Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وهذا الكلام وإن ذكر في المدونة في العبد فالمكاتب ونحوه كذلك. وأسقط المصنف قوله: كلم في إجازته؛ لأنه وصف طردي. واشترط القرب لأن عدم الرضا واستدامة ذلك حتى يطول قرينة في الفسخ.
ابن القاسم: ويصدق بأنه لم يرد الطلاق في المجلس، ما لم يتهم. قال بعضهم: يريد ما لم يطل.
ابن المواز: وإن شك السيد على أي وجه خرج منه فهو فراق واقع. زاد ابن محرز بعد قوله فراق بالبتات: وهو احتياط كمن تيقن بالطلاق وشك في العدد.
ابن المواز: وإن قال: لا أجيزه اليوم أو لا أجيزه حتى أنظر فهو غير عازم على الطلاق. وأما إذا قال: لا أجيزه؛ فذكر مثل قول ابن القاسم، وزاد: إلا أن يفترقوا على قوله: لا أجيزه؛ فيكون فراقاً ما لم يبين فيقول: اليوم أو حتى أنظر؛ فيكون ذلك وإن افترقوا، إلا أن يستمتع العبد بزوجته بعد علم السيد بنكاحه، وكان السيد يقدر على منعه فلا يكون له الفسخ بعد ذلك؛ لأنه قد تمتع بإذن سيده أو ما يقوم مقام إذنه من التمكين. وخالف المغيرة ابن القاسم، فجعل امتناع السيد فسخاً، ورأى ابن القاسم أن الامتناع من الإجازة أعم من إرادة الفسخ إلا بعد الطول.
فَإِنْ بَنَى بِهَا تَرَكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ
أي: فإن دخل العبد والمكاتب ثم علم السيد ففسخه فلها ربع دينار، وهذا مذهب المدونة. وقال ابن الماجشون: لا يترك لها شيئاً. وقد تقدم نكاح السفيه بغير إذن وليه
ابن عبد السلام: والفقه فيهما قريب.
وَتَتَّبِعُهُ بِالْبَاقِي إِنْ أُعْتِقَ إِلا أَنْ يُسْقِطَهُ السَّيِّدُ أَوْ السُّلْطَانُ قَبْلَ عِتْقِهِ كَالدِّيْنِ بِغَيْر إِذْنِهِ ....
أي: وتتبع الزوجة العبد بما بقي لها من الصداق إذا عتق. قال في المدونة: وكذلك إذا أدى المكاتب، وهذا بخلاف السفيه فإنه لا يتبع بالباقي إذا فك الحجر عنه. قال في
стр. 1682
الجلاب: لأن العبد إنما حجر عليه من أجل سيده، فإذا أعتقه سيده سقط حقه وزال حجره، والسفيه حجر عليه من أجل نفسه، فإذا فك حجره لم يتبع بشيء مما استدانه في حال حجره؛ لأنه لو ثبت ذلك عليه لم ينفع الحجر شيئاً. واختلف الشيوخ هنا هل يتبع العبد والمكاتب بعد التق سواء غرَّا أو لا؟ وقال أبو عمران: إنما يتبعان إذا غراها، وأما إن أخبرها كل واحد بحاله فقال لها العبد: أنا عبد. وقال لها المكاتب: أن مكاتب؛ فلا يتبعان. وعليه اقتصر المتيطي، وعليه اختصر المدونة ابن أبي زمنين وابن أبي زيد والبرادعي. وقال أبو بكر ابن عبد الرحمن، وصاحب النكت، وغيرهما: يتبع العبد مطلقاً سواء غر أو لم يغر، إلا أن يسقط ذلك السيد من ذمته، وأما المكاتب فإن لم يغرها اتبع إلا أن يسقط ذلك السيد من ذمته؛ وإن غرها فيوقف الأمر، فإن عجز كان كالعبد له أن يسقطه عنه، وإن أدى فهو عليه وليس للسيد أن يسقطه.
وقال ابن الكاتب: إن لم يغر يحتمل ألا يسقط عنه إلا بإسقاط السيد، وأما إن غر فلا يختلف أن ذلك عليه ولا يسقط.
وقوله: (إِلا أَنْ يُسْقِطَهُ السَّيِّدُ) إنما كان للسيد الإسقاط؛ لأن بقاء الدين في ذمة العبد عيب، فكان للسيد إسقاطه.
ابن عبد السلام: وذكر بعضهم أنه إذا غرها العبد، هل يصح إسقاط السيد أم لا؟
قوله: (أَوْ السُّلْطَانُ) نحوه في المدونة، ولعل معناه أن السيد طلب من السلطان أن يسقطه عن العبد. وفهم أبو الحسن المدونة على أن معناها: في الغائب؛ لأن السلطان يذب عن مال الغائب.
فَلَوْ عُتِقَ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ مَضَى، فَإِنْ رُدَّهُ بِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ
يعني: فإن أعتق السيد عبده المتزوج بغير إذنه قبل علمه بالتزويج مضى النكاح، ولأن حق السيد قد زال.
стр. 1683
وأما إذا باعه فقال المصنف (مَضَى) أي: لا فسخ له حينئذ؛ لأنه قد صار في ملك غيره، ويقال للمشتري: إن كنت علمت بالتزويج فهو عيب دخلت عليه، وإلا فلك الرد. فإن تمسك فواضح، وإن رد كان للبائع الفسخ، وهو معنى قوله: (فَإِنْ رُدَّهُ بِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ) أي: فإن رد العبد بعيب التزويج فللبائع الفسخ، وفي بعض النسخ: فإن رده فله الفسخ؛ أي: فإن رد المشتري العبد بسبب عيب التزويج فللبائع فسخ النكاح، فالضمير في (فَلَهُ) عائد على البائع، والهاء في (رُدَّهُ) عائد على العبد، وضمير الفاعل [٢٩٤/ أ] المستتر في (رُدَّهُ) عائد على المشتري. وفي بعض النسخ: (فسخه)؛ أي: فسخ النكاح. وفي كلام ابن عبد السلام نظر.
وخرج ابن محرز قولاً بعدم بطلان حق البائع من الفسخ إذا باعه قبل علمه بالنكاح على القول بأن من باع شقصاً وجبت له به الشفعة قبل علمه ببيع الشريك أن حقه في الشفعة باق. ورده ابن بشير بأن الشفعة حق مختلف في سببه، فهل هو رفع الضرر عن الشريك؟ أو هو محض تعبد؟ فلعل القائل لم يتحد لاحتمال أن يكون القائل ببقاء حق الشريك في الشفعة بعد بيعه يرى ذلك تعبداً. ومسألة العبد معللة بالضرر، فلا يمكن قياسها على التعبد. ورده ابن عبد السلام بأن القائلين بعدم سقوط الأخذ بالشفعة إذا باع نصيبه اختلفوا هل يشترط عدم علمه ببيع شريكه إلى حين بيعه هو نصيبه أو لا يشترط ذلك؟ قال: فمن يشترط عدم العلم فهو كالنص منه على تعليل الشفعة بالضرر، ويلزم منه صحة التخريج المذكور. وقوله: (قَبْلَ عِلْمِهِ) مفهومه أنه لو باعه بعد علمه لكان دليلاً على الرضا، فليس له الفسخ إذا رد عليه، وهكذا قال القرويون. وذكر بعض الأندلسيين قولاً أن ذلك لا يسقط حق البائع في النكاح، ولا إشكال أن المشتري لا حق له في فسخ النكاح. نص عليه ابن الجلاب وغيره.
стр. 1684
وقال بعضهم: يدخل في ذلك الخلاف من الخلاف فيمن أحدث عليه في ملكه ضرر فباعه بعد علمه بالضرر، هل يكون للمشتري قياماً على محدثه؟ فقيل: ينتقل للمشتري ما كان للبائع. وقيل: لا ينتقل؛ لأن بيعه بعد علمه رضا. وقيل: إن كان بيعه بعد أن خاصم فإن للمشتري القيام؛ لأن خصومته تدل على عدم رضاه به، وإن لم يخاصم فلا قيام للمشتري، ولو رضي المشتري بعيب النكاح، ثم اطلع على عيب قديم فله أن يرد بما اطلع عليه، وهل يرد أرش عيب النكاح لأنه بإقراره يثبت فيصير كأنه فعله؟ أو ليس عليه ذلك؟ وليس الإقرار كالابتداء، حكى ابن بشير عن المتأخرين في ذلك قولين. وخرجها أبو بكر بن عبد الرحمن على الخلاف في الرد بالعيب هل هو فسخ له من أصله أم لا؟ وكذلك اختلف المتأخرون لو لم يعلم المشتري حتى أعتق هل له قيمة العيب على البائع كسائر العيوب إذا اطلع عليها بعد العتق؟ أو لا يرجع بشيء إذا فوت على السيد الأول رد النكاح؟
وَلِلْعَبْدِ الْمَاذُونِ وَالْمُكَاتِبِ التَّسَرِّي فِي مَالِهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ
أي: المأذون له في التجارة. وقوله (فِي مَالِهِمَا) احتراز من مال السيد، فإنه لا يتسرى فيه لأنه حينئذ كالوكيل. قاله مالك في المختصر. وما حكاه المصنف أن للعبد المأذون التسري، وإن لم يأذن له سيده هو المشهور، وحكى أبو الحسن قولاً بأنه ليس له ذلك إلا بإذن السيد.
وَالْمَهْرُ والنَّفَقَةُ عَلَى الْعَبْدِ فِي مَالِهِ مِمَّا لَيْسَ بِخَرَاجِهِ وَلا كَسْبِهِ، ولا يَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِناً لِلْمَهْرِ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ ...
يعني: ونفقة الزوجة ومهرها يحسبان على العبد مما يوهب له أو يوصي له به لا من خراجه ولا مما أباه سيده بيده. قاله علماؤنا. وهذا ما لم تجر عادة بخلافه، فإن جرت عادة
стр. 1685
بالنفقة من الخراج أنفق عليها منه. فقوله: (عَلَى الْعَبْدِ) يتعلق بمحذوف كما قدرنا؛ لأنه خبر، والخبر يجب تعلقه بمحذوف، قال في المدونة: ونفقة زوجة العبد في ماله إن كان له مال ولا نفقة لها من كسبه وعمله، وذلك إلى سيده، فإن لم يجد غيره فرق بينهما، إلا أن يتطوع السيد بالنفقة، ولا يباع العبد في نفقة زوجته. ولا فرق بين عبد الخراج وغيره، ولو فضل بعد الخراج شيء؛ لأن الفاضل مال لسيده، إلا أن يأذن في ذلك السيد أو تكون العادة النفقة منه. وقال محمد: إن عجز عن النفقة، وعليه خراج لسيده فلا شيء لها حتى يبدأ بخراج سيده، فجعل الإنفاق من فاضل الخراج، فيحتمل أن يكون ذلك خلافاً ويحتمل أن يكون ذلك عادتهم. قاله اللخمي وغيره.
وقوله (ولا يَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِناً ... إلخ) أي: في التزويج؛ لأن العبد هو المتولي للشراء فيكون الثمن عليه.
