Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
قوله: (يَوْمَ الْحُكْمِ) يعني أن وجوب القيمة يعتبر يوم الحكم. وهذا مذهب المدونة، وعليه فلو مات الولد قبل ذلك لم يجب فيه شيء؛ لأنه معدوم يوم الحكم، فلا قيمة له. وما ذكره من انفراد المغيرة باعتبار القيمة يوم الولادة ليس بظاهر؛ لأنه في البيان ذكر أن أشهب موافق له، وضعف ابن المواز قوله بأنه لو صح اعتبار القيمة يوم الولادة لما سقطت بموته بعد ذلك، وهو تضعيف ظاهر، لو وافق المغيرة على ذلك. والمنقول في البيان وغيره أن عند المغيرة وأشهب لا تسقط القيمة بموت الولد قبل الحكم، ونحوه للخمي.
ابن عبد السلام: وخرج بعضهم في المسألة قولاً ثالثاً أن القيمة تعتبر يوم القيام من أحد الأقوال في الأمة المستحقة، أنها تعتبر قيمتها يومئذ، وهو تخريج صحيح.
فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِ الأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا أَخَذَ مِنْ دِيَتِهِ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ فَعَلَيْهِ الأَقَلُّ مِنْهَا ومِنْ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ، فَإِنْ كَانَ جَنِيناً فَيَوْمُ الْوِلادَةِ. وَقَالَ أَشْهَب: لا شَيْءَ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي الْجَمِيعِ كَمَا لَوِ اقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ أَوْ هَرَبَ.
يعني: فإن قتل هذا الولد، فإن اقتص الأب من القاتل أو هرب لم يكن على الأب من قيمته شيء؛ لأنه قتل قبل الحكم، وإن أخذ فيه دية فالدية أو ما أخذ منها يتنزل منزلة عينه، فيكون على الأب للسيد الأقل من قيمته، أو ما أخذ من ديته؛ لأنه إن كانت القيمة أقل فليس للسيد غيرها، كما لو كان حياً، وإن كانت الدية أو ما أخذ منها أقل لم يكن على الأب ما أخذ.
فرع:
ولو استهلك الأب الدية ثم أعدم لم يكن للسيد رجوع على القاتل بشيء؛ لأنه إنما دفعها بحكم، قاله أصبغ وغيره.
стр. 1822
وقوله: (وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ ... إلخ) أي: ولو ضرب رجل بطنها فألقت جنيناً فوجبت فيه الغرة، فأخذها الأب تنزلت الغرة منزلة الدية، وعشر قيمة الأم تنزله منزلة القيمة، فيلزم الأقل منها. قال في المدونة: والقيمة يوم ضربت.
ابن وضاح: كان في المختلطة عشر قيمة أمه يوم استحقت، ولم يعجب سحنوناً، وأمرنا أن نكتب يوم ضربت؛ يعني أن القيمة إنما تجب فيه إذا قتل يوم القتل، فكذلك تقويم الأم؛ لأن به تعرف قيمته.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ جَنِيناً فَيَوْمُ الْوِلادَةِ) أي: فلو وقع التنازع وهي حامل، فعلى الوالد قيمة أول زمان يمكن التقويم فيه، وهو يوم الوضع، ولو قال: فلو كان حملاً فيوم الولادة، كان أبين.
وقوله: (فِي الْجَمِيعِ) في قول أشهب؛ أي في المسائل الثلاثة؛ أعني مسألة الجنين، ومسألة وجوب الغرة، ومسألة قتل الولد. ولم ير أشهب أن الدية تتنزل منزلة عين الولد، فكان ذلك كما لو اقتص الأب من القاتل أو هرب.
أشهب: وكما لو مات الابن وترك مالاً كثيراً لكان ذلك لأبيه خاصة.
ابن عبد السلام: وهذا الذي قاله أشهب هنا إنما يتمشى على أن يكون أشهب موافقاً للجماعة في أن القيمة تلزم يوم الحكم لا يوم الولادة، وأما على ما حكيناه عن بعضهم من أن أشهب موافق للمغيرة، وأن المغيرة لم ينفرد بذلك فالمناقضة فيه ظاهرة، إلا أن يكون ذهب المغيرة أن القيمة تسقط عن الأب بموت الولد، فقد تسقط المعارضة، لكن يخلفها إشكال آخر، وهو ما رد به ابن المواد قول المغيرة فيما تقدم.
وَإِن كَانَ الأَبُ عَدِيماً فَفِي أَخْذِهَا مِنَ الْوَلَدِ قَوْلانِ
أخذها من الولد لابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: لا يرجع عليه.
стр. 1823
عياض: ويتخرج من قوله أنه يرجع على الولد أن الولد يقوم بغير ماله. كما ذهب إليه غير واحد؛ إذ لا يمكن أن يكون في أموالهم قيمتهم بأموالهم. وقال آخرون: إن تقويمهم بأموالهم. وحكوها رواية ولم يوقف عليها، ولا إشكال أنهما إذا كانا موسرين أن القيمة تؤخذ من الأب ولا يرجع بها الأب على الولد، وإن كانا عديمين أتبع أولهما يسراً.
فَلَوْ كَانَتِ الأَمَةُ لِجَدِّهِ مَثَلاً فَلا قِيمَةَ؛ لأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ عُتِقَ، وَلا وَلاءَ لأَنَّهُ حُرُّ
فإن كانت الأمة الغارة لم يعتق عليه [٣١٧/ ب] ولد المغرور، كما لو كانت لجده؛ أي: لجد الولد، فلا قيمة للجد في الولد؛ لأن الجد لو ملك هذا الولد عتق عليه، ولا ولاء للجد على الولد؛ لأنه حر بالأصالة لا بإعتاقه.
ابن يونس: وقال ابن المواز: يكون ولاؤهم لأبيهم. وقال المصنف (مَثَلاً) لأن هذا الحكم لا يختص بالجد، بل يعم كل من يعتق على المالك، كما لو غرت أمة الابن والده؛ لأن ولد الأمة يكون أخاً للمستحق. فإن قلت: ما فائدة ذكر الولاء هنا والجد يرث بالنسب؟ قيل: لأنه لو قيل به لظهرت فائدته في الجد للأم؛ إذ لا يرث بالنسب، أما لو زوج الأب أمته لابنه لكان ولاء الأولاد الكائنين من الأمة لجدهم؛ لأنهم عليه عتقاء، ألا ترى أنه لو كان الزوج أجنبياً لكانوا أرقاء، بخلاف مسألة المصنف. نص عليه صاحب النكت وابن يونس. وقال ابن محرز في تبصرته: لا فرق بين المسألتين سواء زوج الأب أمته من ابنه أو غرته ولا ولاء للجد.
وَتُوقَفُ قِيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإِنْ زَادَتْ وَإلا رَجَعَتْ إِلَى الأَبِ
يعني: إذا غرت مكاتبة بالحرية، وعثر على ذلك بعد أن ولدت، فإن الولد يقوم. ابن المواز: على أنه عبد.
стр. 1824
ابن القاسم: فتوضع تلك القيمة على يد رجل، فإن أدت كتابتها رجعت تلك القيمة إلى الأب؛ لأنه قد انكشف الأمر أنها كانت حين التزويج حرة، وإن عجزت أخذها السيد وهذا مذهب المدونة، وه والمشهور.
اللخمي: ولا معنى لوقف القيمة، بل تدخل القيمة في الكتابة ويتعجلها السيد، فإن وفت عتقت وولدها، وإلا حبست من آخر الكتابة. يريد: وليس على الأب إلا الأقل من قيمة الولد وبقيت الكتابة. وهكذا نقل ابن يونس عن محمد، ووجهه ظاهر؛ لأن المكاتبة أمة والحرية مشكوللا ك فيها، فيلغي المشكوك. واختار اللخمي التفرقة، وإن كان الزوج مأموناً ولا تخاف غيبته أو أتى بحميل، ألا يخرج المال من ذمته لئلا يضيع فيذهب مجاناً تركت تحت يده، وإلا وقفت.
وَيُقَوَّمُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى غَرَرِهِ لِعِتْقِهِ بِمَوْتِ سَيِّدِ أُمِّهِ، وكذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ سَقَطَ ..
يعني: أن أم الولد إذا غرت بالحرية، ولم يعثر على ذلك إلا بعد أن ولدت، فإن الولد يقوم على غرره لو جاز بيعه؛ لاحتمال موته قبل سيد أمه، فيموت رقيقاً واحتمال موت سيد أمه قبله فيكون حراً، هذا هو المشهور. وقال ابن الماجشون: يغرم قيمته عبداً أي لأن السيد يستخدمه كما يستخدم العبيد، وحريته مشكوك فيها. وعلى القولين فالقيمة يوم الحكم خلافاً للمغيرة. ولمالك في ثمانية أبي زيد: إن كان صغيراً لا خدمة فيه فلا شيء على الأب، فإن أطاق الخدمة غرم أجرته كل يوم، وإن مات قبل أن يبلغ ذلك فلا شيء عليه، وإن استحق بعد أن صار رجلاً كان عليه الأجرة من يوم استحق.
مطرف: وإن مرض لم يكن عليه شيء حتى يصح. فإذا فرعنا على مذهب المدونة فقتل هذا الولد قبل الحكم فيه، فهل تجب قيمته لسيد أمه على أنه رقيق؛ لأن الترقب قد فقد؟
стр. 1825
عياض: وإليه ذهب معظم الشيوخ أو قيمته على ما فيه من الرجاء والخوف؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد في المختصر. واستشكله أبو عمران وصوبه غيره، وأما لو جرح فتردد بعض القرويين، هل تكون عليه القيمة على الترقب، ثم جزم بوجوبها على الترقب لبقاء النفس التي تترقب فيها بقاء الحرية.
قوله: (وكذَلِكَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ سَقَطَ) أي: ولأجل اعتبار الترقب في قيمة الولد لو مات السيد قبل القضاء أسقط التقويم. اللخمي: وتتفق الأقوال إذا مات السيد إلا قول المغيرة أن القيمة يوم الولد، فلا تسقط بموت السيد ولا بموت الولد.
وَيُقَوَّمُ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ عَلَى غَرَرِهِ لِجَوَازِ عِتْقِهِ
أي: إذا غرت. وقوله: (عَلَى غَرَرِهِ) أي: لجواز عتقه بموت السيد إذا حمله الثلث، ولا دين على السيد، ولجواز ألا يحمل الثلث الجميع، ولجواز رقه إذا كان على السيد دين أو يموت قبل ذلك، فالرق فيه أشد منه في ولد أم الولد، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة والمشهور، وقال ابن المواز: بل يغرم الأب قيمته رقيقاً.
اللخمي: وهو مثل قول عبد الملك في ولد أم الولد، وذكر المازري في باب الاستحقاق أن المشهور الذي عليه الأكثر من أصحاب مالك خلاف قول ابن القاسم في المدونة وأنه يقوم رقيقاً، ألا ترى أنه لو اشترى المدبر رجلاً فعتقه لكان العتق فوتاً ولا يرجع على البائع بشيء من الثمن على إحدى الروايتين.
عبد الحميد: فإن قتل ولد المدبرة جرى فيه من الخلاف ما جرى في ولد أم الولد.
وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الْغُرُورَ، وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ فَفِي تَعْيينِ الْمَقْبُولِ قَوْلانِ
قال أشهب: القول قول الزوج؛ لأنه ادعى الغالب. ونحوه حكى ابن يونس عن ابن القاسم إذا قال الزوج: ظننت أنها حرة. وقال سحنون: بل القول قول السيد؛ لأن الزوج مدع لحرية ولده.
стр. 1826
الْعِتْقُ: وَإِذَا عُتِقَ جَمِيعُهَا تَحْتَ الْعَبْدِ حِيلَ بَيْنَهُمَا وخُيِّرَتْ بِخِلافِ الْحُرِّ
هذا راجع إلى قوله: (وللزوجة خاصة الخيار بالعتق).
وقوله: (جَمِيعُهَا) يريد إما في دفعة أو أكثر، فقد نص في الموازية والعتبية فيما إذا تزوجت وهي معتق بعضها، وأكمل عتقها بعد [٣١٨/ أ] ذلك على أن لها الخيار، ومراده بـ (الْعِتْقُ) العتق الناجز، ولأنه لا يجب لها الخيار بالكتابة والتدبير والعتق المؤجل والاستيلاد، هكذا نصوا، ولا يستبعد الاستيلاد؛ لأنه نص في المدونة في غير موضع على أن السيد إذا وطئ أمته المتزوجة، وكان الزوج معزولاً عنها أنها تكون له أم ولد.
قوله: (حِيلَ بَيْنَهُمَا وخُيِّرَتْ) نحوه في المدونة في غير ما وضع، ودليله ما في الصحيحين في حديث بريرة أنها عتقت فخيرها النبي ﷺ ، وروى البخاري وغيره أن زوجها كان عبداً، وورد أنه كان حراً، ولكن ضعفه البخاري وغيره، ولهذا لم يقل مالك ﵀: لها الخيار إذا كان زوجها حراً. وعلى هذا فيكون الموجب لخيارها نقص العبد عنها بالرق، لا ما قاله الحنفية من أن موجبه جبر الخلل الواقع في النكاح بإجبار السيد أمته على النكاح، حتى أوجبوا لها الخيار تحت الحر أيضاً. ويحقق عندك عدم مراعاة أصحابنا ما قالوه من أن العلة في الخيار الجبر ما في الموازية إذا طلبت الأمة أن تتزوج هذا العبد ثم عتقت أن لها الخيار.
وَفِيهَا: لَوْ وَقَفَتْ سَنَةً وَلَمْ تُمَكِّنْهُ، وَقَالَتْ لَمْ أَسْكُتْ رِضًي صُدِّقَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَالتِّمْلِيكِ ...
لأنها تقول: سكت لأرى رأياً، ولو اخترته لمكنته من نفسي.
ابن عبد السلام: ولم يذكر في المدونة من أوقفها هذه المرة، فإن من المعلوم أن الحاكم لا يوقفها هذا القدر، ولعله السبب المقتضي لنسبة المصنف لها.
стр. 1827
ابن عبد السلام: وحكى بعضهم قولاً بسقوط الخيار لطول المدة، وإن أوقفها الزوج بحضرة العتق. وقال: إما أن تختاري المقام أو الطلاق. فقالت له: أنظر وأستشير. فالقولقولها، واستحسن أن تؤخر ثلاثة أيام.
وقوله: (بِغَيْرِ يَمِينٍ) هو مذهب المدونة، وفي العتبية: تحلف، وهو على الخلاف في أيمان التهم.
فَلَوْ عُتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ سَقَطَ كَمَا لَوْ عُتِقَا مَعاً
أي: إنما سقط خيارها؛ لأن الموجب لخيارها رقه، فإذا زالت العلة زال المعلول، ولا إشكال فيما إذا أعتقا معاً، وأما إذا أعتق بعدها قبل أن تختار، فمن الشيوخ من جرد المسألة من الخلاف نصاً وتخريجاً، ومنهم من أثبته تخريجاً فقط، وهو ابن زرب؛ لأن عارضها بمسألة الحيض الآتية، وهي أنها إذا أخرت للحيض فعتق الزوج، فقال ابن القاسم: هي على خيارها.
وخرج من كل واحدة رواية في الأخرى، وفرق بينهما بأنها في الحيض ممنوعة شرعاً، فعذرت إذ لا تفريط منها، بخلاف هذه ومنهم من أثبته نصاً، وذكره عن ابن زياد، ونقله ابن عبد البر عن ابن القاسم.
فَلَوْ أَبَانَهَا سَقَطَ، بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ
أي: فلو أبانها قبل أن تختار سقط الخيار لاستحالة وقوع الطلاق منها وهي بائنة، بخلاف الرجعي فإنها زوجة.
اللخمي: ولو قيل إنها تمنع من الطلاق إذا قال الزوج: أنا لا أرتجع، لرأيته حسناً.
فَإِنْ اخْتَارَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلا صَدَاقَ، ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ
لأنه فراق قبل الدخول من جهتها.
стр. 1828
وقوله: (فَلا صَدَاقَ) يعني: لا يكون لها نصف؛ لأنه قد علم أن المرأة لا تستحق قبل البناء إلا النصف، وقوله: (ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ) يعني: إن قبضه.
فَإِنْ كَانَ عَدِيماً فَقِيلَ: يَسْقُطُ خِيَارُهَا لأَنَّ ثُبُوتَهُ يُسْقِطُهُ، وقِيلَ: يَثْبُتُ وَتُبَاعُ فِيهِ لِمَا أَوْجَبَهُ الْحُكْمُ. وقِيلَ: يَثْبُتُ وَلا تُبَاعُ لأَنَّهُ طَارِئُ بِالاخْتِيَارِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
هذا مفرع على قوله: (ويَرُدُّهُ السَّيِّدُ) وقوله: (فَقِيلَ: يَسْقُطُ خِيَارُهَا ... إلخ.) أي: لأنه صار ديناً على السيد وهو عديم، فيرد عتقه لتقدم الدين عليه، فكان ثبوت خيارها يفضي إلى بطلان عتقها، وإذا بطل عتقها بقيت زوجة.
وهذا القول هو المختار الذي به الحكم، قاله المتيطي وغيره، وعمل بذلك وثيقة. وتصور القول الثاني من كلامه ظاهر، ورأى في الثالث أن الزوج إنما وجب له الرجوع بالصداق بعد العتق، فصار كدين طرأ بعد العتق فلا يرد له العتق، فالضمير في قوله: (لأَنَّهُ طَارِئُ) عائد على الدين المفهوم من السياق، وهو أقيس.
ابن عبد السلام: وهو أشبه بأصل ابن القاسم في المدونة، لما في العتق الأول منها: إذا باع عبدك سلعة بأمرك ثم أعتقته ثم استحقت السلعة ولا مال لك، فليس للمبتاع رد العتق؛ لأنه دين لحق السيد بعد إنفاذه.
لكن تأول محمد هذه المسألة على أن الثمن كان بيد السيد حتى أعتق، قال: وأما إن تلف أو أنفقه قبل العتق فليرد العتق؛ لأن السلعة لم تكن له ملكاً.
فَإِنْ اخْتَارَتْ بَعْدَ الْبِنَاءِ فالْمُسَمَّى ويَكُونُ كَمَالِهَا إِلا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَبَضَهُ أَوِ اشْتَرَطَهُ ..
لا إشكال في وجوب المسمى بعد الدخول، ويكون كمالها فيتبعها؛ لأن العبد إذا عتق تبعه ماله، إلا أن يشترط السيد. وجعل المصنف قبض السيد كاشتراطه، ونحوه في المتيطية والجواهر.
стр. 1829
وينبغي أن يقيد بما إذا قبضها على سبيل الانتزاع، وهو الذي يدل عليه لفظ المدونة، فإنه قال: إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق أو اشترطه فيكون له.
وإِنْ رَضِيَتْ وَهِيَ مُفَوَّضَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَفُرِضَ لَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلا سَبِيلَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ
لأنه قبل الفرض لم يتقرر لها شيء، بدليل أن المفوض لو طلقت قبل البناء لم يكن لها شيء، فصار كمال وهب له بعد العتق.
ابن بشير: وإذا استثنى صداقها قبل البناء، وكان تفويضاً في الروايات لا يصح [٣١٨/ ب] استثناؤه؛ لأنه لم يجب لها بعد، وقال بعض الأشياخ: يجري على القولين فيمن قال لعبده: أنت حر وعليك ألف. هل يكون حراً ولا شيء عليه، أو يتبع بما جعل عليه؟ وأنكر ابن محرز هذا، ورأى أنه لا يختلف في أن الاستثناء لا يصح؛ لأنه اشترط لنفسه ما لا تملكه المرأة هنا.
وَاخْتِيَارُهَا طَلْقَةُ بَائِنَةُ كَالْعَيْبِ، ورُوِيَ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ إِنْ عُتِقَ فِي الْعِدَّةِ
يعني: أن اختيار طلقة بائنة، سواء بينت الواحدة أو لم تبين، بل قالت: اخترت نفسي فقط. وهكذا قال في المدونة. والرواية بأن له الرجعة إذا عتق في مختصر ما ليس في المختصر، وقاسه فيه على طلاق المولي والمعسر بالنفقة، والقول الأول هو المشهور.
فَإِنْ قَضَتْ بِاثْنَتَيْنِ طَلاقَ الْعَبْدِ فَفِي لُزُومِهِ رِوَايَتَانِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ
نحوه في المدونة، ففيها: وللأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات، على حديث بريرة، وكان مالك يقول مدة: ليس لها أن تختار إلا واحدة بائنة. وهو قول أكثر الرواة. ابن يونس: ووجه الأول أنها ملكت ما كان ملكه من الفراق، فلها أن تفارق بما شاءت كهو، ووجه الثاني أن الواحدة تبينها، فالزيادة على ذلك ضرر. انتهى.
стр. 1830
فقوله كهو إشارة إلى أنها إنما تؤمر ابتداء على القولين بواحدة، ألا ترى أن الرجل يؤمر ألا يطلق إلا واحدة. وعلى هذا فالخلاف إنما هو في لزوم الزائد على الواحدة بعد الوقوع، كما ذكر المصنف.
وحكي عن مالك وابن القاسم في المدونة أن للمعتقة تحت العبد أن تطلق نفسها ثلاثاً، فمن الشيوخ من نسب قائله إلى الوهم؛ لأن الطلاق إنما يعتبر بالرجال، ومنهم من صححه، ووجهه بأن الزوجة لما انتقل إليها الطلاق وهي حرة اعتبرت.
وَتُؤْمَرُ بِالتَّاخِيرِ فِي الْحَيْضِ
لأن اختيارها طلاق، والطلاق في الحيض منهي عنه.
فَإِنْ أَخَّرَتْ فَعُتِقَ الزَّوْجُ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ عَلَى خِيَارِهَا. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: الصَّوَابُ أَلا خِيَارَ لَهَا ..
قد تقدم أن ابن زرب عارض بين هذه المسالة وبين ما إذا أعتق بعد عتقها، وما يتعلق بذلك. وما صوبه اللخمي ظاهر لزوال سبب الخيار وهو لحاق العار بسبب حريتها ورق زوجها.
فرع:
فإن اختارت في الحيض فلا تجبر على الرجعة على المشهور؛ لأن الطلاق بائن.
ابن رشد: وعلى أنه طلاق رجعي إن أعتق زوجها قبل انقضاء العدة تخير. وتردد اللخمي في هذا؛ لأن الطلاق ليس بيد الزوج، وإنما هو حق عليه، فتشكل صحة رجعته أو جبره عليها.
