← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَنْوِ الصَّلاةَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلافِ أَنْ يُسَمِّيَ مَسْجِدَيْهِمَا ... يعني أنه قال: علي المشي إلى المدينة أو المقدس، فإن نوى الصلاة أو ذكر مسجديهما وإن لم ينو الصلاة لزمه الذهاب، وإن لم يحصل أحدهما لم يلزمه؛ لأن المشي لا يلزم إلا أن يكون ربة؛ إذ قد يراد به التجارة وغير ذلك، وإذا احتمل ذلك فالأصل براءة الذمة فلا تعمر بالشك. واستشكل شيخنا رحمة الله وابن عبد السلام عدم إلزامه؛ لأن المتبادر إلى الذهن والعرف إنما يقصد هذان المكانان للصلاة في مسجديهما، فكان ذكر البلدين كذكر المسجدين لدلالة الملزوم على لازمه. قال شيخنا رحمة الله: وكيف يطيب على نفس مسلم أن يأتي المدينة ولا يصلي في مسجد نبيه، ولا يسلم على وسيلته ووسيلة أبيه آدم ﵊ [٢٥٥/أ]. وَإِذَا نَذَرَ هَدْياً مُطْلَقاً، فَالْبَدَنَةُ أَوْلَى، وَالْبَقَرةُ وَالشَّاةُ تُجْزِئُ قوله: (وَإِذَا نَذَرَ هَدْياً مُطْلَقاً) يحتمل أن يريد به من غير تعيين، ويحتمل أن يريد به سواء كان معلقاً أو لا، وما ذكره المصنف من أن البدنة أولى والبقرة الشاة تجزئ نص عليه في المدونة في الحج الثاني، ووقع في كتاب النذور أن من قال: إن فعلت كذا فعلي هدي، فإن نوى شيئاً فهو ما نوى وإلا فعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت النفقة رجوت أن تجزئه شاة، ورجعها مالك وقال: البقر أقرب شيء بالإبل، واختلف الشيوخ في الموضعين فذهب اللخمي إلى أن ذلك اختلاف قول، ويخرج من كل واحدة قول في الأخرى، وأشار إلى أنه يمكن أن يجري فيها الخلاف ايضاً من الخلاف فيمن قال: علي صوم شهر وصام بغير الهلال هل يلزمه ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون؟ وهذب جماعة إلى أنه وفاق واختلف هؤلاء على مذهبين، حمل التونسي ما في النذور على الاستحباب، وفرق بعضهم بينهما بأن هذه يمين والتي في كتاب الحج بغير يمين، فلذلك كانت أخف.

стр. 1472

ابن يونس: وقيل: بل ذلك اختلاف قول، ولا فرق بين ما عقد بيمين أو كان نذراً، وقد نقل أبو محمد هذه؛ أي: ما في النذور. وإن قال: علي هدي، ثم ذكر الجواب فدل على أنهما عنده سواء، وكذلك في كتاب محمد وهو الصواب فاختار أنهما اختلاف كاللخمي، ووقع في بعض النسخ: (وإذا نذر هدياً مطلقاً فقولان) وهي ظاهرة مما ذكرناه. فَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَقَصَّرَ عَنْهَا فَالْمَشْهُورُ: بَقَرَةٌ، فَإِنْ قَصَّرَ عَنْهَا فَالْمَشْهُورُ: سَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَالْمَشْهُورُ: أَنَّ صِيَامَ سَبْعِينَ يَوْماً لا يُجْزِئُهُ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقاً فَعَجَزَ، وَعَلَى الصِّيَامِ فَفِي تَخْييرِهِ فِيهِ وَفِي إِطْعَامِ سَبْعِينَ مِسْكِيناً قَوْلانِ أي: وسواء كان نذره معلقاً أم لا فإنه يلزمه أن يهدي بدنة، فإن لم يجد بدنة ففي المدونة تجزئ بقرة لما قاله الخليل: البقر من البدن. وقال ابن نافع: لا يجزئه. اللخمي: وهو أحسن لأن الناس لا يعرفون البدن إلا من الإبل، فإن لم يجد البقرة ففي المدونة تجزئ سبع من الغنم أي سبع شياه؛ لأن البقرة لما كانت تجزئ عن سبع على قول بعض العلماء عادلت سبعاً من الغنم. وفي الموازية: إن لم يجد بقرة فعشر من الغنم، قال في المدونة: فإن لم يجد الغنم لضيق وجده فلا أعرف في هذا صوماً إلا أن يحب فليصم عشرة أيام فإن أيسر يوماً كان عليه ما نذره. وقد قال مالك فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها: إن الصوم لا يجزئه إلا أن يشاء أن يصوم، فإن أيسر يوماً أعتق. فهذا مثله وهذا معنى قوله: (فَالْمَشْهُورُ: أَنَّ صِيَامَ سَبْعِينَ لا يُجْزِئُهُ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقاً فَعَجَزَ). ولمالك في الواضحة: إن لم يجد الغنم صام سبعين يوماً. زاد أشهب في الموازية: أو أطعم سبعين مسكيناً كل مسكين مدّاً، وإن وجد شاة أهداها وصام ستين يوماً وإليه أشار بقوله: (وَعَلَى الصِّيَامِ فَفِي تَخْييرِهِ فِيهِ وَفي إِطْعَامِ سَبْعِينَ مِسْكِيناً قَوْلانِ). ولم يذكر المصنف فيمن نذر عتقاً وعجز غير مذهب المدونة أنه لا يصوم، وفيها قولان آخران:

стр. 1473

أولهما: لابن المواز: إن شاء الصوم صام عشرة أيام. وثانيهما: أن يصوم شهرين لأنهما عوض عنها في الظهار وقتل النفس وكفارة اليمين، وأن الصيام فيها ثلاثة أيام؛ لكنه لما كانت الكفارة في اليمين على التخيير لم تتحقق العوضية فيه بين الصيام والرقبة. وَإِذَا نَذَرَ هَدْياً مُعَيَّناً وَهُوَ مِمَّا يُهْدَى وَيَصِلُ وَجَبَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بَاعَهُ وَعُوِّضَ مِنْ جِنْسِهِ إِنْ بَلَغَ أَوْ أَفْضَلَ عَلَى الأَصَحِّ ... إذا نذر هدياً معيناً، وهو مما يهدي كالإبل والبقر والغم وكان يصل، وجب بعينه، يريد: وهو له لما سيأتي، قال في المدونة: والبقر لا تصل من إفريقية ولا من مصر، فإذا خاف على هذه الهدايا لا تبلغ لبعد سفره أو لغير ذلك باعها وابتاع بثمنها هدياً بثمن الغنم غنماً وبثمن البقر بقراً، وجاز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً؛ لأنها لما بيعت صارت كالعين ولا أحب شراء الغنم بثمنها حتى تقصر عن ثمن بعير أو بقرة ويشتري ذلك في مكة أو موضع يصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخلها إلى الحرم، وإلى هذا أشار بقوله: (وَعُوِّضَ مِنْ جِنْسِهِ إِنْ بَلَغَ أَوْ أَفْضَلَ). ابن عبد السلام: وظاهر المدونة: أن شراء الإبل بثمن الغنم آكد من شراء الإبل بثمن البقر؛ لقوله في بدل الإبل بالغنم: لا أحب، وفي بدل البقر بالإبل: جائز. واستحسن اللخمي أنه لا يعوض بثمن الغنم بدنة إلا إذا كان الغنم أقل من سبعة، إلا ألا يجد الغنم فجائز أن يعوض الثماني والتسع بالبدنة. وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) أشار بمقابله إلى ما حكاه ابن بشير أن عليه أن يشتري من نوع الأول، ولا يخالف إلى الأفضل.

стр. 1474

بِخِلافِ فَرِسٍ يَنْذُرُهُ فِي السَّبِيلِ فَيَتَعَذَّرُ إِيصَالُهُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُجْعَلُ فِي مِثْلِهِ هُنَاكَ لاخْتِلافِ الْمَنَافِعِ ... أي: فلا يجوز أن يشتري بثمنه إذا لم يصل غير جنسه من سلاح أو كراع، ولو كان الاحتياج إلى الغير أكثر. وفرق في المدونة بمثل ما فرق به المصنف وهو أن المقصود من الهدي شيء واحد وهو اللحم للتوسعة [٢٥٥/ب] على الفقراء، ولحم الإبل أكثر، بخلاف منفعة الفرس والسلاح فإنهما متباينان. التونسي: وقيل: يجعل الثمن فيما كان أنكى للعدو. وَالسَّبِيلُ: الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ فِي السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ بخِلافِ جُدَّةَ، فَإِنْ قَصَّرَ عَوْضَ الأَدْنَى .... أي: من جعل شيئاً في سبيل الله فلا يعدل به عن جهاد العدو وحراسة المسلمين بالسواحل كطرابلس وعسقلان بخلاف جدة فليست بثغر. قال في المدونة: لأن العدو لم ينزل بها إلا مرة واحدة، وهو مقيد بما إذا كان حالها اليوم كحالها في الزمان المتقدم، وذلك لأن الثغر في الاصطلاح هو موضوع للمكان المخوف عليه العدو، فكم من رباط في الزمان المتقدم زال عنه هذا الوصف في زماننا وبالعكس. وقوله: (فَإِنْ قَصَّرَ عَوَّضَ الأَدْنَى) أي: الثمن في مسألة الهدي أو الجهاد عن شراء المثل، فإنه يعوض الأدنى ولا خلاف في ذلك. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُهْدَى بَاعَهُ وَعَوِّضَ بثَمَنِهِ، وَقِيلَ: أَوْ قَوَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ كالثوب والفرس. وقوله: (بَاعَهُ وَعَوَّضَ بثَمَنِهِ) هو مذهب المدونة؛ لقوله فيها: فليبعه. والقول بأنه يقومه على نفسه مذهب العتبية وهو ظاهر المدونة في كتاب الحج وموضع آخر من

стр. 1475

النذور؛ لقوله: أخرج ثمن ذلك. واختلف الأشياخ في فهم الموضعين، فذهب أكثرهم إلى أنه اختلاف قول، وذهب جماعة إلى أنه وفاق، ثم اختلفوا. ففي البيان: ما في العتبية مفسر لما في المدونة، وأشار هو وغيره إلى أنه ليس من باب شراء المرء صدقته؛ لأن القصد في الهدي الثمن؛ لأنه مما لا يهدي عينه بخلاف الصدقة فإنه قد يتصدق بذلك الشيء بعينه. وحمل بعض القرويين ما وقع من جواز إخراج القيمة على أنه كان بيمين وما وقع من بيعه على أنه بغير يمين؛ لأن الحالف غير قاصد للقربة بخلاف غيره، ورده ابن يونس بأن الحالف إذا قال: إن فعلت كذا فعلي كذا، يقصد أيضاً بما نذره القربة إن فعل فلم يكن بينهما فرق، ورده أيضاً عياض بأنه قد ذكر في الموازية عن مالك روايتين من غير يمين، فدل على أنه لا فرق بين المعلق بيمين وغيره. فرع: قال في المدونة: فإن لم يبعه وبعثه فلا يعجبني ويباع هناك ويشترى به هدي، فلعل الكراهة لأن فيها إيهام تغيير سنة الهدايا، أو لأن ذلك في سلع تساوي في بلدها أكثر من مكة. وَفِي الْمَعِيبِ قَوْلانِ: بعَيْنِهِ، وَكَالثَّانِي أي: إذا قال: لله علي أن أهدي هذه البدنة العوراء أو ما لا يجوز في الهدايا، فقال أشهب: يخرجه بعينه؛ لأن السلامة إنما تطلب في الواجب المطلق، وقال ابن المواز: بل يبيعه ويشترى بثمنه هدياً سالماً وهو مراده بقوله: (كَالثَّانِي) أي: كالقسم الثاني وهو مما لا يهدي، وعلى هذا فيختلف هل له أن يمسكه ويخرج قيمته، أو يتعين بيعه كما تقدم؟ ويحتمل أن يريد: الثاني في القسم الأول، وهو الذي لا يصل والمعنى واحد، وهذا الخلاف مقيد بما إذا نذر معيناً، وأما إذا كان غير معين، فوافق أِهب ابن المواز على أن عليه هدياص سالماً.

