← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

كان الأسير بيده، هكذا نقل الباجي. ابن عبد السلام: فالذي يظهر من هذا النقل أنه إن لم يكن في يديه فالقول قول الأسير، وإن كان في يديه فقولان. انتهى. وظاهر كلام المصنف: (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الأَسِيرِ) أن القول قوله ولو ادعى غير الأشبه، وهو قول ابن القاسم في العتبية. ابن يونس: يريد مع يمينه، واحتج ابن القاسم على ذلك بما قاله مالك: أنه لو أنكر الفداء أصلاً وقد خرجا من بلاد الحرب كان القول قول الأسير؛ لكن قال في البيان: إن القول قول الأسير، وإن ادعى ما لا يشبه ليس على أصولهم مراعاة دعوى الأشبه في التداعي؛ لاتفاقهما أنه فداه بذلك، بخلاف إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنه فداه فأنكر، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا في مبلغ الفدية أن يكون القول قول الأسير إن أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان القول قول الفادي إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه حلفا جميعاً وكان للفادي ما يفدي به مثله من ذلك المكان، وكذلك إن نكلا جميعاً، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان له ما حلف عليه وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله. انتهى. واستشكل صاحب البيان قول من قال عن كون الأسير بيده: يرجح قول الفادي قال: لأنه لما كان لا يباع لم يكن كالرهن، وليس كونه بيده دليلاً على قلة الفدية أو كثرتها، وإنما كان ينتفع الفادي بكون الأسير في يده إذا اختلفا في أصل الفداء؛ لأن كونه في يده دليل على أنه فداه. الْمُقَاتَلُ بِهِ، وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ بِكُلِّ نَوْعٍ، وبِالنَّارِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَاوخِيفَ مِنْهُمْ المقَاتَل: هو من يجوز قتاله من الكفار، وإنما صدر كلامه بالآلة؛ لأن قتل المقاتل إنما يكون بها، وأيضاً ليبين ما يجوز به القتال وما لا يجوز؛ يعني: أن العدو يجوز قتاله بسائر أنواع الحرب من رمي المجانيق، وإرسال الماء عليهم، وقطع الماء عنهم، وبالنار إذا لم يمكن غيرها، ولا خلاف أنه إذا خيف منهم ولم يكن غير النار أنهم يقتلون بها.

стр. 1507

ابن راشد: والخلاف الذي حكاه إنما هو إذا لم يخف منهم وقدرنا عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقاتلون [٢٦١/ ب] بها. وقيل: يقاتلون بها، ونسبه ابن عبد السلام لمالك. ومنشأ الخلاف ما في البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأوقدهما بالنار". ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله ". وحمل الحديث في القول الآخر على ما إذا صاروا في حكمهم وأما إذا امتنعوا، فيجوز عملاً بعموم الآية. قال صاحب البيان وابن زرقون: الخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، أما إن كان العدو في سفينة ونحن كذلك، فلا خلاف في جواز رميهم وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنهم إن لم يرموا بالنار رمونا بها. وإِنْ خِيفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ مِنَ النَّارِ تُرِكُوا مَا لَمْ يُخَفْ مِنْهُمْ، ومِنَ الآلاتِ لَمْ يُتْرَكُوا، وفِيهَا: رَمَى أَهْلَ الطَّائِفِ بِالْمَجَانِيقِ .. يعني: إذا خفنا على ذريتهم من النار لم يرموا بها إلا أن يخاف منهم، وأما إن خيف عليهم من الآلات فإنهم لا يتركون، واستدل على ذلك في المدونة برميه ﵊ أهل الطائف بالمجانيق. قوله: (ومِنَ الآلاتِ) عطف على النار، وحكى صاحب البيان وابن زرقون: إذا كانوا في الحصن ومعهم النساء والصبيان أربعة أقوال: أجاز أصبغ تحريقهم وتغريقهم ورميهم بالمجانيق. وحكى فضل عن ابن القاسم أنه لا يفعل بهم شيء من ذلك. وقال ابن حبيب: يغرقون ويرمون ولا يحرقون. وفي المدونة: يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون. قال: وإن كان في الحصن مع المقاتلة أسرى مسلمون فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا. واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل: إن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك

стр. 1508

وأصحابه المدنيين والمصريين. انتهى. وفي ابن يونس: لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق. واختلف إذا كان فيهم ذرية مشركون، فقيل: إنهم كالمسلمين. وقيل: بل يغرقون ونقطع عنهم المياه. ولم يختلف في رمي حصونهم بالمجانيق، وإن كان فيهم المسلمون أو ذرية مشركون، واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية، فقيل: لا يرمون. وقيل: يرمون. وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا. وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم، وقال: ما كان فيما مضى؛ ولأن ذلك قد يعاد إلينا. ورَأَى اللََّخْمِيُّ أَنَّهُ لو خَافَتْ جَمَاعَةُ كَثِيرَةُ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ بِالنَّارِ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، كَمَا انْفَرَدَ بِالْطََّرْحِ بِالْقُرْعَةِ مِنَ السُّفُنِ، وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ بِقوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ .... اللخمي: إذا كان العدو طالبين للمسلمين ولم يقدروا على حربهم إلا بالنار جاز قولاً واحداً، وسواء كان معهم نساؤهم وذراريهم أو لا، وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير من المسلمين أن يكون خفيفاً؛ لأن هذه ضرورة، ويختلف إذا كان المسلمون الطالبين لهم فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يرمون بها. انتهى. فأباح قتل المسلمين بالنار معهم إذا كان العدو طالبين وخاف المسلمون منهم، وإلى هذا أشار بقوله: (لو خَافَتْ جَمَاعَةُ) أي: من المسلمين منهم؛ أي: من الكفار. قال: وهو مما انفرد به تبعاً لابن بشير وليس بظاهر، فقد تقدم من كلام ابن يونس الخلاف، وكذلك حكى ابن رشد وابن زرقون في السفينة فيها العدو ومعهم أسرى مسلمون عن ابن القاسم أنهم لا يرمون بالنار، قال: وأجازه أشهب. فقول أشهب موافق لما قاله اللخمي، فإن قلت: يغتفر في السفينة ما لا يغتفر في غيرها. قيل: لما فرض اللخمي المسألة فيما إذا كان العدو هم الطالبين لم يتأت هذا، وأما مسألة الطرح من السفن بالقرعة، فالظاهر أن اللخمي انفرد بها، وإنما لم يوافق عليها لأنه لا يلزم مما قاله ارتكاب مفسدة مخففة لأمر مظنون.

стр. 1509

قوله: (وفِيهَا: الاسْتِدْلالُ) لأن لفظ المدونة: وإن كان مسلم في حصن العدو أو مركبه لم أر أن يحرق أو يغرق؛ لقول الله : (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ([الفتح: ٢٥]. وقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (أي: تميز المسلمون من الكفار. أَمَّا لَوْ خِيفَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الإِسْلامِ احْتَمَلَ الْقَوْلَيْنِ كَالشَّافِعِيِّ الظاهر: أنه يريد بالقولين مذهب المدونة ومذهب اللخمي؛ لأنه لما استدل فيها بقوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا (علم أن مذهبه المنع. وقوله: (كَالشَّافِعِيِّ) أي: كما أن في مذهب الشافعي القولين. ابن بشير: وذكر الشافعي قولين إذا اتقى أهل الحرب بالمسلمين وكنا نخاف إن تركناهم من استئصال جمهور المسلمين. انتهى. ابن هارون: وإنما قال المصنف: (كَالشَّافِعِيِّ) إما لأنه لما ذكر انفراد اللخمي بالمسألة السابقة ذكر أن محل النظر ما صوره الشافعية، واعترض عليه ابن راشد في قوله: (كَالشَّافِعِيِّ) قال: لأن الشافعي إنما يبيح الرمي مع القطع باستئصال المسلمين لا مع الخوف، وفيه نظر. وقد سألت جماعة من قضاة الشافعية، فقال كل واحد: في مذهب الشافعي قولان؛ أحدهما- وهو الصحيح-: أنه إذا خيف على استئصال المسلمين جاز قتل الترس. والثاني: أنه لا يجوز القتل إلا بأن [٢٦٢/ أ] يقطع باستئصال الإسلام. قالوا: وإنما صححنا الأول؛ لأن القطع غير ممكن. ولم يذكر ابن شاس إذا خيف على استئصال قاعدة الإسلام أو جمهور المسلمين خلافاً، بل قال: يسقط اعتبار الترس. وإِذَا أَسَرُوا عُجْماً أَوْ عُرْباً فَالإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ، أَوْ الاسْتِرْقَاقِ، أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْمُفَادَاةِ، أَوِ الْمَنِّ بِالنَّظَرِ ... حاصله: أنه بالخيار بين القتل والإبقاء، فإن قتل فلا تفصيل، وإن أبقى خير في أربعة أوجه: الاسترقاق، وضرب الجزية، والمفاداة، والمن.

стр. 1510

وقوله: (بِالنَّظَرِ) راجع إلى الخمسة؛ يعني: أن التخيير إنما هو بحسب المصلحة ومتى وجد فيها أحسن تعين. ونص الباجي على أنه يجب على الإمام أن ينظر في ذلك بحسب الاجتهاد. قال في الجواهر: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرآة حاملاً من مسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه؛ فالحمل سبي. وأما المفاداة: فقد تقدم الكلام على جوازها بالأسرى، وأما بالمال فالمشهور جوازه خلافاً لسحنون. وقال ابن حارث: الخلاف إنما هو في مفاداة الرجال بالمال ولا خلاف في مفاداة النساء به. ابن يونس: وفي المختصر الصغير ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل، قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام فيرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم. انتهى. فإن أمسكه ليختبر ثمنه فله قتله، وإن أمسكه للبيع ثم بدا له، فقال ابن المواز: له قتله. وقال أصبغ: ليس له وهو الظاهر. اللخمي: وإن من عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده، إلا أن يكون قد اشترط عليه أن يبقى ليضرب عليه الجزية، فإن أبقاه للجزية لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادي به برضاه. وإن أبقاه على وجه الاسترقاق جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء. وإن أبقاه للفداء لم ينتقل إلى الجزية ولا للرق إلا برضاه. فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ، ويُقْتَلُ مَنْ لا يُؤْمِنُ، ولا يمنُ عَلَى ذِي النِّكَايَةِ لما قال: أولاً بالنظر ذكر هنا بياناً للنظر ومفهوم قوله: (فَلا يُقْتَلُ الضَّعِيفُ) أنه يقتل الشجيع وهو كذلك. قال في البيان: واختلف قول مالك إذا جهلت حالته في قوة النجدة هل يحمل عليها وهو ظاهر قول مالك في المدونة، ويقتل من الأسارى من لا يؤمن؟ الا ترى ما كان من أبي لؤلؤة؛ يعني: قاتل عمر بن الخطاب- ﵁ وقال مرة: لا يقتل إلا أن تتبين منه الفروسية، ووقع هنا نسختين؛ إحداهما: ويُمَنٌّ كما ذكرنا. والثانية: ولا يُمَنُّ، وهما على معنيين؛ فإن فسرنا صاحب النكاية بكونه ينكي المسلمين بقتاله فيأتي لا يمن، وإن فسرنا صاحب النكاية بأنه إذا قتله المسلمون حصلت لأجله نكاية، بأن يكون كبيراً في قومه وليس فيه كبير نجدة فيأتي ويمن. والله أعلم.

