← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأُجيب بأنَّ الأَوَّلَ إنما يدل على مفهومِ العَدَدِ, ويُمْنَعُ, ولو سُلَّمَ فإنما ذلك ما لم تعارِضْه دلالةُ المنطوقِ, وقد روى أبو داوود "ومَن استجمرَ فليُوتِرْ, من فَعَلَ فقد أَحْسَنَ, ومَنْ تَرَكَ فلا حَرَجَ". وعن الثانى بأنه محمولٌ على الندبِ جمعاً بين الأَدِلَّةِ. وعلى الْمَشْهُورِ: فهل يُطلب الوِتْرُ؟ ابن هارون: لم نرَ لأصحابِنا فيه [٢٣/أ] نصّاً, والذى سمعتُ قديماً في المذاكرات أنه يُطْلَبُ الوترُ إلى السَّبْعِ, فإِنْ لم يُنْقِ بها لم يَطلب إلا الإنقاءَ فيما زاد من غيرِ مراعاةِ وِتْرٍ قياساً على غَسْلِ الإناء مِن ولوغ الكلب. وقوله: (لِكُلِّ مَخْرَجٍ) ابن هارون: يحتمل أن يكون المعنى: ففي تعيينِ ثلاثةٍ أَوْ لا قولان, ويكون القولُ بعدم التعيين يُكتفى فيه بالحجرِ الواحدِ, وهو الْمَشْهُورِ, ويكون مقابلُ الْمَشْهُورِ –على هذا الاحتمال- قولَ ابن شعبان, وهو ظاهرُ لفظِه, ويحتمل أن يكونَ قَصَدَ ذِكْرَ الخلافِ فى تعيينِ ثلاثةٍ لكلِّ مخرجٍ, أو الاكتفاءِ بثلاثةٍ لهما معاً, وقد ذكر ابن بشير هذين القولين. وَعَلَى تَعْيينِها فَفِي حَجَرٍ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ قَوْلانِ. وَفِي إِمْرَارِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَوْضِعِ أَوْ لِكُلِّ جِهَةٍ وَاحِدٌ وَالثَّالِثُ لِلْوَسَطِ قَوْلانِ .... بناءً على الوقوفِ مع ظاهرِ اللفظِ, أو لأن المقصودَ مِن الثلاثةِ حاصلٌ, والأحسنُ أن لو قال: ثلاثة رؤوس؛ لأن الشُّعْبَةُ ما بين الرأسين. وقوله: (وَفِي إِمْرَارِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَوْضِعِ) الخلافُ في ذلك راجعٌ إلى الخلافِ في شهادةِ أيّهما أَنْقَى, وهذا إنما هو في الدُّبُرِ, وأما القُبُلُ فلا بُدَّ مِن تعميمِ المحلِّ, والقولُ الأولُ أظهرُ, ووجهُ الثانى أن المسحَ مبنيٌّ على التخفيف.

стр. 142

وَلَوْ تَرَكَهُمَا سَاهِياً وَصَلَّى فَفِي إِعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، فَقَالَ ابْن أَبي زَيْدٍ: يُريِدُ الْمَاسِحَ وَالْمُبَعِّرَ. وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ عَلَى وُجُوبِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ يُعيد أبداً، وَعَرَقُ الْمَحَلِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى الأَصّحِّ .... الضمير في (تَرَكَهُمَا) عائدٌ على الاستنجاءِ والاستجمارِ. والقولُ بالإعادة في الوقت لابنِ القاسم, وهو الجاري على الْمَشْهُورِ, وقولُ أشهب يأتي على القولِ بأنَّ إزالةَ النجاسةِ مستحبةٌ. وقد ذكره ابنُ رشد فى التقييد والتقسيم. وتأويلُ ابنِ أبي زيد غيرُ ظاهر, إذ المسحُ المخالفُ لِسُنَّةِ الاستجمارِ لا يَرفعُ حكمَ النجاسةِ. وكذلك الذي يَبْعَرُ إِنْ كان به مِن اليُبْسِ ما يَظَنُّ معه أنه لا يَلتصق به شيءٌ مِن النجاسةِ فلا وجهَ لاختصاصِ الناسي, بل وكذلك المتعَمِّدِ, وإن لم يكنْ كذلك فقد يَنْجُسُ المحلُّ, وتخريجُ اللخميِّ صحيحٌ. نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ أَحْدَاثٌ وَأَسْبَابٌ النواقضُ جمعُ ناقضٍ, وناقضُ الشيء ونقيضُه ما لا يُمْكِنُ جمعُه مَعَهُ. وعبارةُ المصنفِ بالنواقضِ أَوْلَى مِمن عبّر عنها بما يُوجب الوضوء؛ لأن الناقضَ لا يكون إلا متأخراً عن الوضوءِ بخلاف الموجِبِ فإنه قد يَسْبِقُ. وفَاعِلٌ إذا لم يكن وَصْفاً لمذَكَّرٍ عاقلٍ يجوزُ جمعُه على فواعل, كجارحٍ وجوارح, وناقض ونواقض, وطالق وطوالق, نص عليه سيبويه. قال ابن مالك فى شرح الكافية: وقد غلطَ فيه كثيرٌ مِن المتاخرين فعَدُّوه مَسموعاً, وليس كذلك. انتهى.

стр. 143

وقولُ ابنِ عبد السلام: ففى صحةِ هذا الجمع نظرٌ. وكذلك قال في مواضع في باب الفرائض: إِنْ أراد به أنه لا يَصِحُّ فقد تبين أن ذلك غلطٌ, وإن أراد أن فيه خلافاً فى العربية من حيثُ الجَمْعِيَّةِ فقريبٌ. الأَحْدَاثُ: الْمُعْتَادُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ جِنْساً وَوَقْتاً، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ وَالْغَائِطُ وَالرِّيحُ، بِخِلافِ دُودٍ أَوْ حَصىً أَوْ دَمٍ أَوْ بَوَاسيرَ ...... احترز بقوله (جِنْساً) بالمعتادِ مِن الحصى والدُّودِ, والمرادُ بالسبيلين القُبُلُ والدُّبُرُ, واحترز به مما لو خَرَجَ مِن الجَوْفِ أو مِن الحَلْقِ, وبالوَقْتِ مِنَ السَّلَسِ, وسيأتى. وقوله: (وَهُوَ الْبَوْلُ) تفسيرٌ للحَدَثِ, وجعله خمسةً: ثلاثةٌ مِن القُبُلِ, واثنان من الدُّبُرِ, وزاد بعضُهم الصوتَ, وإليه ذَهَبَ ابن رشد, والأولُ اختيارُ ابن بشير, قال: وما أظنه يَخرج بغيرِ ريحٍ. والدليلُ على حصولِ النقضِ بالخمسةِ ظاهرٌ. وقوله: (بِخِلافِ دُودٍ أَوْ حَصىً ....) إلى آخره زيادةٌ فى البيان وإلا فليستْ معتادةً. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَغَيْرُ الْجِنْسِ قال فى البيان: في هذه المسألةِ ثلاثةُ أقوال: أحدُها أن لا وضوءَ عليه, خرجتِ الدودةُ نقيَّةً أم لا, وهو الْمَشْهُورِ فى المذهب أن لا وضوء عليه إلا فيما يَخرج من السبيلين مِن المعتادِ على العادة. والثانى: أنه لا وضوء عليه إِلاَّ أن لا تخرج نقيةً. وهذا على قولِ من برى الوضوءَ فيما يَخرج مِن السبيلين مِن المعتادِ, خَرَجَ على العادة أو على غيرِ العادة. والثالث: أن عليه الوضوء, وإن خرجتْ نقيةً, وهو قولُ ابنِ عبد الحكم خاصَّةً من أصحابنا؛ لأنه يرى الوضوءَ مما يَخرج مِن السبيلين مِن المعتادات أو غيرِ المعتادات. ونقل ابنُ راشد أنه إذا صَحِبَتْهُ بِلةٌ يَنْقُضُ عند ابن نافع وابن القاسم.

стр. 144

وَقَاَلَ الْمَازِرِيُّ: وَإِنْ تَكَرَّرَ وَشَقَّ لما قدّم أنه يُشترط أن يكون معتاداً فى الوقت ذَكَرَ هذا لمخالفته لما تقدم. وظاهرُه أن المازريَّ هو المخالفَ, وليس كذلك. وإنما قال فى شرح التلقين: وقد روى عن مالك ما ظاهرُه تركُ العُذْرِ بالتكرار. ودليلُ الْمَشْهُورِ أن فى إيجابِ الوضوءِ مع التكرارِ حرجٌ, وهو منفىٌّ مِنَ الدِّينِ, ولما وَرَدَ عن عمر رضى الله عنه أنه قال: إنى لأجِدُهُ يَتَحَدَّرُ مِنِّى مثلُ الخُرَيْزَةِ, يعنى فى الصلاة. خرّجه فى الموطأ. واختُلف على الْمَشْهُورِ فى سببِ السقوطِ, فقال العراقيون: لكونه خَرج على غيرِ وجهِ الصحّة. وقال غيرهم: للحرجِ والمشقة. وهو اختيار ابن محرز. وَعَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ لازَمَ أَكْثَرَ الزَّمَانِ اسْتُحِبَّ إِلا فِي بَرْدٍ وَشِبْهِهِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَقَوْلانِ، وَإِلا وَجَبَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُفَارِقُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ اعلم أن لعلمائنا فى السَّلَسِ طريقين: طريقُ العراقيين: يُستحب منه الوضوءُ مطلقاً, ولا يُفَرِّقون. وطريقُ المغاربة: يُقسمونه على أربعةِ أقسام وهى التى ذكرها المصنف. أى: وإذا فرَّعْنَا على الْمَشْهُورِ –لا على رواية المازرى- فَلِلْخارجِ [٢٣/ب] أربعةُ أحوالٍ: تارَةً تكون ملازمتُه أكثرَ, وتارةً تَستوي مفارقتُه وملازمتُه, وتارةً تكون مفارقتُه أكثرَ, وتارةً يُلازِم ولا يُفارِق. فإن كانت ملازمتُه أكثرَ فالوضوءُ مستحبٌ. قال فى التهذيبِ وغيرِه: ما لم يَكن بَرْدٌ أو ضرورةٌ. وإن تساويا فقولان: بالوجوب, والاستحباب. ابن راشد: والْمَشْهُورِ لا يجب. ابن هارون: والظاهرُ الوجوبُ؛ لأنه لا حرجَ عليه في التَّرَبُّصِ حتى ينقطعَ فيتوضأ حينئذٍ؛ لأن الفرضَ انقطاعُه في بعضِ وقتِ الصلاةِ.

стр. 145

وقوله: (وَإِلا) أي: وإن كانت مفارقته أكثر –وهو القسم الثالث- فالْمَشْهُورِ الوجوبُ خلافاً للعراقيين في أنه عندهم مستحَبٌ. وأشار إلى الرابع بقوله: (أَمَّا إِنْ لَمْ يُفَارِقُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ) أي: في الوضوء لا إيجاباً ولا استحباباً , وهذا فى السَّلَسِ. وأما المعتادُ فلا إشكالَ فى وجوب الوضوء منه. وهذا التقسيمُ لا يَخُصُّ حَدَثاً دون حدثٍ. وقد قال الإِبِّيَانِىّ فى من بجوفِه علةٌ أو شيخٍ يَستنكِحُهُما الريحُ: إنه كالبولِ. وسُئل اللخميُّ عن الرجل إِنْ توضَّأَ انتقضَ وضوؤه, وإن تيمم لم ينتقض. فأجاب بأنه يتيممُ. ورَدَّهُ ابنُ بشير بأنه قادرٌ على استعمالِ الماءِ فهو مخاطَبٌ باستعمالِه, وما يَرِدُ عليه يُمنع كونُه ناقضاً. ابن عبد السلام: ومعنى الملازمة هنا –والله أعلم- أن يأتيه البولُ مقدارَ ثُلُثَيْ ساعةٍ مثلاً وينقطع عنه ثلثاً, ثم يأتى ثلثي ساعةٍ مثلَ ذلك, فيعمُّ سائرَ نهارِه وليلِه. وكان بعضُ مَن لقيناه يقول: إنما تُعتير ملازمتُه ومفارقتُه فى أوقاتِ الصلاةِ خاصةً؛ لأن الزمانَ الذى يُخاطب فيه بالوضوء, وهذا وإن كان فى نفسه مناسباً, لكنّه مِن الفَرْضِ النادِر. وأيضاً فإذا كان الأمرُ على ما قال فلا يَخلو وقتٌ مِن أوقات الصلاة مِن بولٍ, سواءٌ لازَمَ أكثرَ ذلك الوقتِ أو نصفَه أو أقله, فلا بُدَّ مِن وجودِ النقضِ, فيستوي مشقةُ الأقلِّ والأكثرِ, فيلزم استواءُ الحُكْمِ. انتهى. ابن هارون: وهذا هو الظاهرُ؛ لأن غيرَ وقتِ الصلاةِ لا عِبْرَةَ بمُفارقتِه وملازمتِه, إِذْ ليس هو مخاطَباً حينئذٍ بالصلاةِ. انتهى. وهذا الذى كان يَميل إليه شيخُنا –﵀ وكان يقول ما معناه: إنه لا ينبغي أن تُؤخذَ المسألةُ على عمومِها, بل يَنبغى أن تُقَيَّدَ بما إذا كان إتيانُ ذلك مختلفاً قي الوقت, فيُقَدِّرُ بذهنه أيهما أكثر فيعمل عليه, وأما إن كان وقتُ إتيانِه منضبطاً لعَمِلَ عليه, فإن كان أولَ الوقتِ أَخَّرَها, وإن كان آخرَ الوقتِ قَدَّمَها, وهو كلام حست فتأمله.