стр. 1476

التونسي: والأشبه في غير المعين أنه لا يلزمه نذر هدي ما لا يصلح أن يكون هدياً كمن نذر صلاة في وقت لا يجوز أن يصلي فيه، وكالصحيح فيمن نذر صوم أيام الذبح أو سنة بعينها أنه لا يقضي أيام الذبح. وقال اللخمي: أرى المعين وغيره سواء، فإن نذر وهو يظن أن ذلك يجوز لم يكن عليه غير ما ألزم نفسه، فيبيع المعين ويخرج قيمة ما في الذمة على أنه معيب فيشتري بذلك سليماً إن يبلغ أو يشارك به، وإن كان عالماً أن ذلك لا يجوز كان نذراً في معصية معيناً كان أو مضموناً، ويستحب له أن يأتي بسليمة ليكون كفارة كما في نذره نحر ولده. فَإنْ قَصَّرَ عَنِ التَّعْوِيضِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيهَا أَيْضاً: يَبْعَثُهُ إِلى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يَشْتَرِكَ مَعَهُمْ أَحَدٌ؛ لأَنَّهُ وَلايَةٌ مِنْهُ ﷺ إِذْ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ أَهْلُ الْحَرَمِ بالثَّمَنِ، وَقِيلَ: يُشَارِكُ بِهِ فِي هَدْيٍ .... يعني: فإن قصر ثمن ما لا يُهدَى كالعبد، أو فضل من ثمنه ما لا يبلغ ثمن هدي. ونص التهذيب: فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي وأدناه شاة قال مالك: يبعثه إلى خَزَنَة الكعبة ينفق عليها، وقال ابن القاسم: أحب إلي أن يتصدق به حيث شاء. ومنه تعلم أن قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَصَدَّقُ بهِ) ليس بجيد؛ لإيهامه وجوب الصدقة، وأشعر قول المصنف أيضاً بأن قول ابن القاسم في المدونة أيضاً وفي قول مالك إشكال، ولعل ذلك هو الموجب لنسبة ذلك إلى المدونة؛ إذ الكعبة لا تنقض فتبنى، ولا يكسوها إلا الملوك، ويأتيها من الطيب ما فيه كفاية، وهي إن كانت تكنس فمكانسها من خوص قبل الكنس تساوي فلساً وبعد الكنس تساوي الدراهم، فلم يبق إلا أن تأكله الخزنة، وليس هو من قصد الناذر [٢٥٦/أ] في شيء، لكن في الموازية ما يدفع هذا الإشكال فإنه قال بعد قوله (يُنْفَقُ عَلَيْهَا): فإن لم تحتج إليه الكعبة تصدق به. وساقه ابن يونس على أنه تقييد، وهو كذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 1477

قوله: (وَأَعْظَمَ مَالِكٌ ... إلخ) استطراد لا تعلق له بالنذر، وهو كذلك في المدونة. ومعنى أن يشترك فيها؛ أي: في خدمتها والقيام عليها؛ لأنه روي أنه صلى الله عيه وسلم عام الفتح انتزع المفاتيح من يد عثمان بن طلحة، فنزل قوله تعالى: (إِنْ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا ([النساء: ٥٨]، فاستدعاه ودفع إليه المفاتيح، وقال:"هي لكم يا بني عبد الدار خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم". والتشريك نوع من الانتزاع فلذلك منعه مالك. قوله: (وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بهِ أَهْلُ الْحَرَمِ) هو لأصبغ ونصه عند ابن يونس. وقال أصبغ: أحب إلي أن يتصدق به على أهل مكة خاصة، به قال اللخمي قال: لأن الهدي لو بلغ تصدق عليهم بلحمه، والقول الرابع الذي حكاه المصنف لم أره، لكن اللخمي قال: لو قيل به لكان وجهاً. فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَالْمَنْصُوصُ: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إِلا أَنْ يُرِيدَ: إِنْ مَلَكَهُ فَيَلْزَمُهُ إِنْ مَلَكَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ... أي: فإن كان الذي التزمه لغيره سواء كان مما يهدي كبعير فلان أو لا كعبده، وهكذا ذكر المسألة في المدونة، ولأنه لو لم يحمل كلام المصنف على العموم لزم أن يكون في كلامه قصور؛ لأنه لم يتعرض للكلام على إهداء ما للغير إلا هنا، والمنصوص مذهب المدونة وغيرها؛ لما في مسلم من قوله ﷺ : "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم". وقوله: (على المنصوص) لم أتحقق ما أشار إليه من مقابله، ولعله مخرج من الحر بجامع عدم الملك، وإن أراد هذا فقد فرق التونسي بينهما بأن عبد الغير لما كان يصح بيعه ويهدي ثمنه، فكأنه أراد أن يهدي ثمنه وهو غير مالك له، بخلاف الحر فإنه لما لم يصح تملكه فكأنه قصد فيه الهدي. وفرق ابن يونس بأن الحر قد جاءت فيه سنة قياساً على ما جاء في إبراهيم مع ولده عليهما الصلاة والسلام، أما إن نوى: إن ملكته فهو هدي فإنه يجزئ على الخلاف في تعليق الطلاق بالزوجية، والعتق بالملك، والمشهور اللزوم.

стр. 1478

وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُمْلَكُ كَالْحُرِّ فَالْمَشْهُورُ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ نَذْراً لِمَعْصِيَةٍ وَكَأَنَّهُ رَآهُ عُرْفاً ... أي: إذا قال: لله علي أن أهدي فلاناً، أو علق ذلك على شرط، فالمشهور عليه هدي. التونسي: وقيل: لا شيء عليه لأنه نذر معصية، ولم يذكره ابن بشير على أنه خلاف وإنما قيد به المشهور فقال بعد المشهور: وهذا إذا كان قصده الالتزام فظاهر، وإن كان قصده بنذره المعصية فينبغي ألا يلزمه، وإن لم يكن له قصد فيجري على الخلاف المتقدم في عمارة الذمة بالأقل، أو بالأكثر. انتهى. ونص اللخمي على أن من قال: أنا أنحر ولدي، بمعنى أقتله أنه لا شيء عليه. خليل: وعلى هذا فالمسألة على ثلاثة أوجه: إن قصد الهدي والقربة لزمه ذلك بالاتفاق، وإن قصد المعصية لم يلزمه ذلك باتفاق، واختلف الشيوخ حيث لا نية، والمشهور: عليه الهدي، ونحو هذا لأبي الحسن، وعزي الشاذ لابن عبد الحكم. وقوله: (وَكَأَنَّهُ رَآهُ عُرْفاً) توجيه للمشهور؛ أي: إنما لزمه في المشهور وإن كان ظاهر لفظه المعصية؛ لأن رأى أن قوله: لله علي أن أهدي فلاناً حقيقة عرفية في التزام الهدي. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْهَدْيَ وَالْتَزَمَ نَحْرَ حُرٍّ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيّاً فَالْمَشْهُورُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيباً وَذَكَرَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَوْ مَكَّةَ أَوْ مِنىً ونَحْوَهَا لَزِمَهُ هَدْيٌ وَإِلا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَرَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: فِيمَنِ الْتَزَمَ نَحْرَ قَرِيبٍ مُطْلَقاً قَوْلانِ .... أي: إذا لم يذكر لفظ الهدي بل قال: لله علي أن أنحر فلاناً، فإن كان المنذور نحره أجنبياً لم يلزمه شيء على المشهور، والفرق للمشهور بين هذه والتي قبلها أن ذكر الهدي في الأولى قرينة في إرادة القربة، بخلاف هذه فإن لفظه ظاهر في المعصية. وإن كنا قريباً ففيه تفصيل إن ذكر مقام إبراهيم أو مكة أو منّى.

стр. 1479

ابن بشير: أو يذكر موضعاً من مواضع مكة أو منّى لزمه هدي لقرينة ذكره هذه المواضع، فإنها تدل على القرية عرفاً، وإن لم يذكر هذه المواضع فلا شيء عليه كما قال المصنف. وقوله: (وقيلَ: تلزمه كَفَّارَةُ يَمِينٍ) أي: سواء ذكر هذه المواضع أم لا. وهذا القول أيضاً في المدونة، ففيها: ومن قال: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي. فحنث فعليه كفارة يمين، وقاله ابن عباس، ثم رجع مالك فقال: لا كفارة عليه ولا غيرها إلا أن ينوي به وجه الهدي فعليه هدي. ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعت منه، والذي سمعت منه: إذا لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال: عند مقام إبراهيم فليهدِ، فذكر فيها ثلاثة أقوال. واختلف الشيوخ في محل الخلاف، فقال صاحب تهذيب الطالب: لم يختلف قول مالك متى نوى وجه الهدي أنه لزمه الهدي، واختلف قوله إذا لم تكن له نية، فقال مرة: عليه كفارة يمين، وقال مرة: لا شيء عليه، وعلى هذا فيقيد قوله الأول: "عليه كفارة [٢٥٦/ب] يمين" بما إذا لم يرد وجه الهدي. وقال أبو عمران في تعاليقه: أعرف أنه إنما اختلف قول مالك في الذي ينذر نحر ولده فيمن لم تكن له نية، قال مرة: عليه الهدي، وقال مرة: لا هدي عليه، وأما إن نوى الهدي فعلي الهدي بالاتفاق، وهكذا كلام عبد الحق، غير أن أحد القولين في كلام عبد الحق: وعليه الكفارة. وأَلْحَقَ عبدُ الحق ذِكْرَ المقامِ بِنيَّةٍ. وكلام اللخمي يقتضي وجود الخلاف مطلقاً سواء نوى الهدي أم لا ذكر المقام أم لا؛ لأنه قال: إن أراد نحر ولده فلا شيء عليه، وإن أراد أن يجعله هدياً وقال ما يدل على ذلك، فقال: عند مقام إبراهيم أو عند الصفا أو المروة، كان عليه عند مالك هدي وقال مرة: كفارة يمين، فإن قلت: إنما فرض المسألة في المدونة في التعليق وكلام المصنف أعم وقد نص بعض القرويين على أنه إنما يلزم الهدي في التعليق.

