Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
البيان: روى محمد بن مسلمة عن مالك أنه ينبغي لهم أن يعلموها، إذ ليس كل بكر تعلم أن إذنها صماتها، وعلى هذه الرواية يأتي قول ابن القاسم في المدونة. وفي الباجي: بعد أن ذكر أن ظاهر قول غير ابن القاسم كما قال ابن عبد السلام غير أن أصحابنا حملوه على الاستحباب. عياض: وتردد أبو عمران في قول الغير هل هو وفاق أو خلاف؟ ونقل عن ابن سحنون أن حمله على الخلاف، وإليه ذهب ابن بشير.
قوله: (فَإِنْ مُنِعَتْ لَمْ تُزَوَّجْ) هذا صحيح وإلا لم تكن فائدة في استئذانها، ويعلم منعها بالنطق وغيره.
ابن الجلاب: وإن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على إنكارها لم يلزمها.
وفي الموازية أن بكاءها رضاً لاحتمال أن تكون بكت على فقد أبيها، وتقول في نفسها: لو كان أبي حياً لما احتجت إلى ذلك.
بعض الموثقين: وقعت هذه المسألة فحكم فيها بإمضاء النكاح، وأما إن ضحكت فذلك رضاً منها.
وَلَوْ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُ أَنََّ الصَّمْتَ إِذْنٌ لمْ يُقْبَلُ عَلَى الأَصَحِّ
لأنه مشتهر، ولعل مقابل الأصح مبني على وجوب إعلامها، وإلا فلو كان استئذانها مستحباً بلا خلاف لما صح أن تعذر بالجهل. واختار عبد الحميد أن ينظر إلى هذه الصبية، فإن علم منها البله، وقلة المعرفة قبل منها وإلا فلا.
فائدة: مسائل لا يعذر فيها الجهل؛ منها: هذه. ومنها: من أثبتت أن زوجها يضربها فتلوم له الحاكم ثم أحضره ليطلق عليه فادعى أنه وطئها سقط حقها ولو ادعت الجهل. ومنها: الأمة المعتقة إذا وطئها زوجها بعد عتقها وادعت الجهل بالحكم فإنه يسقط خيارها.
ومنها: إذا وطئ المرتهن الأمة المرتهنة؛ فإنه يحد ولا يعذر بجهالة. ومنها: من سرق ثوباً لا
стр. 1612
يساوي ربع دينار وفيه ربع دينار. ومنها: من ملك زوجته فقضت بالبتة وادعى الجهل بحكم التمليك، فقيل له: يلزمك ما أوقعت. فقال: ما أردت إلا واحدة. ومنها: من وجب له على أبيه يمين أو حد فأخذه بذلك فلا تجوز شهادته ولا يعذر بالجهل. وقيل: لا تسقط بذلك شهادته.
ومنها: الذي يقطع الدنانير والدراهم، فلا تجوز شهادته ولو كان جاهلاً. ومنها: المرتهن يرد الرهن فتبطل حيازته ولا يعذر بالجهل.
ومنها: قول أصبغ في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب ولا يعذر بجهل.
ومنها: من قذف عبداً فظهر أنه حر. ومنها: امرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه فترد ما أنفقته من يوم الوفاة. ومنها: البيوع الفاسدة كلها حكم الجاهل فيها حكم العالم. ومنها: من ابتاع أحداً ممن يعتق عليه جهلاً فيعتق عليه ولا يعذر بجهل. ومنها: من دفع زكاته لكافر أو غني يظن الكافر مسلماً والغني فقيراً فلا يجزئه. ومنها: المظاهر يطأ بالبيع وهو حاضر. ومنها: المطلقة يراجعها زوجها فتمكث حتى يطأها ثم تدعي أن عدتها قد كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها.
ومنها: المرأة تزوج وهي حاضرة فتسكت ولا تنكر حتى يدخل بها الزوج ثم تنكر النكاح وتقول لم أرض به وتدعي الجهل. ومنها: الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ولا ينكر ثم يقوم ويدعي أنه لم يرض ويدعي الجهل. ومنها: من حاز مال رجل المدة التي تكون الحيازة عاملة فيها وادعى أنه ابتاعه منه فإنه يصدق مع يمينه ولا يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل. ومنها: البدوي يقر بالزنا أو الشرب ويقول: فعلت ذلك جهلاً. ومنها: من رأى حمل امرأته فلم ينكره ثم أراد أن ينفيه بعد ذلك. ومنها: من وطئ في اعتكافه وادعى الجهل فلا يعذر. ومنها: العبد يزني أو يشرب قبل علمه بعتقه فإنه
стр. 1613
يحد كالحر ولا يعذر بجهله. ومنها: كثير من مسائل الوضوء والصلاة والحج وكذلك أكل مال اليتيم، والمتصدي للفتوى بغير علم، والطبيب يقتل بمعاناته وهو جاهل بالطب.
ومنها: الشاهد يخطئ في شهادته في الأموال والحدود. ومنها: ما في الواضحة فيمن باع جارية وقال كان لها زوج فطلقها أو مات عنها، وقالت ذلك الجارية، لم يجز للمشتريأن يطأ ولا يزوج حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة، وإن أراد ردها وادعى أن قول البائع والجارية في ذلك مقبول لم يكن له ذلك وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك. ومنها ما قاله أصبغ فيمن اشترى نصرانية فأعتقها في الكفارة أنها لا تجزئه ولا يعذر بالجهل. ومنها: الغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ذلك ثم يريدون القيام ويدعون الجهل.
ومنها: الرجل يبيع [٢٨١/ ب] العبد على الخيار ويتركه بيد المبتاع حتى يطول الأمر بعد انقضاء أيام الخيار. ومنها: الشاهدان يريان الفرج يستحل والحر يستخدم فيسكتان ولا يقومان بشهادتهما، ثم يقومان ويدعيان الجهل فلا تقبل شهادتهما. ومنها: ما في سماع عيسى في كتاب التخيير في الذي يملك امرأته أمرها فتقول: قبلت؛ ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت، ثم تقول: كنت أردت ثلاثاً لترجع فيما صالحت به أنها لا ترجع بشيء على الزوج، لأنها حين صالحت علمنا أنها لم تطلق ثلاثاً ولا تعذر بالجهل. ومنها: المخيرة تقضي بواحدة ثم تريد أن تختار بعد ذلك، وتقول: جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة. ومنها: التي يقول لها زوجها: إن غبت عنك أكثر من ستة أشهر فأمرك بيدك، فيغيب عنها أو تقيم بعد الستة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت. ومنها: الرجل يجعل أمر امرأته بيد أجنبي فلا يقضي المملك حتى يطأها ثم تريد أن تقضي، ويقول: جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان لي. ومنها: المملكة والمخيرة يملكها زوجها ويخيرها فلا تقضي حتى ينقضي المجلس على أول قول مالك ثم تريد أن تقضي بعد، والله أعلم.
стр. 1614
وَالْبُلُوغُ بِالاحْتِلامِ أَوِ بِالإِنْبَاتِ أَوْ السِّنِّ وَهِيَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وَتَزِيدُ الأُنْثَى بِالْحَيْضِ والْحَمْلِ ....
حاصله أن للبلوغ خمس علامات، منها ثلاث يشترك فيها الذكور والإناث، ومنها اثنتان تختصان بالأنثى. وما ذكره من العلامات متفق عليه إلا الإنبات، ففي اللخمي: اختلف في البكر تشارف البلوغ، فقال ابن القاسم: لا بأس إذا جرت عليه المواسي أن تزوج برضاها، وقال مرة: لا تزوج حتى تبلغ. ونحوه لابن يونس. وعلى المنع فهل يفسخ مطلقاً؟ وهو قول ابن حبيب، أو لا يفسخ؟
ابن عبد السلام: اضطرب المذهب في اعتبار الإنبات كثيراً. وقال بعض متقدمي أصحابنا أنه يعتبر في الأحكام التي بين العباد كالقصاص وما ينظر فيه الحاكم من الحدود، ولا يعتبر فيما لا ينظر فيه القضاة كالصلاة والحج فيقتل من أنبت إن قتل، ولا يؤمر بحج ولا صيام. وقال بعض الشيوخ: إن هذا متفق عليه. أعني ما ذكروه في الأحكام التي بينه وبين الله تعالى. وإنما الخلاف في القسم الآخر، ويرى صاحب هذا القول أن ما جاء من الأمر بقتل من جرت عليه المواسي لا يتعدى إلى غيره من الأحكام التي بين العبد وربه تعالى، والمشهرو في السن ما قدمه. والقول بالخمس عشرة لابن وهب، ولا فرق في هذا الفصل بين الذكر والأنثى.
وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا تُزَوَّجُ الْيَتِيمَةُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ- ومِثْلُهَا يُوطَأُ- جَازَ، وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا خِيفَ عَلَيهَا الْفَسَادُ ....
(الْيَتِيمَةُ) من لا أب لها، والرواية المشهورة أنها لا تزوج إلا بعد البلوغ.
قال الأستاذ أبو بكر: وهو المذهب الصحيح. وقال القاضي أبو محمد: هو أظهر الأقوال وأصح الروايات، والذي يفتى به، وإليه رجع مالك.
стр. 1615
اللخمي: وقال مالك في الموازية في صبية بنت عشر سنين ذات حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها وإن كانت صغيرة لم تنبت. فأباح أن تزوج للحاجة، وهو أحسن، وإليه أشار بقوله: (وَعَنْهُ: إِنْ دَعَتْ حَاجَةُ ومِثْلُهَا يُوطَأُ جَازَ).
وفي المتيطية: وروى محمد بن عبد الحكم عن مالك: أنه رجع عما في الموازية إلى الرواية الأولى، وحكى ابن الجلاب فيه ثلاثة روايات: هاتين الروايتين، والثالثة: أن النكاح جائز ولها الخيار إذا بلغت في فسخه وإمضائه. وجعل ابن بشير هذا الخلاف يجري في غير المميزة إذا احتاجت.
قال في البيان: ولا يجوز تزويج اليتيمة المميزة لمصالحها كارهةً اتفاقاً.
وقوله: (وقِيلَ: تُزَوَّجُ ولَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) ظاهره أنه يجوز الإقدام على ذلك، وبه صرح ابن بشير، وهو قريب من الرواية التي حكى ابن الجلاب، وفي هذا القول نظر؛ لأن الخيار عندنا مناف لصحة عقد النكاح، وما حكاه المصنف عن ابن بشير، قال ابن عبد السلام: العمل عندنا ببلدنا اليوم هو الذي عليه بشرط بلوغها عشر سنين ومشاورة القاضي. قال غيره: وتأذن بالقول ويكون لها ميل إلى الرجال.
قال في المتيطية: وبه جرى العمل عند الموثقين وانعقدت به الفتوى. وذكر عياض أن الحذاق على الإجبار متى خيف عليها الفساد وإن كانت ثيباً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُفْسَخُ وإِنْ دَخَلَ
هكذا وقع في بعض النسخ وفي بعضها: (ما لم يدخل) وهو كذلك ابن شاس لأنه قال: وإذا فرعنا على الرواية الصحيحة فزوجت فروي: يفسخ النكاح ولا يقران عليه وإن بلغت ما لم يدخل. وقيل: ينظر فيه الحاكم، فإن رآه صواباً أمضاه وإلا فسخه. وقيل: الخيار لها، فإن رضيت مضى، وإلا فسخ. وإنما يكون ذلك بعد بلوغها.
стр. 1616
ابن عبد السلام: [٢٨٢/ أ] الأولى هي الصحيحة، فإن ابن حبيب نقل عن مالك وأصحابه أنه يفسخ وإن ولدت أولاداً ورضيت بزوجها، وقيل: يفرق بينهما ما لم يطل بعد الدخول.
