← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال في البيان: أما إذا نصب يديه للمطر فحمل فيهما من ماء المطر ما ينقلُه إلى وجهِه وسائرِ أعضائه غاسلاً لها، ومِن بللِه ما يَمسح به رأسَه– فلا اختلاف في صحة وضوئه. وذهب ابنُ حبيب إلى أنه لا يجوز له أن يمسح بيديه على رأسِه بما أصابه مِن الرشِّ فقط، وكذلك– على مذهبه– لا يجوز أن يَغسل ذراعيه ورجليه مما أصابهما من ماء المطر دون أن ينقل إليهما الماءَ بيديه مِن ماءِ المطر. وحكاه عن ابن الماجشون، وهو دليلُ قولِ سحنون في هذه الرواية، وذلك كله جائزٌ على مذهب ابن القاسم، ورواه عيسى عنه فيما حكاه الفَضْلُ، وذلك قائمٌ من المدونة في الذي توضأ وأَبْقَى رجليه فخاضَ بهما النهرَ فَغَسَلَهُما فيه: إِن ذلك يُجزئه إذا نوى به الوضوء، وإن لم يَنقل إليهما الماءَ بيده. ومثلُه في سماع موسى بن معاوية، ومحمد بن خالد مِن هذا الكتاب. وقد أَجمعوا أن الجُنُبَ إذا انغمس في النهر وتدلَّك فيه للغُسل أنّ ذلك يُجزئه، وإن كان لم ينقل الماء بيده إليه ولا صَبَّه عليه، وذلك يدل على ما اختلفوا فيه من الوضوء. وأما قوله: (إذا وقع من المطر ما يبل به جسده فعليه أن يتجرد ويتطهر) فمعناه إذا وقع عليه في أول وهلة من ماء المطر ما يَبُلُّ به جسدَه فعليه أن يَتجرَّد ويتطهرَ؛ لأنه إذا مَكَثَ للمطرِ تضاعف عليه البللُ، فكثر الماءُ على جسدِه فأَمْكَنَه التدلكُ. وأما لو لم يقع عليه مِن ماء المطر إلا ما يبل جسدُه لا أكثرَ لَمَا كان ذلك غُسلاً ولا أجزأه؛ لأن الاغتسال لا يكونُ إلا بإفاضةِ الماءِ، أَلا تَرَى إلى قوله في الحديث: "ثمَّ اغْتَسَلَ فَأَفاضَ عَلَيْهِ المَاءَ". وبالله التوفيق. انتهى. فأنت ترى ابنَ رشدٍ كيف حكى اشتراطَ النقلِ في الصورةِ المذكورةِ، وعلى هذا فالصورُ ثلاثٌ: منها ما اتُفق فيه على عدم النقلِ– وهي مسألةُ النهرِ– كما ذكر ابن رشد. ومنها ما اختُلف فيه – وهي مسألة سحنون. ومنها ما اتُّفق فيه على وجوبِ النقلِ، وهي

стр. 107

إذا أخذ الإنسانُ الماءَ، ثم نفضه مِن يده، ومرَّ بها بعد ذلكَ على العضوِ، فلا يُجزئه، نص على ذلك مالك في العتبية. ابن رشد: ولا خلافَ فيه؛ لأنه مَسْحٌ، وليس بغسلٍ. وفي المنتقى: لو مسحَ بماءٍ على رأسِه مِن بللِ المطرِ أو غيرِه لَمْ يُجْزِهِ. قاله ابن القاسم. وفيه أيضاً أن ابن القاسم وسحنوناً قالا: يجوز الغسل بماء المطر. كما نقله ابن رشد. وعلى هذا فاتَّفَقَ نقلُ الباجي وابن رشد عن ابنِ القاسم في الإجزاءِ في الغُسل، واختُلف في المسح، والظاهرُ أن له فيه قولين، والله أعلم. والفرق على هذا القولِ أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] يقتضي وجوبَ النقل، إذ التقدير: أَلْصِقُوا بللَ أيديكم برؤوسِكم، والله أعلم. وَالْوَجْهُ: مِنْ مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ، فَيَدْخُلُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ وَلا يَدْخُلُ مَوْضِعُ الصَّلَعِ، وَمِنَ الأُذْنِ إِلى الأُذُنِ، وَقِيلَ: مِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ. وَقِيلَ بالأَوَّلِ فِي نَقِيِّ الْخَدِّ وَبِالثَّانِي فِي ذِي الشَّعَرِ. وَانْفَرَد عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا سُنَّة ..... أي: حدُّ الوجهِ طُولاً مِن منابتِ الشعرِ المعتادِ إلى منتهى الذقنِ. والذقنُ مجتمعُ اللحيين، فبسببِ قولِنَا: (الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ) يَغسل الأَغَمُّ ما على جبهته من الشعر، ولا يغسل الأصلعُ ما انحسر عنه الشعرُ مِن الرأس. وحدُّه عَرْضاً مِن الأُذُنِ إلى الأذن على الْمَشْهُورِ، والقولُ بأنه مِن العذار إلى العذار رواه ابن وهب عن مالك في المجموعة. والقولُ الثالث حكاه عبدُ الوهاب عن بعض المتأخرين. والضمير في (بَيْنَهُمَا) عائدٌ على الأذنِ والعذارِ. واستُضْعِفَ قولُ القاضي؛ لأنه إِنْ كان مِن الوجهِ وَجَبَ، وإِلاَّ سَقَطَ، ولا يَثْبُتُ كونُه سنةً إلا بدليلٍ، ولم يَثْبُتْ، وكلامُه ظاهرُ التصورِ.

стр. 108

وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعَرِ دُونَ كَثِيفِهِ، وَفِي اللَّحْيَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْهُدْبِ، وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ ..... الخفيف ما تظهرُ البشرةُ مِن تحته، والكثيفُ ما لا تظهر. قاله في التلقين. قوله: (وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعَرِ) أي: أَن يُوصِلَ الماءَ إلى البشرة. وقوله: (دُونَ كَثِيفِهِ) أي: فلا يَجِبُ. واختُلِفَ في تخليلِ اللحيةِ الكثيفةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدُها- لمالك في العتبية- نَفْيُ التخليلِ، وعاب تخليلَها، فيحتمل ذلك الإباحةَ والكراهةَ. والثاني الوجوبُ، قاله محمد بن عبد الحكم. قال في البيان: وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع. وهو القولُ الذي حكاه المصنف بقوله: (وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ). والثالث الاستحبابُ لابن حبيب. قال في البيان: وهو أظهرُ الأقوال. فإن قيل: فما الفرقُ بين الْمَشْهُورِ في الوضوءِ والْمَشْهُورِ في الغُسل، وأنه يَجب فيه تخليلُ الكثيف؟ فجوابُه أن المطلوبَ في الغسل المبالغةُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. ولقوله ﷺ : "تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٍ، فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ وأَنقُوا البَشَرَةَ". رواه الترمذي والنسائي وأبو داود، ولكنه ضَعَّفَه. بخلاف الوضوء، فإنه إنما أُمِرَ فيه بالوجه، والوجهُ مأخوذٌ مِن المواجهة. وَيَجِبُ غُسْلُ مَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الأَظْهَرِ كَمَسْحِ الرَّاسِ التشبيهُ هنا في الخلافِ وفي الظهورِ، أي أن الأظهرَ في غَسلِ ما طال مِن اللحية على الذقن الوجوبُ. قال في البيان: وهو الْمَشْهُورِ والمعلومُ مِن قولِ مالكٍ وأصحابهِ. وكذلك الخلافُ في مَسْحِ ما طال مِن شعرِ الرأس.

стр. 109

الثَّالِثَةُ: [١٨/أ] غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ. وَقِيلَ: دُونَهُمَا. فَلَوْ قُطِعَ الْمِرْفَقُ سَقَطَ، وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ. وَفِي إِجَالَةِ الْخَاتَمِ: ثَالِثُهَا يِجِبُ فِي الضَّيِّقِ. وَرَابعُهَا: يُنْزَعُ ...... المرفق: بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس لغتان. وقوله: (سَقَطَ) أي: على القول الأول، وأما على الثاني فلم يَجِبْ حتى يسقط. وحكى جماعةٌ عن أبي الفرج أن تخليلَهما واجبٌ لا لنفسِه، بل لتحققِ الوجوبِ كما تقدم في الدَّلْكِ. ولم يُختلف في طلبِ تخليلِ أصابعِ اليدين، وإنما اختُلف في الطلب هل هو وجوبٌ أو ندبٌ. ابن راشد: والْمَشْهُورِ الوجوبُ. وقال في الذخيرة: ظاهرُ المذهب عدمُ الوجوب. والقولُ بِإِجالَةِ الخاتَمِ لابن شعبان، وبعدمِها لمالك، رواه عنه ابنُ القاسم في العتبية والمجموعة. قال ابن المواز: وكذلك ليس عليه إجالتُه في الغُسل. والثالث لابن حبيبٍ. والرابع حكاه ابن بشير عن ابن عبد الحكم. وليس هو مِن فَرْضِ المسألةِ؛ لأن فرضَ المسألةِ الإجالةُ، لكنْ مِن عادة المصنف التكلمُ على ما هو أعمُّ مِن فرضِ المسألة. الرَّابِعَةُ: مَسْحُ جَمِيعِ الرَّاسِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرأَةِ وَمَا اسْتَرْخَي مِنْ شَعْرِهِمَا، وَلا تَنْقُضُ عِقَصَهَا، وَلا تَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ وَلا غَيْرِهِ. وَمَبْدَؤُهُ مِنْ مَبْدَإِ الْوَجْهِ وَآخِرُهُ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ. وَقِيلَ: آخِرُهُ مَنْبَتِ شَعْرِ الْقَفَا الْمُعْتَادِ. فَإِنْ مَسَحَ بَعْضَهَ لَمْ يُجْزِئُهُ الْمُعْتَادِ. فَإِنْ مَسَحَ بَعْضَهُ لَمْ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ. ابْنُ مَسْلَمَةً: يُجْزِئُ الثُّلُثَانِ. أَبُو الْفَرَجِ: الثُّلُثُ وَقَالَ أَشْهَبُ: النَّاصِيَةُ. وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أيضاً الإِطْلاقُ، وَقَالَ: إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُقَدِّرْ مَا لا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ اللخمي وابن عبد السلام: ولا خلاف أنه مأمور بالجميع ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على بعضه. ابن عبد السلام: وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض شيوخ الأندلسيين أن الخلافَ ابتداءً في المذهب، ولم أَرَهُ. انتهى.

стр. 110

وقوله: (وَمَا اسْتَرْخَي مِنْ شَعْرِهِمَا) أي: على الخلاف المتقدم. وقوله: (وَلا تَنْقُضُ عِقَصَهَا) أي للمشقةِ، وهو مجازٌ؛ لأن عَقْصَ الشعرِ ضَفْرُهُ ولَيُّهُ. والواحدةُ عِقْصَةٌ، والجمع عقائصُ وعِقَصٌ. ويقال أيضاً للواحدة عقيصة. والعقصة التي يجوز المسح عليها ما تكون بخيط يسير، وأما لو كَثُرَ لم يُجُزْ؛ لأنه حينئذٍ حائلٌ. الباجي: وكذلك لو ضفرتْ شعرَها بصوفٍ أو شعرٍ لم يجزْ أن تمسحَ عليه؛ لأنه مانعٌ من الاستيعاب. ابنُ يونس: وكذلك الرجل لو فَتَلَ رأسَه يَجوزُ له أن يَمسح عليه كالمرأة. وحكى البَلَنْسِي في شرح الرسالة أنَّ الرجلَ لا يَجوزُ له أن يَفْتِلَ شعرَ رأسِه. ابن أبي زيد: وتُدخل يديها مِن تحتِ عِقَاصِ شعرِها في رجوع يديها في المسح. وقولُه: (وَلا تَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ) يُريدُ ولا حائلَ غيرَه. والأحسنُ لو قال: وآخره منتهى الجمجمة. لأن مقتضى قوله: (مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ) أن الجمجمةَ حائزةٌ للرأس، وليس كذلك، بل هي الرأس. وقوله: (عَلَى الْمَنْصُوصِ) يحتمل أن يُريد بمقابلةِ الأقوالِ التي ذَكَرَها، ويحتمل أن يريد ما أَلْزَمَ مالكاً بعضُهم مِن قوله: إنَّ الأذنين مِن الرأسِ. ثم قال: إِنْ تَرَكَهما وصَلَّى فلا يُعيد. فقال: يَلزم مِن ذلك الإجزاءُ في حقِّ مَن لم يَعُمَّ رأسَه. ولا يُؤخذ من قول أشهب: (إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ أَجْزَأَهُ) قولٌ في المذهب بإجزاءِ ثلاثِ شعراتٍ كمذهب الشافعي؛ لأن الذي يُفهم من قوله: (إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ) عُرْفاً أَخْذُ جزءٍ جَيِّدٍ منه. تنبيه: ذكر في النوادر أن شعرَ الصُّدْغَيْنِ مِن الرأسِ يَدْخُلُ في المسحِ. قال الباجي: يُريد ما فَوْقَ العَظْمِ.