стр. 1480

وأما إن قال: علي نحر ولدي أو لله علي نحر ولدي، فلا شيء عليه لأنه نذر في معصية، إلا أن يقصد به وجه القربة فيلزمه هدي، وكذلك في كتاب الأبهري قيل: مختار ابن يونس خلافه وأنه لا فرق بين المعلق وغيره، قال: والصواب ألا شيء عليه إلا أن ينوي به وجه الهدي؛ لأن من قال: إن فعلت كذا فعلي شرب الخمر، أو قال: لله علي شرب الخمر ألا شيء عليه في ذلك. وقد علمت بكلام اللخمي معنى قول المصنف. وقال اللخمي: فيمن التزم نحر قريب مطلقاً قولان. ولولا كلامه المتقدم لأمكن أن يحمل الإطلاق على أنه لا فرق في ذلك بين المعلق وغيره. وعلى هذا فيتحصل في المسألة خمسة أقوال: أولها: أن عليه كفارة يمين إلا أن ينوي الهدي، وهو الأول في المدونة على ما ذكره عبد الحق. الثاني: أن عليه كفارة يمين لو نوى الهدي على ما حكاه اللخمي. ثالثها: إن ذكر المقام فعليه هدي، وإلا فلا شيء عليه، وهو القول الذي استحسنه ابن القاسم. رابعها: إن لم يذكر المقام فعليه كفارة يمين، وهو القول الذي سمعه ابن القاسم. خامساً: الفرق بين المعلق وغيره، وما ذكره من التفرقة بين القريب وغيره نحوه لابن بشير وغيره. وقال الباجي: إذا قال لابنه أو أجنبي في يمين: لله علي أن أنحرك، فحنث فإن علق ذلك بمكان النحر كأن يقول: أنحرك عند مقام إبراهيم، أو عند البيت أو المسجد، أو بمنى أو بمكة، فروى ابن حبيب عن مالك عليه الهدي، وإن لم يسمِّ شيئاً ونوى الهدي لزمه، وإن لم ينو فروايتان: إحداهما: لا شيء عليه، والأخرى: كفارة يمين، وبها قال أصبغ. وقال عبد الوهاب: من نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه الهدي.

стр. 1481

وإن نذر نذراً مجرداً يقصد به القربة فلا شيء عليه، ففرق بين اليمين والنذر وليس بالبين. انتهى. فلم يفرق بين الأجنبي والقريب، وانظر قوله: فإن علق ذلك بمكان الذبح وعده المقام، فإنه مخالف لما قاله ابن هارون: أن المراد بمقام إبراهيم قصته في التزامه ذبح ولده وفدائه بالهدي، لا مقام مصلاه. ابن عبد السلام: وحيث أمرناه بالهدي في هذه المسألة، فقيل: إنه من الإبل، فإن لم يجد فمن البقر، فإن لم يجد فمن الغنم، وقيل: يكتفي بكبش، واختاره ابن شعبان. فرع: قال في الموازية: ولو قال لعدة من ولده: "أنا أنحركم" كان عليه أن يهدي عن كل واحد هدياً، وقيل: هدي واحد لجميعهم. أصبغ وغيره: والأول أحب إلينا. وَإِذَا الْتَزَمَ هَدْياً لِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَفْعَلْهُ لأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ قال في المدونة: وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ هَدْياً ذَبَحَهُ مَكَانَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يَجْوزُ نَقْلُهُ إِلَيْهِمْ المشهور مذهب المدونة؛ لأن في نقله إليهم شبهاً بسوق الهدايا، والشاذ لمالك في الموازية وبه قال أشهب؛ لأن إطعام مساكين أي بلد طاعة ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، وأشار بعضهم إلى أنه يجوز ألا ينحر شيئاً ويطعم المساكين لحماً يكون قدره قدر لحم الجزور، وهو ظاهر لأنه لا قربة في النحر. وَمَنْ نَذَرَ هَدْيَ بَدَنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ شِرَاؤُهَا، وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ وهو ظاهر إذا اشتراها من مكة، فلابد أن يخرجها إلى الحِل.

стр. 1482

وَمَنِ الْتَزَمَ صَدَقَةَ جَمِيعِ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ اتِّفَاقاً، فَلَوْ أَخْرَجَهُ فَفِي مُضِيِّهِ قَوْلانِ، وَيَلْزَمُهُ الثُّلُثُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُجْحِفْ بهِ تبع المصنف في حكايته الاتفاق. ابن بشير: وليس كما قالاه وإنما هو المشهور سواء حلف بذلك ابتداء أو علق ذلك. وفي البيان عن ابن وهب: لزوم الجميع، والقول بأنه لا يلزمه أن يُخرج إلا ما لا يضر به إخراجه لسحنون. وقال ابن حبيب: إن كان كثير اليسار أخرج ثلث المال وإن كان قليل المال فربع العشر، وإن كان عديماً فكفارة يمين، وقاله أيضاً ابن وهب. وربما استظهر القول بلزوم الجميع لأن الصدقة بالجميع طاعة؛ لإقراره ﷺ أبا بكر على ذلك. وهذا إنام هو إذا التزم جميع المال للفقراء، أما لو قال: مالي صدقةٌ على فلان بعينه، ففي النوادر: يلزمه. ونقله صاحب النكت عن بعض القرويين في باب الهبات. أصبغ: وإذا قال مالي لله فيخرج [٢٥٧/أ] ثلثه للصدقة فقط. وإن قال في عبده فمخرجه العتق، وإن قال في سبيل الله أو لسبيل الله فمخرجه الغزو والجهاد خاصة. وتخرج ثلث العين والطعام والرقيق إلا أن ينوي العين خاصة. وقوله: (فَلَوْ أَخْرَجَهُ فَفِي مُضِيِّهِ قَوْلانِ). ابن عبد السلام: يعني: فلو أراد إخراج الجميع من غير نذر ولا التزام بل عزم على إخراجه فمنهم من أقره على الصدقة بالجميع كما أقر النبي ﷺ أبا بكر على ذلك، ومنهم من قال يكفيه الثلث كقضية كعب بن مالك. وقال ابن راشد: يعني: وإذا فرعنا على المذهب فأخرجه عن نذر ففي مضيه قولان حكاهما المصنف بناء على تعلق حق الغير به لصيرورته بيده، أو يبطل لأنه فعل ممنوع. وقال شيخنا ﵀: معناه إعطاؤه لمن ينبو عنه في تفرقته ولم يفرقه بعد فقولان منشأهما: هل يد نائبه كيده فلا ينفذ أو لا؟ وكأنه حصل في يد الفقراء، وكلام ابن راشد هو الذي يؤخذ من كلام ابن بشير، والله أعلم.

стр. 1483

وَلَوْ عَيَّنَ شَيْئاً أَوْ جُزْءاً أَوْ كَثِيرَاً لَزِمَهُ وَإِنْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ: عَبْدِي هَدْيٌ وَلا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَالِي، وَبَيْنَ: ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِي، وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَا لِي أي: إذا عين شيئاً لزمه أني خرجه ولو أتى على جميع ماله على المشهور، ومقابل المشهور رواية عن مالك: لا يلزمه إلا الثلث. وهو مذهب ابن نافع وأصبغ. وحكى اللخمي عن سحنون أن قال في هذه المسألة أيضاً: لا يلزمه إلا ما لا يجحف به. وقوله: (بين: عبدي) أي: فيلزمه، (وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَالِي) فلا يلزمه غير الثلث، (وَبَيْنَ: ثَلاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِي) فيلزمه، (وَبَيْنَ: جَمِيعُ مَا لِي) فلا يلزمه إلا الثلث. قال في النكت: والفرق بين أن يسمي شيئاً بعينه من ماله صدقة أو هدياً أن يخرج جميعه وإن كان ذلك ماله كله، وبين أن يقول مالي ولا يعين شيئاً أنه يجزئه الثلث- أن الذي عين قد أبقى لنفسه شيئاً ولو ثيابَ ظاهرِه أو ما لا يعلمه كميراث لم يعلم به، وأما الذي قال مالي فلم يبق لنفسه شيئاً وأدخل ثياب ظهره وما جهله أو علمه من ماله، فكان هذا من الحرج المرفوع، فوجب قصره على الثلث. انتهى. والشاذ هنا هو الظاهر، والله أعلم. وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ تَفْرِقَةُ الثُّلُثِ مِنْ نَفْلٍ أَوْ هَدْيٍ فَفِي كَوْنِهِ مِنَ الثُّلُثِ قَوْلانِ يريد: إذا قال: مالي هدي، أو حلف بصدقة ماله فحنث، وقلنا يلزمه الثلث فاحتاج إلى أن يبعث به، فقال ابن القاسم في العتبية: ينفق عليه من ماله. قاله مالك. ذلك وقيل من الثلث. ابن راشد: ولم يختلف إذا قال ثلث مالي أن النفقة عليه منه، والفرق بينهما إذا قال مالي، فالأصل أن يخرج الجميع فلما أرخص له في الثلث وجب أن يخرج جميع الثلث، بخلاف قول ثلث مالي فلا يلزمه غيره. انتهى. والذي في ابن يونس وغيره بعد أن حكى القولين في الوجه الأول: ولو قال ثلث مالي هدي فلا خلاف أنه ينفق عليه من ماله حتى يبلغه. قال: والصواب ألا فرق بين

стр. 1484

ذلك. وعلى هذا فإطلاق المصنف ليس كما ينبغي. وقوله: (أَوْ هَدْيٍ) فيه حذف مضاف؛ أي: من سوق هدي أو نحو ذلك. وَلَوْ قَالَ: مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ رِتَاجِهَا أَوْ حَطِيمِهَا فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لأَنَّ الْكَعْبَةَ لا تُنْقَضُ فَتُبْنَى، بخِلافِ مَالِي فِي كِسْوَتِهَا أَوْ طِيبهَا فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الثُّلُثَ إِلَى الْحَجَبَةِ فَيَصْرِفُونَهُ .... هذا كله في المدونة، قال فيها: والرتاج الباب، والحطيم ما بين .... المقام. وفسر ابن حبيب الحطيم بما بين الركن الأسود والباب إلى المقام؛ لأنه يحطم الناس. أبو محمد: فعلى تفسير ابن حبيب ذلك كله حطيم الجدار من الكعبة والفضاء الذي بين البيت والمقام اليوم. عياض: وقوله فيمن جعل ماله في طيب الكعبة يدفع إلى حجبتها يدل على جواز تطيبها وتطييب المساجد وتجميرها؛ إذ لو لم يكن طاعة لما لزمه أن يفي بنذره، وقد فُعل هذا في الصدر الأول واستمر على ذلك عمل المسلمين وعلى الخلوق فيها، والأصل في ذلك تطييبه ﷺ موضع النخامة في مسجده. وقول مالك: "الصدقة أحب إلي مما يجمر به المساجد" ليس على تضعيفه وكراهته لكن لترتيب فضل أعمال البر بعضها على بعض في الجر. وما ذكره المصنف من قوله: (فلا شيء عليه) هو المشهور. وروي عن مالك أن عليه كفارة يمين. ونقل في الاستذكار عن القاضي إسماعيل بن أبي أويس أنه روي عن مالك أنه يلزمه إخراج ثلث ماله. وقال ابن حبيب: أرى أن يسأل، فإن نوى أن يكون ماله للكعبة فيدفع ثلثه للخزنة يصرفونه في مصالحها، فإن استغنت عنه بما أقامه السلطان من ذلك تصدق به، وإن قال: لم أنوِ شيئاً ولا أعرف لهذه الكلمة تأويلاً، فكفارة يمين أحب إلي، وسواء كان ذلك في ندر أو يمين.