قال أصبغ متمماً لهذا القول: ما لم يطل وتلد أولاداً، ولم ير الولد الواحد والسنتين بعد ذلك طولاً. وفي المتيطية: المشهور إذا زوجت وكانت غنية أنه يفسخ قبل الدخول وبعده ما لم يطل بعد الدخول، ثم ذكر ما رواه ابن حبيب.
وعلى هذا فتكون نسخة (وإِنْ دَخَلَ) مقيدة بما إذا لم يطل، ويكون قوله في النسخة الثانية: (ما لم يدخل) يريد ويطول بعد الدخول. قال في البيان: وقال: ابن القاسم لا يفسخ لقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ([النساء: ٣] معناه: لا تعدلوا في تزويجهن، وهو دليل جواز العقد عليهن قبل البلوغ، إذ البالغ لا يقال له يتيم. قال: وقيل: تخير إذا بلغت ما لم يطل الأمر بعد الدخول لأنه حق لها. وقال مالك: يكره، فإن وقع لم يفسخ.
وَإِنْ تَقَدَّمَ الْعَقْدَ عَلَى الإِذْنِ فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: إِنْ تَعَقَّبَهُ قَرِيباً صَحَّ
معناه: إذا عقد ولي على امرأة نكاحاً قبل أن تأذن ثم بلغها ذلك فرضيت ففي ذلك ثلاثة أقوال، وهي أيضاً فيمن زوج ابنه البالغ ثم بلغه ذلك فرضي، نص على ذلك اللخمي، أما إن لم ترض فلا إشكال في عدم اللزوم. والثلاثة الأقوال لمالك، إلا جازة مطلقاً في الموازية، والمنع مطلقاً حكاه الجلاب، والمشهور مذهب المدونة، والضمير في (تَعَقْبَهُ) عائد على العقد، والضمير المستتر عائد على الإذن.
واختلفت طرق الشيوخ في هذه المسألة، فحكى ابن زرقون الثلاثة كالمصنف، وذكر في التنبيهات عن بعضهم أن الخلاف إنما هو في البعد.
стр. 1617
وقال في البيان: إنما اختلف في القرب وأما مع البعد فلا يجوز النكاح، وإن أجازه باتفاق إلا على تأويل التونسي؛ فإنه تأول أنه لا فرق على أحد قولي مالك بين القرب والبعد، وعلى هذا فيكون في المسألة ثلاثة أقوال. انتهى.
وجعل الباجي المسألة على وجهين: أحدهما: أن يكون موقوفاً من الطرفين. والثاني: أن يكون موقوفاً من طرف واحد. وحكى في الموقوف من طرفين قولين: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً. قال: وهو الصحيح عندي. وقد اختاره ابن القصار، قال: وأما الموقوف أحد طرفيه على الآخر، ففي كراهة ما قرب منه قولان، وما بعد قولان: الجواز والإبطال. وعلى المنع فعن ابن القاسم: يفسخ قبل، ويثبت بعد؛ لأن جل الناس على إجازته.
قال في البيان: واختاره محمد، وفي سماع عيسى عن ابن القاسم: يفسخ ما لم يطل بعد الدخول. وقال أصبغ: يفسخ أبداً وإن طال. وقال أصبغ أيضاً: يؤمرون بالفسخ من غير حكم لاختلاف العلماء فيه. وهذا ما لم يعترف الولي بالافتيات حال العقد، أو يدعي الوكالة؛ فإن اعترف بالافتيات عند العقد فسخ النكاح أبداً اتفاقاً، وإن ادعى الوكالة حال العقد ووافقته الزوجة صح النكاح اتفاقاً. واختلف إذا أنكرت، فقيل: تحلف، وإن نكلت لزمها النكاح. وقيل: تحلف، وإن نكلت لم يلزمها النكاح. واليمين على هذا إنما هي استظهار لعلها تعترف بالوكالة، وقيل: لا يمين عليها. وأما حد القرب، فقال في المدونة: وإن كانت بغير البلد أو فيه وتأخر إعلامها لم يجز وإن رضيت. وهذا قول مالك وأصحابه ونحوه لعيسى لأنه حد القرب بأن يعقد في السوق أو في المسجد ثم يسار إليها بالخبر من ساعته، ونحوه روي ابن حبيب عن مالك أنه اشترط ثلاثة شروط، فقال: إن كان الرضا بقرب تزويجه وكانت معه في البلد والموضع قريب جاز، وإن كانت بغير البلد أو كانت بعيدة وإن جمعهما البلد أو تباعد ما بين تزويجه ورضاها وإن كانا بموضع واحد فلا يجوز. وقال أصبغ وسحنون: اليوم واليومان قريب، والخمسة كثيرة. وجعل مالك اليوم في رواية
стр. 1618
ابن حبيب من حيز الكثير، وعن سحنون: ما بين مصر والقلزم قريب، وما بين مصر والإسكندرية أو أسوان بعيد.
اللخمي: ولا أعلم له وجهاً إلا أن يقول أن الخيار إلى يوم أو يومين جائز.
واعلم أنه إنما يجوز على المشهور بالقرب إذا لم تصرح قبل ذلك بالرد، وأما إن قالت: ما وكلته ولا أرضى. ثم رضيت فلا يجوز، نص عليه في المدونة والموازية، زاد في الموازية عن مالك: وإن أقرت بعد ذلك بوكالته وأنها كانت راضية فلا يجوز ولا يثبت إلا بنكاح جديج.
وَالصُّمَاتُ هُنَا لَغْوٌ
يعني: إذا رضيت بالنكاح في هذه المسألة فلا يشهد عليها إلا من يسمع نطقها، ولا يكون سكوتها هنا رضا لأن الولي لما تعدى عليها افتقرت إلى التصريح برفع العداء، وهو مذهب المدونة، وقيل: يكتفي منها أيضاً ها هنا بالصمات.
فائدة: هذه إحدى سبع أبكار لا يكون رضاهن إلا بالنطق ذكرها الموثقون والثانية: المرشدة كان الأب أو ولي. الثالثة: المعنسة، هكذا أطلق ابن راشد القول في المعنسة. وقال الباجي والغرناطي وابن عبد السلام: اليتيمة المعنسة، وقد تقدم فيها خلاف. الرابعة: [٢٨٢/ ب] اليتيمة تزوج لعبد أو من فيه عقد حرية أو لذي عيب إذ ذاك عيب تدخل عليه ويلزمها. الخامسة: التي عضلها وليها فرفعت أمرها إلى الحاكم. السادسة: اليتيمة الصغيرة المحتاجة، ذكرها الغرناطي. السابعة: اليتيمة إذا سيق لها مال نسبت معرفته إليها إذا لم يكن لها وصي.
المتيطي: وحكى ابن لبابة وابن العطار عن كثير من شيوخنا أنه إن كان صداقها عرضاً فلابد من نطقها لأنها بائعة مشترية، والشراء لا يلزم بالصمت فلابد من نطقها لأن الولي إنما له عوض البضع لا الشراء، ثم حصل فيها ثلاثة أقوال: فرق في الثالث بين العرض فلابد من نطقها، وبين العين فيكتفي بالصمت.
стр. 1619
فَإِنْ أَقَرَّتْ بِالإِذْنِ، وقَالَتْ: لَمْ يزوجني صُدِّقَ الْوَكِيلُ إِنْ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ كَوَكِيلِ الْبَيْعِ
تصوره ظاهر لأن كلا من الزوجة وصاحب السلعة مقر بالإذن، والوكيل قائم مقامهما، ولا يكلف إقامة البينة على إقامة النكاح والبيع. ابن بشير: ويختلف إذا عزلته، وقالت: لم يعقد إلا بعد العزل وادعى هو العقد قبله.
وقَالَ مَالِكُ: وَتَكْشِفُ مَنْ لا تُعْرَفُ لِمَنْ يَشْهَدُ عَلَى رُؤْيَتِهَا
يعني: أن المرأة إذا شهد عليها الشهود في النكاح- وفي معناه سائر الحقوق- فإن كان الشهود يعرفونها بالعين والاسم والنسب شهدوا عليها ولا يحتاجون إلى النظر إليها، وإلا فلابد من نظرها، ويحتاج في ذلك إلى أن يكتب من صفاتها في الوثيقة ما تعرف بها، ولا يقول في نص الوثيقة: من يعرفها باسمها، ولكن يقول من يعرفها بعينها. ولهذا قال في البيان: وينبغي إن وجد من العدول من يعرفها فلا يشهد عليها من لا يعرفها قال: ولا يصح لمن يشهد عليها أن يشهد غيره على شهادته أن فلانة بنت فلان أشهدتهم بالرضا بالنكاح لاحتمال ألا تكون هي التي أشهدتهم فيموتوا ويشهد على شهادتهم فيلزمه نكاح ولم ترض به ولا أشهدت به على نفسها؛ لأن إشهادهم على شهادته بذلك كشهادتهم به عليها عند الحاكم، قال: وأما عند الأداء فلا يحل للشاهد أن يشهد بالإجماع إلا على من يعرف أنه هو الذي أشهده دون شك. انتهى. قال بعضهم: وإذا حضر عقد النكاح من يعرف المشهدين، ومن لا يعرفهم كان لمن لا يعرف أن يشهد، ولا يلزمه أن يبين ما يلزمه لو انفرد، قال: وبه جرى العمل عندهم. وفيه نظر.
فرع: يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد، وللطبيب ونحوه وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره. قالوا: ولا يباح للخاطب أن ينظر إليها إلا إلى وجهها وكفيها.
стр. 1620
ويحتاج في ذلك إلى إذنها في رواية ابن القاسم، وكره فيها أن يستغفلها، وروى محمد بن يحيى: لا بأس أن ينظر إليها وعليها ثيابها. قال في البيان: يحتمل أن ينظر إليها مستغفلة إذا علم أن عليها ثيابها، ويحتمل أن ينظر إليها بعد إعلامها.
ابن العربي: وينظر إلى المخطوبة قبل العقد لما في أبي داود أنه ﵊ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
فَإِنْ أَذِنَتْ ولَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ فَفِي وُقُوفِهِ عَلَى إِجَازَتِهَا قَوْلانِ، إِلا مِنْ نَفْسِهِ فَيَقْفُ عَلَيْهَا
القولان في المدونة، ففيها: قال مالك: وإن قالت امرأة لوليها زوجني ممن أحببت، فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها منه، ولها أن تجيز أو ترد، وقد قال عبد الرحمن: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه، وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت جاز.
اللخمي: وقول ابن القاسم أحسن لأنها وكالة على ما يجوز بيعه، فأشبهت الوكالة على غير ذلك من البياعات وقياساً على توكيل الزوج إذا لم يعين المرأة ولا أعلمهم يختلفون أن ذلك يلزمه. ويمكن أن يفرق بين الرجل والمرأة بأن الرجل قادر على الطلاق. واختلفت طرق الشيوخ إذا زوجها من نفسه؛ ففي البيان: لا يلزمها إلا أن تشاء باتفاق. وحكى اللخمي عن ابن القصار اللزوم. وبنى ابن بشير ذلك على الخلاف بين الأصوليين، هل يدخل المخاطب تحت الخاطب أم لا؟ قال: وكذلك اختلف في البيع هل له أن يبيع من نفسه أم لا؟ والمشهور ليس له ذلك. وقد يقال بعدم دخول المخاطب هنا، ولو قلنا أن المخاطب يدخل تحت الخطاب لأن القرينة العرفية هنا تخالفه. وإذا فرعنا على المنع فهل له أن يزوجها ممن هو في ولايته كابنه ويتيمه؟ أجراه اللخمي على الخلاف في الوكيل على البيع فبيع لولده، فرده ابن القاسم وإن لم تكن فيه محاباة، وأجازه سحنون.
