القاسم سقوط الهدي عمن أحصر بعدو، وأجيب بأن ذلك إنما هو في حق من لم يقف بعرفة.
وقوله: (وَلا يُحِلُّهُ إِلا الإِفَاضَةَ) أي: لا يزال محرماً ولو أقام سنين –حتى يطوف للإفاضة؛ إذ لا يتم الحج إلا به، وعليه لجميع فائته من الرمي والمبيت بمزدلفة ومنى – هدي، كما لو نسي الجميع، وقال التونسي في هذه المسألة: الأشبه أن يخير بين أن يبقى على
стр. 1210
إحرامه أو يحل ويبطل حجه ويكون عليه الحج إن كان ضرورة، قال: ولا يكون أسوأ حالا ممن حصره العدو قبل وقوف عرفة.
وقوله: (وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ فَائِتِهِ ... إلخ) هو مذهب المدونة.
وقوله: (كَمَا لَوْ نَسِيَ الْجَمِيعَ) هو كذلك في المدونة.
خليل: ولو قيل: إذا نسي الرمي والمبيت بالمزدلفة بالتعدد ما بَعُدَ؛ لتعدد الموجبات كما في العمد. وكأنهم لاحظوا أن الموجب واحد لا سيما وهو معذور. ابن راشد: والقائل بإسقاط الهدي قاسه على التحلل قبل الوقوف. وما ذكره عن الباجي هو كذلك في المنتقى، وهو يقتضي أنه حمل مسألة العدو.
فَإِنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ لَمْ يَحِلَّ إِلا أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَلا يَكْفِي طَوَافُ الْقُدُومِ وَلا هَدْيَ عَلَيْهِ ...
لما كان حصر العدو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يحصر عن البيت والوقوف.
والثاني: أن يحصر عن البيت فقط وتكلم المصنف عليهما. وأتبع ذلك بالكلام على القسم الثالث وهو أن يحص عن عرفة فقط. وإنما لم يحل إلا بالبيت لقدرته عليه؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". ولم يكفه طواف القدوم والسعي بعده؛ لكونه لم ينو بهما التحلل، وهذا مذهب المدونة. وقال عبد الملك: يكفيه طوافه وسعيه أولاً، وذكر ابن بشير خلافاً فيمن صد بعدو بعد أن طاف طواف القدوم ولم يقف بعرفة هل يجوز له التحلل أم لا؛ لأنه لم يأت التحلل إلا فيمن صد عن البيت قبل الوصول إليه؟
стр. 1211
وَلا قَضَاءَ عَلَى مَحْصُورٍ
لأنه معذور، ولا خلاف في ذلك عندنا، وأوجب أبو حنيفة القضاء وذلك؛ لأنه ﷺ لما صد عن عمرة الحديبية ووقع الصلح على أن قاضي أهل مكة على تمكينه في العام القابل، فاعتمر هو وأصحابه في العام المقبل وسميت عمرة القضاء.
والمالكية يقولون: إنما سميت عمرة القضاء؛ لمقاضاته ﵊، والحنفية تقول: لأنها قضاء والله أعلم.
وَلا تَسْقُطُ الْفَرِيضَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَسْقُطُ
والأول هو القياس كسائر الفرائض ووافق ابن الماجشون أبو مصعب وسحنون ورأوا أنه قد أتى بالمقدور وبذل وسعه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كما قالوا لسقطت الفريضة ولو أحصر قبل الإحرام، وقد وافقوا على أنها لا تسقط. وحكى المازري أن الداودي ذكر في كتاب النصيحة عن أبي بكر الثعالبي أن الفريضة تسقط وإن صد قبل أن يحرم.
المازري: وأظن أنه حكاه عن رجل آخر من أصحابنا، وكان بعض شيوخنا يستبشع هذا القول.
عياض: والذي رأيته في كتاب النصيحة للداودي ما هذا نصه: إن من صد بعد إحرامه لم تسقط عنه حجة الفريضة. وقال أبو مصعب: إنه يجزئه عن حجة الفريضة. وزاد ابن القرطي: إذا صد أجزأه عن حجة الفريضة، وإن لم يكن أحرم. وهو بعيد في النظر. انتهى قوله.
ولم أره ينسب القول إلى الثعالبي ولا غيره سوى ابن شعبان، والثعالبي هو أبو بكر تلميذ [٢٠٩ / ب] ابن شعبان فقيه مصر في وقته. انتهى.
وَلا يُوجِبُ تَحَلُّلُ الْمَحْصُورِ دَماً خِلافاً لأَشْهَبَ
أي: بعدو. ومنشأ الخلاف هل قوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ([البقرة: ١٩٦] يتناول المحصور بعدو أم لا؟ وقد اختلف في ذلك أئمة اللسان فنقل أبو عبيدة عن
стр. 1212
الكسائي أنه قال: أحصر في المرض وذهاب النفقة. وحصر في العدو والسجن؛ لقول ابن عباس: لا حصر إلا في العدو. وقال الفراء: العرب تقول: أحصر بالمرض وحصره العدو، ولا يقال: حصره إلا في العدو. وقال ابن فارس في المجمل: ناس يقولون: حصره المرض وأحصره العدو عكس الأول، وحكى ابن قتيبة وغيره في المرض وجهين.
ابن بشير وابن هارون وابن راشد: والأول هو المشهور عن أهل اللسان، ورجح اللخمي وغير واحد قول أشهب؛ لأن الآية نزلت بسب عمرة الحديبية، قاله ابن عبد البر وغيره، وأجيب بأن الهدي لم يكن لأجل الحصر، وإنما كان بعهم ساق هديا فأمره بذبحه ولم يأمرهم النبي ﷺ بهدي لحصرهم، قاله التونسي وابن يونس. وضعف قول أشهب بقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (والمحصور بعدو يحلق رأسه حيث كان.
فرع:
قال ابن الماجشون: إذا كان العدو منع من طريق فليس عليه أن يأخذ طريقاً آخر يسلكه في الانتقال حيث لا يسلك بها، ولا يركب المخاوف، وإن لم يجد إلا هذا فهو محصور، وإن وجد طريقا مأمونة معلومة وهي أبعد فليس بمحصور إن بقي من المدة ما يدرك فيه الحج.
وَلا يَجُوزُ قِتَالُ الْحَاصِرِ مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، وَلا إِعْطَاءُ مَالٍ لِلكَافِرِ
نحوه لابن شاس. ابن عبد السلام: وسواء كان بمكة أو بالحرم. وأما إعطاء المال على أن يخل بين الناس وبين مكة فلا يجوز إن كان كافراً، ومفهوم كلامه أنه يجوز إن كان مسلما، والأصل في منع القتال ما في الصحيحين أنه ﵊، قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة".