стр. 1485

وقوله: (بِخِلافِ مَالِي فِي كِسْوَتِهَا أَوْ طِيبِهَا) ظاهر التصور. والظاهر أن في زماننا يتصدق بذلك؛ لأن الملوك تكفلت بالكعبة ولا يتركون أحداً يكسوها، والحجبة لا يؤمنون في الغالب، وكذلك قال ابن راشد، وهو يؤخذ مما قدمناه على الموازية، والله أعلم. وَإِذَا تَكَرَّرَ مَا يُوجِبُ [٢٥٧/ ب] الثُّلُثَ فَإِنْ كَانَ بُعَيْدَ إِخْرَاجِهِ أَخْرَجَ ثَانِياً وَثَالِثاً ابن زرقون: ولا خلاف في هذا في المذهب. وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَفِي إِجْزَاءٍ ثُلُثٍ وَاحدٍ قَوْلانِ الضمير في (قَبْلَهُ) عائد على الإجزاء. والقول بأنه ليس عليه إلا ثلث واحد رواه ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وهو في الموازية. وقال ابن القاسم: يخرج عن اليمين الأولى ثلث ماله ثم ثلث ما بقي عن اليمين الثانية. وبه قال أشهب ومحمد بن المواز. ثم قال ابن القاسم: يخرج ثلثاً واحداً ويجزئه. وقاله ابن كنانة. الباجي: وإذا قلنا يكفيه ثلث واحد، فقال يحيى عن ابن القاسم: سواء كانت أيمانه في أوقات مختلفة أو أيمان مختلفة فحنث فيها في وقت واحد أو حنث حنثاً بعد حنث فليس عليه إلا ثلث واحد. ابن عبد السلام: واختلف الشيوخ لو كانت اليمين الثانية قبل الحنث في الأولى هل يدخل في ذلك القولان، أو يتفق على وجوب ثلث واحد. وَإِذَا زَادَ مَالُهُ بَعْدَ الْحِنْثِ وَاليَمِينِ فَثُلُثُ الأَوَّلِ، فَإِنْ نَقَصَ فَثُلُثُ الآخَرِ. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى حِنْثٍ ... كما إذا حلف ومالُه ألفُ حنث وماله ألفان فلا يلزمه إلا ثلث الألف، وهذا بين إن كانت الألف الثانية من فائدة. قال في البيان: واختلف إذا حنث وقد زاد بولادة أو تجارة ففي العتبية ليس عليه أن يخرج ثلث النماء، ومثله في الواضحة وغيرها لابن القاسم وهو صحيح لأنه على بر، وقال ابن القاسم: لا يدخل الولد في اليمين إذا كانت يمينه على بر،

стр. 1486

وإن كان قد قال مالك أنهم يدخلون. وفي المبسوط لابن دينار أن ربح المال يدخل في الصدقة ولا يدخل الولد في اليمين بالعتق. قال في البيان: ولو عكس ذلك لكان أشبه من أجل الاختلاف في اليمين بصدقة المال. انتهى. وأما إن نقص فإن كانت يمينه على بر فلا يلزمه إلا ثلث ما بقي اتفاقاً، وكذلك إن كانت على حنث على المشهور فقال ابن المواز: يلزمه إخراج الثلث مما نقص إن كان النقصان بسببه. ابن حبيب: وأما إن نقص من أمر من الله دون تفريط فلا خلاف أنه لا يلزمه إلا ثلث ما بقي. وحكى في الجواهر فيما إذا أنفقه بعد الحنث عن أشهب أنه لا شيء عليه ولا يتبع به ديناً، قال: وقال ابن القاسم يضمن إذا أنفقه أو ذهب منه كزكاة فرط فيها حتى ذهب المال. وقال سحنون: إذا فرط في إخراج الثلث حتى هلك المال ضمن. وفي الواضحة: من حلف بصدقة ماله فحنث ثم ذهب ماله باستنفاق فذلك دين عليه، وإن ذهب بغير سببه فلا يضمن ولا يضره التفريط متى أصابه ذلك. وَفِي رَدِّ الزَّوجِ الثُّلُثَ فِي يَمِينِ الْجَمِيعِ قَوْلانِ يعني: إن حلفت الزوجة بثلث مالها فليس لزوجها عليها كلام. واختلف إذا حلفت بجميع مالها، فالمشهور له رد الجميع. وقيل: ليس له إلا رد ما زاد على الثلث. وستأتي هذه المسألة في باب الحجر إن شاء الله. * * *

стр. 1487

الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعٍ الجهاد لغة: التعب، ومنه الجهد وهو المشقة. وشرعاً: هو تعب خاص، وهو مقاتلة العدو. وكان على الكفاية لأن المصلحة تحصل بالبعض. قال في الكافي: وفرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية. ابن عبد السلام: والصواب لو قال على الجمهور موضع الإجماع، فقد حكي عن ابن المسيب، وابن شبرمة وغيرهما أنه فرض عين. وحكي عن سحنون أنه سنة وليس بفرض. انتهى. وما حكاه عن ابن المسيب كذلك حكاه المازري. والذي حكى اللخمي عن ابن شبرمة ليس بفرض. والذي لسحنون في كتابه ابنه: كان الجهاد فرضاً في أول الإسلام وليس اليوم بفرض، إلا أن يرى الإمام أن يغزو طائفة فيجب أن يطيعوه، ويكون جهازهم من بيت المال. وإذا تأملته تجده لا يدخل على السنية؛ لأن قوله: وليس اليوم بفرض. يحتمل أن يريد بفرض عين وهو الظاهر؛ لأنه كان في أول الإسلام فرضاً على الأعيان. المازري- بعد أن نقل عن سحنون كما ذكرنا-: وحكي عن سحنون أيضاً أنه قال: كان في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين وهو الآن مرغب فيه. وأشار إلى أنه يمكن أن يؤول على من بعدت داره عن موضع الجهاد وقام به في بعض المواضع من يكفي. وقد ذكر في المقدمات أنه قال: الآن فرض كفاية بإجماع كما قال المصنف. والله أعلم.

стр. 1488

وَقَدْ جَاهَدَ رَسُولُ اللِه ﷺ فِي الثَََّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ غَزْوَةَ بَدْرٍ، ثُمَّ أُحُدٍ، ثُمَّ ذَاتِ الرِّقَاعِ، ثُمَّ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ بَنِي النَّضِيرِ، وَمُرَيْسِيعٍ وَفِيهَا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَّةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا، ثُمَّ خَيْبَرَ وَاعْتَمَرَ فِيهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ فَتْحِ مَكََّةَ وَفيهَا نَزَلَ عَلَى حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، ثُمَّ تَبُوكَ وَهِيَ الأَخِيرَةُ، وَفِيهَا تَخَلََّفَ الثََّلاثَةُ وَجَمَاعَةٌ، وَفِيهَا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ [٢٥٨/ أ]- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ ﷺ فِي الْعَاشِرِ وَتُوُفِّيَ بَعْدَ حَجِّهِ ... تبع في هذا ابن بشير، ومقصدهما بذلك بيان مرتبة الجهاد في الدين؛ لمواظبته ﷺ عليه. واعلم أن المصنف- رحمه الله تعالى- إذا عطف بثم فالمراد سنة ثانية، وإن عطف بالواو فهو مع ما قبله في سنة واحدة. وقوله: (فِي الثَََّانِيَةِ) أي: في السنة الثانية. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ وَفِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ حَتَّى يَكْتَفُوا وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الإِمَامُ مُطْلَقاً ... يعني: أن الجهاد وإن كان فرضاً على الكفاية فهو يتعين في حالين: الأولى: أن ينزل العدو بقوم وفيهم قوة عليهم. ابن راشد: ولا خلاف أعلمه فيما ذكره المصنف. قال في الكافي: ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم الخروج. قوله: (فَإِنْ عَجَزُوا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ) يريد: ما لم يخف من يليهم معرة العدو، فإن خافوا ذلك بأمارة ظاهرة فيلزموا مكانهم، قاله سحنون. والحال الثانية: أن يعين الإمام طائفة فيتعين عليها. قوله: (مُطْلَقاً) يحتمل تعينوا أم لا. ويحتمل جاوره العدو أم لا. ويحتمل كان من أهل الجهاد أم لا. كالعبد والمرأة فإنهما حينئذ يلزمهما الخروج، نص عليه ابن شاس. ويحتمل كان له مانع من أحد أبويه أو رب الدين أم لا. ويحتمل أن يريد جميع ذلك. فرع: ويسقط وجوب الجهاد بالعجز الحسي وبالموانع الشرعية.

стр. 1489

أما العجز الحسي: فكالصبا، والجنون، والأنوثة، والعمى، والعرج، والمرض، والفقر- أعني العجز عن السلاح، والركوب عند الحاجة إليه، ونفقة الذهاب والإياب- ولا يسقط بالخوف من المتلصصين؛ لأن قتالهم أهم. أبو إسحاق: وقطعة الطريق أحق بالجهاد من الروم. وأما الموانع الشرعية: فكالرق، ومنع صاحب الدين، ومنع الوالدين. أما الرقيق فليس له جهاد دون أم سيده. وليس لرب الدين المنع بالدين المؤجل ععن الجهاد ولا عن سائر الأسفار، فإن كان يحل في غيبته وكل من يقضيه، وإن كان حالاً ولا يقدر على قضائه فله السفر بغير إذن رب المال. وللوالدين المنع ولا يبلغ الجد والجدة أن يلحقا بهما، وسفر العلم الذي هو فرض عين ليس لهما منعه منه، فإن كان فرض كفاية فليتركه في طاعتهما. ولهما المنع من ركوب البحار والبراري الخطرة للتجارة، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع. والأب الكافر كالمسلم فيما عدا الجهاد من ذلك. وقال سحنون: وكذلك لهما المنع من الجهاد، إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا الإسلام. وَالْقُوَّةُ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ ضِعْفَهُمْ فَمَا دُونَهُمْ عَدَداً. وَقِيلَ: قُوَّةً وَجَلَداً لما ذكر أن القوة شرط في تعيين الجهاد أخذ يفسرها، فذكر فيها قولين. والقول باعتبار العدد لابن القاسم وجمهور الأصحاب. ابن عبد السلام: وهو المعروف. والقول باعتبار الجلد لابن الماجشون، ورواه عن مالك، واختاره ابن حبيب. والأول أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ([الأنفال: ٦٦] الآية. ولم تفرق الآية بين كافر وكافر. وأيضاً فإن الإنسان قد يقاتل من لم يعاينه إلا حين القتال، فكيف يعلم منزلة من لم يخالط في الشجاعة. اللخمي: ولا أراهم يختلفون أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض في القوة أنهم مخاطبون بالعدد. يريد أن هذا الاتفاق مما يقوي القول الأول؛ لأنه إذا حمل اللفظ في هذه الصورة على الحقيقة وجب حمله في سائر الصور على ذلك. ولا يقال

стр. 1490

أن المصنف فسر القوة بالقوة في القول الثاني، لأنه لما قرن القوة الثانية بلفظ الجلد صار كأنه فسر القوة في الآية بالشدة والجلد. والله أعلم. تنبيه: يستثنى على المشهور من اعتبار العدد ما إذا لم يؤمن أن يكثر الكفار. الباجي: وأما إذا كان الكفار في بلادهم وحيث يخاف تكاثرهم فإن للعدد اليسير أن يولوا عن مثلهم؛ لأن فرارهم ليس من العدد اليسير. فَيَحْرُمُ الْفِرَارُ إِلا مُتَحَرِّفاً أَوْ مُتَحَيِّزاً الفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إن حصلت القوة فيحرم الفرار. وهو من الكبائر عند مالك وأصحابه. ابن القاسم: ولا تجوز شهادة من فر من الزحف. ولا يجوز الفرار وإن فر إمامهم؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ([الأنفال: ١٦]. ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفاً، فإن بلغ اثني عشر ألفاً لم يحل الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقوله ﷺ : "لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة". فإن أكثر أهل العلم خصصوا بهذا الحديث عموم الآية. وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه، وهو قوله للعمري العابد إذ سأله: هل لي سعة في ترك مجاهدة من غيَّر الأحكام وتركها؟ إن كان معك اثنا عشر ألفاً مثلك فلا سعة لك في ذلك. انتهى. والمتحرف: هو أن يرى من نفسه الانهزام وليس هو مقصده حتى يتبعه العدو [٢٥٨/ ب] فيرجع عليه، وهو من أحد مكائد الحرب. والتحيز: هو الرجوع إلى الأمير أو جماعة بشرط القرب. مالك: وأما إن بعد الأمير والجيش منه فلا يجوز ذلك. قال صاحب النوادر: وفي الموازية لا يجوز لأحد الانحياز إلا عن خوف بين، وعن جيش مستطيع، أو ضعف من السلطان. وأما عن أمن متناصف