اللخمي: والمدبر والمعتق إلى أجل كالعبد، والمكاتب كالحر؛ لأنه بان عن سيده بماله، فإن عجز طلق عليه، والمعتق بعضه في اليوم الذي يخصه كالحر، وفي اليوم الذي يخص سيده بمنزلة العبد.
وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الْبَالِغَ أَوْ أَجْنَبِيّاً حَاضِراً أَوْ غَائِباً، فَقَالَ: مَا أَمَرْتُهُ. حَلَفَ، وسَقَطَ الصَّدَاقُ عَنْهُمَا. فَإِنْ نَكَلَ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ. وقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ شَيْءُ. وقِيلَ: تُطَلََّقُ عَلَيْهِ ويَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ ....
يعني: أن الأب إذا زوج ابنه المالك لأمره، أو أجنبياً سواءً كانا حاضرين أو غائبين، ثم أنكرا بعد علمهما، وقالا: ما أمرناه ولا نرضى الآن بالتزويج. فقال المصنف: (حَلَفَ) أي: الابن أو الأجنبي ما أمرناه. (وسَقَطَ الصَّدَاقُ عَنْهُمَا) أي: عن الأب والأجنبي، وكذلك نص في المدونة على اليمين في حق الحاضر. وحملها ابن يونس على إطلاقها، وأنه
стр. 1686
إن نكل الحاضر يلزمه النكاح، فإن شاء طلق وأدى الصداق، وإن شاء ثبت عليه. واستدل على ذلك بما وقع لابن القاسم في العتبية: إذا زوج الولي وليته فأنكرت المرأة أن تكون رضيت، فقال: إن كان الإشهاد في المسجد حيث يرى أنها لم تعلم فلا يمين عليها، وإن كان الإشهاد ظاهراً أو إطعام الوليمة في دارها، وحيث يرى أنها عالمة [٢٩٤/ ب] فأرى أن تحلف بالله ما وكلته ولا فوضت إليه ذلك، ولا ظننت أن ذلك اللعب وذلك الإطعام الذي صنع إلا لغيري، ثم لا شيء عليها، فإن نكلت عن اليمين لزمها النكاح.
ابن يونس: وكذلك مسألة الابن. وقيدها صاحب النكت واللخمي بما إذا سكت بعد عقد النكاح، قالا: ولو قال عند عقد النكاح: لم أرض. لم تكن عليه يمين، قالا: ولو طال سكوته بعد عقد النكاح. زاد اللخمي: وقبل التهنئة على جري العادة لزمه النكاح.
اللخمي: ويغرم نصف الصداق ولا يمكن منها لإقراره أنها غير زوجته.
صاحب النكت: وعرضته على بعض شيوخنا فصوبه.
خليل: وينبغي على هذا أن الغائب إن أنكر بمجرد حضوره أن تسقط عنه اليمين، وإن علم وطال لا يقبل منه الإنكار، والله أعلم؛ لأنه بعد حضوره كالحاضر. وأنكر سحنون تعلق اليمين بالزوج، ورآها ساقطة عنه. وقوله (فَإِنْ نَكَلَ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ) هو كما قال ابن يونس، وحكاه صاحب اللباب عن ابن القاسم. وقيل: لا يلزمه شيء. وهو قول أبي محمد، وعليه فاليمين إنما هي استظهار، لعله أن يقر. وصوبه أبو عمران؛ لأنه أقر أنه ليس بعقد. وقيل: تطلق عليه، ويلزمه الصداق.
ابن راشد: وجعل هذا القائل نكوله طلاقاً، وهذا القول حكاه ابن سعدون عن بعض شيوخه، وحكي في المتيطية عن ابن القاسم أنه إنما تلزمه اليمين إذا ادعى
стр. 1687
أبو الصبية أن مخبراً أخبره أن الابن أمر أباه أن يزوجه، فإذا حلف برئ، وإذا نكل حلف الأب ولزمه النكاح.
ابن عبد السلام: وقيل: إن لم يكن إلا مجرد الدعوى لم تتوجه اليمين، فإن كان ثم سبب تقوى معه الدعوى توجهت.
تنبيه:
قولنا في فرض المسألة: (ابنه المالك لأمره) هكذا فرض في المدونة المسألة، وأقاموا منه أنه لو كان سفيهاً لزمه النكاح، فيؤخذ منه جبر السفيه على النكاح. واعلم أنه زاد في المدونة بعد قول الزوج: ما أمرته ولا أرضى، ثم قال: صدق مع يمينه. وظاهره أنه يحلف على نفي الأمر والرضا والحلف على نفي الأمر يمين تحقيق، وعلى نفي الرضا يمين تهمة، ولا شك أن الابن إذا رضي يدخله الخلاف الذي في النكاح الموقوف، وينبغي أن تقيد المسألة بما إذا لم يقل الأب أن الابن وكلني أن أعقد، والابن حاضر في المجلس، وإلا فإن قال ذلك، وأنكر الابن فإنكاره كالعزل عن الوكالة.
بعض الشيوخ: ويحتمل أن يقال: تلزمه اليمين على الوكالة، وأما إذا افترقا والحالة هذه لزمه النكاح، وهو ظاهر.
وَالْكَفَاءَةُ حَقٌّ لها ولِلأَوْلِيَاءِ فَإِذَا تَرَكُوهَا جَازَ إِلا الإِسْلامَ
يعني: أن الكفاءة مركبة من قيود كما سيأتي، منها ما هو حق لله فلا يجوز تركه، ومنها ما هو حق للمرأة ولأوليائها فإذا تركوها جاز.
فقوله: (إِلا الإِسْلامَ) مستثنى من قوله (حَقٌّ لها ولِلأَوْلِيَاءِ). ابن هارون: إلا الإسلام، فإنه ليس حقاً لهم بل لله . ويمكن أن يكون قوله (إِلا الإِسْلامَ) مستثنى من قوله
стр. 1688
(فَإِذَا تَرَكُوهَا جَازَ إِلا الإِسْلامَ) ويؤخذ من لازم كلامه أن الإسلام حق لله؛ لأنه لو كان حقاً لهم لجاز تركه مع الرضا، لأنه من له حق فله إسقاطه، والتقدير الأول أولى، ولو رضيت المرأة بغير كفءٍ وليس لها ولي، فقال ابن راشد: الذي عليه عمل القضاة أنهم لا يزوجونها حتى تثبت الكفاءة، وإن كانت ثيباً فلا يطلبها الحاكم بإثباتها. وقيل: لابد من الإثبات. وبه أخذ الباجي.
ابن أبي زمنين: وشاهدت بعض أشياخنا يذاكره بذلك ويحتج عليه بأنها مالكة لأمرها ناظرة في مصالحها، فقال: وإن كانت كذلك فلا يلزمني أن أعينها على ذلك.
* * *
انتهى المجلد الثالث من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد الرابع وأوله
وَالنَّظَرُ فِي الدِّينِ، والْحُريَّةِ، والنَّسَبِ، والْقَدْرِ
стр. 1689
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
المجلّد الرابع
стр. 1690
وَالنَّظَرُ فى الدِّينِ, والْحُرِّيَّةِ, والنَّسَبِ, والْقَدْرِ, والْحَالِ, والْمَالِ, واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع إِلا الإِسْلامَ, فَيُفْسَخُ نِكَاحُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَةَ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ, وَيُؤَدَّبُ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ ....
يعنى: أن الكفاءة مركبة من قيود: أولها: الدين, والمراد به الإسلام مع السلامة من الفسق, ولا تشترط المساواة لها فى الصلاح. ثانيها: الحرية. ثالثها: النسب, ويعبر عنه بالحسب, ومعناه: ألا يكون الزوج مولى. ورابعها: القدر. ابن راشد: والمراد به المنصب والجاه. خامسها: الحال.
ابن راشد: والمراد بة أن يساويها فى الصحة, أى: مساويها سالما من العيوب الفاحشة.
خليل: وهذا هو الذى يؤخذ من كلام ابن بشير وابن شاش وغيرهما من الأصحاب.
ابن عبد السلام: والأولى تفسير الحال هنا بالجاه. ويحتمل أن يفسر بما يرجع إلى حسن العشرة, وطيب الخلق.
ويلزم ابن عبد السلام التداخل, لأنه على ما ذكر أنه الأولى فى تفسير الحال يصير الحال والقدر واحدا, وأيضا إذا فسره بما ذكره يلزم أن يكون اختلف فى الجاه وحسن العشرة لما قال المصنف: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع إِلا الإِسْلامَ) ولم أر قولاً باشتراط ذلك.
سادسها: المال.
وقوله: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع إِلا الإِسْلامَ) اعلم أنه: إن ساواها الرجل فى الستة فلا خلاف فى كفاءته وإن فقد بعضها, فقال المصنف: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع) قيل: والكفاءة المعتبرة عند ابن القاسم الحال والمال. وفى الوثائق المجموعة: الكفاءة عند مالك فى الحال والدين, وعند] ٢٩٥/ أ [غيره الحال والمال.
стр. 1691
المتيطى: ويجوز الاتفاق على تركها. وحكى الإسفرايينى عن ابن الماجشون أنها شرط فى صحة النكاح, فلا يجوز تركها, ونحوه فى الإشراف, وهو اختيار ابن القاسم, وبه القضاء.
وانظر قوله: (واخْتُلِفَ فِى الْجَمِيِع) مع ماحكاه ابن بشير من الاتفاق على عدم كفاءة الفاسق, وقد ذكره المصنف بعد, إلا أن يريد بالخلاف مقابل المنصوص.
وأما الحرية فلم يسمع ابن القاسم من مالك فيها شيئاً, وقال غير واحد: وظاهر ما قاله فى المدونة أن العبد كفء, وحكاه القاضى أبو محمد عن ابن القاسم نصاً, وقال المغيرة وسحنون: ليس العبد كفئاً للحرة, ويفسخ النكاح.
عبد الوهاب وغيره: وقول المغيرة هو الصحيح.
ولا إشكال أن قول المغيرة خلاف لابن القاسم إن ثبت النص عن ابن القاسم, وإن كان القاضى إنما اعتمد فى حكايته على ظاهر المدونة, لأنه لما سئل ابن القاسم عن نكاح العبد العربيةَ فقال: قال مالك: أهل الإسلام بعضهم لبعض أكفاء, لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾] الحجرات: ١٣ [فيكون أيضاً قول المغيرة خلافاً. وإليه ذهب اللخمي وغيره, وقال ابن سعدون وغيره من القرويين: ليس قول المغيرة خلافاً لابن القاسم لقوله بعد هذا: إذا رضى الولي بعبد فليس للولي أن يمنع منه بعد ذلك, إلا أن يأتي منه حدث من فسق أو لصوصية. فقوله (إذا رضى) يدل على أن للولي فى ذلك حقاً, وأما النسب فالمعروف أن المولى كُفءٌ للحرَّة.
المازرى: والمشهور أن الحسب غير معتبر عندنا لحديث فاطمة بنت قيس فى تزويجها أسامة.