стр. 1511

والْمُرَاهِقُ الْمُقَاتِلُ كَالْبَالِغِ ظاهره أنه مخير فيه بالخمسة المتقدمة. وقال اللخمي: يخير الإمام في النساء والصبيان في المن، والفداء، والاسترقاق دون القتل والجزية، وإن رأى استبقاء من قارب البلوغ ليضرب عليه الجزية لم يمنع. انتهى. فلم يذكر فيه القتل، لكن في النوادر عن ابن القاسم من رواية يحيى بن يحيى أنه قال في المرأة والصبي لم يحتلم يقاتلان ثم يؤسران: إن قتلهما جائز بعد الأسر كما جاز قبل ذلك، وعن ابن حبيب كذلك إن قاتل بالسيف والرمح لا بالحجارة إلا أن يقتل فيقتل وإن أسر، إلا أن يرى الإمام استحياءه، وكذلك المرأة. وعن ابن سحنون أنه قال لأبيه: بلغني أنك قلت: إن أسر الصبي أن الإمام فيه مخير في قتله وتكره، فأنكره وقال: لا يقتل إلا أن ينبت. وذكروا خلافا فيمن أنبت ولم يحتلم، فقال ابن القاسم: لا يقتل. وقال الأكثر: بل يقتل. وهذا مبني على أن الإنبات هل هو علامة للبلوغ أو لا؟ وسيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى. ولا يُقْتَلُ النِّسَاءُ ولا الصِّبْيَانُ، وفِي النِّسَاءِ الْمُقَاتِلاتِ، ثَالِثُهَا: إِنْ قَاتَلَتْ جَازَ. ورَابِعُهَا: عِنْدَ قِتَالِهَا. وفِيمَنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ قَوْلانِ لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر: أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة، فأنكر النبي ﷺ قتل النساء والصبيان. وقال في الاستذكار: وأجمع العلماء على القول بذلك، والحكمة في ذلك- والله أعلم- أن الأصل عدم إتلاف النفوس، وإنما أبيح منه ما يقتضي دفع المفسدة، ومن لا يقاتل ولا هو أهل القتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين، فيرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع، هذا مع ما في نفوس النساء والصبيان من الميل وعدم التشبث الشديد بما يكون عليه غالباً، فدفع عنهم القتل لعدم المقاتلة في الحال الحاضر ورجاءهدايتهم عند بقاءهم.

стр. 1512

والقول بقتلها إذا قاتلت لابن القاسم في الموازية. والقول بأنها لا تقتل في كتاب ابن سحنون لعموم النهي. والثالث لابن حبيب قال: إذا قاتلت إلا أن يرى الإمام استحياءها. والرابع: على ما ذكره المصنف يقتضي أن الخلاف [٢٦٢/ ب] مطلق، والذي حكاه التونسي، واللخمي، والباجي، وابن بشير أنه لا يختلف في جواز القتل في حالة المقاتلة؛ لأنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى قتلنا مع قدرتنا على المدافعة، وإنما الخلاف إذا أسرن وقد تقدم منهن قتال. وقوله: (وفِيمَنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ قَوْلانِ) قال ابن حبيب: لا يبيح ذلك قتلها، إلا أن تكون قتلت بما رمت به، ومثله روى ابن نافع عن مالك. قال صاحب النوادر، والباجي، وقال سحنون: يرميهن المسلمون بالحجارة وإن قتلن في ذلك، وظاهره أنهن لا يقتلن بغير ذلك، وعلى هذا ففي كلام المصنف إجمال؛ لأن ظاهره على القول بأنها تقتل أنها تقتل بكل شيء، نعم ذكر ابن بشير القول على نحو ما ذكره المصنف وأما صياحها وحراستها واستعانتها فلا يوجب شيء من ذلك قتلها. سحنون: ومن قتل من نهي عن صبي أو امرأة أو شيخ هرم، فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله، وإن قتله بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته، يجعل الإمام ذلك في المغنم. ويَلْحَقُ بِهِنَّ الزَّمْنَي والشَّيْخُ الْفَانِي ونَحْوُهُمْ مِمَّنْ لا رَاىَ لَهُ ولا مَعُونَةَ يعني: ويلحق بالنساء من ذكر بشرط عدم الرأي ومراده بـ (نَحْوُهُمْ) الفلاحون والأجراء وأهل الصناعات، ولا شك في جواز قتلهم إن قاتلوا، وإن لم يقاتلوا فقال سحنون: يقتلون، قال: ولم يثبت حديث العسيف وهو الأجير، وكذلك قال في الأعمى.

стр. 1513

والمقعد والمريض. وقال ابن الماجشون، وابن وهب، وابن حبيب: لا يقتلون. وذكره اللخمي عن مالك قال: وهو أحسن في أهل دينهم كالمستضعفين. وفي الموطأ: أن أبا بكر- ﵁ قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه أميراً إلى الشام: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم قد حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حسبوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. وقوله: فحصوا عن أوساط رؤوسهم. ابن حبيب: يعني الشمامسة. وقال بعضهم: هم رهبان الكنائس. وكذلِكَ الرَّاهِبِ فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ غَيْرِ الْمُخَالِطِ بِرَايٍ عَلَى الْمَشْهُورِ حاصله: إن اجتمع في الراهب الانقطاع عن أهل ملته حساً بأن كان في الصوامع أو في الأديار. أو حكماً بأن لا يخالطهم برأي، فالمشهور أنه لا يقتل؛ لما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس عنه ﷺ : أنه كان إذا بعث جيوشه قال: "لا تقتلوا أهل الصوامع". ولوصية أبي بكر رضي الله تعالى عنه. وروي عن مالك القتل ذكره في البيان، فإن لم ينقطع عن أهل ملته حساً بل كان في الكنائس قتل، قاله ابن حبيب وغيره. قال في كتاب ابن سحنون: إذا وجد راهب قد نزل من صومعته وهو منهزم مع العدو فأخذ، فقال: إنما نزلت وهربت خوفاً منكم أنه لا يعرض له، وكذلك لا خفاء في قتله إذا أشار عليهم. وفي كتاب ابن سحنون: إذا مروا براهب فلا يستخبرونه عن شيء من أمر عدوهم. سحنون: ومن ترهب ببلد في دار الإسلام ولحق بدار الحرب سبيله سبيل الراهب، قيل: فكيف يعرفون أنه راهب؟ قال: لهم سيما يعرفون بها. قال: وكذلك إذا وجد الراهب في دار أو غار فهو كأهل الصوامع.

стр. 1514

ابن حبيب: ولم ينه عن قتل الرهبان لفضل ترهبهم، بل هو أبعد من الله من غيرهم؛ لشدة كفرهم، ولكن لتركهم أهل دينهم فكانوا كالنساء. وقيل لمالك: ربما أسرى المسلمون سرية فيعلم بهم الراهب فيخافون أن يدل عليهم فنزلونه ليكون معهم، فإذا آمنوا أرسلوه. قال: ما سمعت أنه ينزل من صومعته. وعَلَى تَرْكِهِ يَكُونُ حُرّاً ويُتْرَكُ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ لا الْمَالِ الْكَثِيرِ عَلَى الأَشْهَرِ الأشهر ومقابله لمالك، والأشهر مذهب المدونة، ففيها: يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ولا تؤخذ كلها فيموتون جوعاً. فقوله: ولا تؤخذ كلها فيه دليل على أنه يؤخذ منهم ما زاد على الكفاية. وكذلك قال في العتبية: يترك لهم قدر ما يصلحهم. وكذلك قال في الجلاب: ولا تؤخذ أموالهم إلا أن يكون فيها فضل عن كفايتهم فتؤخذ فضولها. وفي التلقين: تترك لهم أموالهم، إلا أن تكون كثيرة فتؤخذ ويترك لهم اليسير. وقال سحنون: يترك للراهب من ماله ما يعيش به الأشهر، والشيخ الكبير بمنزلة الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة. ونقل في البيان عنه: أنه لا يترك للراهب والشيخ إلا ما يستر عورته ويعيش بها الأيام. وقال اللخمي: قال مالك: ويترك له مثل البقرتين والغنيمات وما مثله يكفيه، والمبقلة والنخيلات، ويؤخ ذ ما بقي أو يحرق، ولكن تأول في البيان ما وقع لمالك في العتبية: أنه إنما يترك لهم ما يصلحهم، على ما إذا وجدنا عندهم أموالاً وادعو أنها لهم ولم نصدقهم. قال: وأما لو صدقناهم لتركناها لهم وإن كثرت. وأبقى غيره الرواية على ظاهرها: إنه يترك لهم ما كثر [٢٦٣/ أ] ولو علم أن ذلك لهم. وقول ابن عبد السلام: إن أكثر الروايات أنه يترك لهم الجميع، والتفصيل بين الكثير والقليل هو مذهب سحنون، ليس بظاهر لما ذكرناه.

стр. 1515

وفِي الرَّاهِبَاتِ مِثْلُهُمْ قَوْلانِ ألحقهن مالك في العتبية بالرجال، وقال: إنهن أحق بذلك. وقال سحنون باسترقاقهن، لأن الترهب لما منع قتل الرجال تبعه منع الاسترقاق، ودم المرأة لم يمنع منه الترهب، وإنما هو ممنوع بالشرع فلم يكن هناك أصل يتبعه الاسترقاق. ومَنْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَيْنَ الأَرْضَيْنِ وشُكَّ فِي أَنَّهُمْ حَرْبُ أَوْ سِلْمُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا أَمْرُ مُشْكِلٌ ... قال: (وشُكَّ) لأنه إن قامت أمارة على أنه جاء للحرب أو السلم عمل عليها؛ وأما إن لم تعلم أمارة أو قامت ولكنها تعارضت، فقال مالك في المدونة: في العلج يلقاه المسلمون ببلد العدو وهو مقبل إلينا، فيقول: جئت أطلب الأمان، هذا أمر مشكل ويرد إلى مأمنه. وقال في العتبية: لا يقبل منه. ابن القاسم في العتبية: وإن أخذ ببلدنا فقال: جئت أطلب الفداء، قبل قوله إن أخذ بفور وصوله ولا يكون فيئاً، وإن لم يظهر عليه إلا بعد طول إقامة بين أظهرنا لم يقبل منه قوله ويسترق، وليس هو لمن وجده، ولا يقتل إلا أن يعلم أنه جاسوس فيقتل. وقال ابن حبيب وعزاه لمالك: إن كانوا من بلد اعتادوا الاختلاف منه فيما ادعوه من الفداء، أو التجارة، أو الاستئمان قبل قولهم وردوا إلى مأمنهم، وإلا فهم فيء، وبه قال سحنون وعيسى؛ وهو قول ربيعة في المدونة. وعن سحنون: أنه فيء إذا أخذ ببلدنا، سواء أخذ بقرب دخوله أو بعد طول. وفي كلام المصنف نظر من أوجه: أولها: كونه أسقط من قول مالك: ورد إلى مأمنه. وهو في نص المدونة كما ذكرنا، وقد ذكره اللخمي وابن يونس على أنه من كلام مالك. ثانيها: أن قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ) هذا مشكل يقتضي أن مالكاً قال ذلك فيما إذا وجد في أرض المسلمين أو بين الأرضي، وإنما نص مالك على من أخذ ببلد العدو، وألحق ابن