стр. 146

وما رَدَّ به ابنُ عبد السلام مِن أنه فرضٌ نادرٌ ليس بظاهرٍ؛ إذ هذه المسائل كلُّها مِن الفروض النادرةِ. وَإِنْ كَثُرَ الْمَذْيُ لِلْعُزْبَةِ أَوْ لِلتَّذَكُّرِ فَالْمَشْهُورِ الْوُضُوءُ، وَفِي قَابِلِ التَّدَاوِي قَوْلانِ ابن عبد السلام: الخلافُ إنما هو فى القادرِ لا كما يعطيه ظاهرُ كلامِ المصنفِ, وينبغى أن يكون –فى زمانٍ يَطلبُ فيه النكاحَ وشراءَ السُّرِّيَّةِ- معذوراً. وجعل قوله: (وَفِي قَابِلِ التَّدَاوِي قَوْلانِ) راجعاً إلى سلسِ البولِ. ابن عبد السلام: وعَيَّنَ الْمَشْهُورِ في المذي دونَ البولِ لحصولِ اللذةِ فى الأوَّلِ, فكان أقوى شَبَهاً بالمختار. خليل: وفيه نظرٌ, لأنى لم أَرَ أحداً ذكر هذا في البول, وإنما ذكروه في المذي. والظاهرُ في هذا المحلُ أن يُقال: الْمَشْهُورِ وجوبُ الوضوء لطول العُزبة أو التَّذَكُّرِ, ومقابلُ الْمَشْهُورِ لا يجب إلا بمجموعِهما, وذلك لأنه قال فى التهذيب: وإن كثر عليه المذي لطُولِ عزية أو تذكرٍ لزمة الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ. وفى كتاب ابن المرابط: لِطُولِ عُزْبَةٍ وتَذَكُّرٍ. قاله أبو الحسنِ. وقال ابن الجلاب: إن كان يستطيعُ رَفْعَه بتزويجٍ أو تسرٍّ فإنه يتوضأُ لكلِّ صلاةٍ. فخَرَجَ مِن هذا على روايةِ (أو تذكر) ثلاثةُ أقوالٍ, ثالثها قولُ ابن الجلاب. قال: ولا خلافَ أنه إذا تَذَكَّرَ أَنَّ عليه الوضوءَ. انتهى. وقد ذكر ابن شاس القولين اللذين ذكرهماالمصنف في القادرِ على رَفْعِ المذي. ولفظه: وإِنْ قَدَرَ, أى على المعالجة, كالمذي يُلازمه لطولِ عُزبةٍ يَقدر على رفعِها –فقد اختلفَ فيه العراقيون على قولين, وسَببهما مَنْ مَلَكَ أن يَمْلُكَ فهل يُعَدُّ مَالِكاً أم لا؟ وكذلك قال ابنُ بشير.

стр. 147

ابن راشد: وكان شيخُنا القرافى يُنكر هذه القاعدةَ ويقول: أَرَأَيْتَ مَن كان عنده خمرٌ, وهو قادرٌ على شُرْبِها, وكذلك السرقةُ؟ ويقول: الذى ينبغى أن يقال: مَن جرى له سببٌ يَقتضى المطالبةَ بأن يَملك هل يُعَدُّ مالكاً لجريانِ السبب؟ أم لا لفقدان الشرط؟ مثالُه مَن سَرَقَ مِن الغَنِيمَةِ بعد الإيجابِ وقبلَ القسمةِ –في حَدِّهِ قولان بناءً على ما قَدَّرْناه, أمّا مَن لم يَجْرِ له سببٌ فكيف يُعَدُّ مالكاً. وَالاسْتِحَاضَةُ كَالسَّلَسِ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ أشار ابنُ عبد السلام إلى أن معناه: الاستحاضةُ كالسلس في جميع الصور المتقدمة, فيَجِبُ حيث يَجِبُ, ويُستحب حيث يُستحب. وقَيَّدَ قول المصنف: (يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ) فقال: يريد: إن لازمت الاستحاضةُ أكثرَ الوقت. انتهى. وقال الباجى: إذا ثبت أنه –أى دم الاستحاضة- لا يَجِبُ منه غُسْلٌ, فهل يجب به الوضوءُ؟ والْمَشْهُورِ من المذهب: لا يجِب به وضوء. وقال القاضى أبو الحسن: إنه على ضربين: منه ما يكون مَرَّةً بعد مرةٍ, فهذا يجب منه الوضوءُ. ومنه ما يكون بالساعات, فيستحب منه الوضوء, ولا يجب. ودليلُنا على نفيِ الوضوءِ أنه دمٌ لا يجب منه الغُسل, فلا يجب منه الوضوءُ, كما لو خرج مِن سائرِ الجسدِ. انتهى. فنَقْلُ الباجى [٢٤/أ] مخالِفٌ لكلام ابن عبد السلام, ومساعِدٌ لقولِ المصنف: (يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ) وأنه باق على إطلاقه, لكنْ يبقى على هذا فى تشبيهِه بالسلسِ نطرٌ. وَحَيْثُ سَقَطَ الْوُضُوءُ فَفِي إِمَامَتِهِ لِلصَّحِيحِ قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ ذُو الْقُرُوحِ الْمَشْهُورِ الكراهةُ, ولا يُفهم مِن كلامه إرادةُ الاختلافِ فيها. ابن عبد السلام: والأظهرُ الجوازُ؛ لأن عمرَ ﵁ لم يُنقل عنه تَرْكُ الإمامةِ حين وَجَدَ سلسَ المذي. انتهى. وفيه نظرٌ لجوازِ أن يكون ذلك لأجلِ الإمامةِ الكبرى.

стр. 148

وفي التنبيهات: وفي قول عمرَ ﵁: إني لأجدُه ينحدرِ مني كالخُرَيْزَةِ. حُجَّةٌ لمن أجاز إمامةَ مَن به سَلَسٌ. وهو قولُ سحنون خلافاً لابن أبي سلمة. وذهب بعضَ شيوخِنا إلى أن تَرْكَهُ أحسنُ, ولسحنون مثلُه؛ لأنَّ مَن به رخصةٌ فلا تتعداه إلى غيرِه, إلا أن يكون صالحاً فاضلاً كعمر ﵁, فإنْ فَعَلَ أجزَأَه. وظاهرُ كلامِه وكلامِ غيرِه أن هذا الخلافَ لا يختصُّ بإمامته للصحيحِ, وهو خلافُ تقييدِ المصنفِ فانظره. وفيه مجالٌ للنظرِ, فإنهم أجازوا إمامةَ المتيممِ للمتيممين, والعريانِ للعريانينَ في ليل مظلم, واختلفوا في إمامةِ المريضِ الجالسِ للمرضى جلوساً. ابن هارون: وبالجملةِ فتقييدُ المصنف بالصحيح فيه نظرٌ, وقد خالفَه ابنُ بشير وابن شاس فى التقييد, وأطلقا وأَجْرَيا القولين على الرخصة في ترك الوضوء: هل هي مقصورة عليه أو يصير الخارجُ كالطاهر؟ وَلَوْ صَارَ يَتَقَيَّأُ عَادَةً بِصِفَةِ الْمُعْتَادِ فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلانِ قوله: (عَادَةً) احترازٌ مما لو خرج ذلك نادراً, فلا يجب عليه الوضوءُ بلا خلافٍ. وقوله: (بِصِفَةِ الْمُعْتَادِ) أي: بصفةٍ من صِفاتِه لا بكلِّ الصفات. ابن عبد السلام: والأظهرُ أنه إن انقطعَ خروجُ الحَدَثِ مِن محله وصار موضعُ القيءِ محلاًّ له –وَجَبَ الوضوءُ, وكذلك إن كان خروجُه مِن محله أكثرَ لم يجب الوضوءُ. وقال ابن بَزِيزَةَ: إن انْفَتَقَ لخروجِ الحدثِ مخرجٌ غيرُ السبيلين فلا يخلو أن يَسْنَدَّ المَخرَجَان المعلومان أم لا, فإنِ انْسَدَّا وكان المنْفَتِقُ تحت المَعِدَةِ- فهو كالمَخْرَجِ المعتادِ, وإن لم ينسدا فهل يَجري المنفتقُ مجرى المخرج المعتاد أم لا؟ فيه قولان في المذهب. وكذلك إذا كان فوقَ المعدةِ, وهذه حالة نادرة. انتهى.

стр. 149

الأَسْبَابُ ثَلاثَةٌ وَهُوَ مَا نَقَضَ بمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ: الأَوَّلُ: زَوَالُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ .... قوله: (وَهُوَ) عائد على بعض ما تقدم، وهو السببُ، والضميرُ، المجرور بإلى عائدٌ على الحَدَثِ، وهذا التعريفُ وقع بحكمٍ من أحكامِ المحْدُودِ، وهو مُجْتَنَبٌ في التعريفِ، ولو قال: وهو ما كان مؤدياً إلى خروجِ الحَدَثِ لكان أَحْسَنَ. وحَصَرَها في ثلاثةٍ: زوالِ العقل، ولمسِ مَنْ تُشْتَهَى، ومَسِّ الذَّكَرِ. ابن هارون: يَرِدُ عليه الرِّدَّةُ، ورَفْضُ الوضوءِ، والشَّكُّ، فإنه لم يَذْكُرْها في الأَحْدَاثِ ولا في الأسباب، ولعله قصدَ حَصْرَ المتفق عليه. انتهى. وقد يقال: لا نُسلم أن هذه الأشياءَ نواقضُ؛ لأنها ليست أحداثاً ولا تُؤدي إلى خروج الحَدَثِ، وإنما يجب الوضوءُ عند مَن أوجبه بها بمعنىً آخَرَ، والله تعالى أعلم. وظاهرُ كلامِ المصنفِ أن الجنونَ بصَرَعٍ أو غيرِه ليس ناقِضاً للطهارة الكبرى، وهو الْمَشْهُورِ، ورآه ابنُ حبيب من موجبات الغُسل في حقِّ المصروعِ، وأن الغالبَ عليه خروجُ المَنِيِّ، كذا نقل عنه ابنُ بشير. ونقل عنه ابنُ يونس إن أفاق بحِدْثَانِ ذلك ولم يَجِدْ مَنِيّاً فلا غُسل عليه، وإن أقام يوماً أو يومين فعليه الغُسلُ. فرع: إذا حصل له هَمٌّ أَذْهَبَ عقلَه، فقال مالك في المجموعة: عليه الوضوءُ. فقيل له: فهو قاعدٌ. قال: أحبُّ إليَّ أن يَتوضأ. قال صاحب الطراز: يحتمل الاستحباب أن يكون خاصاً بالقاعِد بخلافِ المضطجعِ، ويحتمل أن يكون عامّا فيهما.

стр. 150

وَفِي النَّوْمِ ثَلاثُ طُرُقٍ اللَّخْمِيُّ: الطَّوِيلُ الثَّقِيلُ يَنْقُضُ، مُقَابِلُهُ لا يَنْقُضَ، الطَّوِيلُ الْخَفِيفُ يُسْتَحَبُّ، مُقَابِلُهُ قَوْلانِ، الثَّانِيَة: مِثْلُهَا، وَفِي الثَّالِثِ قَوْلانِ كان حقُّه أن يعطفَ النومَ على السُّكْرِ ثم يَذْكُرَ طرقَ الشيوخ فيه، وكأنه رأى أن حكاية طُرُقِه تستلزمُ كونَه مِن الأسبابِ، والْمَشْهُورِ أن النومَ سببٌ، ونُقِلَ عن ابنِ القاسم أنه حَدَثٌ، رواه أبو الفرج عن مالكٍ. و (اللَّخْمِيُّ) يحتمل أن يرتفعَ على الفاعِلِيَّةِ، والتقديرُ قال اللخمي، أو على حذفِ مُضَافٍ أي قولُ اللخميِّ، وهو أَوْلَى. والطريق الثانيةُ لابن بشيرٍ وهي كالأولى؛ لأن في القسم الثالثِ مُوجباً ومسقِطاً كما في الرابعِ. الثَّالِثَةُ: عَلَى هَيْئَةٍ يَتَيَسَّرُ فِيهَا الطُّول وَالْحَدَثُ كَالسَّاجِدِ يَنْقُضُ، مُقَابِلُهُ كَالْقَائِمِ وَالْمُحْتَبِي لا يَنْقُضُ، وَفِي الثَّالِثِ كَالْجَالِسِ مُسْتَنِداً، وَفِي الرَّابِعِ كَالرَّاكِعِ قَوْلانِ ... الطريقان الأولان راعَيَا حالةَ النوم، وهذه راعتْ حالةَ النائم، وهي طريقةُ عبد الحميد وغيرِه. و (على هيئة) يتعلق بمحذوف، أي: يكون النائم على هيئة، ويدخل في حكم الساجِد المُضْطَجِعُ. قال اللخمي: وللمحتبي ثلاثةُ أقسامٍ: أن يَستيقظ قَبْلَ انحلالِ الحَبْوَةِ فلا [٢٤/ب] وضوءَ، وإن استيقظَ لانحلالِها انتقَضَ على قولِ مَن قال: إن النومَ حدثٌ، لا على الْمَشْهُورِ، وكذلك إنِ انْحَلَّتْ ولم يَشْعُرْ ولم يَطُلْ، وإن طال وكان مُستنداً انتَقَضَ، وكذلك إن كانت في يدِه المروحةُ، فإن لم تَسقط مِن يَدِهِ فهو على طهارتِه، وإن استيقظَ لسقوطِها فعلى القولين، إلا أن يَطُولَ.