стр. 1491

وفي الغلبة مطمع فلا، ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم، ولهم سعة في أن يثبتوا لقتال أكثر من الضعفين والثلاثة بأضعاف كثيرة وهم يجدون مصرفاً عنهم، فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا فأحب إلي أن ينصرفوا إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يجدوا فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا، فمن احتسب نفسه على ذلك فهو الشهيد، ومن ثبت حتى قتل ولم يجد مصرفاً فإنه يرجى له فضل الشهادة كما قال عمر. وروي عن مالك الكراهة لذلك. انتهى. واختلف قول مالك في إقدام الرجل على العدد الكثير والجيش الذي يوقن أنه يقتل بشرط أن يؤثر فيهم بالجواز والكراهة. قال في البيان: والصحيح الجواز. ابن عبد السلام: والظاهر من قوله أن ذلك إنما يسوغ بشرط أن يعلم ذلك الواحد من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها نكاية العدو وإن قتل، ويشترط أن يخلص النية لله تعالى لا لإظهار شجاعة، وإن كان كذلك حصل منه إرهاب العدو، وهما إحدى فوائد الجهاد، ولم يكن من إتلاف النفس بغير فائدة. وَيَجِبُ مَعَ وُلاةِ الْجَوْرِ أَيْضاً عَلَى الأَشْهَرِ. القولان في المدونة، والأشهر هو الذي رجع إليه مالك ارتكاباً لأخف المفسدتين، لأن الغزو معهم إعانة على جورهم، وترك الغزو معهم خذلان للإسلام. ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون لا بأس به وإن لم يوفوا بعهد ولا يضعوا الخمس موضعه. ابن المواز: ولا يجوز خروج جيش إلا بإذن الإمام. وسهل مالك لمن يجد فرصة من عدو قريب أن ينهضوا إليهم بغير إذن الإمام، ولم يجز ذلك السرية ويحرمهم ما غنموا. سحنون: إلا أن تكون جماعة لا يخاف عليها فلا يحرمهم. يريد: وقد أخطؤوا. قيل: والخلاف في الجهاد مع ولاة الجور إنما هو إذا كان معهم من يقاتل، وإلا فيجب عليهم بالاتفاق.

стр. 1492

فرع: روى عيسى عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده، هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم وأما غيره فلا، فدعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. وَفِي وُجُوبِ الدَّعْوَةِ ثَلاثُ طُرُقٍ: الأُولَى: تَجِبُ فِيمَنْ بَعْدَهُ. وَالثَّانِيَةُ: ثَالِثُهَا الأُولَى. وَالثَّالِثَةُ: رَابِعُهَا تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ الآمِنِ ... تصور كلامه لا يخفى عليك. وذكر ابن بشير الأقوال الأربعة، قال: واختلف الشيوخ في ضبط المذهب. فذكر الطرق الثلاثة التي ذكرها المصنف. ابن عبد السلام: إلا أن جعل هذا الخلاف في الوجوب لا تساعده الروايات إذا تأملت ألفاظها، وإنما يقولون: يدعى العدو إن بعدت داره أو على حالة ما، وهو محتمل للاستحباب، وربما صرحوا بذلك، والذي لم نشك فيه أنا إذا لم نعلم حال العدو وهل بلغته الدعوة أم لا كانت الدعوة مستحبة؛ لأن الغالب بلوغها إليه، وإن انضاف إلى ذلك رجاء الإجابة وجبت. اللخمي: واتفق على وجوبها في حق من لم تبلغه. وهي في حق من بلغته على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة. والواجبة: إذا غلب على ظننا أنهم إذا دعوا أجابوا، وكان جيش الكفار لا طاقة لهم بالمسلمين. والمستحبة: إذا شك هل يجيبوا أم لا. والمباحة: إذا علم أنهم لا يجيبون. والممنوعة: إذا كان بالمسلمين قلة ويخشى بالدعوة على المسلمين، ولا يشك في سقوطها إذا عاجلونا. المازري: وفي المدونة: الأمر بدعاء السلامة غير قتالهم، وهو يحسن على القول بأن الدعوة يؤمر بها وإن كان عالماً؛ لأن السلابة مسلمون وهو عالمون بأنهم ظالمون.

стр. 1493

تنبيه: هذا الخلاف في الروم، وأما القبط، ففي المدونة: لا يقاتلون ولا يبيتون حتى يدعوا ولم ير أن دعوة الإسلام قد بلغتهم. ابن يونس: يريد أنهم قوم لا يفقهون، فكأنه رأى أنهم لم يفقهوا ما يدعون إليه فرأى أن يدعوا وتبين لهم الدعوة؛ لا كما قيل: إنما ذلك لأن مارية القبطية أم ولده ﷺ ، وأنكر ذلك بعض الناس وقال: القبط من أحذق الناس، وإنما العلة فيهم أنه كان لهم عهد فركبوا بالظلم وتداول الملوك ذلك من أهل الجور فنقضوا ما كانوا عليه من العهد، فلذلك لم يقاتلوا حتى يدعوا ويخبرون أنهم يردون إلى ما كانوا عليه، ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط. فرع: فإن قوتل من لم تبلغه الدعوة قبلها فقتلوهم وغنموا أموالهم وأولادهم، فمذهبنا أنه لا شيء على المسلمين من دية ولا كفارة. المازري: وهو مذهب [٢٥٩/ أ] أبي حنيفة. وقال الشافعي: فيه الدية، وحجتنا أن النهي عن قتالهم قبل الدعوة لا توجب مخالفته الدية؛ كقتل النساء والصبيان. وحكى المازري عن بعض أصحابنا البغداديين: أنه لو ثبت لنا أن هذا المقتول متمسك بكتابه وآمن بنبيه حسبما اقتضاه كتابه، ولكنه لم يعلم ببعثته ﷺ فقتل قبل الدعوة فإن فيه الدية. وَهِيَ أَنْ يَدْعُوَا إِلَى الإِسْلامِ أَوْ الْجِزْيَةِ ليس هو مخير كما هو ظاهر كلامه، بل يدعون أولاً إلى الإسلام فإن أبوا فإلى الجزية. التونسي: وفي الواضحة: إذا وجبت الدعوة فإنما يدعون إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، وكذلك الجزية جملة بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا فتبين لهم. وذكر اللخمي وغيره: أن صفة الدعوة تختلف وكلها راجعة إلى أن

стр. 1494

يدعى إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفر. ونص اللخمي على أن الكافر إذا أقر بالألوهية والرسالة، ثم أنكر الإقرار بالصلاة، أو بالزكاة، أو بالصوم، أو بالحج كان على حكم المرتد، فإن رجع وإلا قتل. وذكر المتيطيعن مالك وابن القاسم وغيرهما: أن إسلام الكافر لا يصح إلا بعد إقراره بفروع الشريعة، وأنه إذا أقر بالوحدانية والرسالة ثم رجع أنه يؤدب ويشدد عليه، وإن أبى لم يكن عليه شيء، قال: وبه أخذ ابن عبد الحكم، وبه القضاء والعمل. وحكى ما ذكره اللخمي عن أصبغ قال: وإن اغتسل لإسلامه ولم يصل إلا أنه أحسن إسلامه ثم رجع عن إسلامه، فإنه يؤخذ بالصلاة فإن صلى وإلا قتل. قال ابن القاسم: ولا يقتل حتى يصلي ولو ركعة واحدة. ولا يُسْتَعَانُ بِالْمُشْرِكِينَ فِي الْقِتَالِ إِلا أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً أَوْ خَدَماً لقوله جل ثناؤه: (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ([النساء: ٨٩] ولما في الصحيح من قوله ﷺ لليهودي الذي اتبعه: "ارجع فلن أستعين بمشرك" واختلف إذا خرج الكفار من تلقاء أنفسهم، فظاهر ما في سماع يحيى أنهم لا يمنعون. وقال أصبغ: يمنعون أشد المنع. وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونُوا نَوَاتِيَةً أَوْ خَدَماً) نحوه في المدونة. وينبغي أن تقيد النواتية بما إذا كانوا تبعاً لغيرهم. ابن حبيب: ويستعملون في رمي المجانيق وهدم الحصون. قال: ولا بأس أن يقدم من سالمه من بحذاء عسكره وقربه ما لم يكونوا في داخل عسكره، وكره بعض أهل المدينة رميهم بالمجانيق قال في الجواهر: وتجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادة، وبالمراهقين إن كانت فيهم قوة.

стр. 1495

وَلا بَاسَ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاعِدُ لِلْخَارِجِ جُعْلاً وهُمَا من دِيوَانٍ وَاحِدٍ، مَضَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ .. يعني: إذا عين بعثاً فأراد بعض من أمر بالخروج أن يجعل جعلاً، جاز بشرط أن يكونا من ديوان واحد. مالك في المدونة: لأن عليهم سد الثغور، وربما خرج لهم العطاء، وربما لم يخرج. قال فيها: ولا يعجبني أن يجعل لمن ليس معهم في ديوان ليغزو عنه، وقد كره مالك لمن في السبيل إجارة فرسه لمن يرابط عليه أو يغزو عليه، كمن بعسقلان وشبهها، فهو إذا أجر نفسه أشد كراهة. وكان مالك- ﵀ أشار إلى أن الأصل منع هذه الإجارة؛ لكونها إجارة مجهولة، وإنما أجاز ذلك إذا كانا من ديوان واحد؛ لأن على كل واحد منهما ما على الآخر فليست إجارة حقيقة، وما ذكرناه من عدم الجواز إذا لم يكونا من ديوان واحد كذلك صرح به التونسي، قال هو وابن يونس وغيرهما: ولا يخرج أحد عن أحد إلا بإذن الإمام ولو كان الثاني أشجع؛ لأن الإمام قد يرى من سماه أولى. التونسي: أما إذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة فأعطى بعضهم لبعض على أن يخرج عنه، فقال الإمام: إذا أخرج جاز ذلك؛ لأن الإمام لم يسم أحداً، ولو قال: يخرج جملة بعث أهل الصيف، فأراد بعضهم أن يجعل لمن يخرج في الربيع لم يجز إلا بإذن الإمام؛ لأنه قد عين من يخرج فلا يخرج غيره إلا بإذنه، وينبغي إذا أتاه من يقوم مقامه ألا يكلفه الخروج؛ إذ لا ضرر عليه في ذلك، وهذا جائز إلا لمن وقف نفسه لهذا يلتمس الزيادة فمتى وجدها خرج، فمكروه. ولا يُسَافَرُ بِالنِّسَاءِ إِلَيهِمْ إِلا فِي جَيْشٍ كبيرٍ آمِنٍ، ولا يُسَافَرُ بِالْمُصْحَفِ إِلْيَهَا بِحَالٍ .. إنما لم يسافر بالنساء إليهم خشية أن ينال المرأة العدو، إلا في جيش كبير آمن؛ لأن الغالب حينئذ السلامة، وقد ثبت أنه ﷺ كان يسافر في الغزو ببعض

