Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
ولَو قُسِمَ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُ جَهْلًاً لِكِسْوَتِهِمَا، فَثَالِثُهَا: إِنْ عُذِرَا فِي السُّكُوتِ بِأَمْرٍ لَمْ يُتَّبَعَا .....
لا خلاف في حريتهما، وإنما اختلف في اتباعهما، والقول بالاتباع لأشهب، وبعدمه لمالك وابن القاسم وسحنون. اللخمي: لم يفرق في هذين القولين هل كان جاهلاً أو عالماً؟ وقال ابن القاسم: إن كان صغيراً أو كبيراً قليل الفطنة، كثير الغفلة، أو أعجمياً يظن أن ذلك رق له لم يتبع، وإن نودي عليه وهو ساكت بلا عذر أتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع. وقال غيره: لا يتبع ولو غر. واختلف الشيوخ في إبقاء هذه الأقاويل على ظاهرها في المسألة أو تأول، فذهب المؤلف وبعضهم إلى بقائها على ظاهرها كما ترى. وقال اللخمي: لا يختلف إذا كان المبيع صغيراً؛ لأنه لا رجوع عليه. وقال ابن رشد: لا خلاف أنه إذا عذر بجهل لا شيء عليه، وإنما اختلف إذا لم يعذر بجهل، وطريقة ابن رشد مخالفة للخمي؛ لأن ابن رشد أخرج من يعذر بجهل مطلقاً من الخلاف، واللخمي إنما أخرج الصغير، وكلاهما خلاف طريقة المصنف وابن بشير؛ لكونهما أطلقا الخلاف. وأشار في البيان إلى أن هذا الخلاف جارٍ على الغرور بالقول.
ابن عبد السلام: وبالجاري عندي على مشهور المذهب أنه غرور بالفعل، وأنه موجب للغرم؛ لأن سكوته مع علمه وإسلامه نفسه لمشتريه فعل، ومسائل الغرور في النكاح تشهد لذلك. اللخمي: وكل هذا إذا افترق الجيش وكانوا لا يعرفون لكثرتهم، فإن لم يفترق الجيش أو عرفوا بعد الافتراق رجع عليهم المشتري أو من صار في سهمه. ابن القاسم: ينبغي للإمام أن يغرم لمن وقع في سهمه من بيت المال. وقال ابن مسلمة: على الإمام أن يؤدي ذلك من الفيء أو الخمس. وقال سحنون: لا شيء عليه ولا يعطى من الخمس أو بيت المال، وهي مصيبة نزلت به.
стр. 1577
ومَنْ عَاوَضَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى مَالٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلِمَالِكِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ اتِّفَاقاً
تقدم أن للمشركين فيما أخذوه شبهة الملك، فإذا دخل رجل دار الحرب فاشترى منهم مال مسلم لم يكن كالمشترى من الغاصب، بل إنما يأخذه ربه بالثمن؛ فإن كان عيناً دفع مثله حيث لقيه أو حاكمه، إن كان مثلياً أو عرضاً دفع إليه مثل ذلك في بلد الحرب، وإن كان الوصول إليها ممكناً، كمن أسلف ذلك فلا يلزمه إلا مثله بموضع السلف، إلا أن يتراضيا على ما يجوز. ابن يونس عن بعض شيوخه: وإن لم يمكن الوصول إليها فعليه هنا قيمة ذلك المكيل ببلد الحرب. والاتفاق الذي حكاه المصنف حكاه ابن بشير.
وفِي أَخْذِ مَا فُدِيَ مِنَ اللُّصُوصِ مَجَّاناً قَوْلانِ
يعني: أنه اختلف إذا فدي شيء من أيدي اللصوص هل لا يأخذه ربه إلا بالثمن كالمشتري من يد العدو؟ أو يأخذه هنا بغير شيء؛ لأن اللص ليس له شبهة الملك بخلاف الحربي؟ والقولان ذكرهما ابن بشير ولم أرهما معزوين.
ابن راشد: والثاني أقيس. وقال ابن عبد السلام: الذي مال إليه من أرضي من شيوخي الأول لكثرة النهب في بلدنا، فيعمد من له وجاهة عند الأعراب، فيفتك منهم ما ينهبونه بأقل من ثمنه، فلو أخذه مالكه بغير شيء انسد هذا الباب مع الحاجة إليه، وكثيراً ما يسأل من هو منتصب لهذا هو تجوز له الأجرة؟ ولا شك في المنع إن دفع الفداء من عنده؛ لأنه سلف وإجارة، وإن كان الدافع غيره ففي ذلك مجال للنظر.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ
يعني: فإن أخذه من دار الحرب بغير شيء، وفي معناه ما أخذه من اللصوص، كما لو وهبه له الحربي، ولم يكافئه على ذلك، وأما إن كافأه فلا يأخذه إلا بذلك.
стр. 1578
فَإِنْ بَاعَهُ الْمُعَاِوضُ مَضَى ولِمَالِكِهِ الزَّائِدُ إِنْ كَانَ. وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ تَمْكِينَهُ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وخَرَّجَهُ غَيْرَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ يُبَاعُ، وفِيهِ قَوْلانِ: الْمَشْهُورُ: كَالْمُعَاوِضِ، وقِيلَ: يَاخُذُهُ بِالثَّمَنِ، ويَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لا غَيْرُ ....
يدخل في قوله (المعاوض) المشتري والمكافئ على الهبة. وقوله: (مَضَى) أي: البيع (ولِمَالِكِهِ الزَّائِدُ إِنْ كَانَ) كما لو اشتراه بمائة وباعه بمائتين، فلمالكه المائة الزائدة.
اللخمي: ويجري فيها قول بأنه لا يكون البيع فوتاً قياساً على ما بيع في المغانم أن للمستحق أن يرد البيع؛ لأن للمالك في كل من الصورتين أخذ عين شيئه إذا وجده قبل البيع. وفرق ابن بشير بقوة ملك المالك في مسألة الغنيمة وضعفه في مسألة الشراء، ألا ترى أنه يأخذه في مسألة الغنيمة قبل القسمة بغير عوض، ولا يأخذه في الشراء إلا بعوض. ولهذا خرجه أبو عمران على الذي يهب له الحربي مال مسلم فيبيعه الموهوب له، فقال ابن القاسم: ليس لمالكه إلا الثمن الذي بيع به خاصة، وإليه أشار بقوله: (الْمَشْهُورُ: كَالْمُعَاوِضِ). وقال ابن نافع: له نقض البيع، ولا يأخذه من يد مشتريه إلا بعد دفع الثمن، ثم يرجع المالك على البائع؛ أي: الموهوب له فيأخذ منه جميع الثمن.
وقوله: (لا غَيْرُ) أي: ليس على الموهوب له غلة. وعلى هذا [٢٧٤/ ب] فيكون قوله: فله جميع الثمن مفرعاً على عدم الإمضاء. وجعل ابن راشد قوله: فله جميع الثمن لا غير مفرعاً على عدم القول بالإمضاء؛ أي: فإذا قلنا بإمضاء البيع فالموهوب الذي لم يكافأ عليه يرجع عليه المالك بجميع الثمن لا غير. خليل: وقد يفرق بين الهبة والبيع بأن المعاوض بذل مالاً فقوي ملكه بخلاف الموهوب.
والْمُدَبَّرُ ونَحْوُهُ إِنْ أُسْلِمَ لِلْمُعَاوِضِ اسْتُوفِيَتْ خِدْمَتُهُ ثُمَّ أُتْبِعَ إِنْ عَتَقَ بِجَمِيعِ الثََّمَنِ، وقِيلَ: بِمَا بَقِيَ ....
قوله: (ونَحْوُهُ) أي: المعتق إلى أجل، وقد تقدم في المدبر يقع في المقاسم، والمفدي من العدو ثلاثة أقوال، ولم يقدم المصنف في الواقع في المقاسم قولاً باتباعه بجميع الفداء،
стр. 1579
وظاهر كلام المصنف أن اتباعه بالجميع هنا هو المشهور، ولم أر من شهره. وعن ابن الماجشون الفرق بين المدبر يقع في المقاسم، فلا يتبع إن خرج حراً، ولا الجزء العتيق إن خرج بعضه كالحر لا يتبع في الفيء، وبين من اشتري من بلد الحرب فيتبعه مشتريه بما بقي له بعد أن يحاسبه بقيمة خدمته وما استغل. قال: لأن الحر في هذا يتبع.
محمد بن المواز: وهو صواب، ولا يأخذ أكثر مم أعطى فيدخله الربا. وقريب مما قاله ابن الماجشون ما ذكره ابن سحنون إلا أنه قال: لا يحاسبه بشيء مما استخدمه ويتبعه بجميع الثمن. وقال: ولم يأخذ به سحنون. وفي المدبر الواقع في المقاسم قول بأنه لا يتبع بشيء، فانظر هل يجري هنا؟
فَإِنْ قَدِمَ بَأَمْوَالٍ مُسْتَامَنُونَ فَفِي كَرَاهَةِ شِرَائِهَا لِغَيْرِ مَالِكِهَا واسْتِحْبَابِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا قدم الحربيون بأمان ومعهم أموال المسلمين، فكره في المدونة لغير أربابها شراءها واستحبه في الموازية، وهو إنما يتوجه على أن ربها يأخذها بالثمن فيكون شراؤها سبباً لخلاصها ولاسيما إذا انضم إلى ذلك رخص في السلع. واختلف في تعليل الكراهة، فقيل: لأن في ذلك تقوية بثمنها، وقدح فيه بأنه يقتضي الكراهة في شراء سلعهم، وقيل: لما في ذلك من إغراء الحربيين على أموال المسلمين، وعلى هذا فالكراهة أيضاً في حق أربابها، وقيل: لأن شراءها يفوتها على ربها، فإن ابن القاسم نص في المدونة على أنه إذا اشترى من المستأمن أحد أنه لا يكون لربه أخذه ولو بالثمن، بخلاف ما يشتري من الحربي ببلد الحرب. قال في المدونة: لأن الحربي لو وهب عبيداً لمسلم في بلد الحرب، فقدم بهم كان لربهم أخذهم بغير ثمن. والذي قدم إلينا بأمان لو وهبهم لأحد لم يأخذهم سيدهم. وإلى هذا الفرع أشار المصنف بقوله:
стр. 1580
وإِنْ اشْتُرِيَتْ أَوْ وُهِبَتْ فَالْمَشْهُورُ: كَالْمِلْكِ الْمُحَقَّقِ لا كَالأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَمَانَ يُحَقِّقُ الْمِلْكَ أَوْ لا ..
قد علمت أن المشهور هو ما في المدونة، ومقابل المشهور أنه كالأول؛ أي: كالمشترى من بلد الحرب فيأخذه ربه في الشراء بالثمن. وفي الهبة بغير شيء، وهو الذي يأتي على مذهب الموازية في الفرع السابق، وهو مذهب القاضي إسماعيل؛ لأنه قال: لم يحك ابن القاسم هذه المسألة عن مالك، والذي يشبه على مذهب مالك أن لصاحبه أن يأخذه في الشراء بالثمن، وفي الهبة بلا ثمن واستحسنه اللخمي. والفرق لابن القاسم هو ما أشار إليه المصنف من أن الأمان يحقق الملك.
وأَمَّا لَوْ أَسْلَمُوا تَحَقَّقَ الْمِلْكُ اتِّفَاقاً
يعني: وأما لو أسلم المستأمنون تحقق ملكهم لما بأيدهم من أموال المسلمين بالاتفاق تأليفاً لهم على الإسلام.