стр. 151

قال ابن عطاء الله: كونُه جعلَ الخلافَ في الحالةِ الثانيةِ والثالثةِ دونَ الأولى لا وجهَ له؛ لأنَّ الأُولى يَجري فيها أيضاً الخلافُ. ابن عبد السلام: ويَنبغي أن يُقيد المحتبي بما إذا كان بيديه وشبهِهما، أما الحبوةُ المصنوعةُ فلا، وهي كالمستند. والقولان في الثالثِ والرابعِ لتعارضِ موجِبٍ ومسقِطٍ، وقَيَّدَ بعضُ الأشياخِ المستندَ بما إذا كان مستوياً، وإلا فالمائلُ يلحق بالمضطجع. خليل: ولو قِيلَ بمراعاةِ الشخصِ فيُفَرَّقُ بين أن يكون حديثَ عهدٍ باستبراءٍ أو لا، وبين الممتلئ طعاماً وغيرِه- ما بَعُدَ عَنِ القَواعِدِ. وَفِيها: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ النَّوْمِ هذا محكيٌّ في المدونة عن زيد بن أسلم، وهو يقتضي أن النومَ حَدَثٌ بِنَفْسِه. وقيل: معناها إذا قمتم مُحْدِثِينَ. وقيل: خِطابٌ لكلِّ قائمٍ للصلاة، ثم نُسِخَ بِفِعْلِهِ ﷺ يومَ الفتحِ. وقيل: خطابٌ لكلِّ قائمٍ على سبيلِ الندبِ، وهو أولى لسلامتِه مِن الإضمارِ والنَّسْخِ. الثَّانِي: لَمْسُ الْمُلْتَذِّ بِلَمْسِهَا عَادَةً فَلا أَثَرَ لِمَحْرَمٍ وَلا صَغِيرَةٍ لا تُشْتَهَى ظاهر كلامه: ولو التَذَّ بالمَحْرَمِ، وهو ظاهرُ كلامِ ابن الجلاب. ونصَّ القاضي عبد الوهاب وغيرُه- أنه إذا وَجد اللذةَ- على النَّقْضِ، وبناه على الخلافِ في الصورِ النادرةِ. وقوله: (وَلا صَغِيرةٍ لا تُشْتَهَى) قال في المجموعة: ليس في قُبلة أحدِ الزوجين الآخرَ لغيرِ شهوةٍِ وضوءٌ في مرض أو غيره، ولا في قُبلةِ الصبيةِ وضوءٌ ومَسِّ فَرْجِها إلا أن يكون لِلّذَّةٍ.

стр. 152

وروى علي عن مالك: ليس في مَسِّ فرج الصبيِّ والصبيةِ وضوءٌ. قال في النوادر: يُريد لغيرِ لَذَّةٍ. انتهى. ولا تبالي بما وقع اللمس فيه سواء كان ظفراً أو شعراً أو يداً وهو المنصوص. ورأى بعضُ الشيوخ أن الظفرَ والشعرَ لا يُلحقان بما عداهما من الجسد؛ لأن اللذةَ ليست بلمسِهما، وإنما هي بالنظر إليهما، ولا أثَر له في نقضِ الطهارةِ. فَإِنْ وَجَدَهَا فَالنَّقْضُ بِاتِّفَاقٍ قَصَدَهَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا، فَإِنْ قَصَدَهَا وَلَمْ يَجِدْ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ. وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الرَّفْضِ لا يَنَْتَقِضُ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَلَمْ يَجِدْ لَمْ يَنْتَقِضْ، وَالْمَشْهُورِ أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي الْفَمِ تَنْقُضُ لِلُزُومِ اللَّذَّّةِ ... الضمير في (وَجَدَهَا) عائدٌ على اللذةِ؛ لأنها مفهومةٌ مِن السياق. وقوله: (باتِّفَاقٍ قَصَدَهَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا) كذا قال ابن شاس، ونُقِضَ عليه. ابن هارون: الاتفاقُ بما نقله ابن يونس عن سحنون في التي كَسَتْ زوجَها أو نزعتْ خُفَّه لا وضوءَ عليهما وإِنِ الْتَذَّا. وفيه نظرٌ فإنه ليس فيه نصٌّ صريحٌ على اللمسِ، بل الظاهرُ فيه أنه من باب الالتذاذِ بالنظرِ، والأصحُّ فيه عدمُ النقضِ كما سيأتي، فانظره. ويؤيد هذا قولُه في الروايةِ بإثْرِ الكلامِ المتقدمِ: وقد يُلْتَذُّ بالكلام. كذا في النوادرِ، وتخريجُ اللخمي ضعيفٌ؛ لأن رفضَ النيةِ قصدٌ منفردٌ، وهنا قصدٌ وفِعلٌ، ولا يَلزم مِن إلغاءِ الأخفِّ إلغاءُ الأشدِّ، ثم إن قولَ المصنفِ المنصوصَ مع تخريجِ اللخميِّ ظاهرُه أن مقابِلَ المنصوصِ مُخَرَّجٌ ليس بمنصوصٍ، وليس كذلك، فقد حكى ابنُ بشير فيما إذا قصد ولم يَجِدْ قولين منصوصين: النقضُ لابن القاسم، وعدمُه لأشهب. وينتقضُ الاتفاق الذي قاله المصنف بما قاله التلمساني في اللُّمعِ: واختُلِفَ إذا قصد ولم يَجِدْ، أو وَجَدَ ولم يقصد.

стр. 153

تنبيه: ما ذكرنا من أنه إذا لم يَقصد ولم يَجِدْ لم ينتقض بالاتفاقِ- إنما هو ف يغيرِ القُبلة، وأما في القُبلة فاختلف فيها على قولين: إيجابُ الوضوء، وهي رواية أشهب عن مالك، وقول أصبغ، قال في المقدمات: وهو دليلُ المدونة، وعِلَّةُ ذلك أن القُبلة لا تنفَكُّ عن اللذة، إلا أن تكون صبيةً صغيرةً يُقَبِّلُها على قَصْدِ الرحمةِ، أو ذاتِ مَحْرَمٍ يُقبلها على سبيلِ الوُدِّ أو الوَدَاعِ أو نحوَ ذلك. والقولُ الثاني أنه لا وضوءَ كالملامسةِ والمباشرةِ، وهو قولُ ابنِ الماجشون. وقوله: (وهو دليل المدونة) يُريد لقوله فيها: إذا مَسَّ أحدُ الزوجين صاحبَه للذةٍ من فوقِ الثوب أو تحتهِ، أو قبَّلَه على غيرِ الفمِ- فعليه الوضوءُ، أَنْعَظَ أم لا. قال في التنبيهات: اشتراطُ اللذةِ على غيرِ الفَمِ دليلٌ على أنه لا يُشترط وجودها في القُبلة في الفم ولا قصدُها منهما جميعاً، وهو قول مالك في المجموعة. قال ابن رشد: وأمّا إن قَصَدَ اللذةَ بالقبلةِ في الفمِ ولم يَجِدْها فالوضوءُ واجبٌ عليه، ولا أَعْلَمُ في ذلك خلافاً في المذهب، ولا يبعد دخول الخلاف فيها معنى. وعلى هذا فيحمل قوله: (وَالْمَشْهُورِ أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي الْفَمِ تَنْقُضُ لِلُزُومِ اللَّّّذَّةِ) على الوجهِ الأَوَّلِ. وذكر ابن بزيزة في القُبلة ثلاثةَ أقوالٍ في المذهب: النقضُ مطلقاً، والثاني اعتبارُ اللذة، والثالثُ إن كانت في الفم انتَقَضَ مطلقاً، وإن كانت في غيره اعتُبِرَتِ اللذةُ، ولا فَرْقَ بين الطوعِ والإكراهِ. فعن مالك في المجموعة: إذا قَبَّلَ امرأتَه مكرهةً فعليها الوضوءُ، وكذا روى ابن نافع أنها لو غلبتْه هي فقَبَّلَتْه فعليه الوضوءُ ولو لم يَلْتَذَّ. ابن هارون: أما لو قَبَّلها [٢٥/أ] على غير الفم لكان ذلك كالملامسةِ، ولا نَعلم في ذلك خلافاً بين الشيوخ إلا ما تأوّل ابنُ يونس في رواية ابنِ نافع المتقدمةِ في الذي استَغْفَلَتْهُ زوجتُه فقبَّلَتْه: أنه يتوضأ، فقال: هو يُريد سواءٌ قبّلَتْه في الفم أو في غيره، وفيه نظرٌ. انتهى. قال صاحب الإرشاد في العمدة: والقبلةُ في الفم تَنْقُضُ، وفي غيرِه مِن الوجهِ خلافٌ.

стр. 154

وَالْحَائِلُ الْخَفِيفُ لا يَمْنَعُ وَفِي غَيْرِه قَوْلانِ رواية ابن القاسم بالنقض مطلقاً، وقيّد ذلك ابنُ زياد بما إذا كان الحائلُ خفيفاً، وحَمَلَها المصنفُ على الخلافِ، وحمَلها في البيان والمقدمات على التفسير. قال في التهذيب: والملموسُ إن وَجَدَ اللذةَ توضَّأ، وإلا فلا، قالوا: ما لم يقصدها فيكون لامساً. وَاللَّذَّةُ بِالنَّظَرِ لا تَنْقُضُ عَلَى الأَصَحِّ قال المازري: أما مَن نَظَرَ فالتَذَّ بقَلْبِه دونَ لَمسٍ، فالْمَشْهُورِ عن أصحابنا أن وضوءَه لا يَنتقضُ؛ لأنَّ إثباتَ الأحداث طريقُه الشرع، والذي وَرَدَ مِن الشرعِ في هذا ذِكْرُ اللمسِ، فأمّا مجردُ اللذةِ دونَ لمسٍ فلم يُوجَدْ ظاهراً لا في الكتابِ ولا في السُّنة؛ فلا يصحُّ إثباتُه بالدعاوى. انتهى. وذهب ابن بَكير والإِبِّيَانِيّ إلى أن اللذةَ بالنظرِ ناقضةٌ، وظاهرُ نَقْلِ المازري مع المصنفِ. قال ابن شاسٍ: وأما مَن نَظَرَ فالتَذَّ بمداومةِ النظرِ، ولم ينتشرْ ذلك منه فلا يؤثرُ في نقضِ الطهارةِ، فقيَّدَ ذلك بمداومةِ النظرِ وعَدَمِ الإنعاظِ، ويمكن أن يُقال: إنما قيّدَ ذلك بالمداومة؛ لأن الغالبَ أن اللذةَ إنما تَحْصُلَ بذلك. وَفِي الإِنْعَاظِ الْكَامِلِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى لُزُومِ الْمَذْيِ أَمْ لا هذا كلام واضحٌ، وحكى ابنُ بشير أن الأشياخَ رأوا أن يَنظر الشخصُ في نَفْسِه، فإن كانت عادتُه خروجَ المذي بذلك فعليه الوضوءُ، وإلا فلا. وقيد الباجيُّ وابنُ شاسٍ الإنعاظَ بالكامل كما فَعَلَ المصنفُ، وهو يُؤْذِنُ بِنَفْيِ الخلافِ عمّن لم يَكمل إنعاظُه.

стр. 155

وقال ابن عطاء الله: الصحيحُ لا وُضوءَ فيه بمجردِه؛ فإِنِ انْكَسَرَ عن مذيٍ توضأ للمذي، وإلا فلا، وليس الإمذاءُ من الأمورِ الخَفِيَّةِ حتى تُجعل له مَظِنَّةٌ. الثَّالِثُ: مَسُّ الذَّكَرِ بِتَقْييدٍ عَلَى الأَخِيرَة، فَفِيهَا ببَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ بِبَاطِنِ الأَصَابِعِ، أَشْهَبُ: بِبَاطِنِ الْكَفِّ. فِي الْمَجْمُوعةِ: الْعَمْدُ. الْعِرَاقِيُّونَ: اللَّذَّّةُ. وَبِإِصْبَعٍ زَائِدَةٍ قَوْلانِ .... يعني: أنه كان أولاً يقول بعدمِ النقضِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ؛ للحديث: "إِنْ هو إلا بَضْعَةٌ مِنْكَ" رواه أبو داود والترمذي، وضعَّفه أبو حاتم وأبو زرعة، وحسَّنه الترمذي- ثم رَجَعَ إلى النقضِ بتقييدِ ما ذُكِرَ. وقوله: (الْعِرَاقِيُّونَ: اللَّذَّةُ) يعني: سواءٌ حصلتْ بأيِّ عضوٍ كان، هكذا نص عليه السيوريُّ وغيرُه. وقد قال ابن القصار: الذي عليه العملُ أنّ مَن مَسَّ ذكرَه لشهوةٍ بباطنٍ كفِّه أو سائرِ أعضائه مِن فوق الثوب أو مِن تحته أن طهارتَه تنتقضُ. قال الأبهري: وعلى هذا كان يَعْمَلُ شيوخُنا كلُّهم، ولا فرقَ على هذه الأقوالِ بين أولِه وآخرِه. وحكى ابنُ نافع أن المعتبرَ في النقضِ الحشفةُ دونَ سائرِه. وأما الأصبعُ الزائدةُ فقال ابن راشد: الخلافُ خلافٌ في حالٍ: هل فيها من الإحساسِ ما في غيرِها، أم لا؟ وينبغي أن يقال: إن تساوتِ الأصبعُ في التصرفِ والإحساسِ- فالنقضُ، وإن لم تتساوَ فلا، وإن شَكَّ فعلى الخلافِ فيمن تيَقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ. قال سند: يَنتقضُ على ظاهرِ قول ابن القاسم إذا مَسَّهُ بِبَيْنِ أصابِعِه، أو بحُرُوفِ كَفِّه. وكلامُه في الأَحْوَذِيّ يقتضي أن يَنتقض بجانبِ الأصابعِ.