стр. 1621
وقوله: (لَمْ تُعَيَّنْ) أي: وأما إن عينت الزوج فإنه يجوز باتفاق إذا وقف على إجازتها، ففي البيان: لها الرضا قرب الأمد أو بعد. وقال ابن حبيب: إنما يجوز ذلك إذا كان بحدثان العقد، وأما إن لم يكن بحدثانه فليس لها الرضا إلا بنكاح جديد بعد فسخ الأول على قياس المشهور في الولي يزوج وليته الغائبة ثم ترضى، وليس بصحيح لأنهما [٢٨٣/ أ] مسألتان.
وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ تَزْوِيجُ الْبَالِغِ إِذَا دَعَتْ إِلَى كُفْءٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ عَضَلَهَا أَمْرٌ فَإِنْ امْتَنَعَ زَوْجَهَا الْحَاكِمُ ....
لأنه لو لم يجب عليه تزويجها مع كونها مضطرة إلى عقده إذ ليس لها أن تعقد كان ذلك من أعظم الضرر بها. قال صاحب العمدة: ويعقد السلطان لأنه كالحاكم عليه، وإن شاء رده إلى غير العاضل فصرح بأنها تنتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد، وكذلك هو ظاهر كلامهم.
والعضل: المنع من التزويج، يقال: عضل يعضل ويعضل عضلاً.
ابن راشد: ولو عين الولي كفئاً غير الكفء الذي عينته فالأمر في ذلك إليها.
ابن القاسم: ولو رفعت أمرها إلى القاضي فلا يزوجها حتى يسألها هل لها ولي؟ فإن ثبت عنده أنها لا ولي لها من جيرانها وغيرهم زوجها، وإن كان لها ولي فلا يزوجها حتى يسألها هل لها ولي؟ فإن ثبت عنده أنها لا ولي لها من جيرانها وغيرهم زوجها، وإن كان لها ولي فلا يزوجها حتى يدعوه، وإن امتنع من إنكاحها سأله عن وجه امتناعه، فإن رآه صواباً ردها إليه صاغرة ولم يجبره على إنكاحها ممن كره. وإن رآه ضرراً وكل من يزوجها بعد أن يثبت عنده من أمرها ما يجب.
ابن أبي زمنين وابن العطار: وبه جرى العمل واستمر الحكم.
وَعَضْلُ الأَبِ فِي الْبِكْرِ لا يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ خَاطِبٍ أَوْ خَاطِبَيْنِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ضَرَرُهُ
نحوه في المدونة، زاد فيها: وإذا تبين ضرره قال له الإمام: إما أن تزوجها أو زوجناها عليك؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار". وخص الوالد بهذا الحكم لما جبل عليه من الحنان والشفقة ولجهلها بمصالح نفسها، فربما علم منها ما لا يحسن به حالها مع هذا الخاطب أو علم من حال الخاطب ذلك.
стр. 1622
وقال أبو الفرج: هو عاضل برد أول خاطب. وقال ابن حبيب: ليس للسلطان أن يتسور عليه في ابنته وإن طلبت ذلك الابنة، وقد منع مالك بناته من النكاح وقد رغب فيهن خيار الرجال، وفعل ذلك العلماء قبله وبعده. والظاهر أن قوله ليس بخلاف للمذهب؛ لأنه شرط في المذهب أن يتبين الضرر. وليس في كلام ابن حبيب ذلك، بل استشهاده بفعل مالك وغيره من العلماء ويبين ذلكل أنهم لا يقصدون الضرر فضلاً عن أن تبين ذلك منهم. لكن حمل اللخمي وصاحب البيان وغيرهما قول ابن حبيب على الخلاف. وقال اللخمي: إن كان الأب من أهل العلم والصلاح لم يعرض له وإن لم يكن سئل الجيران، فإن لم يكن عذر زوجت.
تنبيهان: الأول: المزوج مع عضل الأب الحاكم بلا إشكال، نص عليه المتيطي وغيره، وهو مما يبين أنه إذا امتنع الولي الأقرب ينتقل إلى الحاكم لا إلى الأبعد.
الثاني: قوله في المدونة حتى يتبين ضرره يقتضي أنه إذا جهل أمره لم تزوج عليه. وكذلك قال في أحكام ابن زياد: في الثيب إذا قالت: عضلني أبي لغير عذر. وقال الأب: لعذر. القول قوله، وعلى الثيب إثبات ما ادعت.
وَإِذَا كَانَ أَولياء فِي دَرَجَةٍ فَبَادَرَ أَحَدُهُمْ صَحَّ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فَأَفْضَلُهُمْ ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، فَإِنْ تَسَاوَوْا عَقَدُوا جَمِيعاً ....
لا إشكال في الصحة مع مبادرة أحدهم لكن لا يقدم على ذلك ابتداء، فقد روى ابن وهب عن مالك في امرأة لها وليان في درجة غاب أحدهما فزوجها الحاضر برضاها: لم يكن للغائب كلام، وإن كانا حاضرين ففوضت لأحدهما لم يزوجها إلا بإذن صاحبه؛ فإن اختلفا في ذلك نظر السلطان فأجاز رأي أحسنهما نظراً لها، ذكره صاحب الكافي والمتيطي وغيرهما، لكن مقتضى قوله في المدونة: وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن ينكح وثم
стр. 1623
من هو أولى منه؛ لأن تقديم الأقرب على الأبعد إنما هو من باب الأولى، وأن لبعض الأولياء إذا كان في درجة أن يزوج ابتداء بغير إذن الباقين.
ونقل عياض عن بعض البغداديين أنهم أجازوا إنكاح الأبعد مع وجود الأقرب ابتداءً من غير كراهة.
قوله (فِي دَرَجَةٍ) أي: كإخوة وأعمام. وما ذكره المصنف من أنه يقدم بالفضل ثم بالسن وأنهم إن تساووا في الفضل والسن عقدوا جميعاً هو لمالك عند ابن حبيب، والذي رواه ابن القاسم وهو مذهب المدونة عند اللخمي والباجي وعبد الحميد وغيرهم أنه ينظر السلطان؛ لأن فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في القعدد سواء نظر السلطان في ذلك. ففهموا منها العموم.
ابن بشير: وقال سحنون: معناه في الأوصياء، وأما الأولياء فمن قدمته المرأة فهو أحق.
خليل: وفيه نظر؛ لأن سحنون إنما نص على أن ذلك في الأوصياء فقط ولم يتعرض للأولياء، وإنما قال أن المرأة تخير فيمن يتولى العقد عليها بعض القرويين على ما نقله الباجي وابن زرقون وغيرهما، ونقل عبد الحميد عن المغيرة أنه يقرع بين الأولياء إذا تساووا.
وفي الكافي: وإذا تساووا في الدرجة والفضل، وتشاحوا نظر الحاكم في ذلك فما رآه سداداً ونظراً أنفذه وعقده، أو رده إلى من يعقده منهم. وقد قيل: يأمر أحدهم بالعقد ولا يعقده هو مع ولي حاضر.
ابن راشد: والأول تحصيل المذهب لقوله ﷺ في الأولياء: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي [٢٨٣/ ب] من لا ولي له".
فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ
أي: في تعيين الزوج. فقال بعضهم: لهذا. وقال الآخرون: بل لهذا. وأما الأولى
стр. 1624
فالاختلاف فيها فيمن يلي العقد مع الاتفاق على الزوج. قال ابن عبد السلام: وهو فهم حسن من المؤلف للمدونة في المسالة التي قال فيها: وإذا اختلف الأولياء وهم في العقد سواء. انتهى.
وهو حسن إن ساعدته الأنقال، وقد قال ابن سعدون: إن قوله في المدونة: اختلفوا، يحتمل أن يكون فيمن يلي الإنكاح أو في الزوج.
وَفِيهَا: وَإِذَا أَذِنَتْ لِوَلِيَّيْنِ فَعَقَدَا عَلَى شَخْصَيْنِ فَدَخَلَ الثَّانِي وَلَمْ يَعْلَمْ فَهِيَ لَهُ. حَكَمَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بحضرة الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَمُعَاوِيَةُ لِلْحَسَنِ عَلَى ابنِهِ يَزِيدَ وَلَمْ ينكروا وَقَالَ ابْنُ عبد الْحَكَمِ: السَّابِقُ بِالْعَقْدِ أَوْلَى ....
نسبها للمدونة لإشكالها حكماً وتصويراً، وللإرشاد إلى الاستعانة على فهمها بشروحات المدونة، أما إشكالها حكماً فلأنه حكم بها للثاني مع أنها زوجة لغيره، وعدم العلم لا يمنع من كونها متزوجة، فيدخل في عموم قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاء ([النساء: ٢٤] ولهذا ذكر عمر ومعاوية رضي الله تعالى عنهما إشارة إلى دليل المسألة، وإلا فليس عادة المصنف ذكر الأدلة، وبقول ابن عبد الحكم قال المغيرة وابن مسلمة، ورواه حمديس عن مالك، وهو اختيار ابن لبابة وهو أقيس، وهو قول الشافعي وأكثر العلماء، وحكى عبد الوهاب مثل المشهور عن علي رضي الله تعالى عنه والحسن.
قال في الجواهر: وبه قال ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة وعطاء ومكحول وغيرهم.
فإن قلت: لا يحتج بهذا على الشافعي لأنه لا يرى مذهب الصحابي حجة. قيل: هذا ليس هو مذهب الصحابي فقط بل هو إجماع سكوتي، وهو حجة على المختار، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه ليس إجماعاً ولا حجة. وبيان رجحان الأول في علم الأصول.
стр. 1625
ودليلنا من جهة القياس أنه قد أجمع على أن من اشترى شقصاً من أرض أن للشريك نقض البيع والأخذ بالشفعة لأجل الضرر الداخل عليه.
وإذا كانت العلة في إبطال عقد المشتري إنما هو ما يلحق الشريك من الضرر لزم أن يكون كذلك في مسألتنا من باب أولى للتطلع على العورات، وفي تغريم الزوج الثاني الصداق وفراقه ممن ذاق عسيلتها ضرر بين. ثم إن المضرة في مسألتنا واقعة وهي في مسألة الشفعة متوقعة، وأجرى اللخمي الخلاف على الخلاف في الفسخ هل ذلك من الآن أو من البلوغ؟
فمن قال: من البلوغ. حكم بها للثاني، لأنه نكاح بوكالة، ومن قال بالأول قال: الأول أحق لأن عقد الأول نسخ لوكالة من لم يعقد، فإن قلت: كيف الجواب عما رواه أبو داود عنه ﵊ أنه قال: "أيما امراة زوجها وليان فهي للأول" قيل: الجواب حمله على عدم دخول الثاني جمعاً بين الأدلة.
وأما إشكالها تصويراً فلأنها فوضت إلى وليها، وقد علمت أن أشهر القولين في ذلك أنه لا يعقد عليها النكاح حتى يعين لها الزوج، وإذا فعل ذلك تعين الأول. ويجاب عنه باحتمال أن تكون فوضت إليهما في رجلين معينين أو لما عين لها الثاني نسيت الأول لاسيما إذا بعد ما بين العقدين ولا إشكال إذا لم يدخل الثاني في فسخ نكاحه. محمد: بغير طلاق.
تنبيه:
ألحق مالك في الواضحة تلذذ الثاني بوطئه في الفوات، وأورد على المشهور أن من وكل رجلين فزوجه كل منهما امرأة وله ثلاث نسوة، فقد قالوا: إن نكاح الأولى هو الصحيح ويفسخ نكاح الثانية، ولو دخل بها وفرق بأن الحاجة داعية في المرأة إلى التوكيل لأنها لا تستقل بعقد النكاح فناسب ألا يفسخ نكاحها بخلاف الرجل فإنه قادر على أن يتولى الزواج بنفسه. ورده صاحب الاستلحاق؛ لأنه لو صح لاطرد، فيلزم ألا يعذر مالك السلعة إذا وكل على بيعها، ثم تولى هو بيعها مع أن المشهور إمضاء البيع.