وأما القدر فلم أر قولاً باشتراطه, كما أشار إليه المصنف, نعم فهم ابن راشد الاتفاق عليه من قول المصنف بعد هذا. وعن ابن القاسم فيمن دعت إلى كفء فى القدر والحال والمال: زوجها السلطان. وفيه نظر.
стр. 1692
وأما الحال فقد تقدم تفسيره بالصحة, فلم أر الخلاف فيه إلا فى البكر ذات الأب, وقد تقدم عند الكلام على جبر الأب البكر.
وأما المال ففى المدونة أن امرأة أتت إلى مالك, فقالت له: إن لي ابنة فى حجرى موسرة مرغوب فيها, فأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخ له فقير لا مال له, أترى لى فى ذلك كلاماً؟ قال: نعم, إنى لأرى لك فى ذلك متكلما. على الإثبات. وفى بعض الروايات: لاأرى لك, على النفى.
قال بعض الشيوخ: الأولى أصح, لأنه قال أولا نعم, ولو كان الثانى نفيا تناقضا لاسيما وقد وقع فى كثير من النسخ: إنى أرى لك. وكذلك اختصرها بعضهم.
ابن القاسم: وأنا أراه ماضيا إلا أن يأتى من ذلك ضرر فيمتنع. واختلف هل قول ابن القاسم خلاف؟ وإليه ذهب سحنون, لقوله: ويقول ابن القاسم أقول: ولا أرى الفقر ضرراً.
ابن محرز: وذهب بعض المذاكرين أنه لا يعده خلافاً لأن ابن القاسم تكلم عن فقير صالح لا يخشى على المرأة منه أن يفسد متاعها ويتلفه, ومالك تكلم على من يخشى منه ذلك.
وذكر صاحب النكت عن غير واحد من القرويين, وكذلك قال أبو عمران أنه ليس هو خلافاً لأن ابن القاسم إنما تكلم بعد الوقوع, ومالك تكلم قبل الوقوع, وقال: لها متكلم, ولم يقل أن النكاح مفسوخ. ومعنى المتكلم الذى لها أن تنظر فى ماأراده الأب, هل هو صواب ام لا؟
قوله: (إِلا الإِسْلامَ) لان الإجماع متفق على تحريم إنكاح الكافر المسلمة.
قوله: (وَيُؤَدَّبُ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ) ابن عبد السلام: ظاهره: ولو أسلم إذا لم يعذر بجهل بسبب جرأته وإقدامه على هتك حرمة الإسلام, لكن ظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾] الأنفال: ٣٨ [خلافه. ونص ابن راشد على أن إسلامه يسقط عنه الأدب. واختلف فى حد المرأة إذا تزوجته عالمة بأن ذلك لا يجوز, ففى المدونة: لا أرى أن يقام
стр. 1693
في ذلك حد وإن تعمداه, ولكن العقوبه إن لم يجهلوا. وفى رواية: لا أرى أن يقام عليه. ومقتضاها إقامته عليها. ومن الشيوخ من يرى أن المذهب كله على أنها لا تحد.
ابن محرز: والصواب حدها. وهى كالمسلم يتزوج مجوسية عالماً بذلك, فقد قال مالك أنه يرجم, يعنى إذا كان محصناً, وقال ابن المواز فيمن ارتدت زوجته, ووطئها مكرهة عالماً بالتحرين أنه يرجم. واختلف إذا زني بها طائعة, فقال مالك رحمه الله تعالى: ليس ذلك بنقض, ولا يلحق به الولد. وقال ابن حبيب: ذلك نقض. وفى سماع عبد الملك أنه يضرب ضرباً يموت منه, وقال أشهب: يضرب الضرب الموجع لما لم يوف لهم بالعهد.
وفى كلامه ما يدل على أنه لو وفَّى لهم بالعهد لكان ذلك نقضاً.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يكون ذلك نقضاً للعهد وإن وفى لهم به. ابن نافع وأبو مصعب وغيرهما: فإن غرها بالإسلام فذلك نقض منه للعهد.
وَفِيهَا: الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ. وَفُرِّقَ بَيْنَ مَوْلىً وعَرَبِيَّةٍ فَاسْتَعْظَمَهُ, وتَلا:﴾ يَا أَيُّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ ﴿إِلَى﴾ أَتْقَاكُمْ ﴿. والْعَبْدُ كَذَلِكَ, وقِيلَ: إِلا الْعَبْدَ ....
قد تقدم مايتعلق بذلك. وقوله: (إِلا الْعَبْدَ) ابن عبد السلام: أي: وإن الخلاف إنما هو بين الحرة والمولى, وأما العبد فلا يختلف أنه ليس بكفء للحرة, وحاصله أنها طريقة. واعترض اللَّخْمِيّ الاستدلال] ٢٩٥/ب [بالأية على هذا, وقال: لا مدخل لهذه الآية هنا, لأن متضمنها الحال عند الله تعالى فى الآخرة, ومنازل الدنيا وما تلحقهم فيه المعرة غير ذلك.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: ولا خِلافَ مَنْصُوصٌ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ ولِمَنْ قَامَ لَهَا فَسْخُ نِكَاحِ الْفَاسِقِ
أي: الفاسق بالحوارح لمقابلته له بالفاسق بالإعتقاد. ولفظ ابن بشير: والمطلوب من الزوج أن يكون كفؤاً فى بلا خلاف, وان كان فاسقاً فلا خلاف منصوص أن تزويج
стр. 1694
الأب من الفاسق لا يصح, وكذلك غيره من الأولياء, وإن وقع وجب للزوجة ولمن قام لها فسخه, وكان بعض أشياخي يهرب من الفُتيا فى هذا, ويرى أن ذلك يؤدي إلى فسخ كثير من الأنكحة. انتهى.
ابن عبد السلام: وقول ابن بشير وإن توقع يحتمل أن يكون داخلاً فى غير المختلف فيه, وهو ظاهر, ويحتمل أن يكون ابتداء كلام وتأسيس مسألة مع عدم التعرض لنفي الخلاف.
وَأَمَّا الْفَاسِقُ بِالاعْتِقَادِ فَقَالَ مَالِكٌ: لا يُزَوَّجُ إِلَى الْقَدَرِيَّةِ ولا يُزَوَّجُونَ
هذا لمالك فى الموزاية. ولا يتأتى هنا توقف الشيخ المتقدم في الفاسق بجوارحه, لأنه لا يؤدي إلى فسخ كثير من الأنكحة, ويشارك القدري من يساويه فى البدعة.
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ دَعَتْ إِلَى زَوْجٍ فَأَبَى وَلِيُّهَا إِذَا كَانَ كفئاً لَهَا فِى الْقَدْرِ وَالْمَالِ والْحَالِ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وعَلَى هَذَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ مَالِكٍ ...
تصوره ظاهر, وقد تقدم أن ابن راشد فهم منه اتفاق الأصحاب على مراعاة هذه الثلاثة, وفيه نظر لجواز أن يكون الاتفاق هنا إنما هو على الحر لحصول الكفاءة فى الحال والمال فقط, ثم إن هذا الاتفاق إنما يصح إن كان مساوياً لها فى النسب والحرية, وإلا فقد تقدم فيهما الخلاف.
وَالنِّكَاحُ والْمِلْكُ الْمُبِيحُ يُبيحُ نَظَرَ الْفَرْجِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ, وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلطِّبِّ
أي: أن الرجل يباح له أن ينظر إلى فرج امرأته وأمته, ويباح لزوجته وأمته النظر إلى فرجه. واحترز بالمبيح من نظر العبد لفرج سيدته مما لو ملك بعض محارمه. وقد وقع لأصبغ فى العتبية لما سئل: هل يجوز للرجل أن ينظر إلى فرج المرأة؟ قال: نعم, ويلحسه بلسانه. قال فى البيان: إنما أراد تحقيق إباحة النظر, وليس من مكارم الأخلاق أن يلحسه بلسانه.
стр. 1695
وقد روى النسائى عن معاوية بن حيدة, قال: قلت: يارسول الله, عوراتنا ما نأتى منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك".
وقوله: (وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلطِّبِّ) لم أره, ولعله يريد فرج المرأة خاصة, لأنه قيل: إن النظر إليه يورث العمى, لأنه يصعد منه بخار يؤذى البصر.
ابن القاسم: ولا بأس أن يكلم امرأته عند الجماع. وسئل القاسم بن محمد عن النخر عند الجماع, فقال: إذا خلوتم فاصنعوا ما شئتم.
وظاهر كلامه فى البيان كراهته. وصرح السيد أبو عبد الله ابن الحاج بكراهته.
وَيَحِلُّ كُلُّ اسْتِمْتَاعٍ إِلا الإِتْيَانَ فِى الدُّبُر, ونُسِبَ تَحْلِيلُهُ إِلَى مَالِكٍ فِى كِتَابِ السِّرِّ, وَهُوَ مَجْهُولٌ. وعَنِ ابْنِ وَهْبٍ: سَأَلْتُ مَالِكاً عنه, وقُلْتُ: إِنَّهُمْ حَكَوْا أَنَّكَ تَرَاهُ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ. وتَلا:﴾ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ﴿, وقَالَ: لا يَكُونُ الْحَرْثُ إِلا فِى مَوْضِعِ الزَّرْعِ ....
لما خرجه النسائى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء, ولا تأتوا النساء فى أدبارهن". ولما خرجه أيضاً عن ابن عباس رضى الله تعالى عنه, قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة فى الدبر".
ولما خرجه أبو داود عن أبى هريرة أيضاً, عنه ﵊ أنه قال: "ملعون من أتى المرأة فى دبرها". فإن قيل: قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة: ٢٢٣ [يقتضى إباحته, لأن المعنى حيث شئتم. قيل: هذا غير صحيح لما رواه مسلم وغيره عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل المرأة من دبرها فى قبلها كان الولد أحول, فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة: ٢٢٣ [قال جابر: إن شاء مجبية وإن شاء غير أن ذلك فى صمام واحد.
стр. 1696
وعلى هذا فمعنى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ كيف شئتم. والمفسرون وإن اختلفو فى تفسير الآية فينبغي أن يعتمد على ما ذكرناه لموافقته الحديث الصحيح. وقد تقدم ما يتعلق بكتاب السر فى المسح على الخفين.
ابن عبد السلام: ولمالك فى اختصار المبسوط جوازه, وقال: هو أحل من شرب الماء البارد.
وحكى عن ابن عمر مثله.
وَالإِتْيَانُ فِى الدُّبُرِ كَالْوَطْءِ فِي إِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ, ووُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ, والْكَفَّارَةِ, والْحَدِّ, ووُجُوبِ الْعِدَّةِ, وحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ, وَلا يُحْلِلُ, وَلا يُحَصِّنُ. وفِى تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ بِهِ قَوْلانِ ....
تصوره واضح. وقوله (مِنَ الْجَانِبَيْنِ) عائد على (إِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ, ووُجُوبِ الْغُسْلِ) ولا يقال: وجوب العدة به مشكل, كما قيل, لأنها تجب بمجرد الخلوة, وسبب القولين فى تكميل الصداق به أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾] البقرة: ٢٣٧ [هل يحمل على المس الشرعى؟ ولم يحصل, أو على مطلق المس؟ وقد حصل.