وَيَسْقُطُ خِيَارُهَا بِقَوْلِهَا وبِتَمْكِينِهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ.
قوله: (بِقَوْلِهَا) بأن تصرح بالمقام مع الزوج أو بتمكينها؛ أي: تمكن من نفسها من الاستمتاع.
стр. 1831
وقوله: (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أي: تستمتع بالزوج. وهذا أقوى في الوكالة من التمكين؛ لأن هذا فعل وهذا ترك.
وقوله: (إِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ) يعني أن السقوط مشروط بأن تعلم بأنها عتقت وان لها الخيار، وهو معنى قوله: (الْحُكْمِ).
وَالْجَاهِلَةُ بِالْعِتْقِ تُخَيَّرُ اتِّفَاقاً
لأنها معذورة. ابن عبد السلام: وينبغي أن يعاقب الزوج إذا علم بالعتق والحكم، كما قالوا: إذا وطئ المملكة والمخيرة وذات الشرط.
وَالْجَاهِلَةُ بِالْحُكْمِ: الْمَشْهُورِ سُقُوطُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إِنَّمَا أَسْقَطَهُ مَالِكُ بِالْمَدِينَةِ حَيْثُ اشْتَهَرَ وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَمَةٍ، وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ جَهْلُهَا فَلا
الأقرب أن قول ابن القصار تقييد، وأيضاً فإن ما نسب المصنف لابن القصار وقع نصاً لمالك في المختصر والمدونة، وإذا كنا نقيد قول الإمام بقول غيره، فتقييده بقول نفسه أولى، لكن قول المصنف وابن شاس وصاحب الذخيرة: المشهور سقوط الخيار يقتضي أن قول ابن القصار خلاف.
فرع:
قال في الجواهر: وإذا اختلفا في المسيس فإن أنكرت الخلوة فالقول قولها مع يمينها، وإن اعترفت بالخلوة فالقول قوله مع يمينه، وإن تصادقا على المسيس وادعى الطوع وادعت الإكراه فالقول قوله مع يمينه، وإن تصادقا على المسيس والطوع واختلفا هل علمت بالعتق فالقو قولها. محمد: بغير يمين.
وَإِذَا عُتِقَتْ واخْتَارَتْ وتَزَوَّجَتْ وَقَدِمَ وَثَبَتَ أَنَّهُ عُتِقَ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا فَكَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ
قد تقدمت هذه المسألة مع نظائرها في مسألة الوليين.
стр. 1832
وَإِذَا عُتِقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَمْ تَعْلَمْ حَتَّى بَنَى بِهَا فَلَهَا الأَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى أَو صَدَاقُ حُرَّةِ مِثْلِهَا ..
لأنه إن كان المسمى أكثر فقد رضي الزوج به على تقدير أن يكون أمة، ولا يقال إن الزوج إنما رضي به على تقدير أمة، ولا يقال إن الزوج إنما رضي به دوام العصمة؛ لأن الصداق إنما يقابل الوطأة الأولى، وإن كان صداق مثلها أكثر وجب دفعه لها؛ لأنه قيمة بعضها.
وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي الزَّوْجِيَّةِ فَلا يَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ
يعني: إذا ادعى رجل نكاح امرأة، فأنكرته أو بالعكس، فلا يمين على المنكر. قال المصنف: (إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ) اي لانتفاء ثمرة اليمين وهي انقلابها على المدعي فيقضي له بيمينه مع نكول المدعي عليه، وهو مراده بقوله: (إِذْ لا يُقْضَى بِنُكُولِهِ) وليس مراده أنه يقضي على المدعى عليه بنكوله دون يمين المدعي؛ لأن النكول لا يقضي به في المال، فما بالك بغيره.
ابن عبد السلام: [٣١٩/ أ] قال جماعة: وهذا إنما هو في غير الطارئين، وأما الطارئان فتتوجه اليمين على المنكر؛ لأنهما لو تصادقا على النكاح لنفذ قولهما. وفيه نظر؛ لأن مراد أصحابنا من تصديق الطارئين على النكاح إنما هو إذا قدما مصطحبين اصطحاب الزوجين؛ لأنا لو كلفناهما البينة على النكاح لشق ذلك عليهما، ولأنا لو منعناه منها بأن منعناها أيضاً هي من غيره، كان ذلك من أشد الحرج، وإن لم نمنعها كان ذلك أقوى ريبة؛ لأن فيه ترك الظاهر الراجح واستعمال المرجوح.
واختلف في غير الطارئين إذا أقر الزوج والولي بالنكاح وأنكرت المرأة هل يحلف أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يفصل في الثالث بين أن يكون ثم منع وعلامة أم لا؟
стр. 1833
فروع:
الأول: إن أتى المدعي منهما ببينة بسماع فاش من العدول وغيرهم بصحة النكاح واشتهاره بالرق، فقال المتيطي: المشهور المعمول به أنه يثبت النكاح. وقال أبو عمر: إنما تجوز شهادة السماع حيث يتفق الزوجان على الزوجية.
الثاني: قال أبو عمران: الذي يدعي نكاح امرأة ولا بينة له لا يمكن من نكاح خامسة، إلا أن يطلقها؛ لأنه زعم أنها في عصمته وقد ظلمته في إنكارها النكاح.
ابن راشد: ويلزم على قوله ألا تمكن المرأة من النكاح إذا ادعته وأنكرها؛ لأنها معترفة أنها ذات زوج.
الثالث: إذا دعى رجل نكاح ذات زوج، وقال: تزوجتها قبل ذلك. لم يسمع قوله، فإن أتى بشاهد واحد أمر الزوج باعتزالها حتى يأتي بشاهد آخر إن ادعى أمداً قريباً، فإن لم يأت بشاهد لم يلزم واحد من الزوجين يمين.
فَإِنْ أَتَى بِشَاهِدٍ فَقَوْلانِ، وَلا يُقْضَى بِنُكُولِهِ، لَكِنْ إِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ غَرِمَ الصَّدَاقَ
أي: فإن (أَتَى) المدعي للنكاح (بِشَاهِدٍ فَقَوْلانِ) أحدهما: أن اليمين لا تتوجه، وهو قول مالك في المدونة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، لانتفاء ثمرتها كما تقدم.
المتيطي: وهو قول مالك وجميع أصحابه.
والقول الثاني لابن القاسم في الموازية: يحلف المنكر ثم إن نكلت المرأة لم يثبت النكاح ولا تحبس، وإن نكل الزوج غرم الصداق. واستشكل هذا القول لأنه إذا وجب اليمين لأجل المال فينبغي أن تحلف مع شاهدها أولاً.
والضمير في (نُكُولِهِ) يعود على المدعي عليه منهما، ومعنى قوله: (وَلا يُقْضَى) أي: بالنكاح.
стр. 1834
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنِ ادَّعَى الزَّوْجِيَّةَ: لا تُؤْمَرُ الْمَرْأَةُ بِانْتِظَارِهِ إِلا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً قَرِيبَةً، فَإِنْ أَعْجَزَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَهُ نَكَحَتْ أَوْ لا، وَمَضَى الْحُكْمُ
يعني: إذا ادعى رجل نكاح امرأة فلا يلتفت إلى دعواه ولا تؤمر المرأة بانتظاره، وكذلك إذا ادعى بينة بعيدة، وإن كانت قريبة لا يضر بالمرأة انتظارها. ورأى الإمام لذلك وجهاً، أمرت بالانتظار.
قوله: (فَإِنْ أَعْجَزَهُ) ثم جاء ببينة فقد مضى الحكم، نكحت أو لم تنكح، وهكذا روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وأسقط المصنف من الرواية كون القريبة لا يضر بالمرأة انتظارها، وكون الإمام يرى لذلك وجهاً، كأنه رأى أن القريبة لا تضر بالمرأة.
قال في البيان: وقوله: إنه لا تقبل منه بينة إن أتى بها بعد التعجيز خلاف ما في سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبان وخلاف ظاهر المدونة إذا لم يفرق بين تعجيز الطالب والمطلوب.
وقال ابن القاضي: يقبل منه ما أتى به بعد التعجيز، كان طالباً أو مطلوباً، وفرق ابن الماجشون في الطالب بين أن يعجز في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجز بعد أن وجب على المطلوب عمل، ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان وفي تعجيز الطالب أقوال، قيل: وهذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام. وقيل: بل ذل كفيه وفي من بعده من الحكم، وهذا الاختلاف إنما هو إذا عجزه بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا عجزه بعد التلوم والإعذار السلطان وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله: قبل نفوذ الحكم عليه، فلا يسمع منه بعد نفوذه عليه. انتهى.
فرع:
ثم حيث أمرت بالانتظار فطلبها الزوج بحميل بوجهها ليقيم البينة على عينهأ، ففي وثائق ابن الهندي وابن العطار وغيرهما: يلزمها ذلك، وفي أحكام ابن العطار لابن لبابة وغيره من الشيوخ: أنه لا حمالة في ذلك.
стр. 1835
المتيطي: والذي جرى به العمل عند شيوخنا وانعقدت الأحكام عليه أن تجعل عند امرأة صالحة تتحفظ عليها، أو تجعل المرأة عندها، وإلا فتسجن في الحبس حتى يحق الحق، وعمل وثيقة على هذا القول.
فروع:
الأول: إذا أقامت المرأة على الزوج المنكر شاهدين، ولم يأت بمدفع لزمه النكاح والدخول والنفقة، ولا ينحل عنه إلا بطلاق، فإن طلق قبل البناء لزمه نصف الصداق، فإن أبى من الدخول أو الطلاق، فقال ابن الهندي: كان بعض من أخذت عنه العلم أن السلطان يطلق عليه بعد أربعة أشهر من وقت إبايته، ويكون بمنزلة الولي لأنه مضار.
خليل: وفيه نظر؛ لأن مشهور المذهب فيمن ترك وطء زوجته بغير يمين أنه يطلق عليه بغير أجل.
المتيطي: ولم يجعل ابن الهندي وابن العطار وغيرهما من الموثقين إنكار الزوج للنكاح طلاقاً، وهو أصل مختلف فيه، فقد وقع لأصبغ في الواضحة إذا قال الزوج أنكحتني [٣١٩/ ب] فلانة، وقال الأب بل فلانة، فإن النكاح يفسخ، ولا أيمان بينهما. قال: وإن رجع أحدهما إلى تصديق صاحبه لم يقبل منه، ولزم الزوج أن يغرم نصف صداق كل واحدة، الأولى بإقراره والثانية برجوعه إليها، فجعل الإنكار طلاقاً. وكذل كاختلف في مسألة الابن الذي زوجه أبوه وه وساكت، هل يكون نكوله طلاقاً أم لا؟ وفي مسائل ابن زرب في وصي أنكح يتيمته من رجل ثم إن الزوج أنكر ذلك، فقال له القاضي: طلقها. فقال: وكيف أطلق من لم أنكح؟ فقال: ولعلك فعلت فطلاقها خير لك ولها. فلم ير الإنكار طلاقاً، وقال ابن القاسم فيمن قال في جارية بيده: اشتريتها؛ وقال سيدها: بل زوجتكها-: إنهما يتفاسخان بعد تحالفهما ولا تكون زوجة ولا أم ولد، وترجع الأمة إلى سيدها؛ لأن المشتري أقر أنها ليست بزوجة، فهو كالمطلق، وادعى أنها أمة فلا يصدق.