стр. 1626
الثاني: إن اتصل به القبض. ابن بشير: وفرق المغيرة بين البيع والنكاح، فقال: الثاني أحق في النكاح لا البيع. وأكثر الشيوخ لا يفرقون في هذه المسألة بين أن تفوض لوليين معاً أو لأحدهما بعد الآخر. وقال الباجي: إن فوضت لأحدهما بعد الآخر فالنكاح للأول ويفسخ نكاح الثاني ولو دخل.
أَمَّا لَوْ دَخَلَ بَعْدَ عِلْمِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ الدُّخُولُ وَكَانَتْ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا
يعني: أن من شرط كونها للثاني أن يدخل وهو غير عالم بالأول لتقوى شبهته، وأما لو دخل بعد علمه أنه ثان فلا، وهذا بين إن قامت بينة الآن على أنه كان عالماً، وإن لم يعلم إلا من قوله فقال ابن يونس وصاحب اللباب: يفسخ نكاحه بطلقة بائنة ولها الصداق كاملاً.
قال في المقدما: وهو الصحيح. وقال عبد الملك: يفسخ بغير طلاق. وانظر على قول عبد الملك هل ترد للأول؟ محمد: ولو أقر المزوج آخراً وهو الأب أو الوكيل أنه كان عالماً [٢٨٤/ أ] بتزويج الأول لم يصدق على الزوج إلا أن تشهد بينة على إقراره بالعلم قبل العقد من الثاني فيفسخ بغير طلاق.
وَإِنْ كَانَ مُطَلِّقاً بَعْدَهُ أَوْ مَيِّتاً بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ ولَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ فَكَذَلِكَ
يعني: أن الثاني إذا دخل عالماً لا يفيده ولو كان الأول مطلقاً بعده، أي: بعد دخول الثاني، فإن تطليق الأول لا يصحح نكاح الثاني لعلمه بأنه ثان. وكذلك لو مات الأول بعد دخول الثاني أو قبل دخول الثاني بشرط عدم انقضاء عدة الأول؛ لأن الثاني حينئذ ناكح في عدة، وحينئذ تحرم عليه على التأبيد لما سيأتي.
وفي كلامه نظر؛ لأنه يقتضي أنه إن دخل الثاني بعد انقضاء العدة أنه لا يفسخ، وليس بظاهر لأن المقتضي للفسخ علمه بالأول. ولو كان دخوله بعد انقضاء العدة مصححاً لزم أن يكون كذلك إذا طلقها الأول قبل دخول الثاني، لأن الأول طلقها قبل البناء فلا عدة عليها.
стр. 1627
وقد نص صاحب العمدة على أنه لا يفيده. وعلى هذا التقدير الذي ذكرناه، فإن (إِنْ) من قوله: (وَإِنْ كَانَ مُطَلِّقاً) بمعنى لو واسم كان عائد على الزوج الأول، والضمير في قوله: (بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ) عائد على دخول الثاني. ووقع في بعض النسخ بزيادة (فَكَذَلِكَ) بإثر الكلام المتقدم (فإن) على هذا هي شرطية وجوابها: قوله: (فَكَذَلِكَ) ويكون هذا الكلام ابتداء مسألة، ويكون المعنى أنه: ولو كان الزوج الأول مطلقاً بعد دخول الثاني أو ميتاً بعد دخوله أو قبل دخوله، ولم تنقض عدتها من الأول حتى دخل الثاني (فَكَذَلِكَ) أي: فتكون للثاني. وهذه النسخة أحسن لأن ابن المواز ذكرها كذلك، وتكلم الشيوخ عليها، فحمل كلام المصنف عليها أولى، ففي ابن يونس: قيل لابن المواز: فإن مات الأول منهما، أو طلق قبل أن يدخل الآخر، ثم دخل بها الآخر بعد موته أو بعد طلاقه؟ قال: فإ، لم يعلم بذلك حتى دخل ثبت نكاحه كما لو دخل بها والأول حي لم يمت، ولم يطلق، ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه.
وفي المقدمات: إن عثر على ذلك بعد دخول الثاني وقد كان الأول مات أو طلق، فلا يخلو إما أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه، أو يكون عقد ودخل بعد موته أو طلاقه.
فأما إن كان عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه فينفذ نكاحه بمنزلة الذي لم يمت ولا طلق على مذهب ابن القاسم.
وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه فهو في الموت متزوج في عدة، فيفسخ نكاحه وترث زوجها الأول، وفي الطلاق نكاحه صحيح لأنه في غير عدة. وقال ابن الماجشون: إن كان الذي زوجها منه آخراً بعد طلاق الأول هو الأب؛ فلا يفسخ نكاحه مطلقاً وإن لم يدخل، فإن كان الوكيل هو الذي زوجه فسخ نكاحه إلا أن يدخل. ووجه قوله أن الأب مطلق على النكاح والوكيل على النكاح تنفسخ ولايته بتزويج الأب قبله،
стр. 1628
وأما إن عقد قبل الموت أو الطلاق ودخل بعد ذلك، فحكى محمد بن المواز أن ذلك بمنزلة ما إذا عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق فينفذ نكاحها ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه.
والصواب أنه في الفوات متزوج في عدة، بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها زوجها فينكشف أنها تزوجت قبل وفاة المفقود، ودخلت بعد وفاته في العدة أنه يكون متزوجاً في العدة ولا فرق بين المسألتين، وبالله التوفيق.
فَإِنِ اتَّحَدَ زَمَانُ الْعَقْدَيْنِ أَوْ جُهِلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فُسِخَ بِطَلاقٍ، وقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُوقَفُ الطَّلاق، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلاقُ وإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُمَا وَقَعَ عَلَيْهِمَا ....
اعلم أني لم أر في كتب أصحابنا الفسخ بطلاق إلا فيما إذا جهل زمان العقدين وهو الذي نص عليه في المدونة، وما ذكره المصنف من أنه يفسخ بطلاق مع الاتحاد لم أره، وهو مشكل لاستحالة الشركة في الزوجة شرعاً، فلم تدخل في عصمة أحدهما، وقال ابن عبد السلام في المسألة ثلاثة أقوال: المشهور أنه يفسخ النكاحان بطلاق، وهو ظاهر إذا جهل لأن أحد العقدين صحيح. الثاني لسحنون: يفسخ النكاحان بغيرطلاق، وهو ظاهر إذا اتحد زمن العقدين. والثالث قول ابن المواز: لا يعجل بالطلاق وتباح للأزواج؛ فإن أراد تزويجها وقع على كل واحد منهما طلقة لتحل للغير بيقين، وإن أراد أحدهما تزويجها لم يقع عليه شيء، ووقع على الآخر لأن المتزوج إن كان هو الأول في نفسالأمر فلم تزل في عصمته، وإن لم يكن هو الأول، فلم يتقدم له نكاح حتى يقع فيه طلاق، ولعله اعتمد في اتحاد العقدين على المصنف، فإن قلت فما الحكم لو لم يطلع في هذه المسألة إلا بعد دخول أحدهام قبل الفوات ولا إشكال فيه، ولوضوحه ترك المصنف التعرض
стр. 1629
إليه لأنا إذا قلنا بالفوات بالدخول مع العلم بكونه ثانياً، فلأن يكون كذلك مع عدم العلم من باب أولى.
اللخمي: ويأتي على قول ابن عبد الحكم أن الداخل لا يكون أحق لأنه على شك.
فإن مَاتَتْ والأَحَقُّ مَجْهُولٌ فَفِي الإِرْثِ قَوْلانِ
الأحق من يقضي له بها لو علم به وهو الأول مطلقاً على قول ابن عبد الحكم وعلى المشهور [٢٨٤/ ب] فهو إما الأول قبل الدخول، وإما الثاني بعد الدخول، فإن جهل بعينه وقد ماتت المرأة فقولان.
ابن بشير وابن شاس: للمتأخرين قولان وأكثرهم على السقوط؛ لأنه ميراث مع الشك. والآخر لابن محرز، قال: القياس أن يكون الميراث بينهما والصداق عليهما لأن الميراث ثابت للزوج منهما، وهما يتنازعانه، فيدعي كل واحد منهما أنه الأول، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيقسم بينهما، وليس هو من باب الميراث بالشك وهو كمن مات عن أم وابنتها ولم تعلم الأولى منهما، وكمن طلق إحدى نسائه ثم مات، ولم تعلم المطلقة فإن الميراث بينهما نصفان، وإلى هذا أشار المصنف بقوله:
فَإِنْ ثَبَتَ الإِرْثُ ثَبتَ الصَّدَاقُ
مفهوم كلامه أنه إن لم يثبت الإرث ينتفي الصداق، وهو خلاف ما في الجواهر لأنه قال: ويثبت الصداق حيث يثبت الميراث، وأما حيث ينتفي فإنما يكون عليه ما زاد منه على قدر الميراث.
وفي اللباب: قال بعض المذاكرين: من كان صداقه قدر ميراثه فأقل فلا شيء عليه، ومن كان ميراثه أقل غرم ما زاد على ميراثه لإقراره بثبوت ذلك عليه. ولم يصرح المصنف هل يجب مجموع كل واحد من الصداقين، فلا يستحق أحد الزوجين شيئاً من الميراث إلا
стр. 1630
بعد دفعه جميع الصداق، لأنه مقر بوجوب ذلك عليه، أو نصفه؟ لأنه لو دفع كل واحد من الزوجين صداقاً كاملاً لأخذ كل واحد من الورثة ضعف حقه من الصداق.
ابن عبد السلام: والاحتمال الأول أقرب. خليل: وقد يخرج هذان الاحتمالان على الخلاف فيما إذا ادعى المسيس وأنكرته الزوجة، هل لها أن تأخذ جميع الصداق لإقراره أو لا تأخذ إلا نصفه لإنكارها؟ فانظره.
وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ فَلا إِرْثَ ولا صَدَاقَ
لأن سببهما الزوجية، وهي لم تثبت. وحكى ابن بشير الاتفاق على ذلك، وهذا ما لم يدع كل واحد منهما أنه الأول، وأما لو ادعيا ذلك وصدقت المرأة أحدهما، ففي ابن بشير: لا يثبت لها الإرث ويثبت لها الصداق لأنه أقر لها بمال.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم أن لها الصداق ويختلف في الميراث، يريد لأن الصداق من الديون وهي تثبت بالإقرار، وأما الميراث فاختلف المذهب هل يثبت بالإقرار أم لا؟ وفيه نظر لأن الخلاف إنما هو في إقرار من لم يعلم له وارث.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَتَانِ مُتَنَاقِضَتَانِ تَسَاقَطَتَا وَلا يُقْضَى بِالأَعْدَلِ بِخِلافِ الْبَيْعِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُقْضَي بِالأَعْدَلِ كَالْبَيْعِ ....
صورتها أن تقول هذه البينة: نشهد أن عقد هذا وقع في اليوم الفلاني ووقع عقد هذا بعده، وتعكس البينة الأخرى. ومنشأ الخلاف هل زيادة العدالة تقوم مقام الشاهد الواحد، أو شاهدين؟ فالمشهور أنها تقوم مقام الشاهد الواحد، فلذلك يقضي بها في البيعدون النكاح. ورأى سحنون أنها قائمة مقام شاهدين، فيقضي بها فيهما. ويقول سحنون قال البرقي، واختاره عبد الحق. وفي المسألة قول ثالث: أنه لا يقضي بالأعدل في البيع والنكاح.
стр. 1631
وَلا عِبْرَةَ بِتَصْدِيقِ الْمَرأَةِ
يعني: لا عبرة بتصديق المرأة لأحدهما أنه الأول. وعن أشهب: تصدق ما لم تدع الأرفع وأنكره أصبغ.