والْمَنْصُوصُ فِي أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ نَزْعُهُمْ لَوْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِمْ خِلافاً لابْنِ شَعْبَانَ
لأن الحر لا يسترق، فإذا أسلم المستأمن وبيده أسارى من أحرار المسلمين انتزعوا، وخالف في ذلك ابن شعبان وأحمد بن خالد؛ وهو قول مشكل، ولا وجه له. وعلى الأول فظاهر كلام المصنف، وهو ظاهر الروايات أنه يأخذه بغير عوض، وقال أبو إبراهيم من الأندلسيين أنه بعوض.
بِخِلافِ الرَّقِيقِ، وبِخِلافِ الذِّمِّيِّ
أما الرقيق فلأنهم أموال من أموال المسلمين كالسلع، وما ذكره المصنف في الذمي هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: هو بذمته كالمسلم فلا يسترق.
ابن راشد: والأول أصح؛ لأن بالذمة حقاً له علينا، ولم تعقد له الذمة على من كان بأرض الحرب.
стр. 1581
وأُمُّ الْوَلَدِ تُفْدَى، والْمُدَبَّرَ ونَحْوُهُ كَالْمِلْكِ الْمُحَقََّقِ، ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بَعْدَ الأَجَلِ لأَنَّهُمْ لا يُتَّبَعُونَ بِشَيْءٍ ولا قَوْل لِلْوَرَثَةِ ....
ييعني: أن سيد أم الولد يفديها من المستأمن بقيمتها لقوة شبهها بالحرة، ونحو المدبر المعتق إلى أجل، يبين لك ذلك قوله بعد هذا: (ثُمَّ يُعْتَقُونَ مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بَعْدَ الأَجَلِ) يعني: وأما إن كان بيد المستأمن الذي قد أسلم مدبر أو معتق إلى أجل فإنه يكون فيهم كالمالك المحقق، وليس لسيدهما خيار، فإذا مات سيد المدبر، والثلث يحمله كان حراً، ولو كان على السيد دين يستغرقه كان رقيقاً للمستأمن، وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه، وكذلك إذا انقضى الأجل عتق. والضمير في (يُعْتَقُونَ) عائد على المدبر ونحوه؛ لأن المراد بكل واحد الجنس.
وقوله: (مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ بَعْدَ الأَجَلِ) الأول راجع إلى الأول، والثاني إلى الثاني؛ أي يعتق المدبر من الثلث، [٢٧٥/ أ] والمعتق إلى أجل بعد الأجل، ولا يتعبون بعد العتق بشيء؛ لأنه ملك الخدمة فقط. وفي كلام المصنف حذف مبتدأ تقديره: وهو في المدبر ونحوه كالملك المحقق.
فَلَوْ قَدِمُوا بِمُسْلِمِينَ أَحْرَارَاً أَوْ أَرِقَّاءَ فَثَالِثُهَا: يُجْبَرُونَ عَلَى بَيْعِ الإِنَاثِ
القول بإجبارهم على البيع مذهب أصحاب مالك إلا ابن القاسم.
ابن الماجشون: ويعطون في كل مسلم أوفر قيمة.
ومقابله لابن القاسم في الموازية قال: لا يمنعون من الرجوع بهم، ولا من وطء الإماء.
والثالث: حكاه سحنون عن ابن القاسم، وأجروا هذا الخلاف إذا أسلم عبيدهم، أو عوهدوا على أن من جاء مسلماً رد إليهم.
стр. 1582
ابن يونس: وأنكر رجل من أهل المدينة يقال له داود القول بعدم الجبر، فبلغ ذلك مالكاً، فاحتج بما رواه البخاري ومسلم "أنه ﷺ قاضي أهل مكة عام الحديبة على أن من أتى من أهل مكة مسلماً رده إليهم، فهرب أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله ﷺ ، فطلبه أبوه في مكة فرده رسول الله ﷺ وقال: إنا لا نخفر بالعهد".
مالك: فكذلك حجة الحربي أن يقول عهدي لا ينتقض. واستصوب جماعة القول الأول؛ لأنا وإن أعطيناهم الأمان فما أعطيناهم ذلك إلا مع إقامة شرعنا، ومن إقامته تخليص المسلمين، ولا كبير مضرة عليهم إذا أخذوا قيمتهم، ويجاب عن الحديث بأن ذلك كان في أول الإسلام، وقبل أن يكثر المسلمون.
اللخمي: ولا يجوز ذلك اليوم بعد ظهور الإسلام؛ لأن فيه وهناً للمسلمين وإذلالاً لهم.
ولَوْ سُرِقُوا فِي مُعَاهَدَتِهِمْ ثُمَّ عَادُوا بِهِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ عَادَ بِذَلِكَ غَيْرُهُمْ لَمْ يُنْتَزَعْ
تصوره ظاهر. قال في البيان: والأصح أنه ينزع. ونص في المدونة على أنه يقطع إن سرق، ويقتل إن قتل. وإلى ذلك ذهب ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب وابن المواز أنه يؤخذ المستأمن بما أحدث، فإن استكره المسلمة قتل، وإن سرق قطع، وإن قذف حراً حد، وإن زنى بمسلمة طوعاً عوقب.
ابن حبيب: عقوبة يشرف بها على الموت. وعن أشهب: أنه لا يحد ولا يقطع. قيل: ويقام عليه حد الحرابة اتفاقاً ويعاقب.
مالك وغيره: وإن أخصى عبده لا يعتق عليه، وكأنه أخصاه ببلده.
ابن المواز: وإن لم يقم على الحربي حتى هرب إلى بلد الحرب، ثم عاد بأمان ثان فيؤخذ بما تقدم ولا يزيله أمانه الثاني.
стр. 1583
السَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وهُوَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْتَامَنٌ فَأَسْلَمَتْ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لأَنَّهَا أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، وهِيَ ووَلَدُهَا ومَالُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِيْءٌ، وقِيلَ: وَلَدُهُ الصِّغَارُ تَبَعٌ وكَذَلِكَ مَالُهُ إِلا أَنْ يُقْسَمَ فَيَسْتَحِقَّهُ بِالثَّمَنِ ......
أما ما يتعلق بهدم النكاح فسيأتي في النكاح إن شاء الله تعالى فإن المصنف كرر هذا الفصل بعينه هناك، وأما هي فلا خلاف أنها فيء، قاله ابن بشير، وأما ولده وماله فالمشهور أنهما فيء، وهو مذهب المدونة.
سحنون: وقال بعض الرواة: إن كان ولده صغاراً فهم تبع لأبيهم، وكذلك ماله إن أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن، وهذا هو القول الثاني الذي ذكره المصنف، وذكر ابن حارث قولاً ثالثاً في المال إن ضموه إلى أموالهم لأجل إسلامه كان فيئاً، وإن تركوه فهو له، وإن قسم أخذه بالثمن. وحكى ابن بشير في الأولاد قولاً بأنهم تبع صغاراً كانوا أو كباراً، واختلف شراح المدونة في فهمها لقوله فيها: وإذا أسلم ثم غزا المسلمون بلاده، فغنم المسلمون ماله وولده قال: هم فيء.
قال التونسي: معناها أنه خرج، وأما إن لم يخرج فينبغي أن يتبعه ولده وماله؛ لأن غيره لم يحزه، وقد بقيت يده على ماله وولده. وقال اللخمي: ظاهر قوله أنهم فيء وإن لم يخرج إلينا وعلى الأول اختصره البرادعي. وأشار بعضهم إلى أن الخلاف في أولاده مقصور على ما تزايد منه قبل إسلامه، وأما ما حدث من وطء بعد إسلامه فلا يسترق اتفاقاً.
وإِذَا سُبِيَتِ الْمُسْلِمَةُ فَوَلَدَتْ أَوْلاداً ثُمَّ غُنِمَتْ بِهِمْ فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: الصِّغَارُ أَحْرَارٌ والْكِبَارُ فَيْءٌ ...
يعني: إذا أسر العدو حرة مسلمة، ثم غنمت بعد أن حصل لها في دار الحرب أولاد، فلا إشكال في حريتها؛ واختلف في أولادها، فلمالك في الواضحة أنهم تبع وإن كانوا
стр. 1584
كباراً ويجبرون على الإسلام فمن أبي أجبر، فإن تمادى قتل كالمرتد؛ لأن الولد يتبع أمه في الحرية. وقال أشهب: الجميع فيء لأنهم نشئوا عن وطء فاسد، وحكى سحنون عنه مثل القول الأول. والثالث: التفرقة وهو مذهب المدونة والمشهور؛ لكن شرط في المدونة في ولدها الكبار، وفي ولد الذمية الكبار إن قاتلوا فحملها ابن أبي زيد على ظاهرها، وأن الكبار إذا لم يقاتلوا كالصغار. ورأى ابن شبلون أن هذا الشرط لا مفهوم له، وأن المقصود أن يكونوا على حال يمكن منهم القتال.
وأَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَفِي صِغَارِ أَوْلادِهَا قَوْلانِ، بِخِلافِ كِبَارِهِمْ
ظاهره نفي الخلاف عن الكبار، وبذلك صرح ابن بشير. ابن عبد السلام: وحكى بعضهم في الكبار قولاً بالتبعية، والمشهور في الصغار [٢٧٥/ ب] أنهم تبع.
وأَمَّا الأَمَةُ فَالْمَشْهُورُ: أَوْلادُهَا لِمَالِكِهَا. وثَالِثُهَا: مَا وَلَدَتْهُ مِنْ زَوْجٍ لِمَالِكِهَا، وما وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِهِ فَيْءُ ..
وجه المشهور أن الولد تابع لأمه في الرق والحرية، والقول بأنهم فيء مطلقاً لابن الماجشون تغليباً للدار، والتفرقة لسحنون؛ لأنه إنما تتحقق تبعية الولد للأم إذا كان من تزويج، وأما إذا كان من غير تزويج فكأن الأب وطيء بحكم الملك، ومن وطيء بحكم الملك كان ولده تبعاً له دون أمه.
وَعَبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ ويَفِرُّ إِلَيْنَا حُرٌّ
لأنه غنم نفسه، ولا خلاف فيه. قال في المدونة: وإن قدم معه بمال فهو له ولا يخمس.
وَكَذَلِكَ لَوْ بَقِيَ حَتَّى غُنِمَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: بعد إسلامه ببلده حتى دخل المسلمون بلادهم فغنموه، فكذلك يكون حراً على المشهور كما لو خرج إلينا. وقال ابن حبيب: وهو رقيق للجيش. ابن يونس: وهو أقيس.
стр. 1585
ولا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الإِسْلامِ حُرّاً خِلافاً لأَشْهَبَ وسَحْنُونٍ
خليل: تظهر فائدة هذا الخلاف لو أسلم العبد فأعتقه سيده، هل يكون ولاؤه له إن أسلم أو لا؟ وكذلك تظهر ثمرة الخلاف لو باعه بإثر إسلامه لمسلم، والمشهور مذهب المدونة، ففيها: ومن أسلم من عبيد الحربيين لم يزل ملك سيده عنه إلا أن يخرج العبد إلينا، أو ندخل نحن إلى بلادهم فنغنمه وسيده مشرك فيكون حراً، ولا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك.