стр. 1836
ابن زرب: وقوله: كالمطلق، ليس هو على أصله، وليس إنكاره لها طلاقاً. انتهى كلام المتيطي.
الفرع الثاني: لو ادعى رجلان نكاح امرأة وأنكرتهما أو أقرت بهما أو بأحدهما فأقام كل منهما البينة على ذلك، ولم يعلم الأول منهما يفسخ النكاحان بطلاق، ولا يقضي بالأعدل خلافاً لسحنون، ولا عبرة بتصديق المرأة خلافاً لمحمد، وهذه المسألة كمسألة إذا زوجها الوليان ولم يعلم السابق منهما، وقد تقدمت.
الفرع الثالث: قال في الجواهر: ولو أقام رجل بينة أن هذه زوجته فأنكرت واقامت هي بينة أن فلاناً زوجهاً فأنكرها ولم يوقتا تاريخاً، فقال أشهب: لا أنظر إلى التكافؤ في العدالة وأفسخ النكاحين. وقال أصبغ: ما لم يدخل أحدهما، فإن دخل قبل الفسخ كانت زوجته، وقيل للآخر أقم البينة أنك الأول.
أشهب: ومن أقام بينة أنه تزول فلانة وهي تنكره، وأقامت أختها البينة أن هذا الزوج تزوجها وهو منكر، ولم يوقتوا فإن النكاحين يفسخان ولا ينظر إلى التكافؤ، قال: وكذلك لو شهدت كل بينة قبل البناء لفسخا، ولهما الصداق.
محمد: وهذا لإنكاره نكاح الأخرى، ولو كان مقراً ويدعي أنها الأخيرة لقبل قوله؛ لأن البينة لا تكذبه، ولا ينفع التي تزعم أنها الأولى جحوده؛ لأن البينة أثبتت نكاحها. قال: وهذا تقويه المسألة الأولى حين ذكر عنه أنه جعل الإقرار كالإنكار.
وإِذَا أَقَامَتْ شَاهِداً بِالنِّكَاحِ عَلَى مَيِّتٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَرِثُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لا تَرِثُ. وَتَوَقَّفَ أَصْبَغُ ..
يعني: (إِذَا أَقَامَتْ شَاهِداً) على النكاح لرجل ميت (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَحْلِفُ مَعَهُ وَتَرِثُ) لأنه بعد الموت لا يكون لها إلا المال.
ورأى أشهب أن الميراث يتوقف على ثبوت الزوجية، والزوجية لا تثبت بالشاهد واليمين، وقاله ابن القاسم أيضاً، وهو أقيس بناء على أن الدعوى إذا لم تكن مالاً وتؤول
стр. 1837
إليه، هل يقبل فيه الشاهد الواحد أم لا؟ والأكثر أن التوقف لا يعد قولاً، وهو الصحيح؛ لأن التوقف يستلزم عدم الحكم. وعلى قول ابن القاسم الأول فإنها تحلف مع شاهدها وترث إذا لم يكن ثم وارث معين ثابت النسب، وأما إن كان فلا، حكاه صاحب المغمز. ولا يقال: يلزمه عليه أن يكون الحكم كذلك في الحياة؛ لأنه في الحياة تترتب عليها أحكام أخر غير المال، كلحوق النسب وغيره، فإن أثبتا النكاح فبشاهد ويمين، فإما أن يثبت كل تلك الأحكام وهو باطل بالاتفاق، أو يثبت الأحكام المالية خاصة مع ثبوت الزوجية، وهو تناقض، والله أعلم.
وَتَرِثُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ الطَّارِئِ، وَفِي غَيْرِ الطَّارِئِ قَوْلانِ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدُ يُقِرُّ بِهِ فَتَرِثُ حِينَئِذٍ مَعَهُ ..
لأن الطارئ بعده على الزوجية التي ادعاها ومكنه منها.
ابن عبد السلام: وهكذا ينبغي إذا أقرت هي، ولم يعلم منه إنكار أن يرثها. وأما غير الطارئ فلعل منشأ الخلاف فيه هل بيت المال وارث فلا ينفع إقراره، أو حائز للأموال الضائعة فيقبل؟ وعلته أنه أوصى به، والجاري على مشهور المذهب عدم القبول؛ لأن المشهور أن بيت المال وارث، وبعدم القبول قال سحنون، ولو في الصحة.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب. زاد (المتيطي) ابن راشد.
ويفسخ قبل البناء وبعده، إلا أن يطول بعد البناء جداً. وظاهر ما نقله اللخمي عن محمد أنه يقبل دعوى التزويج في غير الطارئين.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدُ) أي أن الخلاف حيث لا يكون ولد معها، فإن كان معها ولد فترثه؛ أي المقر معه، أي مع الولد؛ لأنه لما كان الشرع متشوفاً إلى لحوق النسب جعلوا استلحاقه قاطعاً للتهمة.
стр. 1838
وَفِي الإِقْرَارِ بِوَارِثٍ غَيْرِ الزَّوْجِ والْوَلَدِ قَوْلانِ
يعني: إذا أقر رجل أو امرأة بأخ أو ابن عم ونحوه. وقيد ابن راشد هذا الخلاف بما إ ذا لم يعلم أنه وارث. وقال: إن القبول يجري على أصل ابن القاسم؛ لأنه أقر بمال، لكن لا يثبت بذلك نسبه. وعلى أصل أشهب لا يرث؛ لأن الإرث فرع ثبوت النسب.
وَإِقْرَارُ أَبَوَيْ غَيْرِ الْبَالِغين فِي النِّكَاحِ مَقْبُولُ عَلَيْهِمَا
أي: أبو الصبي وأبو الصبية، وقبول قولهما ظاهر؛ لأن كل واحد من الأبوين قادر على إنشاء ما أقر به فلا يتهمان ..
فرع:
قال في الجواهر: ومن احتضر فقال: لي امرأة بمكة، وسماها ثم مات، فطلبت ميراثها [٣٢٠/ أ] منه، فذلك لها، ولو قالت هي ذلك ورثها.
ابن راشد: وعلى ما حكاه في المغمز إن كان في عصمته امرأة غيرها لم ترثه؛ لأن هذه حازت الميراث.
وَإِذَا قَالَ: أَلَمْ أَتَزَوَّجْكِ؟ فَقَالَتْ: بَلَى. فَإِقْرَارُ مِنْهُمَا
لأنه إقرار لغة وعرفاً، ولابد هنا من إجازة الولي والإشهاد عليه لتصحيح ميراث النكاح.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ. فَأَنْكَرَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَنْكَرَ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ
لأنها لم أنكرت أولاً لم يصح إقرار، ثم قولها بعد: نعم، كابتداء دعوى منها عليه بالزوجية، وأنكر هو ذلك فلم يتفقا في زمان.
стр. 1839
وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْتَنِي، أَوْ خَالَعْتَنِي، أَوْ طَلَّقْنِي، أَوْ خَالِعْنِي فَإِقْرَارُ
أي: قالت طلقني أو خالعني في جواب قولها قد تزوجتك فإقرار؛ لأن المرأة لا تطلب ذلك إلا من زوجها.
وَلَوْ قَالَ: اخْتَلَعْتِ مِنِّي فَإِقْرَارُ
أي: في جواب قولها: قد تزوجتني.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامُ، أَوْ بَائِنَةُ، أَوْ بَتَّةُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ إِلا جَوَابَ طَلَّقْنِي. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ مُظَاهِرُ فَإِقْرَارُ بِخِلافِ أَنْتِ عَلَيَّ كَمظَهْرِ أُمِّي ..
هكذا قال ابن سحنون: إنه إن قال لها أنت حرام أو بائن أو بتة، فليس بإقرار بالنكاح؛ لأن الأجنبية عليه حرام، إلا أن تسأله الطلاق، فيجيبها بهذا، فهو إقرار بالنكاح في إجماعنا، قال: وكذلك قوله لها أنا منك مظاهر، بخلاف قوله أنت طالق أو أنت علي كظهر أمي؛ لأن مظاهر اسم فاعل، ولا يصدق ذلك إلا في زوجته بخلاف أنت علي كظهر أمي، فإن ذلك يصدق على الأجنبية، واعلم أن ما ذكره المصنف هنا من الإقرار إنما يفيد في الطارئين. وكذلك ذكر ابن عبد الحكم لما تكلم على بعض الفروع التي ذكرها المصنف، وأما غيرهما فلا؛ لأنه قد تقدم أنهما لو تصادقا على الزوجية لم يقبل على الظاهر.
الصَّدَاقُ: وَأَقَلُّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَتُهَمَا وَلَوْ كَانَ عَبْداً لأَمَتِهِ
لما قدم المصنف أن أركان النكاح خمسة، وتكلم على أربعة منها تكلم على الخامس وهو الصداق. ويقال بفتح الصاد وكسرها، والفتح أفضل، ويقال: صدقة.
الجوهري: ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصدقة مثله بالضم وتسكين الدال.
стр. 1840
عياض: ويقال له: فريضة ونحلة وأجر، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقال: (اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) [الأحزاب: ٥٠]، ويسمى أيضاً عقراً وعلاقة ومهراً، ولا يقال: عده ركناً لا يصح لصحة نكاح التفويض مع عدم الصداق، ألا ترى أنه لو مات أو طلق قبل البناء لم يكن عليه شيء، وهو يدل على صحة النكاح بدون الصداق؛ لأنا نقول ما ذكرته من عدم الصداق غير صحيح بدليل أنه لو صرح بإسقاطه فسد، وعلى هذا فالصداق موجود وإنما المعدوم تسميته، وما استدللت به على العدم من سقوطه بالموت أو الطلاق ليس بجيد؛ لأن عقد النكاح أحد عقود الشروع، ونكاح التفويض أحد تحكمات الشرع وتحكماته مألوفة.
ونقل عن غير واحد الإجماع على أنه لا حد لأكثره.
ابن الهندي وغيره: وتكره المغالاة فيه، ولا شك أن التغالي أمر نسبي، فرب صداق هو كثير في حق امرأة دون أخرى أو رجل دون آخر، وأما أقله فالمشهور أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
المتيطي وغيره: ويشترط فيها أن تكون خالصة، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن تخريج الخلاف في اشتراط الخلوص من الزكاة.
وقوله: (أَوْ قِيمَتُهَمَا) أي: أو ما يقوم بهما. وهذا قول مالك.
اللخمي وغيره: قال مالك: أقل الصداق ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساوي أحدهما. وقال ابن شعبان: ما يساوي ثلاثة دراهم.
اللخمي: وهو موافق لقول ابن القاسم في السرقة أنها إنما تقوم بالدراهم. ووقع في بعض نسخ ابن الحاجب: أو قيمتها، فيكون عائداً على الفضة، والنسخة الأولى أصوب لموافقتها النقل كما ذكرنا. وذهب ابن وهب إلى أنه لا حد لأقل الصداق وأنه يجوز النكاح بالقليل والكثير، ونص على جوازه بنصف درهم، واستحب كونه ربع دينار وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل العلم، ووجه أصحابنا المشهور بالقياس على السرقة والجامع بينهما
стр. 1841
استحلال العضو المحترم، ولهذا قال الدراوردي لمالك: تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي: ذهبت مذهب أهل العراق في الأخذ بالقياس.