فائدة: وقع في المذهب مسائل كهذه يفيتها الدخول، ومسائل لا يفيتها الدخول. فالأولى تسع: الأولى: هذه. الثانية: امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل ثم يأتي زوجها بعد دخول الثاني فتفوت على المشهور. الثالثة: الكافر يسلم على أكثر من أربع فيختار أربعاً ثم يجد الأربع أخوات أو محارم، فإنه يختار من البواقي ما لم يدخل على المشهور. الرابعة: من أسلمت وزوجها كافر فتتزوج فينكشف أنه أسلم قبلها. الخامسة: الرجعية يرتجعها زوجها في العدة وهي لا تعلم فتتزوج بعد انقضاء عدتها ثم يتبين أن زوجها كان ارتجعها قبل انقضاء العدة. السادسة: المعتقة تحت العبد تختار نفسها وتتزوج، ثم يقوم زوجها ويثبت أنه عتق قبلها. قال المصنف: فكزوجة المفقود. السابعة: الأمة المتزوجة يطأها سيدها بعد انقضاء عدتها، وقد كان زوجها أشهد برجعتها ولم يعلم السيد. الثامنة: امرأة الأسير يتنصر ويشك في تنصره هل طائعاً أو مكرهاً؟ فيفرق بينهما ثم تبين أنه كان مكرهاً. التاسعة: إذا قال لها: إن غبت شهراً فأمرك بيدك، فغاب ثم طلقت نفسها وتزوجت ثم أثبت أنه قدم قبل الشهر، ابن عبد السلام: والمشهور أنها تفوت بالدخول.
وأما المسائل التي لا يفيتها الدخول فخمس، الأولى: إذا وكل رجلين على أن يزوجه كل واحد زوجة وكان له ثلاث زوجات. الثانية: المنعي لها زوجها ثم تتزوج ويدخل بها زوجها الثاني، ثم يأتي الأول فإنها ترد إليه على المشهور. الثالثة: الذي له زوجتان اسم كل واحدة منهما عمرة؛ فقال: عمرة طالق. وادعى أنه لم يرد التي عنده وإنما يريد امرأة غائبة؛ ففرق [٢٨٥/ أ] بينه وبين هذه ثم أثبت أن له امرأة أخرى تسمى عمرة. فقال محمد: ترد
стр. 1632
إليه ولو دخل بها الثاني. الرابعة: التي تطلق لعدم النفقة ثم يكشف الغيب أنها أسقطتها عنه. وفي معنى هذه الصورة إذا طلق على الغائب بعسر النفقة ثم قدم وأثبت أنه كان يبعث إليها النفقة، نص عليه أبو الحسن. الخامسة: إذا تزوجت امرأة المفقود في أثناء العدة، أعني الأربعة أشهر وعشراً ففسخ ثم يتبين أن عدتها من المفقود قد انقضت قبل ذلك فإنها ترد إلى هذا الزوج وإن تزوجت ثالثاً فسخ نكاحه ولو بعد الدخول كالمنعي لها زوجها. قاله أبو عمران وغيره.
وَإِذَا غَابَ الأَقْرَبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: أَوِ الأَبْعَدُ
هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المصنف تكلم على غيبة الأقرب مطلقاً أباً كان أو غيره، ثم بين مقدار الغيبة في حق الأب، وهو الذي قاله ابن عبد السلام، ويحتمل أن يكون في غير الأب المجبر، وهو الذي قاله ابن راشد.
قوله: (غَيْبَةً بَعِيدَةً) مفهومه أنها لا تزوج في الغيبة القريبة وهو كذلك ويرسل إليه الحاكم، قاله مالك في الواضحة. وفي سماع أشهب: كتب إلى ابن غانم في امرأة تطلب التزويج فتسأل هل لها ولي؟ فتذكر أن لها عماً أو أخاً على مسيرة الثلاث والأربع، وأنه في شأنه وضيعته، وتسأل أن يزوجها كفئاً. إني أرى إذا كان أمرها على ما وصفته من حالها وغيبة وليها وكفاءة من تدعو إليه أن تزوجها ولا تضرها غيبة وليها.
قيل: ففي هذه الرواية حد الغيبة. وفي قوله: (إذا كان أمرها على ما وصفته من حالها وغيبة وليها) بيان أنها غير مصدقة فيما تذكر من ذلك حتى تثبته، وكذلك قال في المتيطية أنها تثبت ذلك.
قوله: (زَوَّجَ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: أَوِ الأَبْعَدُ) نحوه في ابن شاس، وفيه نظر، وصوابه أن يقول: وقيل الأبعد، بغير أو لأن القائل يرى أن الولاية للولي فقط، هكذا نقل اللخمي وصاحب البيان وغيرهما.
стр. 1633
وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْبَةِ أَبِي الْبِكْرِ مِثْلُ إِفْرِيقِيَّةَ لْغَيْرِ تِجَارَةٍ. وَقِيلَ: مَا يُتَعَذََّرُ بِهِ الإِذْنُ. وَقِيلَ: إِنْ قَطَعَ عَنْهَا النَّفَقَةَ. وَقِيلَ: لا يَصِحُّ مَعَ حَيَاتِهِ أَمَّا إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَالْوَلِيُّ يُنْكِحُهَا. وَقِيلَ: بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ فُقِدَ ....
لغيبة أبي البكر ثلاثة أحوال: الأولى: أن يكون قريباً، قال في البيان: كعشرة أيام ونحوها. فلا خلاف أنها لا تزوج في مغيبه وإن زوجت انفسخ النكاح زوجها الولي أو السلطان. قاله في الواضحة، زاد في المتيطية عن ابن القاسم: يفسخ وإن ولدت أولاداً وإن أجازه الأب. الحالة الثانية: أن تكون غيبة بعيدة كما قال في المدونة: مثل إفريقية والأندلس وطنجة لغير تجارة- قال في البيان: من مصر- فاختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها أن الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك وإن كانت نفقته جارية عليها وإن لم يخف عليها ولا استوطن أبوها ذلك الموضع الذي هو فيه وهو ظاهر ما في العتبية.
وقد تأول على ما في المدونة من قوله فيها: وأما من خرج تاجراً وليس يريد المقام بذلك البلد فلا يهجم السلطان على ابنته، فإنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد، وهو القول الثاني. والقول الثالث: أنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد، ويطول مقامه فيه العشرين سنة والثلاثين، وهو قول ابن حبيب. والرابع: أنها لا تزوج أبداً وإن طال مقامه فيه، وهو ظاهر قول مالك في الموازية وقول ابن وهب. انتهى. ففسر رحمه الله تعالى قول مالك: كإفريقية على أنها من مصر، واستبعده ابن عبد السلام، قال: لأن المسألة من كلام مالك في المدونة، ويحتمل أن يريد من المدينة.
واحترز بقوله: (لْغَيْرِ تِجَارَةٍ) مما لو خرج لتجارة فإنها لا تزوج؛ لأن الغالب فيها أن يرجع عاجلاً. قال فضل في قول ابن حبيب: ولا أعلم هذا التحديد لغيره. والقول بأنها لا تزوج مع حياته بحال لعبد الملك. وهو مشكل لا سيما إن كانت محتاجة وخيف عليها.
قال في البيان: وهو مبني على قول ابن حبيب بجواز العضل.
стр. 1634
وقوله: (وَقِيلَ: مَا يُتَعَذََّرُ بِهِ الإِذْنُ) أي: يكون بموضع لا ينفذ فيه كتاب حاكم الموضع الذي البنت فيه، ففي هذا يزوجها السلطان. وهذا قول حكاه عبد الحق عن الإبياني. وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ قَطَعَ عَنْهَا النَّفَقَةَ) ظاهره أنه قول في المسالة، وهو مقتضى كلام ابن يونس، لأنه قال: قال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه. وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها على وجه في حياة الأب.
ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز. ثم ذكر وجه كل قول. وقال صاحب البيان وابن سعدون: لا اختلاف إذا قطع الأب عنها النفقة وخشي عليها الضياع أنها تزوج وإن كان ذلك قبل البلوغ. وإنما اختلفوا فيمن يزوجها، فالمشهور أنه لا يزوجها إلا السلطان لأنه حكم على غائب. وقال ابن وهب ومثله في الموازية: أن الولي يزوجها برضاها، والوجه في ذلك أن ولايته سقطت لتضييعه ومغيبه، فكان كالميت. انتهى.
وانظر هذا الاتفاق الذي حكاه صاحب البيان فيما إذا قطع عنها النفقة مع قول عبد الملك: لا يجوز تزويجها مع حياة الأب وإن ضاعت واحتاجت وخيف عليها إلا أن يفسر الحاجة بالحاجة في غير النفقة. والحالة الثالثة: أن يكون أسيراً أو مفقوداً، [٢٨٥/ ب] فالمشهور أن الولي يزوجها وإن كانت نفقته جارية عليها ولم يخف عليها الضياع.
قال في المتيطية: وبهذا القول القضاء. وقال عبد الملك: ليس لهم ذلك إلا بعد أربع سنين من يوم فقد. وقال أصبغ: لا تزوج بحال.
وقوله: (فَالْوَلِيُّ يُنْكِحُهَا) هذا ظاهر ما في المتيطية؛ لأنه قال: قال بعض الموثقين: وإذا فرعنا على المشهور فينبغي أن يثبت الولي عند الحاكم طول غيبة الأب وانقطاع خبره والجهل بمكانه، وحينئذ يصح للولي إنكاحها.
ابن راشد: وفي الطراز: الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك. فجعل ذلك للحاكم دون الولي، وهو الصواب، وأي فرق بين هذه والتي قبلها.
стр. 1635
وفي البيان أنه اتفق في الأسير أن الحاكم يزوجها وإن كانت في نفقته وأمنت الضيعة عليها. وأما إن كان الأب مسجوناً أو مجنوناً فليس هو كالغائب البعيد الغيبة وإن طال أمره؛ لأن خروجه وبرءه مرجو.
والمصنف رحمه الله تعالى يؤخذ من كلامه الثلاثة الأحوال، لأن قوله: (وَيُعْتَبَرُ فِي غَيْبَةِ أَبِي الْبِكْرِ) تصريح منه بالحالة الثانية، ويفهم منه أن أقل من ذلك لا يجوز تزويجها فيه، وهي الحالة الأولى.
قوله: (أَمَّا إِنِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ) هي الحالة الثالثة والله أعلم.
وَإِذَا أَنْكَحَ الأَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْمُجْيِرِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ أَجَازَهُ كَالأَبِ، وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ عَلَى الأَصَحِّ وَلَوْ كَانَ شَرِيكاً بِخِلافِ بَيْعِهَا نَفْسَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ ....
اعلم أن للتعدي على الولي صورتين: إحداهما أن يتعدى الولي على أقرب منه. والثانية أن يتعدى أجنبي على ولي. ثم الولي المتعدي عليه إما مجبر أو لا. صارت أربعة أقسام، وقد تكلم المصنف رحمه الله تعالى عليها كلهأ، يعني: إذا تعدى ولي على أب لم يجز النكاح ولو أجازه الأب. ومثل الأب السيد في أنه لا يجوز نكاح غيره وإن أجازه السيد على الأصح. وقيل: يجوز في الأمة لخفة الأمر فيها. والأصح ومقابله روايتان. وخرج اللخمي قولاً في الأولى بالإجازة إذا أجازه الأب من الأمة. وليس بين لما قلناه من خفة الأمر في الأمة.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ شَرِيكاً) يعني أن غير السيد إذا زوج الأمة يفسخ النكاح، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون من زوجها له فيها ملك أم لا.