стр. 1213
وفي حديث أبي شريح، وهو في الصحيحين أنه ﵊ قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً".
قال سند: إن كان العدو المانع كافراً أو لم يبدأ بالقتال فهو بالخيارين التحلل والقتال؛ لأنه ﵊ لم يقاتل من صده مع علوه على الصاد، وإن طلب الكافر مالاً على الطريق كره له دفعه نفيا للمذلة. وإن كان الصاد مسلماً فهو كالكافر في القتال؛ لأنه ظالم. انتهى.
ابن هارون: والصواب قتال الصاد انتهى.
وفي الكافي: وأما من أحصر بعدو غالب من فتنة أو غيرها فلهم قتال العدو ولهم تركه والتربص، فإن كشف الله عنهم ذلك ورجوا إدراك حجهم نهضوا، وإن يئسوا من زوال العدو نحر من كان معه هدي وحلق كل واحد منهم، وسواء كان ذلك في الحل أو في الحرام. انتهى.
وفي الإكمال قوله ﷺ : "لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة". هو محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كان خوف أو حاجة إليه جاز، وهو قول مالك والشافعي وعطاء وعكرمة، وكرهه الحسن البصري تمسكاً بظاهر الحديث.
وحجة الآخر دخوله ﵊ عام القضية بما شرطه من السلاح، ودخوله يوم الفتح وعلى رأسه المغفر. عليه إذا احتاج إليه وحمله الفدية، ولعل هذا في حاجته إلى المغفر والدرع وشبههما فلا يكون خلافا، ثم قال: وقول الكافة أن هذا مخصوص بالنبي ﷺ لقوله ﵊: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار" فخص بما لم يخص به غيره. وقال القاضي في كتاب الجهاد: ولم يختلف في دخول النبي ﷺ أنه كان حلالا بدخوله والمغفر على رأسه، ولأنه كان دخلها محارباً حاملاً للسلاح هو وأصحابه، ولم يختلفوا في تخصيص النبي ﷺ بذلك، ولم يختلفوا أن من دخلها لحرب بعده أو لغيره أنه لا يحل له دخولها حلالاً. انتهى فانظره. وحكى الخطابي أنه إنما حل له تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وغيره، والصواب في مذهب الشافعي جواز القتال.
стр. 1214
النووي: والجواب عن الأحاديث المذكورة ما أجاب ب الشافعي في كتاب سير الواقدي أن معناه تحريم نصب القتال وقتالهم بما يعلم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن صلاح الحال بدون ذلك.
وَالْحَصْرُ عَنِ الْعُمْرَةِ كَالْحَجِّ
أي: في جواز التحلل منها بتحقق المانع أو ظنه كما تقدم. والحصر في العمرة هو الأصل؛ لأن ذلك محل النص، والحصر فيها إنما يكون عن البيت. قال في الذخيرة: قال ابن القاسم: وليس للعمرة حد بل يتحلل وإن لم يخش الفوات؛ لأنه ﵊ صد وهو محرم بعمرة ولم يتأخر، وقال عبد الملك: يقيم ما رجا إدراكها ما لم يضره ذلك. انتهى.
وقوله: (إدراكها) أي: بزوال العدو، وصرح بذلك الباجي.
فإن استوطن العدو فإنه يجوز له الإحلال عنده. الباجي: إلا أن ترجى إباحة الطريق، فإن التوقف في ذلك [٢١٠/أ] ومحاولته يجري مجرى زواله.
وَفَوَاتُ الْوُقُوفِ بِخَطَأِ الْعَدَدِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِ، غَيْرِ الْعَدُوِّ وَلا يُحِلُّهُ إِلا الْبَيْتُ –وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ– فَيَتَحَلُّلُ بأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى إِهْلالِهِ الأَوَّلِ وَلا يَعْتَدُّ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْحَصْرِ، وَيُعِيدُهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إِحْرَامٍ ...
يعني: أن من فاته الوقوف بعرفة (بِخَطَأِ الْعَدَدِ) أي: فإن علموا أول الشهر ثم نسوه– وقد تقدم حكم ما إذا كان بسبب خطأ أهل الموسم في الرؤية – أو فات الوقوف بمرض (أَوْ غَيْرِهِ) أي: من عدم رفيق، أو مركوب، أو عدم الدليل على الطريق.
وقوله: (لا يُحِلُّهُ إِلا الْبَيْتُ وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ) أي: ويجب التمادي على إحرامه.
قوله: (فَيَتَحَلُّلُ بأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى إِهْلالِهِ الأَوَّلِ) أي: من غير أن يجدد إحرامها، لما تقدم أن العمرة لا ترتدف على الحج، ولا يعتمد بما فعله من طواف وسعي قبل الفوات؛ لأنه لم ينو به التحليل. خليل: وإذا ثبت أنه لا يجدد لعمرته إهلالا يحصل له أجر عمرة. وأيضا فقولهم: إنه لو وطئ فيها ليس عليه بدلها يدل على ذلك والله أعلم.
стр. 1215
والفرق بين العدو والمرض، وما ذكر معه أن العدو أمر غالب عام والمرض خاص، ولأن المرض وغيره، قد يمكنه إتيان البيت بوجه ما، والله سبحانه أعلم.
وَلا يُجَدِّدُ إِحْرَامَهَا إِلا مِنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ، أَوْ أَرْدَفَهُ فِي الْحَرَمِ
قوله: (إِحْرَامَهَا) أي: العمرة؛ أي: إذا أحرم بالحج من الحرم أو أردفه فيه فإنه يحتاج إلى تجديد إحرام، هذا مقتضى كلام المنصف، وليس كذلك، وإنما يؤمر أن يخرج إلى الحل فيلبي منه ويدخل إلى العمرة، ويحج قابلاً ويهدي، ظن أن مراده بقوله:"يلبي" تجديد الإحرام.
ابن عبد السلام: وليس ذلك مراده ولا ذهب إليه أحد من الشراح فيما علمت، وإنما أمر بالخروج لما علم من غير موضع أن كل نسك لابد أن يجمع فيه بين الحل والحرم.
وَلَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ، فَيُجْزِئُهُ وَلا دَمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فَفِي الْهَدْيِ قَوْلانِ ...