стр. 1496

نسائه؛ وقالت الربيع بنت معوذ: كنا نغزو مع الرسول ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم ... الحديث. والأمن مع النبي ﷺ موجود ومفهوم. وقوله: (إِلَيهِمْ) جواز السفر بهن في أرضنا كالثغور وليس على إطلاقه؛ بل قيد ذلك سحنون بالمواضع المأمونة الكبيرة [٢٥٩/ ب] كالإسكندرية وتونس، وشك في صفاقس وسوسة ومثله لمالك. مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون ولم يسافر بالمصحف إليهم بحال خوفاً من أن يناله العدو، والفرق بين المصحف والنساء، أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به بخلاف المرأة فإنها تذكر نفسها؛ ولأن النهي في المصحف عام. ففي الموطأ: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وذلك مخافة أن يناله العدو. وقال في الاستذكار: هكذا قال يحيى وأكثر الرواة. وقال ابن وهب عن مالك في آخره: خشية أن يناله العدو. ولم يجعله من قول مالك؛ وهو بلفظ مرفوع صحيح، وكذلك رواه جماعة. ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى الملك أن يبعث إليه مصحفاً ليتبدره، فلا ينبغي لأنه نجس؛ هكذا نقل صاحب النوادر وابن يونس. ونقل الباجي عنه عدم الجواز وهو مقتضى التعليل. ابن الماجشون: ولا بأس أن يقرأ الرجل القرآن على الكفار ويحتج عليهم به. وقال في الاستذكار: واختلفوا في تعليم الكفار القرآن، فأجازه أبو حنيفة. وكذلك الفقه رجاء أن يرغبوا في الإسلام. وقال مالك: لا يعلم القرآن ولا الكتاب، وكره رقية أهل الكتاب، واختلف فيها قول الشافعي. وكره مالك وغيره أن يعطي الكافر درهماً فيه آية من القرآن؛ ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة، وإنما اختلفوا فيها إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى، ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى، وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان. انتهى.

стр. 1497

ابن عبد السلام- بعد أن ذكر قول مالك وأبي حنيفة-: وأجاز الجميع أن يقرأ عليهم القرآن، وأن يبعث إليهم بالكتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة. وَإِذَا تَسَاوَتِ الأَحْوَالُ عِنْدَ الْمَغْلُوبِ فِي الْعَطَبِ، فَالْمَشْهُورُ: جَوَازُ الانْتِقَالِ وَلَوْ رَجَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ .. قال في المدونة: وإذا حرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من موت إلى موت، وهو أحد قولي ربيعة. قال: وإن صبروا فهو أكرم. ومقابل المشهور لابن القاسم في الموازية: أنه لا ينتقل واختاره ابن المواز؛ لأن في انتقاله سبباً لقتل نفسه، وبه قال ربيعة في أحد قوليه. وقوله: (وَلَوْ رَجَا أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ) أي: فلو رجا النجاة في أحد تلك الأحوال وجب وهو ظاهر، وكذلك عبر ابن بشير بالوجوب. وعبارة المتقدمين في هذه المسألة: فله ذلك. وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم أيخرجون للقتال، أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً؟ قال: بل يخرجون إلى القتال أحب إلي. ابن سحنون: فلو بلغ بهم الجوع حتى لا يقدروا على القتال، فإن طمعوا في الأسر مفاداة أو نجاة وقد عرف ذلك من العدو، فليخرجوا إليهم، وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً وعطشاً. التونسي: ولم يبح لهم الخروج، ولعل ذلك أروح لهم. وقد اختلف في المركب من المسلمين يلقي الروم عليها النار، هل يثقل الرجل نفسه ليغرق؟ وكأنه اعترض عدم جواز الخروج؛ لأن القتل صبراً أهون من الصبر للجوع، وقد يجاب عن هذا بما قاله ابن عبد السلام. الشافعي: إنه إذا كانت إحدى الطائفين في الحالتين يطول بقاؤه معها أكثر، تعين الانتقال إليها وهو ظاهر؛ لأن حفظ الحياة واجب ما أمكن. وروى أبو الفرج عن مالك: لا حرج على من أظله العدو في البحر أن يلقي نفسه فيه.

стр. 1498

اللخمي: وليس بالبين، ولا أرى يلقي بنفسه مع رجاء الأسر؛ لأنه قدم الموت على الحياة مع الأسر، واستشكار اللخمي ظاهر، وهذه الرواية مخالفة لما تقدم، إلا أن يأول أن العدو إذا أسروه لا يبقوه. وَإِذَا اؤْتُمِن الأَسِيرُ طَائِعاً لَمْ تَجُزِ الْخِيَانَةُ، وإِلا جَازَت ويَمْلِكُهُ، وكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَيَاتِي بِمَالِ غَيْرِهِ، ولا يُخَمَّسُ يدخل في قوله: (وإِلا جَازَت) صورتان: إذا لم يؤتمن، أو اؤتمن مكرهاً، وكذلك قال ابن بشير. وفي اللخمي: لا يهرب ولو كان مكرهاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر بالمسلمين والتضييق على من بأيديهم من الأسارى ويرون أن المسلمين لا يوفون بالعهد. وتكلم الأصحاب هنا على ما إذا اؤتمن على نفسه أو مال، والظاهر أن المصنف إنما تكلم على المال؛ لأن ذلك المتبادر من لفظ الأمانة؛ ولقوله: (ويَمْلِكُهُ) فإن الملك لا يكون إلا في المال. واختلف في النفس والمال. فقال سحنون: عليه أن يؤدي أمانته في نفسه وماله. وفي البيان عن المخزومي وابن الماجشون: له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ويقتلهم وإن ائتمنوه، فإن أحلفوه فلا حنث عليه؛ لأن أصل يمينه الإكراه. ونقل ابن عبد السلام وغيره عن مالك: أنه يهرب بنفسه لا بماله، وكذلك نقهل في الكافي عن مالك، وقال: عليه أن يخرج ويكفر عن يمينه إن لم يكره عليها، وإن أكره فلا كفارة عليه، قال: وهو الصحيح. وفرق ابن المواز، فقال: إن كان ذلك بعهد ووعهد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدقة فلا يلزمه ولا حنث عليه فيه لأن مكره. وقاله ابن القاسم وزاد: وللأسير أن يسرق من مال العدو [٢٦٠/ أ] ولا يعاملهم بالربا. وقال أشهب: إن دفعوا إليه ثوباً يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه؛ لأنه اؤتمن عليه.

стр. 1499

ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة، أو زنىً، أو خيانة، أو ربا. فلا شيء عليه في السرقة، وأحب إلي أن يتصدق بقدر ما أربى به، أو خان، إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه، فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد عليه أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع، وقاله أصبغ، وسواء زنى بحرة أو مملوكة. وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته. قوله: (ولا يُخَمَّسُ) راجع إلى المسألتين؛ لأن الحكم فيهما عدم التخميس، إذ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وهذا هو المشهور. وحكى في البيان عن ابن المواز: أن عليه الخمس إن كان أسر ببلد الحرب؛ لأنه لم يصل إلا بالإيجاف، بخلاف ما إذا أسر من بلاد المسلمين. قال: وقوله بعيد على أنه إنما ساقه في كتابه على أنه تفسير للمذهب. وَيجِبُ فِدَاءُ الْمُسْلِمِينَ وهذا كقول مالك في العتيبة: يجب على المسلمين فداء أسراهم بما قدروا عليه، كما يجب عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم. الباجي: والوجوب قول جمهور الأصحاب. وسئل أشهب عن المفاداة بالخمر، فقال: لا يدخل في نافلة بمعصية، فسماه نافلة. المازري: ولعل أشهب ما قصد ما يدل عليه حقيقة، وإنما عبر بالنافلة لأنه لما كان الفداء لا يمكن أن يكون إلا بالخمر سقط وجوبه وصار من جهة السقوط كالنافلة التي لا تجب. صاحب البيان: ويبدأ بالفداء من بيت المال، فإن عجز عنه بيت المال، فهو على جميع المسلمين على قدر أموالهم والأسير كأحدهم، فإن تعذر هذا وجب عليه أن يفدي نفسه من ماله. وفي الاستذكار: تقديم الأسير على جماعة المسلمين في فداء نفسه، ومقتضاه أنه قول مالك. وقال اللخمي: أرى أن يبدأ بمال الأسير ثم بيت المال، فإن لم يكن أو لم يتوصل إليه

стр. 1500

فمن الزكاة على المستحسن من القول، فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين على قدر الأموال إذا كان لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدي بجميعها. وَفِي الْمُفَادَاةِ بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ وآلَةِ الْحَرْبِ، ثَالِثُهَا: يُفَادَى بِآلَةِ الْحَرْبِ، ورَابِعُهَا: بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ دُونَهَا .... المنع مطلقاً لابن القاسم، والجواز مطلقاً لسحنون، قال: ويبتاع لهم الخمر للفداء، هكذا نقل الباجي عنه. ونقل اللخمي، وصاحب البيان، وابن يونس عنه أنه قال: ويأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك إليهم ليحاسبهم بذلك في الجزية. والقول بجواز المفاداة بالخيل والسلاح دون الخمر والخنزير وما أشبههما لابن الماجشون وأشهب؛ لئلا يتذرع إلى ملك الخمر وإشاعتها في أسواق المسلمين، والرابع عكس الثالث. ونسبه اللخمي وابن راشد لابن القاسم في الموازية؛ لأنهم يتقوون على المسلمين بآلة الحرب. وسبب الخلاف تعارض مفسدتين؛ إحداهما: إعانة الكفار بآلة الحرب والخمر. والثانية: بقاء المسلمين بأيديهم. وينبغي على هذا أن تتبع المصلحة الراجحة. وفِي الْمُفَادَاةِ بِأَسَارَى الْعَدُوِّ الْمُقَاتِلَةِ قَوْلانِ القول بالجواز لأصبغ؛ لما في مسلم: أنه ﷺ فدى أسيرين مسلمين بمشرك. وقيده اللخمي بما إذا لم يخش بتسليمهم الظهور على المسلمين. ابن عبد السلام: ولا شك أن منع المفاداة بآلات الحرب أنه يمنع المفاداة في هذا الفرع. انتهى. أما من لم يقاتل، فقال سحنون: لا بأس أن يفدوا بصغار أطفال المشركين إذا لم يسلموا، أو بالذمي إذا رضي الذمي وكانوا لا يسترقونه.