стр. 1516

القاسم به الذي ينزل بساحتنا تاجراً قبل أن يعطى الأمان، صرح بذلك ابن يونس وغيره. وقال ابن محرز: سمعت من يقول معنى قول مالك أنهم لقوه وقد انفصل من بلده ولم يدخل بلدنا، وأما لو وجوده في بلدهم أو بلدنا لم يقبل قوله، ولم يكن في ذلك إشكال، وعلى هذا فيكون قول ابن القاسم مخالفاً. ثالثها: إن مفهوم كلام المصنف أن الذمي إذا أخذ ببلد العدو أنه لا يكون من محل الإشكال وليس كذلك كما ذكرنا. ابن يونس: وتحصيلها أنه إن أخذ ببلد الحرب وهو مقبل إلينا وقال: جئت لأطلب الأمان، قيل: يقبل منه ويرد إلى مأمنه، وقيل: لا يقبل منه. وإن أخذ ببلد الإسلام، فقال: جئت للإسلام، فقيل: إن أخذ بقرب دخوله قبل منه ورد إلى مأمنه، وإن أخذ لبعد لم يقبل منه، وليس لمن وجده ويرى فيه الإمام رأيه. وقيل: ذلك سواءُ وهو فيء ويرى الإمام رأيه، ولا خلاف فيمن أتى تاجراً، فيقول: ظننت أنكم لا تعرضوا لمن أتى تاجراً أنه يقبل منه ويرد إلى مأمنه، ولا خلاف أيضاً أنه إذا لم يكن معهم تجارة وتبين كذبهم، أو تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو نزلوا للعطش بلا أمان أنهم فيء. وعَلَى أَنَّهُمْ حَرْبٌ فَلا يَجُوزُ الْقَتْلُ عَلَى الأَشْهَرِ في هذا الكلام نظر؛ لأنه كيف يحكم على أحد المحتملين المتساويين من غير ترجيح، وكأن المصنف- والله أعلم- قصد اختصار كلام ابن بشير؛ لأنه قال: إن علم أنهم أهل حرب حكم فيهم بحكم أهل الحرب، وإن علم أنهم مستأمنون حكم فيهم بحكم المستأمنين، وإن شك فالمذهب على قولين: أحدهما: أن الأصل إراقة دمهم فمع الشك يرجع إلى الأصل. والثاني: لا يستبيحهم إلا مع تيقن الإباحة، وإذا شككنا فإراقة الدم لا يقدم عليها مع الشك، قال: وكل ما في المذهب من الروايات فإلى هذا التقسيم يرجع، لكن إذا قلنا: إنهم فيء فهل يقتصر فيهم على الأسر وما ذكر معه دون القتل، أو يجوز قتلهم؟ قولان:

стр. 1517

أحدهما: الاقتصار على الأسر لعظم أمر الدم. والثاني: جوازه نظراً إلى الأصل في إراقة دمهم. انتهى. وهذان القولان الأخيران في كلام ابن بشير هما القولان في كلام المصنف، لكن ابن بشير إنما ذكر الخلاف بعد أن ذكر أولاً قولين، والمصنف لم يذكر في المسألة خلافاً ابتداء؛ فلذلك صار كلامه مشكلاً. أَمَّا إِذَا حَصَلَ الظَّنُّ بأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهِ عَلَى الأَصَحِّ كلامه يقتضي حصول الخلاف مع ظن الصدق وظن الكذب ولم أر ذلك، بل صرح اللخمي فيه بنفي الخلاف؛ لأنه قال: إن قام دليل على صدقه كان آمناً ولم يسترق، وإن قام دليل على كذبه لم يقبل قوله وكان رقيقاً. وإن لم يقم دليل على أحدهما فهو موضع الخلاف، فإن قال: جئت رسولاً ومعه مكاتبة، أو جئت لفداء ومعه من يفديه، أو لقريب لي وله قرابة بذلك البلد كان دليلاً على صدقه. وإن قال: جئت أطلب الأمان وقد خرج إليهم عسكر المسلمين فوجد على طريق جيش بلا سلاح كان أمره مشكلاً، وإن لم يكن مقبلاً إلينا ولا على طريقهم لم يصدق. ونحوه لابن يونس، قال: لا خلاف فيمن أتى تاجراً، فيقول: ظننت أنكم لا تتعرضون [٢٦٣/ ب] لمن أتاكم تاجراً أنه يقبل قوله أو يرد إلى مأمنه، ولا خلاف إن لم تكن معهم تجارة وتبين كذبهم أو انكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو ينزلون للعطش بغير أمان أنهم فيء ويرى الإمام فيهم رأيه من بيع، أو قتل، أو فداء وليسوا لمن وجدهم ولا يخمسون. انتهى. وكذلك قال ابن راشد وابن عبد السلام: أنهما لم يقفا على مقابل الأصح، زاد ابن عبد السلام: وما وجدت أحداً ممن تكلم على هذه المسألة ممن يعتبر قوله ذكر قولاً بالقتل في محل الإشكال وإذا انتفى القتل في محل الإشكال كان انتفاؤه مع أمارة صدق الرومي أولى، وكلام المصنف يدل على وجود الخلاف في ذلك. انتهى وقد قدمنا من كلام ابن

стр. 1518

بشير قولاً بالقتل في محل الإشكال، وكذلك ذكر المازري فيه قولين، ثم قال: وهذا الخلاف إذا ادعى أنه طالب للأمان، وأما إن لم يعتذر بعذر فظاهر المذهب أنه يستباح، وكذلك ظاهر المذهب تطرق التهمة إلى من حصل في بلادنا مغلوباً كمن ردته الريح إلينا بخلاف من لقيناه يمشي طائعاً إلينا. التونسي: وإذا وجد في أسواق المسلمين ومدائنهم لم يقبل قوله؛ لأنه لو كان صادقاً لأخبر بذلك أول دخوله، ولو قال: فلان أعطاني الأمان فأنكر فلان لم يقبل قوله على فلان ورأى فيه الإمام رأيه. وقال أصبغ: إذا أنكر فلان، فالإمام مخير إن شاء أمنه أو رده إلى مأمنه، ولم يعجب محمداً ما قال أصبغ، وقال: إن شاء رأى الإمام فيه رأيه. وأَمَّا مَنْ نَزَلَ بَأَمَانٍ فَبَاعَ وَرَجَعَ فَرَدَّتْهُ الرِّيحُ قَبْلَ وُصُولِهِ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ يعني: وأما لو نزل حربي بتجارة بأمان فباع واشترى ثم ذهب فردته الريح فهو على أمانه، وظاهر المدونة: أنهم على أمانهم سواء خرجوا من بلاد الإسلام أم لا، رمتهم الريح إلى بلد السلطان الذي أعطاهم الأمان أم لا. ففيها: وإذا نزل تجار بأمان فباعوا وانصرفا فأبينما رمتهم الريح من بلد الإسلام فالأمان لهم ما داموا في تجرهم حتى يردوا بلادهم. ولأصبغ: لهم الأمان إلا أن يفارقوا بلاد الإسلام. وقال ابن المواز: لهم حتى ينالوا مأمنهم من بلدهم. وقال ابن الماجشون: الأمان مقصور على بلد السلطان الذي أمنهم، واختلف الشيوخ في هذا الخلاف، فرأى المازري أن هذا الخلاف كله راجع إلى شيء واحد، وهو ما قصده المؤمن بالتأمين هل قصده العموم أو لا؟ وعلى هذا فمتى تحقق قصد المؤمن العموم فالاتفاق على ذلك، ولعل المصنف ممن سلك هذه الطريقة لعدم تعرضه للخلاف مع شهرته، وحمل ابن يونس ذلك على الخلاف، فإنهقال: تحصيل الخلاف في هذه المسألة؛ قيل: لهم الأمان حتى يصلوا إلى بلادهم، وقيل: حتى يقاربوا مأمنهم. فإن رجعوا بعد بلوغهم إلى مأمنهم بريح غالبة أو مختارين، فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء

стр. 1519

ردهم، وقيل: بل هم حل. وقيل: إن رجعوا مغلوبين فالإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم، وإن كانوا مختارين فهم حل. وإن هو وقع، إذا رجع لغير السلطان الذي أمنه، فقيل: هو مثل الذي أمنه سواء، وقيل: بل هو حل له ولا أمان له، رجع إليه أو لقيه في البحر بقرب أو بعد من موضع خرج منه. وأما إن لم يبلغ مأمنه فرجع إلى موضع كان آمناً فيه كان عليه إنزاله ولم يمنعه. انتهى. ابن رشد: وإذا غنم العدو في بلد المسلمين شيئاً من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون منهم قبل أن يصلوا به إلى بلادهم، فهل يقسم إذا لم يعرف صاحبه أم لا؟ وهل يأخذه صاحبه إن قسم بثمن أم لا؟ وأنه كان يختلف عندهم في ذلك، وهذه المسألة أصل لذلك. ويَجُوزُ قَتْلُ الْعَيْنِ وإِنْ كَانَ مُسْتَامَناً العين: هو الجاسوس، فيقتل ولو قدم بأمان، وهو مراده بقوله: (مُسْتَامَناً) سحنون: إلا أن يسلم فلا يقتل ويكون كأسير أسلم. فرع: وكذلك الذمي يكون عندناً فيتبين أنه عين فلا عهد له. سحنون: ويقتل. اللخمي: يريد إلا أن يرى الإمام استرقاقه. واختلف في المسلم يظهر أنه عين على خمسة أقوال: قال مالك في العتبية: ما سمعت فيه شيئاً ويتخير فيه الإمام. وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب. وقال ابن القاسم: لا يعرف لهذا توبة، وقاله سحنون. وقال عبد الملك: إن كان معتاداً لذلك قتل، وإن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وأن مثله لا عورة عنده، وكان منه المرة وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل. سحنون: وقال بعض أصحابنا يجلد جلداً منكلاً ويطال حبسه وينفي من موضع يقرب فيه من المشركين.

стр. 1520

وإِذَا دَخَلَ بِلادَ الْحَرْبِ ولَمْ تُرْجَ قُطِعَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وحُرِّقَ وخُرِّبَ يعني: إذا دخل المسلمون بلاد الحرب ولم ترج أن تصير للمسلمين، جاز قطع أشجارهم وتحريقها وتخريب بنائهم؛ لأن ذلك من التضييق عليهم وفيه إضعاف لأمرهم، وليس ذلك أكثر من إباحة قتلهم. سحنون: وأصل نهي الصديق- ﵁ عن قطع الشجر وخراب العامر؛ إنما يكون ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين. وفِي النَّحْلِ خَاصَّةً قَوْلانِ النحل بالحاء المهملة، وهذا كالاستثناء من قوله: (حرق وخرب) يعني: أن هذا إنما هو في غير النحل. واختلف في إتلاف النحل على قولين: [٢٦٤/ أ] حكى الباجي روايتين فقال: روى ابن حبيب عنه: جواز ذلك فيه. وروى غيره: أنه كرهه. قال: وهذا إذا لم تدع إليه حاجة، وأما إن احتيج إلى ذلك ولم يمكن إلا بتحريقها أو تغريقها فعل من ذلك ما يتوصل به إلى ما في أجباحها، وكذلك قال التونسي. وقاس من قال بالجواز ذلك على سائر أموالهم، ومن منع تمسك بنهي النبي ﷺ والصديق عن ذلك كما تقدم. وأشار المازري إلى أن محل الخلاف إنما هو إذا كانت كثيرة بحيث يكون لهم في ذلك نكاية، وأما إن كانت يسيرة بحيث لا نكاية للعدو في إتلافها فإنها تترك. فَإِنْ رُجِيَتْ جَازَ إِنْ كَانَ إِنْكَاءً هذا قسيم قوله أولاً: (ولم ترج) وحاصله: أنه لا يجوز مع الرجاء إلا بشرط حصول النكاية لهم بذلك. وما عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ أُتْلِفَ مِمَّا لَهُمْ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ آكِلِي الْمَيْتَةِ حُرِّقَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ قَتْلِهِ .... يعني: أن للمسلمين إذا قدروا على مال الكفار وعجزوا عن حمله أو عن حمل بعض متاعهم فإنهم يتلفونه؛ لئلا ينتفع العدو به، وسواء الحيوان وغيره على المشهور المعروف.