الضمير في قوله: (وَلَهُ) عائد على من فاته الحج بأحد الوجوه المتقدمة. وظاهر كلامه أنه مخير في البقاء على إحرامه، ونص في المدونة والعتبية على استحباب التحلل. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "من فاته الحج فليهل بعمرة وعليه الهدي قابلاً".
وقوله: (وَلا دَمَ) أي: على من بقي على إحرامه.
وقوله: (وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةُ) راجع إلى قوله: (وَلَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ) وحاصله أنه مخير ما لم يدخل مكة، فإذا دخلها فهل له التمادي؟ قولان.
والقول الثاني من كلام المنصف هو مذهب المدونة والموازية، قال في المدونة في أول الحج الثالث: وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإذا دخلها فليطف بالبيت ويسعى ويحل من إحرامه ذلك ولا يثبت عليه. سند: يريد أنه يكره له
стр. 1216
التمادي على الإحرام خشية ارتكاب المحظورات. وألحق اللخمي بمكة في استحباب التحلل ما إذا كان قريبا منها. وما صدر المصنف به حكاه ابن نافع عن مالك.
وقوله: (فَيُجْزِئُهُ) يعني: إن بقي على إحرامه وحج من قابل أجزأه عن حجة الإسلام. وهذا هو مذهب المدونة. وقال ابن وهب: لا يجوز له البقاء على الإحرام وإن بقي فلا يجزئه عن حجة الإسلام. ابن راشد: والأول أصح؛ لأن إحرامه إنما كان عن حجة الإسلام وقد بقي على ذلك الإحرام حتى حج.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فَفِي الْهَدْيِ قَوْلانِ) مذهب المدونة السقوط ومذهب العتبية الوجوب؛ إما لأنه لتأخبر أفعال الحج عن وقته، وإما على سبيل الاحتياط إذا الغالب عدم الوفاء بحق الإحرام مع طول المقام ولهذا قال بعضهم: إذا أهدى لا يأكل منه؛ لاحتمال أن يكون أماط أذى، والدم إذا كان لإماطة الأذى لا يؤكل منه.
فَإِنْ تَأَخَّرَ إِلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلا يَتَحَلَّلُ، فَإِنْ تَحَلَّلَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَمْضِي وَلا يَكُونُ مُتَمَتِّعاً؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْ بِعُمْرَةٍ، وَقَالَ أَيْضاً: لا يَمْضِي، وَقَالَ أَيْضاً: يَمْضِي وَيَكُونُ مُتَمَتِّعاً ....
يعني: فإن أراد البقاء على إحرامه ثم بدا له أن يحل فذلك له ما لم تدخل أشهر الحج من العام لمقبل، فلا يتحلل؛ لسيارة ما بقي، فإن تحلل فهل يصح تحلله؟ قال ابن القاسم أولاً: يمضي تحلله ويصح. وقال أيضاً: لا يمضي تحلله؛ بناء على أن الدوام كالابتداء فلا يمضي أو لا فيمضي؟ وإذا قلنا أن تحلله يمضي وحج ذلك العام فهل يكون متمتعا؟
قولان لابن القاسم أيضاً، والأقرب أنه ليس بتمتع؛ لأن المتمتع من تمتع بالعمرة إلى حج، وهذا إنما تمتع من حج إلى حج، وعلى قول ابن القاسم أنه يكون متمتعا يجب عليه دم التمتع؛ لأنه استمتع بتحلله كما في العمرة.
стр. 1217
التونسي: وعلى هذا القول أنه إنما يجب عليه الهدي إذا حج من عامه، فإن لم يحج من عامه فلا. وفي هذا نظر؛ لأنه قد انتفع بالتحلل الذي حل به من الإحرام، فيجب أن يكون عليه الدم بكل حال، حج من عامه أو لم يحج، كما لو حل قبل أشهر الحج لكان عليه دم التحلل وإن لم يكن ممتعا. انتهى. وهذه الثلاثة الأقوال في المدونة. ولم يختلف قول ابن القاسم فيها ثلاث مرات إلا في هذه المسألة.
فَإِنْ كَانَ الْفَوَاتُ بَعْدَ الإِفْسَادِ أَوْ قَبْلَهُ فَلا يَبْقَى وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ فِي قَابِلٍ، وَدَمُ الْفَوَاتُ لا دَمُ قِرَانٍ. وَمُتْعَةٌ لِلْفَائِتِ بِخِلافِ الْمُفْسِدِ وَشُبِّهَتْ بِمُتَعَدِّي المِيقاتِ يُحْرِمُ ثُمَّ يَفُوتُ أَوْ يَفْسُدُ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَكَالأَصْلِ ...
يعني: فإن اجتمع في الحج فوات وإفساد، سواء كان الإفساد أولاً أو ثانياً فلا يجوز له البقاء هنا على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفساد، ويتحلل بعمرة من الحل؛ يريد إذا كان أحرم بالحج من مكة أو أردفه فيه، ولو كان إحرامه من الحل لم يخرج إليه كما تقدم.
قوله: (وَيَجِبُ الْقَضَاءُ) ظاهر كما في سائر صور الإفساد والفوات، ثم لا يخلو إما أن يكون ما فاته أو أفسده إفرادا أو تمتعا أو قرانا، فالإفراد لا يحتاج فيه إلا إلى هديين، أحدهما للفوات والثاني للفساد. ابن عبد السلام: هذا مذهب المدونة، وقيل: يسقط عنه دم الفساد إذا جامع ثم فاته الحج. انتهى.
وإن كان قراناً أو تمتعاً فقال المصنف: لا شيء عليه في ذلك القران أو التمتع، يكون عليه إذا قضى ثلاث هدايا؛ هدي للفساد وهدي للفوات وهدي للقران أو التمتع الثاني. وما حكاه من سقوط دم القران الفائت هو في الموازية من رواية أبي زيد عن ابن القاسم. وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يسقط حكاه الباجي. ونسب اللخمي القولين لابن القاسم قال: والسقوط أحسن؛ لأنه آل أمره إلى عمرة ولم يتم القران. وحكى ابن يونس عن ابن القاسم في سقوط دم المتعة قولين أيضاً، وقال في البيان: مذهب المدونة أن الفوات.
стр. 1218
لا يسقط عنه دم القران إن كان قارنا ولا دم إن وطيء قبل أن يفوت الحج، قال في الحج الثالث فيمن وطيء ثم فاته الحج أن عليه هديين، والتمتع مقيس عليه.
وقوله: (بِخِلافِ الْمُفْسِدِ) أي: فإنه يجب عليه القران والتمتع. قال في البيان: ولا خلاف في ذلك. انتهى.