стр. 1501

ولا يَرْجِعُ عَلَى الأَسِيرِ مُسْلِماً أَوْ ذِمِّيّاً وإِنْ كَانَ غَنِيّاً، إِلا مَنْ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ، وإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَقيلَ: إِلاَّ فِيمَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ وفِيمَنْ يُرْجَى خَلاصُهُ الباجي: الذي عليه جمهور أصحابنا أنه يرجع على الأجنبي مطلقاً إلا أن يريد الصدقة، وعلى الأقارب الذين ليسوا من ذوي المحارم، ولا يرجع على أقاربه الذين يعتقون عليه. ابن راشد: فجعل الرجوع على الأجنبي والقريب غير ذوي المحرم أصلاً، والمصنف جعل عدم الرجوع أصلاً إلا أن يقصد الرجوع، ويحتمل أن يكون ما قاله المصنف موافقاً للباجي بأن يريد إلا أن يقصد بضم الياء على البناء لما لم يسم فاعله؛ أي: لا يرجع إلا على من يقصد الرجوع عليه في العادة وهو الأجنبي، ومن ليس بذي محرم من الأقارب، وحمله على هذا أولى؛ لمطابقة كلام الباجي. انتهى. وانظر قول الباجي الذي عليه جمهور أصحابنا، فإنه لم يذكر مقابل الجمهور. وعلى الرجوع، فقال الباجي: يرجع بمثل ما اشتراه به إن كان مثلياً، أو بقيمته إن كان مقوماً. ابن عبد السلام: وفي الرجوع بالقيمة هنا نظر؛ لأن الفادي كالمسلف للأسير، والسلف يقضي فيه بالمثل إن كان السلف مثلياً. قوله: (وَقيلَ: إِلاَّ فِيمَا يُمْكِنُ ...) إلخ. هذا القول للخمي، استثنى صورتين: الأولى: إذا أمكن الفداء بأقل مما فدى به فلا يلزمه إلا ذلك الأقل. الثانية: أن يمكن الأسير التخلص من غير شيء فلا يلزمه شيء. ويشترط في الصورتين [٢٦٠/ ب] جميعاً عنده أن تكون قدرة الأسير على ما زعمه معلومة. خليل: وينبغي أن يكون تقييداً، كما قالوا في الرجل يأتي بالبقر يحرث بها أرضه، فيغلط فيحرث أرض جاره ثم يطلب أجرة الحرث من جاره، فإن كان جاره يحرثها بنفسه وعبيده فلا شيء عليه، وإن كان إنما يحرثها بالأجرة فإنه يرجع عليه بها.

стр. 1502

ولْيَتْبَعْ ذِمَّتَهُ إِنْ كَانَ فَقِيراً يعني: إذا قلنا بالرجوع فلا يسقطع فقره بل تتبع ذمته. ابن راشد: وكذلك إن علم أنه فقير وفداه فإنه يرجع عليه، وهو قول ابن القاسم. وقال في المنفق على الصبي الفقير: لا يرجع عليه بما أنفق ورآه محتسباً. والفرق أن الكبير قادر على التكسب بخلاف الصبي. وقال بعض الأندلسيين: لا يرجع على الفقير. وفِي رُجُوعِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ بِالْخَمْرِ ونَحْوِهِ إِنْ كَانَ اشْتَرَى الْخَمْرَ لِذَلِكَ قَوْلانِ، بِخِلافِ الذِّمِّيِّ .... لا إشكال أن الذمي يرجع بقيمة الخمر والخنزير ونحو ذلك، وأما المسلم فقال سحنون: لا يرجع بقيمة ذلك. الباجي: ويحتمل على قوله بإجازة الفداء بالخمر والخنزير أن يرجع على الأسير بثمن ذلك. ابن عبد السلام: ولا يوجد القول بالرجوع إلا ما قاله الباجي وجعله محتملاً. فرع: سحنون: ومن فدى خمسين أسيراً ببلد الحرب وفيهم المليء والمعدم؛ فإن كان العدو قد عرف ذلك منهم قسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن جهل العدو ذلك منهم قسم عليهم بالسواء؛ وإن كان فيهم عبيد فهم سواء وساداتتهم بالخيار بين أن يفدوهم أو يسلموهم. فَإِنْ كَانَ قَرِيباً لا يَرْجِعُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْهِبَةِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلا رُجُوعَ إِلا أَنْ يَامُرَهُ مُلْتَزِماً عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً بِهِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ قوله: (لا يَرْجِعُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْهِبَةِ) أي: هبة الثواب. وسيأتي ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. ثم قسم المسألة على قسمين: تارة يكون عارفاً به، وتارة لا يكون عارفاً به. وذكر في العارف ثلاثة أقوال- وتصورها من كلامه ظاهر-: الأول: عدم الرجوع مطلقاً. والثاني: مقابله. والثالث: التصنيف.

стр. 1503

ومراد المصنف بالقريب: من كان ذا محرم، وأما ذو الرحم وليس بمحرم فلا خلاف أنه كالأجنبي ويتبعه مطلقاً، قاله في المقدمات، وليس من الأقوال الثلاثة ما هو منصوص إلا القول الأول بعدم الرجوع، وهو قول ابن حبيب وسحنون. والقول بالرجوع مطلقاً خرجه بعضهم من قول المغيرة في المكاتب يؤدي عمن معه في الكتابة أنه يرجع عليه، كان ممن يعتق عليه أم لا، وهكذا قال ابن راشد: إنه لم يقف إلا على القول بعدم الرجوع، وزعم ابن عبد السلام أن الثالث هو المنصوص، وفيه نظر؛ فإني لم أره في شيء من الأمهات، ثم كلامه يقتضي أن القول بنفي الرجوع مطلقاً ليس بمنصوص، وقد نقله ابن يونس والباجي وغيرهما. وفي الكافي عن مالك، وابن القاسم أن من فدى قريباً لا يعتق عليه كالخالات لا يرجع عليه، إلا أن يكون لم يعلم به حين الفداء، وأن من فدى من يعتق عليه فلا رجوع له عليه مطلقاً علم أو لم يعلم، ولا يقال هذا الثالث في كلام المصنف؛ لأن هذا القول فيه تفصيل بين العلم وعدمه، وكلام المصنف إنما هو مع العلم؛ لقوله بعد ذلك: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً) وفي المقدمات إن كان قريباً يعتق عليه، فقال ابن حبيب: لا يتبعه. وقيل: لا يتبعه إذا علم. وهو الذي يأتي على ما في المدونة واختلف إذا كان لا يعتق عليه، فقيل، إنه كالزوجة لا يتبعه إذا علم إلا إذا فداه بأمره. وقيل: كالأجنبي يتبعهي في كل حال. وقوله: (إِلا أَنْ يَامُرَهُ) ابن عبد السلام: هو استثناء من تمام القول الثالث ويتعدى بالمعنى إلى القول الأول؛ يعني: أنه يقول بإسقاط رجوع الفادي إذا لم يأمره الأسير، فإن أمره الأسير بذلك ملتزماً للأداء رجع عليه على الأصح، وسواء كان ممن يعتق عليه أو لا، وهذا الأصح، نقله الباجي وغيره عن سحنون، والقول بعدم الرجوع مطلقاً لم أقف عليه، وهكذا قال، وكأنه رأى الحكم لما اقتضى عنده عدم الرجوع وصار التزامه لذلك كالتزام المكره، فلا يلزم وفيه بعد. وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفاً بِهِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ) هذا هو القسم الثاني،

стр. 1504

وهو إذا فدى قريبه غير عالم بأنه قريب له بل فداه على أنه أجنبي فإنه يرجع عليه على الأصح، سواء كان ممن يعتق عليه أم لا، وهو الذي يأتي على ما في المدونة على ما في المقدمات. وفرق ابن حبيب بين من يعتق عليه فلا يرجع عليه، وبين ما لا يعتق عليه فيرجع عليه، واقتصر عليه الباجي، وابن يونس. فداء القريب لقريبه على ثلاثة أوجه: إن فداه وهو يعرفه لم يرجع عليه مطلقاً؛ كان ممن يعتق عليه أو لا، وإن فداه بأمره يرجع عليه مطلقاً، وإن فداه وهو لا يعرفه فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه من الأقارب الذين لا يعتقون عليه وعلى الزوجين. والزَّوْجَانِ كَالْقَرِيبَيْنِ فَلا رُجُوعَ عَلَى الْمَشْهُورِ هذا يقتضي أن المشهور في الفرع السابق من الأقوال الثلاثة عدم الرجوع؛ لأنه إذا كان شبه القرابة مانعاً من الرجوع فالقرابة من باب الأولى، وهذا أحسن إذا ساعده النقل، والمنصوص [٢٦١/ أ] في الزوجين إذا اشترى أحدهما صاحبه وكان عارفاً به عدم الرجوع، فإن لم يكن عارفاً به اتبعه بذلك في ملائه وعدمه، قاله ابن القاسم وابن حبيب، ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك؛ لكن أشار سحنون وغيره إلى تخريج قول بالرجوع من إحدى الروايتين بالقضاء بينهما بالعوض في الهبة، وعبد الحميد وغيره يقدحون في هذا التخريج بأن المسائل المبنية على العوائد لا تخرج عليها مسائل أخرى، إذ من الممكن أن تكون العادة جرت في أمر بصورة ولم تجر في نظيرها، ومن الممكن أن تسمح النفوس بالهدية دون الفداء، ولاسيما مع نزارة الهدية وكثرة الفداء. وإِذَا جَعَلَ الأَسِيرُ لِفَادِيهِ جُعْلاً، فَالْمَنْصُوصُ: يَسْقُطُ، وقِيلَ: إِلا أَنْ يَتَكَلََّفَ مَا لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ واخْتِيرَ .. قال ابن بشير: ولو جعل الأسير لمن فداه جعلاً على فدائه، فنص الروايات أنه يسقط، وذلك ظاهر إذا لم يتكلف في ذلك مؤنة أو تكلفها وقد تعينت؛ فإن تكلف ما لا

стр. 1505

يتعين عليه فينبغي أن يكون له من الأجر بحسب كلفته. انتهى. ونقل ابن عبد السلام مقابل المنصوص عن المتأخرين وكلام المصنف لا يؤخذ منه هذا، وإنما ظاهره على أن القول إذا تكلف يجب مجموع الجعل، وهو ظاهر ما علل به ابن راشد؛ لأنه قال: قاسه في القول الثاني على جواز الإجازة على الإمامة إذا انضم إليها خدمة المسجد، بجامع أن تكليف هذا ما لم يتعين عليه كتكليف الآخر خدمة المسجد، واختاره الأشياخ. انتهى. وفِي كَوْنِ الْفَادِي أَحَقَّ مِنَ الْغُرَمَاءِ قَوْلانِ، بِخِلافِ مَا يَكُونُ مَعَهُ يعني: إن فدي الأسير بمال وكان عليه دين، فهل يكون الفداء مقدماً أم لا؟ أما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فالفادي مقدم؛ لأن ما دفعه في مقابلة رقبته وما في يده، وأما بالنسبة إلى ماله الذي ببلاد الإسلام، فقال سحنون وعبد الملك: هو أيضاً أولى به؛ لأن الفداء آكد بدليل أنه يفادي بغير إذنه وبأضعاف قيمته، وقال ابن المواز: هو أسوة الغرماء وهو أقيس؛ لأن الفداء تعلق بذمته كالدين، وناقض ابن يونس، وابن زرقون قول محمد في هذه المسالة بما له أيضاً في أم الولد، وذلك أن عبد الملك قال في أم الولد: أن يشتريها من العدو أولى بما في يد سيدها من الغرماء قال محمد: صواب جيد. وَإِذَا اخْتَلَفَ الأَسِيرُ والْفَادِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ عَلَى الأَصَحِّ أي: اختلف في أصل الفداء وقدره، وظاهر كلام المصنف وفي جنسه؛ لكن لم أر المسألة في كتب الأصحاب إلا في أصل الفداء وفي قدره. والأصح رواه ابن حبيب عن ابن القاسم، وابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ: أن القول قول الأسير في إنكاره الفداء جملة وفي إنكاره بعضه إن أتى بما يشبه، سواء أخرجه من دار الحرب أم لا. ابن حبيب: وقيل: إذا أقر الأسير أنه فداه واختلفا في قدر الفداء، صدق الفادي ويصير كالرهن في يديه، وهذا خلاف قول مالك. وكذلك قال سحنون: القول قول الفادي إذا