(وَلَوْ كَانَ عَبْداً لأَمَتِهِ) يعني: فلابد من هذا القدر لحق الله تعالى. ونبه على هذه الصورة؛ لأنه قد يتوهم خروجها من حيث إن صداق الأمة إن كان مالاً لسيدها جاز له تركه، وإن كان لها فله انتزاعه.
فَإِنْ نَقَصَ وَلَمْ يَدْخُلْ أَتَمَّهُ، وَإِلا فُسِخَ، وَإِنْ دَخَلَ أَتَمَّهُ جَبْراً، وَقِيلَ: كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ
يعني: فلو نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن لم يدخل الزوج فالمشهور- وهو مذهب المدونة- ما ذكره المصنف: يخير الزوج بين أن يتمه أو يفسخ. وقيل: لابد من فسخه، وأما إن دخل فالمشهور أنه يتم لها ربع دينار ولا يفسخ. قال في المدونة: للاختلاف فيه.
قوله: (وَقِيلَ: كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ) ظاهره أنه يثبت بعد البناء بصداق المثل، ويحتمل أيضاً أنه يفسخ بعده؛ لأن الفسخ بعد البناء أحد الأقوال في الصداق الفاسد، وهذان الاحتمالان قد تؤولا على قول غير ابن القاسم في المدونة في هذه المسألة.
المتيطي [٣٢٠/ ب] وغيره: وغير ابن القاسم الذي أشار إليه في المدونة هو ابن الماجشون.
أَمَّا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى عَلَى الأَصَحِّ
أي: في هذا النكاح الذي انعقد بأقل من ربع دينار اختياراً، والأصح مذهب المدونة، وعلى قول ابن القاسم في المسألة السابقة لا يكون لها شيء. وكذلك اختلف إذا لم يرض بالإتمام، فقال ابن القاسم: يكون فراقاً بطلقة بائنة ولها نصف الدرهمين؛ لأنه صداق مختلف فيه. وقال ابن حبيب: لا شيء لها. واختاره ابن الكاتب واللخمي وغيرهما، قالوا: لأن الفسخ إنما جاء من قبل أنه غير صداق، فكيف تعطي نصف ما وقع الفسخ لأجله.
стр. 1842
وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مُتَمَّوَلاً
أي: مال يصح تملكه، ولهذا قال ابن القاسم فيمن تزوج امرأة بقصاص وجب له عليها: إن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده كسائر الأنكحة الفاسدة لصداقها، لكن اتفق المذهب على أنه يجوز النكاح إذا قالت المرأة: أتزوجك على أن تهب عبدك لفلان أو تتصدق به عليه. وحكى في البيان فيما إذا تزوجها على أن يعتق أباها عنها أو عن نفسه ثلاثة أقوال: أجازه مالك فيهما، ومنعه ابن الماجشون، وقال ابن القاسم: إن كان على أن يعتقه عنها جاز النكاح، وإن كان على أن يعتقه لم يجز.
ورجح قول مالك بالاتفاق على الفرع الأول، وقول مالك في الثاني قد ينقض قول المصنف: (أَنْ يَكُونَ مُتَمَّوَلاً) لأنه إذا وهب عبده لفلان أو عتق عبده عن نفسه لم يحصل لها مال، وقد يقال: لا نسلم خلو النكاح هنا عن المال؛ لأنها لما دخلت على عتق العبد عنه أو هبته للغير فكأنها ملكته ثم أعتقته عن الزوج أو وهبته للغير، وفيه نظر.
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَبِيعِ فِي مَا تَقَدَّمَ
أي: يشترط أن يكون طاهراً منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، معلوماً.
وقوله: (فِيمَا تَقَدَّمَ) أي: في الذي يقوم بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وشبه المصنف بـ (الْمَبِيعِ) وإن لم يقدم ذكره؛ لأنه قد يفعل مثل ذلك كما قال في الشركة: (الْعَاقِدَان كَالْوكِيلِ والمَوكُل).
ولأجل أنه كالبيع قال ابن القاسم في المدونة في من تزوج امرأة أو اشترى سلعة بدراهم بعضها غائبة: لا خير في ذلك، إلا أن يشترط أن عليه بدلها إن تلفت ولو حضرت الدراهم ونقدها إياها جاز النكاح والبيع.
стр. 1843
فَيَجُوزُ عَلَى عَبْدٍ تَخْتَارُهُ لا يَخْتَارُهُ هُوَ كَالْبَيْعِ
لأنها إذا كانت هي المختارة فقد دخل على أنها تأخذ الأحسن فلا غرر، بخلاف ما إذا كان الزوج هو المختار.
وقوله: (كَالْبَيْعِ) تشبيه لإفادة الحكم، لكن المصنف لم يذكر هذه المسألة في البيع.
وهذا كقوله: (ويُسِرُّ كَالْمَامُومِ والمنْفَرِد)، وما ذكره المصنف من المنع إذا كان الخيار للزوج والبائع هو المشهور. وقال سحنون: يجوز ذلك فيهما.
وقوله في النكاح أظهر؛ لأنه مبني على المكارمة بدليل أنهم أجازوا فيه الغرر اليسير كما سيأتي.
وَلا يَجُوزُ بِخَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ، ولا مَجْهُولٍ، ولا غَرَرٍ؛ كَآبِقٍ، وشَارِدٍ، وجَنِينٍ، وثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا، وَدَارِ فُلانٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا ..
هذا كالبيان لما خرج من قوله: (حكم المبيع).
وقوله: (بِخَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ) أي: سواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية. واختلف إذا استهلكت الذمية الخمر، فقال ابن القاسم: لها صداق المثل ولا تتبع بشيء؛ وقال أشهب: تعطى ما يستحل به الفرج وهو ربع دينار.
اللخمي: وهو أحسن لأن حقها في الصداق سقط بقبضها الخمر، وإنما بقي الحق لله تعالى.
وقوله: (وثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا) يريد: على التبقية، وأما على القطع فهو جائز كالبيع.
محمد: وإن غفل عنها حتى بدا صلاحها لم يفسخ؛ لأنه كان جائزاً أولاً، ولا يتممان على ذلك ويكون لهما قيمة ذلك يوم عقد النكاح، وترد الثمرة التي طابت للزوج.
стр. 1844
وقوله: (وَدَارِ فُلانٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا) نحوه في المدونة، وزعم ابن عبد السلام أنه من الترادف، وكان شيخنا ﵀ يفرق بينهما، فيقول: قوله (عَلَى دَارِ فُلانٍ)؛ أي: يشتري رقبتها ليجعلها صداقاً لها.
وقوله: (أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا) للمرأة من مالها ويجعل مهرها سمسرته فيها، وبذبلك فسر أبو الحسن الصغير المدونة، وإنما لم يجز ذلك للغرر أن لا يصلح هل يحصل ذلك أم لا؟ وهذا هو المشهور، وروى أبو عبيد عن مالك أن النكاح على عبد فلان جائز.
إِلا أَنْ يَخِفَّ مِثْلَ: شَوْرَةِ الْبَيْتِ، أَوْ عَدَدٍ مِنَ الإِبِلِ والْغَنَمِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَيَكُونُ الْوَسَطُ مِنْ شَوْرَةِ مِثْلِهَا، ومِنْهَا ومِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا حَالاً ..
أي: إلا أن يخف القدر فيجوز ذلك في النكاح كالصور التي ذكرها وإن كانت لا تجوز في البيوع؛ لأن النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة، فلذلك جاز في النكاح ما لم يجز في البيع، وعلى هذا فيقال: كل ما صح أن يكون ثمناً أو مثموناً في البيع صح أن يكون صداقاً.
وقد يجوز الصداق بما لا يجوز في البيع، وهو جوازه على الوصف كشورة البيت أو عدد من الإبل أو الغنم أو صداق المثل، ويكون الوسط من جميع ذلك، وإليه أشار بقوله: (مِنْ شَوْرَةِ مِثْلِهَا) فإن كانت حضرية فلها الوسط من شورة مثلها في الحاضرة، وإن كانت بدوية فالوسط من أهل البادية.
عياض: والشورة والشوار بفتح الشين: [٣٢١/ أ] المتاع وما يحتاج إليه البيت، والشورة بالضم الجمال.
وقوله: (ومِنْهَا) راجع إلى قوله: (أَوْ عَدَدٍ مِنَ الإِبِلِ والْغَنَمِ)؛ أي: ويكون لها الوسط من الإبل والغنم، قال في التهذيب: وعليه الوسط من الأسنان. وفي المدونة: الأهلية وعليه الوسط من ذلك، فقيل: معناه وسط ما يتناكح به الناس، ولا ينظر إلى كسب البلد،
стр. 1845
وقيل: وسط من الأسنان من كسب البلد. واختلف هل يشترط في جواز النكاح بالرقيق ذكر الجنس وهو قول سحنون، أو لا يشترط وهو قول محمد؟ قال: ولها الوسط من الأغلب في البلد من الحمر أو السودان، فإن استووا نظر وسط السودان ووسط الحمران فأعطيت نصف ذلك.
ابن يونس: يريد من كل جنس نصفه. ابن القاسم: وتكون القيمة يوم عقد النكاح.
فرع: قال في العتبية: وتعطى الإناث دون الذكور، وذلك شأن الناس. يريد: إذا لم يسم ذكراناً ولا إناثاً.
وقوله: (ومِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا) راجع إلى قوله: (أَوْ صَدَاقِ مِثْلِهَا) أي: يكون عليه الوسط من صداق مثلها إذا تزوجها على صداق المثل.
فائدة: قد علمت أن النكاح يجوز فيه من الغرر ما لا يجوز في البيع، والرهن أوسع من النكاح، فإنه يجوز رهن الآبق ونحوه إلى الجنين فلا يجوز عنه على المشهور، والهبة والخلع أوسع من الرهن لجواز الجنين وغيره فيهما، والله أعلم.
وقوله: (حَالاً) راجع إلى الجميع؛ لأن الأصل في الصداق الحلول.
فرعان:
الأول: لو تزوج على عبد غير موصوف مثلاً فطلقها قبل البناء، فقال ابن المواز: على الزوج نصف قيمة عبد يوم زوجت. وقيل: يحضر الزوج عبداً وسطاً ويكون شركاً بينهما.
الثاني: قال صاحب تهذيب الطالب وابن يونس وغيرهما: ذكر عن أبي عمران فيمن تزوج امرأة ببيت على أن يبنيه للمرأة: فإن كانت بقعة بعينها في ملكه ووصف الطول والعرض والبناء فذلك جائز، وإن كان البيت الذي يبنيه مضموناً عليه، فقد أفتى أبو محمد وغيره بعدم الجواز، قال: كما لو أسلم في بيت.
стр. 1846
ابن يونس: لأن ذلك يرجع إلى السلم في الشيء المعين؛ لأنه يصف البناء والموضع فيؤدي ذلك إلى تعيينها وهو ظاهر الواضحة، وفي الموازية ما يدل على خلافه، قيل: والجواز ظاهر المدونة، خلاف ما أفتى به ابن أبي زيد من قوله: (وإن كان على بيت) وعطف عليه (شَوْرَةِ الْبَيْتِ)
فَإِنْ اسْتَحَقَّ فَمِثْلُهُ
أي: استحق الصداق في هذه الأمثلة الثلاثة، فيجب على الزوج مثله؛ لنه مضمون في الذمة.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا يَجُوزُ إِلا عَلَى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ.