стр. 1521

وروى ابن وهب أنه لا يتلف الحيوان لغير مأكلة؛ لعموم نهي الصديق وهذا في غير مراكبهم، وأما مراكبهم فلا خلاف في جواز قتلها وإتلافها بكل ما يجوز به قتل راكبيها. قال المازري: وعلى المشهور فبماذا يتلف الحيوان؟ قال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب وتذبح ويجهز عليها. وقال المدنيون: يجهز عليها، وكرهوا أن تعرقب وتذبح. قال ابن حبيب: لأن الذبح مثله، والتعرقب تعذيب. المازري: واختار بعض أصحابنا الذبح؛ لأنه أروح للحيوان. واستشكل الباجي وغيره قول ابن حبيب: الذبح مثله؛ لأنه مباح فيما نهي عن التمثيل به، وإنما كره- والله أعلم- لأنه قد يكون فيها مثل الخيل ونحوها فيكون وسيلة إلى أكلها وتشكيكاً للعوام في إباحة الأكل، ونزل ابن بشير قول المصريين والمدنيين على أنه خلاف في حال، فإن أمكن أن يحتاج إليه المسلمون لم يتلف عليهم بالإجهاز، وإن لم يحتاجوا إليه أتلف. قوله: (فَإِنْ كَانُوا مِنْ آكِلِي الْمَيْتَةِ حُرِّقَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ قَتْلِهِ) كذا قال جماعة. الباجي، وابن بشير وغيرهما وهو ظاهر، وإن كان ابن القاسم قال: ما سمعت في الدواب أنها تحرق بعد عرقبتها. فرع: وإذا عجزنا عن حمل النساء والصبيان والشيوخ، فإن كنا تركناهم في بلاد الحرب ثم جاء غيرنا فأخذهم فإنهم لمن أخذهم؛ لأنه لم يملكهم ملكاً تاماً، وأما إن تركناهم في حوز الإسلام فذلك كالإعتاق ولا سبيل لأحد عليهم، نقله ابن حبيب عمن يرضاه، واعترض ابن يونس قوله في الوجه الأول وأشار إلى أنه ينبغي أن يكونوا أحراراً كما في الوجه الثاني، وقال: كيف لم يملكهم ملكاً تاماً وهو له أن يطأ ويبيع ولو أعتق لم يكن له فيه رجوع، وقد قال محمد عن أشهب: فيمن اشترى شيئاً من السبي فعجز عن بعضه فتركه، فدخلت خيل أخرى فأخذته فهو لصاحبه الأول. وقول محمد صواب ما لم يكن رقيقاً أعتقهم فتركهم على العتق.

стр. 1522

ويَجُوزُ لأَمِيرِ الْجَيْشِ إِعْطَاءُ الأَمَانِ مُطْلَقاً ومُقَيَّداً قَبْلَ الْفَتْحِ وبَعْدَهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ ..... لأن الأمير قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقاً، أو مقيداً بزمان أو مكان أو صفة. ابن بشير: ولا خلاف بين الأمة في ذلك، وإذا جاز هذا لأمير الجيش فلأن يجوز لأمير المسلمين أولى ووجب عليه اعتبار المصلحة؛ لأنه وكيل على المسلمين والوكيل إنما يتصرف على هذا الوجه ولا يجوز له اتباع هواه، فإن قلت: ينبغي أن يحمل قوله: (مُطْلَقاً) على ما عدا هذه الأمكنة؛ لأن المذهب اختلف في المستأمن بأمان سلطان إذا خرج إلى سلطان آخر هل يستبيحه هذا السلطان أم لا؟ قيل: إن بنينا على ما قاله المازري وغيره: من أنه لا خلاف في المسألة، كان ما ذكره المصنف من الإطلاق متفقاً عليه. وإن بنينا على ما قاله ابن يونس: أن المشهور تعميم الأمان، خلافاً لابن الماجشون في قصره ذلك على بلد السلطان، يكون كلام المصنف جارياً على المشهور. والله أعلم. فرع: ليس لأحد الناس أن يعقد الأمان لأهل إقليم، وإن وقع فالإمام مخير في إمضائه، وإنما ذلك للسلطان، هكذا قال غير واحد. وكَذَلِكَ كُلُّ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ، أَوْ مُجَازٍ أَجَازَهُ الإِمَامُ قَبْلَ الْفَتْحِ. وقِيلَ: إِنْ كَانَ صَوَاباً تقدم أن الإقليم لا يعطي أهله الأمان إلا الأمير، فكلام المصنف ليس على إطلاقه، وكلامه مشتمل على خمسة شروط؛ لأن قوله: (حُرٍّ) يفهم منه الذكورية. وقوله: (وكَذَلِكَ) أي: يجوز تأمينه وليس للإمام رده، وهو قول مالك وابن القاسم. وقال ابن الماجشون: الإمام مخير بين أن يمضيه أو يرده، وإلى حمل قول ابن الماجشون على الخلاف ذهب عبد الوهاب والباجي وغيرهما، وهو ظاهر كلام المصنف.

стр. 1523

الباجي: ودليل قول مالك قوله ﷺ : "يسعى بذمة المسلمين أدناهم". وقال ابن يونس: [٢٦٤/ ب] وأصحابنا يحملون قوله على أنه ليس بخلاف، خلاف ما تأوله عبد الوهاب. انتهى. وبعض من حمل كلام ابن الماجشون على الخلاف رأى أن ابن القاسم، وابن الماجشون لم يختلفا في أن الإمام مخير، وإنما اختلف في صفة التخيير، فابن القاسم يقول: هو مخير بين أن يجيز أو يرده إلى مأمنه، وغيره يقول: هو مخير بين أن يجيز أو يرده فيئاً. تنبيه: نص ابن حبيب على أنه لا ينبغي التأمين لغير الإمام ابتداءً، وهو خلاف ظاهر كلام المصنف؛ لأن قوله: (وكذلك) يقتضي جواز ذلك ابتداءً، إذ لا خلاف في جوازه للإمام ابتداءً. وظاهر المدونة ككلام المصنف، ففيها: ويجوز أمان المرأة والعبد والصبي إن عقل الأمان. ويحتمل: يجوز إن وقع، وكذلك اختلف في كلام ابن حبيب هل هو موافق للمدونة أو مخالف. وقوله: (قَبْلَ الْفَتْحِ) يريد ما لم يتعلق للمسلمين حق؛ فقد نص سحنون على أنه إذا أشرف المسلمون على أخذ الحصن وتيقن أخذه، فأمنهم رجل من المسلمين أن للإمام رد تأمينه. وفِي أَمْنِهِمْ بَعْدَ الْفَتْحِ قَوْلانِ ظاهر كلام المصنف أن الخلاف عام في حق من أمنه وفي حق غيره، وأنه عام في القتل والاسترقاق وليس كذلك، بل يجوز لمن أمنه قتله اتفاقاً، والخلاف إنما هو في القتل لا في الاسترقاق؛ لأنه صار مملوكاً. والقول بسقوط القتل لابن القاسم، وابن المواز؛ لقوله ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم". قال سحنون: لا يحل لمن أمنه قتله، وأما الإمام فإن شاء قتله فعل، وإن شاء أمضى أمانه وكان فيئاً. وقوله: (وفِي أَمْنِهِمْ) يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل؛ أي: وفي أمن المسلمين للعدو. ويحتمل أن يكون مضافاً للمفعول؛ أي: وفي أمن الكفار. والمعنى سواء، والظاهر أن تقديره: وفي

стр. 1524

إمضاء أمنهم؛ لأن ابن القاسم وغيره إنما تكلموا على ذلك بعد الوقوع، وكذلك نقل ابن بشير، ولفظه: وأما إذا وقع الفتح، فإن أمنه الأمير صح تأمينه، وإن أمنه غيره فهل يصح تأمينه فيكون مانعاً من القتل؟ قولان. وفِي ثُبُوتِهِ مِنْهُمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قَوْلانِ قال بعضهم: هذا الخلاف مبني على قول سحنون القائل بعدم إجازة التأمين بعد الفتح، فإذا ادعى أنه أمنه قبل الفتح فهل يقبل- لأن الأصل الصدق، وهذا قول ابن القاسم، وأصبغ- أم لا؟ ولابد في ذلك من شاهدين، وهو قول سحنون. وهذا ظاهر؛ لأن من يجيز التأمين بعد الفتح لا يحسن بناء هذا الخلاف عليه، إذ لا يتهم حينئذ؛ لأنه إن صدقه الإمام في ذلك مضى، وإن لم يصدقه استأنف له الإمام حينئذٍ. وقال ابن عبد السلام: عندي أن هذين القولين يأتيان على قول ابن القاسم أيضاً. قال ابن القاسم في ذلك: وهذا الخلاف فيما عدا الإمام، وأما الإمام فيقبل منه بغير تفصيل. وأَمَانُ الْمَرْأَةِ والْعَبْدِ والصَّبِيِّ إِنْ عَقَلَ الأَمَانُ مُعْتَبَرٌ عَلَى الأَشْهَرِ الأشهر مذهب المدونة، وروى أبو الفرج عن مالك: لا أمان للثلاثة؛ وقال سحنون وابن حبيب: إما أن يوفى له بذلك أو يرد إلى مأمنه، وأما القتل فلا. ابن عبد السلام: وانظر فيما حكاه أبو الفرج هل له أن يقتل من أمنوه إذا لم يجزه؟ وعن سحنون في العبد إذا أذن له سيده في القتل صح أمانه، وإلا فلا. وقيل: إن قاتل العبد صح أمانه وإلا فلا. الباجي: ولا خلاف في اعتبار العقل في لزوم الأمان وصحته. ومعنى قوله: (عَقَلَ الأَمَانُ) أي: علم ثمرته وأنه يؤجر على الوفاء به وأن نقضه مذموم. وتجاذب المشهور، ومقابله قوله صىلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". بناءً على أن النبي ﷺ بين أنه جائز؛ وإنما جاز بإجازة النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1525

له. وقد يقال: عدم إمضاء أمانها أظهر، فإنه لو كان صحيحاً لما جهل ذلك علي – رضي الله تعالى عنه- فإنه أراد قتل من أجارته أم هانئ. وتمسكوا للمشهور في العبد بقوله ﷺ : "يسعى بذمتهم أدناهم". وقال: من لم يعتبر تأمينه إن أول الحديث وهو قوله ﷺ : "تتكافأ دماؤهم" يخرجه. بِخِلافِ الذِّمِّيِّ عَلَى الأَشْهَرِ أي: فلا يعتبر أمانه على الأشهر، ومقابل الأشهر ذكره جماعة. ففي المازري، والتبيهات: مشهور المذهب لا يجوز أمان المشرك. وقال الباجي: الظاهر من المذهب اعتبار الإسلام. والشاذ لا يرى أمانه لازماً مطلقاً، بل يجعل الإمام فيه مخيراً، قاله المازري، وابن عبد السلام وغيرهما. اللخمي: واختلف بعد القول أن الأمان لهم إن قالوا: ظننا أن الذي أعطانا الأمان مسلم، فقال ابن القاسم مرة: لا يقبل عذرهم. وقال مرة: ذلك لهم ويردون إلى مأمنهم. وأرى إذا كان عالماً أنه نصراني وقال: ظننت أن جواره جائز أن يرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك مشكل ولم يأت بما لا يشبه فلا يستباح بالشك. وإن قال: علمت أن جوار النصراني غير لازم ولم أعلم أنه نصراني لم يصدق؛ لأنهم أهل دين واحد. ولَوْ ظَنَّ الْحَرْبِيُّ الأَمَانَ فَجَاءَ، أَوْ نَهَى الإِمَامُ النَّاسَ فَعَصوا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ إِلَى مَامَنِهِ ..... يعني: أن الحربي إذا توهم الأمان، أو نهى الإمام الناس عن التأمين، فأمنوا نسياناً أو عصياناً أو جهلاً، فأتى إلينا الحربي معتمداً [٢٦٥/ أ] على ذلك فلا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يخير الإمام في إمضائه أو يرد. ابن راشد: وقوله: (إلى مأمنه) صوابه أن يقول: رد إلى حيث كان قبل التأمين؛ إذ قد يكون بموضع هو فيه خائف فلا يصح أن يرد إلى حيث يأمن، بل إلى حيث كان قبل التأمين، وهذا هو المنقول.