فرع:
إن بنينا على المشهور أنه لا بد من فسخه فإن فسخ قبل البناء سقط الصداق عن الزوج ورجع به إن استهلكته، أو بما نقص إن تجهزت به ولم يساوه الجهاز على الذي
стр. 1636
زوجه إن غره ولم يعلمه أنه شريك، وإن فسخ بعده فإن أجازه الشريك فإنما له نصف المسمى وإن لم يجزه.
وفي معنى ذلك إن أجازه ولم يرض بالصداق، فالمشهور أن له الأكثر من نصف المسمى أو نصف صداق المثل، ويرجع الزوج بالزائد على الشريك الذي زوجها إن كان غره. والشاذ لأشهب: إنما له نصف المسمى.
ابن المواز: ولا شيء للعاقد من الصداق إن غره إن قال هي حرة أو هي لي وحدي. قال الشيخان أبو محمد وأبو الحسن رحمهما الله تعالى: وإذا رجع على الغارَّ بما دفع إليه ترك لها ربع دينار. وقيل: لا يترك لها منه شيء. وهذا إذا رضي الشريكان في الأمة بقسم المال وإن أبى أحدهما فعلى الزوج أن يكمل لها صداق المثل على المشهور ويكون بيدها، فإن اقتسماه رجع على الذي زوجه منهما بما استفضل في نصفه إن لم يكن غره، وبجميع الزيادة إن غره كما ذكرنا بخلاف بيعها فإنه يجوز إذا أجازه السيد لأنه بيع فضولي وهو يلزم عندنا بإجازة المالك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والفرق بين النكاح والبيع أن الولاية مشترطة في النكاح لحق الله .
قوله: (نَفْسَهَا) يحتمل أن يقرأ بفتح السين وتكون هي البائعة، وبكسرها على البدل من الضمير المجرور وحينئذ يحتمل أن تكون هي البائعة أو غيرها.
وَفِيهَا: لَوْ زَوَّجَ ابْنُ أَوْ أَخٌ أَوْ جَدٌّ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ أَوْ أَمَتَهُ فَأَجَازَه جَازَ إِنْ كَانَ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِجَمْيعِ أُمُورِهِ ....
أتى بهذه المسألة لأنها كالمخالفة لما قبلها، إذ قد حصل فيها تزويج الأبعد مع وجود مجبر، وأمضاه في المدونة بإجازة الأب. وقوله: (ابْنَتَهُ) أي بنت المجبر، وذكر فيها ثلاثة أولياء وسكت عما عداهم، وألحق ابن حبيب بهم سائر الأولياء إذا قاموا هذا المقام.
стр. 1637
الأبهري وابن محرز: وكذلك الأجنبي لأنه إذا كانت العلة تفويض الأب فلا فرق. وكلامه في المدونة يحتمل أن يكون مخالفاً لهما وأن يكون موافقاً لابن حبيب خاصة. وفسر سحنون ما وقع في المدونة من الإجازة إذا أجازه الأب بأن معناه: إذا كان الأب غائباً. حمديس: وإنما يجوز إذا أجازه الأب إذا كان قريباً ولم يطل. وقال أبو عمران: لا يراعى في ذلك قرب ولا بعد وقد أجاز عبد الرحمن ذلك بعد أن قدم من الشام.
وانظر هل يجري فيها قول بأنه لا يجوز مطلقأً من النكاح الموقوف، وأما إن لم يجزه فإنه يفسخ وإن طال، وإن ولدت الأولاد.
واعترض فضل هذه المسألة بأن تفويض الأب لمن ذكر إما أن يدخل تحته نكاح الأبكار أو لا؟
فعلى الأول لا يحتاج إلى إجازة الأب إذ لم يتعد. وعلى الثاني- وهو الصحيح- لا يجوز ولو أجازه كما في المسألة المتقدمة.
وإنما قلنا أن الثاني هو الصحيح لأن ابن أبي زيد رحمه الله تعالى نص على أن الوكيل المفوض لا ينكح البنت البكر ولا يطلق الزوجة ولا يبيع دار السكنى [٢٨٦/ أ] ولا يبيع العبد لأن العرف اقتضى إخراج هذه الأربع. وأجيب بأن المراد بالتفويض هنا التفويض العرفي لأن التفويض قسمان: تفويض نص عليه وحكمه ما تقدم، وتفويض عرفي وهذا حكمه؛ لأن الابن لما صار يتصرف والأب ساكت كان ذلك بمنزلة إطلاقه له التصرف في جميع الأشياء، وعلى هذا لا يحتاج إلى إجازته. لكن لما كان العرف إخراج نكاح الأبكار تعارضا، فأجزناه إذا أجازه الأب لعلمنا أن الأب لم يخرج ذلك.
وفيه نظر؛ لأنه إذا كان المفوض بالنص ليس له أن يزوج فمن باب أولى أن يكون ذلك في المفوض له بالعرف إلا أن يقال أن المزوج هنا لقرابته لا يتهم ولأنه ولي في الجملة.
стр. 1638
خليل: وينبغي أن تقيد إجازة الأب فيما إذا قال الأب: إنما أجزت النكاح لأني فوضت إليه جميع أموري، والنكاح من جملة ذلك.
وأما إن قال لم يخطر لي نكاح ابنتي ببالي في تفويضي إليه؛ فلا يجوز بإجازته، ونحوه للمتيطي. وإذا أجاز الأب النكاح فلا بد من تضمين عقد الإجازة معرفة الشهود لتفويض الأب لولده لئلا يكون ذلك داعية إلى إجازة إنكاح من لا يجوز له العقد.
قال: ولو ادعى الزوج أن الابن أو الأخ إنما عقد النكاح بإذن الأب فعلى الزوج إثبات ذلك ويضرب له أجل ويوسع عليه فإن عجز حلف الأب على نفي دعواه، فإن حلف فسخ النكاح، وإن نكل ثبت النكاح. واستدل المتيطي على وجوب اليمين بقول ابن القاسم في العتبية فيمن خطب امرأة فزوجها له وليها وأشهد له بذلك وأنكرت المرأة أن تكون علمت ورضيت أن الإشهاد إن كان بحيث يعلم أنها لا تعلم فلا يمين عليها وإن كان ظاهر. بحيث يرى أنها عالمة فإنها تحلف ما وكلته ولا فوضت إليه، ولا شيء عليها، وإن لم تحلف لزمها النكاح. وكذلك روى ابن القاسم في امرأة زوجها أخوها وأمها ثم ماتت الأم فطلب الزوج الدخول فقال الأخ: لا زوجة لك؛ لأن أختي لم تكن علمت. وأنكرت الزوجة، قال: إن قامت له بينة على رضاها وإلا حلفت هي وأخوها وفرق بينهما.
وَتَزْوِيجُ السُّلْطَانِ مَعَهُ كَالأَبْعَدِ مَعَ الأَقْرَبِ لا كَالْمُسَاوِي عَلَى الأَشْهَرِ
الضمير المخفوض بمع عائد على الأقرب. قوله: (كَالأَبْعَدِ) أي: فيأتي فيها من الخلاف ما يكره بعد هذا إذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب، ومقتضى كلامه أن مقابل الأشهر يجعل السلطان كالمساوي للأب، ولم أر هذا النقل. وكذلك قال ابن راشد وابن عبد السلام.
стр. 1639
وكثيراً ما سألت عنه فلم أجد علماً به عند من سألته. انتهى.
ويحتمل أن يريد بمقابل الأشهر أنه ليس كولي الأبعد، بل يفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده، ويكون قوله: (لا كَالْمُسَاوِي) متفقاً عليه، ويكون الأشهر أنه يمضي، ومقابله يفسخ على كل حال، وهذا الوجه وإن كان بعيداً من لفظه فهو أقرب من الأول.
على أني لم أر من قال: إن السلطان مع الأب كولي أبعد. وقد قدمنا عن ابن حبيب أن السلطان إذا زوجها في غيبة الأب الغيبة القريبة أن النكاح مفسوخ، وأن ابن القاسم قال: يفسخ وإن ولدت الأولاد. ورأيت في بعض التعاليق أنه اختلف في تقديم السلطان على أحد من ذوي النسب البعيد كابن العم تلتقي معه في جد بعيد، فذكر قولين. والله تعالى أعلم.
فإن لَمْ يَكُنْ مُجْبِرُ فَفِيهَا: لَمْ يَرُدَّ، وَفِيهَا: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ، وَقِيلَ: لَهُ الرَّدُّ مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ بِالأَوْلادِ. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مَضَى بِاتِّفَاقٍ ....
المشهور هو الأول. عياض: ومشهور المذهب منعه ابتداءً، وتأول بعضهم المدونة على الجواز ابتداءً، وهو يحتمل أن يكون مبنياً على أن تقدمة الأقرب من باب الأولى، ويحتمل أن يكون مبنياً على أن تقدمة الأقرب من باب الأوجب، ولكن أمضاه بعد الوقوع مراعاةً للخلاف أو للتطلع على العورات.
والقول بنظر السلطان حكاه سحنون عن بعض الرواة، وأشار إلى أنه مبني على أن تقدمة الأقرب من باب الأولى، وقال: النظر على هذا القول إنما هو إذا ادعى الأقرب أنها وضعت نفسها في دناءة ولو اعترف بأنها إنما تزوجت كفؤاً لم يفتقر فيه لنظر السلطان. والقول بالفسخ ما لم يبن لابن الماجشون وابن حبيب، والقول بالفسخ ما لم يتطاول لمالك في الثمانية، واختصر فضل الواضحة عليه، وزاد في المتيطية قولاً خامساً بالفسخ مطلقاً للمغيرة.
وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على أن تقديم الأقرب من باب الأوجب، فمن قوي عنده الوجوب ولم يلتفت إلى غيره قال بالفسخ مطلقاً، ورأى القائل بالفسخ ما لم يدخل
стр. 1640
أنه بالدخول يحصل التطلع على العورات، ورأى القائل الآخر أنه إنما يقوى الضرر بالتفرقة إذا طال الأمر بينهما وولدت الأولاد.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم قولاً آخر إن كان الأبعد كالأخ للأب مع أخ شقيق مضى وإن كان كابن عم مع أخ رد؛ وأخذه من المدونة.
وعلى الإمضاء فإن أثبت الأقرب أن الزوج غير كفء فله في ذلك مقال؛ فإن أثبت الأبعد الكفاءة ففي احكام ابن زياد أن شهادة من شهد بعدم الكفاءة أتم، وليس على الحاكم أن [٢٨٦/ ب] يسأل الشهود من أين علموا عدم الكفاءة. وقيل: يقضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كان الجرح أولى. وقيل: يسقطان وينظر الحاكم في ذلك. وفي أحكام ابن حذير عن جماعة من الشيوخ: إن بين الشهود الحال التي كان بها غير كفء كانت شهادتهم أولى، وإن شهدوا مجملاً كانت شهادة الآخرين أولى.
بعض الموثقين: الذيجرى به الحكم أنه إن كانت إحدى البينتين أعدل حكم بها. وبه قال سعيد بن أحمد وابن زرب وغيرهما.
وقوله: (وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً مَضَى بِاتِّفَاقٍ) يعني أن الخلاف المتقدم إنما هو في ذات القدر؛ لأن النكاح قد انعقد بولي، وليس على القريب وصم في وليته الدنية؛ لأن كل واحد كوليها، والله أعلم.
وَفِيهَا: وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَته ثُمَّ أَنْكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهَا جَازَ وَإِنْ كَرِهَ وَلِيُّهَا
أي: من النسب، فيشمل الابن وغيره. واقتصر في المدونة على الولد؛ لأنه إذا جاز مع الولد فمع غيره أولى. وقوله (جَازَ) يحتمل الإقدام ويحتمل مضي النكاح، وهو الأقرب لأن سائر أولياء النسب مقدمون على المعتق. وقد تقدم أن الأولياء إذا كانوا في درجة ليس لأحدهم أن يعقد ابتداءً إلا بموافقة من استوى معه، وإذا كان ذلك مع التساوي فمع القرب أولى.