أي: كالبيع، فلا يجوز عنده الأمثلة الثلاثة وشبهها.
أَمَّا لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِباً فَلا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ
يعني: أن ما قدمه من الجواز في العبد غير الموصوف على المشهور إنما هو إذا كان في الذمة وأما إن كان معيناً غائباً فلابد من وصفه لقوة الغرر حينئذ.
وَأَمَّا الْبَعِيدُ جِدّاً كَخُرَاسَانَ مِنَ الأَنْدَلُسِ مُمْتَنِعُ بِخِلافِ الْمَدِينَةِ مِنْ مِصْرَ
لما كان قوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ غَائِباً فَلا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ) يوهم الجواز في الغائب مطلقاً، بين أن ذلك إنما هو في القريب، وأما البعيد جداً فلا يجوز، وما ذكره هو قول ابن القاسم في الموازية ففيها قال ابن القاسم: وأما إن تباعدت الغيبة كخراسان من الأندلس لم يجز، وأما مثل المدينة من مصر فجائز.
محمد: وسواء في ذلك العبد أو الدار، وعن ابن القاسم أنه قال: يجوز في مسيرة الشهر، والضمان من الزوج حتى تقبضه المرأة.
стр. 1847
ابن حبيب: والشهر قريب، ومثل إفريقية من المدينة بعيد، ويفسخ كان معه غيره أو لم يكن. وقال أصبغ: ما بين إفريقية والمدينة قريب، وحكى ابن مزين أن ما بين إفريقية ومصر قريب.
وَفِي دُخُولِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ثَالِثُهَا: يَجُوزُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ كَالْبَيْعِ
يعني: وإن أجزنا النكاح لقرب الغيبة، فهل يجوز الدخول قبل القبض؟ ثلاثة أقوال وهي مخصوصة بما إ ذا كانت الغيبة متوسطة، أما القريبة جداً فيجوز فيها اشتراط الدخول.
ابن بشير: والمشهور عدم صحة اشتراط الدخول في المتوسطة. وقيل: تصح لأن النكاح مبني على المكارمة، والقول بجواز الدخول مطلقاً قبل القبض لابن حبيب، واستحب أن يقدم ربع دينار، والقول بالمنع مطلقاً حكاه في تهذيب الطالب عن ابن القاسم، فقال: قال ابن القاسم: وله أن يدخل إن كانت الغيبة قريبة، ولا يدخل بها في الغيبة البعيدة وإن قدم لها ربع دينار وإن سماه مع البعد؛ لأن النقد في هذا البعد لا يجوز، والدخول انتفاء.
عبد الحق: وفيه نظر؛ وذلك أن النقد في بعيد الغيبة بغير شرط جائز فهلا كان الدخول مثله، ففهم أن ابن القاسم قال بالمنع مطلقاً. وفهمها ابن يونس كالقول الثالث من كلام المصنف، وأنه إنما منع إذا كان على شرط الدخول.
ابن عبد السلام: ومنهم من حد الغيبة في هذا باليومين والثلاثة، ومنهم من يقول بالجمعة.
وَإِذَا عَقَدَ بِخَمْرٍ وشِبْهِهِ فَمَشْهُورُهَا: يُفْسَخُ قَبْلَهُ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ
أي: فيه ثلاثة أقوال، والثلاثة لمالك، والمشهور مذهب المدونة.
خليل: وهل الفسخ قبل الدخول إيجاب وهو قول المغاربة، أو استحباب وهو قول العراقيين؟ وفي المسالة رابع وسيحكيه المصنف بعد هذا، إن كان مع الفاسد ما يتمول مما قيمته ربع دينار فأكثر، فرضيت المرأة به أو رضي الزوج بإعطائها قيمة الآبق مثلاً على أنه غير آبق وتراضيا بما يجوز صح قبل البناء، وإن بنى بها فلها صداق المثل وهو قول أصبغ.
стр. 1848
تنبيه: لم يقف ابن عبد السلام على أن القول بعدم الفسخ مطلق لمالك، وقد نقله عنه صاحب الأشراف، ووجهه أنه إذا لم يجز النكاح بذلك صار كنكاح التفويض، ونقله ابن الجلاب أيضاً وغيره.
فرع: ولو دعي الزوج في هذا النكاح إلى البناء والنفقة فأنفق بناء على أنه صحيح، ثم عثر على الفساد ففسخ، فقيل: يرجع عليها، كمن اشترى من رجل داره على أن ينفق عليه حياته فإنه يفسخ البيع ويرجع عليه بما أنفق. وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع بها عليها؛ لأن الفسخ قبل البناء واجب؛ إذ أجازه جماعة من العلماء إذا عجل ربع دينار.
وَتَرُدُّ مَا قَبَضَتْهُ مِنْ مُتَمَوَّلٍ
أي: إذا فسخ فترد ما قبضته من متمول كالآبق والشارد. واحترز بمتمول من الخمر والخنزير وشبههما.
وَتَضْمَنُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ لا قَبْلَهُ كَالسِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلذَلِكَ لَوْ فَاتَ فِي بَدَنٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ نَحْوِهِ كَانَ لَهَا، وتَغْرَمُ الْقِيمَةَ. وقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعَ الْفَاسِدِ مُتَمَوَّلُ بِرُبُعِ دِينَارِ فَرَضِيَتْ بِهِ أَوْ رَضِيَ هُوَ بِإِعْطَاءِ قِيمَةِ الآبِقِ وَنَحْوِهِ، أَوْ قَدِمَ فَرَضِيَ بِإِعْطَائِهِ لَمْ يُفْسَخْ ..
أي: وتضمن المتمول بالقبض في النكاح الفاسد كما تضمنه في البيع الفاسد بالقبض، وما ذكره من ضمان الزوجة بالقبض هو قول ابن القاسم وهو المشهور. وحكى ابن حبيب عن أصحاب ابن القاسم أنهم خالفوه هنا وقالوا: لا ضمان عليها؛ لأنها لو قبضت عبداً في نكاح صحيح فطلقها قبل البناء وقد مات فلا يرجع عليها بشيء. ونحوه لابن المواز، فإنه قال: إذا أصدقها المريض جارية ودفعها إليها فماتت الجارية بيدها لا تتبع بشيء. وفرق بعض القرويين بين أن يكون النكاح فاسداً لعقده فيكون كالصحيح، وبين أن يفسد لصداقه فتضمنه بالقبض.
стр. 1849
وقوله: (فَلذَلِكَ ... إلخ) أي: ولأجل أنه ملحق بالبيع الفاسد لزم إذا فات بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة سوق أو غيرها أن يبقى ذلك الذي قبضته من آبق أو شارد ملكاً لها، وتعطي قيمته يوم قبضته كما في البيع الفاسد.
وقوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعَ الْفَاسِدِ ... إلخ) تقدم.
وَلَوْ عَقَدَ بِمَغْصُوبِ فَكَذَلِكَ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُفْسَخُ ولَوْ تَعَمَّدَهُ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَعِيباً فَرَدَّتْهُ ..
ظاهره أن الإشارة بذلك إلى الخلاف المتقدم، وتصوره ظاهر، ولم أر نقلاً يساعده، وها أنا أذكر ما رأيته في العتبية: قال سحنون: إن كانت الزوجة لم تعلم أن العبد مغصوب أو حر فالنكاح ثابت، وإن علمت ذلك فسخ قبل البناء لا بعده.
أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول في الذي يتزوج بالحر أو بالعبد لغيره: لا يفسخ على كل حال دخل أو لم يدخل، تعمد ذلك أو لم يتعمده.
أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحرية العبد ولم يعلم الزوج مثله. قال: ولو علما جميعاً أنه حر وعليه نكحها فسخ قبل الدخول وثبت بعده. انتهى.
قال في البيان: وقال سحنون: إن كانت عالمة بغصبه أو بحريته فسخ النكاح. يريد: والزوج عالم أيضاً، وأما لو علم أحدهما بذلك دون صاحبه لم يفسخ النكاح على مذهبه، فليس قوله بخلاف لابن القاسم ونقل ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون وابن كنانة: إن علم أحدهما بحرية العبد يفسد النكاح ويوجب فسخه قبل الدخول وصداق المثل بعده. انتهى.
وعلى هذا اتفق ابن القاسم وسحنون على أن الزوجين إذا علما أنه يفسخ قبل البناء، واتفقا أيضاً على أن علم أحد الزوجين دون الآخر لا يفسخ به النكاح على ما فسر به
стр. 1850
أصبغ قول ابن القاسم، وما فسر به صاحب البيان قول سحنون، وخالفهما في ذلك ابن الماجشون وابن كنانة ورأيا أن علم أحدهما موجب للفسخ كعلمهما، وما ذكرناه عن ابن القاسم في العتبية هو الذي ذكره المصنف عنه. وقال ابن بشير: إن علمت الزوجة بالغصب فقالوا: النكاح فاسد، وهو يجري على القولين فيمن اشترى من غاصب وهو يعلم بالغصب، وإن لم يعلم بالغصب ففيه قولان مخرجان أيضاً، والمنصوص في النكاح الجواز وهو المشهور في البيع، فجعل المعتبر على الزوجة فقط، وفيه نظر لما ذكرناه.
وَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ، وقِيلَ: مِثْلُهُ فِيهِمَا. وقِيلَ: صَدَاقُ الْمِثلِ
يعني: إذا استحق الصداق المغصوب. وأما غير المغصوب فسيأتي الكلام عليه، وإنما قلنا: إن النكاح لا يفسخ؛ لأنها ترجع عليه بالقيمة في المقوم وبالمثل في المثلي، وهذا هو المشهور. قاله صاحب البيان وغيره. وقال ابن كنانة في كتاب المدنيين: في العبد إذا استحق ترجع بمثله. ونحوه في كتاب ابن شعبان، وإليه أشار بقوله: (وقِيلَ: مِثْلُهُ فِيهِمَا)؛ أي: في المقوم والمثلي. وقيل: ترجع بصداق [٣٢٢/ أ] المثل مطلقاً. وهو قول مالك في العتبية، قال في البيان: وهو الصحيح؛ لأن العبد عوض البضع، فإذا استحق العبد وجب أن ترجع بقيمة بضعها لفواته بالعقد، وكان العقد في النكاح فوتاً وإن لم يدخل فيه لما يوجب من الحرمة. وقد قيل: إنه ليس بفوت، ويفسخ النكاح إذا كان الصداق عرضاً بعينه واستحق قبل الدخول، وهو قول يحيى في العشرة. انتهى.
وعلى هذا ففي المسألة أربعة أقوال، وحكى في البيان في موضع آخر خامساً لسحنون والمغيرة بالفرق، فإن استحق العبد بالحرية فصداق المثل وفرق فقيمته، وذكر ابن حارث عن سحنون: إن غرها بالعبد وكان حراً في أصله أنه يفسخ النكاح قبل الدخول، قال: ومن أصحابنا من يفسخه بعد الدخول. وقال اللخمي: لو قيل: يرجع بالأقل من قيمته وصداق المثل، لكان وجهاً، إلا أن يعلم أنها تزوجت بعين لم ترض إلا بما يكون قيمته العبد.