стр. 111

وَغَسْلُهُ ثَالِثُهَا: يُكْرَهُ وَيُجْزِئُ فِي الْغُسْلِ اتِّفَاقاً. وَفِيهَا: لَوْ حَلَقَ رَاسَهُ أَوْ قَلَّمَ أَظفَارَهُ لمَ يُعِدْ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ. وَالظَّاهِرُ الصَّوَابُ، بِفَتْحِ الْحَاءِ. وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُعيد ... قال ابن عطاء الله: أشهرُ الثلاثةِ الإجزاءُ؛ لأنَّ الغَسل مسحٌ وزيادةٌ. وحكاه ابنُ سابق عن ابن شعبان. الثاني: نفيُ الإجزاء؛ لأن حقيقةَ الغسل مغايرةٌ لحقيقة المسح، فلا يُجزئ أحدُهما عن الآخَرِ. ووجهُ الكراهةِ مراعاةُ الخلافِ. وقوله: (وَيُجْزِئُ فِي الْغُسْلِ اتِّفَاقاً) أي: أن المغتسِل مِن الجنابةِ إذا لم يمسحْ رأسَه فغُسْلُه في الجنابةِ يُجزئه عن الوضوء اتفاقاً؛ لقول عائشة ﵂: وأيُّ وضوءٍ أعمُّ مِن الغُسْلِ. وقرَّره ابنُ راشد وابن هارون، ولم يعترضا عليه. وقال ابن عبد السلام: لا ينبغي أن يُتَّفَقَ عليه؛ فإنه اختَلف المذهب هل تَضْمَحِلُّ شروطُ الطهارةِ الصغرى في الطهارةِ الكبرى، أو إنما يَضمحل منها ما يُوافق الطهارةَ الكبرى؟ وقوله: (وَالظَّاهِرُ الصَّوَابُ، بِفَتْحِ الْحَاءِ) أي: أنّ لفظةَ (لحن) تُقال بفتح الحاء وسكونها، فبالفتح معناها الصوابُ، وبالسكون معناها الخطأ. واختلفَ الشيوخُ في مرادِه، نَقل ذلك صاحبُ النكت. قال المصنفُ: (والظاهرُ أنه أراد الصوابَ بفتح الحاء) والظاهرُ ما قاله سحنون- وصوَّبه عياضٌ- أنَّ مرادَه الخطأُ؛ فتُسكنُ الحاءُ؛ لأنه إذا كان مذهبُه الإعادةَ فلا يُصَوِّبُ مذهبَ غيرِه. وقوله: (لمَ يُعِدْ) أي: مسحَ رأسِه، كذا قال في المدونة، وكذا قال في المعونة: إن زوالَه لا يُوجب إعادةَ تطهيرِه.

стр. 112

واختُلف إذا حلق لحيتَه، فقال ابن القصار: لا يَغسل محلَّها. وقال الشارِقيُّ: يغسلُه. قيل: فأما مَن قُطعتْ منه بَضْعَةٌ بعدَ الوضوءِ أنه يغسلُ موضعَ القَطْعِ، أو يمسحُه إن تعذّر غسلُه. ورَدَّهُ سندٌ بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يُجرحون ثم يصلون بلا إعادةِ غَسْلٍ. الخَامِسَةُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ. وَقِيلَ دُونَهُمَا. وَهُمَا النَّاتِئَانِ فِي السَّاقَيْن، وَقِيلَ: عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَفِي تَخْلِيلِ وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا: [١٨/ب] الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالإِنْكَارُ .... الخلافُ في دُخول الكعبينِ كالخلافِ في دخولِ المرفقين، والْمَشْهُورِ عندنا- وعند أهل اللغة- أَنَّ الكعبين هما الناتئان في طرفي الساقين، وأَنكر الأصمعيُّ الثانيَ. وإنما أَتَى في أصابع الرجلين قولٌ بالإنكارِ، ولم يأتِ في اليدينِ لالتصاقِ أصابعِ الرِّجلين، فأَشْبَه ما بينهما الباطنَ. والقولُ بالندب لابن شعبان. وبالإنكار رواه أشهب عن مالك. ورجح اللخمي وابن بزيزة وابن عبد السلام الوجوبَ في تخليل أصابع اليدين والرجلين لما رُوي أن النبي ﷺ : "كَانَ يُخَلِّلُ أصابعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ". وذكر ابنُ وهب أنه سمع مالكاً يُنكر التخليلَ، قال: فأخبرتُه بالحديثِ فرجع إليه. السَّادِسَةُ: الْمُوَالاةُ. وَقِيلَ: سُنَّةٌ. وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ، وَالْكَثِيرُ، ثَالِثُهَا لِلْمُدَوَّنَةِ: يُفْسِدُ عَمْدُهُ لا نِسْيَانُهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ حِينَ ذَكَرَهُ فَكَالْمُتَعَمَّدِ، فإِنِ اتَّفَقَ غَسْلُهُ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ ..... منهم مَن يُعَبِّرُ عن الموالاة بالفَوْرِ، وبعضُ المصنفين يَحكي الخمسةَ الأقوالَ التي ذكرها المصنفُ في حُكْمِها ابتداءً. والمصنفُ حكى الخلافَ أَوَّلاً في حُكمها بالسُّنَّيَّةِ

стр. 113

والوجوب، ثم فيه إذا ترك، يعني- والله أعلم- ما هو أعم من كل واحد من القولين، يعني القول بالوجوب والقول بالسنية، وشَهَّرَ في المقدمات القولَ بالسُّنيةِ. وقوله: (وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ) حكى عبدُ الوهاب فيه الاتفاقَ، والعجزُ مُلْحَقٌ- على الْمَشْهُورِ- بالنسيانِ في عدمِ الإفسادِ، إلا أنه في النسيان يَبني مطلقاً طال أو لم يَطُلْ، وفي العَجْزِ ما لم يَطل. والْمَشْهُورِ أن الطُّولَ مقيدٌ بجفافِ الأعضاءِ، وقُيِّدَ في الزمان المعتدل، والجسم المعتدل، وقيل: هو محدودٌ بالعُرْفِ. وحكى ابنُ القصار عن بعض أصحابِ مالكٍ أن الموالاةَ مستحبةٌ، ولعلَّه القولُ بالسُّنِّيَّةِ؛ لأن العراقيين يُطلقون على السُّنَّةِ الاستحبابَ. وقوله: (فَإِنْ أَخَّرَهُ حِينَ ذَكَرَهُ) هذا فرعٌ على الْمَشْهُورِ، أي إذا بَنَيْنَا أنها لا تَجِبُ مع النسيان، فلو ذَكَرَ ما أَخَّرَ- صار كما لو أَخَّرَ مُتعمداً. فرع: فلو ذَكَرَ ولم يجد ماءً فحكى في النكت عن غيرِ واحدٍ من شيوخِه أن حُكمَه حكمُ مَن عَجَزَ ماؤه. قوله: (فإِنِ اتَّفَقَ غَسْلُهُ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ) يعني حيثُ قُلنا بأنه يَبني على ما تقدَّمَ فلا بُدَّ له مِن نيةٍ. فلو حَصَلَ غَسْلُ المنسيِّ بلا نية لم يُجزه ذلك، كما لو تَرَكَ رجليه وخاضَ بهما نهراً ودَلَكَهُما فيه. وَلا يَمْسَحُ رَاسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ، بَلْ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَلا يُعيد غَسْلَ رِجْلَيْهِ إِنْ كَانَ وَضُوءُهُ قَدْ جَفَّ وَرَابِعُهَا: يَفْسَدُ إِلا فِي الرَّاسِ. وَخَامِسُهَا: وَفِي الْخُفَّيْنِ .... نَبَّهَ بهذا على خلافِ ابن الماجشون: أنه إذا نَسِيَ مسحَ رأسِه- أَنَّهُ يَمسح ببللِ لحيتِه، ونص مالكٌ على أنه يُجدد الماءَ. ابن القاسم في العتبية: فإنْ مَسَحَ ببللِ لحيتِه أَعادَ أبداً، وليس هذا بِمَسْحٍ.

стр. 114

قال في البيان بعد كلام ابن القاسم وقول ابن الماجشون: وهذا الخلافُ جارٍ على اختلافِهم في إجازةِ الوضوءِ بالماءِ المستعملِ عندَ الضرورةِ، وظاهرُ قولِ مالك في المدونة أن ذلك لا يجوزُ، مثلُ المعلوم مِن قولِ أصبغَ خلافَ قولِ ابن القاسم، وبالله التوفيق. انتهى. ويمكن أن يُستدل للتجديد بما ثبت عنه ﷺ أنه مَسح على رأسه بماءٍ جديدٍ. وقوله: (وَلا يُعيد غَسْلَ رِجْلَيْهِ) أي: إذا توضأ فغسل رجليه ونسي مسحَ رأسِه فإنه يمسحُ رأسَه ولا يُعيد غَسْلَ رجليه. ابن راشد: وقيل يُعيد لأجْلِ الترتيب. ابن هارون: وظاهرُ كلام المصنف وإن كان بالقُرْبِ، فلهذا قال: ولا يمسح رأسه ببللِ لحيته، ولو طال- لم يكن في لحيته بَلَلٌ، وهو في هذا مخالفٌ لمشهور المذهب من الفَرْقِ بَيْنَ أن يكون بحَضْرَةِ الوضوء أو بَعْدَ الطُّولِ. ففي الحضرةِ يأتي بالمنسيِّ وما بَعْدَهُ، وبَعْدَ الطُّولِ يأتي بالمنسيِّ فقطْ. انتهى. خليل: وفيه نظر؛ لأن قوله: (إِنْ كَانَ وَضُوءُهُ قَدْ جَفَّ) نصٌّ في الطول، بل يُفهم منه أنه إذا لم تجفَّ أعضاؤه أنه يُعيد غَسْلَ رجليه، فليس فيه مخالفةٌ للمشهور، وأما ما احتج به مِن قوله ولذلك قال: (وَلا يَمْسَحُ رَاسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ) فليس فيه دليلٌ؛ فإنهما مسألتان. وقوله: (وَرَابِعُهَا: يَفْسَدُ إِلا فِي الرَّاسِ. وَخَامِسُهَا: وَفِي الْخُفَّيْنِ) حاصلُه أن هذين القولين أَسْقَطَا وجوبَ الموالاةِ في الممسوحِ؛ لكونه مَبْنِيّاً على التخفيف، واختُلف هل ذلك خاصٌّ بالممسوح بطريقِ الأصالةِ أو هو عامٌّ في الممسوحِ سواءٌ كان بطريقِ الأصالةِ أو بطريقِ النيابةِ؟ وما نقله المصنفُ في القول الرابع والخامس موافقٌ لما نَقَلَه المازري، فإنه قال: وقيل: يفسد إلا في الممسوح، فإنه لا يفسد بالنسيان.

стр. 115

وقَيَّدَ بعضُ هؤلاء الممسوحَ بأن يكون أَصْلاً، احترازاً مِن المسح على الخفين، لكنه مخالفٌ لما نقله ابنُ شاس وابن عطاء الله، فإنهما قالا: والرابعُ أنها شرطٌ في المغسول دُونَ الممسوحِ الذي هو الرأس. رواه عبد الملك في ثَمَانِيَةِ أبي زيد. والخامس: أنها شرطٌ في المغسولِ والممسوحِ الذي ليس بدلاً عن غَيْرِه، ولسي شرطاً في الممسوحِ الذي هو بدلٌ، فإن أَخَّرَ مَسْحَ رأسِه بَطَلَ وُضوؤه، وإن أَخَّرَ مَسْحُ خُفَّيْهِ لم يَبْطُلْ. انتهى. ويَنبغي أن يكون حكمُ الجبيرة حكمَ الخفين عند هذا القول. نعم يُوافقُ كلامُ المصنفِ كلامَ ابن شاس على ما وقع في بعض النسخ: (وخامسها في الخفين) بإسقاط الواو. وَفِيهَا: إِذَا قَامَ لِعَجْزِ الْمَاءِ وَلم يَطُلْ حَتَّى جَفَّ بَنَى قال عياض: ذهب بعضُهم إلى أنَّ معناه لم يَعُدْ مِن الماءِ ما يَكفيه، فكان كالمفرِّطِ، ولو أَعَدَّ مِن الماءِ ما يَكفيه فأُهْرِقَ عليه أو غُصِبَ منه- لكان حكمُه حكمَ الناسي: يَبْنِي وإن طال. وعلى هذا [١٩/أ] تُحمل روايةُ ابنِ وهب أنه يَبني إذا عَجَزَ الماءُ وإِنْ طال، وحملَها الباجي على الخلاف. انتهى. وذَكر بعضُهم في العاجز ثلاثةَ أقوالٍ كالناسي وكالعامد. والفرقُ: فإن أَعَدَّ ما يَكفيه وأهرق عليه- كان كالناسي، وإن أعد ما يعتقد أنه كافٍ، فتبين أنه غير كافٍ- فكالعامد. نقله ابن عبد السلام عن بعض المتأخرين. وقال ابن بزيزة: ذَكَرَ المتأخرون في العاجز ثلاثَ صورٍ: الصورة الأولى: أن يَقطع أن الماء يَكفيه. الصورة الثانية: أن يقطع أن الماء لا يكفيه.