стр. 1641
وذكر المصنف هذه المسألة بإثر الأولى؛ لأنها من فروعها إذ هي من تزويج الأبعد مع وجود الأقرب. ولقائل أن يقول: هذه المسألة أخف من التي قبلها؛ لأن هذه المعتقة من الدنيات ولسيدها له عليها بقية سلطنة الملك، وهو أولى الأكفاء لها، وعلى هذا فلا يمكن إجراء الخلاف المتقدم فيها، والله أعلم.
وَإِذَا أَنْكَحَ الأَجْنَبِيَّ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ فَكَذَلِكَ
لما تكلم على صورتي تعدي الولي على ولي أقرب منه تكلم على تعدي الأجنبي. وقوله (فَكَذَلِكَ) أي لا يجوز ولو أجازه الأب، والأليق بطريقة المصنف ألا يذكر هذا؛ لأنه إ ذا لم يجز نكاح الأبعد مع وجود المجبر فلأن لا يجوز نكاح الأجنبي مع وجود المجبر من باب أولى، لكن قصد رحمه الله تعالى الكلام على جميع الأقسام.
وَلا مُتَكَلِّمَ لأَحَدٍ الوليين عَلَى الآخَرِ فِي الْمُعْتَقَةِ
إيراده لهذه المسألة هنا غير مناسب، وهي من فروع قوله: (وإذا كان الأولياء في درجة فإذا بادر أحدهم صح). وما ذكره المصنف نص عليه في المدونة. وقال جماعة: الصواب أن مجموع المعتقين منهما هو الولي لا أحدهما كالشريكين بخلاف الأخوين؛ لأن كلا من المعتقين إنما له نصف الولاء ولا يرث إلا النصف، وهو ظاهر.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْبِراً وَهِيَ ذَاتُ قَدْرٍ فَقَالَ مَالِكُ: مَا فَسَخَهُ بِالْبَيْنِ، ولَكِنْ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ وَتَوقَفَ إِذَا أَجَازَهُ الْوَلِيُّ بِالْقُرْبِ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ إِجَازَتُهُ ورَدُّهُ مَا لَمْ يَبْنِ بها. وقَالَ أَيْضاً: لَهُ إِجَازَتُهُ بِالْقُرْبِ وإِلا رَدَّ مَا لَمْ يطل بَعْدَ الْبِنَاءِ. وقِيلَ: يَرُدُّ. وقِيلَ: يَمْضِي. وفِيهَا: إِنْ دَخَلَ بِهَا عُوقِبَتِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ وَالْمُنْكِحُ وَالشُّهُودُ إِنْ عَلِمُوا ..
يعني: أن الأجنبي إذا زوج مع ولي غير مجبر فإما أن تكون المرأة ذات قدر أو دنية، فذكر المصنف في ذات القدر خمسة أقوال: أحدها: أنه ماض مطلقاً، حكاه عبد الوهاب
стр. 1642
عن مالك. والثاني لسحنون: يفسخ أبداً. اللخمي: يريد وإن تطاول بالأولاد. وهذان القولان هما اللذان ذكرهما المصنف آخراً. والثالث: الوقف إذا أجازه الولي بالقرب، وهو قول مالك. قال في المتيطية: قال ابن سعدون: يعني توقف مالك في فسخه وفي إجازته. وقال أبو عمران: إنما توقف في إجازته ولم يتوقف في فسخه، وإنه مفسوخ، ونحوه للباجي واللخمي. انتهى. والقول الرابع لابن القاسم أن الخيار للولي في فسخه وإمضائه ما لم يدخل. والقول الخامس له أيضاً، وإليه أشار بقوله: (وقَالَ أَيْضاً: لَهُ إِجَازَتُهُ بِالْقُرْبِ) ابن القاسم قاله في المدونة، وقاله مالك وزاد فيه قيداً آخر في المدونة وقال: ما لم تطل إقامته معها وتلد الأولاد. واختلف الشيوخ في فهم هذا القول، فقال ابن التبان: إن كان قبل البناء بالقرب فللولي إجازته وفسخه وإن طال قبل البناء فليس إلا الفسخ وإن كان بقرب البناء فللولي أيضاً فسخه وإجازته، وإن طال بعد البناء فليس للولي فسخه وعليه اقتصر ابن يونس.
قال عبد الحق: وقال غير ابن التبان أنه يخير قبل البناء وإن طال على مذهب ابن القاسم. واعلم أن المصنف لم ينقل كلام ابن القاسم على ما هو عليه في المدونة بل زاد فيه قوله: (وإِلا رَدَّ) هذه الزيادة إنما تأتي على فهم ابن التبان؛ لأن قوله يقتضي تحتم الفسخ مع الطول قبل البناء. ولنذكر كلامه في المدونة ليتبين لك ذلك، قال فيها: قال ابن القاسم: إذا أجازه الولي بالقرب جاز سواء دخل الزوج أم لا، وإن أراد فسخه بحدثان الدخول فذلك له، فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان صواباً. وقاله مالك. وذكر في المدونة سادساً، فقال: وقال عنه ابن وهب أنه يفرق بينهما بطلقة دخل بها الزوج أم لا، إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي.
تنبيه: ما ذكره المصنف في القول الأول من قوله: (مَا فَسَخَهُ بِالْبَيْنِ، ولَكِنْ أَحَبُّ إِلَيِّ) [٢٨٧/ أ] هو كذلك في المدونة، لكنه لم يذكر ذلك عند ذكره هذه الأقوال وإنما ذكره
стр. 1643
لما تكلم على النكاح الذي يفسخ بطلاق والذي يفسخ بغير طلاق، وهو مشكل؛ لأن الفسخ لا يقال فيه أحب إلي، إلا أن يقال أنه توقف لتعارض الأدلة. واستحب الفسخ خروجاً من الخلاف، وليستأنف عقد بولي لا خلاف فيه.
اللخمي: وجميع الخلاف الذي في هذه المسألة راجع إلى ثلاثة أقوال: هل تقدمة ولاية النسب على ولاية الإسلام من باب الأولى؟ أو هي حق له أو لله؟ فأمضاه مرة بناء على أنه أولى ومرة رآه حقاً له فخيره في الفسخ والإمضاء، ورأى مرة أن الحق لله ففسخه مطلقاً ووقف مرة لتعارض الأدلة عنده هل ذلك حق له أو لله سبحانه؟
وقوله: (وفِيهَا: إِنْ دَخَلَ بِهَا ... إلى آخره)، قال فيها: قيل لمالك: من زوج امرأة بغير إذن ولي بشهود أيضرب أحدهم؟ فقال: أدخل بها؟ قال: لا. وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا، قال: لا عقوبة عليهم.
ابن القاسم: إلا أني رأيت فيها لو دخل بها لعوقبت المرأة والزوج والذي أنكح، ويؤدب الشهود أيضاً إن علموا. ومعنى قوله: (وأنكر الشهود أن يكونوا حضروا) أي: أنكروا أن يكونوا علموا أن هذا النكاح لا يجوز بدليل قوله: (وَيُؤَدَّبُ الشُّهُودُ إِنْ عَلِمُوا). هكذا قال أبو الحسن في معنى المدونة، وجعل بعضهم فاعل أنكر عائداً على مالك؛ أي: وأنكر مالك أن يكون الشهود حضروا مثل هذا. وقيد الباجي عدم عقوبتهم قبل البناء بما إذا كان النكاح مشهوراً.
وقوله: (عَلِمُوا) يضبط بالبناء للفاعل لا بالبناء لما لم يسم فاعله؛ لأنهم إذا علموا ولم يكن عندهم علم لا يعاقبون، وقد صرح في الجلاب بذلك.
اللخمي: وأرى ألا عقوبة على الزوجين إن كانا من أهل الاجتهاد، وذلك مذهبهما، أو كانا يريان تقليد من يرى ذلك أو كانا يجهلان أو يظنان أن ذلك جائز، وكذلك البينة ينظر إلى مذهبها أو من تقلد به.
стр. 1644
وَالْمُعْتَبَرُ الأَقعَدُ خَاصَّةً
هذا كما قال في المدونة: وإذا استخلفت على نفسها رجلاً فزوجها ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر، فلما علما أجازه الأقعد فلا قول هنا للأبعد بخلاف التي زوجها الأبعد وكره الأقعد لأن ذلك نكاح عقده ولي، وهذا نكاح عقده غير ولي، فلا يكون فسخه إلا بيد الأقعد.
فَإِنْ كَانَتْ دَنِيَّةً؛ فَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَخَفُّ
هذا قسيم قوله أولاً (وهي ذات قدر) يعني: وإن كانت دنية فقال مالك: هي أخف. وظاهره فيما إذا زوج الأجنبي مع وجود الولي. ومعنى أخف أنه يمضي، وهذا هو المشهور.
ففي التنبيهات: أما الولاية العامة وهي ولاية الإسلام فلا خلاف عندنا أن الخاصة من النسب أو الحكم مقدمة عليها وأنها مع عدمها ولاية صحيحة. واختلف مع وجود الخاصة فهل تكون العامة ولاية يصح بها العقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال: المشهور أنها غير ولاية في الشريفة دون الدنية، وهو مذهب ابن القاسم وروايته. الثاني: أنها غير ولاية فيهما، وهي رواية أشهب وقول ابن حبيب. والثالث: أنها ولاية فيهما، حكاه عبد الوهاب، وهو ظاهر رواية ابن وهب عن محمد. والمسألة في المدونة مفروضة إذا لم يكن لها ولي، ففيها: وإذا وكلت المرأة الدنية مثل المعتقة والمسالمة ولاسوداء والمسكينة أجنبياً فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه، أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها جاز ذلك، وكذلك إن وكلت من أسلمت هي على يديه وذلك فيمن أخف منه في ذوات القدر، وأما إن أسلم على يديه أبوها وتقادم ذلك حتى يكون لها من القدر والغنى والإباء في الإسلام وتنافس الناس فيها فلا يزوجها وهو كأجنبي فيها.
стр. 1645
وقوله (ولا ولي لها) ظاهره مثل رواية أشهب عن مالك أن الدنية وغيرها لا يزوجها إلا الولي أو السلطان.
الأبهري: وإليه رجع مالك. وما ذكرناه من نص المدونة هو الذي اختصره المختصرون وليس في الأمهات: يعسر عليها تناوله، وإنما هو في الموازية وعليه اختصر أبو محمد، وأنكر ابن الماجشون هذه الرواية وقال: لا يجوز للدنية ولا غيرها أن يزوجها إلا الولي إلا أن تكون مثل المرأة الأعجمية الوغدة قد ساندت الرجل ذا المال والنعمة حتى صار لها كنفاً يأخذ لها القسم ويجري عليها النفع فإن له تزويجها إذا لم يكن لها ولي، وأما ذات النعمة والحال والنسب فلا.
ابن عبد السلام: وأما ما حكاه بعض الشافعية عن مالك أن للدنية أن تزوج نفسها فغلط بين لا شك فيه.
وَقَالَ فِي الْمَكْفُولَةِ الْمُرَبَّاةُ: وَمَنْ أَنْظَرُ لَهَا مِنْهُ، وَقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً. وَقِيلَ: كَذَاتِ الْقَدْرِ .....
يعني: أن الدنية قد يكون الأجنبي فيها كالولي بل أولى منه، لأن معنى قوله: (وَمَنْ أَنْظَرُ لَهَا مِنْهُ) لا أحد أنظر لها منه.