وَلا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلا بِإِذْنِهَا, وَلا عَنِ الزَّوْجَةِ الأَمَةِ إِلا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا بِخِلافِ السَّرَارِيِّ ....
العزل: هو أن يطأ إلى أن يأتي المني فينزع ذكره حتى لا ينزل فيها. والمشهور من المذهب جوازه على الصفة التي ذكرها المصنف, وذكر عن مالك كراهته.
وظاهر قوله فى (الزَّوْجَةِ الأَمَةِ إِلا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا) أنه يكفي بإذن السيد, وكذا هو ظاهر كلام غيره. ورأى الباجي أنه لا يعزل عن الزوجة [٢٩٦/أ] الأمة إلا بإذنها وإذن مواليها, ولا يكتفي بإذن سيدها لأن لها حقاً فى الوطء. وكان شيخنا ﵀ يذهب إلى أنه تقييد, وهو ظاهر لأن لها حقاً فى القسم, ويتبين لك ذلك بما ذكره الباجى فى باب
стр. 1697
الإيلاء: أن الزوجة إذا كانت أمة ورضيت بترك الوطء أن للسيد إيقافه, رواه ابن القاسم عن مالك فى العتبية.
الباجي: ووجه ذلك ما احتج به أصبغ فى ثمانية أبي زيد: ليس للزوج أن يعزل عنها وإن رضيت بذلك إلا بإذن السيد.
أصبغ: وإن رضي السيد بترك الوطء ولم ترض بذلك الأمة لم يكن لسيدها ذلك وكان لها القيام ومطالبة الزوج وتوقيفه. قال فى الطرر: وللمرأة أن تأخذ من زوجها مالاً على أن يعزل عنها إلى أجل, ولها أن ترجع فى ذلك متى أجبت, وحكاه عن المشاوّر.
الزَّوْجَةُ: والْمَوَانِعُ: قَرَابَةٌ, ورَضَاعٌ, وصِهْرٌ, ولِعَانٌ, والْمُتَزَوِّجَةُ غَيْرُ الْمَسْبْيَّةِ, والْمُعْتَدَّةُ وشِبْهُهَا مِنْ غَيْرِهِ, والْمُرْتَدَّةُ، والْكَافِرَةُ غَيْرُ الْكِتَابِيَّةِ, والأَمَةُ الْكَافِرَةُ, وأَمَتُهُ, وأَمَةُ وَلَدِهِ, وسَيِّدَتُهُ, وأُمُّ سَيِّدِهِ, والأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ يَجِدُ نَاكِحُهَا الطّوْلَ ولا يَخْشَى الْعَنَتَ, والْمُسْتَوْفَاةُ طَلاقاً, والْمُحَرَّمَةُ الْجَمْعَ مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ مَعَ أَرْبَعٍ, والْمَرِيضَةُ مَرَضَ حَجْرٍ, والرَّاكِنَةُ لِلْغَيْرِ, وَالْيَتِيمَةُ
هذا هو الركن الرابع. ولما كان المباح غير منحصر حصر الممنوع ليعلم أن ما عداه جائز. و (الموانع) مبتدأ على حذف مضاف, أي: ذوو الموانع (قرابة) , والتقدير أصحاب الموانع ذوو قرابة, ففى كل من المبتدأ والخبر حذف مضاف, وقلنا هذا ليصح قوله: (المتزوجة) لأنه معطوف على قرابة ولا يصح أن يخبر بالمتزوجة عن الموانع إذ لا يخبر عن المعنى بالجثة. وعدة الموانع عشرون, ثم أخذ المصنف يتكلم على الأول منها فالأول, فقال:
وَالْقَرَابَةُ: هِىَ: السَّبْعُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وَهِيَ أُصُولُهُ, وَفُصُولُهُ, وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ, وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَإِنْ عَلا.
أى فى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾] النساء: ٢٣ [الآية.
стр. 1698
ثم ضبط المصنف هذه السبعة بقوله: (وَهِيَ أُصُولُهُ .. إلخ). فالأصول كل من له عليك ولادة سواء كان بمباشرة أم لا, فيدخل فى ذالك: الأم, وأمها وإن علت, وأم الأب وإن علت.
والفصول: كل من لك عليها ولادة, فيدخل: البنات, وبنات الأبناء وإن سفلن لابن أو بنت.
وفصول أول الأصول هم الأخوة, إذا أول أصولك أبوك, فتحرم الأخوات مطلقا كن أشقاء أو لأب أو لأم, وبناتهن وإن سفلن.
(وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ) أي: ما عدا الأصل الأول؛ لأن ثاني الأصول وثالثها وإن علا, ذلك فإن فصولهم أعمام وعمات, وأخوال وخالات, وبنات الأعمام والعمات, والأخوال والخالات, حلال بالإجماع.
واعلم أنه يتصور الخال والخالة من جهة الأب, والعم والعمة من جهة الأم, لأن أخا الجدة للأب خال للأب, وأختها خالة له, وأخو الجد للأم عم, وأخته عمة.
وَيَحْرُمُ نِكَاحُ الزَّانِي لِلْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَائِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا تَحْرُمُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: هَذَا خَطَأٌ صُرَاحٌ ....
بالتحريم قال أبو حنيفة, وبعدمه قال الشافعي, وقول سحنون أنه خطأ ليس بظاهر لأنها لو كانت بنتاً لورثته وورثها وجاز له الخلوة بها وإجبارها على النكاح, وذلك كله منتف عندنا. وعلل بعض الحنفية المنع بأنها ربيبة لأن الزنا عندهم محرم. وسيأتي ما فيه عندنا.
وَيَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ مِنَ النَّسَبِ أَوِ الرِّضَاعِ, وبَنَاتُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِى حِجْرِهِ وإِنْ سَفَلَتْ لابْنٍ أَوْ بِنْتٍ.
هذا هو المانع الثالث. وأخر المصنف المانع الثانى وهو الرضاع لطوله وتبعاً لكتب أصحابنا.
стр. 1699
وأمهات الزوجة: كل من له على الزوجة ولادة, سواء كان من جهة أبيها أو أمها, وسواء كان من جهة النسب أو الرضاع, والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾] النساء: ٢٣ [الآية. وحاصله أن العقد على البنت يحرم الأم, ولا تحرم البنت بالعقد على الأم بل بالدخول بها.
وفى الموطأ أن ابن مسعود استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم يمس البنت فأرخص فى ذلك, ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال, وأن الشرط إنما هو فى الربائب, فرجع ابن مسعود إلى الكوفة, فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذى أفتاه, فأمره أن يفارق امرأته, ولم يكن رضى الله عنه يرجع عن فتواه إلا لنص أو ظاهر قوي, لأن القاعدة: منع جمع الوصفين إذا اختلف عاملهما بصفة واحدة. و ﴿نِسَائِكُمْ﴾ فى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بالإضافة, وفى قوله ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ مجرور بحرف الجر, فلا يصح أن يكون قوله تعالى: ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة لمجموع الوصفين.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِى حِجْرِهِ) لأن قوله تعالى: ﴿اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
وَحَلائِلُ الآبَاءِ, وَحَلائِلُ الأَبْنَاءِ
هذا أيضاً من المانع الثالث, وكون المرأة حليلة فى النكاح يحصل بالعقد, وأما الملك فلا تكون به حليلة عندنا] ٢٩٦/ب [إلا بالوطء أو ما يقوم مقامه, لا بمجرد الملك, خلافاً للشافعى فى قوله أنها بمجرد الملك حليلة, ولا خلاف أن حليلة ابن الابن وابن البنت وإن سفل داخلة فى حلائل الأبناء.
стр. 1700
وَلَوْ قَالَ الأَبُ: نَكَحْتُ الْمَرْاَةَ أَوْ وَطِئْتُ الأَمَةَ بِشِرَاءٍ عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذَلِكَ وَأنْكَرَ الابْنُ لَمْ يُقْبَلْ إِلا أَنْ يَكُونَ فَاشِياً قَبْلُ كَشَهَادَةِ الأُمِّ فِى الرَّضَاعِ, ويَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ ....
قوله: (عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذَلِكَ) أى: نكاح الحرة ووطء الأمة.
وقوله: (لَمْ يُقْبَلْ إِلا أَنْ يَكُونَ فَاشِياً) حاصله أنهلم يكن فاشياً لم يقبل, ويستحب التنزه, وان كان فاشياً قبل, ويجب الإجتناب, ويفسخ النكاح إن وقع, وشهادة الأم فى الرضاع كذالك. وهذا الذى ذكره المصنف هو أحد التأويلين فى مسألة المدونة فى كتاب النكاح والرضاع. ونص ما فى النكاح: قلت فيمن اشترى جارية أو أراد شراءها أو خطب امرأة فقال أبوه: نكحت الحرة أو وطئت الأمة بشراء, وكذبه الابن فقال: قال مالك: لا تجوز شهادة امرأة واحدة فى الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف.
مالك: وأحبُّ إلي ألا ينكح ويتورع. ولا تجوز أيضاً شهادة امرأتين فى الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف فى الأهلين والمعارف والجيران, فتجوز حينئذ شهادتهما.
ابن القاسم: فشهادة الوالد فى مسألتك كشهادة الأم فى الرضاع, فلا يقبل قول الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح, وأرى له أن يتنزه عن ذلك بغير قضاء, وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: أرضعت فلانة, فلما كبرت أراد الابن أن يتزوجها فلا يفعل.
ونص ما فى الرضاع: وإذا قالت امرأة عادلة: كنت أرضعت فلاناً وزوجَتَه, لم أقض بفراقهما, ولو عرف ذلك من قولها قبل النكاح أمرته بالتنزه عنها إن كان يثق بقولها, ولو شهدت بذلك امرأتان بعد العقد وهما أم الزوجة وأم الزوج أو أجنبية لم أقض بالفراق إلا أن يفشو ذلك قبل النكاح من قولهما عند الجيران والمعارف. والتأويل الثاني لأبي عمران
стр. 1701
أنه لا يجب الفراق مطلقاً، وإنما يتأكد استحباب التنزه إذا فشا ويقوي هذا التأويل قوله فى الثانية: ولو عرف ذلك من قولها قبل النكاح أمرته بالتنزه عنها إن كان يثق بقولها.
فرع: إن صارت إليه جارية أبيه أو ابنه بعد موته ولم يقر مالكها بوطء ولا غيره: قال ابن حبيب: لا تحل.
اللخمي: وهو يحسن فى العلي، وإن كانت من الوخش ندب إليه ألا يصيب ولا تحرمظن وكذلك إذا باعها ثم غاب قبل أن يسأل.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ اللّذَّةَ بِالْقُبْلَةِ والْمُبَاشَرَةِ والنَّظَرِ لِبَاطِنِ الْجَسَدِ كَالْوَطْءِ فِى تَحْرِيمِ الْبِنْتِ ....