стр. 116

الصورة الثالثة: أن يَشُكَّ في ابتداءِ وُضوئه هل يكفيه أم لا؟ ففي كل صورة قولان: الابتداُ والبناءُ، والْمَشْهُورِ في الأولى البناءُ، وفي الثانية والثالثة الابتداءُ، ووجهُ ذلك ظاهرٌ. انتهى. السُّنَنُ سِتٌّ: الأُولَى: غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ إِدْخَالِهمَا فِي الإنَاءِ. وَفِي كَوْنِهِ لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِلنَّظَافَاةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَلَيْهِمَا مَنْ أَحْدَثَ فِي أَضْعَافِهِ ........ الْمَشْهُورِ كما ذكره أنَّ غَسْلَ اليدين سنةٌ، وقيل: مستحبٌّ. ومذهبُ ابنِ القاسم أنه للعبادة، ومذهبُ أشهب أنه للنظافة. وعلى العبادة يَغسلهما مَنْ أَحْدَثَ في أَضْعَافِ وُضُوئِهِ ولو كان نظيفَ اليدينِ، ويُحتاج إلى نيةٍ ويَغسلهما مُفْتَرِقَتَيْنِ، وعلى النظافةِ خلافُه في الجميع، وهكذا قالوا. وفيه بحث على التنظيف، وذلك لأنه لم لا يجوزُ أن يُسَنَّ لنظيفِ اليدِ الغُسْلُ، ولو قلنا: إنه تنظيف؟ كما في غُسل الجمعة فإنه شُرِعَ أولاً للنظافة مع أَنا نأمر به مَن كان نظيفَ الجسد، فانظرْ ما الفَرْقُ؟ الثَّانِيَةُ: الْمَضْمَضَةُ. الثَّالِثَةُ: الاسْتِنْشَاقِ؛ وَهُوَ أَنْ يَجْذِبَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ وَيَنْثُرَهُ بِنَفَسِهِ وَإِصْبَعَيْهِ، وَيُبَالِغُ غَيْرُ الصَّائِمِ، وَالاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ ثَلاثاً كَالْمَضْمَضَةِ، أَوْ كِلاهُمَا بِغَرْفَةٍ واحدةٍ .... كونُ المضمضةِ والاستنشاقِ سنةً هو المعروفُ. المازري: وذهبَ بعضُ المتأخرين إلى أنهما فضيلتان. ابن عبد السلام: فَسَّرَ الاستنشاقَ بجَذْبِ الماءِ مع نَثْرِه، وحقيقتُه إنما هي في جَذْبِه خاصَّةً، ولهذا عَدَّ غيرُ واحدٍ الاستنثارَ سنةً أُخرى. انتهى. وذكر الأصبعين ليُنَبِّهَ على أنه بغيرِهما لا ينبغي، فقد قال مالك في المجموعة في رواية ابن وهب: هكذا يَفْعَلُ الحمارُ.

стр. 117

وقوله: (وَالاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ ثَلاثاً كَالْمَضْمَضَةِ) أي: يَتمضمض بغَرْفَةٍ ثلاثاً، ثم يَسْتَنْشِقُ بأخرى ثلاثاً. وقوله: (أَوْ كِلاهُمَا بِغَرْفَةٍ) مثلُه وَقَعَ في الموطأ، وجَوَّزَ فيه الباجي وجهين: أحدُهما أن يَفعلَ كلَّ مضمضةٍ واستنشاقةٍ في غَرفةٍ، فيكون المجموعُ في ثلاثِ غَرَفاتٍ. الثاني: أن يفعل الستَّ في غَرفةٍ. وهذا الأخيرُ أيضاً يحتمل وجهين: أحدُهما ان يَبدأ فيتمضمضُ بها أولاً ثلاثاً، ثم يَستنشق كذلك. والثاني أن يَتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم كذلك. ولم يذكر المصنفُ الصفةَ الفاضلةَ عندهم، وهي أن يَفعلها مِن ستِّ غَرَفاتٍ. تنبيه: وحكمُ ما ظَهَرَ مِن الشفتين الوجوبُ، وكذلك أيضاً وَجَبَ عليه غَسْلُ الوَتَرَةُ، وهي الحاجزةُ بين ثُقْبَتَيَ الأَنْفِ. فرع: قال في النوادر: وليس عليه غَسلُ ما غَارَ مِن جُرْحٍ بَرِئَ على اسْتِغْوارٍ كثير، أو كان خَلْقاً خُلِقَ به، ولا غسلُ ما تحت ذَقَنِهِ. وَمَنْ تَرَكَهُمَا وَصَلَّى أُمِرَ بِفِعْلِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَعَمَّدِ أَنْ يُعيد الصَّلاةَ فِي الْوَقْتِ قوله: (أُمِرَ بِفِعْلِهِمَا) أي: لما يستقبل. وقوله: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَعَمِّدِ أَنْ يُعيد الصَّلاةَ فِي الْوَقْتِ) في هذه المسألة ثلاثةُ أقوالٍ: الإعادةُ في الوقت كما ذَكَرَ، ونفيُها كما ذكروا، والثالثُ لغير ابن القاسم في العتبية بالإعادة أبداً، نقله صاحبُ الطراز، قال: وهذا إمّا لأنهما- أي المضمضة والاستنشاق- عنده واجبان، وإما لأنّ تركَ السنن عمداً لعبٌ وعبثٌ. والذي رأيتُه في البيان: وأما

стр. 118

العامدُ فقال ابن القاسم: يُعيد الصلاةَ فيالوقت. وقال ابنُ حبيب: لا إعادةَ عليه. ويتخرَجُ في المسألة قولٌ ثالثٌ: أنه يُعيد أبداً بالقياس على مِن تَرْكَ سنةً مِن سُنَنِ الصلاة. فقيل: يستغفرُ الله تعالى وَلا شىء عليه. وقيل: يُعيد في الوقت. وعلى قياسِ هذا يَأتي قولُ ابن القاسم في هذه المسألة. وقيل: أنه يُعيد أبداً. وهو الْمَشْهُورِ في المذهبِ, المعلومُ مِن قول ابن القاسم فيَلزم على قياسِ هذا القولِ أَنْ يُعيد في هذه المسألة أيضاً أبداً. انتهي. الرَّابعَةُ: أَنْ يَمسحَ أُذُنَيْهِ بمَاءٍ جَدِيدٍ ظَاهِرَهُمَا بإِبْهَامَيْهِ, وَبَاطِنَهُمَا بإِصْبَعَيْهِ وَيَجْعَلُهُمَا فِي صِمَاخَيْهِ. وَفِي وُجُوبِ ظَاهِرِهِمَا قَوَلانِ, وَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّاسَ, وَقِيلَ: مَا يُوَاجِهُ ... الْمَشْهُورِ أنَّ مسحَ الأذنين ظاهراً وباطناً سنةٌ. قال في المِنتقى: وذهب ابنُ مَسلمةَ والأبهريُّ إلى أنَّ مسحَهما فَرْضٌ. وقال عبد الوهاب: داخلُهما سنةٌ وفي ظاهرهما خلافٌ. وقوله: (بمَاءٍ جَدِيدٍ) الْمَشْهُورِ لا بُدَّ مِن تجديد الماءِ لهما. ابن حبيب: وإن لم يُجدد الماءَ فهو كمِن تَرْكَ مسحَهما. وقال ابن مسلمة: هو مخيَّرٌ بَيْنَ التجديدِ وعدمِه. وكلامُه يحتمل أن التجديدَ مع المسحَ سُنَّةٌ واحدةٌ, وإليه ذهب أكثر الشيوخ, وجعل ابنُ رشد التجديدَ سُنَّةً مستقلةً, ويحتمل أن يكون المسحَ هو السُّنَّةِ, والتجديدُ مستحبٌّ, وهو قول مالك في المختصر. وقوله: (ظَاهِرَهُمَا بإِبْهَامَيْهِ) يُريد بالظاهر هنا ما يلى الرأس. وقوله: (وبَاَطِنَهُمَا بإِصْبَعَيْهِ) أي بسبابتيه (وَيَجْعَلُهُمَا فِي صِمَاخَيْهِ) نَبَّهَ على ذلك لئلا يُظَنَّ سقوطُ المسحَ عليهما. قال ابن حبيب: وَلا يتبع غُضُونَهما, أي كالخفين. وقوله: (وَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّاسَ) إلى آخره. قال ابن عطاء الله: إذا كان [١٩/ب] مسحُ الجميع سنةً فلا معنى للتفريق. أي: وإنما يَظهر على مقابَلْ الْمَشْهُورِ أن مسحَ

стр. 119

ظاهِرهما واجبٌ. ومنشأُ الخلافِ فيه النظرُ إلى الحالِ أو الأصلِ, فإِنَّ أصلَ الأُذُنِ في الخِلْقَةِ كالوَرَدَةِ ثُم تَنفتح. والقوَلان حكاهما ابنُ سابق عن المتأخرين, قال: والأظهرُ أن الظاهرَ ما يُوالى الرأسَ. الجوهرى: والصِّماخُ خَرْقُ الأُذُنِ, بالصاد, وبالسين لغةٌ, ويقال: هو الأذنُ نفسُها. الخَامِسَةُ: رَدُّ الْيَدَيْنِ مِن مُؤَخَّرِ الرَّاسِ إِلَى مُقَدِّمِهِ ظاهرُ كلامه أنَّ الردَّ لا يكون سُنة إلا إذا كان مِن المؤخَّر إلى المقدَّم. وليس كذلك؛ فقد نقل اللخمىُّ وصاحبُ تهذيب الطالب عن ابن القصار أنه قال: لو بَدَأَ الرَّجُلُ مِن مُؤخَّرِ الرأس إلى مُقدَّمِه لكان المسنونُ في حقه أَنْ يَرُدَّ مِن المقدَّم غلى المؤخَّر. ويلزمُ على قولِ المصنفِ –أن يكونَ الابتداءُ مِن مقدمِ الرأسِ سنةً- خلافُ ما يَأتي له. السَّادِسَةُ: أَنْ ُيُرَتِّبَ عَلَى الأَشْهَرِ. وَقَاَلَ: مَا أَدْرِى مَا وُجُوُبُه. وثَالِثُهَا: وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ فاعل (قَالَ) عائدٌ إلى الإمام, وفيه إيماءٌ إلى إنكارِ وجوبِ الترتيبِ؛ لأن الآيةَ جاءت بالواو, وهي لا تقتضى ترتيبا. وفِعْلُه ﷺ يَحتمل الوجوبَ والندبَ, وقد قال على رضى الله عنه: ما أُبالى إذا أتممتُ وُضوئي بأيِّ أعضائى بَدَأَتُ. وقال ابن عباس: لا بأسَ بالبداية بالرِّجلين قَبْلَ اليدين. خَرَّجَ الأَثَرين الدارقطنىُّ. مَعَ صُحْبَةِ علىٍّ للنبيِّ ﷺ طولَ عمرِه, فلوَلا إطلاعُه على عدمِ الوجوبِ ما قال ذلك. وفي المدونة أيضاً عن عليٍّ وابن مسعود رضى الله عنهما: ما نبالى بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا. والأقوالُ الثلاثةُ- الْمَشْهُورُ مِنها السنيةُ. والثانى: الوجوبُ مطلقاً, رواه علي عن مالك, وهو قول أبى مصعب, والتفرقةُ لابن حبيب, وزِيدَ قولٌ رابعٌ بالاستحباب.

стр. 120

وتأوَّل اللخميُّ المدونةَ عليه لقوله فيها: (يُعيد الوضوء وهذا أحب إلى). سند: وهو تأويلٌ فاسدٌ. والهاء في (وُجُوبُهُ) عائدةٌ على الترتيب, ويحتمل أن تَعود على إعادةِ الوضوء. واقتصر ابنُ يونس على الأَوَّلِ. وهذا حكمُ الترتيبِ بين المفروضِ مع المفروضِ. وأما حكمُ ترتيبِ المفروضِ مع المسنون ففي المقدمات: ظاهرُ الموطأ أنه مستحبٌّ؛ لأنه قال فيمِن غسلَ وجهَه قَبْلَ أَنْ يَتمضمض: أنه يتمضمضُ وَلا يُعيد غَسْلَ وجهِه. وقال ابنُ حبيب: هو سُنةٌ. إلا أنه جعله أخفَّ مِن ترتيبِ المفروضِ مع المفروض, فقال مَرَّةً: إنه يُعيد الوضوءَ إذا نكَّسَه متعمداً كالمفروض مع المفروض. وله في موضعٍ آخرَ ما يَدُلُّ على أنه لا شيءَ عليه إذا فرَّق وضوءَه. انتهى باختصار. واما ترتيبُ المسنونِ مع المسنونِ فمستحبٌّ. وَعَلَى السُّنَّةِ لَوْ نَكْسَ مُتَعَمِّداً فَقَوَلانِ كَمُتَعَمِّدِ تَرْكَ السُّنَّةِ, وَلَوْ نَكْسَ نَاسِياً أَعَادَ بحَضْرَةِ الْمَاء, فَإِنْ بَعْدَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعيد الْمِنكِّسُ خَاصَّةً. وَقِيلَ: يُعيدهُ وَمَا بَعْدَهُ ... فَرَّعَ على السُّنَّةِ لكونِه هو الْمَشْهُورِ. وقوله: (فقوَلان) قال ابن شاس: أحدُهما أنه يُعيد مع العَمْدِ قريباً كان أو بعيداً. الثانى: أنه كالناسى, فلا يُعيد. وهما على الخلاف في تاركِ السنن متعمداً: هل تجب عليه إعادةُ الصلاةِ أم لا؟ وقوله: (وَلَوْ نَكْسَ نَاسِياً أَعَادَ بحَضْرَةِ الْمَاءِ) يحتمل إعادةَ الوضوءِ كلِّه, وهو ظاهرُ كلامِ ابن شاس, ولفظه: إن كان بحضرةِ الماءِ فأنه يَبْتَدِئُ ليسارةِ الأَمْرِ عليه. ويحتملُ إعادةَ المِنكَّسِ وما بَعْدَه, وهو الذي نصَّ عليه ابنُ رشد وابنُ بشير أنه إن كان بحضرة الماء فإنما عليه إعادةُ المِنكَّسِ وما بَعْدَه. قال في المقدمات: ناسيا كان أو متعمداً.