стр. 1851
وَإِذَا وَجَدَتْهُ مَعِيباً أَوْ مُسْتَحَقاً رَجَعَ بِقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ فِي الْمِثْلِى
أي: مستحقاً في غير الغصب. وهذا الكلام مما يبين لك أن المراد بالاستحقاق في المسألة السابقة الاستحقاق في الغصب، لكن حكايته في الأولى الخلاف دون هذه يوهم اختصاص الأولى بالخلاف، وليس كذلك، بل الخلاف فيهما واحد. وكذلك أيضاً الخلاف حاصل في المعيب، صرح به ابن بشير وغيره.
فَإِنْ فَاتَ الْمَعِيبُ فَكَالْبَيْعِ كَالزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ
يعني: إن فات المعيب في يد الزوجة رجعت بقيمة العيب كما إذا اطلع المشتري على عيب بعد الفوات، وكما لو اطلع الزوج في الخلع على عيب بعد الفوات فإنه يرجع عليها بقيمة العيب. وهذا من المواضع التي شبه المصنف فيها لإفادة الحكم، ولم يتقدم له حكم البيع والخلع. قال في المدونة: وإن حدث به عندها عيب مفسد فلها رده، وما نقصه أو حبسه وأخذ الأرش القديم، وكذلك الزوج في الخلع.
فرع: وإن تزوجها بقلل من خل فوجدتها خمراً، ففي المدونة: هي كمن تزوجت على مهر فأصابت به عيباً فلها رده، وترجع بمثله، يريد: إما بمثلها بعد تطهيرها إن طهرت، أو بمعرفة ما تحمل من ماء إن لم تطهر، ثم يكال ذلك الماء، ويرفع من الخل قدره، ثم تكسر القلال لأنها لمسلم. ونقل أبو عمران عن سحنون أنه نحا في هذا إلى ما ذكره ابن المواز أنهما إذا دخلا على الجزاف في الصبرة ثم علما بعد ذلك كيلها، ثم استحقا ما في يد البائع، أنه يرجع بقيمة صبرته لا بمثلها ولو عرف كيلها.
أبو عمران: والأول أصوب. ونقل اللخمي عن سحنون في هذا وفيما إذا تزوجت بعبد فوجدته حراً أن النكاح يفسخ.
стр. 1852
اللخمي: ولو تزوجت بالقلل على أن فيها خمراً فوجدته خلاً ثبت النكاح إن أحبا؛ كالمتزوجة وهي ترى أنها في عدة ثم تبين أنها في غير عدة، وقد اختلف فيها، وإن كرهه أحدهما فسخ النكاح في مسألة القلل؛ لأنه إن رضي الزوج دونها فمن حجة الزوجة أن تقول: إنما لم أشتر خلا، وإنما رضيت الزوجة دونه، فمن حجة الزوج أن يقول: أنا لم أبعك خلا. وهي في هذه الوجوه تفارق المعتدة؛ لأن المعتدة هي العين المشتراة، وإنما كان يظن أنه كان يتعلق بالمنع حق لله وقد تبث خلافه.
وَأَمَّا مَا اسْتَحَقَّ بَعْضُهُ مِنَ الْعُرُوضِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ خُيِّرَتْ بَيْنَ الرَّدِّ وقِيمَةِ الْجَمِيعِ وبَيْنَ قِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ وإِلا فَقِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ، والْجُزْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الرَّقِيقِ كَالْكَثِيرِ ومَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جَمَاعَةِ ثِيَابٍ أوْ رَقِيقٍ بِعَيْنِهَا فَكَالْبَيْعِ ..
حاصله: أن لاستحقاق البعض صورتين:
الأولى: أن يستحق جزء شائع. انتهى كلامه عليها عند عند قوله: (كَالْكَثِيرِ).
والثانية: أن يستحق جزء معين.
ثم الصورة الأولى إما أن يكون الصداق عرضاً أو رقيقاً، ومراده بالعرض العقار وسائر العروض، وإن كان عرضاً وكان أكثر من الثلث خيرت بين رد الباقي وأخذ جميع القيمة، وبين التمسك وأخذ قيمة المستحق، وإن كان الثلث فأقل فليس لها إلا قيمة المستحق. ولم يفصل في القليل بين أن يكون فيه ضرر أم لا، وقد نص في المدونة على الرد فيما فيه ضرر.
عياض وغيره: ولو كان العشر. كما لو استحق العشر من دار ذات مساكين والذي اشتراها لا يمكن أن يسكن معه أحد لكثرة حشمه، فله أن يردها، وإنما يتم ما ذكره المصنف في مثل الفنادق. وهكذا فسر سحنون المسألة.
стр. 1853
قوله: (والْجُزْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الرَّقِيقِ كَالْكَثِيرِ)؛ أي: فيوجب الخيار. ابن يونس: لضرر الشركة في العبد من منع السفر به ومن الوطء في الأمة.
خليل: وينبغي أن يشارك الرقيق في هذه المسالة سائر الحيوان، وهو الذي يؤخذ من كلامه.
وقوله: (ومَا يُسْتَحَقُّ مِنْ جَمَاعَةِ ثِيَابٍ .. إلخ)، هذه هي الصورة الثانية، وما ذكره من أن حكم هذه الصورة كالبيع نحوه في المدونة، وهو مقيد بما إذا استحق منها شيء معين قليل، وأما إن كان كثيراً مما يضر به في صفقته ويوجب له ترك جميع الصفقة فيفترق النكاح من البيع، ففي البيع لا يجوز له التملك بما بقي؛ لأن حصته مجهولة، وفي النكاح يجوز له؛ لأنه في البعض. وفي الجميع إنما يرجع بقيمة ما استحق، هكذا قال ابن يونس وغيره، وهو [٣٢٢/ ب] ظاهر؛ لأن الصداق لو استحق جميعه لم يفسخ النكاح، فأحرى في استحقاق البعض.
فرع:
وهل للزوجة إذا استحق الصداق من يدها منع الزوج من وطئها؟ أما إن استحق قبل البناء، فلا شك أن لها ذلك، وإن كان بعده، فقال مالك في العتبية: يحال بينهما. قال في البيان: وهو أظهر الأقوال. وقال ابن القاسم في الموازية: لا يحال بينهما. وقال أصبغ: يمنع حتى يعطيها ربع دينار. وقيل بالفرق بين أن يغرها فيمنع أم لا فلا يمنع. هكذا قال جماعة، ورأى صاحب البيان الخلاف إنما هو إذا لم يغرها، وأما إذا غرها فلها منعه اتفاقاً.
وَ نِكَاحُ الشِّغَارِ: يُفْسَخُ أَبَداً عَلَى الأَصَحِّ وإِنْ وَلَدَتْ أَوْلاداً، وهُوَ مِثْلُ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي، ولا مَهْرَ بَيْنَنَا ..
أصله في اللغة الرفع، من قولهم: شغر الكلب رجله إذا رفعها للبول. ثم استعملوه فيما يشبهه، فقالوا: أشغر الرجل المرأة، إذا فعل بها ذلك للجماع. ثم استعملوه في النكاح
стр. 1854
بغير مهر إذا كان وطئاً بوطء وفعلاً بفعل، فكان الرجل يقول للآخر: شاغرني؛ أي: أنكحني وليتك وأنكحك وليتي، بغير مهر.
قال في المقدمات: وقيل: إنما سمي نكاح الشغار لخلوه عن الصداق. وثبت عنه ﵊ النهي عنه، وجاء في الحديث مفسراً بما ذكر المصنف، وهل التفسير من كلامه ﵊ أو من كلام الراوي وهو نافع؛ لأنه رواه عن ابن عمر؟ قولان. ثم إن أصحابنا قسموه إلى قسمين: صريح الشغار، وهو ما ذكرنا، ووجه الشغار وهو أن يكون مع ذلك تسمية مهر.
وما صححه من الفسخ أبداً ولو ولدت الأولاد هو المشهور، ومقابل الأصح رواه علي بن زياد أنه يفسخ قبل البناء لا بعده. وخرج السيوري وابن شبلون من قوله في المدونة: (فيه الميراث ويفسخ بطلاق) قولاً ثالثاً وهو إمضاؤه بالعقد. وخرجه أيضاً غيرهما على أحد قوليه فيما اختلف الناس فيه أنه يمضي ولا يرد وإن نزلوه كحكم حاكم. واختلف الشيوخ في علة فسخه بعد البناء، فقال أبو عمران: النهي عنه. والنهي يدل على الفساد، وقيل: لفساده في عقده لكون كل بضع صداقاً للأخرى، فهو للزوج غير تام الملك لمشاركة المرأة الأخرى له فيه، فكان كمن زوج وليته رجلين أو تزوج نصف امرأة، أو عند بيع في سلعة بين رجلين على أن لكل واحد منهما جميع السلعة. ونحا القاضي إسماعيل والباجي إلى أن علته عروه عن الصداق وشرطهما ذلك. وقال القابسي: إنما اختلف قول مالك في فسخه لاختلاف الناس في معنى الشغار؛ لأن المتفق عليه من لفظ الحديث قوله: "نهى عن الشغار" وبأن الحديث من تفسير نافع.
ابن عبد السلام: وكونه من تفسير نافع هو الصحيح.
الباجي: والظاهر أنه من جملة الحديث حتى يدل دليل على خلافه. ولا يظهر لقول القابسي كبير معنى، وكذلك لا يظهر للذي قبله؛ لأنه لو كان لعروه عن الصداق وشرطهما ذلك لصح بعد البناء.
стр. 1855
فَإِنْ سَمَّى شَيْئاً فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فُسِخَ مَا سُمِّيَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وفُسِخَ الآخَرُ أَبَداً
يعني: فإن سميا لكل واحدة من المرأتين، فإن قال: زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة، وهو المراد بقوله: (سَمَّى ... فِيهِمَا) أي في المرأتين، ويحتمل في النكاحين، وهذا هو وجه الشغار.
وقوله: (أَوْ فِي أَحَدِهِمَا) أي: أو سميا في أحدهما، فسخ ما سميا فيه قبل البناء، وفسخ الآخر الذي لم يسم فيه في صورة ما إذا سمي لإحداهما دون الأخرى أبداً؛ لأنه من صريح الشغار.
وقال ابن أبي حازم: كما يفسخ نكاح المسمى لها قبل البناء. وظاهر ما حكاه المتيطي عنه عند جواز الإقدام عليه؛ لأنه قال: وقال ابن أبي حازم في المدونة: لا بأس به.
قال في البيان: ولم يختلف قول مالك في المسمى لها؛ لأنه لا يفسخ بعد البناء. وأجرى غيره قولاً بالفسخ بعد البناء من الصداق الفاسد، وهو ظاهر. قال جماعة: ولا شك أنه صداق فاسد فيجري عليه. فانظر هذا.
وَصَدَاقُ المِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِمَا مَا لَمْ يَنْقُصْ عَمَّا سُمِّيَ لَهَا، كَمَنْ نَكَحَ بِمائَةِ دِينَارٍ وخَمْرٍ ..
قد علمت أن صور هذه المسألة ثلاث: الأولى: أن لا يسمي فيهما. والثانية: أن يسمي فيهما. والثالثة: أن يسمي في إحداهما دون الأخرى.
ولا خلاف في الصورة الأولى أنه إن حصل الدخول يكون لكل واحدة صداق مثلها بالغاً ما بلغ.
وأما الصورة الثانية: أعني: إذا سمى لكل واحدة منهما- فقال ابن عبد السلام: المشهور أن لكل واحدة الأكثر من صداق المثل أو المسمى، وقيل: صداق المثل
стр. 1856
مطلقاً. ولابن لبابة: إن دخل بهما فلكل واحدة الأكثر، وإن دخل بواحدة فصداق المثل مطلقاً. انتهى.