стр. 1526

فرع: الباجي: والتأمين لازم بكل لسان فهمه المؤمن أم لا، إن أراد المؤمن التأمين، وحكم الإشارة حكم العبارة. وفروع هذا الباب كثيرة اقتصرنا منها على ما ذكره المصنف، وإن أحببت الوقوف عليها ففي النوادر. وَيَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِجْمَاعاً، وفِي غَيْرِهِمْ مَشْهُورُهَا تُؤْخَذُ، وثَالِثُهَا: تُؤْخَذُ إِلا مِنْ مَجُوسِ الْعَرَبِ، ورَابِعُهَا: إِلا مِنْ قُرَيْشِ .... ينبغي أن يفهم الجواز على معنى الإذن في الإقدام لا بمعنى الإباحة، فإن الكتابي إذا بذل الجزية بشرطها حرم قتاله، والكفار ثلاثة أصناف: الأول: أهل الكتاب، وحكمهم أن الجزية تقبل منهم بالإجماع، نقل ذلك غير واحد. والثاني: الحبشة والترك، وحكمهم أنهم يدعون إلى الإسلام، فإن أبوا فالمشهور جواز قتالهم، فقد أباح مالك في المدونة قتال الفزازنة وهم صنف من الحبشة، وأباح ابن القاسم غزو الترك. وحكى ابن شعبان عن مالك: لا تغزى الحبشة والترك. ابن القاسم: وأخبرني من أثق به من أهل المدينة عن حرملة بن سعيد أن النبي ﷺ قال: "اتركوا الحبشة ما تركوكم". ونحوه ذكره ابن شعبان في الحبشة والترك. ومنشأ الخلاف أن من صحت عنده هذه الآثار خصص بها العمومات الدالة على قتال جميع الكفار، ومن لم تصح عنده أو حمل النهي عن قتالهم على الإرشاد- أي: أن قتال غيرهم في ذلك الزمان أولى- رأى أن قتالهم في هذا الزمان مباح. والصنف الثالث: ما عدا ما ذكر من أهل الكفر، وحكى المصنف أربعة أقوال: المشهور: أنها تؤخذ من كل كافر يصح سباه، ولا يخرج من ذلك إلا المرتد. والقول بعدم الأخذ مطلقاً لابن الماجشون، ولا يفهم على عمومه كما هو ظاهر كلام المصنف، وابن بشير، فإنه لم يختلف في القبول من مجوس العجم، قاله صاحب المقدمات، والباجي وغيرهما؛ لما في الموطأ عنه ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".

стр. 1527

والثالث لابن وهب، نقله اللخمي وغيره. والقول الرابع لابن الجهم، وذكر الباجي أن ابن القصار نقل هذا القول عن مالك، وظاهر كلام المصنف: أن المذهب خلاف قول ابن الجهم، وأن في المذهب أربعة أقوال، وأن المشهور على إطلاقه، وعلى هذا الظاهر مشاه ابن راشد، وابن عبد السلام. وذكر المازري أن ظاهر المذهب كما شهره المصنف قال: وحكى المصنفون لمسائل الخلاف من أصحابنا وغيرهم أن مذهب مالك أنها تقبل إلا من كفار قريش، ونقل صاحب المقدمات الإجماع على أن كفار قريش لا تؤخذ منهم الجزية، وذكر أن ابن الجهم نقل الإجماع أيضاً، وكذلك مقتضى كلام المصنف أن المشهور أخذها من عبدة الأوثان. وذكر ابن عطية في تفسيره أن المنصوص في الوثني من العرب عدم أخذها منهم، وأنهم يقاتلون إلا أن يسلموا. قال: ويؤخذ مما في الخلاف أنها تؤخذ منهم احتمالاً لا نصاً. خليل: وفيه نظر، فإنه نص في الجلاب على أنها تؤخذم ن الوثني، وكذلك صاحب الكافي، وابن بشير وغيرهم؛ واختلف في تعليل عدم أخذها من كفار قريش، فعلله ابن الجهم بأنها لم تؤخذ منهم إكراماً لهم لمكانهم من النبي ﷺ ، وهي تؤخذ على وجه الصغار والذلة. وعلله القزويني بأن قريشاً أسلموا كلهم، فإن وجد منهم كافر فهو مرتد فلا تؤخذ منه. المازري: وإن ثبتت الردة فلا يختلف في عدم أخذها منهم، وحكى الباجي والمازري عن ابن وهب أنه منع قبولها من العرب مطلقاً، فإن صح أنه اختلف قوله في ذلك، صار في المسألة خمسة أقوال، ومنشأ الخلاف النظر إلى قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ([التوبة: ٢٩] هل هو كالشرط فلا تقبل من غيرهم، أو لا فتقبل؟ فائدة: يؤخذ من قوله ﷺ : "سنوا فيهم سنة أهل الكتاب". أن المجوس ليسوا أهل كتاب. ابن بشير: ولا خلاف أنهم الآن ليس لهم كتاب، واختلف هل كان لهم كتاب فرفع أم لا؟

стр. 1528

وتَلْزَمُ بِالنُّفْلَةِ إِلَى مَوْضِعٍ لا يُمْتَنَعُ فِيهِ عَنْهَا يعني: أن من تمام كون الذمي من أهل الجزية أن يكون حيث تناله أحكامنا، ولا يمكن حيث يمكن أن ينقض العهد، فإن أبوا من الانتقال قوتلوا ولم يتركوا. ولا تُؤْخَذُ إِلا مِنْ ذَكَرٍ حُرٍّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُخَالِطٍ، ولا تُؤْخَذُ مِنِ امْرَآَةٍ ولا عَبْدٍ ولا مَجْنُونٍ ولا صَغِيرٍ ولا رَاهِبٍ، وفِيمَنْ تَرَهَّبَ بَعْدَ عَقْدِهَا قَوْلانِ. حاصله: أنها لا تؤخذ إلا ممن اجتمعت فيه خمسة شروط، وتصور كلامه ظاهر. وقوله: (رَاهِبٍ) أي: راهب الصوامع [٢٦٥/ ب] والديارات. وأما راهب الكنيسة فتؤخذ منه؛ لأنه يقتل، والأصل في هذا قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ([التوبة: ٢٩] والضمير عائد على المقاتلي، وهؤلاء الخمسة لا يقاتلون. أبو حنيفة: وتؤخذ منهم الجزية أول الحول حين العقد. وقال الشافعي: بل في آخره. الباجي: ولم أر في ذلك نصاً لأصحابنا، والذي ظهر لي من مقاصدهم أنها تؤخذ آخره وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأنها حق يتعلق وجوبه بالحول فوجب أن تؤخذ في آخره كالزكاة. قال صاحب المقدمات: ونقل عن بعض الأصحاب أنه قصرها على جزية العنوة، ورأى أن الصحيح في الصلح أن تؤخذ معجلة؛ لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم، ورده عليه ورأى أنه لا فرق في ذلك. وقوله: (وفِيمَنْ تَرَهَّبَ بَعْدَ عَقْدِهَا قَوْلانِ) القول الأول بعدم زوالها بالترهيب نقله اللخمي عن مطرف، وابن الماجشون. والقول بالسقوط نسبه في البيان لابن القاسم، ووجهه أن الحكم في الأصل دائر مع الرهبانية وجوداً وعدماً.

стр. 1529

فرع: يجوز أخذ الجزية في جميع البلاد إلا في جزيرة العرب؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وهي مكة، والمدينة، واليمن. وفي رواية عيسى بن دينار: وروى ابن حبيب من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول. وأما العرض: فمن جدة وما ولاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب. وفي المشرق: ما بين يثرب إلى منقطع السماوة، ولا يمنعون من الاجتياز بها. واختلف في العبيد، فقال عيسى: يخرجون كالأحرار، قيل له: فما بال أبي لؤلؤة؟ فقال: قد أراد عمر إخراجه مع من أخرج حتى طلبه غيره بأن يقره لعلمه. وقال ابن مزين: لا يخرج العبيد، قال: وإنما كره عمر- ﵁ أبا لؤلؤة ونحوه لغوائلهم. ولاَ مِنْ حُرٍّ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ، بِخِلافِ مَنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ حاصله: أن المعتق يعطى حكم من أعتقه، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وأسقطها أشهب عن معتق الكافر أيضاً تبعاً لحالته الأولى، فإنه كان ليس من أهل الجزية، وتوقف مالك في الموازية في معتق الكافر. وقال ابن حبيب في النصراني يعتقه مسلم: قد اختلف فيه، وأحب إلي أن تؤخذ منهم الجزية صغاراً لهم، وعلى هذا فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ثالثها المشهور إن كان المعتق مسلماً فلا شيء عليه، وإن كان كافراً فعليه تبعاً لسيده. ابن عبد السلام: وقد يقال في هذه التبعية نظر؛ فإن غاية أمر الولاء أن يكون كالنسب، والانتساب للمسلم غير مانع من أخذها. قال في المقدمات بعد أن ذكر الثلاثة الأقوال: وهذا الاختلاف إنما هو إذا أعتق في بلاد الإسلام، وأما إن أعتق في دار الحرب فعليه الجزية على كل حال.

стр. 1530

وفِي أَخْذِهَا مِنَ الْفَقِيرِ قَوْلانِ ابن عبد السلام: المشهور من القولين السقوط، لكن بتدريج فتؤخذ من الفقير الذي يجد من أين يؤديها ولا كبير إجحاف عليه، وتسقط عمن لا يقدر عليها ولا على شيء منها ولا يطلب بها بعد غناه، وتخفف عمن حاله بين هذين على حسب نظر الإمام. وفي الكافي: وتؤخذ من فقرائهم بقدر ما يحتملون ولو درهم وإلى هذا رجع مالك، ومن بلغ منهم أخذت منه الجزية عند بلوغه ولا ينتظر به الحول. وقال ابن حبيب في الواضحة: لا تؤخذ الجزية من الفقير. اللخمي: وهو أحسن، وفي المقدمات: ولا تنقص عن الفقير لفقره إذا كانت له قوة على احتمالها، واختلف إن ضعف عن حمل جملتها؛ فقيل: إنها توضع عنه وهو الظاهر من قول ابن القاسم، وقيل: قد يحمل منها بقدر احتماله. قال القاضي أبو الحسن: ولا حد لذلك. وقد قيل: إن حد أقل الجزية دينار أو عشرة دراهم. وهِي أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وأَرْبَعُونَ دِرْهَماً مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ لا يزاد على ذلك وإن كثر يسرهم على المشهور. ونقل في الكافي قولاً أنه يزاد على من قوي على ذلك. مالك في الموازية: ويوضع عن أهل الجزية ما كان قدره عمر- رضي الله تعالى عنه- عليهم من ضيافة ثلاثة أيام وأرزاق المسلمين؛ لما أحدث عليهم من الجور. وقال في المقدمات: معنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يأخذ ضيافتهم إذا علم أنه لم يوف لهم بالعهد. الباجي: وقول مالك يدل على أن ذلك لازم مع الوفاء بما عوهدوا عليه. تنبيه: وهذا كله إنما هو في الجزية العنوية؛ وأما الصلحية فلا حد لها إلا بحسب ما تقرر عليهم من قليل أو كثير، قاله ابن حبيب وغيره. قال في المقدمات: وفيه نظر، والصحيح