стр. 156

وَمِنْ فَوْقِ حَاِئلٍ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ خَفِيفاً نَقَضَ، وَلا أَثَرَ لِلْمَقْطُوعِ وَلا مِنْ آخَرَ. وَقِيلَ: يَنْتَقِضُ الْمَمْسُوسُ .... حكى المازري، وصاحب الأحوذي، وابن راشد في مذهبنا الثلاثةَ، وفي المقدمات: واختلف قولُ مالك إذا مَسَّه على حائلٍ رقيقٍ، روى عنه ابن وهب: لا وضوء عليه، وهو الأشهَرُ، وروى عنه ابنُ زياد: أن عليه الوضوء. قال في البيان: وأما إن كان الحائلُ كثيفاً فلا وضوءَ عليه قولاًَ واحداً. وهو خلافُ طريقة المصنفِ والمازريِ في حكايتهما الخلافَ مطلقاً. والظاهرُ عدمُ النقضِ مطلقاً لما في صحيح ابن حبان عنه ﷺ : "مَن أفضَى بيدِه إلى فَرْجِه وليس بينهما سترٌ ولا حجابٌ فقد وَجَبَ عليه الوضوءُ للصلاةِ". وقوله: (وَلا أَثَرَ لِلْمَقْطُوعِ) إلى آخرِه، يعني: إذا قُطع ذَكَرُه، ثم مَسَّه فلا أَثَر لذلك. ونَبَّه بذلك على خلافِ بعضِ الشافعيةِ، على أن ابن بزيزة حكاه في الَمذْهَبِ فقال: إذا مَسَّ ذَكَرَ غيرِه مِن جنسِه أو مِن غيرِ جنسِه أو ذَكَراَ مقطوعاً أو ذَكَرَ صبيٍّ أو فرج صبيةٍ، فهل عليه الوضوءُ أم لا؟ فيه قولان في المذهب. انتهى. ابن هارون: ولو مَسَّ موضعَ الجَبِّ فلا نص عليه عندنا، وحكى الغزالي أن عليه الضوءَ، والجاري على أصلنا نفيُه لعدمِ اللذةِ منه غالباً. انتهى. وقوله: (وَلا مِنْ آخَرَ) أي: ولا مِن مَسِّ ذَكَرِ رَجُلٍ غيرِه. وحكى ابنُ العربي وابن شاس عن الأَيْليِّ البَصْرِيِّ مِن أصحابنا أنه ينتقض وضوؤه. وكلامُه يقتضي أن الْمَشْهُورِ أنه لا أثرَ لذلك في حق الملموسِ، وليس كذلك. والذي حكى ابن شاس وابن عبد السلام أن ذلك يجري على حكمِ الملامسة، فإن المرأةَ لو لمستْ ذَكر زوجِها تلذذاً لوَجَبَ عليها الوضوءُ، وكذلك في الملموسِ ذَكَرُه إِنِ الْتّذَّ فعليه الوضوءُ، وإلا فلا.

стр. 157

وفِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا ثَلاثُ رِوَاياتٍ [٢٥/ب] لابْنِ زِيَادٍ، وَالْمُدَوَّنَةِ، وَابْنِ أَبي أُوَيْسٍ، ثَالِثُهَا: إِنْ أَلْطَفَتْ انْتَقَضَ. وَقَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَلْطَفَتْ؟ قَالَ: أَنْ تُدْخِلَ يَديْهَا بَيْنَ الشُّفْرَيْنِ. فَقِيلَ: عَلَى ظَاهِرِهَا. وَقِيلَ: بِاتِّفَاقِهَا .... أي: روايةُ ابن زيادٍٍ الوضوءَ، والمدونةِ نَفْيُه، وابنِ أبي أُويسٍ التفصيلُ، وحكى ابنُ رشد روايةً رابعةً بالاستحباب. والظاهرُ روايةُ ابنِ زياد إن كانت الرواياتُ مختلفةٌ لما في صحيح ابن حبان عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّا، والمرأةُ مِثْلُ ذَلِكَ". انتهى. ووجهُ مذهبِ المدونةِ قولُه ﷺ : "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّا" ومفهومُه نفيُ الوضوءِ مِمَّنْ مَسَّ غيرَه، ورُدَّ بأنه مفهومُ لَقَبٍ. وزاد الباجي- في رواية ابنِ أبي أويسٍ- أنها إِنْ ألْطَفَتْ وقَبَضَتْ عليه بيدِها انتَقَضَ. وقوله (فَرْجَهَا) يُريد القُبُلَ، وأما الدُّبُرَ فهي فيه كالرَّجُلِ. واختلف الأشياخُ في الروايات، فمنهم مَنْ أجراها على ظاهرِها مِن الخلافِ، ومنهم مَن جَعَلَ الثالثَ تفسيراً للقولين، وأن من قال بالنقض محمولٌ على ما إذا أَلْطَفَتْ، ومن قال بعَدَمِه محمولٌ على ما إذا لم تُلْطِفْ. ومنهم مَن يَرى أن المذهبَ على قولين: الوجوبُ والتفصيلُ. وَلا أَثَرَ لِمَسِّ الدُّبُرِ. وَخَرَّجَهُ حَمْدِيسٌ عَلَى مَسِّ الْمرفرج المرأة ورده عبد الحق باللذة تصورُه ظاهرٌ. وأجاب ابنُ سابقٍ عن رَدِّ عبد الحق بأنْ قال: لا يَلْزَمُ هذا حمديساً لأنه لا يُعَلِّلُ باللَّذَّةِ، بل بمجردِ اللمسِ. ووقع في بعض النُّسَخِ بإِثْرِ الكلامِ المتقدمِ ما نَصُّه: وابن بشير: ليس ذلك بقياسٍ. ومعناه أن ابنَ بشيرٍ رَدَّ إلحاقَ حمديسٍ بأنَّ الوضوءَ مِن مسِّ الفرجِ خارجٌ عن القياسِ؛ لأنه مِنَ الجَسَدِ، والحُكْمُ إذَا خَرَجَ على غيرِ قياسٍ لم يُقَسْ عليه. ويمكن أن يقال: لعل

стр. 158

حمديساً لم يرَ ذلك قياساً، وإنما ألحقه عَمَلاً بما علَّلَ به فرجَ المرأة مِن العمل بالرواية التي فيها ذِكْرُ الفَرْجِ، وهذا فَرْجٌ. وقاله ابنُ راشد، وهذا الذي ذكره المصنفُ عن ابنِ بشير ليس هو في تنبيهِه. وَمَسُّ الْخُنْثَى فَرْجَهُ مُخَرَّجٌ عَلَى مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ التخريجُ المذكورُ للمازري، وهذا إنما هو في الخنثى المُشْكِلِ، وأما غير المشكل فبحَسَبِ ما يَثْبُتُ له. ابنُ العربيّ عن بعض شيوخه: إِنْ مَسَّ فَرْجَيْهِ معاً وَجَبَ الوضوءُ، وإن مسَّ أحدَهما- وقلنا: إن المرأةَ يَنتقض وضوؤها بمَسِّ فرجِها- فهو كمن تيقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ. وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَفِيهَا: فَلْيُعِدْ وُضُوءَهُ كَمَنْ شَكَّ أَصَلَّى ثَلاثاً أَمْ أَرْبَعاً يُعيد. فَقِيلَ: وُجُوباً وَقِيلَ: اسْتِحْبَاباً .... أجرى القاضيان أبو الفرج وأبو الحسن الأبهري الروايةَ على ظاهرِها من الوجوبِ، وحملَها أبو يعقوب الرازي على النَّدْبِ، والأوَّلُ أظهرُ للأمرِ، ولتشبيههِ بالصلاةِ. واستشكل الشيوخُ القياسَ؛ لأن الشكَّ في الحدثِ شَكٌّ في المانع، والأصلُ في الشكِّ الإلغاءُ، إِذِ الأصلُ في الوضوءِ دَوَامُه بخلافِ الركعاتِ فإنَّ الشكَّ فيها شَكٌّ في الشَّرْطِ، والأَصْلُ عِمَارَةُ الذِّمَّةِ بالعَدَدِ حتى يَتحققَ حصولُه، وحاصلُه أنَّ الأصلَ إلغاءُ الشكِّ، ويَلْزَمُ منه البناءُ على الأقلِّ في الركعاتِ، والبقاءُ على الطهارة، ويمكن أن يُوَجَّهَ الوجوبُ على الاحتياطِ للعبادةِ، إِذِ الأصلُ أن الصلاةَ في الذِّمَّةِ بيقينٍ فلا تبرأُ الذمةُ منها إلا بيقينٍ. ويمكن أن يُقال: منشأُ الخلاف: هل للشكِّ في الشرطِ تأثيرٌ في المشروطِ أم لا؟ قال صاحب النكت: وإنما يجب الوضوءُ في غير المُسْتَنْكَحِ، وأما المستنكَحُ فلا شيءَ عليه.

стр. 159

وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: خَمْسَةٌ: ثَالِثُهَا يُسْتَحَبُّ، وَرَابِعُهَا: يَجِبُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلاةٍ، وخَامِسُهَا: يَجِبُ مَا لَمْ يَكُنِ الشَّكُّ فِي سَبَبٍ نَاجِزٍ كَمَنْ شَكَّ فِي رِيحٍ وَلم يُدْرِكْ صَوْتاً َولا ريحاً ....... الأقوالُ ظاهرةٌ مِن كلامِه، وتَبعَ المصنفُ في حكايةِ الأقوالِ الخمسةِ هكذا ابنَ بشير، وفيه نظرٌ؛ لأن قوله (ثَالِثُهَا) يقتضي أن القول الثاني لا يَجِبُ ولا يُستحبُّ، ولم يحكِه اللخمي، ولفظه: اختُلِفَ إذا كان ممن لا يتكررُ ذلك منه على خمسةِ أقوالٍ. فقال في المدونة: يتوضأ، وهو بمنزلةِ مَن شَكَّ في صلاتِه، وعلى هذا فيكون الوضوءُ عليه واجباً. وقال أبو الحسن بن القصار: روى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحبُّ إليّ أن يتوضأ. قال: ورُوي عنه أنه قال: إِنْ شَكَّ في الحَدَثِ- وهو في الصلاة- بنى على يقينِه ولم يَقطع، وإن كان في غيرِ صلاتِه أَخَذَ بالشَّكِّ. قال: وروي عنه أنه قال: يَقْطَعُ وإن كان في صلاةٍ. قال ابن حبيب: إذا خُيِّلَ إليه أن ريحاً خرجتْ منه فلا يتوضأُ إلا أن يُوقِنَ بها، وإن دخله الشكُّ بالحِسِّ فلا شيءَ عليه. قال: بخلافِ مَن شكَّ هل بالَ أو أَحْدَثَ فإنه يُعيد الوضوءَ. انتهى. وفيه نظر؛ لأن القولَ بالتفرقةِ بين أن يكون في صلاةٍ فلا يَقطعُ، وإن لم يكن في صلاة أَخَذَ بالشكَّ- راجعٌ إلى الاستحباب، والقولُ بالقطعِ مطلقاً راجعٌ إلى الوجوبِ، كذا قال ابن عطاء الله. وعلى هذا فليس في المسألة إلا ثلاثةُ أقوالٍ: الوجوبُ والاستحبابُ وقولُ ابن حبيب. وقال الباجي في منتقاه: إذا قلنا بوجوب الوضوءِ بالشَّكِّ، فإن شكَّ خارجَ الصلاةِ فهذا حُكْمُه، وإن شكَّ في الصلاة فقدروى القاضي أبو الحسن عن مالك في ذلك روايتين: إحداهما: يَقطع الصلاةَ ويتوضأُ. والثانية: إن شَكَّ في نَفْسِ الصلاةِ فلا وضوءَ [٢٦/أ] عليه، وإن شكَّ خارجَ الصلاةِ فعليه الوضوءُ. انتهى. ففَهِمَ- ﵀ أن الروايةَ بالفَرْقِ مبنيةٌ على الوجوب، فانظرْ ذلك.

стр. 160

فرع: فإن افتَتَحَ الصلاةَ متيقناً الطهارةَ، ثم شك في الصلاة وتمادى على صلاته ثم تبين له أنه متطهر، فقال مالك: صلاته تامة لحصول الشرطِ في نَفْسِ الأَمْرِ. وقال أشهب وسحنون: لا تصحُّ لأنه غيرُ عاملٍ على قَصْدِ الصحةِ. المازري: وكذلك اختُلف إذا افتَتَح تكبيرةَ الإحرامِ ثم شك فيها، وتمادى حتى أَكْمَلَ وتبين له بعد ذلك أنه أصاب في التمادي، أو زاد في الصلاةِ شيئاً تعمُّداً أو سهواً، ثم تبين أنه واجبٌ: هل يُجزئه عن الواجب أم لا؟ ومِن ذلك الاختلافُ فيمَنْ سَلَّمَ شاكّاً في إتمامِ الصلاة ثم تبَيَّنَ له بعد ذلك الكمالُ. انتهى. وعلى هذا فيَخْرُجُ لنا مِن هاهنا قاعدةٌ، وهي: إذا شككنا في شيء لا تجزئ الصلاة بدونه، ثم تبين الإتيان به: هل تجزئ الصلاة أم لا؟ والله أعلم. وَلَوْ شَكَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَجَبَ الْوُضُوءُ بِاتِّفَاقٍ يدخل فيه خمسُ صُوَرٍ: الأولى: تَيَقَّنَ الحدَثَ وشَكَّ في الطهارة، وحكى ابنُ بشير فيها الإجماعَ. الثانية: تيقَّنَهما، ولم يَدْرِ السابقَ منهما، وحكى سندٌ فيها الاتفاق. الثالثة: شَكَّ فيهما، فحكى ابنُ محرزٍ أن الوضوءَ يَجِبُ عليه؛ لأنه ليس عنده أمرٌ يتيقنُه يَبني عليه. وذكر ابنُ بشير في هذه الصورة أنه يطرح ما شَكَّ فيه ويَبني على ما كان عليه قَبْلَ الشكِّ، فإن كان محدِثاً لزِمَه الوضوءُ، وإن كان متوضِّئاً صار بمنزلةِ مَن تيقَّن الطهارةَ وشكَّ في الحَدَثِ. الرابعة: يَتيقنُ الوضوءَ ويَشُكُّ في الحَدَثِ، وشك في ذلك أكان قَبْلَه أم بَعْدَه.