والفرق أن الفوات يبيح القطع فتذهب صورة القران والتمتع في الصورة والحكم، بخلاف الإفساد فإنه يجب معه التمادي فتبقى صورتها ظاهرة، فلذلك وجب ترتب أثرها وهو الهدي كما في الصحيح.
قوله: (وَشُبِّهَتْ) أي: وشبهت هذه المسألة في سقوط الدم في الفوات دون الفساد، بما تقدم من أن المشهور سقوط دم التعدي عنه إذا فاته الحج، بخلاف ما إذا أفسدته، فإنه لا يسقط عنه الهدي، وهذا التشبيه لابن يونس وغيره. هذه المسألة تقدمت من كلام المصنف وذكر فيها عن ابن القاسم أن عليه أربع هدايا. وأن أصبغ قال: عليه ثلاث وهو الصحيح. لكن بين هنا أنه لا فرق بين تقدم الفوات على الإفساد أو العكس.
وقوله: (وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَكَالأَصْلِ) ظاهر وقد تقدم.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُحْصَرِ هَدْيٌ حَبَسَهُ مَعَهُ إِلا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ فَلْيَبْعَثْ بِهِ فَيُنْحَرَ بِمَكَّةَ
أي: المحصر بمرض؛ لأن حكم هدي المحصر بالعدو قد تقدم أنه يذبحه حيث كان، وأمر بحبسه لاحتمال أن يصح إنه يبعثه إذا لا مانع للهدي.
قال في الذخيرة: وإن قدر المحصر – أي: بعدو – على إرسال الهدي أرسله وإن تعذر نحره في الحل.
стр. 1219
وَلا يُجْزِئُ هَدْيٌ مَعَهُ عَنِ الْفَوَاتِ بَعَثَهُ أَوْ تَرَكَهُ
يعني: أن ما قلده المحرم أو أشعره قبل أن يفوته الحج لا يجزئه عن دم الفوات سواء بعثه أو تركه عنده؛ لأنه بالتقليد وجب فلا يجزئ عن واجب آخر. وقد اختلف قول مالك فيمن ساق هديا في عمرة ثم أردف الحج أو فرغ من عمرته وتمتع هل يجزئه ذلك الهدي عن تمتعه وقرانه؟ والذي رجع إليه في المدونة في مسألة التمتع – الإجزاء وكذلك قال في المدونة في امرأة دخلت مكة بعمرة فحاضت قبل أن تطوف، وخشيت فوات الحج، أنها تردف الحج على العمرة، ويجزئها عن دم القران ما ساقته أولا قبل إردافها. خرج بعضهم خلافاً في تعيين الهدي بالتقليد والإشعار من هذه المسألة، وعلى هذا فلا يبعد أن يختلف في مسألة الفوات والله أعلم.
وَيُؤَخَّرُ دَمُ الْفَوَاتِ إِلَى الْقَضَاءِ، وَفِي إِجْزَائِهِ قَبْلَهُ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَكَانَ مَالِكٌ يُخَفِّفُهُ ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ لَمْ يُجِزْئُهُ مَا أُهْدِيَ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ
قال في المدونة: ولا ينحر الهدي إلا في حجة القضاء، فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدي الفوات في عمرته أجزأه. وقد كان مالك يخففه ثم استثقله. قال ابن القاسم: ولا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء، وإن فعل أجزأ، ثم ذكر ما ذكره المصنف عنه. ونقل ابن يونس عن أشهب عدم الأجزاء إن قدمه. إنما أمر بتأخير الهدي لحجة القضاء ليتفق الجابر النسكي والجابر المالي. ورأى بعض الشيوخ أن ما استدل به ابن القاسم مصادرة على المطلوب، وأن من يقول بعدم الإجزاء إذا تقدم يخالف في مسألة الميت.
وَلَوْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ، أَوْ فَاتَ ثُمَّ أَفْسَدَ قَبْلَ تَحَلُّلِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيهَا فَقَضَاءٌ وَاحِدٌ وَهَدْيَانِ، وَلا بَدَلَ لِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ ...
تصور كلام واضح.
стр. 1220
وقوله: (فَقَضَاءٌ وَاحِدٌ) أي: للحج. (وَهَدْيَانِ) أي: هدي للفوات وآخر للفساد. ولا بدل لعمرة التحلل. أي: لا يقضيها لأنها ليست عمرة في الحقيقة بدليل أنه لا يحرم لها، وإنما هي تحلل بطواف وسعي.
وَلا تُفِيدُ الْمَرِيضَ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ أَوَّلاً بِتَقْدِيرِ الْعَجْزِ
يعني: أن المريض إذا أحرم وشرط أنه إن حصل له عجز يتحلل – فلا تفيده تلك النية، وكذلك أيضاً إن شرطت المرأة عند إحرامها أنها إن حصل لها حيض تحللت– لم يفدها ذلك الشرط؛ لأنه شرط مخالف لسنة الإحرام.
وَحَبْسُ السُّلْطَانِ كَالْمَرَضِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لا كَالْعَدُوِّ، وَثَالِثُهَا إِنْ كَانَ حُبِسَ لِحَقٍّ فَكَالْمَرَضِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُنْتُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِئَةٍ فَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ اتُّهِمُوا بِدَمٍ فَحُبِسُوا بالْمَدِينَةِ مُحْرِمِينَ، فَقَالَ: لا يُحِلُّهُمْ إِلا الْبَيْتُ
يعني: أنه اختلف إذا حبس السلطان قوماً محرمين فالمنصوص أي: المنقول عن مالك في المدونة أن ذلك كالمرض؛ أي: لا يحلهم إلا البيت. ولو قال: المشهور لكان أولى؛ لأن الغالب من عادته ألا يجعل مقابل المنصوص منصوصاً. ووجه المشهور أن هذا خاص ببعض الناس فكان كالمرض. والقول بأنه كالعدو نقله ابن بشير عن المتأخرين. والقول الثالث نقله في البيان عن مالك، ولم يجعله خلافاً للأول، بل ساقه على أنه وفاق، وهو اختيار ابن يونس، وقطع ابن القصار بأنه كالمرض إذا سجنوا بحق وتردد إذا سُجِنوا بباطل. اللخمي: ولا فرق بين حصر بدَينٍ أو بدم، وما حكاه ابن القاسم هو كذلك في المدونة وغيرها، وهو القول الأول من كلام المصنف.
زاد في النوادر فيه عن مالك: أو يثبت عليهما ما ادعى عليهما فيقتلان. ابن رشد: وهو تمام المسألة. وإنما ردهما مثل المريض لأنهما حبسا بالحكم الذي أوجبه الله تعالى، فكان بمنزلة المرض الذي هو عند الله. انتهى.