стр. 1531

أنه لا حد لأكثرها، وأقلها ما فرض عمر. انتهى. فيكون أقلها أربعة دنانير أو أربعون درهماً، ثم ذكر أنها إذا وقعت مبهمة حملت على الجزية العنوية. وفِي [٢٦٦/ أ] التَّخْفِيفِ عَمَّنْ دُونَ الْمَلِيءِ قَوْلانِ القول بالتخفيف لمالك وأصبغ، ومقابله لابن القاسم. ومَنْ أَسْلَمَ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَوْ سِنُونَ، كَمَا يَسْقُطُ الْمَالُ الَّذِي هُودِنَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحُصُونِ إِذَا أَسْلَمُوا .... تصور كلامه ظاهر؛ ونبه على خلاف الشافعي، فإنه قال بعدم السقوط بالإسلام؛ ووجه مذهبنا: أن الله قرن أخذها بالذلة والصغار وذلك غير ممكن بعد الإسلام. مالك: وبلغين أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن اسلم من أهل الجزية حين يسلمون. مالك: وهي السنة التي لا اختلاف فيها؛ ولما في ذلك من التأليف على الإسلام. وقوله: (هُودِنَ) أي: صولح. ويَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الصُّلْحِ بِالإِسْلامِ الْجِزْيَةُ عَنْهُ وعَنْ أَرْضِهِ ودَارِهِ أهل الصلح: قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صولحوا على شيء يعطونه من أموالهم، فما صولحوا على بقائه بأيديهم فهو مال صلح أرضاً كان أو غيرها، وما صولحوا به أو أعطوه عن إقرارهم في بلادهم أو تأمينهم أرضاً كان أو غيرها، فإنه ليس بمال صلح، قاله الباجي. وروى ابن حبيب أن الجزية الصلحية جزيتان؛ أولاهما: أن تكون عن الجماجم. والثانية: أن تكون على جملتهم، فإن كانت على الجماجم، فهذه الجزية تزيد بزيادتهم وتنقص بنقصانهم، ويبرأ من أداها وإن لم يؤد غيره شيئاً، وإن كانت عن جملتهم فلا يزاد على ذلك بزيادتهم ولا ينقص منها لنقصانهم، ولا يبرأ أحد منهم إلا بأداء الجميع؛ لأنهم حملاء؛ وجعل صاحب المقدمات الجزية الصلحية ثلاثة أوجه:

стр. 1532

الأول: أن تكون الجزية مجملة عليهم. والثاني: أن تكون مفرقة على رقابهم دون الأرض. والثالث: أن تكون مفرقة على رقابهم وأرضهم، أو على أرضهم دون رقابهم، مثل أن يقول: على كل رأس كذا وكذا، وعلى كل زيتونة كذا وكذا. قال: ولكل وجه من هذه الوجه أحكام تخصه. فأما إذا كانت الجزية مجملة عليهم: فذهب ابن حبيب إلى أن الأرض موقوفة للجزية لا تباع، ولا تقسم، ولا تورث، ولا تكون لهم إن أسلموا عليها، وأن مال من مات منهم لورثته من أهل دينه، إلا أن لا يكون له ورثة من أهل دينه فيكون للمسلمين. وذهب ابن القاسم إلى أن أرضهم بمنزلة ما لهم يبيعونها ويورثونها ويقتسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، وإن مات منهم ميت ولا وارث له فأرضه وماله لأهل مواده، ولا يمنعون من الوصايا وإن أحاطت بأموالهم، إذ لا ينقصون من الجزية شيئاً بموت من مات منهم. خليل: يريد بهذا الوجه: أن الصلح وقع مجملاً على البلد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل بما يخص كل واحد، وأما لو وقعت مجملة على الرقاب دون البلد، فنص ابن حبيب على أن لهم بيع الأرض وأنها تورث عنهم كما لو كانت مفصلة على الجماجم، نقله ابن يونس عنه. وعلى هذا فتصير أربعة أوجه؛ قال: وأما إن كانت الجزية مفرقة على رقابهم، فلا اختلاف أن لهم أرضهم ومالهم يبيعون ويورثون وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم ولا وارث له من أهل دينه فأرضه وماله للمسلمين، ولا تجوز وصيته إلا في ثلث ماله. وأما إن كانت الجزية مفرقة على الجماجم والأرض، أو على الأرض دون الجماجم، فاختلفوا في جواز بيع الأرض على ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيع لا يجوز، وهي رواية ابن نافع عن مالك. والثاني: أن البيع جائز ويكون الخراج على البائع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها.

стр. 1533

والثالث: أن البيع جائز ويكون الخراج على المبتاع ما لم يسلم البائع، وهو مذهب أشهب، وقوله في المدونة، ولا اختلاف أنها تكون لهم إن أسلموا عليها، وأنهم يرثونها بمنزلة سائر أموالهم وقرابتهم من أهل دينهم، أو المسلمون إن لم تكن لهم قرابة من أهل دينهم. وتَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ الْجِزْيَةُ فَقَطْ؛ لأَنََّ مَا بِيَدِهِ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. أما سقوط الجزية، فواضح لما ذكرنا؛ وأما الأرض فإنها للمسلمين؛ لأنها لم تقر بيده إلا ليعمل فيها ويكون ذلك إعانة له على أداء الجزية. الباجي: والعنوة: الغلبة. وأَمَّا غَيْرُهَا مِمَّا تُرِكَ بِيَدِه ِفَالْمَشْهُورُ لَهُ يعني: غير الأرض من الرقيق والحيوان والعروض، وما ذكره المصنف هنا ينبني على فرع آخر، وذلك إذا اختلف في أهل العنوة إذا أقرت بأيديهم الأرض؛ فقيل: هم عبيد للمسلمين، وعليه فلا يكونون أحراراً بإسلامهم، ولا يملكون بإسلامهم مما بأيديهم شيئاً؛ وقيل: هم أحرار، فعلى هذا يأتي المشهور الذي ذكره المصنف: أنهم إذا أسلموا تكون لهم أموالهم، لكن لم أر من خرج بمشهوريته، وإنما حكاه الباجي وغيره عن ابن حبيب. والشاذ في كلام المصنف هو مذهب ابن القاسم. واعلم أن هذين القولين مطلقان فيما كان بأيديهم يوم الفتح وفيما اكتسبوه بعد ذلك. ولابن المواز ثالث: أنهم يملكون ما اكتسبوه بعد الفتح لا ما كان موجوداً يوم الفتح. ابن رشد: وهو استحسان على غير قياس. ويشهد لتشهير المصنف ما قاله صاحب البيان، وابن زرقون: أن ظاهر المدونة في باب [٢٦٦/ ب] الهبة لا يمنع أهل العنوة من الهبة والصدقة، إذ لم يفرق بين أهل العنوة والصلح، خلافاً لابن حبيب الذي منعهم من الهبة والصدقة وجعلهم كالعبد المأذون له في التجارة. الباجي: ويكون على قول ابن المواز أن لهم هبة ما اكتسبوه بعد الفتح فقط.

стр. 1534

والْمَوْتُ كَذَلِكَ أي: حكم موته حكم إسلامه فيما ذكر في ارض الصلح والعنوة وغيرها. فرع: وكيف نعلم ورثتهم ونحن لا نعلم مواريثهم. وروى يحيى عن ابن القاسم: أن ذلك راجع إلى أهل دينهم وأساقفتهم، فمن قالوا: يرثه من ذي رحم أو غيره من رجل أو امرأة سلم ذلك إليه، وإن قالوأ: لا وارث له فميراثه للمسلمين. ووجه ذلك: أن طريقه الخبر عما ينفردون به من العلم، فيقبل قولهم عما يعلمونه من الأدواء وترجمتهم عن الألسنة التي لا نعرفها، قاله الباجي. ابن راشد: وأما العنوي فإن كان له وارث ورثه ويسأل عن ذلك أساقفتهم، وإن لم يكن له وارث فماله لبيت المال. والله أعلم. ولَوْ قَدِمَ حَرْبِيٌّ فَأَرَادَ الإِقَامَةَ نَظَرَ السُّلْطَانُ، فَإِنْ ضَرَبَهَا ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ، فَفِي تَمْكِينِهِ قَوْلانِ .. قد تقدم أن الحربي إذا بذل الجزية بشرطها حرم قتاله، وعلى هذا فإنما يكون نظر السلطان هنا لأجل أنه قد لا يكون قصده الإقامة عندنا على الحقيقة، بل احتمل أن يكون جاسوساً ونحو ذلك. وقوله: (فَإِنْ ضَرَبَهَا) القول بتمكينه من الرجوع لمالك في الموازية، واستحسنه ابن القاسم. وقال محمد: إذا اختار الجزية واستلزمها الجزية لم يمكن من الرجوع، والأظهر أن الخلاف مبني على أنه يخشى منه أن يدل على عورة المسلمين أم لا. وأما إن تحقق ذلك فيمنع بلا إشكال، والأظهر المنع مطلقاً. محمد: ولو أراد المسير إلى بلد آخر من بلاد المسلمين وتضرب عليه الجزية فيه لم يمنع. وَمَنْ سَافَرَ فِي قُطْرِهِ الَّذِي صُولِحَ عَلَيْهِ فَلا عَزْمَ عَلَيْهِ، وإِنْ سَافَرَ إِلَى غَيْرِهِ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ مِمَّا بَاعَ بِهِ أَوِ اشْتَرَاهُ. وقِيلَ: وإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِحَقِّ الانْتِفَاعِ أَوِ الْوُصُولِ ..... ليس القطر عبارة عن مملكة ملك، فإن الملك الواحد قد يملك قطرين فأكثر كملك مصر، فإنه يملك الشام والحجاز وكل منهما قطر منفرد، وحاصل كلامه أن تجار الكفار

стр. 1535

على ضربين: مستأمن وسيأتي حكمه، وذمي وهو إن سافر في قطره الذي يؤدي فيه الجزية فلا يؤخذ منه شيء، وفي غيره يؤخذ منه العشر، وهذا هو المشهور. وقال محمد ابن عبد الحكم: لا يؤخذ منهم شيء إلا بمكة أو المدينة خاصة، حيث أخذ منهم عمر- ﵁ وهل لا يؤخذ منهم العشر إلا أن باعوا أو اشتروا، وإليه ذهب مالك، وابن القاسم، وأشهب وهو المشهور، أو يؤخذ منهم وإن لم يبيعوا ويكون المسلمون شركاء لهم فيما بأيديهم، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين. ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف، ويبني عليه لو أراد الذمي الرجوع بعد وصوله وقبل بيعه، فعلى المشهور لا شيء عليه. فرع: واختلف في الذمي إذا رجع من غير قطره إلى قطره، فقال مالك في المجموعة: يؤخذ منه، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا يؤخذ منه شيء. وحُرُّهُمْ وعَبْدُهُمْ سَوَاءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، لا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَقِيقِهِمْ فِي اسْتِخْدَامٍ أَوْ وطْءٍ، وعَلَيْهِ لا يُؤْخَذُ فِي تِبْرٍ يَضْرِبُونَهُ إِلا أُجْرَةَ عُشْرِهِ ..... اشتراك الحر والعبد في ذلك ظاهر، لأنه إنما أخذ لحق الانتفاع أو الوصول؛ وذلك مشترك فيما قاله في المدونة؛ ولو قدم الذمي مائة مرة فإنه يؤخذ منه، و (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: في أنه لا شركة لأحد معهم، فإنه لا يحال بينه وبين إمائه، وله وطؤهن واستخدامهن، وكذا قال ابن القاسم، وقال ابن حبيب: لا يمكن من ذلك؛ لأن المسلمين شركاؤه. وعلى الخلاف فإذا قدموا بتبر يضربونه دنانير أو صاغوا حلياً لم يؤخذ منه إلا عشر الأجرة؛ ووقع هنا نسختان؛ إحداهما: الأجرة عشر. والثانية: إلا عشر أجرته، وكلاهما بمعنى؛ لأن عشر الأجرة أجرة العشر. وعلى قول ابن حبيب يؤخذ منهم عشر التبر، وإذا قدموا بغزل نسجوه بأيديهم أو تبر فضربوه أيضاً بأيديهم فلا شيء عليهم، ونص عليه ابن المواز. وهكذا ينبغي لهم ذلك بهبة من غير ثواب، والظاهر أنهم إن أثابوا عليها أن حكم ذلك حكم الأجرة.