لما قدم أن البنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم بين أن مقدمات الجماع تتنزل منزلة الوطء فى التحريم، سواء كان ذلك فى نكاح أو ملك.
ابن القاسم: في سماع أبي زيد: ولو ماتت زوجته قبل البناء فقبلها حرمت ابنتها. واشترط المصنف اللذة بالمباشرة لأنه لو حصلت المياشرة بغير لذة لم تحرم، فقد روى محمد عن كالك: إن مرض فقامت عليه واطلعت على عورته ومست ذلك منه، أو مرضت فقام هو عليها، أن ذلك لا يحرمها على أبيه وابنه.
أصبغ: وذلك إذا لم يكن شئ من اللذة بقبلة ولا نظر.
وقوله: (والنَّظَرِ) يقرأ بالخفض عطفاً على القبلة والمباشرة، ويكون التقدير: واللذة بالنظر. ولا تصح قراءته بالنصب لأنه حينئذٍ يؤخذ منه أن مجرد النظر محرم، وليس كذلك. وظاهر قوله (وَالْمَشْهُورُ) إلى آخره، أن الخلاف فى الجميع، ولم أره إلا فى النظر، ولذلك يحك ابن لشير وابن شاس الخلاف إلا فيه، ونقل الباجى الشاذ فيه عن ابن القصار. واحترز المصنف بقوله (النَّظَرِ لِبَاطِنِ الْجَسَدِ) مما لو نظر إلى وجهها، فإنها لا تحرم بإتفاق، حكاه ابن بشير.
стр. 1702
وفى الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهب لابنه جاريةً وقال: لا تمسّها فإنى قد كشفتها. ويريد نظر إلى بعض ماتستره من جسدها على وجه طلب اللذة والاستمتاع.
ابن حبيب: ومن تلذذ من أمته بتقبيل أو تجريد أو ملاعبة أو مغامزة أو نظر إلى شئ من محاسنها نظر شهوة حرم على ابنه وأبيه التلذذ بشئ منها إن ملكها. رواه محمد عن مالك، وزاد: وكذلك إن نظر إلى ساقها أو معصمها تلذذاً.
ابن عبدالسلام: ظاهر رواية ابن حبيب بخلاف تقييد المؤلف النظر لباطن الجسد، وقد يقال: إنما احترز بالباطن من الوجه كما قاله ابن بشير، فإن قالت: ماحكا ابن بشير من الاتفاق مخالف لرواية ابن حبيب، فغن قوله فى الرواية: أو نظر إلى شئ من محاسنها للذة يدل على أنه لا فرق بين الوجه وغيره فى ذلك. فالجواب أن الأمر كما ذكرت من أن ظاهر رواية ابن حبيب تنقض الاتفاق، ويمكن الجمع بينهما بوجهين: أولهما: أن يحمل كلام ابن بشير على ماإذا نظر للوحه لا على قصد الالتذاذ. والثاني: أن يقيد مافى رواية ابن حبيب بغير الوجه، والله أعلم.
وَإِذَا انْفَرَدَ الْوَطْءُ فَإِنْ كَانَ حَلالاً كَمِلْكِ الْيَمينِ فَكَوَطْءِ الْعَقْدِ
(انْفَرَدَ الْوَطْءُ) أى: من غير عقد ولا تحصل الإباحة فيه في ملك اليمين. ويعنى بالحلال أن تكون المرأة مباحة الوطء [٢٩٧/أ] ولو وطئتها فى حيض أو صيام، لأنه إذا انتشرت الحرمة بمقدمات الجماع فلأن تنتشر بالجماع أولى. واختلف إذا وطئ الصغير بملك اليمين أو قبَّل أو باشر، فقال مالك في الموتزية: إن قبَّل أو باشر لم تحرم إذا كان صغيراً. وقال محمد: إذا بلغ أن يلتذ بالجواري فإنها تحرم.
وَإِن كَانَ بِزِنا فَفِيهَا: يُفَارِقُهَا، وأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ
(وَإِن كَانَ بِزِنا) عطفاً على قوله (فَإِنْ كَانَ حَلالاً) أي: فإن زنا بأم زوجته أو زوجتها فليفارق زوجته. وحمل الأكثر (يُفَارِقُهَا) على الوجوب، وأنه يحرم عليه
стр. 1703
الاستمرار، وحملها اللَّخْمِيّ وصاحب البيان على الكراهه، واختصرها البرادعى بلقظ التحريم، وتعقب عليه ذلك.
ونص مالك في الموطأ أنه: لا يحرم بالزنا حلال. ونحوه فى الرسالة.
سحنون: وأصحابه كلهم على ما في الموطأ ولا اختلاف. وذكر ابن عبد السلام أنه المشهور، وذكر ابن حبيب فى الواضحة عن مالك أنه رجع عما في الموطأ، وأفتى بالتحريم إلى أن مات. وكذلك ذكر المازري فى كشف الغطاء، وزاد أنه قيل له أفلا تمحو الأول من كتابك؟ أي: مافى الموطأ، فقال: سارت به الركبان. واختار جماعة ما في الموطأ، أما أولاً: فلأن الأصل الإباحة، وأما ثانياً: فلأن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية في كلام الشارع.
ابن عبد السلام: ولا تكون المرأة من نساءه شرعاً إلا بالوطء المباح.
وَإِنْ كَانَ بِاشْتِبَاهٍ حَرُمَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني (وَإِنْ كَانَ) الوطء (بِاشْتِبَاهٍ) أي: غلطاً، كمن زطئ أجنبية يظنها زوجته أو أمته فإنها تحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه أمهاتها وبناتها.
أبو عمران: ولا أعلم خلافاً فى من وطئ بوجه شبهة أمها تحرم إلا ما روى يحيي عن سحنون فيمن مد يده إلى زوجته في الليل فوقعت على ابنتها غلطاً، أنها لا تحرم عليه زوجته. وقال ابن عبد السلام بعد أن نقل عن سحنون: إن وطئ شبهة لا يحرم، وهذا الخلاف إنما هو على القول بأن الزنا لا يحرم، وأما على أنه يحرم فلا إشكال أن وطئ الاشتباه يحرم.
стр. 1704
وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ حَاوَلَ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِزَوْجَتِهِ فَوَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى ابْنَتِهَا فَالْتَذَّ فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى التَّحْرِيمِ، واخْتَارَ الْمَازِرِيُّ خِلافَهُ وأَلَّفَ فِيهَا كَشْفَ الْغَطَا عَنْ لَمْسِ الْخَطَا .....
قوله (عَلَى ابْنَتِهَا) يريد سواء كانت ابنته أم لا، هكذا هو منصوص عليه، وقال بالتحريم ابن شعبان، والقابسي، وأبو عمران، وأبو بكر بن عبد الرحمن، والتونسي، واللخمي، وابن العطار، والسيوري، وعبد الحميد، وبه أخذ ابن التبان، ففارق زوجته حين نزلت به. وقال ينفى التحريم سحنون، وأبو سعيد ابن أخي هشام، وابن شبلون. واختاره ابن محرز وألف فيه تأليفاً، وكذلك المازري وألف فيها كشف الغطا عن لمس الخطا، واعتمد المازري فى تصنيفه على تصنيفه على تصنيف ابن محرز عن الشيخ أبي محمد القولان، واحتج المازري بأنه لا رافع للحل المستصحب فى الزوجة إلا آية تحريم المصاهرة، وهى لا تتناول البنت، إذ ليست من نسائه فى الحال كالزوجة، ولا تصلح أن تكون من نسائه فى المآل كالأجنبية، وكذلك اختار صاحب البيان، قال: هو الصحيح، واختلف فى مراد الأشياخ باجتناب الزوجة، وظاهر إطلاقاتهم وجوب الفراق والأجبار عليه. قال فى الجواهر: وهو مذهب جمهورهم. ورأى القابسي وأبو عمران أن ذلك على وجه الاستحباب، لا على الإجبار، وهو مذهب أبي الطيب عبد المنعم فإنه أمر بالفراق، وتوقف في الإجبار. وجمهور القائلين بالتحريم على أن المذهب فيه على قول واحد لا يختلف بإختلاف ماوقع من ذلك عن قصد اللمس أو لا.
المازري: وقال ضعفاؤهم: بل يتخرج على الروايتين فى انتشار الحرمة بالزنا.
عبد الحميد: وهو وهم فاسد ممن حكي عنه؛ لأنه لم يقصد هنا ممنوعاً وإنما قصد الالتزاز بزوجته أو لم يقصد ذلك وحصلت له اللذة.
стр. 1705
وقول المصنف (الْتَذَّ) احترز به مما لو لم يلتذ فإنها لا تحرم عليه، وهو الصحيح. وذهب بعض فقهاء صقلية إلى أنّ لمس الابنة ينشر الحرمة وإن لم يلتذ إذا كان أصل لمسه لقصد اللذة.
المارزى: وهو مذهب ضعيف لا يتخرج على أصل، ولا ينبنى على تحقيق. والمسألة قابلة لأكثر من هذا؛ ولذلك احتملت التآليف.
فَإِنْ وَطِئَ مُكْرَهاً فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ زَانٍ أَوْ مَعْذُورٌ كَالْغَالِطِ
تصوره واضح.
وَكُلُّ نِكَاحٍ اخْتُلِفَ فِيهِ اعْتُبِرَ عَقْدُهُ وَوَطْؤُهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِنَصٍّ أَوْ سُنَّةٍ فَفِى عَقْدِهِ قَوْلانِ ....
لما قدم الكلام على النكاح الصحيح أتبعه بالنكاح الفاسد، وهو على قسمين: مجمع على فساده، ومختلف فيه، وبدأ بالمختلف فيه، ومعنى كلامه أن كل نكاح اختلف العلماء فى صحته وفساده، والمذهب قائل بالفساد، فإنه يعتبر عقده فيما يعتبر فيه العقد، ووطؤه فيما يعتبر فيه الوطء، فتحرم بالعقد أمهاتها، وتحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه البنت بالدخول بالأم فيه. [٢٩٧/ ب]
وقوله (مَا لَمْ يَكُنْ بِنَصٍّ أَوْ سُنَّةٍ) يعنى أنه يعتبر العقد والوطء إلا أن يكون الفساد بنص كتاب أو نص سُنة، فحذف من الأول ما أثبت نظيره فى الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
(فَفِى عَقْدِهِ قَوْلانِ) يعني: ويعتبر وطؤه بالاتفاق. وقال فى المقدمات: والمشهور أن الحرمة تقع بكل نكاح لم يتفق على تحريمه. ونفى غيره الخلاف ورأى أن المذهب كله على التحريم، فإن قلت: فكيف يكون فيه نص كتاب أو نص سُنة ويُختلف فيه؟ قيل: النص
стр. 1706
فيه ثلاثة اصطلاحات: الأول: ما احتمل معنى قطعاً، ولا يحتمل غيره قطعاً. والثانى: ما احتمل معنى قطعاً وإن احتمل غيره. والثالث: ما احتمل معنى كيف كان. ولا يأتى الاختلاف على الاصطلاح الأول، فإن قلت: فما مثل ذلك؟ قيل: أما ما فيه نص سنة فكنكاح المحرم وإنكاح المرأة نفسها، وأما مافيه نص كتاب فكنكاح الخامسة، فإن قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ?] نص في عدم الزيادة. وقد أجاز بعض الظاهرية الزيادة.
وَمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيِه إِنْ دَرَأَ الْحَدَّ اعْتُبِرَ وَطْؤُهُ لا عَقْدُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمُعْتَدَّةٍ أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْرَأ لَمْ يُعْتَبَرْ عَقَدُهُ، وفِي وَطْئِهِ قَوْلانِ لأَنَّهُ زِنا ....
يعنى: وإن اجتمع على فساده فهو على قسمين: (إِنْ دَرَأَ الْحَدَّ اعْتُبِرَ وَطْؤُهُ) كما لو وطئ معتده أو ذات محرم أو رضاع غير عالم، وأما لو علم حد فى ذات المحرم أو الرضاع، وفى حد العالم فى نكاح المعتدة قولان سيأتيان. والمشهور عدم اعتبار عقده، ومقابل المشهور لعبد الملك. وذكر ابن الجلاب عنه فيما إذا تزوج أماً وابنتها فى عقد واحد، فقال عبد الملك: تحل له البنت ويحرم عليه نكاح الأم.
اللخمي: والعقد إن كان حراماً مجمعاً على تحريمه لم يحرم. هذا هو الصحيح من المذهب، ووقع فى بعض المسائل فى هذا الأصل اختلاف. ويختلف إذا كان مختلفاً فى فساده، والمشهور أن التحريم يقع به. وقوله (وَإِنْ لَمْ يَدْرَأ) إلخ، تصوره ظاهر.
وَإِذَا عَقَدَ عَلَى أُمَّ وابْنَتِهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُسِخَ أَبَداً
أي: قبل الدخول وبعده، ولا خلاف فيه، والفسخ بغير طلاق.
فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا حَرُمَتَا أَبَداً
يريد: غير عالم بالتحريم، وأما العلم به فإنه زان، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 1707
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ لَمْ تَحْرُمِ الْبِنْتُ
لأن العقد الصحيح على الأم لا يحرم البنت، فالفاسد أولى.
وَفِي الأُمِّ قَوْلانِ
فعلى المشهور تحل لأن العقد فاسد لا أثر له خلافاً لعبد الملك.
وَإِنْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الأُخْرَى دُونَهَا. وفِي الأُمِّ الْمَدْخُولِ بِهَا القَوْلانِ
أي: فإن دخل إما بالنت أو بالأم (حَرُمَتِ الأُخْرَى) أي: غير المدخول بها دونها؛ أي: دون المدخول بها، ولا خلاف فى هذا إن دخل بالبنت، وأما إن دخل بالأم فالمشهور أن الأم لا تحرم عليه. وعلى قول عبد الملك الأم تحرم أيضاً عليه للعقد الفاسد على ابنتها. و (ال) فى (القولين) للعهد، وقد تقدما.
فَإِنْ تَرَتَّبَتَا غَيْرَ عَالِمٍ فَوَاضِحٌ
(تَرَتَّبَتَا) أي: تزوج واحدة بعد واحدة فواضح؛ لأن البنت إذا كانت السابقة فعقدها صحيح، وعقد الأم فاسد ويفسخ قبل الدخول وبعده، ولا أثر له في تحريم البنت اتفاقاً. وإن كانت الأم السابقة فعقد البنت فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده، ولا تأثير له فى تحريم الأم على المشهور، وهذا والله أعلم هو الى قصد بقوله: (فَوَاضِحٌ). وأما إن دخل بهما أوبإحداهما فذلك على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن يدخل بهما فيفرق بينه وبينهما، ويكون لك واحدة منهما بالمسيس، ويكون عليهما الاستيراء بثلاث حيض، ولا تحل له واحدة أبدا، ولا يكون لواحدة منهما ميراث.
الوجه الثانى: أن يدخل بالأولى فالحكم أن يفرق بينه وبين الثانية، ولا تحل له، ويبقى وع الأولى إن كانت البنت باتفاق، وإن كانت الأم على المشهور.
стр. 1708
الوجه الثالث: أن يدخل بالثانية، فالحكم فيه أن يفرق بينه وبينها، ويكون لها صداقها، ويكون له أن يتزوجها بعد الاستبراء من الماء الفاسد إن كانت البنت، وإن كانت الأم لم تحل له واحدة منهما، ولا يكون لواحدة منهما ميراث.
الوجه الرابع: أن يدخل بواحدة منهما معروفة، ولم يعلم أهي الأولى أو الثانية، فالحكم فيه إن كانت الأم هي المدخول بها منهما أن يفرق بينه وبينها، ولا تحل له واحدة منهما أبدا، وإن كانت البنت البنت هي المدخول بها فرق بينهما، ثم يتزوج البنت إن شاء بعد استبرائها بثلاث حيض، ويكون للتى دخل بها صداقها بالمسيس، وإن مات الزوج فيكون على المدخول بها من العدة أقصى الأجلين، ويكون لها جميع صداقها.
ابن حبيب: ونصف الميراث. وقال ابن الموز: لا شيء لها من الميراث. قال فى المقدمات: وهو الصواب. وأما التي لم يدخل بها فلا عدة عليها ولا شيء لها من الصداق ولا من الميراث.
وَإِنْ لَمْ تَعْلَمِ السَّابِقَةُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ بَنَى بهِمَا فَلا مِيرَاثَ، ويَجِبُ كُلَّ الصَّدَاقِ
أما سقوط الميراث فلأن نكاحهما مفسوخ، وأما وجوب الصداق فللدخول.
وَإِنْ لَمْ يَبْنِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا، ولِكُلِّ نِصْفُ الصَّدَاقِ
وأما وجوب الميراث فلأن نكاح إحداهما صحيح، [٢٩٨/أ] وأما أن لكل واحدة نصف صداقها فلأنه قد وجب عليه صداق كامل بالموت وهو غير معلوم. وقوله (نِصْفُ الصَّدَاقِ) يعنى سواء اتفق الصداقان أم لا، هكذا صرح به فى المدونة. قال فى المقدمات: والقياس أن يكون عليه الأقل من الصداقين، يقسم بينهما على قدر مهريهما.
تنبيه:
لم يذكر المصنف ما إذا كان الزوج حياً. وقد ذكره فى المقدمات، فقال: وإن لم تعلم الأولى منهما. يريد: وقد تزوج واحدة بعد واحدة ولم يدخل بهما فرق بينهما، ويتزوج
стр. 1709
البنت أن شاء وتكون عنده على طلقتين، ويكون لكل واحدة منهما نصف صداقتها، وقيل: ربع صداقتها. والقياس أن يكون لكل واحدة منهما ربع أقل الصداقين، وذلك إذا لم تدع كل واحدة منهما أنها الأولى، ولا ادعت عليه معرفة ذلك، فإن ادعت عليه كل واحدة منهما أنه علم أنها هي الأولى، قيل له: احلف أنك ما تعلم أنها هي الأولى. فإن حلف على ذلك وحلفت كل واحدة منهما أنها هي الأولى كان لهما نصف الأكثر من الصداقين يقتسماه بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن نكلتا عن اليمين بعد حلفه كان لهما نصف الأقل من الصداقين فاقتسماه كالأول. وإن نكلت إحداهما وحلفت الأخرة بعد حلفه كان للحالفة نصف صداقها. وإن نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعاً كان لكل واحدة نصف صداقها. وإن حلفت إحداهما ونكلت الثانية بعد نكوله كان للحالفة نصف صداقها ولم يكن للناكلة شئ. وإن نكلتا جميعاً بعد نكوله لم يكن لهما إلا نصف الأقل من الصداقين يقسم بينهما على قدر صداق كل واحدة منهما. وإن أقر لإحداهما أنها هي الأولى حلف على ذلك وأعطاها نصف صداقها ولم يكن للثانيه شيء. ولو نكل هو عن اليمين وحلفتا جميعاً غرم لكل واحدة منهما نصف صداقها. وإن حلفت الواحدة ونكلت الأخرى بعد نكوله كان للتى حلفت نصف صداقها، ولم يكن للتى نكلت شيء لأن الحالفة قد استحقت نصف الصداق بيمينها. انتهى.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَعْلَمِ الْخَامِسَةُ
أي: فإن كان بنى بالجميع فلكل واحدة صداقها، ولهن الميراث؛ لأن نكاح أربع صحيح، وإن لم يبن بواحدة فلهن الميراث وعليه أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقتهن. وإن دخل بأربع فللمدخول بهن أربعة أصدقة ولغيرهن نصف صداقها؛ لأنها إن كانت رابعة استحقت الصداق كاملاً، وإن كانت خامسة فلا شئ لها، فيقسم الصداق بينهما وبين الورثة. وإن دخل بثلاث فلهن ثلاثة أصدقة وللأخرتين صداق ونصف، ثم كذلك.
стр. 1710
وَأَمَّا الْعَالِمُ فَفِيهَا: إِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ وَوَطِئَهَا يُحَدُّ إِلا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَوَطئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ ....
هذا قسم قوله اولا (فإن ترتبنا غير عالم)
وقوله (إِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ وَوَطِئَهَا) أي: بعد عقده على البنت. وقوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَوَطئِهَا بَعْدَ وَطْءِ الأُمِّ) قيد ذلك بأن يكون بعد وطء الأم؛ لأنه لو لم يطأها لم يجد لأجل وطئه البنت؛ لأنها ليست محرمة عليه على التأييد.
وَإِذَا جَمَعَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ جَازَ، وَأَيَّتَهُمَا وَطِئَ حَرُمَتِ الأُخْرَى
لأن وطء الملك كوطء النكاح، ومقدمات الوطء كالوطء.
فإن جَمَعَ إِحْدَاهُمَا بِالنِّكَاحِ وَالأُخْرَى بِالْمِلْكِ حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ نَاجِزاً، فَإِنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ، أَوْ كَانَتِ الصُّغْرَى حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ أَبَداً
قوله: (حَرُمَتِ الْمَمْلُوكَةُ نَاجِزاً) يعنى: واستمر على الزوجة أما كانت أو بنتاً، ثم إن دخل بالزوحة، أو كانت الزوجة البنت، وإن لم يدخل بها، وهو مراده بالصغرى، حرمت المملوكة على التأييد، وأما إن لم يدخل بالزوجة وهي الكبرى فله إذا أبانها أن يطأ البنت لأن العقد على الأم لا يحرم البنت.
وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ إِذَا وَطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَداً عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَضَاءِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ....
هذا راجع إلى ما تقدم فى الموانع من قوله: (وَالْمُعْتَدَّةُ). وقوله: (أَوْ شِبْهِهِ) يحتمل أن يريد به الاستبراء من الأنكحة الفاسدة التى تفسخ بعد البناء، ويحتمل أن يريد به استبراء أم الولد من وفاة سيدها، فإنه سوى فى المدونة بينهما وبين المهتده من نكاح. وقوله: (إِذَا وَطِئَتْ بِنِكَاحٍ أَوْ شِبْهِهِ) ظاهر.