стр. 1221
ابن عبد السلام: وظاهر كلام ابن رشد أن الظلم الموجب لتحلل المحبوس بالعدو وإلحاقه به، وهو أن يكون ظلماً وعداءً في ظاهر الحال، ولا يحتاج أن يكون ظلماً في نفس الأمر، حتى أنه إن حبسه بتهمة ظاهرة فهو كالمرض وإن كان يعلم من نفسه أنه بريء. قال: وفيه عندي نظر. وإنما كان ينبغي أن يحال المرء على ما يعلم من نفسه؛ لأن الإحلال والإحرام من الأحكام التي بين العبد وربه، ولا مدخل فيها للولادة، فمن علم من نفسه البراءة جاز له التحلل، ولو كان سبب التهمة ظاهر.
وَمَنْعُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ الْمُحْرِمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا تَمَكَّنَ بِإذْنٍ أَوْ عِتْقٍ فَيَجِبُ الْهَدْيُ، وَقِيلَ: كَالْحَصْرِ ...
يعني: أن العبد إذا أحرم بغير إذن سيده فله أن يحلله ويجب على العبد القضاء إذا أذن له سيده أو عتق على المشهور، ويجب الهدي. ابن المواز: ويحتاج فيه لإذن السيد.
ابن عبد السلام: وقد يقال: إذن السيد في القضاء يستلزم الإذن في توابعه. وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه. التونسي واللخمي: وهذا أبين؛ لأن السيد قد رد إحرامه من أصله. وإليه أشار بقوله: (وَقِيلَ: كَالْحَصْرِ) أي: كحصر العدو عن حج التطوع، والفرق للمشهور أن العبد لما أحرم بغير إذن سيده مع علمه بأن السيد يمنعه صار بمنزلة من علم بالحصر ثم أحرم، ومثل ذلك لا يعذر، ولا يحلله إلا البيت.
اللخمي وغيره: ويستحب للسيد ألا يحلله إذا كان السيد محرما.
ابن الجلاب: ويستحب لمن استأذنه عبده في الحج أن يأذن له إذا لم يضر به ذلك. ومن خرج بعبده إلى مكة فاستأذنه في الإحرام فليأذن له، وإن نقص ذلك من ثمنه، وإن لم يفعل فلا شيء عليه. سند: وينعقد إحرام العبد بغير إذن سيده عند الفقهاء كافة، خلافا لأهل الظاهر؛ قياساً على الصوم والصلاة، ثم يجب على العبد الموافقة على التحليل، فإن لم يوافق وكمل الحج أثم ولا هدي عليه. وتحليله يكون بالنية والحلاق؛ لأن رفض النية وحده يبطل الإحرام. انتهى.
стр. 1222
قيل لأشهب: فهل يمنعه سيده أن يحل من ذلك في عمرة؟ قال: إن كان قريباً فلا يمنعه، وإن كان بعيدا فإما أن يبقيه على إحرامه إلى قابل، وإما أن يأذن له في فسخه في عمرة. قال في المدونة: وعلى العبد الصوم لما حلله السيد، إلا أن يهدي عنه سيده طاو يطعم. وقال يحيى: لا أعرف في هذا إطعاما، وإنما هو هدي أو صيام؛ أي: لأن الإطعام إنما هو في فدية الأذى. ورأى في المشهور أنه لما أحرم مع علمه بأن للسيد أن يحلله صار العبد كأنه قاصد التحليل، فصار كفدية الأذى. اللخمي: ثم لا يخلو العبد في الإحرام الذي أحله منه السيد من أربعة أوجه: إما أن يكون متطوعا به، أو منذورا في حج عام بعينه، أو منذورا مضمونا، أو نوى حجة الإسلام وهو يظن أن ذلك عليه؛ فإن نوى تطوعا بغير نذر أو نذر حج ذلك العام لم يلزمه القضاء إن أذن له السيد أو عتق في عام آخر. وإن أذن له أو عتق في ذلك العام الذي أحله منه وهو يدرك الحج ندب إلى الوفاء به وليس بواجب. وإن كان منظوراً مضموناً فأحرم ينوي قضاء ذلك النذر ثم رد إحرامه – كان عليه القضاء متى عتق؛ لأن السيد إنما رد ذلك الإحرام ولم يرد النذر ولا العقد المتقدم قبل الإحرام. واختلف هل للسيد إن يرد عقده للنذر؟ فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب، وهو أحسن؛ لأن ذلك العقد لا يضر للسيد ما دام العبد ملكه ولا يحط من الثمن إن باعه. وإن أحرم ينوي حجة الإسلام وظن أن ذلك عليه، لم يكن عليه شيء مادام في الرق. وإن أذن له السيد فإن عتق أتى بحجة الإسلام فقط.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْمَاذُونِ لَهُ كَالْمَرأَةِ فِي التَّطَوُّعِ، وَيُقْضَى لَهُمَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْمُشْتَرِي، وَهُوَ عَيْبٌ إِلا أَنْ يَقْرُبَ الإِحْلالُ وَلَهُ بَيْعُهُ إِنْ قَرُبَ الإِحْلالُ ...
المراد بالمأذون: المأذون له في الحج لا المأذون له في التجارة [٢١١/ب]، فإن المأذون له في التجارة هنا كغيره، ويدل على أن مراد المصنف بالمأذون ما ذكرناه؛ قوله أولاً: (عبده المحرم بغير إذنه) يعني: أن السيد إذا أذن لعبده في الحج فليس له منعه، كالمرأة في التطوع إذا أذن لها زوجها فيه فليس له منعها.
стр. 1223
(وَيُقْضَى لَهُمَا) أي: للعبد والمرأة (عَلَيْهِمَا) أي: على السيد والزوج. ولا إشكال على هذا إن أحرما، وأما قبل الإحرام فنص مالك على أن له أن يمنع العبد.
اللخمي: وليس بالبين. وقال سند: ظاهر الكتاب يقتضي أنه ليس له منعه بعد الإذن وإن لم يحرم. قوله: (فِي التَّطَوُّعِ) ولم يقل في حج التطوع؛ ليشمل الإحرام بالحج والعمرة. وهل يجوز بيع الرقيق محرماً؟ أجاز ذلك في المدونة، قال فيها: وليس للمشتري إحلاله. قال سحنون: لا يجوز بيعه ويفسخ. قال: ومتى يأخذه، بعد الحج أو قبله؟ ألا ترى أن ابن القاسم يقول: إذا آجر عبده شهراً لم يجز له بيعه.