وقد أعتق النبي ﷺ عبيد أهل الطائف لخروجهم مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالاً فأعتقه، والدار دار شرك، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداء، ولم يكن ولاؤه لأبي بكر رضي الله تعالى عنه. وقال أشهب: إسلام العبد بدار الحرب يزيل ملك سيده، خرج إلينا أو أقام ولم يخرج، وإن اشتري كان كالحر المسلم يفدي. انتهى.
قوله: (وقد أعتق النبي ﷺ عبيد أهل الطائف) فهموه على أن النبي ﷺ حكم بحريتهم لا أنه أنشأ فيهم العتق.
وَلَوْ خَرَجَ مُسْلِماً وتَرَكَ سَيِّدَهُ مُسْلِماً فَهُوَ رِقٌّ لَهُ
هكذا قال في المدونة، وهو ظاهر إن أسلم هو وسيده معاً، أو سبق إسلام سيده، وأما إن أسلم قبل سيده فالجاري على أصل أشهب وسحنون أنه لا يكون رقاً له.
وَإِنْ خَرَجَ الذِّمِّيُّ نَاقِضاً لِلْعَهْدِ فَحَرْبِيٌّ
يعني: خرج طالباً للسكنى ببلد الحرب- أي: تاركاً للعهد- فحربي، ويقتل، ولا خلاف في ذلك.
وَإِنْ أُسِرَ فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ قَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمَّةَ تَقْتَضِي الْحُرِّيَّةَ بِدَوَامِ الْعَهْدِ أَوْ أَبَداً ....
أي: فإن أسر هذا الذمي الناقض للعهد، فقال مالك وابن القاسم: يسترق. وهو المشهور.
стр. 1586
قال في البيان: واتفق على ذلك أصحاب مالك إلا أشهب فإنه قال: لا يسترق. ومنشأ الخلاف ما ذكره المصنف، وتصوره بين.
اللخمي: وقول أشهب ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم رسول الله ﷺ فقتل الرجال وسبى الذرية والنساء. قال في البيان: ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن الذي كان بين النبي ﷺ وبين قريظة وغيرهم من اليهود إنما كان مهادنة ومعاهدة، ولم يكونوا أهل ذمة، ورجح قول ابن القاسم بأن الذمي إذا أكره مسلمة على الزنى يقتل ولو كانت الذمة تقتضي التأبيد لم يقتل. واختلف على المشهور في الزمني والشيوخ، ففي العتبية: لا يستباحون. وقال ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب: يستباحون. قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا جهل رضاهم بذلك.
فَإِنْ نَقَضُوا لِظُلْمٍ لَحِقَهُمْ لَمْ يُسْتَرَقُّوا عَلَى الْمَشْهُورِ
المشهور مذهب المدونة والشاذ للدوادي، ووجهه بأنهم ناقضون؛ لأنا لم نعاهدهم على أنهم يظلمون المسلمين إذا ظلموهم، وفيه ضعف؛ لأن من فر بسبب ظلم لا يكون ظالماً حقيقة ولا مجازاً، وعلى هذا فإطلاق المصنف النقض على خروجهم إنما هو مجاز، والعلاقة المشابهة.
وَلا يُسْتَرَقُّونَ بِالْحِرَابَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ
قال في المدونة: وإن خرج قوم من أهل الذمة محاربين متلصصين، فأخافوا السبيل وقتلوا، حكم فيهم بحكم الإسلام إذا حاربوا. والقول بالاسترقاق لابن مسلمة، ووجه التونسي بإكراه المسلمة على الزنى فإنه نقض، والحرابة وقتل النفس أشد.
стр. 1587
وَلَوْ أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ ثُمَّ ارْتَدُّوا وحَارَبُوا كَأَهْلِ الرِّدَّةِ مِنَ الْعَرَبِ فَفِي كَوْنِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ أَوِ كَالْمُحَارِبِينَ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَصْبَغَ. وخَالَفَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَرَدَّ النِّسَاءَ والصِّغَارَ مِنَ الرِّقِّ إِلَى عَشَائِرِهِمْ، وعَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ .....
يعني: إذا أسلم جماعة أو أهل حصن ثم ارتدوا وحاربوا، وظفرنا بهم، فقال ابن القاسم في الواضحة: حكمهم كالمرتدين في المال والدم، يستتاب كبارهم، ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلوغ من غير استتابة. وقال أصبغ: "ليسوا كالمرتدين وهم كالحربيين؛ لأنهم جماعة فهم كأهل النكث؛ لأن المرتد إنما كالواحد وشبهه.
ابن يونس: وقول أصبغ ليس بحسن؛ لأن أهل النكث إنما هم أهل الذمة، ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمري إنه لأمر خالف فيه عمر أبا بكر رضي الله تعالى عنهما في أهل الردة من العرب فجعلهم أبو بكر كالناقضين، فقتل الكبار وسبي ذراريهم، وجعلهم [٢٧٦] عمر كالمرتدين فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم، وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة السلف إلا القليل منهم. انتهى مختصراً.
وهذا الكلام ككلام المصنف سواء. والظاهر أن عمر لم يخالف في حياة أبي بكر ولا بعد مماته، أما الحياة فلأنه كان وزيره ومستشاره، وأما الممات فلأنه إنما فعل ذلك تطييباً لنفوس المسلمين؛ لأن الواحد منهم يرى ابنته وزوجته مملوكة لغيره مع مساواته له في النسب أو الشرف، وفي ذلك من المشقة وتغيير النفوس ما هو معلوم. وقيل: إنما فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه بعوض، ولا بد من التأويل بهذا أو ما يشبهه، وإلا كان نقضاً لحكم أبي بكر ﵁ وهو باطل بلا إشكال.
* * *
стр. 1588
[٢٧٧/ أ] بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً
النكاح: حقيقته التداخل: يقال تناكحت الأشجار إذا دخل بعضها في بعض، ونكح البذر الأرض، ويطلق في الشرع على العقد والوطء، وأكثر استعماله في العقد، قال الله تعالى: (لا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ([النساء: ٢٢]. (لا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ([البقرة: ٢٢١]. (وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ([البقرة: ٢٢١]. (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ([النساء:٣] (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ ([النساء: ٢٥] وقد ورد أيضاً بمعنى الوطء في قوله تعالى: (حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠]. وقوله تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ([النور: ٣] الآية. على خلاف في تأويلها بين العلماء، قيل: وورد بمعنى الصداق في قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً ([النور: ٣٣].
عياض: والصحيح أن المراد هنا العقد؛ أي: لا يقدرون على الزواج لعسرهم.
وأما في اللغة فقال ابن راشد: لا خلاف أنه حقيقة في الوطء. واختلف في إطلاقه على العقد، فقيل: بطرق الحقيقة، وقيل بطريق المجاز، وهو أصح لأن المجاز خير من الاشتراك. واختلف في هذا المجاز فقال التلمساني في شرح المعالم الفقهية: هو مساو للحقيقة. وقيل: مجاز راجح، وهو الصحيح. وحكى ابن عبد السلام خلافاً بين أهل الشرع واللغة، هل هو حقيقة في كل واحد منهما؟ أو في أحدهما؟ وما هو على الحقيقة؟ قال: والأقرب أنه حقيقة لغة في الوطء مجاز في العقد وفي الشرع على العكس.
خليل: ويمكن أن يحمل قول من قال أنه حقيقة في العقد على أنه مجاز راجح كما هو المختار في الحقيقة الشرعية كما تقرر في محله فيتفق ونقل ابن راشد والله أعلم.
стр. 1589
وحكم النكاح الندب من حيث الجملة، وقد يجب على من لا ينكف عن الزنا إلا به، ويكره في حق من لا يشتهيه وينقطع به عن عبادته، وفي المقنع لابن بطال: يكره لمن لا يجد طولاً ولا حرفة له ولا صناعة.
ابن بشير: ويحرم على من لا يخشى العنت، وكان يضر بالمرأة في عدم قدرته على الوطء، أو على النفقة، أو يتكسب بموضع لا يحل.
اللخمي: ويباح لمن لا ينسل ولا أرب له في النساء، وأشار إلى أن المرأة مساوية للرجل في هذه الأقسام.
وفي النكاح فوائد أربع: الأولى: دفع غوائل الشهوة عنه. والثانية: التنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة؛ لأنه إذا ذاق هذه اللذة وعلم أنه إذا عمل الخير نال ما هو أعظم سارع في فعل الخيرات لما هو من جنس تلك اللذة، ولما هو أعظم وأتى وأبقى وهو اللذة بالنظر إلى وجه الله تعالى. والثالثة: المسارعة في تنفيذ إرادة الله تعالى ورسوله، أما إرادة الله فإنه أراد بقاء الخلق إلى يوم القيامة ولا يحصل ذلك إلا بالنكاح، وأما إرادة رسوله ﷺ فلقوله ﷺ : "تناكحوا تناسلوا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". والرابعة: بقاء الذكر ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح. والله أعلم.
أَرْكَانُهُ الصِّيغَةُ، وَالْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ، وَالزَّوْجَةُ، وَالصَّدَاقُ، الصِّيغَةُ لَفْظُ يَدُلُّ عَلَى التَّابِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ وَمَلَّكْتُ وَبِعْتُ وَكَذَلِكَ وَهَبْتُ بِتَسْمِيَةِ الصَدَاقِ ....
يعني أن أركان النكاح خمسة، ثم أخذ يتكلم على الأول منها. وما ذكره المصنف في الصيغة نحوه لابن شاس، ومقتضاه أنه لا ينعقد بالإشارة والكتابة ونحو ذلك، وهو مقتضى كلامه في الإشراف. وكذلك قال في الاستذكار: النكاح يفتقر إلى التصريح ليقع الإشهاد عليه ولا خلاف في انعقاده بأنكحت وزوجت. قال المغيرة: ولا ينعقد بغيرهما. واختلفت طرق الشيوخ في نقل المذاهب فيما عداهما، فذهب ابن القصار وعبد الوهاب
стр. 1590
في الإشراف، والباجي، وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد بكل لفظ يقتضي التأبيد دون التوقيت، فينعقد بملكت وبعت كما ذكر المصنف. وأشار الباجي في توجيهه لذلك إلى أنه قول مالك. واستدل جماعة لذلك بما في الصحيح من قوله ﷺ : "ملكتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية: "أنكحناكها". وذهب صاحب المقدمات إلى أنه لا ينعقد بما عدا أنكحت وزوجت إلا لفظ الهبة، فاختلف فيه قول مالك، فروي عنه أنه لا ينعقد بها، وروي عنه أنه ينعقد ويلزم فيه صداق المثل كنكاح التفويض، وقد روى ابن حبيب نحوه عن مالك. انتهى بمعناه.
ومقتضى ما نقله من رواية ابن حبيب أنه يصح، وإن لم يسم صداقاً ونقل في الإكمال عن مالك أنه لا ينعقد بلفظ الهبة.
ابن المواز: وسواء سمي الصداق أم لا. ومذهب المدونة أنه لا ينعقد بلفظ الهبة إلا بتسمية الصداق كما ذكر المصنف. ويلحق بها في اشتراط التسمية الصدقة من باب أولى؛ لأن هبة الثواب أحد قسمي الهبة، والصدقة لا عوض لها أصلاً.
ابن القصار: وسواء عندي ذكر المهر في لفظ الهبة والبيع أو لم يذكر إذا علم أنهم قصدوا النكاح.