стр. 1711
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) يعني أن المشهور تحريمها على التأبيد. وقيل: لا تحرم، وله أن يتزوجها بعد ذلك. والمشهور ومقابله لمالك.
ففي الجلاب: ومن نكح امرأة في عدتها من طلاق أو وفاة وهو يعلم بتحريمها، ودخل بها، فراويتان: إحداهما: أنه زان، وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها. والرواية الأخرى: أن الحد ساقط عنه، والمهر له لازم، والولد به لاحق، ويفرق بينه وبينها، ولا يتزوجها أبدًا. وعين صاحب الاستذكار وغيره المشهور كما قال المصنف. وأما إن وطئها جاهلاً فلا أعلم خلافاً في التحريم.
ابن حبيب: وإن تزوج في العدة ووطئ، أو قبَّل، أو باشر، [٢٩٨/ ب] أو غمز، أو نظر على وجه اللذة، فعليهما العقوبة، وعلى الولي والشاهد إن عُلم أنها في عدة، إلا إن جُهل. وقال ابن المواز: يحد الزوجان إن تعمدا ذلك.
الباجي: فيحمل قول ابن حبيب على من علم بالعدة وجهل التحريم ولم يتعمد ارتكاب المحظور، وعلى ذلك ضربه عمر بالمخفقة، وعلى قول ابن المواز على أنهما علما بالتحريم وتعمدا ارتكاب المحظور. وقوله (لِقَضَاءِ عُمَرَ) أي: بالتأبيد من غير مخالف. هكذا ذكر القاضي عبد الوهاب أنه لم يخالف عمر غيره، وأن عليًا وافقه. لكن ذكر في الاستذكار أنه روي عن علي خلاف ذلك من وجوه، وأنه يتزوجها بعد العدة، قال: روي عن ابن مسعود مثله. قال: وروى الثوري أن عمر رجع عما ذكر عنه المصنف. وما ذكره المصنف من القضاء هو في الموطأ.
وَفِي غَيرِ الْبَائِنِ قَوْلانِ
القول بأنها لا تحرم لابن القاسم؛ لأن الرجعية زوجة، وكان ذلك بمنزلة من وطئ زوجة الغير. قال في المدونة: وقال غير ابن القاسم: هو نكاح في عدة.
مالك: وللأول الرجعة قبل فسخ نكاح الثاني وبعده.
стр. 1712
فَإِنْ لَمْ تُوطَا أَوْ وُطِئَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَفِي التَّأبِيدِ قَوْلانِ
أي: فإن حصل العقد فقط، فهل تحرم بذلك على التأبيد؟ حكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتين، ولا شك في فسخ النكاح، وما إذا عقد في العدة ووطئ بعدها فذكر المصنف قولين، وهما في المدونة، ففيها: قال مالك وعبدالعزيز: ومن نكح في العدة وبنى بعدها فسخ نكاحه، وكان كالمصيب فيها. وقال المغيرة لا يحرم عليه نكاحها إلى بالوطء في العدة. وقال ابن القاسم: عن مالك: يفسخ هذا النكاح وما هو بالحرام البين. قال في الكافي: وقول مالك وعبدالعزيز هو تحصيل المذهب. ولا يخفى عليك توجيه هذه الأقوال.
فرع: فإن تزوج امرأته المبتوتة في عدتها، فقال ابن نافع: تحرم عليه كالنكاح في عدة الغير. وقلل ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك: لا تحرم؛ لأنه لم يكن ممنوعًا للعدة بل لكونها لم تتزوج غيره.
وَفِيهَا: فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِلأَبَدِ
يعني: في العدة؛ لأن مقدمات الوطء كالوطء. واختلف قول ابن القاسم في الموازية، فقال مرة: تحرم. وقال مرة: أحب إليَّ ألا ينكحها بغير قضاء. وقال: في الموطأ نفسه اختلاف، فكيف بما دونه.
محمد: وإن أرخيت الستور ثم تقررا أنه لم يمسها، لم تحل أبدًا. وفي البيان أن القبلة والمباشرة بعد العدة لا يقع التحريم بهما اتفاقًا.
خليل: وفيه نظر؛ لأنه قد تقدم أن عبدالوهاب حكى رواية بأنها تحرم بمجرد العقد، فكيف بالمباشرة والقبلة بعد العدة؟ قال: وقد حكى صاحب البيان هذا القول إلا أن يقال: لعل مراده بالاتفاق اتفاق من عدا هذا القول، والله أعلم.
стр. 1713
فَإِنْ كَانَ مِنْ زِنىً أَوْ مِلْكٍ فَقَوْلانِ
يعني: إذا نكح المستبرأة من زنا أو ملك فقولان. والقول بالتحريم في المستبرأة من زنا لمالك، وبه أخذ مطرف؛ لأن العلة وهي الاستعجال قبل الأوان واختلاط الأنساب حاصلة. والقول بعدم التحريم لابن القاسم وابن الماجشون، لأن الزاني لا يلحق به الولد فلم يكن وطء هذا يدخل اشتباهًا في الولد.
ابن القاسم: وسواء كانت حاملاً أو لا. ثم رجع فقال: أما في الحمل فتحرم عليه ولا تحرم على غيره. وروي ذلك عن مالك. وقال أصبغ: أكرهه في الحمل. والقياس أنه وغيره سواء، ولا أحب أن يتزوجها في ذلك كله.
قال في البيان: والقول الذي رجع إليه ابن القاسم لو عكس لكان أصوب؛ لأن فيه إذا وطاء غير الحامل اختلاط الأنساب، وأما من زنت زوجته فوطئها زوجها في ذلك الماء فلا شيء عليه.
ابن المواز: ولا ينبغي أن يطأها في ذلك الماء. وقال أشهب: الحامل من زوجها حملاً بينًا إذا وطئت غصبًا لم أر بأسًا أن يطأها زوجها فيه.
أصبغ: أكرهه، وليس بحرام، وأرى مالكًا كرهه.
ابن حبيب: وإن لم تكن بينة الحمل فلا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض. أما القولان فيمن وطاء المستبرأة من ملك اليمين فالمشهور وهو مذهب المدونة أنه إذا دخل نكاح على ملك أو ملك على نكاح فهو كالمصيب في العدة. وقاله سحنون، وروي أيضاً عنه أنه ليس كالتزويج في العدة فرده في الأول إلى نكاح على نكاح، وفي الثاني إلى ملك على ملك.
فَإِنْ وُطِئَتْ بِمِلْكٍ فَقَوْلانِ
المشهور التحريم كما ذكرنا.
стр. 1714
فَإِنْ وُطِئَتْ بِزِنىً أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ لَمْ يَتَأَبَّدْ
يعني: فإن زنا بالمعتدة أو وطاء المشتري المستبرأة من البائع (لَمْ يَتَأَبَّدْ) وهو ظاهر.
تنبيه:
الصور أربع: نكاح على نكاح، وملك على ملك، ونكاح على ملك، وملك على نكاح. والمصنف تكلم على الأربعة، فأشار إلى النكاح على النكاح بقوله أولاً: (والمعتدة من نكاح ... إلخ).
وأشار إلى الملك على الملك بقوله: (أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ)، وإلى النكاح على الملك بقوله: (وإن كان من زنى أو ملك فقولان)، وإلى عكسها بقوله: (فإن وطئت بالملك فقولان) والله أعلم.
وَتَصْرِيحُ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، والتَّعْرِيضُ [٢٩٩/أ] جَائِزٌ. قَالُوا: ومِثْلُ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، ولَكِ مُحِبٌّ، وَبِكِ مُعْجَبٌ: تَعْرِيضٌ ...
قوله: (الْمُعْتَدَّةِ) يشمل كل معتدة من وفاة أو طلاق، وحرم التصريح لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
فتضمنت الآية الكريمة إباحة التعريض، وما يضمره في النفس، والمنع من المواعدة بالنكاح. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿سِرًّا﴾. فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والشعبي والسدي وقتادة وسفيان: لا يأخذ ميثاقها وهي في عدتها ألا تتزوج غيره.
وقيل: السر ههنا الزنا.
اللخمي: وليس بحسن؛ لأن الزنا محرم في العدة وغيرها.
الماجشون. ورأى في الأول أن الركون لا يحصل من غير تقدير الصداق؛ لأن اختلافهما عند تقدير الصداق كثير.
стр. 1715
والتعريض: ضد التصريح، مأخوذ من عرض الشيء وهو جانبه، وهو أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلا أن إشعاره بالمقصود أتم، ويسمى تلويحًا، والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض ما ذكرناه، والكناية هي التعبير عن الشيء بلازنه كقوله في كريم: شخص طويل النجاد كثيرُ الرماد.
ابن عبد السلام: والمذهب جواز التعريض في كل معتدة سواء كانت من وفاة أو طلاق، وأجازه الشافعي في عدة الوفاة، ومنع منه في عدة المطلقة طلاقًا رجعيًا. واختلف قوله في عدة الطلاق الثلاث.
وتبرأ المصنف بقوله (قَالُوا) لإشكاله؛ لأن هذه الألفاظ قريبة من التصريح، وكهذه الألفاظ: إن النساء من شأني، وإنك علي لكريمة، وإذا حللت فأذني لي، وإن قدر الله خيراً يكن، وإن الله لسائق إليه خيراً، وإنك لنافعة. وأشد من ذلك ما أجازه مالك من الإهداء لها، ورآه من التعريض، قال: ولا أحب أن يفتى به إلا من تحجزه التقوى عما وراءه. ومنع ابن حبيب الإهداء إلا لذوي النهى.
المتيطي: والذي يكره وجهان: أحدهما: العدة. والثاني: المواعدة. فأما العدة فهي أن يعد أحدهما بالتزويج دون أن يوعده الآخر بذلك، وهي تكره ابتداءً باتفاق مخافة أن يبدو للواعد منهما فيكون قد أخلف العدة، فإن وقع وتزوجها بعد العدة مضى النكاح ولم يفسخ، ولا يقع به تحريم بإجماع.
وأما المواعدة فهي التي نهى الله تعالى عنها، وهي أن يعد كل واحد منهما صاحبه، وهي مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين. ثم ذكر ما ذكره المصنف.
فَإِنْ صَرَّحَ كُرِهَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ
لأجل ما ارتكبه من النهي. وعلى القول بفسخ هذا النكاح يكون تزويجها ممنوعًا، وسيأتي.
стр. 1716
ابن المواز: ومواعدة الأب في ابنته البكر والسيد في أمته كمواعدة المرأة، وأما الولي الذي لا يزوجها إلا بإذنها فيكره، وإن وقع لم يفسخ.
فَإِنْ تَزَوَّجَ فَالْمَشْهُورُ: يُسْتَحَبُّ لَهُ فِرَاقُهَا بِطَلاقِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنْهُ إِنْ دَخَلَ، ثُمَّ يَخْطُبُهَا إِنْ شَاءَ. ورَوَى أَشْهَب: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ...