اللخمي: وقد يفرق بين السؤالين، لأن العبد المحرم منافعه لمشتريه، وفي الإجازة منافعه قد بيعت، فيستخف من كان في الإحرام لهذا، ثم اختار الصحة إن كان المشتري محرماً، ولو كان الموضوع بعيدا؛ لأنه خارج معه، والفساد إن كان غير محرم إلا أن يكون الموضع قريباً والأيام يسيرة. وعلى الصحة فإن علم المشتري أولاً بذلك فلا مقال له، وإن لم يعلم فذلك عيب يوجب الخيار. وهو معنى قوله: (وَهُوَ عَيْبٌ).
وقوله: (إِلا أَنْ يَقْرُبَ الإِحْلالُ) أي: فليس بعيب، وكذلك قال في المدونة. وينبغي أن يكون الحكم إذا باعه السيد قبل أن يعلم بالإحرام، ثم رده عليه المشتري – أن يكون له تحليله كما قالوا إذا تزوج العبد بغير إذن سيده.
وقوله: (وَلَهُ بَيْعُهُ إِنْ قَرُبَ الإِحْلالُ) ابن بشير: وإذا أحرم العبد بإذن سيده فأراد السيد أن يبيعه فهل له ذلك؟ أما إن لم يبق من مدة الإحرام إلا اليسير فله بيعه، وإن بقي الزمان الكثير فقولان انتهى. وكأنه فهم أن خلاف سحنون مقيد بما إذا طال الزمان. وظاهر ما حكاه اللخمي عنه العموم.
قوله: (وَلَهُ بَيْعُهُ إِنْ قَرُبَ الإِحْلالُ) ظاهره أنه ليس له ذلك إن لم يقرب، وهو خلاف مذهب المدونة. وإن أراد أنه يجوز له بيعه من غير بيان فهو مشكل، ولم أر من
стр. 1224
صرح بذلك. وإن أراد أنه يتفق على جواز بيعه إذا قرب الإحلال ويختلف إذا بعد كما قال ابن بشير، فكلامه ينبئ عن هذا.
وَما لَزِمَ الْمَاذُونَ عَنْ خَطَأٍ أَوْ ضَرُورَةٍ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الإِخْرَاجِ وَإلا صَامَ بِغَيْرِ مَنْعٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ...
يعني: أن السيد إذا أذن لعبده في الحج ولزمه دم أو صوم فإن لزم ذلك لعذر؛ كمن مرض حتى فاته الحج أو فاته الوقوف بخطأ في العدد، أو في الهلال أو بخطأ في الطريق، أو قتل صيداً خطأ، أو لبس، أو تطيب لضرورة التداوي، فإن أذن له سيده في إخراج الهدي والفدية بالنسك أو الإطعام فعل، وهذا هو الجاري على المشهور من إجزاء الكفارة بالإطعام مع الإذن.
وإن لم يأذن له صام وإن أضر به في عمله، وإن تعمد موجب الهدي أو الفدية – فلا شك – إن أذن له في الإخراج أنه يفعل، وإن لم يأذن له فأراد الصوم فإن لم يضر ذلك بالسيد فله ذلك، إلا إن أضر به على المشهور خلافا لابن وهب وابن حبيب، ورأوا أنه لما أذن له في الحج فقد أذن له في توابعه.
فَلَوْ أَفْسَدَ فَفِي وُجُوبِ الإِذْنِ لَهُ فِي الْقَضَاءِ قَوْلانِ لأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ
أي: في القضاء، رأى أصبغ أن ذلك عليه؛ لأنه من آثار إذنه. ابن المواز: والصواب قول أشهب؛ لضرر السيد. قال في الموازنة: وإن أذن له ففاته الحج فعليه القضاء والهدي إذا أعتق.
وَمَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْمُحْرِمَةَ فِي التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَمَنْعِ الْعَبْدِ فِي الْقَوْلَيْنِ
أي في التطوع بغير إذنه، فيجب عليها أن تطيعه وتتحلل. وقوله: (فِي الْقَوْلَيْنِ) أي: هل يلزمها القضاء إذا أذن لها أو فارقته أو لا يلزمها؟ فالتشبيه إنما هو في القضاء؛ إذا لم يتقدم له قولان إلا في ذلك. وقيد اللخمي الخلاف بالنذر المعين والتطوع، قال: ويلزمها القضاء في المضمون قولاً واحداً.
стр. 1225
فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ أَثِمَتْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا بِخِلافِ الْفَرِيضَةِ عَلَى الأَصَحِّ
أي: فإن لم تقبل ما أمرها به من التحلل أثمت لمنعها حينئذ حقه عدواناً، وله حينئذ مباشرتها كارهة. وأما الفريضة فلا يحلها منها على أصح القولين.
فرع:
روي عن مالك وابن القاسم في التي تركت مهرها لزوجها ليأذن لها: ترجع عليه بمهرها؛ لأنه يلزمه أن يدعها. وقال ابن القاسم في رواية أبي جعفر إن كانت عالمة أن لها أن تحج وإن كره فالعطية ماضية، وإن كانت جاهلة رجعت عليه. واختار يحيى بن عمر وابن يونس، وهو يحتمل الوفاق. وجزم في البيان بالموافقة، قال: ولو أعطته مهرها على أن يحج بها لم يجز؛ لأنه فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ، قاله ابن القاسم في سماع أصبغ من كتاب السلم. وفي سماع عيسى من الصدقات والهبات ما يعارض ذلك فقف عليه. ومقابل الأصح مقتضى كلام ابن يونس أنه منصوص؛ لقوله: فصار في المرأة إذا أحرمت بفريضة بغير إذن زوجها قولان. قول بأن له أن يحللها، وقول إنه ليس له ذلك. وقال بعضهم: هو مأخوذ من مسألة المدونة التي ذكرها المصنف. ولعل هذا هو المعتبر عمد المصنف، ولذلك عقب ذلك بمسألة [٢١٢/أ] المدونة إشارة إلى ما أخذ من مقابل الأصح، والله أعلم.