وتؤول على المدونة القولان الأولان، ومقتضى كلام ابن عبد السلام أن المشهور فيما إذا سمى لهما أن يكون لكل واحدة الأكثر، وإن لم يدخل إلا بواحدة لجعله الثالث تفصيلاً، وكلامه في التنبيهات يدل على أن ظاهر المذهب فيما إذا لم يدخل إلا بواحدة أن يكون للمدخول بها صداق المثل مطلقاً؛ لأنه نقل عن ابن القاسم أنه فسر المسألة كذلك في رواية يحيى بن يحيى، قال: وقال عيسى بن دينار في المبسوط خلافه [٣٢٣/ أ] وأن لها الأكثر كما لو لم يدخل بها.
وأما الصورة الثالثة: أعني: إذا سمى لإحداهما فقط- فإن دخل بالتي لم يسم لها فلها صداق المثل، وإن دخل بالتي سمى لها فتأول ابن أبي زيد على المدونة أن لها الأكثر، وتأولها ابن لبابة على أن لها صداق المثل مطلقاً، نقله ابن عبد السلام، وقال: والضمير في قوله: (فِيهِمَا) يحتمل عوده على نكاح المرأتين المسمى لهما، وهي الصورة الثانية وهو ظاهر التشبيه في قوله: (كَمَنْ نَكَحَ بِمائَةِ دِينَارٍ وخَمْرٍ) أي: فكما إذا تزوجها بمائة وخمر يكون لها الأكثر من صداق المثل والمائة كذلك يكون هنا، وشبهها أيضاً في المدونة بما إذا تزوجها بمائة نقداً، وبمائة إلى موت أو فراق، ويحتمل أن يعود على الصورتين الأخيرتين؛ أعني: إذا سمى لهما أو لإحداهما، ويكون قوله: (مَا لَمْ يَنْقُصْ عَمَّا سُمِّيَ لَهُمَا) أي حيث سمى، ويكون كلام المصنف على هذا دالاً على الحكم في التي سمى لها والتي لم يسم لها بالمطابقة، وعلى الاحتمال الأول يكون دالاً على التي لم يسم لها بالالتزام، والله أعلم.
فرعان:
الأول: الشغار في الأختين والأمتين كالبنتين، وقد صرح بذلك في أصل المدونة، ولعل المصنف اقتصر على البنتين تبعاً للحديث، وبذكر الأختين يعلم أن الشغار لا
стр. 1857
يختص بالوليتين المحجورتين، قال في تهذيب الطالب: وذهب بعضهم إلى أن الشغار إنما يكون في من تجبر على النكاح، وهو غلط.
الثاني: قال أبو عمران في رجلين عقد كل منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلس واحد: هو جائز إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر. ومثله لابن لبابه قال: وإن قال: زوجني وأزوجك، وعقدا على ذلك وسميا صداقاً جاز. قال: والذي يشبه الشغار: زوجني على أن أزوجك، أو إن زوجتني زوجتك.
وَفِي كَوْنِهِ مَنَافِعَ كَخِدْمَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، أَوْ تَعْلِيمِهِ قرآناً مَنَعَهُ مَالِكُ وكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأَجَازَهُ أَصْبَغُ، وإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضاً: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَنَافِعِ شَيْءُ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، ووَجَبَ صَدَاقُ مِثْلِهَا بَعْدَهُ، وإِنْ كَانَ خَدَمَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا
تبع في نسبة هذه الأقوال ابن شاس، ونسب اللخمي لمالك الكراهة، والمنع لابن قاسم، ونسب في البيان لأصبغ الكراهة، والظاهر أن لكل واحد قولين، ويؤخذ من كلام المصنف القولان لابن القاسم؛ لأنه حكى عنه الكراهة، ثم حكى عنه الفسخ إذا لم يكن مع المنافع شيء، والفسخ إنما يتصور مع المنع، واستدل اللخمي للجواز بقضية موسى مع شعيب ﵉ التي ذكرها الله تعالى في كتابه: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) الآية [القصص: ٢٧] وقد استدل بها مالك ﵀ في العتبية على جبر الأبابنته البكر على النكاح من غير استئمار.
اللخمي بعد نسبته المنع لابن القاسم، وقال- يعني ابن القاسم-: ما ذكره الله في نكاح موسى ﵇، فإن الإسلام على غيره. انتهى. وهذا مبني على مسألة أصولية؛ وهي: أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ واستدل أيضاً للجواز بما رواه مالك وغيره أنه ﵊ زوج امرأة لرجل بأن يعلمها ما معه من القرآن.
стр. 1858
قوله: (وإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ) هذا تفريع على ما نسبه لمالك من المنع، وأما على الكراهة والجواز فلا يختلف في الإمضاء، وإنما مضى على المشهور لما فيه منا لخلاف وما شهره المصنف، قال في الجواهر: هو قول أكثر الأصحاب، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وروى عنه يحيى: إذا لم يكن مع المنافع صداق فسخ قبل البناء وثبت بعده، ويكون لها صداق مثلها وتسقط الخدمة، فإن كان خدم رجع عليها بقيمة الخدمة، وعلى هذا فقوله: (وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ) هو مقابل للمشهور، وكذلك قال.
وقول ابن عبد السلام: أن الإمضاء دليل على أن المشهور في حكم ابتداء الكراهة ليس بظاهر؛ لجواز أن يكون الحكم ابتداء المنع، وكم من مسألة الحكم فيها ابتداء المنع وإذا وقعت صحت، وهذا هو الظاهر من كلام المصنف؛ لأنه إنما نسب المنع لمالك فكيف يكون المشهور خلاف قوله؟ ولم يذكر المصنف تمام قول ابن القاسم، وهو: (إذا كان مع المنافع شيء)، إلا أن يقال: استغنى عن ذلك بالمفهوم، وهو أنه إذا كان معه ربع دينار جاز النكاح، لكن قال في البيان: تفرقة ابن القاسم فيه بين أن يكون معها شيء أم لا، على وجهين: أحدهما: إن كان معه نقد جاز ولم يفسخ، وإن لم يكن معه نقد فسخ قبل البناء وثبت بعده، وكان فيه صداق المثل.
والثاني: إن لم يكن معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده وكان فيه صداق المثل، وإن كان معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده بالمسمى من النقد.
وَعَنْهُ فِي احْجَاجِهَا كَذَلِكَ، وأَنْكَرَهُ الْعُلَمَاءُ لأَنَّ فِيهِ نَفَقَةً وكِرَاءً فَهُوَ كَصَدَاقِ مِثْلِهَا ..
الضمير في (وَعَنْهُ) عائد على ابن القاسم، قال في الجواهر: وروى عنه يحيى أيضاً في نكاحها على إحجاجها أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويجب صداق المثل إلا أن يكون مع الحجة غيرها فيجوز.
стр. 1859
ابن حبيب: وليس يعجبني ولا رأيت أصبغ ولا غيره من أصحاب [٣٢٣/ ب] مالك يعجبهم، ورأيتهم مراراً يرونه جائزاً؛ لأن ذلك يرجع إلى حجة مثلها في النفقة والكراء والمصلحة، مثل نكاح المرأة على شورة مثلها وعلى صداق مثلها فيجوز ويكون لها الوسط. انتهى.
والظاهر أن نفقة الحج لا تنضبط غالباً لاختلاف الأزمان والأحوال فكان ذلك غرراً، وحكى اللخمي في إحجاجها الثلاثة السابقة في المنافع.
ابن القاسم في الرواية السابقة: وإذا بنى بها وكان مع الحجة مسام كان لها المسمى وقيمة ما ينفق على مثلها من الكراء والنفقة والكسوة وما يتكلف لمثلها في حجها، قال: وقد قال مالك في التي يكون صداقها شيئاً معلوماً والحج فتموت قبل أن يحج بها بعد البناء: أنه يعطي ورثتها ما كان ينفق على مثلها في حجها، قال: وأنا لا أرى إلا أن يحمل لهم مثلها إلا أن يتراضى الزوج والورثة على أمر يجوز بينهم إن كان الكراء لازماً للزوجين، وقاعدة المذهب أن الكراء لا ينفسخ بموت أحد المستأجرين فليس على الزوج إلا الحملان، ولما ذكرناه من الفروع، ولو قالت المرأة ابتداء: أنا لا أحج فأعطني ما كنت تنفقه علي، لم يكن لها ذلك، وكذلك لو أراد أن يعطيها نفقة مثلها ويبرأ من حملها لم يكن له ذلك. وقول ابن القاسم مبني على المنع دون النكاح بالإجارة، لأن حكمه بالفسخ إذا لم يكن مع الحج شيء إنما يحسن على ذلك ولا يحسن على الكراهة، وزعم ابن عبد السلام أن الإنكار إنما يحسن على القول بالكراهة، وأما على المنع فلا، وفيه نظر لما ذكرنا.
فرعان:
الأول: اختلف في بنائها قبل أن يحجها، فمنعه ابن القاسم إلا أن يقدم ربع دينار، وقال أشهب: له أن يبني بها ويجبرها على البناء، لأنه قال: ذلك بمنزلة من تزوج بمائة دينار إلى سنة فله أن يبني بها، يريد: ويجبرها على البناء، وإذا أتى أوان الحج حج بها إلا أن يأتي أوان الحج قبل البناء فلا يكون له البناء حتى يحجها.
стр. 1860
الثاني: قال في البيان: لا خلاف في منع النكاح بالجعل؛ لأن الجعل لا يلزم المجهول له، وله أن يتركه متى شاء، فالنكاح به نكاح فيه خيار.
وَكَرِهَ مَالِكُ الْمُؤَجَّلَ وقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزُ كُلُّهُ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءُ مِنْهُ مُؤَخَّراً فَلا أُحِبُّ طُولَهُ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ: خَمْسِينَ وسِتِّينَ ..
ظاهر كلام مالك كراهة الأجل مطلقاً، وقد صرح في المدونة بكراهة الأجل في بعض الصداق ولو إلى سنة، ووجهه ما ذكره من مخالفة أنكحة الماضين، وأيضاً فلئلا يتذرع الناس إلى النكاح بغير صداق، ويظهرون أن هنالك صداقاً ثم تسقطه المرأة، وأخذه الباجي من حديث: "زوجتكها بما معك من القرآن" بعد أن سأله: "هل تجد شيئاً"، وبالغ معه في ذلك حتى قال له: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فقال: هذا يقتضي أن حكم الصداق التعجيل، وإلا كان زوجها له بشيء مؤخر، وعن أشهب جواز الأجل فيه إلى اثني عشر عاماً وكذلك زوج ابنته، وعن ابن القاسم إجازة الأربعة، وابن وهب الخمسة، وأصبغ العشرين، ابن عبد السلام: وقيل بجواز العام وكراهة ما فوقه. ابن عبد السلام: ولا خلاف أنه لا يفسخ في العشرين.
خليل: وفيه نظر فقد حكى ابن حارث وغيره عن ابن وهب أنه قال: يفسخ النكاح إذا جاوز العشرة، وقاله ابن القاسم ثم رجع إلى ما نقله المصنف عنه.
اللخمي: ولو زاد على الستين فسخ على كل حال.
ابن عبد السلام: وحكي عن ابن القاسم أيضاً: لا يفسخ إلا إلى السبعين والثمانين.
следующие страницы →