стр. 121

فإن كان قد تَبَاعَدَ وجَفَّ وُضوؤه وكان متعمداً فثلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: يُعيد الوضوءَ والصلاةَ. والثانى: لا يُعيدهما. وهو قولُ مالك في المدونة. والثالث: يُعيد الوضوءَ فقط. وهو قولُ ابن حبيب. والأَوَلانِ مَبْنِيَّانِ على الخلافِ في تاركِ السننِ متعمداً, وأما الثالثُ فرأي أنه يُعيد الوضوءَ لبقاءِ حُكمِه بخلافِ الصلاةِ؛ لانقضاءِ أمرِها. وقوله: (فَإِنْ بَعْدَ) أي: وكان ناسياً (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعيد الْمِنكِّسُ خَاصَّةً) ظاهرُ التصورِ. (وَقِيلَ: يُعيدهُ وَمَا بَعْدَهُ) وهو قولُ ابن حبيب. فلو بَدَأَ بيديه, ثم بوجهِه, ثم برأسِه, ثم برجليه فعَنِ ابنِ القاسم: يُعيد ما تقدَّم مِن غَسْلِ ذراعيه, وَلا يُعيد ما بَعْدَه كما لو تَرْكَ غسلَهما ناسياً حتى طال. وعند ابن حبيب: يَغسل ذراعيه, ثم يَمسحَ رأسِه, ثم يَغسل رجليه؛ لأنه إذا لم يُعِدْ مسحَ رأسِه وغَسْلَ رجليه وَقَعَ غَسْلُ يديه آخراً. ولو بَدَأَ بوجهه, ثم رأسِه, ثم ذراعيه, ثم رجليه- أَعَادَ عند ابن القاسم رأسِه فقط فيرتفعُ الخللُ. وعند غيرِه يمسحَ رأسِه, ثم يغسل رجليه. ولو بَدَأَ بوجهه, ثم رأسِه, ثم رجليه, ثم ذراعيه – فعند ابن القاسم: يُعيد مسحَ رأسِه؛ لأنه لم يَقَعْ بَعْدَ يديه, ويُعيد غسلَ رجليه أيضاً لهذه العِلة. ويتفق ابنُ القاسم وغيرُه هنا. ابن هارون: واستشكل الشيوخُ مذهبَ ابن القاسم؛ لأنه لم يَتَخَلَّصْ به مِن التنكيس. ومثالُه: لو قَدَّمَ رأسَه على غَسل يديه ثم تذكر فأنه يُعيد مسحَ رأسِه ليحصلَ له بَعْدَ اليدين, ولكنه يختلُّ عليه الترتيب لمسحِه إياه بَعْدَ الرِّجلين. قال ابن رشد: والجارى على أصلِه أنه لا شىء عليه كما لو أخلَّ بالفَوْرِ ناسياً. وأُجيب عنه بوجهين: أحدُهما أن المِنكَّسَ عنده كالمِنسِّى, فيأتى به بعد الطُّولِ. واعتُرِضَ بأنه لو جعله كالمِنسي لَلَزِم أن يُعيد [٢٠/أ] الوضوءَ في العَمْدِ, ولم يَقُلْ به. والثانى: أَنَّ إعادةَ

стр. 122

الرأسِ إنما هي لتحصيلِ الترتيبِ بينَه وبينَ اليدين؛ لأن التنكيسَ وَقَعَ بينهما, لا بينه وبين الرِّجلين لحصولِ الترتيبِ بينهما أوَلا, وهذا أيضاً معترَضٌ عليه؛ لأنه يَلْزَمُ مثلُه بالحضرةِ. ثم قال: واستُشْكِلَ قولُ ابنِ حبيب على أصلِه؛ لأن فيه الإخلالَ بالفَوْرِ, وهو عنده واجبٌ في العمدِ والنسيانِ. وقوله: (وَعَلَىَ السُّنَّةِ) يقتضى أنا لو فرّعنا على الوجوب -وخالف- أنه يبتدئ, قال في الجواهر: وكذلك روى عن مالك. لكن حكى القاضى أبو الوليد خلافاً في الترتيب: هل هو مِن شروط الصحةح وإن قيل بالوجوب- أم لا؟ فعلى هذا يُختلف في الابتداء على قولين وإن قلنا بالوجوب. انتهي. الْفَضَائِلُ: التَّسْمِيَةُ. وَرُوِيَ الإِبَاحَةُ وَالإِنْكَارُ استَشكل بعضُهم تَصَوُّرَ الإباحةِ؛ لأن الذِّكْرِ راجحُ الفِعْلِ. خليل: وأُجيب بأن مرادَ مِن أباح إنما هو اقترانُ هذا الذِّكْرِ بأوَّل هذه العبادةِ الخاصةِ, لا حصولُ الذِّكْرِ مِن حيث هو ذِكرٌ. وصيغةُ رِواية الإنكارِ: أَهُوَ يَذْبَحُ؟ ما علمتُ أحداً يَفعل ذلك. فائدة: مِن الأفعال ما شُرعت فيه التسميةُ سواءٌ كانت قُرْبَةً كالطهارةِ, أو مباحاً كالأكل. ومِنها ما لم تُشرع فيه كالأَذان, والحجِّ, والذِّكْرِ, والدعاء. ومِنها ما تُكره فيه كالمحرمات والمكروهات؛ لأن المقصود بها البركةُ, والحرامُ والمكروهُ لا تُراد البركةُ مِنهما. وَلا بأس بِعَدِّ المواضعِ التي يُبسمل فيها, فنقول على ما حَضَرَ لنا الآنَ: ركوبُ الفَرَسِ, وركوبُ السفينةِ, والأكلُ, والشربُ, والطهارةُ سواءٌ أكانت وضوءاً أو غسلاً أو تيمماً, والذَّبْحُ, والدخولُ إلى الخلاء, والخروجُ مِنه, والدخولُ إلى المسجد, والخروجُ مِنه, والدخولُ إلى المِنزل, والخروجُ مِنه, والوطءُ, وإطفاءُ المصباح, وإغلاقُ الباب, وإذا لَبِسَ ثوباً جديداً, أو

стр. 123

لَبِيساً, وعِنْدَ نَزْعِه, وعند صُعودِ الخطيبِ على المِنبر -نص عليه الشيخ أبو عبد الله بن الحاجِّ- وعند وضع الميت في لَحْدِهِ فقد استَحَبَّ ابنُ حبيب حينئذٍ أن يُقال: بسم الله, وعلى مِلَّةِ رسولِ الله. وكذلك نُصَّ على استحبابها عندَ إغماض الميت, وكذلك نُص على استحبابها عند ابتداء الطواف بأن يقول: بسم الله, والله أكبر, اللهم إيماناً بك ... إلى آخره. واَلسِّوَاكُ وَلَوْ بإِصْبَعِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ, وَالأَخْضَرُ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَحْسَنُ السواكُ فضيلةٌ لما وَرَدَ فيه مِن الأحاديثِ الصحاحِ. قال سندٌ: يَستاك قَبَلْ الوُضوء ويتمضمض بَعْدَه؛ ليَخرج بالماء ما حَصَلَ بالسواك. وفي اللخمى: هو مخيرٌ في أن يجعله عند الوضوء أو الصلاة. واستَحسن إذا بَعُدَ ما بين الوضوءِ والصلاةِ أَنْ يُعيده عِنْدَ صلاته, وإِنْ حضرتْ صلاةٌ أُخرى- وهو على طهارته تلك- أَنْ يَستاك للثانية. انتهي مختصراً. وقوله: (وَلَوْ بإِصْبَعِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ) أي أنه بغيرِ الأصابعِ أفضلُ, ولكنْ يُجزئ بأصبع. وما ذكره مِن أرجحيةِ غيرِ الأصبع- فالأمرُ عليه عند أهلِ المذهبِ, وظاهرُ كلامِ أبى محمدٍ أن الأصبعَ كغيرِه. وفُضِّلَ الأخضرُ؛ لكونه أبَلْغَ في الإنقاءِ. قال ابنُ حبيب: ويُكره السواكُ بعودِ الرُّمَّانِ والرَّيْحانِ. وَالْيَمِينُ قَبَلْ الْيَسَارِ, وَأَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ رَاسِهِ هذا هو الْمَشْهُورِ, وحكى فيه ابن رشد قوَلا بالسنية, وفي المذهب قولٌ أنه يبَدَأُ مِن مؤخِر الرأسِ, وقيل: مِن وسطِه, ثم يذهب إلى جِهة وَجْهِه إلى حَدِّ مِنابتِ شعرِ رأسِه, ثم يَرجعُ إلى قفاه, ثم يَردهما إلى حيث بَدَأَ, وهو قول أحمد بن داود.

стр. 124

وَانْفَرَدَ ابْنُ الْجَلابِ بِصِفَتِهِ, وَقَالَ: اخْتَرْتُهَا لِئَلا يَتَكَرَّرَ الْمَسْحُ. وَرُدَّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ الْمَكْرُوهَ بِمَاءٍ جَديدٍ ... صِفَةُ ابنِ الجلاب هي أن يَبْدَأَ بمقدَّمِ رأسِه فيُلْصِقُ أصابعَ يديه بمقدَّم رأسِه, ويرفعُ راحتيه عن فَوْدَيْهِ ويمرُّ بهما إلى قفاه, ثم يرفعُ أصابعَه ويلصِقُ راحتيه بفوديه, ثم يَرُدُّهما كذلك إلى مُقَدَّمِه. قال عبد الوهاب: كان ﵀ يقول: إنما اخترتُها لئلا يَتكرر المسحُ, وفضيلةُ التكرار تَختص بالغَسل. وَردَّهُ ابنُ القصار بأنَّ ذلك ليس محفوظاً عن مالكٍ وَلا عن أحدٍ مِن أصحابه, وإنما يُكره التكرارُ إذا كان ذلك بماءٍ جديدٍ. انتهي. وَأَنْ يُكَرِّرِ الْمُغْسُوَل, وَثَلاثاً أَفْضَلُ الْمَشْهُورِ أن الغسلة الثانيةَ والثالثةَ فضيلةٌ, وهو الذى يُؤخذ مِن كلامه؛ لأنه جعل الثانيةَ فضيلةً بقوله: (وَأَنْ يُكَرِّرَ الْمُغْسُولَ) ثم نَبَّهَ على أن الثلاثةَ أفضلُ مِن الاثنتين بقوله: (وَثَلاثاً أَفْضَلُ) وقيل: كلاهما سنة. وقيل: الثانية سنة, والثالثة فضيلة. والْمَشْهُورِ أن ذلك عام. وزعم بعضُ الشيوخ أنه لا فضيلةَ في تكرارِ غسلِ الرجلين, قال: لأن المقصودَ مِن غَسلِهما الإنقاءُ؛ لأنهما محلُّ الأقذارِ غالباً, ونحوُه رواه ابنُ حبيب عن مالك, نقله في النوادر. وما ذكرنا أنه الْمَشْهُورِ هو الذى في الرسالة والجلاب. وقال ابن راشد: وذكر لى بعضُ المشايخ أن الْمَشْهُورِ في الرِّجلين عَدَمُ التحديد. انتهي. وكذلك ذَكَرَ سندٌ أن الْمَشْهُورِ في الرِّجلين انتفاءُ التحديدِ. وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ نحوُه في المقدمات, وقال عبد الوهاب واللخمى والمازرى: بَلْ تُمِنعُ. ونَقَلَ سندٌ على المِنعِ اتفاقَ المذهبِ. فوَجْهُ الكراهةِ أنه مِن ناحية السَّرَفِ في الماء, ووجهُ المِنع قوله ﷺ للأعرابى الذى سأله عن الوضوء فاراه ثلاثاً فقال له: ((هكذا الوضوءُ فمَنْ زادَ فقد تَعَدَّى [٢٠/ب] وظَلَمَ)). رواه النسائى, ورواه أبو داود بنحوه.

стр. 125

ولو شك هل غسل اثنين او ثلاثاً -فقوَلان للشيوخ: قيل يأتى بأخرى قياساً على الصلاة, وقيل: لا؛ خوفاً مِن الوقوع في المحظور. وَلا فضيلةَ عن أهل المذهب في إطالةِ الغُرَّةِ. ابنُ عبد السلام: وينبغى أن يَعُدُّوها مِن الفضائل لما ثَبَتَ في ذلك. وَلا بَاسَ بِمَسْحِ الأَعْضَاءِ بالْمِنْدِيلِ نَبَّهَ على استحبابِ الشافعيةِ تَرْكَ المسحِ أو كراهتِهم له على خلافٍ بينهم فيه. وَلا تَحْدِيدَ فِيمَا يُتَوَضَّأُ بهِ وَيُغْتَسَلُ عَلَى الأَصَحِّ, وَقِيلَ: الأَقَلُّ مُدٌّ وَصَاعٌ. وَالوَاجِبُ الإِسْبَاغُ, وَأَنْكَرَ مَالِكٌ التَّحْدِيدَ بأنْ يَقْطُرَ أَوْ يَسِيلَ, وَقَالَ: كَانَ بَعْضُ مِنْ مَضَى يَتَوَضَّأُ بِثُلُثِ الْمُدِّ- يَعْنِي: مُدَّ هِشَامٍ ... لأن ذلك يختلف بحسب القَسَاوَةِ والرطوبةِ, والرِّفْقِ والخَرَقِ. الباجى: ومَن اغتسلَ بأقلَّ مِن صاعٍ, أو توضأ بأقل مِن مُدٍّ أَجْزَأَهُ على الْمَشْهُورِ. وقال الشيخُ أبو إسحاق: لا يُجزئ في الغُسل أقلُّ مِن صَاعٍ, وَلا في الوضوءِ أقلُّ مِنْ مُدِّ. انتهي. وقال ابنُ العربى: ومرادُه التقديرُ بهما في الكَيْلِ لا في الوَزْنِ, ورَأَى أَنَّ ما رواه البخارىُّ ومسلمٌ مِن وُضوئه ﷺ بمُدٍّ وتَطَهُّرِه بصاعٍ محمولٌ على الأقَلِّ. وقوله: (وَالوَاجِبُ الإِسْبَاغُ) أي التعميمُ. وأنكر مالكٌ التحديدَ, ورُوى عنه أنه قال: قَطَرَ قَطَرَ. إنكاراً لذلك, ثم الإنكارُ إنما هو لنفسِ التحديدِ؛ لأنه بغيرِ دليلٍ, وإلا فهو مع عدمِ السيلانِ مسحٌ بغير شكٍّ. قاله فضلُ بن مَسلمة. وقال ابن مُحْرِزٍ: ظاهرُ قوله أنه ليس مِنْ حَدِّ الوضوء أَنْ يَسِيلَ أو يَقْطُرَ. قال في التنبيهات: وهو خلافُ الأَوْلَى.