وَفِيهَا: وَلَوْ حَلَّلَهَا مِنْ فَرِيضَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ، فَقِيلَ: عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي عَامِهَا أَجْزَأَهَا عَنِ الْفَرِيضَةِ وَالْقَضَاءِ؛ لأَنَّهَا قَضَتْ وَاجِباً بِوَاجِبٍ، بِخِلافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يُدْخِلُ تَطَوُّعَاً مَعَ وَاجِبٍ– يَعْنِي إِذَا حَلَّلَهُ ثُمَّ عُتِقَ– وَقِيلَ: فِي اعْتِقَادِهِمَا أَوْ تَعَدِّياً مِنْهُ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَذِنَ– يَعْنِي بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ الْفَاسِدِ أَوْ عَلَى تَمْكِينِهِ بَعْدَ ظُلْمِهِ- وَقِيلَ: قَبْلَ الْمِيقَاتِ ...
قال في المدونة: قيل: فإن أحرمت المرأة بفريضة بغير إذن زوجها فحللها ثم أذن لها من عامها بحجة فحجت أيجزئها حجها عن حجة الفريضة والقضاء؟ قال: أرجو ذلك.
стр. 1226
وأما إن أحرم عبد بغير إذن سيده فحلله ثم أعتقه فحج ينوي القضاء وحجة الإسلام أجزأته للقضاء لا للفريضة، كما لو نذر عبده فقال: إن أعتق الله رقبتي فعلي المشي إلى بيت الله في حجة. ثم أعتق فإنه يحج حجة الإسلام ثم النذر بعدها، ولا تجزئه حجته حين أعتق عنهما؛ لأنه أدخل تطوعا مع واجب. ولو كان حللها من تطوع لكانت كالعبد. انتهى. فتعلق مقابل الأصح بقوله: (وَلَوْ أَذِنَ) بقوله: (وَالْقَضَاءِ) ورأى أن جعل الإذن له وإطلاق القضاء على فعلها يدلان على التحلل سائغ، وهو تأويل ابن أبي زيد. وقوله: (بِخِلافِ الْعَبْدِ .... إلخ) ظاهر التصور من لفظ المدونة، والقائلون بالأصح اختلفوا على تأويلين؛ أولهما: أن ذلك التحلل الذي دل عليه لفظ المدونة إنما كان من اعتقاد الزوج والزوجة أنه الحكم الشرعي في المسألة، أو على سبيل التعدي من الزوج، وجعل عداءه في ذلك تحيلاً لشبهه به. فقوله: (وَلَوْ أَذِنَ) يعني: بناء على اعتقاده الفاسد، أو على تمكينه بعد ظلمه. قال المصنف: (وَهُوَ الصَّوَابُ) وهو يرجع في المعنى إلى تأويلين. وكذلك قال ابن عبد السلام: وقرره ابن هارون على أنه تأويلان حقيقة، والأول أولى؛ لقوله: (هُوَ الصَّوَابُ) فأعاد الضمير مفردا. وعلى هذا التأويل فتحللها باطل ولم تزل بعد محرمة.
ابن المواز: وعليها من الفدية وغيرها ما على المجرم، وإن وطئها فسد حجها وتتمه وتقضي ويجزئها ذلك عن حجة الإسلام، وتهدي في القضاء، وترجع بالهدي على الزوج ولو فارقها فتزوجت غيره قبل القضاء فنكحها باطل؛ لأنها محرمة، ولو تزوجت بعد تمام الفاسد وقبل القضاء جاز؛ لأنها حلت ثم تقضي بعد ذلك. ابن يونس: وقال بعض شيوخنا: ونفقتها في قضاء ما أفسد عليها على الزوج من كراء ونحو ذلك.
التأويل الثاني: أنها أحرمت قبل الميقات زماناً أو مكاناً.
وصوب المصنف الأول؛ لبقاء لفظ المدونة على ظاهره، فإن قلت: كيف جعل القول بتحليلها أولاً صحيحاً؛ لجعله إياه مقابلاً للأصح، ثم قال ثانياً: وهو الصواب فيلزم أن يكون مقابل الأصح غير صواب وذلك تهافت؟
стр. 1227
فالجواب: أن الوجه الذي صححه منه المصنف غير الذي أبطله؛ إذا تصحيحه من جهة النقل، وتخطئه من جهة فهم المدونة.
فرع:
إذا أحرمت المرأة بالحج سقطت النفقة عن زوجها، واختلف الأشياخ هل تسقط سقوطا كلياً أو إنما يسقط عنه الزائد على النفقة في الوطن؟ فمن رأى النفقة في مقابل الاستمتاع أسقطها جملة؛ لأن الزوج ممنوع من الاستمتاع، ومن نظر إلى وجوب الحج على المرأة ولا مندوحة لها عن الإحرام أسقط الزائد عن نفقة الحضر كالمرض. وإلى الثاني ذهب عبد الحق وابن يونس.
وَلَوْ أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَلَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ
لما ذكر في التأويل المتقدم الإحرام قبل الميقات بين حكمه فذكر أن المشهور له تحليلها؛ لأنها منعته حقه عدواناً. وقيد اللخمي هذا بما إذا خرج معها واحتاج إليها، وأما إن خرجت دونه أو خرج وأحرم معها فليس له تحليلها. ومقابل المشهور ليس بظاهر ولم أره.
فرع:
فإن كانت الزوجة أمة فلا تتطوع إلا بإذن سيدها وزوجها عند مالك.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ الْمُسْتَطِيعَةِ مِنَ السَّفَرِ لَهُ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ قُلْنَا عَلَى التَّرَاخِي كَأَدَاءِ الصَّلاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ ...
الضمير في: (لَهُ) عائد على حج الفرض. والأولى أن لو قال: "ولو قلنا على التراخي على الأصح" لأن الخلاف إنما هو على التراخي، كذلك قال ابن بشير وغيره، وكلامه يوهم أن الخلاف جارٍ على الفور والتراخي. وذكر ابن بشير الأصح ومقابله عن المتأخرين، وقال: ونَزَّلوا عليه المبادرة إلى قضاء رمضان، والمبادرة إلى أداء الصلاة. انتهى.
стр. 1228
وعلى هذا فقوله: (كَأَدَاءِ الصَّلاةِ) تشبيه لإفادة الحكم، وقد يقال: الحج أولى بالمبادرة، لأنه قد لا يتيسر في غير ذلك الوقت لكثرة عوائقه إلا أن زمانه يطول غالباً.
وَمَنْعُ الْمُحْرِمِ الْمُوسِرِ مِنَ الْخُرُوجِ لِلدَّيْنِ لا يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلَ وَلا يُمْنَعُ الْمُعْسِرُ وَلا الْمُؤَجَّلُ عَلَيْهِ ...