стр. 1536

ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف وهو المنصوص لغيره، أن المأخوذ هنا إنما هو عشر الإجارة، والتحقيق على قول ابن القاسم أنه يؤخذ منهم عشر العمل؛ لأنه عوض عشر الدراهم، فحق الإمام أن يأتي بعشر تبرهم أو غزلهم فيكلفهم الاستئجار عليه. فرع: ابن عبد السلام: ولا يسقط هذا العشر بدين يكون على الذمي؛ لأنهم أسقطوه بدين المسلم يكون عليه، وشرطوا في دين المسلم قيام البينة على صحته، ولا يقبل قول الذمي فيه كما يقبل قول المسلم في المشهور. انتهى. وَلَوْ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ سِلَعاً أُخِذَ عُشْرُ السِّلَعِ لا عُشْرُ قِيمَتِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ لا خصوصية في فرض هذه المسألة في العين، بل وكذلك لو قدموا بسلع؛ ولا إشكال على قول ابن حبيب أن عليهم عشر ما قدموا به، وإنما الخلاف هنا مبني على المشهور، والمشهور هو نص المدونة، [٢٦٧/ أ] قال فيها: ولو قدم بعين فاشترى به سلعة أخذ منه عشر تلك السلعة مكانه، ونقلها أبو محمد: أخذ منه عشر قيمة تلك السلعة، وهذا هو مقابل المشهور عند المصنف، وقد تقدم أن مثل هذا لا ينبغي أن يعد خلافاً. ابن يونس: قال بعض شيوخنا: إن كانت السلعة تنقسم أخذ منه عشرها، وإن كانت لا تنقسم أخذ منه تسع قيمتها؛ وذلك أن لنا عشر السلعة بعينها، فإذا أعطانا قيمة العشر صار كأنه اشترى سلعة ثانية منا فلنا أيضاً عشرها، فإذا أعطانا أيضاً قيمة العشر، صار كسلعة ثالثة اشتارها منا، ثم كذلك حتى يدق العشر- فلا يعلم قدره إلا الله تعالى- فيؤخذ منه التسع في أول مرة، وهو الحق الذي لا شك فيه. انتهى. وأنكر بعضهم هذا القول ورأى أنه يلزم في التسع ما يلزم في العشر. الباجي: واختلف أصحابنا المغاربة إذا بنينا على أخذ العشر، فقال بعضهم: إن كان ما صار لهم ينقسم أخذ منه العشر، وإن كان لا ينقسم أخذ منه ثمن العشر. وقال بعضهم: تؤخذ منه القيمة على كل حال، وإن كان مما ينقسم أو يكال أو يوزن.

стр. 1537

فرع: فإن استحق المشترى أو رد بعيب، ففي كتاب ابن سحنون: يرجع عشره، وهو في الاستحقاق ظاهر. وأما في الرد بالعيب فصحيح على رأي المتأخرين أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وأما على القول بأنه ابتداء بيع فهو مما ينظر فيه. ويُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ غَلَّةِ دَوَابِّهِ وغَيْرِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وفِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ ثَلاثَةُ: مَشْهُورُهَا فِيمَا عَقَدَ فِي غَيْرِ قُطْرِهِ فَقَطْ وبِالْعَكْسِ، ومِقْدَارِ سَيْرِهِ فِي قُطْرِ غَيْرِهِ غيرها كالسفن، والمشهور مذهب المدونة، والشاذ لأشهب وابن نافع: لا شيء عليه في ذلك، بناءً على أن هذا ملحق بالتجارة أم لا. وعلى المشهور اعتبار محل العقد، فإن عقد في قطره إلى قطر غيره لم يؤخذ منه شيء، وبالعكس يؤخذ منه، والعكس لابن حبيب. اللخمي: ويختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقبضها في غير بلده، هل يراعى موضع العقد أو موضع القبض، وقيل: يفرض الكراء على مجموع سيره في قطره وقطر غيره، فما ناب قطره سقط عشره، وما ناب غيره أخذ عشره، وفي الجلاب عن ابن المواز: يؤخذ العشر سواء أكرى ببلده أو بغير بلده. وفِي الاقْتِصَارِ عَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ فِيمَا يَجْلِبُ مِنَ الطََّعَامِ إِلَى مَكََّةَ والْمَدِينَةِ قَوْلانِ في قوله: (الطََّعَامِ) إطلاق وليس المراد عموم الطعام، بل المراد الحنطة والزيت خاصة، صرح به ابن الجلاب وصاحب الكافي. والقول بنصف العشر رواه ابن نافع عن مالك، وهو الذي في الجلاب والرسالة. والقول بالعشر لمالك أيضاً، وقد أغنى الله مكة والمدينة بالمسلمين. ابن الجلاب: ويخفف عنهم في قرى مكة والمدينة كما يخفف عنهم فيهما، ويؤخذ منهم في ذلك العشر كاملاً فيما حملوه من البز والعروض والقطاني وسائر التجارات سوى الحنطة والزيت.

стр. 1538

وأَمَّا الْمُعَاهَدُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، فَالْمَشْهُورُ اجْتِهَادُ الإِمَامِ، فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ وإِنْ لَمْ يَبِيعُوا، وقِيلَ: كَالذِّمِّيِّ ..... المعاهد: هو الحربي إذا قدم إلينا بعهد؛ أي: بأمان. ولا شك أنه إن قدر عليه شيء أنه يؤخذ منه ولا يزاد عليه. ابن راشد: ونقل بعضهم في ذلك الاتفاق، وإن لم يقدر شيء فذكر المصنف أن المشهور في ذلك اجتهاد الإمام؛ أي: فيما يؤخذ منهم؛ أعني: فيما ينزلون عليه. وأما إن نزلوا مبهماً فيتعين أخذ العشر، نص عليه في الرسالة، والجلاب وغيرهما. وفي المدونة: وأهل الحرب إذا نزلوا بتجارة أخذ منهم ما صولحوا عليه، وقاله ابن نافع، وروى علي بن زياد عن مالك أن عليهم العشر. قال في البيان: واختلاف رواية ابن القاسم ورواية علي إنما هو في الابتداء هل ينزلون على العشر أو مبهماً؟ فابن القاسم أجاز أن ينزلوا على أقل من العشر أو مبهماً، وعلى لم يجز أن ينزلوا على أقل من العشر، وإذا نزلوا مبهماً اتفقت الروايات على أخذ العشر. قال صاحب تهذيب الطالب: ظاهر رواية ابن زياد أن ذلك سواء نزلوا مبهماً أم لا، وهم كأهل الذمة وقد بينه في المجموعة، ونصها على ما قال مالك: ويؤخذ من تجار أهل الحرب العشر مثل ما يؤخذ من تجار أهل الذمة. عبد الحق: وهذا يبطل تأويل من تأول أن الذي وقع في المدونة معناه إذا نزلوا مبهماً. ابن القاسم في المجموعة: وإذا نزلوا على دراهم أو دنانير لم يحل بينهم وبين رقيقهم. مالك: ولو كان على العشر حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا. وقال ابن حبيب: وللوالي أن يقاسمهم فيما قدوا به، وإن كان مما لا ينقسم بيع كله وأخذ الوالي جزأه وخلى لهم البقية، إن شاءوا باعوا هنا أو رجعوا به. وقال مالك في الموازية: ليس للوالي مقاسمتهم رقيقاً ولا غيره حتى يبيعوا، قال فيها وفي المجموعة: فإن لم يبيعوا ورجعوا فليؤدوا العشر ويصنعوا ما شاءوا، ثم حيثما نزلوا من بلاد الإسلام فلا يؤخذ منهم شيء، إلا أن يشترط

стр. 1539

عليهم شرط فيعمل عليه، وإلى ما في الموازية: أنهم إن لم يبيعوا أخذ منهم العشر [٢٦٧/ ب] أشار المصنف بقوله: (فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ وإِنْ لَمْ يَبِيعُوا) لكن في قوله: (أن يأخذ) نظر؛ لأن ظاهره أن له الترك وهو خلاف لما في الموازية، وكذلك قال أبو الحسن: ظاهر المدونة أن أهل الحرب يؤخذ منهم العشر باعوا أو لم يبيعوا، والقول بأنه لا يؤخذ منهم حتى يبيعوا كالذميين لأشهب. فرعان: الأول: إذا دخل أهل الحرب إلينا فباعوا واشتروا ثم مضوا إلى بلد آخر من بلاد المسلمين فباعوا واشتروا، فلا يؤخذ منهم تارة أخرى بخلاف أهل الذمة. قال في النكت والفروق: إن أهل الحرب قد حصل لهم الأمان ما داموا في أرض المسلمين وجميع بلاد الإسلام كبلد واحد، وأما أهل الذمة فإنما يؤخذ منهم لانتفاعهم؛ إذ هم غير ممنوعين من بلادنا، فكلما تكرر نفعهم تكرر الأخذ منهم. الثاني: قال أصبغ: لا أرى أن يتركوا يدورون في سواحل الإسلام لبيع أو شراء إلا الموضع الذي نزلوه وإن لم يبيعوا؛ لأن ذلك عورة وتفتيش لموضع العورة، ولا ينبغي أن ينزلوا إلا في الموضع المجتمع الذي تؤمن عورتهم فيه، ولا يدورون أزقة موضع نزلوا فيه إلا الأسواق والطريق الواضحة لحوائجهم. ولا يُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِ خَمْرٍ لِمُسْلِمٍ، والْمَشْهُورُ تَمْكِينُهُمْ لِغَيْرِهِ أي: لغير المسلم، وكذلك قال ابن بشير، قال: ويمكن أن يخرج الخلاف على أنهم مخاطبون فلا نمكنهم أو لا فنمكنهم. مالك في المجموعة: وإن خيف من خيانتهم في بيع الخمر ونحوه جعل عليهم أمين. ابن نافع: وذلك إذا جلبوا لأهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها. اللخمي: وقال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء بذلك ولا النزول على مثل هذا، وتهرق الخمر وتعرقب الخنازير، وإن نزلوا على ذلك وهم بحدثان نزولهم

стр. 1540

قيل لهم: إن شئتم فعلنا ذلك وإلا فارجعوا وإن طال مكثهم فعل ذلك وإن كرهوا. انتهى. والشاذ في كلام المصنف هو قول ابن شعبان، وعزاه في الجواهر لابن حبيب. ابن عبد السلام: وظاهر كلام المصنف أنهم يمكنون من القدوم بالخمر ابتداءً، لأن التمكين من البيع فرع عن التمكين من النزول، وظاهر الروايات خلاف ذلك. خليل: والظاهر هنا الشاذ، وهو الجاري على قاعدة المذهب من سد الذرائع، وقد تحققت المفسدة في الإسكندرية أسال الله أن يزيلها منها ومن كل موضع شاركها في هذا المعنى. والْمُسْتَامَنُ بِمَالٍ يَمُوتُ إِنْ كَانَ عَلَى الإِقَامَةِ فَمَالُهُ فَيْءٌ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَرَثَتُهُ، وإَنْ كَانَ عَلَى التَّخْبِيرِ رُدَّ مَعَ دِيَتِهِ إِنْ قُتِلَ، وفِي رَدِّهِ إِلَى وَرَثَتِهِ أَوْ إِلَى حُكََّامِهِمْ قَوْلانِ، وإِنْ كَانَ مُطْلَقاً ولا عَادَة فَفِي تَعْيينِ مَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ قَوْلانِ أطلق المصنف المستأمن على الحربي الآتي إلينا وإن أتى على الإقامة، والغالب في اصطلاحهم إنما يطلقونه على من أتى طالباً الأمان لأم ثم يذهب، وذكر أن للقادم أحوالاً ثلاثة: الأولى: أن ينزل على الإقامة، وحكمه فيها حكم سائر أهل الذمة، وإن كان معه ورثته ورثوه، وإلا فلبيت المال. الثانية: أن يقدم لأمر ثم يعود، وهو مراده بقوله: (عَلَى التَّخْبِيرِ) وحكمه أنه لا حق للمسلمين في ماله إن مات، ولا في ديته إن قتل، بل يبعث بجميع ذلك إلى بلاده. ابن المواز: وديته كدية الذمي، وقيل غير ذلك. ومذهب المدونة: أنه يبعث إلى ورثته، ففيها: وإذا مات عندنا حربي مستأمن وترك مالاً أو قتل فماله وديته يدفع إلى من يرثه ببلده ويعتق قاتله رقبة. وقال غيره: يدفع ماله وديته إلى حكامهم، والغير هو سحنون. ونقل ابن أبي زيد كلام الغير: تدفع قيمة ديته إلى حكامهم وماله إلى ورثته، والأكثرون ذهبوا إلى أن قول الغير مخالف لقول ابن القاسم، وذهب أبو عمران إلى أنه وفاق، وأن قول ابن