стр. 1506

كان الأسير بيده، هكذا نقل الباجي. ابن عبد السلام: فالذي يظهر من هذا النقل أنه إن لم يكن في يديه فالقول قول الأسير، وإن كان في يديه فقولان. انتهى. وظاهر كلام المصنف: (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ) أن القول قوله ولو ادعى غير الأشبه، وهو قول ابن القاسم في العتبية. ابن يونس: يريد مع يمينه، واحتج ابن القاسم على ذلك بما قاله مالك: أنه لو أنكر الفداء أصلاً وقد خرجا من بلاد الحرب كان القول قول الأسير؛ لكن قال في البيان: إن القول قول الأسير، وإن ادعى ما لا يشبه ليس على أصولهم مراعاة دعوى الأشبه في التداعي؛ لاتفاقهما أنه فداه بذلك، بخلاف إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنه فداه فأنكر، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا في مبلغ الفدية أن يكون القول قول الأسير إن أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان القول قول الفادي إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه حلفا جميعاً وكان للفادي ما يفدي به مثله من ذلك المكان، وكذلك إن نكلا جميعاً، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان له ما حلف عليه وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله. انتهى. واستشكل صاحب البيان قول من قال عن كون الأسير بيده: يرجح قول الفادي قال: لأنه لما كان لا يباع لم يكن كالرهن، وليس كونه بيده دليلاً على قلة الفدية أو كثرتها، وإنما كان ينتفع الفادي بكون الأسير في يده إذا اختلفا في أصل الفداء؛ لأن كونه في يده دليل على أنه فداه. الْمُقَاتَلُ بِهِ، وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ بِكُلِّ نَوْعٍ، وبِالنَّارِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَاوخِيفَ مِنْهُمْ المقَاتَل: هو من يجوز قتاله من الكفار، وإنما صدر كلامه بالآلة؛ لأن قتل المقاتل إنما يكون بها، وأيضاً ليبين ما يجوز به القتال وما لا يجوز؛ يعني: أن العدو يجوز قتاله بسائر أنواع الحرب من رمي المجانيق، وإرسال الماء عليهم، وقطع الماء عنهم، وبالنار إذا لم يمكن غيرها، ولا خلاف أنه إذا خيف منهم ولم يكن غير النار أنهم يقتلون بها.

стр. 1507

ابن راشد: والخلاف الذي حكاه إنما هو إذا لم يخف منهم وقدرنا عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقاتلون [٢٦١/ ب] بها. وقيل: يقاتلون بها، ونسبه ابن عبد السلام لمالك. ومنشأ الخلاف ما في البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأوقدهما بالنار". ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله ". وحمل الحديث في القول الآخر على ما إذا صاروا في حكمهم وأما إذا امتنعوا، فيجوز عملاً بعموم الآية. قال صاحب البيان وابن زرقون: الخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، أما إن كان العدو في سفينة ونحن كذلك، فلا خلاف في جواز رميهم وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنهم إن لم يرموا بالنار رمونا بها. وإِنْ خِيفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ مِنَ النَّارِ تُرِكُوا مَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ، ومِنَ الآلاتِ لَمْ يُتْرَكُوا، وفِيهَا: رَمَى أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَجَانِيقِ .. يعني: إذا خفنا على ذريتهم من النار لم يرموا بها إلا أن يخاف منهم، وأما إن خيف عليهم من الآلات فإنهم لا يتركون، واستدل على ذلك في المدونة برميه ﵊ أهل الطائف بالمجانيق. قوله: (ومِنَ الآلاتِ) عطف على النار، وحكى صاحب البيان وابن زرقون: إذا كانوا في الحصن ومعهم النساء والصبيان أربعة أقوال: أجاز أصبغ تحريقهم وتغريقهم ورميهم بالمجانيق. وحكى فضل عن ابن القاسم أنه لا يفعل بهم شيء من ذلك. وقال ابن حبيب: يغرقون ويرمون ولا يحرقون. وفي المدونة: يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون. قال: وإن كان في الحصن مع المقاتلة أسرى مسلمون فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا. واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل: إن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك

стр. 1508

وأصحابه المدنيين والمصريين. انتهى. وفي ابن يونس: لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق. واختلف إذا كان فيهم ذرية مشركون، فقيل: إنهم كالمسلمين. وقيل: بل يغرقون ونقطع عنهم المياه. ولم يختلف في رمي حصونهم بالمجانيق، وإن كان فيهم المسلمون أو ذرية مشركون، واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية، فقيل: لا يرمون. وقيل: يرمون. وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا. وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم، وقال: ما كان فيما مضى؛ ولأن ذلك قد يعاد إلينا. ورَأَى اللََّخْمِيُّ أَنَّهُ لو خَافَتْ جَمَاعَةُ كَثِيرَةُ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ بِالنَّارِ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، كَمَا انْفَرَدَ بِالْطََّرْحِ بِالْقُرْعَةِ مِنَ السُّفُنِ، وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ بِقوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .... اللخمي: إذا كان العدو طالبين للمسلمين ولم يقدروا على حربهم إلا بالنار جاز قولاً واحداً، وسواء كان معهم نساؤهم وذراريهم أو لا، وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير من المسلمين أن يكون خفيفاً؛ لأن هذه ضرورة، ويختلف إذا كان المسلمون الطالبين لهم فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يرمون بها. انتهى. فأباح قتل المسلمين بالنار معهم إذا كان العدو طالبين وخاف المسلمون منهم، وإلى هذا أشار بقوله: (لو خَافَتْ جَمَاعَةُ) أي: من المسلمين منهم؛ أي: من الكفار. قال: وهو مما انفرد به تبعاً لابن بشير وليس بظاهر، فقد تقدم من كلام ابن يونس الخلاف، وكذلك حكى ابن رشد وابن زرقون في السفينة فيها العدو ومعهم أسرى مسلمون عن ابن القاسم أنهم لا يرمون بالنار، قال: وأجازه أشهب. فقول أشهب موافق لما قاله اللخمي، فإن قلت: يغتفر في السفينة ما لا يغتفر في غيرها. قيل: لما فرض اللخمي المسألة فيما إذا كان العدو هم الطالبين لم يتأت هذا، وأما مسألة الطرح من السفن بالقرعة، فالظاهر أن اللخمي انفرد بها، وإنما لم يوافق عليها لأنه لا يلزم مما قاله ارتكاب مفسدة مخففة لأمر مظنون.

стр. 1509

قوله: (وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ) لأن لفظ المدونة: وإن كان مسلم في حصن العدو أو مركبه لم أر أن يحرق أو يغرق؛ لقول الله : (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ([الفتح: ٢٥]. وقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (أي: تميز المسلمون من الكفار. أَمَّا لَوْ خِيفَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الإِسْلامِ احْتَمَلَ الْقَوْلَيْنِ كَالشَّافِعِيِّ الظاهر: أنه يريد بالقولين مذهب المدونة ومذهب اللخمي؛ لأنه لما استدل فيها بقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (علم أن مذهبه المنع. وقوله: (كَالشَّافِعِيِّ) أي: كما أن في مذهب الشافعي القولين. ابن بشير: وذكر الشافعي قولين إذا اتقى أهل الحرب بالمسلمين وكنا نخاف إن تركناهم من استئصال جمهور المسلمين. انتهى. ابن هارون: وإنما قال المصنف: (كَالشَّافِعِيِّ) إما لأنه لما ذكر انفراد اللخمي بالمسألة السابقة ذكر أن محل النظر ما صوره الشافعية، واعترض عليه ابن راشد في قوله: (كَالشَّافِعِيِّ) قال: لأن الشافعي إنما يبيح الرمي مع القطع باستئصال المسلمين لا مع الخوف، وفيه نظر. وقد سألت جماعة من قضاة الشافعية، فقال كل واحد: في مذهب الشافعي قولان؛ أحدهما- وهو الصحيح-: أنه إذا خيف على استئصال المسلمين جاز قتل الترس. والثاني: أنه لا يجوز القتل إلا بأن [٢٦٢/ أ] يقطع باستئصال الإسلام. قالوا: وإنما صححنا الأول؛ لأن القطع غير ممكن. ولم يذكر ابن شاس إذا خيف على استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور المسلمين خلافاً، بل قال: يسقط اعتبار الترس. وإِذَا أَسَرُوا عُجْماً أَوْ عُرْباً فَالإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ، أَوْ الاسْتِرْقَاقِ، أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْمُفَادَاةِ، أَوِ الْمَنِّ بِالنَّظَرِ ... حاصله: أنه بالخيار بين القتل والإبقاء، فإن قتل فلا تفصيل، وإن أبقى خير في أربعة أوجه: الاسترقاق، وضرب الجزية، والمفاداة، والمن.

стр. 1510

وقوله: (بِالنَّظَرِ) راجع إلى الخمسة؛ يعني: أن التخيير إنما هو بحسب المصلحة ومتى وجد فيها أحسن تعين. ونص الباجي على أنه يجب على الإمام أن ينظر في ذلك بحسب الاجتهاد. قال في الجواهر: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرآة حاملاً من مسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه؛ فالحمل سبي. وأما المفاداة: فقد تقدم الكلام على جوازها بالأسرى، وأما بالمال فالمشهور جوازه خلافاً لسحنون. وقال ابن حارث: الخلاف إنما هو في مفاداة الرجال بالمال ولا خلاف في مفاداة النساء به. ابن يونس: وفي المختصر الصغير ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل، قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام فيرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم. انتهى. فإن أمسكه ليختبر ثمنه فله قتله، وإن أمسكه للبيع ثم بدا له، فقال ابن المواز: له قتله. وقال أصبغ: ليس له وهو الظاهر. اللخمي: وإن من عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده، إلا أن يكون قد اشترط عليه أن يبقى ليضرب عليه الجزية، فإن أبقاه للجزية لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادي به برضاه. وإن أبقاه على وجه الاسترقاق جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء. وإن أبقاه للفداء لم ينتقل إلى الجزية ولا للرق إلا برضاه. فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ، ويُقْتَلُ مَنْ لا يُؤْمِنُ، ولا يمنُ عَلَى ذِي النِّكَايَةِ لما قال: أولاً بالنظر ذكر هنا بياناً للنظر ومفهوم قوله: (فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ) أنه يقتل الشجيع وهو كذلك. قال في البيان: واختلف قول مالك إذا جهلت حالته في قوة النجدة هل يحمل عليها وهو ظاهر قول مالك في المدونة، ويقتل من الأسارى من لا يؤمن؟ الا ترى ما كان من أبي لؤلؤة؛ يعني: قاتل عمر بن الخطاب- ﵁ وقال مرة: لا يقتل إلا أن تتبين منه الفروسية، ووقع هنا نسختين؛ إحداهما: ويُمَنٌّ كما ذكرنا. والثانية: ولا يُمَنُّ، وهما على معنيين؛ فإن فسرنا صاحب النكاية بكونه ينكي المسلمين بقتاله فيأتي لا يمن، وإن فسرنا صاحب النكاية بأنه إذا قتله المسلمون حصلت لأجله نكاية، بأن يكون كبيراً في قومه وليس فيه كبير نجدة فيأتي ويمن. والله أعلم.
следующие страницы →