فانظر هل ما قاله مخالف لما قاله المصنف في لفظ الهبة أم لا؟ لأن قوله: إذا علم أنهم قصدوا [٢٧٧/ ب] به النكاح يقتضي ثبوت الصداق فكان ذلك بمنزلة ذكره، وكذلك قال ابن راشد: لا ينبغيأن يعد قول ابن القصار خلافاً.
ابن القصار: قال بعض أصحابنا: ويجوز بلفظ التحليل. وقال الطرطوشي في لفظ الإباحة: قال بعض أصحابنا: إن قصد به النكاح صح.
وقوله: (عَلَى التَّابِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ) احترز بذلك من العارية والرهن والوصية، فإنه لا ينعقد بذلك، نص عليه ابن القصار وعبد الوهاب لاقتضاء الأولين التمليك والتوقيت والثالث التوثق دون التمليك وعدم لزوم الرابع.
стр. 1591
تنبيهان:
الأول: قد يقال: إن حد المصنف للصيغة غير مانع لشموله مثل (وقفت وحبست على فلان أو أعمرته) لدلالة ذلك على التأبيد مدة الحياة.
الثاني: ما ذكره المصنف من أن الصيغة لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة صحيح كما بيناه، واعترضه ابن عبد السلام بما حاصله أنه لا يشترط دلالة الصيغة على التأبيد بل ألا تدل على التوقيت، وذكر أن ذلك هو الذي يؤخذ من كلام أهل المذهب. وذلك أعم من كونها دلالة على التأبيد، وفيه نظر لأن عبد الوهاب صرح في الإشراف بما ذكرالمصنف وكذلك غيره، والله أعلم.
وَمِنَ الزَّوْجِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ
قوله: (مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ) أي: دون صيغة معينة.
ابن عبد السلام: وكذلك الإشارة. خليل: ولا أعلم نصاً في الإشارة، والظاهر أنها لا تكفي من جهة الزوج، أما أولاً: فلأن النكاح لابد فيه من الشهادة، ولا يمكن إلا مع التصريح من الولي والزوج ليقع الإشهاد عليهما. وأما ثانياً: فلأن قول المصنف (وَمِنَ الزَّوْجِ) معطوف على مقدر تقديره: الصيغة من جانب الولي كذا، ومن جهة الزوج كذا.
فكان قوله: (وَمِنَ الزَّوْجِ) خبر عن (الصِّيغَةُ) فلا يصدق على الإشارة. وعلى هذا فالظاهر أن مراده بقوله: (مَا يَدُلُّ) كل لفظ، ولا يشترط فيه تعيين كما في صيغة الإيجاب، فإن قيل: المصنف قد يجعل الإشارة من الصيغة كقوله في باب الوصايا: الصيغة كل لفظ أو إشارة يفهم منها قصد الوصية، قيل: هذا مجاز، والأصل عدمه.
ابن شاس: ويكفي أن يقول الزوج قبلت، إذا تقدم من الولي الإيجاب، ولا يشترط أن يقول قبل نكاحها.
стр. 1592
فَلَوْ قَالَ: زَوِّجْنِي؛ فَقَالَ: فَعَلْتُ لَزِمَ، وَلَوْ قَالَ: لا أرْضَى؛ لَمْ يَنْفَعْهُ بِخِلافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ .....
يعني: أنه ينعقد بالاستيجاب كما ينعقد بالإيجاب، وهكذا قال صاحب الجواهر؛ لأن قوله: (زَوِّجْنِي) طلب للتزويج، وهو يقتضي رضاه بالتزويج، وقول الولي: (فَعَلْتُ) يقوم مقام الإيجاب، وهو قوله: زوجتك. ويؤخذ من كلام ابن عبد السلام أنه فهم من قوله (لا أرْضَى) أن الزوج إن شاء ما يقتضي الرضا بعد قول الولي (فَعَلْتُ) وليس بظاهر؛ لأنا قد بينا أن قول الزوج: (زَوِّجْنِي) يقوم مقام الرضا، وستأتي مسألة البيع التي أشار إليها المصنف في بابها إن شاء الله تعالى.
والفرق بين النكاح والبيع من وجهين: أحدهما: أن هزل النكاح جد على المشهور. والثاني: أن العادة جارية بمساومة السلع وإيقافها للبيع في الأسواق، فناسب ألا يلزمه ذلك في البيع إذا حلف لاحتمال أن يكون قصد معرفة الأثمان، ولا كذلك النكاح، والله أعلم.
وَالْخطْبَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَمَا قَلََّ أَفْضَلُ
ابن راشد: الخطبة بضم الخاء واحدة الخطب، وأما بكسرها فهي عبارة عن استدعاء النكاح وما يجري من المحاورة وهي مشروعة في العقد. وما قل منها أفضل. قال بعض الأكابر: أقلها أن يقول الولي: الحمد لله والصلاة على رسوله والسلام، زوجتك على كذا. ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسوله والسلام، قبلت نكاحها. وفي الذخيرة: قال صاحب المنتقى: تستحب الخطبة بالضم عند الخطبة بالكسر وصفتها أن يحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلي على نبيه ﵊ ثم يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ([آل عمران: ١٠٢] (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ([النساء: ١]، (اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ([الأحزاب: ٧٠].
стр. 1593
ثم يقول: أما بعد، فإن فلانا قد رغب فيكم وانطوى إليكم، وفرض لكم من الصداق كذا، وفي الجواهر: تستحب عند العقد. انتهى.
أو إنما استحب ذلك لما رواه الترمذي وغيره من قوله ﵊: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بحمد الله فهو أجذم". أي: ناقص. وتقليلها أفضل لأن كثرتها من التشدق المنهي عنه لاسيما إن صحب ذلك فخر ومدح للمتزوجين وآبائهما بما ليس فيهم.
الْوَلِيُّ الْمَالِكُ، ثُمَّ الابْنُ وإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الأَبُ، ورُوِيَ: الأَبُ، ثُمَّ الابْنُ، ثُمَّ الأَخُ، ثَمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: الْجَدُّ أَوْلَى مِنَ الأَخِ وابْنِهِ. ثُمَّ الْعَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الإِرْثِ .....
هذا هو الركن الثاني، وخالفنا في ذلك أبو حنيفة، فلم ير الولي ركناً، ودليلنا ما رواه الدارقطني وصححه من حيث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﵊ قال: "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
وقدم المصنف (الْمَالِكُ) لأنه أقوى الأولياء، إذ هو يجبر الكبيرة والصغيرة والذكر. (ثُمَّ الابْنُ) لأنه أقوى العصبة، ورأى في الرواية الأخرى أن في الأب زيادة [٢٧٨/ أ] وشفقة. وابن الابن كالابن في عدمه، فالخلاف في الأخ مبني على هذا الخلاف. فعلى المشهور يقدم الأخ وابنه على الجد لإدلائهما بالبنوة، وعلى الرواية الأخرى يقدم الجد على الأخ. وروي عن مالك أن للأخ أن يزوج المرأة الثيب مع وجود الأب.
اللخمي: وهو قول مرغوب عنه. والمعروف من قول مالك أنه إذا عقد الأخ مضى لا أن له ذلك ابتداء.
قوله: (عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الإِرْثِ) الضمير عائد على الجد والعم وابنه لا على كل من تقدم؛ فإن الجد في باب الميراث أولى من ابن الأخ؛ قاله ابن عبد السلام.
стр. 1594
وَفِي تَقْدِيمِ الشَّقِيقِ مِنَ الأَخِ والْعَمِّ وابْنِهِ عَلَى الآخَرِ رِوَايَتَانِ لابْنِ الْقَاسِمِ والْمُدَوَنَّةِ
الروايتان إنما هما منصوصان في الأخ. ففي اللخمي: اختلف في الأخوين أحدهما شقيق والآخر لأب، ففي الكتاب من رواية علي: هما سواء.
قال مالك وابن القاسم وغيرهما في الواضحة: الشقيق أولى. ويجري الجواب في أبنائهما وفي العمين أحدهما شقيق والآخر لأب وفي أبنائهما على نحو ذلك، وتقديم الشقيق أحسن. انتهى.
وكذلك اختار ابن القاسم وسحنون وغيرهما من أصحاب مالك المصريين والمدنيين هذه الرواية قياساً على الإرث والولاء والصلاة عليها، بل جزم سحنون بعدم صحة مقابلها. والأحسن لو قال: وابنيهما، لكن حذف في الأول ما أثبته في الثاني كأحد الوجهين في قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ([التوبة: ٦٢].
فإن قيل: ليس ما نسبه إلى المدونة صريحاً فيها لاحتمال أن يكون مراده فيها بعد الوقوع، ونصها: قال علي عن مالك في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثم أخوها لأبيها وأمها: إن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، ولا تنكح حينئذ إلا برضاه فقوله في الأخ يزوج أخته يحتمل بعد الوقوع والنزول، ويرجحه قوله بعد ذلك أن النكاح جائز، وأيضاً فإن ما قبل هذا الكلام وبعده في المدونة إنما هو في الأبعد يزوج مع وجود الأقرب، فجوابه أن غاية ما ذكرته أن اللفظ محتمل، لكن قوله: إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق فلا تنكح حينئذ إلا برضاه. ظاهر أو صريح في أن كلامه في امرأة لم تنكح، ويكفي في رد هذا أن فهم سحنون واللخمي وغيرهما من الأشياخ خلافه.
ثُمَّ الْمَوْلَى الأَعْلَى لا الأَسْفَلُ عَلَى الأَصَحِّ
أي: بعد عصبة النسب تنتقل الولاية إلى المولى الأعلى وهو من له العتاقة.
стр. 1595
ابن عبد السلام: وادعاء المصنف أن المولى الأسفل لا ولاية له ليس بصحيح؛ لأن جميع شراح المدونة فسروا جميع ما وقع لمالك في النكاح الأول منها بأن المولى الأسفل أحد الأولياء، ولم يذهب أحد منهم إلى نفي الولاية عنه.
خليل: وقد يقال ليس في المدونة نص على ولايته، وقد قال ابن الجلاب: ولا ولاية للأسفل على الأعلى. والقاعدة عند الشيوخ أن كل ما أطلق في الجلاب ولم يعزه لنفسه ولا لغيره فهو لمالك، وكلام مالك أولى من كلام غيره.
وفي الكافي: ولا ولية للأسفل على الأعلى. وقد قيل: إن للمولى الأسفل مدخلاً في الولاية، وليس بشيء. ونقله ابن شاس، ونقل ذلك ابن زرقون عن الموازية أنه لا ولاية للأسفل على الأعلى وأيضاً فعدم ولاية الأسفل على الأعلى هو القياس؛ لأن الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب.
ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَةُ مُعْتَقِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ
أي: فإن فقد المولى الأعلى انتقلت الولاية إلى عصبته ثم إلى معتق المعتق، ثم إلى عصبته على ما تقدم في ترتيب العصبات وهو ظاهر. وليس للأخ للأم ولا الجد للأم ولا لذوي الأرحام ولاية عندنا إلا من باب ولاية الإسلام.
ابن وهب: وقاله مالك، وقال علي بن زياد عن مالك: إذا زوج الأخ للأم مضى النكاح، وحكى ابن عبد الغفور في وثائقه.