стр. 1541

القاسم محمول على ما إذا علمت بينة مسلمون ورثته وعددهم، وقول الغير محمول على عدم العلم، وهذا الذي قاله أبو عمران إنما يتم على النقل الأول لا على نقل الشيخ أبي محمد فتأمله. ابن حبيب: وإن ظهرنا على ورثته فماله فيء لذلك الجيش الذي ظهروا عليه. الحالة الثالثة: أن يقدم من غير تنصيص على إقامة ولا رجوع، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ كَانَ مُطْلَقاً ولا عَادَة) يعني: لا عادة لهم في المكث والرجوع، وهو إشارة إلى ما نص عليه سحنون: إن كان أكثر المستأمنين بذلك البلد إنما هو على المقام، فميراثه للمسلمين ولم يكن لهذا أن يرجع، وإن كان شأنهم الرجوع فله الرجوع، وميراثه إن مات يرد لورثته، إلا أن تطول إقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه، وإذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعاً فميراثه للمسلمين، والقول الآخر ذكره جماعة ولم ينسبوه. ولَوْ تَرَكَ الْمُسْتَامَنُ ودِيعَةً فَهِيَ لَهُ يعني: وذهب إلى بلده، فإنها له وترد له أو لورثته؛ لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (. فَإِنْ قُتِلَ أَوْ أُسِرَ، فَثَالِثُهَا: إِنْ قُتِلَ كَانَتْ فَيْئاً، ورَابعُهَا: عَكْسُهُ يعني: فإن حارب المسلمين فقتل أو أسر والويعة عندنا، فأربعة أقوال، وقد حكاها ابن بشير: الأول: أنها في الوجهين كما لو كانت معه؛ ولأن ماله لا تزيد حرمته على حرمته هو. الثاني: أنها ترد إلى ورثته وتبقى له إن أسر وفاء بالعهد. الثالث: إن قتل فهي [٢٦٨/ أ] فيء، وإن أسر فهي له. والرابع: أنها تبع لرقبته، فإن أسر كانت فيئاً، وإن قتل ردت إلى ورثته. وقول ابن عبد السلام، والقول الثاني: ترد إلى ورثته في الوجهين ليس بظاهر؛ إذ لا يمكن أن يقال: يردها إلى ورثته مع بقائه، ووجود الأقوال هكذا منسوبة لقائلها عزيز

стр. 1542

وفي ابن يونس قولان؛ الأول لابن القاسم، وأصبغ في الموازية: أنها ترد لورثته إن مات أو قتل في المعركة، وإن أسر ثم قتل فهي فيء لمن أسره وقتله؛ لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله. والثاني لابن حبيب: إن أسر ثم قتل فهي لمن أسره وقتله، وأما إن قتل في المعركة فهي فيء لا خمس فيها؛ لأنها لم يوجف عليها، وقاله ابن الماجشون، وابن القاسم، وأصبغ. الأَمْوَالُ: غَنِيمَةٌ، وفَيْءٌ. فَالْغَنِيمَةُ: مَا قُوتِلُوا عَلَيْهِ. والْفَيْءُ: مَا لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ يعني: أن أموال الكفار المأخوذة منهم قسمان: غنيمة، وفيء. فالغنيمة: ما قوتلوا عليه؛ أي: أخذ بسبب قتال، وليس مراده بأنهم قوتلوا لأجل المال؛ لأن ذلك يمنع من الشهادة في سبيل الله فكيف تفسر به الغنيمة. والفيء: ما أخذ بغير قتال، وإليه أشار بقوله: (مَا لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ) ولعله إنما عدل عن حقيقة المقاتلة بأن يقول: والفيء ما لم يقاتلوا عليه تبركاً بالآية، وهي قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ([الحشر: ٦] يقال: وجف الشيء إذا اضطرب. وتُخَمَّسُ الْغَنِيمَةُ، وَخُمُسُهَا كَالْفَيْءِ، والْجِزْيَةِ، والْخَرَاج تخمس الغنيمة؛ لقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ([الأنفال: ٤١]. وقوله: (كَالْفَيْءِ، والْجِزْيَةِ، والْخَرَاج) تشبيه ليفيد الحكم في الجميع. وقوله: (والخراج) أي: خراج الأرض سواء افتتحت عنوة أو صلحاً. ولا يُخَمَّسُ لُزُوماً، بَلْ يُصْرَفُ مِنْهُ لآلِهِ ﷺ بالاجْتِهَادِ ومَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ... هذا ابتداء مسألة، يعني: أن الخمس، والفيء، والجزية، والخراج لا يلزم فيها التخميس، بل الأمر في ذلك إلى نظر الإمام، فإن شاء وقفه لنوائب المسلمين أو قسمه،

стр. 1543

ولابن عبد الحكم: لا يوقف. وإذا قسمه فإن شاء دفعه كله لآله ﷺ أو لغيرهم، أو جعل بعض ذلك فيهم وبعضه في غيرهم بالاجتهاد كما قال المصنف، ونبه بقوله: (ولا يُخَمَّسُ لُزُوماً) على مذهب الشافعي في قوله: إنه يلزم أن يقسم خمس الغنيمة على خمسة أجزاء، وذلك مبني على اختلافهم في قوله تعالى (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (كما اختلفوا في آية الزكاة. وفِيهَا: يُبْدَأُ بِالَّذِينَ فِيهِمُ الْمَالُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً نُقِلَ إِلَيْهِمْ أَكْثَرُهُ كالزكاة وتصوره ظاهر. وأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْمُقَاتِلِينَ لأنه لما قال الله تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (علمنا أن أربعة أخماسها للمقاتلين، ولا خلاف في ذلك. ويُنَفِّلُ الإِمَامُ مِنَ الْخُمُسِ خَاصَّةً مَنْ يَرَاهُ مَا يَرَاهُ مِنْ سَلَبٍ وغَيْرِهِ النفل لغة: الزيادة. وفي الشرع: زيادة من الغنيمة وقوله: (مِنَ الْخُمُسِ خَاصَّةً) أي: ليس هو أصل الغنيمة، ففي الموطأ عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً بعيراً. زاد في غير الموطأ: من الخمس. وقوله: (مَنْ يَرَاهُ) أي: يراه أهلية لذلك لشجاعته. وقوله: (مَا يَرَاهُ مِنْ سَلَبٍ وغَيْرِهِ) إشارة إلى أن السلب من النفل وهو كذلك.

стр. 1544

ويَجُوزُ أَنْ يَنُصَّ الإِمَامُ بَعْدَ الْقِتَالِ عَلَى أَنََّ سَلَبَ الْمَقْتُولِ ونَحْوِهِ لِلْقَاتِلِ، فَلَوْ نَصَّ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ، وكَذَلِكَ مَنْ تَقَدَّمَ فَلَهُ كَذَا ونَحْوُهُ .... لأنه بعد القتال من النفل وهو جائز، وأما قبله ففيه إفساد لنية المجاهدين؛ ولأنه قد يلقي بعض المجاهدين بنفسه للهلاك لأجل السلب. وفِي إِمْضَائِهِ قَوْلانِ أي: إذا بنينا على عدم جوازه قبل الفتح، فقال ملك: فهل يمضي؟ قال سحنون: يمضي؛ لأنه حكم بما اختلف فيه أهل العلم. ابن عبد السلام: وهو الصحيح، والقائل بعدم تنفيذه هو ابن حبيب في ظاهر كلامه، إلا أنه لا يبطله مطلقاً كما هو ظاهر كلام المصنف، بل قال: يعرف قيمة ما سمي الإمام فيعطي ذلك من الخمس، وإنما أبطل إعطاءه من أصل الغنيمة. سحنون: [٢٦٨/ ب] وإذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه بلفظ عام ثبت هذا الحكم له ولجميع المسلمين، وإن خص نفسه فقال: إن قتلت قتيلاً فلي سلبه لم يكن له شيء؛ لأنه حابى نفسه بقوله ولم يعدل فلم يجز حكمه. ولو قال: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه، فقد نفذ ذلك للناس دونه؛ لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم. وإن قال بعد أنخص نفسه: من قتل قتيلاً مجملاً فإنما له في المستقبل. ولو قال: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه، فمن قتل منهم اثنين أو ثلاثة فله سلبهم. ولو قال لرجل: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، فقتل اثنين أحدهما بعد الآخر، فغيرنا يجيزه ويعطيه سلب الأول خاصة، ونحن نكرهه. فإن نزل على وجه الاجتهاد مضى وله سلب الأول خاصة، فإن جهل، فقيل: له نصفهما، وقيل: أقلهما. ابن المواز: وإن قتل قتيلين معاً، فقيل: له نصف سلبهما قسمة للمشكوك فيه على التداعي، وقيل: أكثرهما؛ لأنهما لما قتلا معاً صاراً كالقتيل الواحد فيستحق سلبه فلهذا أعطي الأكثر. وإذا قال الأمير: من قتل قتيلاً فله سلبه، فليس له سلب من قتل ممن لا يجوز له

стр. 1545

قتله من امرأة، أو صبي، أو زمن، أو راهب إلا أن يقاتل هؤلاء فله سلبهم لإجازة قتلهم، فإن قال: من قتل قتيلاً فله سلبه ولم يقيد؛ فقتله ذمي أو امرأة فالمنصوص لا شيء لهما. خليل: وقد يتخرج على قول من يرى الإسهام للمرأة إذا قاتلت أن يكون لها هنا السلب، إلا أن هذا يحتاج إلى أن يكون القائل بالإسهام لها يرى أن قول الإمام هنا ماضٍ. الباجي، والمازري، وابن يونس: وعلى قول أشهب أنه يرضخ للذمي، فيكون السلب له من الخمس. وإن قال: من قتل كافراً من المسلمين فقتله ذمي فلا شيء له بالإجماع للشرط. وإن قال: من قتل قتيلاً فسمع بعض الناس دون بعض، فالسلب لمن قتل وإن لم يسمع. وإن قال الأمير: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه، لم يستحقه القاتل إلا بها، فإن جاء بشاهدين أخذه، وإن جاء بشاهد واحد، ابن عبد السلام: فله أخذه بغير يمين. وقال الشافعي: يحلف. وإن لم يشترط البينة فجاء برأس القتيل فاختلف في أخذ سلبه، وإن جاء بالسلب لم يأخذه إلا بالبينة. وفيهَا قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إِلا يَوْمَ حُنَيِنٍ، وإِنَّمَا نَفََّلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخُمُسِ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ هذا هو الصحيح. عياض: وعند بعضهم خيبر وهو وهم، وهذا احتجاج من مالك على أنه ليس السلب للقاتل مطلقاً، وإلا لتكرر منه ﷺ في غزواته وعمل به الخلفاء بعده. قال في الاستذكار: وأما قوله: (لَمْ يَبْلُغْنِي) فقد بلغ غيره وذكر أحاديث وردت بذلك. خليل: والظاهر أنه ليس في تلك الأحاديث حجة على المالكية؛ لأنها إنما تدل علىن السلب موكول للإمام وهم يقولون بموجبه، وفي قول مالك- رضي ال له عنه-: وإنما نفل النبي ﷺ من الخمس، جواب عنها- والله أعلم- على أنه يمكن أن يقال: إن قوله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلبه" من باب الحكم منه ﷺ فلا يتعدى لغير من حكم له، وإنما يتعدى لو كان من باب الفتوى. والله أعلم.
следующие страницы →