عياض: يعني بعد بلوغها ورضاها. قال في الواضحة: وذلك إذا مات أبوها وغاب أهلها، وعلى هذا حمل الشيوخ المسألة أنها غير ذات أب، وأنه من باب إنكاح الكافل والمربي لليتيمة، ولا يرون أن المكفولة يزوجها الحاضن في حياة أبيها، وذهب ابن العطار وابن زرب إلى أن للحاضن أن يزوجها في حياة الأب إذا كان غائباً ولا يكون [٢٧٨/ ب] إنكاحهن إلا برضاهن، خلاف ما وقع في كتب بعض الموثقين، وتأول على المدونة أنه يكون بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه. انتهى.
стр. 1646
وظاهر المدونة أنه أحق من الأخ ونحوه، وبه قال ابن عيشون، فإنه قال: والكافل أحق من أخيها لأبيها وامها. وفي البيان: المشهور المعلوم من المذهب أن الولي أحق بالنكاح من الحاضن إلا أن يكون الحاضن وصياً.
ابن عبد السلام: هل الكافل أحق من سائر الأولياء كان لها أب أم لا؟ أو إنما يكون أحق بها فيما عدا الأب؟ قولان، قال: واختلف في المرأة الكافلة هل تكون كالوصية فتقدم من يزوج أو لا؟ واقتصر ابن راشد وغيره على أن المرأة ليس لها أن توكل.
ابن راشد: وهي في ذلك بخلاف الرجل. وذكر ابن راشد في موضع آخر أنه اختلف في الرجل الكافل هل له أن يوكل أم لا؟ وكذلك اختلف في الكافل إذا زوج المكفولة ثم يموت زوجها أو يطلقها هل تعود ولايته عليها؟ فقال ابن عتاب: تعود. وقال ابن القطان: لا تعود. وقال ابن الطلاع في وثائقه: إن كان خيراً فاضلاً عادت، وإلا لم تعد.
ابن عبد السلام: وقيل: إن عادت إلى كفالته عادت ولايته وإلا فلا.
فرعان:
الأول: ذكر بعض الموثقين أن حد الكفالة التي توجب للكافل عقد النكاح عشر سنين. أبو الحسن: وعندي أنه لا حد لذلك إلا ما يرى أنه يوجب من الحنان والشفقة مثل ما للولي أو يقرب. ونقل عن الشيخ أبي محمد صالح أن أقلها أربعة أعوام.
الثاني: اختلف في ولاية الكفالة هل هي عامة في الشريفة والدنية أو خاصة بالدنية؟ وهو ظاهر المدونة، لقوله: وأما كل امرأة لها بال وغنى وقدر فإن مالكا قال: لا يزوجها إلا وليها أو السلطان. وقياس قول مالك في إجازة نكاح الكافل أنه يجوز بيعه له، لكن نص مالك في كتاب القسم على أنه لا يجوز بيعه له ولا قسمته عليه، وأجاز في كتاب القسم قسم ملتقط اللقيط عليه ومنع ذلك أصبغ.
стр. 1647
قوله: (وَقِيلَ: يَمْضِي مُطْلَقاً) ابن عبد السلام: يعني أنه لا يحتاج في تزويجا لأجنبي من لا قدر لها أن يكون كافلاً.
فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَائِباً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْحَاكِمُ كَالْوَلِيِّ، ويَبْعَثُ إِلَيْهِ فِيمَا قَرُبَ، وَعَنْ مَالِكٍ: ينظر الْوَلِيُّ مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ بِالأَوْلادِ ....
يعني: فإن زوج الأجنبي وكان الولي غائباً وهذه المسألة ذكرها في المدونة فيما إذا كان لها وليان ففيها: وإن غاب الأقرب وأراد الأبعد فسخه نظر السلطان، فإن كانت غيبة الأقرب قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل، وإن كانت غيبة بعيدة فنظر السلطان كنظر الغائب في الرد والإجازة وكان أولى من الولي الحاضر.
اللخمي: وإذا كتب الغائب في الغيبة القريبة وقف الزوج عن المرأة.
الباجي: وكتب مالك إلى ابن غانم أن السلطان لا ينظر فيه إلا أن يقوم الولي فيطلب الفسخ إلا فيما تطاول مع الأولاد، وهذا هو القول الثاني الذي ذكره المصنف.
اللخمي: ولمالك في الموازية أن السلطان لا ينظر- قربت غيبة الولي أو بعدت- حتى يقدم الولي، فإن قدم وخاصم وكانت المرأة ممن لها العشيرة وأهل البيوت لم يجز ذلك إلا في شيء قد فات وتزوجها كفء. وقال مالك أيضاً: للمرأة إذا كان الولي غائباً أن تأمر رجلاً يزوجها فيجوز ذلك إذا لم تضع نفسها في دناءة. قيل له: ولا ترفع إلى السلطان. قال: ليسكل امرأة تقدر أن ترفع إلى السلطان.
وَلا وِلايَةَ لِرَقِيقٍ عَلَى ابْنَتِهِ ولا غَيْرِهَا، وَيقْبَلُ لِنَفْسِهِ ولِمُوَكِّلِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إِذْنِهِ .....
للولي ثمانية شروط، ستة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما، فالستة أن يكون حراً، بالغاً، عاقلاً، ذكراً، حلالاً، مسلماً، أعني: إذا كانت وليته مسلمة، لأن الكافر يجوز أن
стр. 1648
يعقد نكاح وليته الكافرة لمسلم. والاثنان المختلف فيهما: أن يكون رشيداً، عدلاً. وتكلم المصنف عليها كلها. ومراده بالرقيق: القن، ومن فيه عقد حرية، وإنما قال: (ولا غَيْرِهَا) ولم يقتصر على البنت؛ لأن ولاية البنت إجبار، فقد يتوهم أنه إنما منع من الإجبار، فإن تولى العقد فقال مالك: يفسخ- ولو ولدت الأولاد- بطلقة، ولو أذن له الولي أو كانت دنية. ويتخرج فيها قول آخر أنه يفسخ بغير طلاق للغلبة على فسخه.
أصبغ: ولا ميراث في النكاح الذي تولى العبد عقده وإن فسخ بطلقة لضعف الاختلاف فيه. قال فيها: ولا يقدم المكاتب من يزوج إماءه.
وقوله: (وَيقْبَلُ لِنَفْسِهِ) يعني أن الشروط إنما تعتبر من جهة ولي الزوجة.
وقوله: (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعود على قوله: (لِمُوَكِّلِهِ) وإنما جاز ذلك لأنه أمر خفيف ولا مضرة على السيد فيه، ويحتمل أن يرجع إليه وإلى موكله؛ لأن عقده أيضاً على نفسه صحيح، وإنما يتوقف أيضاً على إجازة السيد.
وَلا صَبِيٍّ، ولا مَعْتُوهٍ
لاشتراط البلوغ والعقل.
وَتَنْتَقِلُ إِلَى الأَبْعَدِ
أي: إذا كان الأقرب صبياً أو رقيقاً أو مجنوناً.
وَلا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ولا امْرَأَةً غَيْرَهَا، بَلْ تلي عَلَى عَبْدِهَا وعَلَى الذَّكَرِ الْمُوصَاةِ هِيَ عَلَيْهِ .....
لاشتراط الذكورية. وما ذكره من أنها تعقد على عبدها أو (وعَلَى الذَّكَرِ الْمُوصَاةِ هِيَ عَلَيْه) أي: تقبل لهما، هو قول ابن القاسم في العتبية والواضحة، وهو المشهور المعروف، [٢٨٨/ أ] وحكى عبد الوهاب قولاً بأنها لا تقبل للذكر وكذا العبد في القولين.
стр. 1649
وَتُوَكِّلُ الْمَالِكَةُ وَالْمُعَتِقَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَلِيَّهَا أَوْ غَيْرَهُ
لا إشكال في هذا في المالكة والوصية، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها وصية على أيتام، فكانت تختار الأزواج وتقدر الصداق، ثم تقول: اعقدوا فإن النساء لا يعقدن. وما ذكره المصنف قرره ابن راشد ونص عليه ابن شاس وابن فتحون في وثائقه والمتيطي وابن بطال في أحكامه.
عياض: قوله- يعني في المدونة- في المرأة: إذا وكلت رجلاً يزوج وليتها جاز، فإن معناه عند أكثر أئمتنا: مولاة لها أو من تلي عليها بإيصاء. ونقله ابن عبد السلام عن بعض الأندلسيين من الموثقين وغيرهم.
ابن عبد السلام: والصواب أن الولاية لأولياء المعتقة دون من تقدمه هي في حياتها ودون ابنها بعد موتها، وذلك بين من الموطأ وكلام المتقدمين، وقد عرضته على من يوثق به من أشياخي فوافق عليه. انتهى.
وَيُوَكِّلُ الْعَبْدُ الْمُوصَى إِلَيْهِ
هكذا نقل الباجي عن مالك.
وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ بِلا وَلِيَّ فِي الْجَمِيعِ ولَوْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ ولَوْ بَعْدَ الطُّولِ والْوِلادَةِ بِطَلاقٍ عَن ابْن الْقَاسِمِ، وبِغَيْرِ طَلاقٍ عَنِ ابْنِ نَافِعٍ ...
يعني: أن النكاح إذا انعقد بين الزوجين من غير ولي ولا أجنبي، فلا بد من فسخه أجازه الولي أم لا، طال أو لم يطل، وسيأتي مأخذ القولين في فسخه هل بطلاق أم لا؟
وَالإِحْرَامُ مِنْ أَحَدِ الثَّلاثَةِ مَانِعٌ
(الثلاثة) هي الزوج والولي والزوجة.
стр. 1650
وَالْمَشْهُورُ أَنََّ كفر الْجِزْيَةِ يَسْلُبُ مِنَ الْوَلِيِّ الْوِلايَةَ عَنِ الْمُسْلِمَةِ كَغَيْرِهِ
مقتضى كلامه أن المسلمة إذا كان لها ولي كافر فإن لم يكن من أهل الجزية كالمرتد، والحربي فلا ولاية له باتفاق، وإن كان من أهلها فالمشهور كذلك. وقيل: له الولاية. والمقطوع به من المذهب أن الكافر لا ولاية له على المسلمة أصلاً، وقد حكى ابن بشير على ذلك الاتفاق.
وفي قول المصنف (كفر الْجِزْيَةِ) نظر؛ لأن المشهور عندنا أن كل كافر تؤخذ منه الجزية إلا المرتد، فليس لنا كفر لا تؤخذ فيه الجزية.
ابن راشد: وأخبرني الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن الشيخ أبي عبد الله الزواوي أنهم وجدوا في بجاية كتباً لبعض الأندلسيين وفيها أن الكافر من أهل الجزية تكون له الولية أو قال: له البنت المسلمة فإنها لا تزوج بغير أمره ورضاه. قال: ورأيت بعد ذلك المسألة في أحكام ابن بطال، ونص كلامه: قال ابن حبيب وغيره: لا يجوز للنصراني إذا كانت له بنت مسلمة أو أخت كذلك أن يزوجها ولا يستخلف من يزوجها ولا يطلب في ذلك رضاه، وليس هو ولي في حال نصرانيته، فإن جهل وزوج ابنته المسلمة أو استخلف مسلماً زوجها فسخ النكاح أبداً قبل البناء وبعده. وقال أصبغ: إنما لا يجوز للنصراني أن يزوج أخته المسلمة إذا كان من أهل الصلح، وأما من يصير ميراثه للمسلمين منهم إذا مات فهو يزوجها، وهذا مراد المصنف. انتهى.
الباجي عن ابن القاسم: ولا يعتبر رضا الكافر في تزويج ابنته المسلمة.
وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ عَلَى الْمَشْهُورِ
مراده بالعكس أن يكون الولي مسلماً والمرأة كافرة، فلا ولاية لمسلم عليها على المشهور. واختلفت طرق الشيوخ في نقل هذه المسألة، فمنهم من نقل مثل المصنف أن
следующие страницы →