стр. 126

وقوله: (كَانَ بَعْضُ مَنْ مَضَى) عياضٌ: هو عباسُ بن عبد الله بن سعيد بن العباس بن عبد المطلب, بباء موحدة وسين مهملة. والشيوخُ يقولون: عياش. وهو خطأٌ. والْمَشْهُورِ أن مُدَّ هشام مُدٌّ وثلثان بِمُدِّهِ ﷺ . الاسْتِنْجَاءُ آدَابُهُ الإِبْعَادُ وَالسَّتْرُ (الإِبْعَادُ) عن أعين الناس, بحيث لا يسمع له صوت وَلا يُرَى له شخص. (وَالسَّتْرُ) أي عن أعين الناس. ابن عبد السلام: ولو استغنى بالسترِ عن الإبعادِ لكان كافياً. خليل: وفيه نظر؛ لأن الإنسان قد يستتر بجدارٍ, وَلا يكون بعيداً. وَاتِّقَاءُ الْجِحَرَةِ (الْجِحَرَةِ) جمعُ جُحْرٍ, لما قد يخرج مِنها مِن الهوامِّ فيؤذيه. وقال ابن حبيب في النوادر: ويكره أن يبول في المَهْواةِ, وَلْيَبُلْ دونها فيجرى البولُ إليها, وذلك مِن ناحية الجانِّ ومساكنِها. ابن عبد السلام: وكان ذلك سببَ موتِ سعدِ بن عُبادة ﵁. وقال سيدى أبو عبد الله ابنُ الحاجِّ: وعلى التعليل الأوَّلِ, فاختُلف إذا بَعُدَ عنها, فكُرِهَ مِنْ خِيفَةِ حشراتٍ تَنبعثُ إليه مِن الكُوَّةِ. وقيل: يُباحُ لِبُعْدِه عن الحشرات. وَالْمَلاعِنِ كَالطُّرُقِ وَالظُّلالِ وَالشَّاطِئ وَالْمَاءِ الرَّاكِدِ (الْمَلاعِنِ) جمع مَلْعَنَةٍ. وروى أبو داود, وابم ماجه, عن أبى سعيد الحِمْيَرِيِّ المصريِّ, عن معاذ بن جبَلْ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ)). وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ الناسَ يأتون إليها فيَجِدُونَ العَذِرَةَ هنالك, فيَلْعَنُونَ فاعِلَها.

стр. 127

وَإِعْدَادُ الْمُزِيلِ أي: مِن حَجَرٍ أو ماءٍ. والذِّكْرِ قَبْلَ مَوْضِعِهِ, وَفِيهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَدٍّ لَهُ. وَفِي جَوَازِه فِي الْمُعَدِّ قَوْلانِ كَالاسْتِنْجَاءِ بِخَاتَمٍ فِيهِ ذِكْرٌ ... مرادُه بالذِّكْرِ ما في الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يَقول عند الدخولِ إلى الخلاءِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخبَائِثِ)) الرِّجْسِ النَّجِسِ, الشيطانِ الرجيمِ. فقوله: (قَبْلْ مَوْضِعِهِ) أي: قبل موضِعِ الحَدَثِ. وقوله: (وَفِيهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَدٍّ لَهُ) أي: ويَذكر في المحل إِنْ كان غيرَ مُعَدٍّ لقضاء الحاجة, (وَفِي جَوَازِهِ فِي الْمُعَدِّ قَوْلانِ) ثم شبه الخلاف فيه بمسألة الاستنجاء بالخاتم فيه ذِكْرُ الله تعالى, والمعروفُ في الخاتَمِ المنعُ, والروايةُ بالجوازِ منكرةٌ. ثم المنعُ في الخاتم أقوى مِن الذِّكْرِ لِمُلامَسَةِ النجاسةِ له. وَالْجُلُوسُ, وَإِدَامَةُ السَّتْرِ إِلَيْهِ, وَلا بَاسَ بِالْقِيَامِ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ رَخْواً أي: الأفضل الجلوس. ويجوز القيام, وقد وَرَدَ في الحديث أن النبى ﷺ : ((أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِماً)). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذى. وأنكرتْ ذلك عائشةُ ﵂ وقالت: مَن حدَّثكم أن رسول الله ﷺ كان يَبول قائماً فلا تُصَدِّقُوهُ, ما كان يبول إِلَّا قاعِداً. وكأنها –والله أعلم- أنكرتْ ذلك للغالبِ مِن فِعْلِه ﷺ . قال مجاهد: ما بَالَ قَطُّ قائماً إلا مَرَّةً واحدةً.

стр. 128

وقال الخَطَّابِيُّ: إنما فَعَلَ ذلك لِعِلَّةٍ به لم يَقْدِرْ على الجلوسِ معها، وكانت العربُ تَستشفي به مِن وَجَعِ الصُّلْبِ؛ ولذلك قال بعضُهم: بَوْلَة في الحمَّامِ قائماً خَيْرٌ من فِصَادَةٍ. وقيل: إنما فَعَلَه النبيُّ ﷺ لقُرْبِ الناسِ منه، والبولُ قائماً يُؤْمَنُ معه خروجُ الصوتِ. وقيل: إنّما فَعَلَه لأنه خاف متى جَلَسَ أن يكون في السباطةِ نجاسةٌ فيَتَنَجَّسُ ثوبُه. وقوله: (وَإِدَامَةُ السَّتْرِ إِلَيْهِ) أي: فيُستحبُّ أن يُدِيمَ السترَ إلى الجلوسِ؛ لأنه أَبْلَغُ في السترِ. وقوله: (وَلا بَاسَ بِالْقِيَامِ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ رَخْواً) مُقَيَّدٌ بالبولِ، أما الغائطُ فلا يجوز إلا جالساً. وقد قسَّم بعضُهم موضعَ البولِ على أربعةِ أقسامٍ: إن كان طاهراً رِخْواً جاز القيامُ، والجلوسُ أَوْلَى لأنه أسترُ. وإن كان صَلْباً نجساً تَنَحَّى عنه إلى غَيْرِه. وإن كان طاهِراً صَلْباً [٢١/أ] تَعَيَّنَ الجلوسُ. وإن كان نَجِساً رِخواً بال قائماً؛ مخافةَ أن تَتَنَجَّسَ ثيابُه. وَلا يَتَكَلَّمُ قالوا: إلا إِذا خَشِيَ فَوَاتَ مالٍ أو نَفْسٍ. وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا إِلا لِمِرْحَاضٍ مُلْجَأً إِلَيْهِ بسَاتِرٍ أَوْ غَيْرِهِ لقوله ﷺ : "لا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا لِغَائِطٍ أو بَوْلٍ، ولكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 129

وخُصَّ قولُه ﷺ : "شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" بِمَن لم تكن قِبلتهم في المَشْرِقِ ولا في المَغْرِبِ. قال في التهذيب: ولا يُكره استقبالُ القِبلةِ ولا استدبارُها لبولٍ أو غائطٍ أو مُجامَعَةٍ إلا في الفَلَواتِ، وأمَّا في المدائنِ والقُرَى، والمراحيضِ التي على السُّطوحِ فلا بأسَ به، وإن كانت تَلِي القبلةَ. وظاهرُه جوازُ الاستقبالِ في الكَنِيفِ، وإن لم تَكن مشقةٌ بدليل جوازِ المجامعةِ ولا ضرورةَ فيها. قاله اللخميّ وابنُ رشد وعياضٌ وسندٌ. وهذا كله مخالِفٌ لمفهومِ كلامِ المصنفِ؛ لأن مفهوم قوله (مُلْجَأ) أنه لو لم يكن ملجَأً، وأمكنه الانحرافُ، أنه لا يجوز حينئذٌ الاستقبالُ ولا الاستدبارُ. نَعَمْ يُوافِقُ كلامَ المصنفِ- على نظرٍ فيه- ما في الواضحة والمختصر أنه يَجوز الاستقبالُ والاستدبارُ في الكَنِيفِ مع المشقةِ. وقد يُقال: ليس مرادُ المصنف ذلك بذكر الملجَإِ أنه لا يجوز في غيرِ الملجأ، بل أراد التنبيه على عِلَّةِ الجوازِ في المراحيضِ، وهو عُسْرُ التَّحوُّلِ. سندٌ: وظاهرُ قوله فيها: والمراحيض التي على السطوحِ. الجوازُ، وإن لم يكن ساترٌ، وعلى ذلك حَمَلَه في تهذيب الطالب، ونقل أبو الحسن تأويلاً آخر: أن ما في المدونة مَحمولٌ على السَّاتِرِ. وقال ابن بشير: الموضعُ إن كان لا مراحيضَ فيه ولا ساترَ فلا يَجوز فيه الاستقبالُ ولا الاستدبارُ، أو تكون فيه المراحيضُ والساترُ فيجلس بحسب ما تقتضيه المراحيضُ، أو يكون ذا مراحيضَ ولا ساترَ فيجلس بحسب ما تقتضيه المراحيضُ أيضاً للضرورة، أو يكون ذا ساترٍ ولا مراحيضَ ففي المذهب قولان. وسبب الخلاف: هل العِلَّةُ المُصَلُّونَ فيجوزُ بالساتِرِ، أو القِبْلَةُ فلا يجوز أصلاً؟ قال اللخمي: وعلَى مَن أَحَبَّ بناءَ ذلك أن يجعلَه إلى غيرِ القِبلةِ إلا أن لا يتيسرَ له ذلك. وقوله: (بِسَاتِرٍ) متعلق بمحذوف، أي: كان ساتراً أو غ يره.

стр. 130

فَإِنْ كَانَ سَاتِراً فَقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا بِنَاءً عَلَى الْحُرْمَةَ لِلْمُصَلِّينَ أَوْ لِلْقِبْلَةِ أي: إن كان ساتراً في غيرِ المراحيضِ- كالصحراء- ففي الجوازِ وعدمِه قولان، وتحتمل المدونةُ القولين، وقد قدّمنا نصَّ التهذيب، وهو محتملٌ للقولين كما ذكر المصنف. ومنشأُ الخلافِ هل المنعُ للمُصَلِّينَ، أي لئلا يَنظره بعضُ مَن يُصلي للقبلة؟ فإذا حَصَلَ ساترٌ جَازَ للأَمْنِ مِن عِلَّةِ المنعِ، أو المنعُ لأجْلِ حُرمِة القِبلة، وهي حاصلةٌ سواءٌ أكانَ ثَمَّةَ حائلٌ أم لا. وَالْمَشْهُورِ: وَالْوَطْءُ كَذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِلْعَوْرَةِ أَوْ لِلْخَارِجِ كذا في بعض النُّسِخِ، وفي بعضها: (والوطءُ) بحذف (الْمَشْهُورِ) وعليهما- معاً- فالوطءُ مبتدأٌ خبرُه محذوف، أي: والوطءُ كقضاءِ الحاجةِ. ومقابِلُ الْمَشْهُورِ جوازُه مطلقاً، كذلك في الجواهر. والْمَشْهُورُ ومقابلُه تأويلان على المدونة، ويبين لك هذا ما وَقَعَ في بعضِ النُّسَخِ: (والمشهور أن الوطء كذلك) ورأينا أن نَذْكُرَ لفظَ المدونة؛ لأن أبا سعيدٍ لم يَنْقُلْه على الوجهِ المرتضَى، فإنه حَذَفَ المحلَّ الذي أَخَذَ منه الأشياخُ، ولم يُبْقِ للتأويلِ محلاً. وقد قدَّمنا لفظَ أبي سعيد في المسألة التي قَبْلَ هذه. ثم نذكر كلامَ الأشياخِ ليتبين لك ما شَهَّرَه المصنفُ وغيرُه، وتَتَّضِحُ المسألةُ. ولفظُ المدونةِ: قلتُ: أَيُجامعُ الرجلُ امرأتَه مستقبلَ القبلةِ في قولِ مالكٍ؟ قال: لا أحفظُ عن مالكٍ في هذا شيئاً، وأرى أنه لا بأٍ بذلك؛ لأنه لا يرى بالمراحيض في المدائنِ والقُرَى بَاساً وإن كانت مستقبلةَ القبلةِ.