فَالْمَالِكُ يُجْبِرُ الأَمَةَ والْعَبْدَ، ولا يُجْبَرُ هُوَ لَهُمَا
لما ذكر الأولياء ومراتبهم تكلم على من له الجبر، ولا خلاف عندنا أن السيد يجبر الأمة والعبد بشرط عدم الضرر، ففي العتبية والموازية لمالك: ليس له أن يزوج الجارية الرفيعة من عبد له وغد، وقد قال مالك: وليس ينظر إلى الوغد في المنظر، فرب وغد في المنظر تكون له الخبرة والحال.
стр. 1596
قوله: (لا يُجْبَرُ هُوَ لَهُمَا) أي إذا طلبا الزواج وأبى هو ذلك فلا يجبر لأنه يتضرر بالتزويج، قال مالك في الموازية: وإن تبين أن العبد والمكاتب محتاجان إلى النكاح وأن السيد ضار بهما فلا يقضي على السيد بنكاحهما.
عبد الحميد: واختلف في هذه المسألة، فكان بعض الشيوخ يقول: الصواب عندي أن القول قول العبد لاشتداد الضرر به؛ إذ ذاك ضرر في الدين. وكان بعض المذاكرين يقول: انظر إلى ما قاله ابن خويزمنداد إذا كانت له القدرة له على التسري، وله حاجة إلى النكاح يخاف معها العنت أنه يجب عليه، وإذا كان واجباً عليه فالعبد يشاركه فيها، ولأن بعض أصحابنا أوجبه للأب على ابنه. انتهى.
والظاهر أنه يؤمر بالتزويج أو البيع لقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار".
وَتُوكِلُ الْمَالِكَةُ فِي أَمَتِهَا وَلِيَّهَا أَوْ غَيْرَهُ
وهذا كقوله في الكافي: وإذا أرادت المرأة إنكاح أمتها استخلفت رجلاً يزوجها بإذنها
وَيُوَكِّلُ الْمُكَاتِبُ فِي أَمَتِهِ [٢٧٨/ ب] وإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ بِشَرْطِ ابْتِغَاءِ الْفَضْلِ
هذا كقوله في المدونة: وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل وإن كره سيده، ولكن يلي العقد غيره بأمره ولا يجوز على غير ابتغاء الفضل إذا رده السيد، وإنما جاز ذلك للمكاتب لأنه أحرز نفسه وماله.
وَالْوَصِيُّ يُزَوِّجُ رَقِيقَ الْمُوصَى عَلَيْهِ بِالْمَصْلَحَةِ
هذا ظاهر التصور، وقال هنا: (بِالْمَصْلَحَةِ) لأن المطلوب مصلحة المحجور عليه، وقد تكون بغير المال.
стр. 1597
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لا يُجْبَرُ ولَكِنَّهُ كَمَالِكِ الْجَمِيعِ فِي الْوِلايَةِ والرَّدِّ
لأن بعض الحر لا تصرف له فيه. قال في البيان: ولا خلاف في ذلك.
(ولَكِنَّهُ كَمَالِكِ الْجَمِيعِ) أي: ولكن مالك البعض كمالك الجميع في الولاية على الأمة، وفي رد نكاح العبد أو الأمة إن تزوجا بغير إذن السيد.
وَمَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ: ثَالِثُهَا: يُجْبَرُ الذُّكُورُ. ورَابعُها: يُجْبَرُ مِنْ لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهِ
سبب الخلاف النظر إلى تغليب شائبة الحرية: فيمتنع الجبر، أو حكم الرق؛ فيصح والقولان بالجبر وعدمه لمالك. وفرق في الثالث لأن الذكر قادر على الحل عن نفسه بالطلاق، وهذا القول حكاه ابن بشير. وعلى الرابع: لا يجبر المكاتب والمكاتبة، وأم الولد والمدبر إذا مرض السيد، والمعتق إلى أجل إذا قرب الأجل.
وذكر ابن بشير عن بعض أشياخه أنه أنكر على اللخمي وجود الرابع، قال: وإنما الذي أرى في هذه الرواية أنه لا يجبر المكاتب لأنه لا يقدر على انتزاع ماله. فأخذ اللخمي إطلاقاً كلياً، وهو غير صحيح لأنه قد يعلل في الرواية بعلة، فإذا وقف على صورة ليست تلك العلة فيها فقد يجيب فيها معتمداً على مراعاة أخرى، فاعتقد أن انتفاء العلة المعينة توجب انتفاء المعلول مطلقاً، وذلك غير لازم في العلل الشرعية؛ لأنها قد تجتمع على المعلول الواحد علل، فإذا انتفت واحدة منها بقي الحكم مستنداً إلى غيرها. انتهى. وفيه نظر؛ لأن حاصله الشهادة على نفي كيف، وقد نقله ابن يونس ولفظ محمد: من له انتزاع ماله فله أن يكرهها ما لم يكن يطلب بذلك ضررها، وهكذا نقله في تهذيب الطالب.
وَالأَبُ يَجْبُرُ الصَّغِيرَةَ
ظاهره ثيباً كانت أو بكراً، ولا خلاف في البكر، وأما الثيب الصغيرة ففيها ثلاثة أقوال: قال سحنون: يجبرها؛ لأن الثيوبة في حال الصغر كالعدم. قال أبو تمام: لا يجبرها؛
стр. 1598
لأن علة الجبر البكارة وقد زالت. وقال ابن القاسم وأشهب: يجبرها إن كان زوجها قبل البلوغ ولا يجبرها بعده؛ لأنها صارت ثيباً بالغاً.
اللخمي: وهو أحسن. واستصوبه غيره، وإنما قلنا ظاهر كلامه وإن كانت ثيباً لقوله بعد ذلك: (وفي الثيب تبلغ بعد الطلاق قولان) فمفهومه أنها إذا لم تبلغ تجبر، ولأنه لو لم يحمل كلامه هنا على العموم لزم أن يكون أسقط الكلام على الصغيرة الثيب.
وَالْبِكْرَ الْبَالِغَ بِغَيْرِ إِذْنِهَا. وقِيلَ: يُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا
أي: ويجبر البكر البالغ.
اللخمي: واختلف في البكر البالغ غير المعنسة، ففي الكتاب: له أن يجبرها، وفي الموازية: وإن شاورها فحسن. وهو أحوط ليخرج من الخلاف، فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لا يجبرها، ولما روي عنه ﵊ أنه قال: "والبكر يستأذنها أبوها" أخرجه مسلم.
وقال ابن بشير: حكى اللخمي في استحباب استئذانها قولين، والظاهر أن المذهب على قول واحد في الاستحباب للخروج من الخلاف.
خليل: وفيه نظر؛ لأن حاصله شهادة على نفي. وقد نقل الباجي عن ابن القاسم أنه أنكر أن يستأمرها الأب، لكن في كلام اللخمي نظر من وجه آخر لأنه نسب القول بعدم الاستحباب للمدونة، وهي لا يؤخذ منها ذلك لأن الذي فيها: ليست المشورة بلازمة، وذلك لا ينافي الاستحباب، والاستحباب أولى، وهو الذي اقتصر عليه ابن الجلاب للخروج من الخلاف، ولتطييب قلبها، ولأنها قد يكون بها عيب فتظهر حينئذ.
ابن عبد السلام: ووقع في بعض الفتاوي المنسوبة للسيوري أن الأب لا يجبرها، واستدل القائل بعدم الجبر بما في الصحيح من قوله ﵊: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها صماتها".
стр. 1599
وجوابه أن المراد بالبكر اليتيمة، لما خرج أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: "اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز لها". قال في الاستذكار في تعليل الجبر: ولأنه لا يتهم عليها، ولقوله ﷺ : "لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها". فدل على أن ذات الأب تنكح بغير إذنها. انتهى.
فإن قيل: فقد روي في بعض الطرق: "والبكر يستأذنها أبوها" قيل: قال أبو داود لما ذكر الحديث: "أبوها" ليس بمحفوظ. وقال الباجي فيه: صوابه كما رواه مالك وتابعه عليه سفيان: "والبكر تستأذن في نفسها" وقد روي "والبكر تستأمر" وروايته أثبت ممن روى "يستأذنها أبوها"، ويجوز أن يحمل استئذان الأب إن صحت الرواية على الاستئذان المندوب وفي الموطأ أن القاسم وسالماً كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن. مالك: وعلى ذلك الأمر عننا. وهذا دليل على عدم استحباب [٢٧٩/ أ] المشاورة.
تنبيه: الجبر مقيد بما إذا لم يكن ضرر، فإن كان ضرر فلا يلزمها وله أن يزوجها من الضرير، والقبيح، ومن هو أدنى منها حالاً وأقل مالاً، وإن زوجها من مجبوب أو خصي، أو عنين، فقال ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ: ذلك يلزمها إن كان على وجه النظر علمت به أو لم تعلم.
الباجي: ورأيت لسحنون أنه لا يلزمها في الخصي، والأظهر عندي في العنين والخصي والمجبوب وما كان للمرأة أن تفسخ النكاح به من العيوب فليس للأب إلزامها ذلك. وكذلك اختاره اللخمي، أما إن زوجها الأب من مجنون يخاف عليها منه، أو أبرص متسلخ أو مجذوم متقطع، قد منع من الكلام وتغيرت رائحته فلا يلزمها اتفاقاً.
سحنون: وإن كانت مجنونة وأراد الأب أن يزوجها مجنوناً أو مجذوماً، وقال: أغتفر عيبها لعيبه لم يكن له ذلك لأنها قد تفيق، وللأب تزويجها بربع دينار ولو كان صداق مثلها ألفاً، ولا كلام لها ولا لغيرها، رواه ابن حبيب عن مالك، قال في المدونة: ولا يجوز للسلطان
стр. 1600
ولا للوصي ولا لأحد من الأولياء أن يزوجها بأقل من صداق مثلها، وينبغي للولي أن يختار لوليته زوجاً سالماً، وإلى ذلك أشار اللخمي، وقد كره عمر رضي الله تعالى عنه أن يزوج وليته من الرجل القبيح.
وَالْمَجْنُونَةُ والثَّيِّبُ بِعَاِرِضٍ كَالْبِكْرِ
يجوز في (الْمَجْنُونَةُ) النصب بالعطف على (الصَّغِيرَةَ) أي: ويجبر المجنونة وإن كانت كبيرة، ويجوز فيها الرفع على الابتداء. وينبغي أن يلحق بالأب القاضي، وهذا إن كانت لا تفيق، وأما إن كانت تفيق أحياناً فتنتظر إفاقتها.
وقوله: (بِعَاِرِضٍ) أي زالت بكارتها بغير جماع كوثبة أو عود، فلا خلاف فيما ذكره المصنف.
وَفِي الثَّيِّبِ بِحَرَامٍ قَوْلانِ
إنما عدل عن عبارة أكثر المؤلفين وهي الثيب بالزنا؛ ليدخل في كلامه المغتصبة فإنها مساوية للزانية في هذا الحكم، صرح بذلك صاحب المقدمات واللخمي وغيرهما. والقول بالجبر مذهب المدونة، والقول بعدمه في الجلاب.
واختلف في تعليل جبرها مع زوال البكارة، فقيل: لأن ذلك لا يزيدها إلا حياءً؛ ولهذا قال عبد الوهاب: ألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزني بها الحياء، فإذا تكرر منها الزنا ارتفع حياؤها، فيرتفع الجبر، فالتزمت ذلك, وقيل: لأنها لما قصدت بالزنا زوال الإجبار عوقبت بنقيض مقصودها. ورد هذا ابن محرز باتفاق المذهب على ارتفاع الجبر في حق من زوجت نفسها قاصدة لذلك. وهل قول القاضي تفسير للمدونة، وهو الأظهر، أو خلاف؟ في ذلك للشيوخ مذهبان: قال في المقدمات: واختلف إذا زنت أو غصبت، فقيل: حكمها حكم البكر في جميع أحوالها. وقيل: حكم
стр. 1601
الثيب في جميع أحوالها. وقيل: حكمها حكم الثيب في أنه لا تزوج إلا برضاها، وحكم البكر في أن إذنها صماتها.
وَالثَّيِّبُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ مِثلُهَا بِالصَّحِيحِ
أي: فلا تجبر لأنها لا حياء يلحقها في ذلك كالزانية، ولأن لواحق النكاح الصحيح ثبتت في هذا من لحوق الولد، ودرء الحد، والاعتداد في بيتها فوجب أن تساويها في عدم الجبر.
وَفِي الْعَانِسِ قَوْلانِ، وَهِيَ الْمُبَاشِرَةُ الْعَارِفَةُ بِالْمَصَالِحِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وسِنُّهَا أَرْبَعُونَ. وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ثَلاثُونَ ....
القولان لمالك، وروى عنه محمد: يجبرها. قال في المتيطية: وبها القضاء وعليها العمل. وروى ابن وهب عنه أنه لا يجبرها.
قوله: (وَهِيَ) تفسير للمعنسة، وهو واضح، ومنشأ الخلاف هل العلة في الجبر البكارة وهي موجودة؟ أو الجهل بالمصالح وهذه عالمة بها؟
قال في المقدمات: وعلى الجبر؛ فللأب أن يرضى بأقل من صداق المثل، وعلى عدمه فالرضى بقليل الصداق وكثيره إليها دونه كالمرشدة.
ابن راشد: وفي معنى المعنسة البكر المرشدة. المتيطي وغيره: والمشهور أن المرشدة لا تجبر. وصوب أبو عمر بن عبد البر القول بجبرها نظراً للبكارة، وعلى المشهور فهل يكون إذنها صماتها أو نطقاً؟ فالمشهور من القول، وهو قول ابن الهندي، وابن العطار، والباجي: لا بد من اللفظ. وقال ابن لبابة: الصمات فيها يجزئ. وفرق جماعة من الشيوخ، فقالوا: إن كان صداقها أو بعضه عرضاً كلفت الكلام، وإن كان عيناً اكتفي بالصمت.
стр. 1602
بعض الموثقين: هذه المسألة اجتمع فيها وجهان: من نظر إلى البكارة اكتفى بالصمت، ومن نظر إلى أن الرضا بالصداق لها، قال: لابد من الكلام. ورأى في الثالث أن الصداق إذا كان عرضاً أنه لابد من نطقها لأنها بائعة مشترية، والشراء لا يلزم بالصمت.
ابن سهل: ولا وجه لهذه التفرقة.
واختلف في حد التعنيس على سبعة أقوال:
القولان اللذان ذكرهما المصنف. وقيل: ثلاثة وثلاثون. وقيل: خمسة وثلاثون وقيل: خمسة وأربعون. وقيل: خمسون. وقيل: من الخمسين إلى الستين. هذا إذا كانت العانس ذات أب، ولا حاجة إلى [٢٧٩/ ب] ذكر حد التعنيس بالنسبة إلى المهملة هنا، فإن الكلام هنا في الجبر وهو خاص بالآباء، وأنت تعلم أن وجود دليل شرعي على مثل هذا التحديد متعذر.
وَفِي مَنْ طَالَتْ إِقَامَتُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَطُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ قَوْلانِ، وَفِي تَحْدِيدِهِ بِسَنَةٍ أَوْ بِالْعُرْفِ قَوْلانِ ....
القول بعدم الجبر مذهب المدونة، ففيها: ومن زوج ابنته فدخل بها الزوج ثم فارقها قبل أن يمسها لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر إن طالت إقامته معه وشهدت مشاهدة النساء، وأرى السنة طولاً؛ فأسقط المصنف قوله مشاهد النساء، ولا بد منه، وإلى ذلك أشار صاحب التنبيهات. وقيل: معنى قوله مشاهد النساء؛ أي: بالحيض والحمل. خليل: وفيه نظر؛ لأنها إذا حملت تخرج عن فرض المسألة. والظاهر أنه أراد الجلوس معهن والتحدث والاجتماع في نحو الولائم. والقول بالجبر لابن عبد الحكم نظراً إلى البكارة، ورأى في المشهور أنها عرفت مصالح نفسها.
والمشهور تحديد المدة بالسنة؛ لأن المرأة لا تعرف الأحوال إلا بجميعها لاختلاف المآكل والملابس وأحوال القوم في السنة. والقول بالرجوع في ذلك إلى العرف رواية ذكرها
стр. 1603
عبد الوهاب، وهي الأصل، فإن لم يطل مكثها معه كشهر أو شهرين فالمشهور من المذهب أن للأب إجبارها. وحكى الأبهري قولاً آخر بعدم الجبر.
وأما إن قامت معه ستة أشهر ثم طلقت وقالت: ما جامعني؛ فاستحب في العتبية مؤامرتها؛ فإن لم يفعل وزوجها مضى النكاح.
فرع مرتب:
إذا قلنا بالإجبار مطلقاً أو مع عدم الطول فلابد من إقرارها بذلك قبل العقد، ولا يصدق الأب لئلا يؤدي إلى إنكاح الأب الثيب بغير أمرها، ولا يسمع في ذلك قول الزوج أنه وطئ.
ابن سعدون: ولو أكذبها الأب وهي فقيرة، والأب موسر لكان القول قولها لأنه لا يعلم إلا من جهتها. انتهى.
وكذلك نقل صاحب المتيطية عن بعض الموثقين. وقال في البيان بعد قوله: إن زوجها بعد أن قامت ستة أشهر بغير استثمار مضى النكاح: هذا إذا أقرت بذلك على نفسها قبل أن يزوجها أو بقرب تزويجها، وأما إن زوجها وهي غائبة غيبة بعيدة أو حاضرة ولم تعلم حتى طال الأمر فإنها تتهم على إمضاء النكاح بإقرارها على نفسها أن زوجها الذي دخل بها لم يصبها. فجعل الإقرار بقرب العقد بمنزلة الإقرار قبله، وهو خلاف الكلام الأول. وفي اللخمي: إذا طلقت بالقرب وادعت البكارة وخالفها الأب كان القول قوله ولا تلزمه نفقتها.
وَفِي الثَّيِّبِ تَبْلُغُ بَعْدَ الطَّلاق قَوْلانِ
تقدم الكلام على هذا الفرع.
فرع: ولا يجبر الأب الثيب السفيهة على المعروف، وحكى المتيطي قولاً بأنه يجبرها.
стр. 1604
وَوَصِىِّ الأَبِ وَوَصِيِّهِ بِالإِنْكَاحِ كَالأَبِ وقيل: إلا فِي الإِجْبَارِ، وقَيلَ: إِلا أَنْ يُفْهَمَ الإِجْبَارُ، وَقِيلَ: إِلا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ. وَقِيلَ: هُوَ وَالْوَلِيُّ سَوَاءُ، وَقِيلَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: كَالأَجْنَبِيِّ ....
أي: ووصى الأب. ووصي الوصي؛ يريد: وإن بعد بالنكاح كالأب، فحذف بالنكاح من الأول لدلالة الثاني عليه. قوله: (كَالأَبِ) أي: فيجبر. وهذا القول ذكر اللخمي أنه المعروف، فقال: الإجباريختص بالآباء وبمن أقامه الأب في حياته أو بعد وفاته إذا عين الأب الزوج. واختلف إذا لم يعينه الأب، وجعل ذلك إلى اجتهاد من أقامه؛ فقيل: للمقام إجبارها وينكحها ممن يراه أحسن لها قبل البلوغ وبعده. وهذا هو المعروف من قول مالك.
قوله: (وقيل: إلا فِي الإِجْبَارِ) هذا القول هو الذي يؤخذ من المدونة، ففيها: وللوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كره الولي، ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدوا له لم يجز إلا برضا الوصي، وإن اختلفوا نظر السلطان. وقال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي، ويشاور الولي.
قوله: (وقَيلَ: إِلا أَنْ يُفْهَمَ الإِجْبَارُ) أي: فيكون له الإجبار، ومقتضاه أن الأول يقول بالجبر وإن لم يفهم الإجبار.
واعترضه ابن عبد السلام وقال: كل من يرى له الجبر لا يقوله إلا إذا نص على الجبر أو على ما يستلزم الجبر. وعلى هذا فينتفي الأول. ومقتضى الرسالة أنه لا يزوجها إلا أن ينص له الأب على ذلك؛ لقوله: وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها، وقال قبل ذلك: وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها.
قوله: (وَقِيلَ: إِلا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ) ابن راشد: هو المشهور. وفهم المدونة عليه، وما قلناه من حمل المدونة على القول الثاني في كلام المصنف أولى؛ لأنا لو حملناها على هذا لزم أنه إذا
стр. 1605
زوج الولي معه أن يمضي؛ لأن الذي يفهم من الأولوية أن يكونا كوليين أحدهما أقرب والآخر أبعد، فكان يمضي نكاح الولي مع الوصي، وليس كذلك.
عياض: وظاهر قوله في المدونة: ولو رضيت هي ووليها برجل وعقدوا له لم يجز [٢٨٠/ أ] إلا برضا الوصي؛ أن للوصي رده، وكذلك نص في الموازية.
وهل هذا حق للوصي وأنه لا ولاية للولي معه فيها كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلته فينقضه على كل حال، أو حماية للأوصياء لئلا يفتات عليهم ويتسع الأمر فيؤدي إلى إسقاط ما بأيديهم؟ وقال الشيخ أبو إسحاق: ظاهره أنه إن أجازه الوصي جاز. ونحا بعض الشيوخ إلى أنه إن كان نظراً منع الوصي من فسخه.
وجعل ابن عبد السلام ظاهر المدونة وما نص عليه في الموازية مفرعاً على القول الذي قدمه المصنف، وقال: الأول هو المشهور وعليه فرعوا. وفيه نظر.
قوله: (وَقِيلَ: هُوَ وَالْوَلِيُّ سَوَاءُ) ابن راشد: لم أقف على هذا القول. قوله: (وَقِيلَ: الْوَلِيُّ أَوْلَى) هذا القول حكاه سحنون في السليمانية عن غير ابن القاسم من الأصحاب.
قوله: (وَقِيلَ: كَالأَجْنَبِيِّ) أي: فلا ولاية له. وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم. وحكى ابن مغيث في وثائقه عن العتبي أنه ليس للوصي من الإنكاح شيء إذا كان لها ولي. وكان القاضي ابن السليم يلزم الوصي بأن يأمر الولي بالتزويج ليخرج من الخلاف؛ فإن قلت: يرد على المصنف سؤالان:
الأول: ليس في كلام المصنف تعرض للوصي المطلق لكونه قيده بالنكاح. وقد نص في المدونة على أن له أن يزوج.
الثاني: مقتضى كلامه أنه إذا أوصاه على ضيعته أو تفرقة ثلثه أنه لا يجوز له أن يزوج. وقال في المدونة في الوصي على الضيعة وتفرقة الثلث: إذا زوج رجوت أن يمضي.
стр. 1606
فالجواب عن الأول: لا نسلم أنه إذا أوصى له وصية مطلقة أنه لم يوص له بالنكاح؛ لأن الإيصاء بالنكاح داخل في الإطلاق، فكلام المصنف شامل لهذه الصورة.