стр. 161

الخامسة: عكسُ هذه، يَتيقن الحدثَ ويَشُكُّ في فِعْلِ الوضوءِ، وشكَّ مع ذلك أكانَ قبلَه أو بعدَه. وحكى ابن محرز الوجوبَ فيها. وَأَمَّا الْمُسْتَنْكَحُ فَالْمُعْتَبَرُ أَوَّلُ خَاطِرَيْهِ اتفاقاً يُريد بالمستنكح مَن كثرتْ منه الشكوكُ. وما ذكره من اعتبارِ أولِ خاطريه هو قولُ بعضِ القَرويين، وتابعه عليه بعضُ المتأخرين، قالوا: لأنه في الخاطرِ الأولِ سليمُ الذهنِ، وفيما بعده شبيهٌ بغير العقلاءِ. ابن عبد السلام: وظاهرُ المدونةِ وغيرِها السقوطُ من غيرِ نظرٍ إلى خاطرِه ألبتةَ، وهو الذي كان يُرجحه بعضُ مَن لقيناه ويقول به، ويَذكر أنه راجَعَ فيه بعضَ المشارقةِ، وكان يوجِّهه بأن المستنكحَ- ومن هذه صفته- لا يَنْضَبِطُ له الخاطرُ الأوَّلُ مما بَعْدَه، والوجودُ يَشْهَدُ لذلك. وَفِي وُجُوبِ وُضُوءِ الْمُرْتَدِّ إِذَا تَابَ قَبْلَ نَقْضِ وُضُوئِهِ قَوْلانِ هذه المسألةُ وقعتْ في بعضِ النُّسَخِ، والْمَشْهُورِ فيها الوجوبُ، ومنشأُ الخلافِ: هل الرِّدَّةُ بمُجَرَّدِها مُحْبِطةٌ للعمل، أو بشرط الوفاة؟ والأوَّلُ أَبْيَنُ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] فهو من بابِ اللَّفِّ والنَّشْرِ؛ لأنه إذا رَتَّبَ شيئين على شيئين جَعَلَ الأوَّلَ للأولِ، والثاني للثاني، وهنا رَتَّبَ الإحباطَ والخلودَ على الردةِ والوفاةِ عليها، قاله في الذخيرة. وبنى اللخمي الخلافَ على الخلافِ في رفضِ النيةِ، ورُدَّ بأنه قد صاحَبَ النيةَ هنا فعلٌ.

стр. 162

وَلا يَجِبُ بِقَيْءٍ وَلا بحِجَامَةٍ وَلا لَحْمِ إِبِلٍ، وَفِيهَا: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنَ اللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، وَيَغْسِلَ الْغَمَرَ إِذَا أَرَادَ الصَّلاةَ .... هذا ظاهر، ونبّه المصنفُ به على خلافٍ خارجَ المذهبِ. والغَمَرُ- بفتح الغين المعجمة والميم-: الوَدَكُ، وبسكون الميم: الماءُ الكثيرُ، وبكسرِ الغين: الحِقْدُ، وبضمِّها: الجَهْلُ. وَيُمْنَعُ الْمُحْدِثُ مِنَ الصَّلاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ جِلْدِهِ وَلَوْ بِقَضِيبٍ، وَلا بَاسَ بِحَمْلِ صُنْدُوقٍ أَوْ خُرْجٍ هُوَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ حَمْلَهُ ...... أما الصلاةُ فظاهرٌ، وأما مسُّ المصحف فهو مذهبُ الجمهورِ لما في كتابِه ﷺ لعمرو بن حزم "أَنْ لا يَمَسَّ القرآنَ إلا طاهرٌ" خرّجه مالكٌ وغيرُه. وفي حكمِ المصحفِ الجِلْدُ (وَلَوْ بِقَضِيبٍ) وأَحْرَى طُرَرُ المكتوبِ، وما بين الأَسْطُرِ مِن البياضِ. وَلا بَاسَ بِالتَّفَاسِيرِ وَالدَّرَاهِم وَبالأَلْوَاحِ لِلْمُتَعَلِّمِ وَالْمُعَلِّمِ لِيُصَحِّحَهَا. ابْن حَبِيبٍ: يُكْرَهُ مَسُّهَا لِلْمُعَلَّمِ وَالْجُزْءُ لِلصَّبِيِّ كَاللَّوْحِ بِخِلافِ الْمُكَمَّلِ. وَقِيلَ: وَالْمُكَمَّلُ ...... ولو كان مثلَ تفسيرِ ابنِ عطيةَ؛ لأن المقصودَ منه ليسَ مَسّ القرآنِ، وأجاز مالكٌ للجُنُبِ أن يَكتب الصحيفةَ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، وآياتٌ مِن القرآن. وقوله (وَبالأَلْوَاحِ) حكى ابنُ يونس فيها ثلاثةَ أقوال: الجوازُ للمَُلِّمِ والمتعلم مِن رَجُلٍ أو صبيٍّ، لابنِ القاسمِ لضرورةِ التعليمِ. والكراهةُ مطلقاً لأشهب عن مالك لعموم الآية. والكراهةُ للرجال دون الصبيان لابن حبيب. وظاهرُ ما حكاه ابن يونس عن ابن حبيب أن الكراهةَ مطلقة في حَقِّ الرجال، وحكى عنه ابن شاس كما حكى عنه المصنف أنه يُكره مسها للمُعَلِّمِ لإمكان أن يُصححها غيرَه وهو ينظر؛ ولأنه يُمكنه أن يُصحح الألواحَ في

стр. 163

وقتٍ واحدٍ. ونَقْلُه في النوادر يُرَجِّحُ نَقْلَ ابنِ شاسٍ لأنه قال: قال ابن حبيب: ولا يَمَسُّ مَن ليس على وضوءٍ مصحفاً، ولا جزءاً ولا ورقةً [٢٦/ب] ولا لوحاً، ويُكره ذلك للمعلِّم إلا على وضوءٍ، ويُسْتَخَفُّ مَسُّ الجزءِ للمتعلِّمِ كالألواحِ والأَكْتَافِ، ويُكره له مسُّ المصحفِ الجامعِ إلا على وُضوءٍ. وبه تَعْلَمُ أنَّ قول المصنف: (بِخِلافِ الْمُكَمَّلِ) هو قول ابن حبيب. ورَخَّصَ مالكٌ في المختصر في مَسِّ المكمل للصغير، وإليه أشار بقوله: (وَقِيلَ: وَالْمُكَمَّلُ) وحكى ابنُ بشير الاتفاقَ على جواز مسِّ المصحف للمتعلم، وظاهرُه: ولو كان بالغاً، ونقل في المعلِّم قولين، وليس بجيِّدٍ. فرع: أجاز مالكٌ في العتبية الحِرْزَ للصبيِّ والحائضِ والحاملِ إذا كان عليه شيءٌ يُكِنُّه. قال: ولا يُعَلَّقُ، وليس عليه شيءٌ، وما رأيتُ مَنْ فَعَلَه. وأجاز ابن القاسم في رواية أبي زيدٍ مَسَّ الحائضِ اللوحَ، وتقرأُ فيه على وجهِ التعليمِ، نقله في النوادر. الْغُسْلُ مُوجِبَاتُهُ أَرْبَعَةٌ: الْجَنَابَةُ: وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ الْمُقَارِنِ لِلَّذّةِ الْمُعْتَادَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، أَوْ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعٍ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ: أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، وَالْمَرْأَةُ فِي الْبَهِيمَةِ مِثْلُهُ أي: الغُسل الواجبُ، و (الْجَنَابَةُ) خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، أي: الأول. وقوله: (وَهُوَ) ذَكَّرَ الضميرَ مراعاةً لما بَعْدَه، ولو راعى ما قَبْلَه لقال: وهي. وكلاهما جائزٌ، وسيأتي ما احتَرَزَ عنه المصنفُ بهذه القيودِ. وَلَوْ وَطِئَ الصَّغِيرُ كَبِيرَةً فَلَمْ تُنْزِلْ فَلا غُسْلَ عَلَيْهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتؤْمَرُ الصَّغِيرَةُ عَلَى الأَصَحِّ .... الخلافُ إنما هو في المراهِق ونحوِه على ما قاله عبد الوهاب، وأما ما دون ذلك فلا غسلَ عليها اتفاقاً. ومنشأُ الخلافِ خلافٌ في شهادةِ هل يحصُلُ مِن وطءِ المراهق لذةٌ كالبالغ أم لا؟

стр. 164

وقوله: (وَتؤْمَرُ الصَّغِيرَةُ) أي: إذا وطئها الكبيرُ، بناءً على أن الغسلَ طهارةٌ كالوضوءِ، فتُؤْمَرُ به أَوْلاً؛ لعدم تكرُّرِه كالصومِ. والأصحُّ قولُ أشهب وابن سحنون، قالا: وإن صَلَّتْ بغيرِ غسلٍ أعادتْ. قال سحنون: إنما تُعيد بقُرْبِ ذلك، لا أبداً. ومقابلُ الأصحِّ في مختصرِ الوَقَارِ. فرع: فإن كانا غيرَ بالغَيْنِ فقال ابن بشير: مقتضى المذهبِ أن لا غُسْلَ. قال: وقد يؤمران به على جهةِ الندبِ. وَلَوْ أَصَابَ دُونَ فَرْجِهَا فَأَنْزَلَ فَالْتَذَّتْ وَلَمْ تُنْزِلْ فَتَاوِيلُ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا غُسْلَ عَلَيْهَا بِخِلافِ غَيْرِهِ .... قال في المدونة: فإن جامَعَها دونَ الفرْجِ فوَصَلَ مِن مائه إلى داخل فرجِها فلا غُسْلَ عليها إلا أنْ تَلْتَذَّ. فمنهم مَن حَمَلَه على إطلاقِه، وهو تأويلُ الباجي وغيرِه، واختيارُ التونسي لأن التذاذَها مظنةُ الإنزالِ، وتأوّلَ ابنُ القاسم ذلك على أنها أَنْزَلَتْ. وأما لو لم تَلتذ لم يجب عليها الغُسل اتفاقاً، قاله ابنُ هارون، وفيه نظر؛ لأن أبا الحسن الصغير نَقَلَ قولاً ثالثاً بوجوب الغسل بمجرد وصولِ الماء إلى فرجِها وإن لم تلتذ. فَإِنْ أَمْنَى بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ أَوْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ أَوْ ضُرِبَ فَأَمْنَى، فَقَوْلانِ .... لما انتهى كلامُه على ما يتعلق بخروجِ المنيِّ ذَكَرَ ما يتعلق بقوله (المقارن للذة المعتادة) وهذا نالقولان جاريان على الخلافِ في الصورِ النادرةِ؛ لأن العادةَ خروجُ المني بلذَّةِ الجماعِ أو مقدماتِه، ولا فرقَ بين خروجِه بغيرِ لَذَة مطلقاً كالملدوغِ والمضروبِ، وبين خروجِه بلذةٍ غيرِ معتادةِ كحَكِّ والنزولِ ف يالماء السُّخْنِ. ابن بشير: والْمَشْهُورِ السقوطُ.

стр. 165

ولو أخَّرَ المصنفُ قوله: (كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ) عما بعده ليعودَ الأولُ إلى الأولِ والثاني للثاني لكان أَوْلَى. واخترا سحنون وأبو إسحاق القولَ بالوجوبِ. وَعَلَى النَّفْيِ فَفِي الْوُضُوءِ قَوْلانِ ويقع في بعضِ النُّسَخِ القولان مفسرين بالوجوب والاستحبابِ، وهو أحسنُ. فوجهُ الوجوبِ أن هذا الخارجَ له تأثيرٌ في الكرى وإن لم تؤثر فيها، فلا أقلَّ من الصغرى. ووجهُ العَدَمِ أن هذا الخارجَ غيرُ معتادٍ بالنسبة إلى الوضوءِ. وَلَوِ الْتَذَّ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَهَابهَا جُمْلَةً، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَنْ جِمَاعٍ وَقَدِ اغْتَسَلَ فَلا يُعيد .... هذه المسألةُ على وجهين: أحدُهما أن يُجامِعَ ولم يُنْزِل، ثم يغتسل ثم يخرج منه المنيُّ. والثاني أن يلتذَّ بغيرِ جماعٍ، ولا يُنزل، ثم يُنزلُ، فقيل بالوجوبِ فيهما؛ لأنه مستندٌ إلى لذةٍ متقدمةٍ. وقيل: لا فيهما؛ لِعَدَمِ المقارَنَةِ، ولأن الجنابةَ في الأُولَى قد اغتُسِلَ لها. والثالثُ التفرقةُ، فيجبُ في الثاني دونَ الأوّل؛ لأنه في الأوّل قد اغتسل لجنابتِه، والجنابةُ الواحدةُ لا يَتكرر لها الغُسل. وقد ذكر اللخميُّ والمازريُّ وغيرُهما الثلاثةَ الأقوالَ هكذا. وهكذا كان شيخُنا- رحمه الله تعالى- يُقَرِّرُ هذا المحل، وكذلك قرره ابن هارون. وَعَلَى وُجُوبِهِ لَوْ كَانَ صَلَّى فَفِي الإِعَادَةِ قَوْلانِ القولُ بالإعادةِ لأصبغَ، ومقابلُه لابن المواز، واختاره ابنُ رشد والمازريُّ وغيرُهما؛ لأنه إنما حُكِمَ له بالجنابةِ عِنْدَ الخروجِ. وَعَلَى النَّفْيِ فَفِي الْوُضُوءِ قَوْلانِ أي: بالإيجابِ والاستحبابِ. قال الباجي: وقال القاضي أبو الحسن: الظاهرُ مِن مذهبِ مالكٍ أنَّ الوضوءَ واجبٌ.