стр. 131

قال ابن بشير: لقد تعلّق بعضُ الأشياخِ باللفظِ الأولِ فأجازوه مطلقاً، وتعلّق آخرون بالتشبيه فأَلْحَقُوه بالحَدَثِ. انتهى. وكذلك ذَكر أبو الحسن الصغير هذا الكلامَ بعينِه. ونقل التأويل الثاني عن القابسي، وهو الذي شَهره المصنفُ، وهو الظاهر؛ لأن فيه اعتبارَ مجموعِ كلامِ ابن القاسم. وأما التأويلُ الأولُ فينظر فيه إلى أولِ الكلام فقط، وهو لا ينبغي، وكان عبد الوهاب يَذهب إلى حَمْلِ المدونةِ على الجوازِ مطلقاً، فإنه قال: والجوازُ مذهبُ ابنِ القاسمِ، قال: وكَرِهه ابنُ حبيب. وحكى ابنُ سابق عن ابنِ حبيب أنه قال: لا يجوزُ في صحراءَ، ولا بنيانٍ. فعَبَّرَ عنه بعدمِ الجوازِ وعمّم المنعَ، فيحتمل أن يكونَ أَطلقَ المنع وأرادَ به الكراهةَ، ويحتمل أن يكون أرادَ المنعَ حقيقةً، ويكون قولُ ابنِ حبيب اخْتَلَفَ بالمنعِ والكراهةِ، والجمعُ بين قوليه أَولى. وقوله: (بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِلْعَوْرَةِ أَوْ لِلْخَارِجِ) بناء صحيح، أي: إذا قلنا: إِنَّ المنعَ لأجل العورةِ استدبر، وإن قلنا للخارج جَاز الوطءُ مطلقاً؛ إِذْ لا خارِجَ، وهذا أحسن ما يحمل كلام المصنف عليه، والله أعلم. ابن هارون: وجعلَ ابنُ عتاب محلَّ الخلاف إذا كانا منكشفين، قال: وأما إن كانا مستورين جاز في البيان وغيرِه. وفيه نظرٌ. فرعان: الأول: قال صاحب الطراز: ولا يُكره استقبالُ بيتِ المقدس؛ لأنه ليس بقِبلةٍ. الثاني: يَجوز عندنا استقبالُ الشمسِ والقمرِ لعَدَمِ ورود النهيِ عنه. كذا قال ابن هارون. [٢١/ب].

стр. 132

وقال سيدي أبو عبد الله بن الحاج في ذكره آدابَ الاستنجاء: الثامنةُ منها: أن لا يَستقبلَ الشمسَ والقمرَ؛ فإنه وَرَدَ أنهما يَلعنانه. ومقتضى كلامِه أنه في المذهب، فإنه قال أولاً: قد ذكر علماؤنا- رحمهم الله تعالى- آدابَ التصرفِ في ذلك. وَيُسْتَنْجَى مِمَّا عَدَا الرِّيحَ قوله: (مِمَّا عَدَا الرِّيحَ) لا يخلو إما أن يُريد مِن الناقضِ أو مِن الخارج، والأولُ لا يصحُّ؛ لأنَّ مِن النواقضِ ما لا يُستنجى منه كالمَسِّ، وإِن أراد الخارجَ فليس على عمومِه، إِذْ منه ما لا يُستنجى منه كالحَصَى والدَّمِ والدُّودِ- على ما سيأتي إن شاء الله تعالى- فيُجْعَلُ الخارج صفةً لمحذوفِ، أي: مِن الحدثِ الخارجِ. والحاصلُ أنه يُستنجى مِن جميعِ الأَحْدَاثِ إلا الريحَ، وزاد بعضُهم في المستثنى الصوتَ. قال بعضهم: وما أظن يَخرج بغيرِ ريحٍ. وقوله: (مِمَّا عَدَا الرِّيحَ) أي: مِن الخارج مِن السبيلين، وفيه تنبيهٌ على مَن شَذَّ فَأَمَرَ بالاستنجاء مِن الريحِ. وقد ورد عنه ﵊: "ليسَ مِنَّا مَنِ اسْتَنْجَى مِنَ الرِّيحِ". أي: ليس على سُنَّتِنَا. رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب المتفق والمفترق في ترجمة محمد بن زياد الكلبي. وَيَكْفِي الْمَاءُ باتِّفَاقٍ وَالأَحْجَارُ وَجَوَاهِرُ الأَرْضِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ عُدِمَ الْمَاءُ لا خلافَ في المذهب- كما قال- أنَّ الماءَ يَكفي، وهو أفضلُ مِن الأحجارِ. وقولُ ابنِ المسَيّبِ: إنما ذلك وُضوءُ النساءِ. أي: الماءُ يَختصّ بالنساء؛ لتعذر الاستجمار في حَقِّهِنَّ عند البولِ- يُحْمَلُ على أَنَّه قال ذلك في مقابلةٍ مَن أنكر الاستجمارَ بالأحجارِ، فبَالَغَ في إنكارِه بهذه الصيغةِ ليمنعَه مِن الغُلُوِّ، وإن لم يُحْمَلْ على ما ذكرناه فهو مُشْكِلٌ؛ لحديث الإِدَاوَةِ خَرَّجَه الصحيحان، ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه يَدْخُلُ الخلاءَ، فأحْمِلُ أنا وغلامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِن مَاءٍ وعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بالماءِ.

стр. 133

وفي المدونة فيه: فأَخَذَ رسولُ الله ﷺ الإدَاوَةَ مِنِّي وقال: "تَأَخَّرْ عَنِّي" فَفَعَلْتُ، فاسْتَنْجَى بالماءِ. وروى النسائي والترمذي، وصححه عن عائشة ﵂ أنها قالت: مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بالماءِ- فإني أَسْتَحِي منهم- لأن رسول الله ﷺ كان يَفعله. وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] أنها نزلت في أهل قُباءٍ، وأَنَّهُ ﷺ سألهم عن الطهارةِ فأخبروه أنهم يَسْتَنْجُونَ بالماءِ. وأما قوله: (وَالأَحْجَارُ وَجَوَاهِرُ الأَرْضِ) فيعني: وتَكفي الأحجارُ وجواهرُ الأرض، أي: ما عليها مِن تراب وغيرِه. والجوهرُ عند الأصوليين موضعٌ لكل مُتَحَيِّزٍ. وقال ابن حبيب: لا تُبَاحُ الأحجارُ إلا لمن عَدِمَ الماءَ. وتأوَّلَه الباجر على الاستحبابِ، قال: وإِلاَّ فهو خلافُ الإجماعِ، والْمَشْهُورِ أظهرُ لعمومِ الأحاديثِ في الاستجمارِ. والأحجارُ عطفٌ على الماءِ، ولا يَلزم أن يكون متفقاً عليه؛ لأن الواو إنما تُشَرِّكُ في الإعرابِ ومُطْلَقِ الحُكْمِ لا في التقييد بالمجرورِ والحالِ والصفةِ، أو نجعل الأحجارَ مبتدأ وخبرُه محذوفٌ، أي: والأحجارُ كافيةٌ. وليس قوله: (تكفي الأحجار) على عمومه؛ إذ الأحجارُ غيرُ كافية في المني والمذي. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى لا خلاف في ذلك.

стр. 134

فَإِنِ انْتَشَرَ فَالْمَاءُ بِاتِّفَاقس، فَإِنْ كَانَ قَرِيباً جِدّاً فَقَوْلانِ أي: فإِنِ انْتَشَرَتِ النجاسةُ على أَحَدِ المَخْرَجَيْنِ كثيراً فلا يُجزئُ فيها الاستجمارُ، وإن كان قريباً جدّاً فقولان. ابن رشد: مبنيان على الخلاف فيما قَرُبَ مِنَ الشيءِ هَلْ يُعْطَى حُكمُه أم لا؟ وهذه القاعدةُ كثيراً ما يذكرُها الفقهاءُ، ولم أَجِدْ دليلاً يَشهد لِعَيْنِها. فأمّا إعطاؤه حكمَ نفسِه فهو الأصلُ، وأما إعطاؤه حكمَ ما قارَبَهُ فإن كان مما لا يَتِمُّ إلا به فهو واجبٌ، كإمساكِ جزءٍ من الليل فهذا مُتَّجِهٌ، وإن كان على خلافِ ذلك فقد يُحتجُّ له بحديث: "مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ" وبقوله ﷺ : "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". انتهى. وقوله: (قَرِيباً جِدّاً) أَحْسَنُ مِن قول ابن الجلاب: وما قارَبَ المخْرَجَ مما لا بُدَّ منه، ولا انْفِكَاكَ عنه- فَحُكْمُه- عندي في العفوِ- حُكْمُ المَخْرَجَيْنِ. وقال ابن عطاء الله: هو في العفوِ بخلافِه؛ لأنه إذا لم يُمْكِنُ الانفكاكُ عنه يلزمُ- على قولِ ابن عبد الحكم- تَرْكُ الاستجمارِ بالكُلِّيَّةِ. وَالْمَنِيُّ بِالْمَاءِ ابن عبد السلام: إن عَنَي به منيَّ الصِّحَّةِ- غيرَ مَنِيِّ صاحبِ السَّلَسِ- فغيرُ محتاجٍ إليه هنا؛ لا يجابِه غَسْلَ جميعِ الجسدِ، وإن عَنَى به منيَّ المَرَضِ- كمَنِيِّ صاحبِ السَّلَسِ- فلمَ لا يَكونُ كالبولِ على قولِ مَن رَأَى أنه مُوجِبٌ للوضوء؟ وقد يمكن أن يُريد القسم الأول في حق مَن كان فرضُه التيممَ لمرضٍ أو لعدمِ ماءٍ، ومعه ما يُزيل به النجاسةَ فقط. ابنُ هارون: وكذلك دمُ الحيض والنفاس، فلا معنى لتخصيص المنيِّ بذلك. وأشار القاضي عياضٌ إلى أن البولَ مِن المرأة لا بُدَّ فيه أيضاً مِن الماء؛ لتعذر الاستجتمارِ في حقَّها وكذلك قال سندٌ أن المرأةَ والخصيَّ لا يكفيهما الاستجمارُ في البول، ونقله في الذخبرة.

стр. 135

وَالْمَذْيُ مِثْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: فيتعين له الماءُ؛ لأَمْرِه ﷺ بغسل الذَّكَرِ منه- خرجه في الصحيحين- وعليه حَمَلَ العراقيون قولَ الإمامِ: والمذي عندنا أشدُّ مِن الودي. لا على ما حَمَلَه المغاربةُ مِن أنه يَجِبُ منه غَسلُ جميعِ الذَّكر. ووجهُ الشاذِّ أنه خارجٌ يَنقض الوضوءَ، فجاز الاستجمارُ منه كسائِرِ الأَحْداثِ. وَفِي مَغْسُولِهِ قَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا: جَمِيعُ الذِّكْرِ لِلْمَغَارِبَةِ، فَفِي النِّيَّةِ قَوْلانِ، وَمَوْضِعُ الأَذَى لِغَيْرِهمْ فَلا نِيَّةَ .... الضمير في (مغسلوه) [٢٢/ أ] يَعود على صاحبِ المذي، يَدُلُّ عليه السياقُ، ويَجوز أن يعود على المذي، أي: وفي المغسول له أو من أجله. وفي هذا الثاني نظر. ووجهُ احتمال المدونة للقولين؛ لأنه قال فيها: والمذي عندنا أشدُّ من الودي؛ لأن الفرجَ يُغسل عندنا من المذي، والوديُ عندنا بمنزلة البول. فقوله: (مع غسل الفرج) يحتمل أن يريد جميعَ الفرج أو بعضَه، وهو محلُّ الأذى منه، فهذا وجهُ احتمالِها للقولين. فإن قلتَ على احتمالِ غسلِ محلِّ الأذى فهو مساوٍ للودي في ذلك، فما وجهُ الأَشَدِّيَّةِ؟ فجوابه أن الودي يُجزئ فيه الاستجمارُ بخلاف المذي. والاحتمالُ الأولُ أظهرُ لحَمْلِ اللفظِ على حقيقتِه؛ ولأنه وقع في بعض نُسَخِ التهذيبِ: مع غَسل الذَّكَرِ كُلِّه. وهي على هذا لا تَحتمل إلا الاحتمالَ الأولَ، لكن قال أبو إبراهيم: ليس في الأمهات لفظة (كله) ونقلها بعضُ الشيوخِ، وأنكرها البغداديون. وبنى ابنُ بشير القولين على اختلافِ الأصوليين في الأَخْذِ بأوائلِ الأسماء أو بأواخرها؛ لأن النبي ﷺ أَمَرَه بغَسْلِ الفرجِ، والفرجُ له أولٌ وآخرٌ.