وعن الثاني: أنه في المدونة إنما تكلم بعد الوقوف لا في الجواز ابتداء.
لكن نص أشهب في ديوانه وحكاه عنه فضل أنه إذا أوصاه على ماله أنه يزوج بذلك بناته ما لم يقل: وليس إليه من بناتي شيء. وقال في البيان: والقياس ما قاله ابن حبيب؛ لأنه قال: إذا قال: فلان وصي على مالي؛ فليس بوصي على الولد في تزويجهم، وإنما يكون وصياً في التزويج إذا قال: فلان وصيي، ولم يزد. أو قال: على بضع بناتي.
تنبيهان: الأول: مقتضى كلام اللخمي أنه إذا عين الميت الزوج كان له أن يزوجها من غير خلاف، وقد صرح الركراكي بذلك.
اللخمي: وفي كتب ابن أشرس عن مالك أنه إذا عين الأب للوصي ولم يجعل التزويج بقرب موته أنه لا يجبر. وقال: إذا قال الأب: إذا بلغت ابنتي فزوجها من فلا،، لم يجز ذلك إذا بلغت فكرهت.
الثاني: قال في المدونة بإثر الكلام المتقدم: ويزوج الولي الثيب برضاها وإن كره الوصي، وإن زوجها الوصي أيضاً برضاها جاز وإن كره الولي. وليس كالأجنبي فيها، وليس لأحد أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصي إلا الأب وحده.
عياض: وذهب بعض المشايخ إلى أن هذه الثيب التي يجوز عليها عقد الولي دون الوصي إنما هي الرشيدة وأما المحجورة فكالبكر إلا أن رضاها بالقول دون الصمت.
وقد وقع هذا أيضاً نصاً لأصبغ في كتاب فضل، وابن مزين، ويحيى بن إسحاق قال: الأولياء في الثيب غير المولى عليها أولى بالبضع من الوصي، غير أنه إذا زوجها الوصي برضاها جاز ذلك على الأولياء- وإن كرهوا- وليس الوصي في ذلك كالأجنبي، وهو
стр. 1607
ظاهر ما في النكاح الثاني والوصايا، ويعضده تشبيهه إياها بمسألة: إذا أنكح الأخ أخته الثيب بحضرة الأب وأجاز ذلك.
وقوله: ما للأب ولها واحتجاجه بها على هذه المسألة. وجعل فضل هذا خلافاً لما في الواضحة من أن الوصي يقوم مقام الأب، وأنه أولى بعقد إنكاحها من الإخوة والأعمام والعصبة والسلطان، وأنه أولى بإنكاح مولاة الموصي من ولد وغيره، وكذلك كل من كانت ولاية تزويجه إلىلموصي من البنات والأخوات والقرابات أبكاراً كن أو ثيبات فإنه يتنزل الوصي منزلته، وكلامه هذا بين في أنه أولى بإنكاح الجائزات الأمر لذكره الموالي والأخوات والقرابات وكل من كان للموصي إنكاحه. وذكر أنه قول مالك وأصحابه والأخوات والقرابات وكل من كان للموصي إنكاحه. وذكر أنه قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين. وقال سحنون: ليس الوصي بولي للثيب الرشيدة. قال شيخنا أبو الوليد: هذا إذا قال الموصي فلان وصيي ولم يزد؛ يعني ولو قال: على إنكاح بناتي لكان أولى على كل حال. انتهى.
وهل يزوج الوصي كل من كان الموصي يزوجه؟ قال في البيان: إذا قال: فلان وصيي ولم يزد ففي تزويجه من لا ولاية له عليهن من قرابة الموصي ومولياته، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له أن يزوجهن وهو أولى بذلك من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم وابن حبيب.
والثاني: مثله إلا أن الأولياء أحق بذلك منه، وهو قول أصبغ.
الثالث: أنه ليس له أن يزوج التي لا ولاية له عليها، وهو قول سحنون. وأما وصي المولى عليه باسمه من رجل أو امرأة فلا تتعدى ولا يته إلى غيره ممن إلى نظره، ولا يزوج أحداً من قرابة الموصي كان محجوره حياً أو ميتاً إذ لا ولاية له على واحدة منهن، ولا اختلاف في هذا [٢٨٠/ب] غير أن ابن الهندي قال: إن زوج واحدة منهن مضى وهو بعيد، وأما لو قال: فلان وصيي على بضع بناتي لكان ولياً لجميع بناته في النكاح وإن كن
стр. 1608
مالكات أمور أنفسهن، وإن رشدت محجورته فإنه يزوجها كما كان أبوها يزوجها وهي مالكة أمر نفسها. انتهى.
فرع: قال في المتيطية: اختلف في وصي القاضي؛ فقال ابن حبيب: ولي النسب مقدم عليه؛ لأن ولي النسب مقدم على القاضي، فيكون مقدماً على مقدمه من باب أولى. وقال ابن حارث وإسحاق بن إبراهيم وابن السليم: وصي القاضي مقدم على ولي النسب؛ لأن القاضي لما قدم وصياً صار كالحكم والنظر فيما أغفله الأب من التقديم عليها فينزل منزلة وصي الأب.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إِذَا قَالَ فِي مَرَضِهِ إِذَا مِتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي مِنْ فُلانٍ فَمُجْمَعُ عَلَى إِجَازَتِهِ وهُوَ مِنْ وصَايَا الْمُسْلِمينَ ....
قيد سحنون هذه المسألة بأن يقبل الزوج النكاح بقرب الموت. وقال يحيى بن عمر: سواء طال الأمر أو لم يطل. قال صاحب البيان: وهو ظاهر ما في العتبية. ونص ابن بشير على أن مذهب المدونة الصحة ولو حصل القبول بعد الطول، وأن قول سحنون خلاف.
وأشار في البيان إلى تخريج هذه المسألة على ما إذا زوجها بغير إذنها، ثم بلغها فرضيت فإنه يتخرج في هذه الثلاثة الأقوال المذكورة في النكاح الموقوف.
اللخمي وغيره: أما إذا مت فزوجوا ابنتي من فلان فهاهنا يجوز سواء رضيه فلان بالقرب أو لا؛ لأن النكاح في الأولى من الميت. ولولا الإجماع الذي نقله أصبغ، وإلا فالقياس المنع لأن المرض قد يطول فيتأخر القبول عن الإيجاب بالسنة ونحوها، وكأنهم لاحظوا أن المريض مضطر إلى ذلك، وكذلك اختلف في الصحيح. وإلى ذلك أشار بقوله:
وَفِي الصِّحَّةِ قَوْلانِ
المنع لابن القاسم، وأصبغ، وابن المواز، والإجازة لأشهب بناء على أنه نكاح مؤقت ولا ضرورة، أو هو جار مجرى الوصية؟
стр. 1609
أصبغ: وإن في المرض لمغمز ولكن أهل العلم أجمعوا على إجازته.
صاحب البيان: وقول ابن القاسم أصوب لأنه إذا كان في الصحة فكأنه إلى أجل، ولعل ذلك يطول كالذي يقول إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان. وقول أشهب عندي أحسن لأنه إذا حمله على الوصية فلا فرق بين الصحة والمرض في ذلك. انتهى.
فرع: واختلف فيمن قال إن فعلت كذا فقد زوجتك ابنتي؛ فلمالك في العتبية في القائل: إن أتيتني بخمسين ديناراً فقد زوجتك ابنتي: لا يعجبني هذا النكاح ولا تزويج له. ولأشهب في الموازية في الذي يقول للخاطب: إن فارقتك امرأتك فقد زوجت ابنتي، أن النكاح يجوز؛ فجعله ينعقد بنفس الفراق. قال: ولو قال: إن فارقت امرأتك زوجتك، كانت عدة ولم يلزمه تزويجه، وأحب إلي أن يفي.
التونسي: والقياس أن يجبر على التزويج لأنه وعد أدخله بسببه في فراق زوجته كما لو قال: بع فرسك والثمن عليَّ، أو اهدم دارك وأنا أعطيك كذا، فإنه يلزمه ذلك.
قال في البيان: وهذا الخلاف عندي إذا أراد إن فعلت ذلك بالقرب، ولو قال: متى فارقت امرأتك لم يجز باتفاق.
وَبَقِيَّةُ الأَوْلِيَاءِ يُزَوِّجُونَ الْبَالِغَ خَاصَّةً، عَلَى الأَصَحِّ بِإِذْنَهَا وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً
أي: ما عدا السيد والأب والوصي إنما يزوجون البكر البالغ خاصة لا غير البالغ، ومقابل الأصح سيأتي إن شاء الله تعالى في اليتيمة، ولهذا كان الأولى أن يسقط هنا قوله: (عَلَى الأَصَحِّ) لأن ما يأتي يغني عنه قوله: (وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً) يعني أن السفيهة لا يسقط وجوب استئذانها لأنه إنما يمنع من النظر في المال، ولهذا لا يكون لوصي المرأة قيام فيما يتعلق بالضرر من زوجها إلا بتوكيل منها على ذلك.
فرع: هل لا يعقد الولي العقد إلا بتفويض من المرأة؟
стр. 1610
قال فضل بن سلمة: لا بد أن يذكر في الصداق تفويض المرأة إلى الولي عند نكاحها إذا كان الزوج أخاً أو ولياً أو وكيل السلطان- ما عدا الأب وهو قول ابن القاسم- بكراً كانت أو ثيباً. وأنكر ابن حبيب ذلك فيهما جميعاً، وقال: هو حق له قد استخلفه الله تعالى عليه، والولي أحق به منها.
المتيطي: وإذا قلنا بقول ابن القاسم فظاهر مذهب الموثقين أنه يكفي في تفويضها صماتها. وفي المنتقى في بعض توجيهاته أنها إذا أمرت وليها أن يزوجها لم يكن بد من نطقها. قال: وانظر إذا كانت غائبة عن موضع الولي والزوج وأرادت التفويض إليه فالظاهر أنه لا بد من نطقها ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. انتهى.
وَيُسْتَحَبُّ إِعْلامُ الْبِكْرِ أَنَّ صَمْتَهَا إِذْنُ مَرَّةً، وَقِيلَ: ثَلاثاً، فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ
إنما خصت البكر بالصمات لما يلحقها من الحياء بالنطق لئلا تنسب إذا نطقت بالميل إلى الرجال.
ابن رشد: وجه استئمار البكر في النكاح أن يقول لها الولي بحضرة الشهود: إني أزوجك من فلان فتسكت. قال صاحب الوثائق المجموعة وغيره: أو يقول لها ذلك الشهود، وصفة ذلك أن يقول لها ذلك الشهود، وصفة ذلك أن يقول لها الشهود أو أحدهم مرة- وقال ابن شعبان: ثلاثاً- إن فلاناً خطبك على صداق مبلغه كذا وكذا، المعجل منه كذا، والمؤجل [٢٨١/ أ] كذا؛ فإن كنت رضيت فاصمتي، وبصماتك يلزمك ذلك وبه يستدل على رضاك، وإن كنت كارهة فانطقي.