لأنه ظالم بعدم أدائه ليسره، بل لو كان معسراً ولم يثبت عسره عند الإمام فلا يجوز له التحلل على المنصوص كما تقدم؛ لأنه خاص، فكان كالمرض. وقوله: (وَلا يُمْنَعُ الْمُعْسِرُ وَلا الْمُؤَجِّلُ عَلَيْهِ) نحوه في الجواهر. وقوله: (الْمُعْسِرُ) يريد: ثبت إعساره. وقوله (الْمُؤَجِّلُ) يريد: ولا يحل في غيبته، وأما لو حل فله منعه إلا أن يقيم وكيلاً، وليس هذا خاصاً بسفر الحج.
فرع:
من الموانع السفه، قال سند: قال مالك: ولا يحج السفيه إلا بإذن وليه إن رأى وليه في ذلك نظرا أذن له وإلا فلا. وإذا حلله وليه فلا قضاء عليه.
دِمَاءُ الْحَجِّ هَدْيٌ وَنُسُكٌ؛ فَالْهَدْيُ: جَزَاءُ الصَّيْدِ، وَمَا وَجَبَ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، كَدَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ وَغَيْرِها، وَما نَوَى بِهِ الْهَدْيَ- مِنَ النُّسُكِ، وَإِلا فَلَيْسَ بِهَدْيٍ ...
جمع الدماء إما باعتبار الأشخاص، وإما باعتبار الأنواع؛ لأن الهدي ثلاثة أقسام: جزاء الصيد، وما وجب لنقص حج أو عمرة كما مثل، وما نوى به الهدي من النسك. وقوله: (دِمَاءُ الْحَجِّ) يريد: وكذلك العمرة، بل جزاء الصيد لا خصوصية له بحج أو عمرة فإنه يخاطب به كل من صاد في الحرم.
والفرق بين الهدي والنسك من أوجه:
стр. 1229
منها: أن النسك على التخيير والهدي على الترتيب.
ومنها: أن النسك لا يختص بزمان ولا بخلاف الهدي.
ومنها: أن الصوم يدخل في جميع أفراد النسك أصالة بخلاف بعض أفراد الهدي، وهو جزاء الصيد، فإنما يدخله نيابة عن أمداد الطعام.
وَالنُّسُكُ مَا وَجَبَ لإِلْقَاءِ التَّفَثِ وطَلَبِ الرَّفَاهِيَةِ مِنَ الْمَحْظُورِ الْمُنْجَبِرِ
تصوره ظاهر. قوله: (مِنَ الْمَحْظُورِ) (مِنَ) للتبعيض؛ لأنه قدم أن من المحظور المنجبر ما لا تجب به الفدية كإزالة شعرة أو شعرات.
وَحُكْمُ الْجَمِيعِ فِي السِّنِّ وَالْعَيْبِ كَالأُضْحِيَةِ
وهو ظاهر.
تنبيه:
المذهب في الضحايا أن الذكر أفضل من الأنثى. ونص مالك في العتبية في الهدي على أن الأنثى كالذكر، قال في البيان: ذهب مالك إلى أن الذكر والأنثى في الإبل سواء، وأن الذكر منهما يسمى بدنة كما تسمى الأنثى. قال: ومن العلماء من يرى أن الأنثى أفضل.
ولا فضل للأنثى في ذلك على الذكر عند مالك، وإنما الفضل عنده في الأعظم بدنا ذكراً كان أو أنثى.
وَيُعْتَبَرُ الْوُجُوبُ حِينَ التَّقْلِيدِ وَالإِشْعَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ لا وَقْتَ الذَّبْحِ, فَلَوْ قَلَّدَ هَدْياً سَالِماً ثُمَّ تَعَيَّبَ أَجْزَأَهُ، وَفِي الْعَكْسِ لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا ...
أي: ويعتبر ما ذكره من السن والسلامة حين التقليد والوجوب على المشهور، وهو مذهب المدونة، ومقتضى كلامه أن الشاذ منصوص، وهو ظاهر كلام ابن بشير وابن شاس. وقال اللخمي: الهدي يجب بالتقليد والأشعار إذا سيق عن وصم في حج أو
стр. 1230
عمرة، فإن فلس أو مات لم يكن لغرمائه ولا لورثته عليه سبيل، ويختلف إذا كان نذراً أو تطوعاً، والمعروف من المذهب أنه كالأول يسقط ملك صاحبه بالتقليد والإشعار. وقال في إمرأة ساقت هدياً تطوعاً ثم أردفت الحج وأوقفته ونحرته بمنى عن قرانها - أنه يجزئها، ولم يوجبه بالتقليد والأشعار، ولو وجب وسقط ملكها عنه ما صح أن يجزئ عن واجب. انتهى.
وكلامه يقتضي أنه لم يختلف فيما سيق لوصم، وإنما الخلاف في النذر والتطوع، وأن القول بعدم التعيين مخرج من مسألة المرأة لا منصوص.
ابن بشير: وهذا الذي قاله اللخمي ظاهر، إلا أن يقال: إنما أجزأها مراعاة للخلاف، أو لأنها بالإرداف امتنعت من نحره فقد انصرف بالشرع عما قصده به أولا، فوجب أن يجزئ إذا صرف إلى الواجب. انتهى. وفيه نظر. والتظاهر ما قاله اللخمي.
قوله: (فَلَوْ قَلَّدَ هَدْياً سَالِماً ثُمَّ تَعَيَّبَ أَجْزَأَهُ) تصوره ظاهر وهو المشهور ومذهب المدونة. والشاذ لم يجزم به الأبهري، والذي هو منسوب إليه بل قال: إنه القياس. لكن صرح اللخمي بأنه خلاف فقال: وإذا سيق الهدي عن واجب لم تبرأ الذمة إلا ببلوغه لقوله تعالى: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ (فإن ضل أو سرق أو هلك أو عطب قبل بلوغه لم يجزأه. واختلف إذا نزل به عيب ثم بلغ محله فقال مالك: ينحره ويجزئه. وقال الأبهري: القياس أنه ألا يجزئه كموته. وقول الأبهري يؤخذ منه أنه لا يجب بالتقليد والإشعار. أو نقول: وإن وجب عنده، تكنه لا يستقل هديا إلا أن يدوم كماله إلى وقت نحره. انتهى. والمراد بالوجوب في قوله: (وقت الوجوب) ليس هو أحد الأحكام الخمسة، بل تعيينه وتمييزه من غيره ليكون هديا، والمراد بالتقليد هنا أعلم منه في الفصل الذي يأتي؛ لأن المراد به هنا إنما هو تعيين الهدي وإخراجه سائراً إلى مكة، ألا ترى أن الغنم يعمها هذا الحكم وهي لا تقلد كما سيأتي.
следующие страницы →