стр. 136

ابن راشد: ووَهِمَ، فإنّ الخلافَ إنما هو في الاسم الذي له مراتبُ يُطلق على كلِّ واحد منها بطريقِ الحقيقةِ كلفظةِ الدراهمِ في حقِّ مَنْ أَقَرَّ لشخصٍ بدراهمَ مثلاً، وأما ما له حقيقةٌ ويُطلق على البعض بطريقِ المجاز- فلا خلافَ فيه؛ لأن الأصلَ الحقيقةُ، وإنما مستندُ العراقيين القياسُ على البولِ. ثم الظاهرُ- على قول المغاربة- وجوبُ النية لظهور التعبد، وهو قول أبي العباس الإِبِّيَانِيّ، قال: وإن تَرَكَ النيةَ أعاد الصلاةَ. وقال ابن أبي زيد: لا يَفْتَقِرُ إلى نية؛ لأن المقصود بغسل الجميع قطعُ مادَّتِه. قال بعضُ المتأخرين: وينبغي أن يكون غَسل المذي مقارِناً للوضوءِ، ورأى أنَّ غسلَه لما كان تعبداً أَشْبَهَ بعضَ أعضاءِ الوضوء. واختُلف في بطلانِ صلاةِ مَن تَرَكَ غسلَ جميعِ الذَّكَرِ، فقال يحيى بن عمر: لا يُعيد، ويَغسل ذَكَرَه لما يُستقبل. وقال الإِبِّيَانِيّ: يُعيد أبداً. وأجراه بعضُ المتأخرين على أن غسلَ الجميعِ واجبٌ أو مستحبٌّ. وَالْجَامِدُ كَالْحَجَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وضابطُه كلُّ يابسٍ طاهرٍ مُنَقٍّ غيرِ مُؤْذٍ ولا محترمٍ، فاحتُرِزَ باليابس مِن المائعاتِ والخرقِ المبْتَلَّةِ؛ لأن الرطوبةَ تَنشر النجاسةَ، وبالطاهرِ مِن النَّجِسِ، وبمُنَقٍّ من الأَمْلَسِ كالزُّجاجِ، وبغيرِ مؤذٍ من الزُّجاجِ المُحَرَّفِ ونحوِه. وبالمحترمِ مِن جدارِ المسجد والبَعْرِ والرَّوْثِ والعَظْمِ؛ لأنه محترمٌ لحَقِّ الجانِّ. ومِن الذهبِ والفضةِ ونحوِهما لحقِّ الله تعالى. وذَكَرَ في الإكمال عن بعضِ شيوخِه أنه زاد في الشروط أَنْ يكونَ مُنْفَصِلاً؛ احترازاً مِن يَدِ نَفْسِه، لكن ذَكَرَ في الرسالة أنه يَستجمرُ بيدِه، ولفظُه: ثم يَمسحُ ما في المَخْرَجِ مِن الأَذَى بمَدَرٍ أو غيرِه أو بيدِه. وكذلك ذكر سيدي أبو عبد الله بن الحاج أنه قال: إذا عَدِمَ الأحجارَ فلا يَتْرُكُ فضيلةَ الاستجتمارِ، بل يَستجمر بأصبعِه الوسطى بَعْدَ غَسْلِها.

стр. 137

وقاسَ- في الْمَشْهُورِ- كلَّ جامدٍ على الحجرِ؛ لأنَّ القَصْدَ الإنقاءُ، ورأى في القول الأخيرِ أن ذلك رخصةٌ فيُقتصر فيها على ما وَرَدَ. والصحيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الرخصةَ في نَفْسِ الفعلِ لا في المفعولِ به، وتعليلُه ﷺ طرحَه الروثةَ لكونها رِجْساً- تقتضي اعتبارَ غيرِ الحَجَرِ، وإلا لعَلَّلَ بأنها ليستْ بحَجَرٍ. رواه الدارقطني والبخاري. وروى الدارقطني أنه ﷺ قال: "إذا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَه فَلْيَسْتَجْمِرْ بثَلاثةِ أَعْوَادٍ، أو بثَلاثَةِ أَحجارٍ، أو ثلاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرَابٍ". ولا دليل له بقوله ﷺ : "أَوَلا يَجِدُ أَحَدُكُم ثَلاثةَ أَحجارٍ"؛ لأنَّ مفهومَ اللَّقَبِ مردودٌ ولم يَقُلْ به إلا الدَّقَّاق. وَلا يَجُوزُ بِنَجِسٍ وَلا بِنَفِيسٍ وَلا بأَمْلَسَ وَلا بِذِي حُرْمَةٍ كَطَعَامٍ أَوْ جِدَارِ مَسْجِدٍ أَوْ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ ...... لام كانت الأعيانُ ضربين: منها ما يُستجمر به، ومنها ما لا يستجمر به، وكان ما لا يَجوز محصوراً ذَكَرَهُ لِيُعْلَمَ بذلك أنَّ غَيْرَهُ جائِزٌ، كقولِه ﷺ لما سُئل عمّا يَلبس المُحْرِمُ: "لا يَلبسُ القُمُصَ ولا العمائمَ، ولا السَّرَاوِيلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفَافَ". وكفِعْلِ النحويين في قولهم: باب ما لا ينصرف. قال ابن راشد: وذَكَرَ وَصْفَ النفاسةِ تنبيهاً على عِلَّةِ المَنْعِ؛ لأنّ استعمالَها في ذلك تَخْسِيسٌ لها؛ ولأنها أجسامٌ فيها مُلُوسَةٌ فتزيدُ المحَلَّ تَلْطِيخاً. ثم قال: وقول المصنف (بِنَجِسٍ) ليس على إطلاقِه، بل إذا باشر المحلَّ؛ لأنه لو كان في أَحَدِ جَنْبَيْ حَجَرٍ نجاسةٌ، جاز بالجَنْبِ الطاهرِ. وقوله: (كَطَعَامٍ) يعني: وإنْ كان مِن الأدويةِ والعقاقيرِ. قال في الإكمال: وقد تساهل الناسُ في المَسْحِ بالحِيطانِ، وهو مما لا يَجوزُ فِعْلُه؛ لِتَنْجِيسِها، ولأن للناس ضَرائِرَ في الانضمامِ إليها لا سيما عند نزولِ المطرِ وبَلَلِ الثياب. وهو كلامٌ ظاهرٌ، وعلى هذا فلا يَظهر لتخصيصِ جدارِ المسجدِ إلا الأولويةُ.

стр. 138

وقوله: (أو شىءٍ مكتوبٍ) يريد لحرمة الحروف, وتختلف الحرمة بحسب ما كتب فيه, وفي معنى المكتوب الغير مكتوبٍ لما فيه من النشاء. وَكَذَلِكَ الرَّوْثُ وَالْعَظْمُ وَالْحُمَمَةُ عَلَى الأَصَحِّ (الأَصَحِّ) راجعٌ إلى الثلاثة, أما الروثُ والعظمُ فيحتمل أن يُريد بهما إذا كانا طاهِرَين, ويحتمل [٢٢/ب] أن يريد: إذا كانا نجسين يابسين, ويحتمل أن يريد المجموعَ. وقد حكى اللخميُّ في كل منهما قولين, ويكون وجه المنع فى الطاهرين حديثَ البخاري عن أبي هريرة ﵁ حيث قال له: "لا تَاتِنِى بِرَوْثٍ ولا بعَظْمٍ". وما رواه أبو داوود أنه قَدِمَ وَفْدٌ مِن الجِنِّ على النبي ﷺ , فقالوا: يا محمد, انهَ أُمَّتَكَ أن يَسْتَنْجُوا بعَظْمٍ أو رَوْثٍ أو حُمَمَةٍ, فإنَّ الله تعالى جَعل لنا فيها رزقاً. فنهى النبيُّ ﷺ عن ذلك. قال أبو عبيد: الحُمَمَةُ: الفحمة. وقيل في تَعليل العَظْمِ لأنه لا يُنْقِي لمُلُوسَتِه, وقيل لأنه من المطعوماتِ إِذْ قد يُؤْكَلُ فى الشدائد, وقيل لأنه لا يَعْرَى عن دَسَمٍ فيزيدُ المحلَّ تنجيساً. ونَقل ابن يونس أن ابن القاسم روى عن مالك أنه كَرِهَ الاستجمارَ بالرَّوْثِ والعَظْمِ. قال فى البيان: واجمعوا على أنه لا يجوز الاستجمار بما له حُرمة مِن الأطعمةِ, وكل ما فيه رُطوبةٌ من النجاسات. وأما الحُمَمَةُ فقال المصنفُ: إن الأصحَّ فيها عدمُ الجوازِ. وقال التلمساني: إن ظاهرَ المذهبِ الجوازُ, والنقلُ يُؤيده. قال أشهب فى العتبية: سئل مالك عن الاستنجاء بالعظم والحممة, فقال: ما سمعت فيه نهياً عاماً, ولا أرى به بأساً فى عِلْمِي. وقال اللخمي: اختُلف فى العُودِ, والخِرَقِ, والفَحْمِ, وما أشبه ذلك مما هو طاهرٌ ولا حُرْمَةَ له, ولا يَتعلق

стр. 139

به حقُّ الغَيْرِ, وليس من انواعِ الأرضِ, فروى ابن وهب عن مالك إجازتَه, ومنعه أصبغُ, وقال: إنْ فَعَلَ أَعادَ فى الوقت. يُريد لأن النبى ﷺ استَعْمَلَ الأحجارَ, وأنّ للأرض تَعَلُّقاً بالطهارة, وهو التيمم. انتهى. قيل: وإنما مُنِعَتِ الحممة, لأنها تُسَوِّدُ المَحَلَّ, ولا تُزيل النجاسةَ. فَلَوِ اسَتْجَمَرَ بِنَجِسٍ أَوْ مَا بَعْدَهُ فُفِي إِعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ قَوْلانِ أى: ما ذَكَرَ بَعْدَ النجسِ مِن ذى الحُرْمَةِ, والروثِ, والقولُ بإعادته في الوقتِ لأصبغَ, والقولُ بعدمِ الإعادة لابن حبيب. قاله صاحب البيان. ونَقل عن ابن عبد الحكم أنه إن استجمر بما نُهِىَ عنه, أو بحجرٍ واحدٍ فصلاتُه باطلةٌ. ابن عبد السلام: وهو الظاهرُ عندي؛ لأن الاستجمارَ رخصةٌ, فإن لم يأتِ بمحلَّ الرخصةِ بَقِىَ على أصلِ المنعِ كالمصلي بالنجاسة. انتهى. وفيه نظر؛ لأن الرخصةَ إنما هي فى الإزالةِ, لا فى ما يُزال به؛ لأن المقصودَ الإزالةُ وقد حَصَلَتْ. واستُشْكِلَ القولُ بعَدَمِ الإعادةِ في ما إذا استَجْمَرَ بنَجِسٍ, وقد يُقال: هو مبنيٌّ على القول بأنَّ إزالةَ النجاسةِ مستحبةٌ. والله تعالى أعلم. وَصِفَتُهُ: أَنْ يَسْتَبْرِئَ بِالسَّلْتِ وَالنَّثْرِ الُخَفِيفَيْنِ وَيَغْسِلَ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَحَلَّ الْبَوْلِ ثُمَّ الآخَرَ، وَيُوَالِي الصَّبَّ حَتَّى يَنْتَقِيَ، وَلا تَضُرُّ رَائِحَةُ الْيَدِ مَع الإنْقَاءِ الضمير فى (وَصِفَتُهُ) لا ينبغي أن يَعُودَ على الاستنجاءِ؛ لأن الاستبراءَ ليس صِفَةً له, إذ هو استفراغُ ما فى المَخْرَجَيْنِ, وهو واجِبٌ. وأما الاستنجاءُ فهو مِن بابِ زوالِ النجاسةِ, ولا يَنبغي أن يَعود على الاستبراءِ لما يَلزم على ذلك مِن جعل الاستبراءِ بالسَّلْتِ والنَّتْرِ الخفيفين صفةً للاستبراءِ, وهو لا يَصِحُّ إلا بَتَجُّوزٍ, وعلى هذا فالظاهرُ عَوْدُه على فعِْلِ الفاعلِ الجامعِ للاستبراءِ والاستنجاءِ معاً.

стр. 140

وقوله: (بِالسَّلْتِ وَالنَّثْرِ) مخصوصٌ بالذَّكَرِ, ولا تحديدَ فى المرَّاتِ؛ لأن أمزجةَ الناس مختلفةٌ. وفي السليمانية: إذا استبرأتِ المرأةُ فليس عليها غَسْلُ ما بَطَنَ, وإنما عليها غسلُ ما ظَهَرَ والعاتِقُ والثَّيِّبُ في الوضوءِ واحدٌ. وقوله: (وَيَغْسِلَ الْيُسْرَى) يحتمل أن ينصب اللام مِن يغسل بالعطف على يستبرئ, ويحتمل أن يرفعَ على الاستئناف. وإنما أَمَرَ بالغَسْلِ لئلا تَعْلَقَ بها الرائحةُ. وهذا أَوْلَى مما قاله ابن أبى زيد مِن غَسل اليدينِ؛ إذ لا مُوجِبَ لغَسْلِ اليُمْنَى, وينبغى أيضاً أن يكتفى بِبَلَلِ اليُسرى, إذ المقصودُ مِن ذلك إنما هو عدمُ تعلُّقِ الرائحةِ باليَدِ, ثم يغسلُ بعدَ غَسلِ يدِه محلَّ البولِ خوفاً مِن أن يصل إليه شيءٌ مِن النجاسة أَن لو بدأ بمحل الغائط. (ثُمَّ الآخَرَ) أى الدبر (وَيُوَالِي الصَّبَّ) أى مع الاسترخاء (وَلا تَضُرُّ رَائِحَةُ الْيَدِ) لِلْحَرَجِ. وَفِي الأَحْجَارِ الإِنْقَاءُ، وَفِي تَعْيِينِ ثَلاثَةٍ لِكُلِّ مَخْرَجٍ قَوْلانِ والمطلوبُ في الأحجار– وما في معناها- الإنقاءُ, وأما الأثرُ فلا يُمكنُ زوالُه, والتقديرُ: والواجبُ أو المطلوبُ الإنقاءُ, فحذفَ المبتدأ. وقوله: (وَفِي تَعْيِينِ ...) إلى آخره, يعني أنه اختُلف في الواجب في الاستجمارِ, والْمَشْهُورِ أنه الإنقاءُ دُونَ العَدَدِ. وقال أبو الفرج وابن شعبان بوجوبِهما, واختاره بعضُهم لقوله ﷺ حين سُئل عن الاستطابةِ: "أَوَلا يجدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجارٍٍ" خَرَّجه في الموطأ. وهذا خَرَجَ بياناً لأقلّ ما يُجزئ. وقوله ﷺ : "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر" خرجه الصحيحان.