ابن الماجشون: ويطيلون المقام عندها قليلاً. قال في العتبية: ولا يسألها الشهود ولا الولي إذا سكتت هل رضيت أم لا؟
قوله: (يُسْتَحَبُّ) أي: لو ترك لم يضر. ابن عبد السلام: وظاهر قول غير ابن القاسم في المدونة، وهو نص قول مالك ابن مسلمة أن ذلك واجب. انتهى. والذي في
стр. 1611
البيان: روى محمد بن مسلمة عن مالك أنه ينبغي لهم أن يعلموها، إذ ليس كل بكر تعلم أن إذنها صماتها، وعلى هذه الرواية يأتي قول ابن القاسم في المدونة. وفي الباجي: بعد أن ذكر أن ظاهر قول غير ابن القاسم كما قال ابن عبد السلام غير أن أصحابنا حملوه على الاستحباب. عياض: وتردد أبو عمران في قول الغير هل هو وفاق أو خلاف؟ ونقل عن ابن سحنون أن حمله على الخلاف، وإليه ذهب ابن بشير.
قوله: (فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ) هذا صحيح وإلا لم تكن فائدة في استئذانها، ويعلم منعها بالنطق وغيره.
ابن الجلاب: وإن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على إنكارها لم يلزمها.
وفي الموازية أن بكاءها رضاً لاحتمال أن تكون بكت على فقد أبيها، وتقول في نفسها: لو كان أبي حياً لما احتجت إلى ذلك.
بعض الموثقين: وقعت هذه المسألة فحكم فيها بإمضاء النكاح، وأما إن ضحكت فذلك رضاً منها.
وَلَوْ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُ أَنََّ الصَّمْتَ إِذْنٌ لمْ يُقْبَلُ عَلَى الأَصَحِّ
لأنه مشتهر، ولعل مقابل الأصح مبني على وجوب إعلامها، وإلا فلو كان استئذانها مستحباً بلا خلاف لما صح أن تعذر بالجهل. واختار عبد الحميد أن ينظر إلى هذه الصبية، فإن علم منها البله، وقلة المعرفة قبل منها وإلا فلا.
فائدة: مسائل لا يعذر فيها الجهل؛ منها: هذه. ومنها: من أثبتت أن زوجها يضربها فتلوم له الحاكم ثم أحضره ليطلق عليه فادعى أنه وطئها سقط حقها ولو ادعت الجهل. ومنها: الأمة المعتقة إذا وطئها زوجها بعد عتقها وادعت الجهل بالحكم فإنه يسقط خيارها.
ومنها: إذا وطئ المرتهن الأمة المرتهنة؛ فإنه يحد ولا يعذر بجهالة. ومنها: من سرق ثوباً لا
стр. 1612
يساوي ربع دينار وفيه ربع دينار. ومنها: من ملك زوجته فقضت بالبتة وادعى الجهل بحكم التمليك، فقيل له: يلزمك ما أوقعت. فقال: ما أردت إلا واحدة. ومنها: من وجب له على أبيه يمين أو حد فأخذه بذلك فلا تجوز شهادته ولا يعذر بالجهل. وقيل: لا تسقط بذلك شهادته.
ومنها: الذي يقطع الدنانير والدراهم، فلا تجوز شهادته ولو كان جاهلاً. ومنها: المرتهن يرد الرهن فتبطل حيازته ولا يعذر بالجهل.
ومنها: قول أصبغ في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب ولا يعذر بجهل.
ومنها: من قذف عبداً فظهر أنه حر. ومنها: امرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه فترد ما أنفقته من يوم الوفاة. ومنها: البيوع الفاسدة كلها حكم الجاهل فيها حكم العالم. ومنها: من ابتاع أحداً ممن يعتق عليه جهلاً فيعتق عليه ولا يعذر بجهل. ومنها: من دفع زكاته لكافر أو غني يظن الكافر مسلماً والغني فقيراً فلا يجزئه. ومنها: المظاهر يطأ بالبيع وهو حاضر. ومنها: المطلقة يراجعها زوجها فتمكث حتى يطأها ثم تدعي أن عدتها قد كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها.
ومنها: المرأة تزوج وهي حاضرة فتسكت ولا تنكر حتى يدخل بها الزوج ثم تنكر النكاح وتقول لم أرض به وتدعي الجهل. ومنها: الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ولا ينكر ثم يقوم ويدعي أنه لم يرض ويدعي الجهل. ومنها: من حاز مال رجل المدة التي تكون الحيازة عاملة فيها وادعى أنه ابتاعه منه فإنه يصدق مع يمينه ولا يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل. ومنها: البدوي يقر بالزنا أو الشرب ويقول: فعلت ذلك جهلاً. ومنها: من رأى حمل امرأته فلم ينكره ثم أراد أن ينفيه بعد ذلك. ومنها: من وطئ في اعتكافه وادعى الجهل فلا يعذر. ومنها: العبد يزني أو يشرب قبل علمه بعتقه فإنه
стр. 1613
يحد كالحر ولا يعذر بجهله. ومنها: كثير من مسائل الوضوء والصلاة والحج وكذلك أكل مال اليتيم، والمتصدي للفتوى بغير علم، والطبيب يقتل بمعاناته وهو جاهل بالطب.
ومنها: الشاهد يخطئ في شهادته في الأموال والحدود. ومنها: ما في الواضحة فيمن باع جارية وقال كان لها زوج فطلقها أو مات عنها، وقالت ذلك الجارية، لم يجز للمشتريأن يطأ ولا يزوج حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة، وإن أراد ردها وادعى أن قول البائع والجارية في ذلك مقبول لم يكن له ذلك وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك. ومنها ما قاله أصبغ فيمن اشترى نصرانية فأعتقها في الكفارة أنها لا تجزئه ولا يعذر بالجهل. ومنها: الغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ذلك ثم يريدون القيام ويدعون الجهل.
ومنها: الرجل يبيع [٢٨١/ ب] العبد على الخيار ويتركه بيد المبتاع حتى يطول الأمر بعد انقضاء أيام الخيار. ومنها: الشاهدان يريان الفرج يستحل والحر يستخدم فيسكتان ولا يقومان بشهادتهما، ثم يقومان ويدعيان الجهل فلا تقبل شهادتهما. ومنها: ما في سماع عيسى في كتاب التخيير في الذي يملك امرأته أمرها فتقول: قبلت؛ ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت، ثم تقول: كنت أردت ثلاثاً لترجع فيما صالحت به أنها لا ترجع بشيء على الزوج، لأنها حين صالحت علمنا أنها لم تطلق ثلاثاً ولا تعذر بالجهل. ومنها: المخيرة تقضي بواحدة ثم تريد أن تختار بعد ذلك، وتقول: جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة. ومنها: التي يقول لها زوجها: إن غبت عنك أكثر من ستة أشهر فأمرك بيدك، فيغيب عنها أو تقيم بعد الستة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت. ومنها: الرجل يجعل أمر امرأته بيد أجنبي فلا يقضي المملك حتى يطأها ثم تريد أن تقضي، ويقول: جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان لي. ومنها: المملكة والمخيرة يملكها زوجها ويخيرها فلا تقضي حتى ينقضي المجلس على أول قول مالك ثم تريد أن تقضي بعد، والله أعلم.
стр. 1614
وَالْبُلُوغُ بِالاحْتِلامِ أَوِ بِالإِنْبَاتِ أَوْ السِّنِّ وَهِيَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وَتَزِيدُ الأُنْثَى بِالْحَيْضِ والْحَمْلِ ....
حاصله أن للبلوغ خمس علامات، منها ثلاث يشترك فيها الذكور والإناث، ومنها اثنتان تختصان بالأنثى. وما ذكره من العلامات متفق عليه إلا الإنبات، ففي اللخمي: اختلف في البكر تشارف البلوغ، فقال ابن القاسم: لا بأس إذا جرت عليه المواسي أن تزوج برضاها، وقال مرة: لا تزوج حتى تبلغ. ونحوه لابن يونس. وعلى المنع فهل يفسخ مطلقاً؟ وهو قول ابن حبيب، أو لا يفسخ؟
ابن عبد السلام: اضطرب المذهب في اعتبار الإنبات كثيراً. وقال بعض متقدمي أصحابنا أنه يعتبر في الأحكام التي بين العباد كالقصاص وما ينظر فيه الحاكم من الحدود، ولا يعتبر فيما لا ينظر فيه القضاة كالصلاة والحج فيقتل من أنبت إن قتل، ولا يؤمر بحج ولا صيام. وقال بعض الشيوخ: إن هذا متفق عليه. أعني ما ذكروه في الأحكام التي بينه وبين الله تعالى. وإنما الخلاف في القسم الآخر، ويرى صاحب هذا القول أن ما جاء من الأمر بقتل من جرت عليه المواسي لا يتعدى إلى غيره من الأحكام التي بين العبد وربه تعالى، والمشهرو في السن ما قدمه. والقول بالخمس عشرة لابن وهب، ولا فرق في هذا الفصل بين الذكر والأنثى.
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا تُزَوَّجُ الْيَتِيمَةُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ- ومِثْلُهَا يُوطَأُ- جَازَ، وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا خِيفَ عَلَيهَا الْفَسَادُ ....
(الْيَتِيمَةُ) من لا أب لها، والرواية المشهورة أنها لا تزوج إلا بعد البلوغ.
قال الأستاذ أبو بكر: وهو المذهب الصحيح. وقال القاضي أبو محمد: هو أظهر الأقوال وأصح الروايات، والذي يفتى به، وإليه رجع مالك.
стр. 1615
اللخمي: وقال مالك في الموازية في صبية بنت عشر سنين ذات حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها وإن كانت صغيرة لم تنبت. فأباح أن تزوج للحاجة، وهو أحسن، وإليه أشار بقوله: (وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ ومِثْلُهَا يُوطَأُ جَازَ).
وفي المتيطية: وروى محمد بن عبد الحكم عن مالك: أنه رجع عما في الموازية إلى الرواية الأولى، وحكى ابن الجلاب فيه ثلاثة روايات: هاتين الروايتين، والثالثة: أن النكاح جائز ولها الخيار إذا بلغت في فسخه وإمضائه. وجعل ابن بشير هذا الخلاف يجري في غير المميزة إذا احتاجت.
قال في البيان: ولا يجوز تزويج اليتيمة المميزة لمصالحها كارهةً اتفاقاً.
وقوله: (وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) ظاهره أنه يجوز الإقدام على ذلك، وبه صرح ابن بشير، وهو قريب من الرواية التي حكى ابن الجلاب، وفي هذا القول نظر؛ لأن الخيار عندنا مناف لصحة عقد النكاح، وما حكاه المصنف عن ابن بشير، قال ابن عبد السلام: العمل عندنا ببلدنا اليوم هو الذي عليه بشرط بلوغها عشر سنين ومشاورة القاضي. قال غيره: وتأذن بالقول ويكون لها ميل إلى الرجال.
قال في المتيطية: وبه جرى العمل عند الموثقين وانعقدت به الفتوى. وذكر عياض أن الحذاق على الإجبار متى خيف عليها الفساد وإن كانت ثيباً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُفْسَخُ وإِنْ دَخَلَ
هكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها: (ما لم يدخل) وهو كذلك ابن شاس لأنه قال: وإذا فرعنا على الرواية الصحيحة فزوجت فروي: يفسخ النكاح ولا يقران عليه وإن بلغت ما لم يدخل. وقيل: ينظر فيه الحاكم، فإن رآه صواباً أمضاه وإلا فسخه. وقيل: الخيار لها، فإن رضيت مضى، وإلا فسخ. وإنما يكون ذلك بعد بلوغها.
следующие страницы →