стр. 166

فَلَوِ انْتَبَهَ فَوَجَدَ بَلَلاً لا يَدْرِي: أَمَنِيٍّ أَمْ مَذْيٍّ وَلَمْ يَحْتَلِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: لا أَدْرِي مَا هَذَا. ابْنُ سَابِقٍ: كَمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ .... هذه المسألة وقعت لمالك في المجموعةِ، يعني أن مالكاً توَقَّفَ. وقال ابن نافع: يغتسلُ. وظاهرُه الوجوبُ. وقال علي بن زياد: لا يَلزمه إلا الوضوءُ مع غَسْلِ الذَّكَرِ. ابن الفاكهاني في شرح العمدة: والْمَشْهُورِ الوجوبُ كالوضوء. وقوله: (ابْنُ سَابِقٍ) أي: وأجرى [٢٧/أ] ابن سابق واللخمي وغيرُهما هذا الفرعَ على مَن شكَّ في الحَدَثِ، ولعل الفَرْقَ الذي أوجَبَ تَوَقُّفَ مالكٍ مشقةُ الغُسْلِ. فرعان: الأول: إذا قلنا بإنباتِ الغسلِ بالشكِّ فهل عليه أن يُضيف الوضوء إلى ذلك أم لا؟ المازريُّ: والْمَشْهُورِ أنه يَستغني بالغسل؛ لأنَّ مَن أَجْنَبَ يقيناً سَقَطَ عنه الوضوءُ واستغنى بالغسلِ، فمن شَكَّ هل أجْنَبَ أم لا- يَكْتَفِي بالغُسل، وقد رأيتُ بعضَ المخالفين ذَهَبَ إلى أنه يُضيف إلى غسلِه الوضوءَ. قال: وعندي أنه يَتخرَّجُ على قولِ مَن ذَهَبَ مِن أصحابِنا إلى وجوب الترتيبِ في الوضوءِ؛ لأن غسلَ الجنابة لا ترتيبَ فيه، والوضوءُ يَجِبُ ترتيبُه. الثاني: لو استيقظ فذَكَرَ احتلاماً ولم يجِدْ بللاً فلا حُكْمَ له. قال المازري. وَلَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلاماً اغْتَسَلَ، وَفِي إِعَادَتِهِ مِنْ أَوَّلِ نَوْمٍ أَوْ حَدَثِ نَوْمٍ قَوْلانِ قوله: (احْتِلاماً) أي يابساً، وأما الطَّرِيُّ فيُعيد مِن أَحْدَثِ نومٍ اتفاقاً. ومذهبُ الموطأ والمجموعةِ أنه يُعيد مِن أحدثِ نَوْمَةٍ. وقسم الباجي المسألة إلى قسمين: إن كان ينام فيه وقتاً دون وقتٍ- أعاد مِن أحدثِ نومةٍ اتفاقاً. وهل يُعيد ما قَبْلَ ذلك؟ قولان. وإن كان لا ينزعُه فروى ابن حبيب عن مالك أنه يُعيد من أوَّلِ نومةٍ.

стр. 167

الباجي: ورأيتُ أكثرَ الشيوخِ يَحملون هذا على أنه تفسيرٌ لمسألةِ الموطأ، وأن المسألتين مفترقتان، والصواب عندي أن يكون اختَلَفَ قولُه في الجميع. انتهى. وعلى هذا فإطلاقُ المصنفِ موافقٌ لطريقِ الباجي، لا كما حكاه عن الأكثر، وذكر ابن راشد في المسألة ثلاثة أقوال: يُفَرِّقُ في الثالثة بينَ إِنْ كان ينزعُه فيُعيد مِن أحدثِ نومةٍ، وإن كان لا ينزعه فمِن أولِ نومةٍ. قوله: (رَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلاماً) أي: سواءٌ أَرَأَى أنه يُجامِعُ أم لا. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، وَمَنِيُّ الرَّجُلِ أَبْيَضُ ثَخِينٌ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ أَوِ الْعَجِينِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ ...... أي في جميعِ ما تَقَدَّم، وهو كلامٌ واضحٌ. الثَّانِي: انْقِطَاعُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، بخِلافِ انْقِطَاعِ دَمِ الاسْتِحَاضَةِ، ثُمَّ قَالَ: تَتَطَهَّرُ أَحَبُّ إِلَيَّ .......... أي الموجبُ الثاني، لا إشكالَ في وجوبِ الغسلِ مِن دمِ الحيضِ والنفاسِ. واختَلَفَ قولُ مالكٍ إذا انقطع دمُ الاستحاضةِ فقال أَوّلاً: لا يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ؛ لأنها طاهرٌ، وليس ثَمَّ مُوجِبٌ؛ ولأنه دمُ عِلَّةٍ وفسادٍ، فأَشْبَهَ الخارجَ مِن الدُّبُرِز ثم رجع فقال: يُستحب لها الغُسْلُ؛ لأنه دمٌ خارجٌ مِن القُبُلِ، فتُؤمر بالغُسلِ منه كالحيضِ؛ ولأنها لا تخلو من دمٍ غالباً. فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ دَمٍ: فَرِوَايَتَانِ، وَإِنْ حَاضَتِ الْجُنُبُ أَوْ نُفِسَتْ أَخَّرَتْ الظاهرُ مِن القولين الوجوبُ حَمْلاً على الغالب، ومنشأُ الخلافِ الخلافُ في الصُّوَرِ النادرةِ: هل تُعطى حُكمْ نَفْسِها أوم غالِبِها؟ وقال بعضهم: هل النفاسُ اسمٌ للدمِ ولم

стр. 168

يوجد، أو اسم لتَنَفُّسِ الرَّحِمِ وقد وُجِدَ؟ والروايتان بالوجوبِ والاستحبابِ لا كما يُعطيه كلامُ المصنفِ مِن السقوطِ. وقوله: (وَإِنْ حَاضَتِ) إلى آخره، يعني أن الجنبَ إذا حاضتْ أو نُفِسَتْ فإنها تُؤَخِّرُ الغسلَ، وهذا هو الْمَشْهُورِ؛ لأن الحيضَ والجنابةِ حَدَثَانِ، فلا يَتَأَتَى رَفْعُ أحدِهما مع بقاءِ الآخرِ كالغائطِ والبولِ. وقيل: إلا أن تُريدَ القراءةَ فتغتسلَ لتقرأَ القرآنَ؛ لأن الحائضَ تجوز لها القراءةُ، فكانت موانعُها مختلفةً، فأشبهت الجنابةَ والحدثَ الأصغرَ. الثَّالِثُ: الْمَوْتُ. الرَّابِعُ: الإِسْلامُ: لأَنَّهُ جُنُبٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: تَعَبُّدٌ. وَعَلَيْهِمَا لَوْ لمَ ْتَتَقَدَّمْ له جَنَابَةٌ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ وَإِنْ كَانَ جُنُباً لِجَبَّ الإِسْلامِ، وَأُلْزِمَ الْوُضُوءَ .... ما ذَكره في الموتِ مبنيٌّ على القولِ بالوجوبِ وسيأتي. ولا يَحْسُنُ عَدُّ الإسلامِ موجباً رابعاً إلا على الشاذِّ، وأما على الْمَشْهُورِ فقد دخل في الموجِبِ الأول. والتعبدُ حكاه المازري وابن شاس وغيرُهما عن القاضي إسماعيل، وينبني على الخلاف لو بَلَغَ بغيرِ احتلامٍ لم يغتسل على الْمَشْهُورِ، وعلى قول إسماعيل يُستحب، قاله المازري وابن شاس وابن عطاء الله. وعلى هذا ففي قولِ المصنفِ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ وَإِنْ كَانَ جُنُباً لِجَبَّ الإِسْلامِ، وَأُلْزِمَ الْوُضُوءَ) نظرٌ لأن كلامَه يقتضي أن القائلين بالوضوء اختلفوا: فمنهم مَن قال: إنه للجنابة. ومنهم من قال: إنه تعبد. وأن قولَ إسماعيل ثالثٌ. وكلامُ هؤلاء الشيوخ يَقتضي أن مَن قال بالتعبدِ قال بالاستحباب، ولفظُ المازري: واختلَف أصحابُنا في غُسل الكافر هل هو للجنابةِ أو للإسلامِ؟ فمَنْ رآه للجنابةِ جعله واجباً إِذْ غُسْلُ النابة واجبٌ، ومَن رآه للإسلام جعله مستحَبّاً، وهو قول القاضي إسماعيل، لكنَّ المصنفَ تَبعَ ابنَ بشيرٍ، فإنه قال: اختلف القائلون بالوجوبِ هل ذلك للإسلامِ أو لأنَّ

стр. 169

الكافر يُجْنِبُ ولا يَغْتَسِلُ. وعلَّلَ الأولَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قال: والنجسُ لا يَقربُ الصلاةَ إلا بعد غسلِ نجاستِه. واعلم أنَّ التعليلَ بالجنابةِ لا يَضُرُّ؛ لأن الغسلَ قد يكونُ لانقطاعِ دمِ الحيضِ فيمن بلغتْ به وأَسْلَمَتْ. ويمكن أن يُجاب على ما استدل به إسماعيلُ بأن المرادَ جبُّ الإثمِ، وإلا سقطتْ حقوقُ الخلقِ. [٢٧/ ب] وألزَمَه اللخميُّ وغيرُه القولَ بسقوطِ الوضوءِ؛ لأن الإسلامَ إن كان يَجُبُّ ما كان مِنْ حدثٍ في حالِ الكفرِ- جَبَّ فيهما، وإلا فلا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَالْمَنْصُوصُ يَتَيَمَّمُ إِلَى أَنْ يَجِدَ كَالْجُنُبِ. وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَجْمَعَ عَلَى الإِسْلامِ فَاغْتَسَلَ لَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ لأَنَّهُ نَوَى الطُّهْرَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ..... قوله: (إِلَى أَنْ يَجِدَ كَالْجُنُبِ) ظاهرُ التَّصَوُّرِ. ومقابلُ المنصوص يأتي على التعبدِ؛ لأنه يرى أن الغسلَ مستحبٌّ كما تقدم، ولا يتيمم للمندوب. وقوله: (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ) إلى آخره، يعني أن ابن القاسم يقول: إذا اغتَسَلَ بعدَ أن عَزَمَ على الإسلام، وقَبْلَ أن يتلفَّظَ بالشهادة- أجزَأَهُ ذلك في الجنابةِ وإن لم يَنْوِها. ونقل صاحبُ العمدة في المسألة قولين بالإجزاءِ وعدمِه. وقول ابن القاسم مشكل لوجهين: أحدهما أن الغسل عنده للجنابة وهو لم ينوها، وليس للإنسان إلا ما نوى. والثاني أنه قبل التَّلَفُّظِ على حُكْمِ الشِّرْكِ، فلا يَصِحُّ منه الغسلُ؛ لأن التلفظَ في حقِّ القادرِ شرطٌ على الْمَشْهُورِ، والْمَشْهُورِ عدمُ اشتراطِه مع العجزِ، نقله عياض. وهذا بخلافِ الكُفْرِ فإنه لا يَفتقر إلى لفظٍ؛ لأنه مقامُ خِسَّةٍ. وينبغي حَمْلُ قولِ ابن القاسم على ما إذا كان خائفاً أن ينطقَ بالشهادةِ. ابنُ هارون: وقد يُجاب عن الأوَّلِ بأنه- وإن لم ينوِ الجنابةَ- فقد نوى أن يكونَ على طُهْرٍ، وذلك يَستلزِمُ رَفْعَ الجنابةِ، وعن الثاني أنه إذا اعتقدَ الإسلامَ فهو ممن تَصِحُّ القُرْبَةُ بخلافِ مَن لم يعتقده؛ لما في الصحيحين مِن اغتسالِ ثُمَامَةَ قبل أن يُسْلِمَ، ثم أَسْلَمَ ولم يأمُره ﷺ بإعادةِ الغُسْلِ.