стр. 141

وأُجيب بأنَّ الأَوَّلَ إنما يدل على مفهومِ العَدَدِ, ويُمْنَعُ, ولو سُلَّمَ فإنما ذلك ما لم تعارِضْه دلالةُ المنطوقِ, وقد روى أبو داوود "ومَن استجمرَ فليُوتِرْ, من فَعَلَ فقد أَحْسَنَ, ومَنْ تَرَكَ فلا حَرَجَ". وعن الثانى بأنه محمولٌ على الندبِ جمعاً بين الأَدِلَّةِ. وعلى الْمَشْهُورِ: فهل يُطلب الوِتْرُ؟ ابن هارون: لم نرَ لأصحابِنا فيه [٢٣/أ] نصّاً, والذى سمعتُ قديماً في المذاكرات أنه يُطْلَبُ الوترُ إلى السَّبْعِ, فإِنْ لم يُنْقِ بها لم يَطلب إلا الإنقاءَ فيما زاد من غيرِ مراعاةِ وِتْرٍ قياساً على غَسْلِ الإناء مِن ولوغ الكلب. وقوله: (لِكُلِّ مَخْرَجٍ) ابن هارون: يحتمل أن يكون المعنى: ففي تعيينِ ثلاثةٍ أَوْ لا قولان, ويكون القولُ بعدم التعيين يُكتفى فيه بالحجرِ الواحدِ, وهو الْمَشْهُورِ, ويكون مقابلُ الْمَشْهُورِ –على هذا الاحتمال- قولَ ابن شعبان, وهو ظاهرُ لفظِه, ويحتمل أن يكونَ قَصَدَ ذِكْرَ الخلافِ فى تعيينِ ثلاثةٍ لكلِّ مخرجٍ, أو الاكتفاءِ بثلاثةٍ لهما معاً, وقد ذكر ابن بشير هذين القولين. وَعَلَى تَعْيينِها فَفِي حَجَرٍ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ قَوْلانِ. وَفِي إِمْرَارِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَوْضِعِ أَوْ لِكُلِّ جِهَةٍ وَاحِدٌ وَالثَّالِثُ لِلْوَسَطِ قَوْلانِ .... بناءً على الوقوفِ مع ظاهرِ اللفظِ, أو لأن المقصودَ مِن الثلاثةِ حاصلٌ, والأحسنُ أن لو قال: ثلاثة رؤوس؛ لأن الشُّعْبَةُ ما بين الرأسين. وقوله: (وَفِي إِمْرَارِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَوْضِعِ) الخلافُ في ذلك راجعٌ إلى الخلافِ في شهادةِ أيّهما أَنْقَى, وهذا إنما هو في الدُّبُرِ, وأما القُبُلُ فلا بُدَّ مِن تعميمِ المحلِّ, والقولُ الأولُ أظهرُ, ووجهُ الثانى أن المسحَ مبنيٌّ على التخفيف.

стр. 142

وَلَوْ تَرَكَهُمَا سَاهِياً وَصَلَّى فَفِي إِعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، فَقَالَ ابْن أَبي زَيْدٍ: يُريِدُ الْمَاسِحَ وَالْمُبَعِّرَ. وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ عَلَى وُجُوبِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ يُعيد أبداً، وَعَرَقُ الْمَحَلِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى الأَصّحِّ .... الضمير في (تَرَكَهُمَا) عائدٌ على الاستنجاءِ والاستجمارِ. والقولُ بالإعادة في الوقت لابنِ القاسم, وهو الجاري على الْمَشْهُورِ, وقولُ أشهب يأتي على القولِ بأنَّ إزالةَ النجاسةِ مستحبةٌ. وقد ذكره ابنُ رشد فى التقييد والتقسيم. وتأويلُ ابنِ أبي زيد غيرُ ظاهر, إذ المسحُ المخالفُ لِسُنَّةِ الاستجمارِ لا يَرفعُ حكمَ النجاسةِ. وكذلك الذي يَبْعَرُ إِنْ كان به مِن اليُبْسِ ما يَظَنُّ معه أنه لا يَلتصق به شيءٌ مِن النجاسةِ فلا وجهَ لاختصاصِ الناسي, بل وكذلك المتعَمِّدِ, وإن لم يكنْ كذلك فقد يَنْجُسُ المحلُّ, وتخريجُ اللخميِّ صحيحٌ. نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ أَحْدَاثٌ وَأَسْبَابٌ النواقضُ جمعُ ناقضٍ, وناقضُ الشيء ونقيضُه ما لا يُمْكِنُ جمعُه مَعَهُ. وعبارةُ المصنفِ بالنواقضِ أَوْلَى مِمن عبّر عنها بما يُوجب الوضوء؛ لأن الناقضَ لا يكون إلا متأخراً عن الوضوءِ بخلاف الموجِبِ فإنه قد يَسْبِقُ. وفَاعِلٌ إذا لم يكن وَصْفاً لمذَكَّرٍ عاقلٍ يجوزُ جمعُه على فواعل, كجارحٍ وجوارح, وناقض ونواقض, وطالق وطوالق, نص عليه سيبويه. قال ابن مالك فى شرح الكافية: وقد غلطَ فيه كثيرٌ مِن المتاخرين فعَدُّوه مَسموعاً, وليس كذلك. انتهى.

стр. 143

وقولُ ابنِ عبد السلام: ففى صحةِ هذا الجمع نظرٌ. وكذلك قال في مواضع في باب الفرائض: إِنْ أراد به أنه لا يَصِحُّ فقد تبين أن ذلك غلطٌ, وإن أراد أن فيه خلافاً فى العربية من حيثُ الجَمْعِيَّةِ فقريبٌ. الأَحْدَاثُ: الْمُعْتَادُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ جِنْساً وَوَقْتاً، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ وَالْغَائِطُ وَالرِّيحُ، بِخِلافِ دُودٍ أَوْ حَصىً أَوْ دَمٍ أَوْ بَوَاسيرَ ...... احترز بقوله (جِنْساً) بالمعتادِ مِن الحصى والدُّودِ, والمرادُ بالسبيلين القُبُلُ والدُّبُرُ, واحترز به مما لو خَرَجَ مِن الجَوْفِ أو مِن الحَلْقِ, وبالوَقْتِ مِنَ السَّلَسِ, وسيأتى. وقوله: (وَهُوَ الْبَوْلُ) تفسيرٌ للحَدَثِ, وجعله خمسةً: ثلاثةٌ مِن القُبُلِ, واثنان من الدُّبُرِ, وزاد بعضُهم الصوتَ, وإليه ذَهَبَ ابن رشد, والأولُ اختيارُ ابن بشير, قال: وما أظنه يَخرج بغيرِ ريحٍ. والدليلُ على حصولِ النقضِ بالخمسةِ ظاهرٌ. وقوله: (بِخِلافِ دُودٍ أَوْ حَصىً ....) إلى آخره زيادةٌ فى البيان وإلا فليستْ معتادةً. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَغَيْرُ الْجِنْسِ قال فى البيان: في هذه المسألةِ ثلاثةُ أقوال: أحدُها أن لا وضوءَ عليه, خرجتِ الدودةُ نقيَّةً أم لا, وهو الْمَشْهُورِ فى المذهب أن لا وضوء عليه إلا فيما يَخرج من السبيلين مِن المعتادِ على العادة. والثانى: أنه لا وضوء عليه إِلاَّ أن لا تخرج نقيةً. وهذا على قولِ من برى الوضوءَ فيما يَخرج مِن السبيلين مِن المعتادِ, خَرَجَ على العادة أو على غيرِ العادة. والثالث: أن عليه الوضوء, وإن خرجتْ نقيةً, وهو قولُ ابنِ عبد الحكم خاصَّةً من أصحابنا؛ لأنه يرى الوضوءَ مما يَخرج مِن السبيلين مِن المعتادات أو غيرِ المعتادات. ونقل ابنُ راشد أنه إذا صَحِبَتْهُ بِلةٌ يَنْقُضُ عند ابن نافع وابن القاسم.

стр. 144

وَقَاَلَ الْمَازِرِيُّ: وَإِنْ تَكَرَّرَ وَشَقَّ لما قدّم أنه يُشترط أن يكون معتاداً فى الوقت ذَكَرَ هذا لمخالفته لما تقدم. وظاهرُه أن المازريَّ هو المخالفَ, وليس كذلك. وإنما قال فى شرح التلقين: وقد روى عن مالك ما ظاهرُه تركُ العُذْرِ بالتكرار. ودليلُ الْمَشْهُورِ أن فى إيجابِ الوضوءِ مع التكرارِ حرجٌ, وهو منفىٌّ مِنَ الدِّينِ, ولما وَرَدَ عن عمر رضى الله عنه أنه قال: إنى لأجِدُهُ يَتَحَدَّرُ مِنِّى مثلُ الخُرَيْزَةِ, يعنى فى الصلاة. خرّجه فى الموطأ. واختُلف على الْمَشْهُورِ فى سببِ السقوطِ, فقال العراقيون: لكونه خَرج على غيرِ وجهِ الصحّة. وقال غيرهم: للحرجِ والمشقة. وهو اختيار ابن محرز. وَعَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ لازَمَ أَكْثَرَ الزَّمَانِ اسْتُحِبَّ إِلا فِي بَرْدٍ وَشِبْهِهِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَقَوْلانِ، وَإِلا وَجَبَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُفَارِقُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ اعلم أن لعلمائنا فى السَّلَسِ طريقين: طريقُ العراقيين: يُستحب منه الوضوءُ مطلقاً, ولا يُفَرِّقون. وطريقُ المغاربة: يُقسمونه على أربعةِ أقسام وهى التى ذكرها المصنف. أى: وإذا فرَّعْنَا على الْمَشْهُورِ –لا على رواية المازرى- فَلِلْخارجِ [٢٣/ب] أربعةُ أحوالٍ: تارَةً تكون ملازمتُه أكثرَ, وتارةً تَستوي مفارقتُه وملازمتُه, وتارةً تكون مفارقتُه أكثرَ, وتارةً يُلازِم ولا يُفارِق. فإن كانت ملازمتُه أكثرَ فالوضوءُ مستحبٌ. قال فى التهذيبِ وغيرِه: ما لم يَكن بَرْدٌ أو ضرورةٌ. وإن تساويا فقولان: بالوجوب, والاستحباب. ابن راشد: والْمَشْهُورِ لا يجب. ابن هارون: والظاهرُ الوجوبُ؛ لأنه لا حرجَ عليه في التَّرَبُّصِ حتى ينقطعَ فيتوضأ حينئذٍ؛ لأن الفرضَ انقطاعُه في بعضِ وقتِ الصلاةِ.

стр. 145

وقوله: (وَإِلا) أي: وإن كانت مفارقته أكثر –وهو القسم الثالث- فالْمَشْهُورِ الوجوبُ خلافاً للعراقيين في أنه عندهم مستحَبٌ. وأشار إلى الرابع بقوله: (أَمَّا إِنْ لَمْ يُفَارِقُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ) أي: في الوضوء لا إيجاباً ولا استحباباً , وهذا فى السَّلَسِ. وأما المعتادُ فلا إشكالَ فى وجوب الوضوء منه. وهذا التقسيمُ لا يَخُصُّ حَدَثاً دون حدثٍ. وقد قال الإِبِّيَانِىّ فى من بجوفِه علةٌ أو شيخٍ يَستنكِحُهُما الريحُ: إنه كالبولِ. وسُئل اللخميُّ عن الرجل إِنْ توضَّأَ انتقضَ وضوؤه, وإن تيمم لم ينتقض. فأجاب بأنه يتيممُ. ورَدَّهُ ابنُ بشير بأنه قادرٌ على استعمالِ الماءِ فهو مخاطَبٌ باستعمالِه, وما يَرِدُ عليه يُمنع كونُه ناقضاً. ابن عبد السلام: ومعنى الملازمة هنا –والله أعلم- أن يأتيه البولُ مقدارَ ثُلُثَيْ ساعةٍ مثلاً وينقطع عنه ثلثاً, ثم يأتى ثلثي ساعةٍ مثلَ ذلك, فيعمُّ سائرَ نهارِه وليلِه. وكان بعضُ مَن لقيناه يقول: إنما تُعتير ملازمتُه ومفارقتُه فى أوقاتِ الصلاةِ خاصةً؛ لأن الزمانَ الذى يُخاطب فيه بالوضوء, وهذا وإن كان فى نفسه مناسباً, لكنّه مِن الفَرْضِ النادِر. وأيضاً فإذا كان الأمرُ على ما قال فلا يَخلو وقتٌ مِن أوقات الصلاة مِن بولٍ, سواءٌ لازَمَ أكثرَ ذلك الوقتِ أو نصفَه أو أقله, فلا بُدَّ مِن وجودِ النقضِ, فيستوي مشقةُ الأقلِّ والأكثرِ, فيلزم استواءُ الحُكْمِ. انتهى. ابن هارون: وهذا هو الظاهرُ؛ لأن غيرَ وقتِ الصلاةِ لا عِبْرَةَ بمُفارقتِه وملازمتِه, إِذْ ليس هو مخاطَباً حينئذٍ بالصلاةِ. انتهى. وهذا الذى كان يَميل إليه شيخُنا –﵀ وكان يقول ما معناه: إنه لا ينبغي أن تُؤخذَ المسألةُ على عمومِها, بل يَنبغى أن تُقَيَّدَ بما إذا كان إتيانُ ذلك مختلفاً قي الوقت, فيُقَدِّرُ بذهنه أيهما أكثر فيعمل عليه, وأما إن كان وقتُ إتيانِه منضبطاً لعَمِلَ عليه, فإن كان أولَ الوقتِ أَخَّرَها, وإن كان آخرَ الوقتِ قَدَّمَها, وهو كلام حست فتأمله.
следующие страницы →