أي: فإن تزوج من صرح لها بالخطبة في العدة، وتصوره ظاهر.
وقوله في رواية أشهب: (يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أي: وجوبًا، علم ذلك من مقابلته له بالمشهور، قال في الرواية: ولو دخل.
المتيطي: قال أشهب: ولا تحلُّ له أبدًا. وذكر ابن يونس وغيره أن قول ابن القاسم اختلف في هذه المسألة في غير المدونة، فقال مرة: يفسخ بقضاء. وقال مرة: بغير قضاء.
وَتَحْرُمُ خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ لِلْغَيْرِ، وإِنْ لَمْ يُقَدَّرِ الصَّدَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وذَلِكَ فِي الْمُتَقارِبَيْنِ، فَأَمَّا فَاسِقٌ وصَالِحٌ فَلا ...
لما في الموطأ وغيره أن النبي ﵊ قال: ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه)). واشترط الركون؛ لأن النبي ﷺ أباح خطبة فاطمة بنت قيس لأسامة وقد كان خطبها معاوية وأبو جهم، وأيضًا فلأنها لما ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية وأبا جهم خطباها، ولم ينكر ذلك ﵊، ومن العادة أنهما لا يخطبان دفعة دل ذلك على جواز الخطبة على الخطبة، وقد يقال: إن أسامة لم يخطب وإنما أرشدهما ﷺ لنكاحه، فإذا نكحها لم تنكح من خطبها على خطبة غيره، والركون: ظهور الرضا. والقول باشتراط تقدير الصداق لابن نافع، وهو ظاهر الموطأ، والمشهور قول ابن القاسم، وابن وهب، عبد الحكم، ومطرف، وابن الماجشون. ورأى في الأول أن الركون لا يحصل من غير تقدير الصداق؛ لأن اختلافهما عند تقدير الصداق كثير.
стр. 1717
فقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى قوله: (وإِنْ لَمْ يُقَدَّرِ الصَّدَاقُ). وقوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) إلخ، تصوره ظاهر. وقد تقدم أن للمرأة ومن قام لها فسخ نكاح الفاسق.
فرع: قال مالك في سماع ابن أبي أويس: أكره إذا بعث الرجل رجلاً يخطب له امرأة أن يخطبها الرسول لنفسه وأراها خيانة، ولم أر واحداً رخص في ذلك.
فإن عَقَدَ فَثَالِثُهَا: يُفْسَخُ قَبْلَهُ لا بَعْدَهُ
القول بالفسخ [٢٩٩/ ب] قبل البناء وبعده لابن القاسم، ومقابله لسحنون. والثالث: قال في الاستذكار والكافي: هو المشهور. والأقوال الثلاثة لمالك على عدم الفسخ. قال ابن وهب: يستحب للعاقد أن يتوب ويعرضها على الخاطب أولاً، فإن حلله رجوت له في ذلك مخرجًا، فإن أبي فليفارقها، فإن أنكحها الأول وإلا فلهذا أن يستأنف نكاحها وليس يقضى عليه بالفراق. عيسى: وإن لم يطلقها فليستغفر الله ولا شيء عليه.
وَالسَّبْيُ يَهْدِمُ النِّكَاحَ إِلا إِذَا سُبِيَتْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وهُوَ حَرْبيٌّ أَوْ مُسْتَامَنٌ فأسلمت فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لأَنَّهَا أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، وهِيَ ووَلَدُهَا ومَالُهُ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ فَيْءٌ، وقِيلَ: وَلَدُهُ الصِّغَارُ تَبَعٌ، وكَذَلِكَ مَالُهُ إِلا أَنْ يُقْسَمَ فَيَسْتَحِقّهُ بِالثَّمَنِ ....
قد تقدم هذا في الجهاد، وتقدم لنا فيه كلام على الولد والمال. والاستثناء في قوله: (إِلا إِذَا سُبِيَتْ) وأخرنا الكلام على فسخ النكاح إلى هنا، وفيه أربعة أقوال:
ابن راشد: والمشهور ما ذكره المصنف وهو أن السبي يهدم النكاح سواء سبيا معاً أو أو مفترقين، قدم أحدهما بأمان أم لا، ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد. انتهى. وفهم المدونة على هذا ابن لبابة وأبو إسحاق. والثاني: أن السبي يبيح فسخ نكاحهم إلا أن يقدم أحدهما بأمان، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والثالث: أنهم على نكاحهم إلا أن
стр. 1718
تسبى هي فيفوتها سيدها بوطء قبل أن يقدم زوجها. وهو قول محمد، وفهم أبو بكر بن عبد الرحمن المدونة على هذا.
الرابع: إن سبيا معاً أو سبي هو واستبقي من القتل فهو على نكاحهم، وإن سبيت هي قبل حلت لمالكها. وهو مروي عن مالك أيضاً. ودليل المشهور قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] وهن ذوات الأزواج ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وهن المسبيات. وقال جماعة من أهل التفسير: المحصنات هن جماعة من النساء لا يحللن إلا بالتزويج أو بملك اليمين.
والأول هو الظاهر لما في الصحيح أنه ﵊ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدواً فقاتلوهم وظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب النبي ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وَالْجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وكُلِّ محرمتين– محرِّمٌ، وضَابِطُهُ: كُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْقَرَابَةِ أَوِ الرِّضَاعِ مَا يَمْنَعُ نِكَاحَهُمَا لَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَكَرًا– وزِيدَ: مِنَ الْقَرَابَةِ؛ لأَجْلِ الْمَرأَةِ مَعَ أُمِّ زَوْجِهَا وَمَعَ ابْنَتِهِ– فَتَحْرُمُ أُخْتُهَا وعَمَّتُهَا وإِنْ عَلَتْ لأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وخَالَتُهَا كَذَلِكَ.
هذا راجع إلى قوله في المحرمات: (والمحرمة الجمع) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. وروى الترمذي وصححه أنه ﵊ نهى أن تنكح المرأة على عمتها، والعمة على بنت أخيها، والمرأة على خالتها، والخالة على بنت أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى.
والعلة في المنع كونه يؤدي إلى التقاطع والتدابر للغيرة التي بين الضرائر. وضبطه
стр. 1719
أصحابنا بما ذكره المصنف وهو (كُلُّ امْرَأَتَيْنِ ... إلخ) ولم يكتف بالضابط عن ذكر الأختين أولاً؛ لأن الأختين هما الأصل في هذا الباب، لأنهما متضمن الآية الكريمة، وشأن العلماء ذكر الأصول أولاً كقول ابن الجلاب: يستحب لمن استيقظ من نومه غسل يديه قبل أن يدخلهما في إنائه، وكذلك كل منتقض الطهارة.
وقوله (وزِيدَ: مِنَ الْقَرَابَةِ) يعني: وزيد في الضابط قولنا (مِنَ الْقَرَابَةِ)، لتخرج المرأة مع أم زوجها، لأنك لو قدرت أم الزوج ذكراً لم يجز له أن يتزوج المرأة لأنها حليلة ابنه لكن ليس بينهما قرابة، وكذلك المرأة مع بنت زوجها فأنك لو قدرت البنت ذكراً لم يجز له أن يتزوج المرأة لأنها حليلة أبيه لكن ليس بينهما قرابة. فزاد قوله (مِنَ الْقَرَابَةِ) ليخرج هاتين الصورتين، فإن الجمع فيهما جائز. وأخرج عبد الوهاب هاتين الصورتين بغير هذه الزيادة، فقال: لو قدرت كل واحدة ذكراً. لأنك إذا قدرت أن المرأة في المثال الثاني ذكراً جاز له أن يتزوج البنت لأنها ابنة رجل أجنبي.
وقوله: (فَتَحْرُمُ أُخْتُهَا وعَمَّتُهَا وإِنْ عَلَتْ لأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وخَالَتُهَا كَذَلِكَ) أتى بالفاء لأنها كالنتيجة عما قبله.
قوله (لأَبٍ أَوْ أُمٍّ) يحتمل معنيين: أحدهما: أن العمة قد تكون أخت لأبيه خاصة، أو أخته من أمه خاصة، فإذا حرم بأحدهما فأحرى إذا اجتمعا. والثاني: أن العمة كما تكون من جهة الأب كذلك تكون من جهة الأم؛ لأن أخت الجد للأم تسمى عمة عندهم، وأخ الجد لأم عم، هكذا قال ابن عبد السلام.
فَإِنْ اجْتَمَعَتَا فُسِخَا أَبَداً
أي: فإن جمع الأختين ونحوهما في عقد فسخ العقد قبل الدخول وبعده ولو ولدت الأولاد ولا خلاف فيه.
стр. 1720
وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ أَبَداً بِغَيْرِ طَلاقٍ، ويُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلا أَنْ تُخَالِفَهُ الْمَتْرُوكَةُ فَيَحْلِفُ لِلْمَهْرِ ويُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلاقٍ ...
لا إشكال في الفسخ بغير طلاق؛ لأنه مجمع على فساده، فإن جهل التاريخ، قال المصنف قبل قوله في تعيين الثانية إن وافقته الثانية على ذلك. هكذا قال أَشْهَب ومحمد.
اللخمي: والجاري على مذهب المدونة من عدم قبول تعيين المرأة، الأول في مسألة الوليين عدم قبول قوله هنا.
وقوله: (إِلا أَنْ تُخَالِفَهُ الْمَتْرُوكَةُ [٣٠٠/أ] فَيَحْلِفُ لِلْمَهْرِ ويُفْسَخُ حِينَئِذٍ بِطَلاقٍ) ونحوه لمحمد والباجي.
وقوله (لِلْمَهْرِ) أي، لأنه مدع لسقوط نصف صداقتها، وعندي أن فسخ نكاحها يكون طلاقًا.
اللخمي: وهذه المسألة على سبعة أوجه: إما أن يقول الزوج: لا علم عندي. وتدعي كل واحدة أنها الأولى، أو لا علم عند الجميع أيتهما الأولى، أو تدعي واحدة أنها الأولى وتقول الأخرى: لا علم عندي، أو يدعي الزوج العلم دونهما، أو تخالفه كل واحدة وتقول: أنا الأولى أو تخالفه إحدهما وتقول الأخرى: لا علم عندي، أو يكون العلم عند جميعهم، فإن قال الزوج: لا علم عندي وادعت كل واحدة منهما أنها الأولى فسخ النكاحان جميعًا.
مالك في الموازية: ولكل واحدة نصف صداقها، وعليه فيكمل لها الصداق في الموت. وقال ابن حبيب: إذا مات يكون لكل واحدة نصف صداقها والميراث، وعليه فيكون عليه في الحياة ربع الصداق فقط، وتحلف كل واحدة لصاحبتها أنها الأولى، فإن حلفت إحداهما ونكلت الأخرى الصداق لمن حلفت منهما، وهو أقيس. وإن ادعت إحداهما العلم،
следующие страницы →