стр. 170

وَالْجَنَابَةُ كَالْحَدَثِ، وَتَمْنَعُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الأَصَحَّ، وَالآيَةُ وَنَحْوُهَا لِلتَّعَوُّذِ مُغْتَفَرٌ أي: أن الجنابةَ في الموانعِ كالحَدَثِ الأصْغَرِ، وتَزيدُ عليه بمنعِ أشياء لا يَمنع منها الحدثُ الأصغرُ، منها القراءةُ على الْمَشْهُورِ. ابنُ عطا الله وغيرُه: وأجاز مالكٌ في المختصر للجُنُبِ أن يَقرأ القليلَ والكثيرَ، وقال في سماعِ أشهب: يَقْرَأُ اليسيرَ. ابن راشد: ولا وجهَ لما في المختصر؛ لأنَّ الحديثَ في المنعِ صحيحٌ، ففي النسائي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يَخرج من الخلاءِ فيقرأُ القرآنَ ويَأكلُ، ولم يَكُنْ يحجبُه عن القراءةِ شيءٌ سوى الجنابةِ. وعنه أيضاً: قال: قال رسول الله ﷺ : "اقْرَأِ الْقُرْآنَ على كلِّ حَالٍ ما لم تَكُنْ جُنُباً)). وقوله: (وَالآيَةُ وَنَحْوُهَا) أي: والآيتان والثلاث، يعني: لا يُباح له ذلك على معنى القراءةِ، بل هو على معنى التَّعَوُّذِ أو الرُّقَي أو الاستدلالِ ونحوه للمشقةِ في المنعِ على الإطلاقِ. انتهى بالمعنى. وَدُخُولَ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ عَابِراً عَلَى الأَشْهَرِ الأشهَرُ- كما قال- المَنْعُ مِن دُخولِ المسجدِ مطلقاً. قال مالك: ولا بأسَ أن يَمُرَّ ويَقْعُدَ فيه مَن كان على غيرِ وضوءٍ. ونُقل عن مالك الجوازُ إذا كان عابرَ سبيلٍ. ومنشأُ الخلاف قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] هل المرادُ مواضعُ الصلاةِ؟ فيكون في الآيةِ إضمارٌ، أي: ولا تقربوا مواضع الصلاة، أي: وأنتم سكارى، أو المرادُ الصلاةُ نفسهُا، والتقدير: ولا تقربوا

стр. 171

الصلاة جنباً إلا عابري سبيل، أي: إلا وأنتم مسافرون بالتيمم، وهو مرويٌّ عن عليٍّ ﵁، وعليه فيكونُ في الآية دليلٌ على أن التيممَ لا يرفع الحدث. وقال ابن مسلمة: لا ينبغي للحائض أن تَدخل المسجدَ لأنها لا تَامَنُ أَنْ يَخرجَ منها ما يُنَزَّهُ المسجدُ عنه، ويَدْخُله الجُنُبُ لِلأَمْنِ مِنْ ذلك. وقال اللخمي: وعلى قولِ ابنِ مسلمةَ يجوز كونُ الجنبِ فيه، وكذلك الحائضُ إذا استَثْفَرَتْ بثوبٍ. (وَدُخُولَ الْمَسْجِدِ) مِن قَوْلِ المصنفِ معطوفٌ على القراءةِ. وَيُمْنَعُ الْكَافِرُ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ المنعُ لِحُرْمَةِ المسجدِ، وهو حقٌّ للهِ تعالى فلا يَسْقُطُ، ونَبَّهَ بهذا على خلافِ مَن أجازَ ذلك إِنْ أَذِنَ له مُسْلِمٌ. ابن عبد السلام: وهو ظاهرُ الأحاديث، وقد كان ثمامة ﵁ مربوطاً في المسجد قَبْلَ أن يُسْلِمَ. انتهى. وَجْهُ المْنْعِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وإذا مُنِعُوا مِن المسجدِ الحرامِ للنجاسةِ وَجَبَ أن يُمنعوا مِن سائرِ المساجدِ للاتفاقِ على تنزيهِ سائرِها كالمسجدِ الحرامِ، ولعمومِ الحديثِ: "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ" رواه أبو داود. وقال النسائي: لا بأسَ به. ولأنه إذا مُنِعَ الجُنُبُ والحائض فالكافر أولى. وَلِلْجُنُبِ أَنْ يُجَامِعَ وَيَاكُلَ وَيَشْرَبَ هذا ظاهر. وقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يَدُورُ على نسائِه في الساعةِ الواحدةِ مِن الليلِ أو

стр. 172

النهارِ، وهن إحدى عشرةَ نسوةً. قيلَ لأنسٍ: أكان يُطِيقُه؟ قال: كُنَّا نتحدثُ أنه ﷺ أُعْطِيَ قوةَ ثلاثين رجلاً. ولم يذكر في الحديث أنه اغْتَسَلَ قَبْلَ أن يَأتي الأُخْرَى. واستحسَنُوا له غسلَ فرجِه قبلَ إعادةِ الجماعِ، وعليه حُمِلَ قولُه ﷺ : "إذا أَتَى أحدُكم أهلَه ثم أَراد أن يَعُودَ فليتوضأ". وفي الغَسْلِ فوائدُ: تقويةُ العُضْوِ، وإزالةُ النجاسةِ؛ فإنَّ رُطوبةَ فرجِ المرأةِ- عندنا - نجسةٌ لاختلاطِها بالبولِ وغيرِه. وَفِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ قَبْلَ النَّوْمِ وَاسْتِحْبَابِهِ قَوْلانِ بخِلافِ الْحَائِضِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي تَيَمُّمِ الْعَاجِزِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِلنَّشَاطِ أَوْ لِتَحْصِيلِ طَهَارَةٍ قال القاضي عياض: ظاهِرَ المذهب أنه مستَحَبٌّ، وقد ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ أَمَرَ به. ورُوي عن عائشة رضي الله [٢٨/أ] عنها أن النبي ﷺ كان ينام وهو جُنُبٌ ولا يَتوضأ. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه البيهقي وغيرُه، وضعَّفَه بعضُهم. وقال الترمذي: حديثُ الأَمْرِ أَصَحُّ مِن هذا الحديثِ. فتأَوَّلَ الجمهورُ الأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ، وهذا على سبيلِ الجوازِ جَمْعاً بين الأَدِلَّةِ. والوجوبُ قولُ ابنِ حبيبٍ. والْمَشْهُورِ في الحائضِ عَدَمُ الأَمْرِ بناءً على التعليلِ بالنشاطِ، قال في النكت: ويستوي حُكمُها وحُكْمُ الجنبِ إذا انقطعَ الحيضُ. وأما التيممُ فعلى النَّشَاطِ، لا يُؤْمَرُ به، وهو على قولِ مالكٍ في الواضحةِ. وعلى أنه لتحصيلِ الطهارةِ يُؤْمَرُ به، وهو قولُ ابنِ حبيبٍ.

стр. 173

الباجي: ولا يُبطل هذا الوضوءَ بَوْلٌ ولا غيرُه إلا الجماعُ. قاله مالك في المجموعة. وقال اللخميُّ: إن قُلنا: الغسلُ للنشاطِ لا يُعيد الوضوءَ وإِنْ أَحْدَثَ، وإن قُلنا لينامَ على إحدى الطهارتين أَعَادَ الوضوءَ استحباباً إِنْ أَحْدَثَ. وَوَاجِبُهُ النِّيَّةُ وَاسْتِيعَابُ الْبَدَنِ بِالْغَسْلِ وَبِالدَّلْكِ عَلَى الأَشْهَرِ ابن عبد السلام وابن هارون: اتُفِقَ هنا على وجوبِ النيةِ، وخَرَّجَ جماعةٌ قولاً بعدمِه مِن الوضوء. ابن هارون: وقد يُفَرَّقُ بأن الوضوءَ فيه معنى النظافة؛ لكونه متعلقاً بالأعضاء التي يَتعلق بها الوَسَخُ غالباً، بخلافِ الغُسْلِ. وقوله: (الْبَدَنِ) أي: الظاهرُ، فلا تَرِدُ عليه المضمضةُ والاستنشاقُ كما زَعَمَ ابنُ هارون، والدَّلْكُ هنا كالوضوءِ. فَلَوْ كَانَ مَمَّا لا يَصِلُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ سَقَطَ، وَإِنْ كَانَ يَصِلُ باسْتِنَابَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ كَثِيراً لَزِمَهُ ... أي: إن كان بعضُ جسدِه لا يَصِلُ إليه بوَجْهٍ، أو لم يكن هناك مَن يَسْتَنيبُهُ، أو كان في موضعٍ لا يَطَّلِعُ عليه أحدٌ غيرُه لكونه عورةً- سَقَطَ، وإن كان مما يصل إليه باستنابة أو بخرقة، فثلاثة أقوال وهي ظاهرةٌ. والظاهرُ الوجوبُ لأنه مما لا يُتوصل إلى الواجبِ إلا به، وهو لسحنون، والسقوطُ في الواضحة، والثالثُ للقاضي أبي الحسن. وَلَوْ تَدَلَّكَ عَقِيبَ الانْغِمَاسِ وَالصَّبِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الأصَحِّ الأصحُّ كما قاله المصنفُ؛ لأن في اشتراطِ المَعِيَّةِ حَرَجاً- وقد نفاه اللهُ- وهو قولُ أبي محمد، ومقابلُه لابن القابسي.

стр. 174

وَلا تَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَلا الاسْتِنْشَاقُ وَلا بَاطِنُ الأُذْنَيْنِ كَالْوُضُوءِ، وَيَجِبُ ظَاهِرُهُمَا، وَالْبَاطِنُ هُنَا الصِّمَاخُ ... نَبَّهَ على عدمِ وجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ على خلافِ أبي حنيفةَ فإنه يَرى وجوبَهما. وقوله: (وَلا بَاطِنُ الأُذْنَيْنِ) أي الصماخ، ومسحُه سُنَّةٌ. وقوله: (كَالْوُضُوءِ) أي: أنهما سُنة في الغُسل كالوضوءِ. ومرادهُ بظاهِرِ الأذُنَيْنِ ظاهرُ الأَشْرَافِ مما يَلي الرَّاسَ ومما يُواجِه، بخلافِ داخلِ الأذنين في الوضوءِ؛ ولذلك قال: (وَالْبَاطِنُ هُنَا الصِّمَاخُ). وَتَضْغَثُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا مَضْفُوراً، وَالأَشْهَرُ وُجُوبُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالرَّاسِ، وَغَيْرِهِمَا (وَتَضْغَثُ) بفتح التاء والغين المعجمة والضاد المسكنة وآخره ثاء مثلثة، ومعناه: تَضُمُّه وتَجمعه وتُحرِّكُه وتعصرُه، قال عياض. وقوله: (مَضْفُوراً) مبنيٌّ على الغالبِ، وإلا فلا فَرْقَ بين المضفورِ والمربوطِ، وفي الصحيح عن أم سلمة قالت: "جاءتِ امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول اللهَ إني امرأةٌ أَشُدُّ ضُفْرَ رَاسِي، فكيف أصنعُ إذا اغتسلتُ؟ فقال: احْفِنْي عليه مِن الماءِ ثلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ اغمِزِيهِ على إِثْرِ كُلِّ حَفْنَةٍ بِكَفَّيْكِ" رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واللفظُ المتقدِّمُ لأبي داود. ولفظ مسلم: "إنما يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عليه ثَلاثَ حَثَيَات، ثم تُفِيضِي عليك الماءَ فتَطْهُرِينَ"، وفي رواية "أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ والجَنَابةِ؟ فقال: لا". وما ذكَرَه مِن الأشْهَرِ في اللحيةِ والرأسِ تَبعَ فيه ابنَ بشيرٍ، والذي في العتبية- ونَقله الباجي وغيره- مِن الخلافِ إنما هو في اللحيةِ، ففي العتبية: قال ابن القاسم: وسُئل

стр. 175

مالكٌ عن الجُنُبِ إذا اغتسل أَيُخَلَّلُ لِحْيَتَهُ؟ قال: ليس ذلك عليه. وقال أشهب عن مالك: إن عليه تخليلَ اللحيةِ من الجنابةِ. ومقابلُ الأَشْهَرِ مِن كلامِ المصنفِ نَفْيُ الوجوبِ، وهو أَعَمُّ مِن الندبِ والسقوطِ، والذي حكاه الباجيُّ أنه السقوطُ، وحكى عياضٌ وابن شاس أنه الندبُ. وانظرْ كيف جَعَلَ الأَشْهَرَ رِوَايَةَ أشهبَ إلا أن يكونَ الأشهرُ ما قَوِيَ دليلُه، ففي الموطأ أنه ﷺ كان يُخَلِّلُ أصولَ شعرهِ. وأما الرأسُ فلم ينصَّ أصحابُنا فيه إلا على الوجوبِ، وقد حكى القاضي عياض أنه مُجمعٌ عليه. ابن هارون: وإنما اعتمد المصنفُ في نقلِ الخلافِ فيه على ابن بشير، ولم أَرَه لغيرِهما، نَعَمْ خَرَّجَ عبدُ الوهاب الخلافَ في الرأسِ مِن اللحيةِ. وَالأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُزِيلَ الأَذَى عَنْهُ ثُمَّ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأ لِيَقَعَ الغَسْلُ في عضوٍ طاهرٍ، ومقتضى كلامِه أنه لو اغَتَسَلَ غسلةً واحدةً ينوي بذلك رَفْعَ الحَدَثِ، وزالتْ مع ذلك النجاسةُ أَجْزَأَهُ، ونحوُهِ لِلَّخْمِيِّ وابنِ عبد السلام وغيرِهما خلافَ ما يُعطيه كلامُ ابنِ الجلابِ مِن وجوبِ الإزالةِ أَوّلا، كما يفهمُه غيرُ واحدٍ مِن كلامِه، وكان شيخُنا- رحمه الله تعالى- يقول: كلامُ ابن الجلاب حقٌّ، ولا يمكن أن يُخَالِفَ فيه أحدٌ؛ إِذْ لا بُدَّ مِن انفصالِ الماءِ عن العضوِ مطلقاً، ولو انفَصَلَ متغيراً بالنجاسةِ لم يُمْكِنُ القولُ بحصولِ الطهارةِ لهذا المتطهرِ. وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ إزالةِ النجاسةِ قَبْلَ طهارةِ الحَدَثِ. وقوله: (وَالأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ) يعني قَبْلَ إدخالهِما في الإناءِ كما في الوضوء. وقوله: (ثُمَّ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ) أي [٢٨/ب] وإِنْ لم تَكُنْ عليه نجاسةٌ، فإِنَّ غَسْلَه للجنابةِ، ويُقَدِّمُ غَسْلَه ليَامَنَ مِنْ نَقْضِ الوضوءِ بمَسِّه، وعلى هذا فيَنوي عند غَسْلِ الفَرْجِ، وإلا فلا بُدَّ مِنْ غَسْلِه ثانياً لِيَعُمَّ جميعَ جَسَدِه، ذَكَرَ ذلك المازريُّ وغيرُه.

стр. 176

وقوله: (ثُمَّ يَتَوَضَّأ) أي: بنيةِ رَفْعِ الجنابةِ عن تلك الأعضاءِ، ولو نوى الفضيلةَ وَجَبَ عليه إعادةُ غَسْلِها. عياضٌ: ولم يَأتِ تكْرَارُه في الأحاديثِ. وذكر بعضُ شيوخِنا أنه لا فضيلةَ في تكرارِه، يُريد لأنه مِن الغَسْلِ، ولا فضيلةَ في تكرارِه. وَفِي تَأخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، ثَالِثُهَا: يُؤَخِّرُ إِنْ كَانَ مَوْضِعُهُ وَسِخاً منشأُ الخلافِ حديثُ عائشةَ- ﵂ فإن فيه تقديمَ غسلِهما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي- وحديثُ ميمونةَ فإن فيه تأخيرَ غسلِهما، رواه البخاريُّ وغيرُه. والقولُ الثالثُ منهم مَن عَدَّةُ ثالثاً- كما فَعَلَ المصنفُ- ومنهم مَن جَعَلَهُ جَمْعاً، وزاد بعضُهم التخييرَ. ابن الفاكهاني في شرح العمدة: والْمَشْهُورِ التقديمُ. وَعَلَى تَاخِيرِهِمَا فَفِي تَرْكِ الْمَسْحِ رِوَايَتَانِ وجهُ التَّرْكِ أنه لا فائدةَ للمَسْحِ؛ لأنه يغسلُه حينئذٍ، وأيضاً فإن المستحبَّ تخليلُ شعرِ الرأسِ قبلَ الغَسْلِ، وذلك يَنُوبُ له عن المَسْحِ، ووجهُ مقابلِه أن الأفضلَ تقديمُ أعضاءِ الوضوءِ، وخرجتِ الرجلانِ بدليلٍ ويَبْقَى ما عداهما على الأصلِ. ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَاسِهِ ثَلاثاً، وَالْمَوَالاةُ كَالْوُضُوءِ اعلمْ أَنَّ الفَرْضَ في الغُسْلِ واحدةٌ، وليس في الغُسْلِ شيءٌ يُنْدَبُ فيه التكرارُ غير الرأسِ. وقوله: (وَالْمَوَالاةُ كَالْوُضُوءِ) أي: فَتجِبُ على الْمَشْهُورِ.

стр. 177

وَيُجْزِئُ الْغُسْلُ عَنِ الْوُضُوءِ، وَالْوُضُوءُ عَنْ غُسْلِ مَحَلِّهِ أي: وغَسْلُ الوضوءِ عن غَسْلِ محلِّه؛ لأن ممسوحَ الوضوءِ لا يُجزئُ عن غسل محلِّه. واعْلَمْ أنَّ الأصغرَ يدخلُ تحتَ الأكبرِ، كما ذكر، وهل يَدخل الأكبرُ تحتَ الأصغرِ؟ لم يختلفِ العلماءُ أنه لا يُجزئ في الطهارةِ المائيةِ لاختلافِ الموجِبِ والموجَبِ مَعاً. وفي التُرّابِيَّةِ قولان: الإجزاءُ لاتفاقِ الموجَبِ، ونَفْيُه لاختلاف الموجِبِ، حكاهما القاضي أبو محمدِ في التلقينِ والمازريُّ وغيرُهما. قال ابنُ بَزِيزَةَ: وانظرْ لو لَزِمَهُ رَفْعُ الحَدَثِ الأصغرِ، فنوى الأكبرَ، هل يُجزئُه لاندراجِ الجزءِ تحتَ الكلِّ، أم لا يُجزئُه لخروجِه عن سَنَنِ الشَّرْعِ، وإفسادِه الأوضاعَ الشرعيةَ بالقَلْبِ والتغييرِ فصار كالعابِثِ؟ فرع: قال الشيخ أبو إسحاق: مَن اغتسلَ يَنوي به الطهرَ، ولم ينوِ الجنابةَ، فقال مالكٌ مَرَّةً: يُجْزِئُه. وقال مرة: لا يجزئه. وعلى ذلك أكثرُ أصحابِنَا. وإذا تقرر ذلك فيدخل في قوله: (وَيُجْزِئُ الْغُسْلُ عَنِ الْوُضُوءِ) لو اغتسل ثم ذَكَرَ أنه غيرُ جُنُبٍ، وقد نصَّ اللخميُّ فيها على الإِجزاءِ. ويَدخل في قوله: (وَالْوُضُوءُ عَنْ غُسْلِ مَحَلِّهِ) ما لو توضأ ثم ذَكَرَ أنه جُنُبٌ أنه لا يَلْزَمُهُ أن يأتيَ في غَسْلِه على أعضاءِ الوضوءِ، وقد نصَّ اللخميُّ على ذلك أيضاً. وخرَّج المازريُّ فيها قولين، فمَنْ نوى بتيممِه الحدثَ الأصغرَ، هل يُجزئُه عن الأكبر أم لا؟ ويدخل أيضاً في قوله: (ويجزئ الوضوء عن غسل محله) ما لو كانت جبيرةٌ مَسَحَ عليها في غسلِ الجنابةِ، ثم سقطتْ وتَوضأ بَعْدَ ذَلِكَ، وكانت في مغسولِ الوضوءِ. وقد نَصَّ في المدونة في هذه على الإجزاءِ، وسيأتي مِن كلامِ المصنفِ.

стр. 178

ويَدخل أيضاً لو ترك لُمْعَةً في الجنابةِ ثم غَسَلَها في الوضوءِ، وظاهرُ كلامِه الإجزاءُ، فانظرْه. وَفِيهَا: وَلا يَغْتَسِلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَإِنْ غَسَلَ الأَذَى لِلْحَدِيثِ لقوله ﷺ : "لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ وهو جُنُبٌ. فقالوا: كيفَ يَفْعَلُ يا أبا هريرةَ؟ قال: يَتَناوَلُه تَناوُلاً" رواه مسلم والنسائي وابن ماجه. قال ابن القاسم في العتبية: وسُئل مالكٌ عن اغتسالِ الجنبِ في الماءِ الراكدِ، وقد غَسَلَ ما به مِن الأذى؟ فقال: قد نُهِيَ الجنبُ عن الاغتسالِ في الماءِ الراكدِ، وجاء به الحديثُ، ولم يَاتِ في الحديثِ أنه إذا غَسَلَ الأَذَى عنه جازَ له الاغتسالُ. وقال ابن القاسم: وأنا لا أَرَى به بَاساً إن كان قد غَسَلَ ما به مِن الأَذَى، وإن كان الماء كثيراً يَحْمِلُ ما يَقَعُ فيه، فلا أَرَى به بأساً، غَسَلَ ما به مِن الأَذَى أم لم يَغْسِلْه. قال في البيان: فجَعَلَ مالكٌ العلةَ النهيَ مِنْ غيرِ عِلَّةٍ، وحَمَلَه ابنُ القاسم على أنه لاِنْتِجَاسِ الماءِ، فإذا ارتفعتِ العِلَّة ارتفعَ المعلولُ. واعلمْ أنَّ بعضَهم ذَكَرَ الإجماعَ على إخراجِ الماءِ الكثيرِ جدّاً كالمُسْتَبْحِرِ، وعلى هذا فتَخْرُجُ هذه الصورةُ مِن الخِلافِ. وَفِيهَا: فِي بِئْرٍ قَلِيلَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهَا، وَبيَدِهِ نَجَاسَةٌ يَحْتَالُ، يَعْنِي: بِآنِيَةٍ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِفِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَطْهِيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا أَدْرِي. وَأُجْرِيَتْ عَلَى الأَقْوَالِ فِي مَاءٍ قَليلٍ تَحُلَّهُ النَّجَاسَةُ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، وَقَالَ: فَإِنِ اغْتَسَلَ فِيهَا أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُنَجِّسْهَا إِنْ كَانَ مَعِيناً تَصَوُّرُ هذه المسألةِ ظاهرٌ، وأشار ابنُ عبد السلام إلى بحثِ حَسَنٍ وهو أنَّ ظاهرَ المذهبِ أنه إذا أُزيلت النجاسةُ بغير المطلَقِ مِن الطاهر فإن محلَّها لا يُنَجِّسُ ما لاقاه، فعلى هذا يأخذ الماءَ بِفِيِهِ فيغسلُ يديه، ثم يأخذ الماءَ بيديه فيغسلُهما. ولا يضرُّه ذلك يعني إدخالَهما في الماءِ الراكدِ.

стр. 179

التَّيَمُّمُ وَيَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ باتِّفَاقٍ (التَّيَمُّمُ) لغةً القصدُ، وشرعاً طهارةٌ تُرابيةٌ تشتمل على مسح الوجهِ واليدين، وتعذرُ الاستعمالِ على المريضِ مِن جهةِ عدمِ الماءِ، أو عجزِه عن استعمالِه، [٢٩/ أ] وعلى المسافرِ من جهةِ عدمِ الماءِ. والتعذرُ- بمعنى تعذرِ الاستعمالِ- هو مصطلحُ الفقهاءِ. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المرادُ بالتعذرِ فيها التعذرَ مِن جهةِ العدمِ لتكونَ لفظةُ التعذرِ مستعملةً في معنى واحدٍ، وتكون فيه إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء:٤٣]؟ فجواُبه أن المصنفَ لما فَسَّرَ التعذرَ فقال: ويتعذرُ بعدمِه، أو ما يتَنَزَّلُ منزلةَ عدمِه، وذكر في القسمِ الثاني عجزَ المريض مِن جهةِ الاستعمالِ - منع مِن حَمْلِه على ما ذكرتَ، فإن قلت: فإذا كان كذلك، فلا يصحُّ الاتفاقُ؛ لأن المريض إذا عَجَزَ عن الاستعمالِ تارةً يَخَافُ على نفسِه وتارةً على ما دُونَها، والأَوَّلُ لا خِلَافَ فيه، والثاني فيه الخلافُ كما سيأتي. فالجوابُ أنَّ المرادَ به متفقٌ عليه في الجملةِ، والله أعلم. وَكَذَلِكَ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ يَخْشَى فَوَاتَ الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلا يُعيد. وَقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: رَجَعَ عَنْهُ إِلَى وُجُوبِ الإِعَادَةِ .... منشأُ الخلافِ هل تتناول الآيةُ الحاضِرَ، أو هي مُخْتَصَّةٌ بالمريضِ والمسافرِ، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] فإن حملنا ﴿أو﴾ على بابِها فيكون قوله تعالى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَآئِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣] مطلقاً لا يَختص بمريضٍ ولا بمسافرٍ، وإن جعلناها بمعنى الواو خصَّتِ المريضَ والمسافرَ، لأن التقديرَ: وإن كنتم مرضَى أو على سفرٍ وجَاءَ أحدٌ منكم من الغائطِ. والْمَشْهُورِ أظهر؛ لحَمْلِ أَوْ على حقيقتها.

стр. 180

ومقابلُ الْمَشْهُورِ لمالك في الموازية قال: ويَطلب الماءَ وإن خرج الوقتُ. نقله ابن راشد، وهذا يظهر إذا قلنا: إِنَّ مَن عَدِمَ الماءَ والصعيدَ لا يُصلي، وأمّا على القولِ بأنه يصلي فيحتمل أنه يُصلي هذا بغير تيممٍ، ويحتمل أن يُقال: إنه يتيمم؛ لأن التيمم لا يَزيده إلا خيراً. والْمَشْهُورِ كما قال المصنفُ أنه لا إعادةَ عليه، صرح بن الباجي وابن شاس، ولفظُ ابن شاس: إذا فرّعنا على الأوّل – أي: التيمم – فهل يُعيد؟ الْمَشْهُورِ أنه لا إعادة عليه، وقال ابن عبد الحكم، وابن حبيب: يُعيد أبداً. ابن حبيب: وإليه رجع مالك. انتهى. وعلى هذا فقول المصنف: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: رَجَعَ عَنْهُ) أي: عن عدم الإعادة. واعلم أنّ التيممَ مِن خصائص هذه الأمّةِ تكريماً لها وتشريفاً، وشُرِعَ لتحصيلِ مصالحِ أوقاتِ الصلاةِ قَبْلَ فواتِها، وذلك يَدُلُّ على اهتمامِ الشرعِ بمصالح الأوقاتِ أكثرَ مِن اهتمامِه بمصالحِ الطهارةِ، وبهذا يترجَّحُ الْمَشْهُورِ. فإن قيل: فأيُّ مصلحةٍ في إيقاعِ الصلاةِ في وقتِها مع أن العقلَ يَحْكُمُ باستواءِ أفرادِ الزمان؟ فجوابُه: إِنَّ ذَلِكَ تَعَبُّدٌ. وَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ فَقَوْلانِ القولُ بالمَنْعِ لأشهب، قال: فإن فَعَلَ لمَ ْيُجْزِهِ. والقولُ بالجواز حكاه ابنُ القصّار وغيرُه. قال ابن عطاء الله: ومنشأُ الخلاف: هل الجمعةُ فرضُ يومِها أو بدلٌ مِنَ الظُّهْرِ؟ انتهى. وظاهرُ المذهبِ انه لا يَتيمم لها. ابنُ يونس: قال بعضُ المتأخرين: لو قيل: يَتيمم ويُدْرِكُ الجمعةَ ثم يتوضأُ ويُعيد احتياطاً لما بَعُدَ.
следующие страницы →